Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
وَفِي الصَّوْمِ لَا يُعْتَبَرُ امْتِدَادُهُ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ فِي الصَّوْمِ نَادِرٌ وَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ وَفِي الصَّلَاةِ غَيْرُ نَادِرٍ وَفِي ذَلِكَ جَاءَتْ السُّنَّةُ فَلَمْ يُوجِبْ حَرَجًا.
وَأَمَّا الرِّقُّ فَإِنَّهُ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ شُرِعَ جَزَاءً فِي الْأَصْلِ لَكِنَّهُ فِي الْبَقَاءِ صَارَ مِنْ الْأُمُورِ الْحُكْمِيَّةِ بِهِ يَصِيرُ الْمَرْءُ عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ وَالِابْتِذَالِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْجُنُونِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ امْتِدَادُهُ بِاسْتِيعَابِ وَقْتِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُغْمَى عَلَيْهِ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ يُبْتَنَى عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَفَرْقٌ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ فَإِنَّ النَّوْمَ عَنْ اخْتِيَارٍ مِنْهُ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ.
وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَضَى الصَّلَوَاتِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَوَاتِ فَعَرَفْنَا أَنَّ امْتِدَادَهُ فِي الصَّلَاةِ بِمَا ذَكَرْنَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ إذَا لَمْ يَزْدَدْ الْإِغْمَاءُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِنَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ لَهُ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَفِي الصَّوْمِ لَا يُعْتَبَرُ امْتِدَادُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ مُضِيِّهِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ سَبَبُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي حَقِّهِ لِزَوَالِ عَقْلِهِ بِالْإِغْمَاءِ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يُبْتَنَى عَلَيْهِ وَقُلْنَا إنَّ الْإِغْمَاءَ عُذْرٌ فِي تَأْخِيرِ الصَّوْمِ إلَى زَوَالِهِ لَا فِي إسْقَاطِهِ لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِزَوَالِ الْأَهْلِيَّةِ أَوْ بِالْحَرَجِ وَلَا تَزُولُ الْأَهْلِيَّةُ بِهِ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا يَتَحَقَّقُ الْحَرَجُ بِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ وَامْتِدَادُهُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ نَادِرٌ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَحَيَاةُ الْإِنْسَانِ شَهْرًا بِدُونِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا نَادِرَةً فَلَا يَصْلُحُ لِبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَفِي الصَّلَاةِ امْتِدَادُهُ غَيْرُ نَادِرٍ فَيُوجِبُ حَرَجًا فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَفِي ذَلِكَ أَيْ فِي اعْتِبَارِ امْتِدَادِهِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ جَاءَتْ السُّنَّةُ كَمَا بَيَّنَّا فَلَمْ يُوجِبْ حَرَجًا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَفِي الصَّوْمِ نَادِرٌ أَيْ لَمْ يُوجِبْ امْتِدَادُهُ فِي الصَّوْمِ حَرَجًا.
قَوْلُهُ (أَمَّا الرِّقُّ) فَكَذَا الرِّقُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الضَّعْفُ يُقَالُ ثَوْبٌ رَقِيقٌ أَيْ ضَعِيفُ النَّسْجِ وَمِنْهُ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ضَعْفٍ حُكْمِيٍّ يَتَهَيَّأُ الشَّخْصُ بِهِ لِقَبُولِ مِلْكِ الْغَيْرِ فَيُتَمَلَّكُ بِالِاسْتِيلَاءِ كَمَا يُتَمَلَّكُ الصَّيْدُ وَسَائِرُ الْمُبَاحَاتِ وَاحْتَرَزَ بِالْحُكْمِيِّ عَنْ الْحِسِّيِّ فَإِنَّ الْعَبْدَ رُبَّمَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْحُرِّ حِسًّا لِأَنَّ الرِّقَّ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي سَلَامَةِ الْبِنْيَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَكِنَّهُ وَإِنْ قَوِيَ عَاجِزٌ عَمَّا يَمْلِكُهُ الْحُرُّ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْوِلَايَةِ وَالتَّزَوُّجِ وَمَالِكِيَّةِ الْمَالِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَرِقَّاءُ حَتَّى مُلِكُوا بِالِاسْتِيلَاءِ ثُمَّ إنَّ تَصَرُّفَاتِهِمْ نَافِذَةٌ وَأَنْكِحَتَهُمْ صَحِيحَةٌ وَشَهَادَتَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَقْبُولَةٌ وَأَمْلَاكَهُمْ ثَابِتَةٌ لِأَنَّ ثُبُوتَ وَصْفِ الرِّقِّ فِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا حَتَّى صَارُوا عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ فِي حَقِّنَا فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَهُمْ حُكْمُ الْأَحْرَارِ بِنَاءً عَلَى دِيَانَتِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْحُرْمَةِ فَيَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي حَقِّهِمْ شُرِعَ أَيْ الرِّقُّ جَزَاءً فِي الْأَصْلِ أَيْ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ وَابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا اسْتَنْكَفُوا عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَيَّرُوا أَنْفُسَهُمْ مُلْحَقَةً بِالْجَمَادَاتِ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُقُولِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ بِالتَّأَمُّلِ فِي آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّظَرِ فِي دَلَائِلِ وَحْدَانِيِّتِهِ جَازَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِالرِّقِّ الَّذِي صَارُوا بِهِ مَحَالَّ الْمِلْكِ وَجَعَلَهُمْ عَبِيدَ عَبِيدِهِ وَأَلْحَقَهُمْ بِالْبَهَائِمِ فِي التَّمَلُّكِ وَالِابْتِذَالِ وَلِكَوْنِهِ جَزَاءَ الْكُفْرِ فِي الْأَصْلِ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً.
وَلَكِنَّهُ فِي الْبَقَاءِ صَارَ مِنْ الْأُمُورِ الْحُكْمِيَّةِ أَيْ صَارَ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ ثَابِتًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ فِيهِ مَعْنَى
стр. 1402
وَهُوَ وَصْفٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ فَقَدْ قَالَ فِي الْجَامِعِ فِي مَجْهُولِ النَّسَبِ إذَا أَقَرَّ أَنَّ نِصْفَهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ أَنَّهُ يُجْعَلُ عَبْدًا فِي شَهَادَتِهِ وَفِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْجَزَاءِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْتَفَتَ إلَى جِهَةِ الْعُقُوبَةِ فِيهِ حَتَّى يَبْقَى الْعَبْدُ رَقِيقًا وَإِنْ أَسْلَمَ وَصَارَ مَعَ الْأَتْقِيَاءِ وَيَكُونُ وَلَدُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ رَقِيقًا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْجَزَاءَ وَهُوَ كَالْخَرَاجِ فَإِنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ حَتَّى لَا يَبْتَدِئَ عَلَى الْمُسْلِمِ لَكِنَّهُ فِي حَالِ الْبَقَاءِ صَارَ مِنْ الْأُمُورِ الْحُكْمِيَّةِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى الْمُسْلِمُ أَرْضَ الْخَرَاجِ لَزِمَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ وَالْعُرْضَةُ: الْمُعَرَّضُ لِلْأَمْرِ؛ أَيْ الَّذِي نُصِبَ لِأَمْرٍ؛ فُعْلَةٌ مِنْ الْعُرْضِ يُقَالُ فُلَانٌ جُعِلَ عُرْضَةً لِلْبَلَاءِ أَيْ مَنْصُوبًا لَهُ بِحَيْثُ يَعْرِضُ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أَيْ مُعَرَّضًا لَهَا فَتَبْتَذِلُوهُ بِكَثْرَةِ الْحَلِفِ بِهِ وَالْمَعْنَى هَاهُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ بِسَبَبِ الرِّقِّ يَصِيرُ مُعَرَّضًا وَمَنْصُوبًا لِلتَّمَلُّكِ وَالِابْتِذَالِ أَيْ الِامْتِهَانِ قَوْلُهُ (وَهُوَ وَصْفٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ) أَصْلُهُ التَّجَزُّؤُ بِالْهَمْزِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَيَّنُوا الْهَمْزَةَ تَخْفِيفًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْعَرَبِ فِي الْمَهْمُوزَاتِ فَصَارَ تَجَزُّوًا بِالْوَاوِ ثُمَّ قَلَبُوا الْوَاوَ يَاءً لِوُقُوعِهَا طَرَفًا مَضْمُومًا مَا قَبْلَهَا فَقَالُوا التَّجَزِّي وَمِثْلُهُ التَّوَضُّؤُ وَالتَّوَضِّي، أَيْ الرِّقُّ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ ثُبُوتًا وَزَوَالًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْبَلْخِيّ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ ثُبُوتًا حَتَّى لَوْ فَتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً وَرَأَى الصَّوَابَ فِي أَنْ يَسْتَرِقَّ أَنْصَافَهُمْ نَفَذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ لِأَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الْقَهْرُ لَا يَتَجَزَّى إذْ لَا يُتَصَوَّرُ قَهْرُ نِصْفِ الشَّخْصِ شَائِعًا دُونَ النِّصْفِ وَالْحُكْمُ يُبْتَنَى عَلَى السَّبَبِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ الْكُفْرِ وَهُوَ لَا يَتَجَزَّأُ وَلِأَنَّهُ شُرِعَ عُقُوبَةً وَجَزَاءً وَلَا يُتَصَوَّرُ إيجَابُ الْعُقُوبَةِ عَلَى النِّصْفِ مُشَاعًا دُونَ النِّصْفِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَتَجَزَّأُ فِي قَبُولِ هَذَا الْوَصْفِ كَمَا لَا يَتَجَزَّأُ فِي اتِّصَافِهِ بِالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَكَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فِي اتِّصَافِهَا بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَهَا فِي آخِرِ دَعْوَى الْجَامِعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ فَدَلَّ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَنَّهُ يُجْعَلُ عَبْدًا فِي شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لِلْمُقَرِّ لَهُ إلَّا فِي النِّصْفِ حَتَّى لَوْ انْضَمَّ إلَيْهِ مِثْلُهُ لَمْ يُجْعَلَا بِمَنْزِلَةِ حُرٍّ وَاحِدٍ فِي الشَّهَادَةِ كَمَا جُعِلَتْ الْمَرْأَتَانِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِيهَا وَفِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ مِثْلَ الْحُدُودِ وَالْإِرْثِ وَالنِّكَاحِ وَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ الرِّقِّ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الرِّقِّ فِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّجَزِّيَ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ قُوَّةٍ حُكْمِيَّةٍ يَصِيرُ الشَّخْصُ بِهِ أَهْلًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ وَيَمْتَنِعُ بِهَا عَنْ يَدِ الْمُسْتَوْلِي حَتَّى لَا يَمْلِكَهُ وَإِنْ قَهَرَهُ كَذَا قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ وَثُبُوتُ مِثْلِ هَذِهِ الْقُوَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْبَعْضِ الشَّائِعِ دُونَ الْبَعْضِ وَفِي قَوْلِهِ هُوَ ضِدُّهُ إشَارَةٌ إلَى دَلِيلِ عَدَمِ تَجَزِّيهِ فَإِنَّ الرِّقَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَجَزِّيًا لَزِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْعِتْقُ مُتَجَزِّيًا لِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الضِّدَّيْنِ إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ فَلَزِمَ مِنْ عَدَمِ تَجَزِّي الرِّقِّ عَدَمُ تَجَزِّي الْعِتْقِ ضَرُورَةً.
وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا حَتَّى أَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ لَا يَكُونُ حُرًّا أَصْلًا أَيْ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُرِّيَّةٌ فِي الْبَعْضِ وَلَا فِي الْكُلِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ بَلْ هُوَ رَقِيقٌ فِي شَهَادَتِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ كَمَا كَانَ وَإِنَّمَا هُوَ مُكَاتَبٌ جَوَابُ مَا يُقَالُ إنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ لَمَّا كَانَ مِثْلَ الْعَبْدِ فِي الْأَحْكَامِ فَمَا فَائِدَةُ الْإِعْتَاقِ فَقَالَ إنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ
стр. 1403
وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ حَتَّى أَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ لَا يَكُونُ حُرًّا أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي شَهَادَاتِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُكَاتَبٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْإِعْتَاقُ انْفِعَالُهُ الْعِتْقُ فَلَا يُتَصَوَّرُ دُونَهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الِانْفِعَالُ مُتَجَزِّيًا لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُتَجَزِّيًا كَالتَّطْلِيقِ وَالطَّلَاقِ
ــ
[كشف الأسرار]
مُكَاتَبٌ أَيْ صَارَ حُكْمُهُ بِالْإِعْتَاقِ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَأَنَّ الْعَبْدَ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ وَأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ وَأَنَّ بَعْضَ الْمِلْكِ زَالَ عَنْهُ كَمَا زَالَ عَنْ الْمُكَاتَبِ مِلْكُ الْيَدِ لِلْمَوْلَى إلَّا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ بِالتَّعْجِيزِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الْمُكَاتَبِ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَهُوَ الْكِتَابَةُ وَالسَّبَبُ هَاهُنَا إزَالَةُ مِلْكٍ لَا إلَى أَحَدٍ وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي مُعْتَقِ الْبَعْضِ اعْتَبَرَ جَانِبَ الشَّرِيكِ فَالْمِلْكُ لَمَّا بَقِيَ عِنْدَهُ فِي نَصِيبِهِ تَعَذَّرَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَثَبَتَ فِي الْكُلِّ لِعَدَمِ تَجَزِّيهِ فَتَوَقَّفَ فِي الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ وَيَسْقُطَ الْمِلْكُ بِالْكُلِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ يُحْكَمُ بِالْعِتْقِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ نَظَرَا إلَى جَانِبِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ فِي النِّصْفِ عَمَلًا بِإِضَافَةِ الْإِعْتَاقِ إلَيْهِ ثَبَتَ فِي الْكُلِّ لِعَدَمِ تَجَزِّيهِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ.
فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الرِّقَّ وَالْعِتْقَ لَا يَقْبَلَانِ التَّجَزِّيَ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ إنْ صَدَرَ الْعِتْقُ مِنْ مُوسِرٍ فَكَذَلِكَ وَإِنْ صَدَرَ مِنْ مُعْسِرٍ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ وَكَذَلِكَ الرِّقُّ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَهُوَ مُعْسِرٌ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَبَقِيَ الْبَاقِي رَقِيقًا كَمَا كَانَ يُبَاعُ وَيُوهَبُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِلَّا عَتَقَ مَا عَتَقَ وَرَقَّ مَا رَقَّ» وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ وُجِدَ فِي النِّصْفِ فَيَثْبُتُ مُوجَبُهُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي اتِّصَافِ الْبَعْضِ مِنْهُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْبَعْضِ بِالرِّقِّ لِأَنَّ هَذِهِ أَوْصَافٌ شَرْعِيَّةٌ تُذْكَرُ فَكَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْمِلْكِ أَنَّهُ زَالَ عَنْ الْبَعْضِ وَبَقِيَ فِي الْبَعْضِ فَاتَّصَفَ الْبَعْضُ بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا وَالْبَعْضُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ أَقُولُ فِي حَقِّ الْعِتْقِ النِّصْفُ الَّذِي زَالَ الْمِلْكُ عَنْهُ حُرٌّ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ رَقِيقٌ إلَّا أَنَّ لِهَذَا الْوَصْفِ آثَارًا مِنْهَا مَا يُمْكِنُ إظْهَارُ الْأَثَرِ فِي الْبَعْضِ وَهُوَ الْمَالِكِيَّةُ وَمِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ وَهُوَ الشَّهَادَةُ وَالْوِلَايَةُ فَأَثْبَتْنَا مَا أَمْكَنَ وَتَوَقَّفْنَا فِيمَا تَعَذَّرَ إلَى حِينِ تَمَامِ الْعِتْقِ
وَالْجَوَابُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّهُمَا وَصْفَانِ مُتَضَادَّانِ لَا يَتَجَزَّيَانِ كَمَا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْحَدِيثِ مُعَارَضٌ بِمَا سَنَذْكُرُهُ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ أَوْ مَا دَلَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ عَتَقَ مَا عَتَقَ يَعْتِقُ سَمَّاهُ عَتِيقًا بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ وَمِنْ قَوْلِهِ رَقَّ مَا رَقَّ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ رَقِيقٌ وَلَا كَلَامَ فِيهِ إنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ رَقِيقًا أَمْ يَخْرُجُ إلَى الْعِتْقِ بِالسِّعَايَةِ وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ.
ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ تَجَزِّي الرِّقِّ وَالْعِتْقِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمُطْلَقُ لِلتَّصَرُّفِ الْحَاجِزِ لِلْغَيْرِ عَنْهُ قَابِلٌ لِلتَّجَزُّؤِ ثُبُوتًا وَزَوَالًا بَلْ أَجْمَعَ الْكُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ اثْنَيْنِ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَثَبَتَ الْمِلْكُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ وَلَوْ بَاعَ نِصْفَ عَبْدِهِ يَبْقَى الْمِلْكُ لَهُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ بِالْإِجْمَاعِ وَيَزُولُ عَنْ النِّصْفِ الْمَبِيعِ لَا غَيْرُ وَإِذَا عَرَفْت أَحْكَامَ الرِّقِّ وَالْعِتْقِ وَالْمِلْكِ فِي التَّجَزِّيِ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْإِعْتَاقُ لَا يَتَجَزَّأُ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ أَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ
стр. 1404
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْإِعْتَاقُ إزَالَةُ الْمِلْكِ مُتَجَزًّى تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ لَا يَتَجَزَّى وَهُوَ الْعِتْقُ
ــ
[كشف الأسرار]
الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ يَعْتِقُ كُلُّهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ شَرِيكٌ» وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ انْفِعَالُهُ الْعِتْقُ أَيْ لَازِمُهُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَيْهِ يُقَالُ أَعْتَقْتُهُ فَعَتَقَ كَمَا يُقَالُ كَسَرْته فَانْكَسَرَ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِعْتَاقُ بِدُونِ الْعِتْقِ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ الْكَسْرُ بِدُونِ الِانْكِسَارِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الِانْفِعَالُ هَاهُنَا وَهُوَ الْعِتْقُ مُتَجَزِّئًا لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ مُتَجَزِّيًا ضَرُورَةً كَالتَّطْلِيقِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ انْفِعَالُ التَّطْلِيقِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَجَزِّيًا لَمْ يَكُنْ التَّطْلِيقُ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ مُتَجَزِّئًا وَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ يَتَوَقَّفُ الْإِعْتَاقُ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ الْمَالِكِ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ وَنَفَاذُهُ فِي الْبَعْضِ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ الْعِتْقِ فِي الْكُلِّ.
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ إثْبَاتِ الْعِتْقِ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي بَابِ الْإِعْتَاقِ وَأَنَّ إعْتَاقَ مَا لَيْسَ بِمَا يَصِحُّ كَالْجَنِينِ وَكَأُمِّ الْوَلَدِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَوْ كَانَ الْإِعْتَاقُ تَصَرُّفًا فِي الْمَالِيَّةِ لَمَا ثَبَتَ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَنْ الْمَالِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الِاسْتِيلَادَ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْعِتْقِ لَا يَتَجَزَّأُ حَتَّى لَوْ اسْتَوْلَدَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ صَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَحَقِيقَةُ الْعِتْقِ بِعَدَمِ التَّجَزِّيِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ إعْتَاقُ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَتَجَزَّأُ حَتَّى لَوْ ادَّعَى الشَّرِيكَانِ وَلَدَ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُمَا وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ نَصِيبُ الْآخَرِ فِي الْحَالِ فَكَذَا إعْتَاقُ الْقِنَّةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْإِعْتَاقُ يَتَجَزَّأُ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ لَا يَعْتِقُ الْكُلُّ وَلَكِنْ يَفْسُدُ الْمِلْكُ فِي الْبَاقِي حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ الْغَيْرَ وَلَا أَنْ يُبْقِيَهُ فِي مِلْكِهِ بَلْ يَصِيرَ كَالْمُكَاتَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدِ قَوْمٍ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا يَبْقَى الْعَبْدُ فِي نَصِيبِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» أَيْ يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى الْمُهْلَةِ وَالرِّقِّ وَلِمَا رَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ كُلِّفَ عِتْقَ بَقِيَّتِهِ» وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ عَتَقَ كُلُّهُ أَيْ سَيَصِيرُ عَتِيقًا بِإِخْرَاجِ الْبَاقِي إلَى الْعِتْقِ بِالسِّعَايَةِ فَكَانَ بَيَانًا أَنَّهُ لَا يُسْتَدَامُ فِيهِ الرِّقُّ.
وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إزَالَةُ مِلْكِ الْيَمِينِ بِالْقَوْلِ فَيَتَجَزَّأُ مِنْ الْمَحَلِّ كَالْبَيْعِ وَذَلِكَ لِأَنَّ نُفُوذَ تَصَرُّفِ الْمَالِكِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَهُوَ مَالِكٌ لِلْمَالِيَّةِ دُونَ الرِّقِّ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِضَعْفٍ شَرْعِيٍّ ثَابِتٍ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ مُجَازَاةً وَعُقُوبَةً عَلَى كُفْرِهِمْ كَمَا قُلْنَا وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ لِأَنَّهُ شُرِعَ عُقُوبَةً بِالْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ حَقُّهُ عَلَى الْخُصُوصِ فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ حَقًّا لَهُ كَحَدِّ الزِّنَا فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى وَتَعَلُّقُ بَقَاءِ الْمِلْكِ بِبَقَاءِ الرِّقِّ فِي الْمَحِلِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ كَتَعَلُّقِهِ بِالْحَيَاةِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِلْمِلْكِ ثُبُوتًا وَبَقَاءً وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا الْمَالِيَّةَ كَانَ الْإِعْتَاقُ مِنْهُ تَصَرُّفًا فِي إزَالَةِ مِلْكِ الْمَالِيَّةِ فَيَقْبَلُ التَّجَزِّيَ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ مُتَجَزٍّ كَالثَّوْبِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَزَالَهُ إلَى الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ كَانَ إسْقَاطًا لِلْمَالِيَّةِ وَإِسْقَاطُهَا يُوجِبُ زَوَالَ الرِّقِّ وَثُبُوتَ الْعِتْقِ فَكَانَ فِعْلُهُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ إزَالَةِ الْمَالِيَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا تَمَّ إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ يَعْقُبُهُ الْعِتْقُ لَا أَنْ يَكُونَ
стр. 1405
لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ سُقُوطِ الرِّقِّ وَسُقُوطُ الرِّقِّ حُكْمٌ لِسُقُوطِ كُلِّ الْمِلْكِ فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ فَقَدْ وُجِدَ شَطْرُ عِلَّةِ الْعِتْقِ وَصَارَ ذَلِكَ كَإِعْدَادِ الْوُضُوءِ أَنَّهَا مُتَجَزِّيَةٌ تَعَلَّقَ بِهَا إبَاحَةُ الصَّلَاةِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَجَزِّيَةٍ كَذَلِكَ إعْدَادُ الطَّلَاقِ لِلتَّحْرِيمِ.
ــ
[كشف الأسرار]
فِعْلُ الْمُزِيلِ مُلَاقِيًا لِلرِّقِّ كَالْقَاتِلِ فِعْلُهُ لَا يَحِلُّ الرُّوحَ وَإِنَّمَا يَحِلُّ الْبِنْيَةَ ثُمَّ بِنَقْضِ الْبِنْيَةِ تَزْهَقُ الرُّوحُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ قَتْلًا وَكَشِرَاءِ الْقَرِيبِ يَكُونُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ التَّمَلُّكِ لَا بِدُونِ الْوَاسِطَةِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ الْإِعْتَاقُ إزَالَةٌ لِمِلْكٍ مُتَجَزٍّ تَعَلَّقَ بِهِ أَيْ بِهَذِهِ الْإِزَالَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِسْقَاطِ حُكْمٌ لَا يَتَجَزَّأُ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَيْ الْعِتْقَ عِبَارَةٌ عَنْ سُقُوطِ الرِّقِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِعْتَاقِ بِوَاسِطَةٍ أَيْ لَا نَعْنِي ثُبُوتَ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ الْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَّا سُقُوطَ الرِّقِّ الَّذِي هُوَ الضَّعْفُ الشَّرْعِيُّ لِأَنَّ زَوَالَ الضَّعْفِ يُوجِبُ قُوَّةً بِحَبْسِهِ لَا مَحَالَةَ وَسُقُوطُ الرِّقِّ حُكْمٌ لِسُقُوطِ كُلِّ الْمِلْكِ وَذَلِكَ لِأَنَّ ثُبُوتَ الرِّقِّ فِي الْأَصْلِ لَمَّا كَانَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْقَى الرِّقُّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ بِالْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْآدَمِيَّ مُكَرَّمٌ مُحْتَرَمٌ إلَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ لِقِيَامِ مِلْكِ الْمَوْلَى فَكَانَ بَقَاءُ الرِّقِّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَوْلَى فَمَا دَامَ حَقُّ الْمَوْلَى قَائِمًا فِي الْمَحَلِّ يَبْقَى الرِّقُّ وَيَنْبَغِي الْعِتْقُ وَإِذَا زَالَ الْمِلْكُ وَالْمَالِيَّةُ بِالْكُلِّيَّةِ انْتَفَى الرِّقُّ وَحَدَثَ الْعِتْقُ فَثَبَتَ أَنَّ سُقُوطَ الرِّقِّ حُكْمُ سُقُوطِ الْمِلْكِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَيْ الْعِتْقَ عِبَارَةٌ عَنْ سُقُوطِ الرِّقِّ تَسَامُحٌ فِي الْعِبَارَةِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ثُبُوتِ الْقُوَّةِ إلَّا أَنَّ سُقُوطَ الرِّقِّ مِنْ لَوَازِمِهِ فَيُعْتَبَرُ بِهِ عَنْهُ كَمَا أَنَّ الْحَرَكَةَ لَيْسَتْ بِعِبَارَةٍ عَنْ زَوَالِ السُّكُونِ بَلْ مَعْنًى يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ زَوَالُ السُّكُونِ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْحَرَكَةِ عَنْ زَوَالِ السُّكُونِ وَمِثْلُهُ تَفْسِيرُ الْمَوْتِ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ تَفْسِيرٌ بِلَازِمِهِ أَوْ هُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْحَيَاةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَصَارَ ذَلِكَ أَيْ إسْقَاطُ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ مُتَجَزٍّ وَتَعَلُّقُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُتَجَزٍّ بِهِ كَإِعْدَادِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي حُكْمِ الْغُسْلِ فَإِنَّهَا مُتَجَزِّئَةٌ فِيهِ وَتَعَلَّقَ بِهَا أَيْ بِغُسْلِهَا إبَاحَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ حَتَّى كَانَ غَاسِلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مُتَطَهِّرًا وَمُزِيلًا لِلْحَدَثِ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَيَتَوَقَّفُ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ عَلَى غَسْلِ الْبَاقِي.
وَكَذَلِكَ أَيْ كَإِعْدَادِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إعْدَادُ الطَّلَاقِ لِلتَّحْرِيمِ فَإِنَّهَا مُتَجَزِّئَةٌ وَتَعَلَّقَ بِهَا الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ حَتَّى كَانَ مُوقِعُ الطَّلْقَةِ وَالطَّلْقَتَيْنِ مُطَلِّقًا وَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ عَلَى كَمَالِ الْعَدَدِ فَكَذَا هَاهُنَا إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ اسْتَحَقَّ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ حَقَّ الْعِتْقِ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ لَمَّا صَحَّتْ اسْتَحَقَّ أَنْ يُعْتَقَ بِقَدْرِهِ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ أَقْوَى مِنْ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَلَمَّا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ لِلْحَالِ وَلَمْ يَحْتَمِلْ النَّقْضَ وَجَبَ تَكْمِيلُهُ مِنْ طَرِيقِ السِّعَايَةِ فَيُجْعَلُ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَلِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ تَأَخَّرَ حَقُّ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ وَفِي الْقَوْلِ يُعْتَقُ الْكُلُّ بُطْلَانُ مِلْكِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ فَكَانَ التَّأْخِيرُ أَوْلَى كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ قَدْ ذَكَرْتُمْ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِعَارَةِ أَلْفَاظِ الْعِتْقِ لِلطَّلَاقِ أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظِ إثْبَاتُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ الْقُوَّةُ وَذَلِكَ مُوجَبُ التَّصَرُّفِ شَرْعًا وَقُلْتُمْ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى إعْتَاقِ الْمَوْلَى عَبْدَهُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ بِدُونِ دَعْوَى الْعَبْدِ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ وَهُوَ حَقُّهُ ثُمَّ ذَكَرْتُمْ هَاهُنَا أَنَّهُ إزَالَةُ الْمِلْكِ لَا إثْبَاتُ الْعِتْقِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ مُلَاقِيًا لِلْمِلْكِ وَالْمَالِيَّةِ لَكِنَّهُ طَرِيقٌ لِثُبُوتِ الْعِتْقِ فَكَانَ الْعِتْقُ مُضَافًا إلَى تَصَرُّفِهِ لِأَنَّهُ سَلَكَ طَرِيقَ حُدُوثِهِ وَأَعْمَلَ الْعِلَّةَ فَيُعْطَى لِتَصَرُّفِهِ حُكْمُ الْعِلَّةِ كَمَا
стр. 1406
وَهَذَا الرِّقُّ يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ لِقِيَامِ الْمَمْلُوكِيَّةِ مَالًا حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ التَّسَرِّيَ
ــ
[كشف الأسرار]
لَوْ قَطَعَ الْحَبْلَ حَتَّى سَقَطَ الْقِنْدِيلُ يُقَالُ أَسْقَطَ لِأَنَّهُ أَعْمَلَ الْعِلَّةَ وَهِيَ الثِّقَلُ بِإِزَالَةِ الْمَسْكَةِ وَمَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي الْمَالِيَّةِ بِالْإِسْقَاطِ لِإِحْدَاثِ الْعِتْقِ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّصَرُّفِ الْعِتْقَ وَبِهِ يُسَمَّى التَّصَرُّفُ ثُمَّ إذَا أَرَدْت الِاسْتِعَارَةَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي قُصِدَ بِالتَّصَرُّفِ وَهُوَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْ الْقُوَّةِ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ التَّصَرُّفِ دُونَ الطَّرِيقِ الَّذِي لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْعِتْقُ غَيْرُ ثَابِتٍ بَعْدُ وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي طَرِيقِ الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ فَنُرَاعِي مَعْنَى إزَالَةِ الْمِلْكِ وَالْمَالِيَّةِ فَنَقُولُ هُوَ مُتَصَرِّفٌ فِي الْمِلْكِ وَهُوَ مُتَجَزٍّ وَمَا دَامَ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِيَّةِ قَائِمًا فِي الْمَحَلِّ لَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ كَالْقِنْدِيلِ يَبْقَى مُعَلَّقًا مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْ الْمَسْكَةِ قَائِمًا
وَعَلَى هَذَا النَّمَطِ يَجْرِي تَخْرِيجُ الْمَسَائِلِ فِي اعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّصَرُّفِ وَاعْتِبَارِ طَرِيقِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ ﵀ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِيهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي عَقْدِ تَمْلِيكِ الْمَالِ بِالْمَالِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الرِّبَا إذْ فِيهِ ضَرْبُ جَهَالَةٍ فَيَحْتَمِلُ اسْتِيفَاءَ الزِّيَادَةِ وَأَمَّا فِي عَقْدِ إسْقَاطِ الْمَالِ فَلَا يُؤَدِّي إلَيْهِ فَيَثْبُتُ وَإِنَّمَا جَازَ إعْتَاقُ الْجَنِينِ لِأَنَّهُ فِي الْبَطْنِ مَالٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْغَصْبِ وَكَذَا أُمُّ الْوَلَدِ مَالٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَكِنْ لَا قِيمَةَ لَهَا فَيَصِحُّ إعْتَاقُهَا لِوُجُودِ الْمَالِيَّةِ وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِاسْتِهْلَاكِهِ لِعَدَمِ التَّقَوُّمِ.
وَقَوْلُهُمْ: الِاسْتِيلَادُ لَا يَتَجَزَّأُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا بِدَلِيلِ أَنَّ مُدَبَّرَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ لَوْ اسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا صَارَ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَنَصِيبُ الْآخَرِ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَكَذَا مُكَاتَبًا بَيْنَ اثْنَيْنِ اسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا لَا يَصِيرُ نَصِيبُ الْآخَرِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَأَمَّا الْقِنَّةُ فَإِنَّمَا يَصِيرُ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَجَزٍّ وَلَكِنْ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَحَقَّقَ فِي جَمِيعِهَا وَهُوَ ثُبُوتُ نَسَبِ الْوَلَدِ وَالنَّسَبُ قَدْ ثَبَتَ فِي جَمِيعِهَا فَقُلْنَا بِانْتِقَالِ مِلْكِ الشَّرِيكِ إلَيْهَا بِالْقِيمَةِ إنْ كَانَ مُمْكِنًا وَذَلِكَ فِي الْقِنَّةِ دُونَ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ فَيَقْتَصِرُ حُكْمُهُ فِيهِمَا عَلَى نَصِيبِهِ وَيَتَعَدَّى إلَى نَصِيبِ الشَّرِيكِ فِي الْقِنَّةِ وَكَذَا إعْتَاقُ أُمِّ الْوَلَدِ مُتَجَزٍّ إذْ لَمْ يَعْتِقْ بِإِعْتَاقِهِ إلَّا النِّصْفُ وَلَكِنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ يَعْتِقُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي إبْقَاءِ الرِّقِّ فَإِنَّ رِقَّ أُمِّ الْوَلَدِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا عِنْدَهُ لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُ الْمَالِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ احْتِبَاسِ مِلْكِ الشَّرِيكِ عِنْدَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ فِي إبْقَاءِ الْمِلْكِ فَائِدَةٌ فَيُعَجِّلُ عِتْقَ الْبَاقِي وَفِي الْقِنَّةِ فِي إبْقَاءِ الرِّقِّ فَائِدَةٌ فَيَبْقَى لِلسِّعَايَةِ
قَوْلُهُ (وَهَذَا الرِّقُّ) أَيْ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ وَكَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِلَفْظِ الْإِشَارَةِ عَنْ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى رِقًّا وَلَا يَمْنَعُ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْعَبْدُ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ وَإِنْ مَلَكَهُ الْمَوْلَى لِقِيَامِ الْمَمْلُوكِيَّةِ مَالًا يَعْنِي مَمْلُوكِيَّتَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِنْسَانِيَّةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ تُنْبِئُ عَنْ الْقُدْرَةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةَ تُنْبِئُ عَنْ الْعَجْزِ وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ وَمَالِكًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ كَمَا قُلْنَا فِي مَالِكِيَّةِ غَيْرِ الْمَالِ قُلْنَا لَوْ قِيلَ بِمَالِكِيَّتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مَالِكًا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَالِكَ مُبْتَذِلٌ لِلْمَالِ وَالْمَالُ مُبْتَذَلٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَذِلُ مُبْتَذَلًا فِي حَالَةٍ بِخِلَافِ مَالِكِيَّةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ
стр. 1407
وَحَتَّى لَا يَصِحَّ مِنْهُمَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لِعَدَمِ أَصْلِ الْقُدْرَةِ وَهِيَ الْبَدَنِيَّةُ لِأَنَّهَا لِلْمَوْلَى لِأَنَّ مِلْكَ الذَّاتِ يُوجِبُ مِلْكَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ لِكَوْنِهَا تَبَعًا إلَّا مَا اسْتَثْنَى عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الْقُرَبِ الْبَدَنِيَّةِ بِخِلَافِ الْفَقِيرِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ قُدْرَةِ الْفِعْلِ إذَا حَدَثَتْ وَهِيَ الِاسْتِطَاعَةُ الْأَصْلِيَّةُ
ــ
[كشف الأسرار]
دَاعِيَةٌ إلَى إثْبَاتِهَا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْقَى بِالرِّقِّ أَهْلِيَّةُ مِلْكِ التَّصَرُّفِ كَمَا لَا يَبْقَى أَهْلِيَّةُ مِلْكِ الْمَالِ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ تَصَرُّفًا كَمَا أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ مَالًا قُلْنَا إنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ تَصَرُّفًا فِي نَفْسِهِ بَيْعًا وَتَرْوِيجًا وَقَدْ فَاتَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ هَذَا التَّصَرُّفِ وَكَانَ نَائِبًا عَنْ الْمَوْلَى مَتَى بَاشَرَهُ بِأَمْرِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَمْلُوكًا مِنْ حَيْثُ التَّصَرُّفُ فِي ذِمَّتِهِ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ بِثَمَنٍ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ ابْتِدَاءً فَيَبْقَى لَهُ الْأَهْلِيَّةُ فِي مِلْكِ هَذَا التَّصَرُّفِ كَمَا إنَّهُ لَمَّا يَصِرْ مَمْلُوكًا تَصَرُّفًا عَلَيْهِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بَقِيَ مَالِكًا لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ كَذَا فِي مَأْذُونِ الْمَبْسُوطِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الرِّقَّ يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ لَا تَثْبُتُ الْأَحْكَامُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْمِلْكِ فِي حَقِّ الرَّقِيقِ فَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ التَّسَرِّيَ وَإِنْ أَذِنَ لَهُمَا الْمَوْلَى بِذَلِكَ كَمَا لَا يَمْلِكَانِ الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْمِلْكِ كَالْإِعْتَاقِ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ يَجُوزُ لَهُمَا التَّسَرِّي لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بَعْدَ النِّكَاحِ أَوْ الشِّرَاءِ فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ كَانَ أَهْلًا بِالطَّرِيقِ الْآخَرِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ الَّذِي يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى مِمَّا يَثْبُتُ بِالشِّرَاءِ.
وَالْجَوَابُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ فَكَذَا حُكْمُهُ بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَلَا تَأْثِيرَ لِإِذْنِ الْمَوْلَى فِي إثْبَاتِ الْأَهْلِيَّةِ إنَّمَا تَأْثِيرُهُ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ عِنْدَ قِيَامِ أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالسُّرِّيَّةُ الْأَمَةُ الَّتِي بَوَّأْتَهَا بَيْتًا وَأَعْدَدْتَهَا لِلْوَطْءِ فُعْلِيَّةٌ مِنْ السَّرِّ وَهُوَ النِّكَاحُ يُقَالُ تَسَرَّرْتُ جَارِيَةً وَتَسَرَّيْت كَمَا يُقَالُ تَظَنَّنْتُ وَتَظَنَيْتُ وَخَصَّ الْمُكَاتَبَ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ حُكْمَ الْمُدَبَّرِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ لِحُرِّيَّتِهِ يَدًا فَيُوهِمُ ذَلِكَ جَوَازَ التَّسَرِّي لَهُ فَأَزَالَ الْوَهْمَ بِذِكْرِهِ قَوْلُهُ (وَحَتَّى لَا يَصِحَّ مِنْهُمَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ) يَعْنِي لَمَّا أَبْطَلَ الرِّقُّ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ لَا يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ وَالِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْحَجِّ وَلَا قُدْرَةَ لِلرَّقِيقِ أَصْلًا لِأَنَّهَا بِمَنَافِعِ الْبَدَنِ وَالْمَالِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْهُمَا أَمَّا الْمَالُ فَلِمَا قُلْنَا وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَلِأَنَّ الْمَوْلَى لَمَّا مَلَكَ رَقَبَتَهُ كَانَتْ الْمَنَافِعُ حَادِثَةً عَلَى مِلْكِهِ لِأَنَّ مِلْكَ الذَّاتِ عِلَّةٌ لِمِلْكِ الصِّفَاتِ فَكَانَتْ مَنَافِعُهُ لِلْمَوْلَى إلَّا مَا اسْتَغْنَى عَلَيْهِ أَيْ الْمَوْلَى فِي سَائِرِ الْقُرَبِ الْبَدَنِيَّةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الصَّوْمُ الْفَرْضُ وَالصَّلَاةُ الْفَرْضُ لَيْسَتْ لِلْمَوْلَى بِالْإِجْمَاعِ وَالْعَبْدُ فِيهَا مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْحَجُّ الْمُؤَدَّى قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ نَفْلًا فَلَا يَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ.
بِخِلَافِ الْفَقِيرِ إذَا حَجَّ ثُمَّ اسْتَغْنَى حَيْثُ جَازَ مَا أَدَّى عَنْ الْفَرْضِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَالِ لَيْسَ بِشَرْطِ الْوُجُوبِ لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا شَرْطٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْوُصُولِ إلَى مَوْضِعِ الْأَدَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَكِّيَّ الَّذِي هُوَ فِي مَوْضِعِ الْأَدَاءِ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ مِلْكُ الْمَالِ الْمَوْجُودِ وَفِي حَقِّ الْأَفَاقِيِّ لَا يَتَقَدَّرُ الْمَالُ بِنِصَابٍ بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْوُصُولِ إلَى مَوْضِعِ الْأَدَاءِ فَبِأَيِّ طَرِيقٍ وَصَلَ إلَيْهِ الْفَقِيرُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ وَكَانَ أَدَاؤُهُ حَاصِلًا بِمَنَافِعِهِ الَّتِي هِيَ حَقُّهُ فَكَانَ فَرْضًا فَأَمَّا مَنَافِعُ الْعَبْدِ فَلِمَوْلَاهُ وَبِإِذْنِ الْمَوْلَى لَا يَخْرُجُ الْمَنْفَعَةُ عَنْ مِلْكِهِ فَإِنَّمَا أَدَّاهُ بِمَا هُوَ مِلْكُ غَيْرِهِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ كَمَا لَوْ أَدَّى الْكَفَّارَةَ بِالْمَالِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهَا يَتَأَدَّى بِتَمْلِيكِ الْمَالِ وَهُوَ لِلْمَوْلَى لَا لِنَفْسِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ
стр. 1408
فَأَمَّا الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ فَلِلْيُسْرِ فَلَمْ يَجِبْ وَصَحَّ الْأَدَاءُ.
وَالرِّقُّ لَا يُنَافِي مَالِكِيَّةَ غَيْرِ الْمَالِ وَهُوَ النِّكَاحُ وَالدَّمُ وَالْحَيَاةُ.
ــ
[كشف الأسرار]
إذَا أَدَّاهَا بِإِذْنِ الْمَوْلَى حَيْثُ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ تُؤَدَّى فِي وَقْتِ الظُّهْرِ خَلَفًا عَنْ الظُّهْرِ وَمَنَافِعُهُ لِأَدَاءِ الظُّهْرِ مُسْتَثْنًى مِنْ حَقِّ الْمَوْلَى فَكَانَ أَدَاؤُهُ الْجُمُعَةَ بِمَنَافِعَ مَمْلُوكَةٍ لَهُ فَجَازَ عَنْ الْفَرْضِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَقَوْلُهُ: فَأَمَّا الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ كَقُدْرَةِ الْبَدَنِ فَكَانَ أَدَاءُ الْفَقِيرِ قَبْلَ هَذِهِ الْقُدْرَةِ أَدَاءً قَبْلَ الْوُجُوبِ كَأَدَاءِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ وَلَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ اشْتِرَاطُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لِلْيُسْرِ يَعْنِي الْيُسْرَ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ الْحَرَجُ وَيَخْرُجُ بِهِ الْوَاجِبُ عَنْ الْإِمْكَانِ الْبَعِيدِ إلَى الْإِمْكَانِ الْعَادِي لَا الْيُسْرُ الَّذِي بِهِ يَصِيرُ الْوَاجِبُ سَمْحًا سَهْلًا لَيِّنًا كَيُسْرِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَعْوَانٍ وَخَدَمٍ وَمَرَاكِبَ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَلَمْ يَجِبْ الْأَدَاءُ عَلَى الْفَقِيرِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَصَحَّ الْأَدَاءُ مِنْهُ لِوُجُودِ أَصْلِ الْقُدْرَةِ.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي الْأَسْرَارِ السَّبَبُ هُوَ الْبَيْتُ وَهُوَ مَوْجُودٌ فَتَوَجَّهَ الْخِطَابُ إذَا جَاءَ وَقْتُهُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُ الْخِطَابِ بِالْحَجِّ وَالْفَقِيرُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ مَلَكَ اسْتِطَاعَةَ الْأَدَاءِ لَكِنْ يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِلَا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ فَتَأَخَّرَ الْوُجُوبُ عَنْهُ إلَى مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ تَيْسِيرًا لَهُ وَحَقًّا لَهُ فَلَمْ يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ التَّعْجِيلِ كَالْمُسَافِرِ يُعَجِّلُ الصَّوْمَ.
قَوْلُهُ (وَالرِّقُّ لَا يُنَافِي مَالِكِيَّةَ غَيْرِ الْمَالِ وَهُوَ النِّكَاحُ وَالدَّمُ وَالْحَيَاةُ) لِأَنَّ الْجِهَةَ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَصِرْ بِالرِّقِّ مَمْلُوكًا مِنْ حَيْثُ النِّكَاحُ وَالدَّمُ وَالْحَيَاةُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ مَالِكِيَّتُهُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِهِ وَكَانَ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُبْقِيًا عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَى إثْبَاتِ هَذِهِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعَ صِفَةِ الرِّقِّ أَهْلٌ لِلْحَاجَةِ إلَى النِّكَاحِ وَإِلَى الْبَقَاءِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِقَضَائِهَا وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِأَمَةِ الْمَوْلَى وَطْئًا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَمَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِمَالِ مَوْلَاهُ أَكْلًا وَلُبْسًا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ مِلْكِ الْيَمِينِ فَإِذًا لَا طَرِيقَ لَهُ لِدَفْعِ هَذِهِ الْحَاجَةِ إلَّا النِّكَاحُ فَيَثْبُتُ لَهُ مَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ.
وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ نَفَاذُهُ مِنْهُ عَلَى إذْنِ الْمَوْلَى دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَهْرِ وَفِي إيجَابِهِ بِدُونِ رِضَاءِ الْمَوْلَى إضْرَارٌ بِهِ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ إذْ لَمْ يُوجَدْ مَالٌ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَمَالِيَّتُهَا حَقُّ الْمَوْلَى فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إجَازَتِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ عَنْ الْمَالِيَّةِ بِالْإِعْتَاقِ نَفَذَ النِّكَاحُ الصَّادِرُ مِنْ الْعَبْدِ بِدُونِ إجَازَتِهِ وَلَوْ أَجَازَ بِدُونِ الْإِعْتَاقِ كَانَ الْمَالِكُ لِلْبُضْعِ الْعَبْدَ دُونَ الْمَوْلَى وَيُشْتَرَطُ الشُّهُودُ عِنْدَ النِّكَاحِ لَا عِنْدَ الْإِجَازَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ وَأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ لِلنِّكَاحِ دُونَ الْمَوْلَى وَلَا يُقَالُ إنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ وَلَوْ كَانَ مَالِكًا لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ تَحْصِينًا لِمِلْكِهِ عَنْ الزِّنَا الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْهَلَاكِ وَالنُّقْصَانِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ وَلِهَذَا كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الْمَالِكَ لِلْبُضْعِ بَعْدَ الْإِجْبَارِ دُونَ الْمَوْلَى وَهُوَ الْمَالِكُ لِلطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ رَفْعُ النِّكَاحِ فَثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ لِلنِّكَاحِ وَكَذَا الدَّمُ وَالْحَيَاةُ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى الْبَقَاءِ وَلَا بَقَاءَ لَهُ إلَّا بِبَقَائِهِمَا فَثَبَتَ لَهُ مِلْكُ الدَّمِ وَالْحَيَاةِ كَمَا يَثْبُتُ مَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى إتْلَافَ دَمِهِ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ
стр. 1409
وَيُنَافِي كَمَالَ الْحَالِ فِي أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْبَشَرِ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ الذِّمَّةِ وَالْحِلِّ وَالْوِلَايَةِ حَتَّى أَنَّ ذِمَّتَهُ ضَعُفَتْ بِرِقِّهِ فَلَمْ يَحْتَمِلْ الدَّيْنَ بِنَفْسِهَا وَضُمَّتْ إلَيْهَا مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبُ وَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّ الدَّيْنَ مَتَى ثَبَتَ بِسَبَبٍ لَا تُهْمَةَ فِيهِ أَنَّهُ يُبَاعُ بِهِ رَقَبَتُهُ مِثْلُ دَيْنِ التِّجَارَةِ لِأَنَّ حَاجَتَنَا إلَى ظُهُورِ التَّعَلُّقِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِيفَائِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى تَأَخَّرَ إلَى عِتْقِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ وَلَا بِكَسْبِهِ مِثْلُ دَيْنٍ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمَحْجُورِ وَمِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَيَدْخُلَ بِهَا لِأَنَّ تَقَوُّمَ الْبُضْعِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِشُبْهَةِ عَقْدٍ عُدِمَتْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
وَصَحَّ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِالْقِصَاصِ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِأَنَّ وَلِيَّ الْقِصَاصِ يَسْتَحِقُّ إرَاقَةَ دَمِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْحُرِّ فَكَانَ هَذَا إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى حَقِّ الْمَوْلَى فَيَصِحُّ وَيُؤْخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ وَتُقْبَلُ الْحُرِّيَّةُ لِأَنَّهُ مُبْقٍ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ وَالْحَيَاةِ.
قَوْلُهُ (وَيُنَافِي) أَيْ الرِّقُّ كَمَالَ الْحَالِ فِي أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْبَشَرِ فِي الدُّنْيَا وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْكَرَامَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُسَاوِي الْحُرَّ فِيهَا لِأَنَّ أَهْلِيَّتَهَا بِالتَّقْوَى وَلَا رُجْحَانَ لِلْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ فِي التَّقْوَى مِثْلُ الذِّمَّةِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بِهَا يَصِيرُ أَهْلًا لِلْإِيجَابِ وَلَا اسْتِيجَابَ وَيَمْتَازُ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ فَتَكُونُ كَرَامَةً وَالْحِلُّ فَإِنَّ اسْتِفْرَاشَ الْحَرَائِرِ وَتَوْسِعَةَ طُرُقِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَلْزِمُ لُحُوقَ إثْمٍ سَلَامَةُ كَرَامَةٍ بِلَا شُبْهَةٍ وَلِهَذَا اتَّسَعَ الْحِلُّ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ لِزِيَادَةِ شَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ وَالْوِلَايَةُ فَإِنَّهَا تَنْفِيذُ الْأَمْرِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ كَرَامَةٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ السَّلْطَنَةِ حَتَّى أَنَّ ذِمَّتَهُ أَيْ ذِمَّةَ الرَّقِيقِ ضَعُفَتْ بِسَبَبِ رِقِّهِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَارَ مَالًا بِالرِّقِّ صَارَ كَأَنَّهُ لَازِمُهُ لَهُ أَصْلًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنْسَانٌ مُكَلَّفٌ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ذِمَّةٌ فَقُلْنَا بِوُجُودِ أَصْلِ الذِّمَّةِ وَلَكِنَّهَا ضَعُفَتْ بِالرِّقِّ فَلَمْ يَحْتَمِلْ الدَّيْنَ أَيْ لَمْ تَقْوَ عَلَى تَحَمُّلٍ بِنَفْسِهَا لِضَعْفِهَا حَتَّى لَا يُمْكِنُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ بِدُونِ انْضِمَامِ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ أَوْ الْكَسْبِ إلَيْهَا إذَا لَا مَعْنَى لِاحْتِمَالِهَا الدَّيْنَ إلَّا صِحَّةُ الْمُطَالَبَةِ فَإِذَا ضُمَّتْ إلَيْهَا مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبِ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهَا فَيُسْتَوْفَى مِنْ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبِ كَذِمَّةِ الْمَرِيضِ لَمَّا ضَعُفَتْ بِانْعِقَادِ سَبَبِ الْخَرَابِ وَجَبَ ضَمُّ الْكَسْبِ إلَيْهَا لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالْكَسْبِ أَنَّ الْعَبْدَ يُسْتَسْعَى فِيهِ بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ الْكَسْبَ الْمَوْجُودَ فِي يَدِهِ يُصْرَفُ إلَى الدَّيْنِ أَوَّلًا فَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ فَحِينَئِذٍ تُصْرَفُ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ إلَيْهِ وَلَا تُبَاعُ الرَّقَبَةُ بِالدَّيْنِ مَا بَقِيَ الْكَسْبُ بِالْإِجْمَاعِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ بَيْعُهُ فَيُسْتَسْعَى فِي الدَّيْنِ كَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَمُعْتَقِ الْبَعْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّ مَالِيَّةَ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبِ يُضَمُّ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى ذِمَّةِ الْعَبْدِ لِتَحْتَمِلَ الدَّيْنَ قُلْنَا إنَّ الدَّيْنَ مَتَى ثَبَتَ بِسَبَبٍ لَا تُهْمَةَ فِيهِ أَيْ بِسَبَبٍ ظَهَرَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى أَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ يُبَاعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الدَّيْنِ رَقَبَةُ الْعَبْدِ لَيُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ الثَّمَنِ إنْ لَمْ يَخْتَرْ الْمَوْلَى لِهَذَا مِثْلُ دَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ بِأَنْ اسْتَهْلَكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالْمَحْجُورُ مَالَ الْأَجْنَبِيِّ يَجِبُ الضَّمَانُ وَيُسْتَوْفَى مِنْ رَقَبَتِهِ إنْ لَمْ يُفْدِهِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ فِي يَدِهِ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ظَاهِرٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِثُبُوتِهِ حِسًّا وَعِيَانًا وَدَيْنُ التِّجَارَةِ بِأَنْ تَصَرَّفَ الْمَأْذُونُ وَرَكِبَهُ دَيْنٌ يُسْتَوْفَى مِنْ كَسْبِهِ أَوْ مَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ عِنْدَنَا إنْ لَمْ يَكُنْ كَسْبٌ وَلَمْ يُفِدْهُ الْمَوْلَى فَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يُبَاعُ الْعَبْدُ فِي دَيْنِ التِّجَارَةِ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ كَسْبُ الْمَوْلَى فَلَا تُبَاعُ بِدَيْنِ التِّجَارَةِ كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ وَهَذَا لِأَنَّ مَالَ الْمَوْلَى إنَّمَا يَشْتَغِلُ بِهَذَا الدَّيْنِ بِالْإِذْنِ وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَلَا يَشْتَغِلُ غَيْرُ مَالِ التِّجَارَةِ بِدَيْنِهَا لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهَا بِخِلَافِ دَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْغَلُ رَقَبَتَهُ قَبْلَ الْإِذْنِ فَكَذَا بَعْدَهُ وَلِأَنَّ دَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ
стр. 1410
وَكَذَلِكَ الْحِلُّ انْتَقَصَ بِالرِّقِّ لِأَنَّهُ مِنْ كَرَامَاتِ الْبَشَرِ فَيَتَّسِعُ بِالْحُرِّيَّةِ وَيَقْصُرُ بِالرِّقِّ إلَى النِّصْفِ حَتَّى لَا يَنْكِحَ الْعَبْدُ إلَّا امْرَأَتَيْنِ وَكَذَلِكَ حِلُّ النِّسَاءِ يَقْصُرُ بِالرِّقِّ إلَى النِّصْفِ حَتَّى صَحَّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْحُرَّةِ وَلَا يَصِحُّ إذَا تَأَخَّرَ أَوْ قَارَنَ لِتَعَذُّرِ التَّنْصِيفِ فِي الْمُقَارَنَةِ وَالْعِدَّةُ يَتَنَصَّفُ لَكِنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَقْبَلُ التَّنْصِيفَ فَيَتَكَامَلُ
ــ
[كشف الأسرار]
لَمْ يَجِدْ مَحَلًّا آخَرَ سِوَى الرَّقَبَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا هَدَرَ أَمْلَاكُ النَّاسِ فَعَلَّقْنَاهُ بِهَا إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّقَبَةُ هَالِكَةً فِي جِنَايَةٍ وَدَيْنُ التِّجَارَةِ وَجَدَ مَحَلًّا آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ الْكَسْبُ الْحَاصِلُ بِالتِّجَارَةِ فَإِنَّ دَيْنَ التِّجَارَةِ لَا يَجِبُ إلَّا وَيَدْخُلُ الْكَسْبُ فِي يَدِهِ فَلَمَّا كَانَ الْكَسْبُ حَاصِلًا بِالتِّجَارَةِ وَهُوَ مُقَابَلٌ بِدَيْنِ التِّجَارَةِ أَمْكَنَ تَعْلِيقُهُ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْلِيقِ بِرَقَبَةٍ.
وَقُلْنَا هَذَا دَيْنٌ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ ظَهَرَ وُجُوبُهُ بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى وَالْعَبْدِ جَمِيعًا أَوْ ثَبَتَ بِسَبَبٍ مُعَايَنٍ وَهُوَ الشِّرَاءُ فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ وَهَذَا لِأَنَّ حَاجَتَنَا فِي تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ إلَى ظُهُورِ التَّعَلُّقِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لَا إلَى رِضَاهُ بِهِ فَإِنَّ دَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ بِدُونِ رِضَاهُ فَإِذَا ظَهَرَ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِيفَاءٍ مِنْ مَوْضِعِهِ وَهُوَ مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْأَمْوَالِ إلَيْهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى تَفْرِيعِ ذِمَّتِهِ فَكَانَ التَّعَلُّقُ بِهَا أَوْلَى (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَتْ الرَّقَبَةُ مَحَلًّا لَتَعَلَّقَ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِهَا لَكَانَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهَا مُقَدَّمًا عَلَى الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْكَسْبِ لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ الْكَسْبِ قُلْنَا حَقُّ الْغَرِيمِ مَتَى وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ وَصَلَ لَمْ يَصِحَّ مُطَالَبَتُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْلَى إذَا قَضَى دَيْنَ الْعَبْدِ مِنْ مَالِهِ وَاسْتَخْلَصَ الْكَسْبَ لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ مِنْ الْكَسْبِ وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْكَسْبِ فَكَذَلِكَ إذَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْكَسْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ الرَّقَبَةِ.
وَفِي الْبِدَايَةِ بِالْكَسْبِ نَظَرٌ لِلْمَوْلَى حَيْثُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ رَأْسِ مَالِهِ فَيَتَصَرَّفُ وَيَرْبَحُ وَنَظَرٌ لِلْغَرِيمِ حَيْثُ لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّهُ عَنْ الْكَسْبِ بِالْبَيْعِ وَلَمْ يَضِقْ مَحَلُّ حَقِّهِ فَلِهَذَا قَدَّمْنَا الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الْكَسْبِ وَإِنْ كَانَ التَّعَلُّقُ بِالرَّقَبَةِ أَسْبَقَ مِنْ التَّعَلُّقِ بِالْكَسْبِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَيْ الدَّيْنُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ سَبَبُهُ فِي حَقِّهِ تَأَخَّرَ الدَّيْنُ إلَى عِتْقِهِ أَيْ لَا يُطَالِبُ الْعَبْدَ بِهِ فِي الْحَالِ بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى أَنْ يُعْتَقَ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ هَذَا الدَّيْنُ بِرَقَبَتِهِ أَيْ بِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ وَلَا بِكَسْبِهِ لِأَنَّهُمَا حَقُّ الْمَوْلَى وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي حَقِّهِ مِثْلُ دَيْنٍ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمَحْجُورِ وَكَذَّبَهُ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِتَكْذِيبِهِ إيَّاهُ فِيهِ وَلَكِنَّهُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ كَرَجُلٍ أَخْبَرَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ لَمْ يَظْهَرْ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُخْبِرُ وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ صَحِيحًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَكَانَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ بِقَدْرِ كَوْنِهِ حُجَّةً وَدَيْنُ التِّجَارَةِ كَخَبَرٍ اتَّصَلَ بِهِ تَصْدِيقُ ذِي الْيَدِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ الْمَحْجُورُ عَنْ الْمَأْذُونِ لَهُ فَإِنَّ إقْرَارَاهُ بِالدَّيْنِ صَحِيحٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَمِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْعَبْدُ امْرَأَة بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَيَدْخُلَ بِهَا حَتَّى وَجَبَ الْعُقْرُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ قِيمَةً لِلْبُضْعِ بِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَهِيَ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ الْوَاقِعُ بِدُونِ إذْنِ الْمَوْلَى وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ مَعْدُومَةٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِعَدَمِ رِضَاهُ بِهِ فَلَا يَظْهَرُ ثُبُوتُهُ فِي حَقِّهِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْحِلُّ) أَيْ وَكَمَا ضَعُفَتْ الرَّقَبَةُ بِالرِّقِّ انْتَقَصَ الْحِلُّ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ مِلْكُ النِّكَاحِ وَيَصِيرُ الْمَرْءُ بِهِ أَهْلًا لِلنِّكَاحِ فَيَتَّسِعُ ذَلِكَ الْحِلُّ بِالْحُرِّيَّةِ لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهَا عَلَى الرِّقِّ كَمَا اتَّسَعَ بِفَضِيلَةِ النُّبُوَّةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَزَوَّجُ الْحُرُّ أَرْبَعًا وَيَقْصُرُ بِسَبَبِ الرِّقِّ إلَى النِّصْفِ حَتَّى لَا يَنْكِحَ الْعَبْدُ إلَّا مَرْأَتَيْنِ حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا لِأَنَّ الرِّقَّ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ حَتَّى لَا يَخْرُجَ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِيَّةِ النِّكَاحِ
стр. 1411
لَكِنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ اُعْتُبِرَ بِالنِّسَاءِ وَعَدَدَ الْأَنْكِحَةِ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ اتِّسَاعِ الْمَالِكِيَّةِ اُعْتُبِرَ فِيهِ رِقُّ الرِّجَالِ وَحُرِّيَّتُهُمْ فَكَانَ الطَّلَاقُ بِالنِّسَاءِ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الرِّقُّ فَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِيهِ سَوَاءٌ كَمِلْكِ الطَّلَاقِ وَمِلْكِ الدَّمِ فِي حَقِّ الْإِقْرَارِ بِالْقَوَدِ وَقُلْنَا إنَّ الرِّقَّ مُؤَثِّرٌ فِي تَنْصِيفِ مَا كَانَ مُتَعَدِّدًا فِي نَفْسِهِ كَالْجَلْدِ فِي الْحُدُودِ وَعَدَدِ الطَّلَاقِ وَأَقْرَاءِ الْعِدَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النِّعَمِ بِوَصْفِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَقَدْ أَثَّرَ الرِّقُّ لِانْتِصَافِهَا حَتَّى انْتَقَصَتْ أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقِ النِّعَمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ لَانْتِصَافِ النِّعْمَةِ وَالْحِلُّ نِعْمَةٌ فَلِذَلِكَ أَثَّرَ الرِّقُّ فِي نُقْصَانِهِ إلَى النِّصْفِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إشَارَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَا يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْنِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا يَقْصُرُ حِلُّ الرِّجَالِ إلَى النِّصْفِ بِالرِّقِّ حِلُّ النِّسَاءِ يَقْصُرُ بِالرِّقِّ إلَى النِّصْفِ أَيْضًا لِأَنَّ الْحِلَّ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ عَقْدُ النِّكَاحِ نِعْمَةٌ لِأَجَانِبِ النِّسَاءِ كَمَا هُوَ نِعْمَةٌ لَأَجَانِبِ الرِّجَالِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلسَّكَنِ وَالْأَزْوَاجِ وَالْمَحَبَّةِ وَتَحْصِينِ النَّفْسِ وَتَحْصِيلِ الْوَلَدِ وَالْمَرْأَةُ تَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ كَالرَّجُلِ وَسَبَبٌ لِحُصُولِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ الدَّارَّةِ وَهُمَا تَخْتَصَّانِ بِهَا فَكَانَ الْحِلُّ نِعْمَةً لِأَحَقِّهَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى أَلَا تَرَى لِلْأَبِ وِلَايَةَ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ مَعَ أَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهَا نَظَرٌ فَكَمَا يَنْتَصِفُ ذَلِكَ الْحِلُّ بِرِقِّ الرَّجُلِ يَنْتَصِفُ بِرِقِّ الْمَرْأَةِ وَلَا يُمْكِنُ إظْهَارُ التَّنْصِيفِ لِأَجَانِبِهَا بِتَنْقِيصِ الْعَدَدِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِوَاحِدٍ فَيَظْهَرُ التَّنْصِيفُ بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ.
ثُمَّ نَقُولُ الْأَحْوَالُ ثَلَاثٌ حَالُ التَّقَدُّمِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ وَحَالُ التَّأَخُّرِ عَنْهُ وَحَالُ الْمُقَارَنَةِ وَلَكِنَّ الْحَالَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤ فَتَغْلِبُ الْحُرْمَةُ عَلَى الْحِلِّ فَيَجْعَلُ الْأَمَةَ مُحَلَّلَةً لِإِحَالَةِ التَّقَدُّمِ عَلَى الْحُرَّةِ مُحَرَّمَةً لِإِحَالَتَيْ الْمُقَارَنَةِ وَالتَّأَخُّرِ أَوْ نَقُولُ لَا الْحَقِيقَةُ لَيْسَ إلَّا حَالَتَيْنِ حَالَةُ الِانْضِمَامِ إلَى الْحُرَّةِ وَحَالَةُ الِانْفِرَادِ عَنْهَا فَنَجْعَلُ مُحَلِّلَةً لِإِحَالَةِ الِانْفِرَادِ مُحَرِّمَةً لِإِحَالَةِ الِانْضِمَامِ إلَى الْحُرَّةِ وَالْعِدَّةُ يَتَنَصَّفُ لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ لَا حَقُّ النِّسَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ مِلْكِ النِّكَاحِ فَيُؤَثِّرُ الرِّقُّ لَا تَنْصِيفُهَا فَكَانَتْ عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ وَالطَّلَاقُ يَنْتَصِفُ لِمَا سَنُبَيِّنُ فَكَانَ طَلَاقُهَا اثْنَيْنِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِدَّتُهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا وَطَلَاقُهَا طَلْقَةً وَنِصْفًا لَكِنَّ الْوَاحِدَ لَا يَقْبَلُ التَّنْصِيفَ فَيَتَكَامَلُ وَلَا يَسْقُطُ لِأَنَّ جَانِبَ الْوُجُودِ رَاجِحٌ عَلَى جَانِبِ الْعَدَمِ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهِ أَيْضًا قَوْلُهُ (لَكِنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ وَيَقْصُرُ بِالرِّقِّ إلَى النِّصْفِ حَتَّى لَا يَنْكِحَ الْعَبْدُ إلَّا امْرَأَتَيْنِ يَعْنِي أَثَّرَ رِقُّ الرَّجُلِ لَا عَدَدُ الْأَنْكِحَةِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَثِّرَ لَا عَدَدُ الطَّلَاقِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِأَنَّ مِلْكَ الطَّلَاقِ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ كَمِلْكِ النِّكَاحِ أَوْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مِلْكِ النِّكَاحِ لَكِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ لِأَنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ كَذَا وَكَشْفُهُ أَنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسَاءِ عِنْدَنَا حَتَّى كَانَتْ الْمَرْأَةُ حُرَّةً يَمْلِكُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً لَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا إلَّا تَطْلِيقَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَدَدُهُ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ رِقُّ الرَّجُلِ وَحُرِّيَّتُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ وَعَائِشَةَ ﵃ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يُنْتَقَصُ بِرِقِّ أَيِّهِمَا كَانَ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ ﵇ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» وَبِأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ الْمَالِكُ لِلطَّلَاقِ
стр. 1412
وَلِذَلِكَ يَتَنَصَّفُ الْحُدُودُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَلِذَلِكَ يَتَنَصَّفُ الْقَسَمُ
ــ
[كشف الأسرار]
كَمَا أَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ لِلنِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُهُ فِيهِ دُونَ حَالِهَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَمْلُوكَةٌ لَا النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ، وَنُقْصَانُ حَالِ الْمَمْلُوكِ بِالرِّقِّ يُوجِبُ زِيَادَةً لَا الْمَمْلُوكِيَّةَ وَلَا نُقْصَانًا فِيهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ رِقَّ الْمَرْأَةِ فَتَحَ عَلَيْهِ بَابًا مِنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ كَانَ مَسْدُودًا قَبْلَهُ فَإِنَّهَا قَبْلَ الرِّقِّ كَانَتْ تُمْلَكُ وَتُوطَأُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ لَا غَيْرُ وَبَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ تُمْلَكُ وَتُوطَأُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالنِّكَاحِ جَمِيعًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُسَدَّ عَلَيْهَا مَا كَانَ مَفْتُوحًا قَبْلَهُ بِخِلَافِ رِقِّ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ يَسُدُّ عَلَيْهِ بَابًا مِنْ الْمِلْكِ كَانَ مَفْتُوحًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَبْلَ الِاسْتِرْقَاقِ كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالنِّكَاحِ وَبَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَمَّا ظَهَرَ لِرِقِّهِ أَثَرٌ لَا تَنْقُصُ مَالِكِيَّتُهُ النِّكَاحَ وَلَمْ يَظْهَرْ لِرِقِّهَا أَثَرٌ فِي تَنْقِيصِ الْمَمْلُوكِيَّةِ يُعْتَبَرُ رِقُّهُ فِي تَنْصِيفِ عَدَدِ الطَّلَاقِ وَمَالِكِيَّتُهُ دُونَ رِقِّهَا.
وَلَنَا أَنَّ مِلْكَ التَّصَرُّفِ مَعَ كَمَالِ حَالِ الْمُتَصَرِّفِ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ وَيَنْتَقِصُ بِانْتِقَاصِهِ فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ عَبْدًا وَاحِدًا مَلَكَ إعْتَاقًا وَاحِدًا وَمَنْ مَلَكَ عَبْدَيْنِ مَلَكَ إعْتَاقَيْنِ وَعَلَى هَذَا سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ وَهَاهُنَا مَحَلُّ التَّصَرُّفِ حِلُّ الْمَحَلِّيَّةِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوعٌ لِتَفْوِيتِ الْحِلِّ الَّذِي صَارَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ فَمَتَى كَانَ حِلُّهَا أَزْيَدَ كَانَ مَحَلِّيَّةُ الطَّلَاقِ فِي حَقِّهَا أَوْسَعَ وَعَلَى الْعَكْسِ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَعَدَدُ الطَّلَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَحِلُّ الْأَمَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حِلِّ الْحُرَّةِ كَمَا أَنَّ حِلَّ الْعَبْدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حِلِّ الْحُرِّ وَإِذَا كَانَ حِلُّهَا عَلَى النِّصْفِ فَإِنَّ نِصْفَ مَا يَفُوتُ بِهِ حِلُّ الْحُرَّةِ وَهُوَ تَطْلِيقَةٌ وَنِصْفٌ - إلَّا أَنَّ الطَّلَاقَ الْوَاحِدَ لَا يَتَجَزَّأُ - مُكَمِّلٌ وَصَارَ مَا يَفُوتُ بِهِ حِلُّ الْأَمَةِ طَلَاقَيْنِ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا صَارَتْ مَحَلَّ النِّكَاحِ بِالْحِلِّ الَّذِي ذَكَرْنَا كَانَ النِّكَاحُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ أَنْقَصَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ وَالطُّرُقُ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ مُسْتَفَادٌ بِهِ فَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ النِّكَاحِ كَمَا يُنْتَقَصُ سَائِرُ حُقُوقِهِ مِنْ الْعِدَّةِ وَالْقَسَمِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ هَذَا الْكَلَامُ فِي الْحُرِّ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً فَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا تَزَوَّجَ حُرَّةً فَنَقُولُ الرِّقُّ أَثَّرَ فِي حِلِّهِ فَرَدَّهُ مِنْ الْأَرْبَعِ إلَى اثْنَتَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى فِي هَذَا النِّصْفِ كَالْحُرِّ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَشَطِّرَةِ بِأَعْذَارٍ وَأَسْبَابٍ أَنْ يَبْقَى الشَّطْرُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَطْلِيقَةً يُوقِعُهَا عَلَى أَرْبَعَةِ نِسْوَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدُ سِتَّ تَطْلِيقَاتٍ يُوقِعُهَا عَلَى امْرَأَتَيْنِ لِيَتَحَقَّقَ التَّنْصِيفُ فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّ الْبَاقِيَ يَنْتَصِفُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ مَرَّةً أُخْرَى لَبَقِيَ الرُّبُعُ وَتَأْثِيرُ الرِّقِّ فِي التَّنْصِيفِ لَا فِي التَّرْبِيعِ.
وَمَا رُوِيَ مِنْ الْحَدِيثِ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇ «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَمُؤَوَّلٌ بِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الطَّلَاقِ إلَى الرِّجَالِ وَقَوْلُهُ رِقُّ الْأَمَةِ يَفْتَحُ عَلَيْهَا بَابًا مِنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ فَلَا يَسُدُّ بَابًا كَانَ مُنْفَتِحًا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمُنْفَتِحِ بِالرِّقِّ وَاَلَّذِي كَانَ مُنْفَتِحًا قَبْلَهُ تَنَافٍ بَلْ التَّنَافِي ثَابِتٌ بَيْنَ الْمُتْعَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَمِلْكِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ إذَا ثَبَتَ بَطَلَ الْآخَرُ فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى امْرَأَتَهُ فَسَدَ النِّكَاحُ ثُمَّ نَقُولُ لَمَّا صَارَتْ عُرْضَةً لِلْمُتْعَةِ بِالْمَالِيَّةِ اخْتَلَّ كَوْنُهَا مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ لِأَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ قَهْرٌ وَاسْتِذْلَالٌ فَلَا يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النِّعْمَةِ وَالِاسْتِبَاحَةُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ نِعْمَةٌ وَازْدِوَاجٌ فَيَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ: عَدَدُ الطَّلَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ تَوَسُّعٌ وَتَسْمِيَةٌ لِلْحَالِّ بِاسْمِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَتَعَدَّدُ إذَا اتَّسَعَتْ الْمَمْلُوكِيَّةُ فَكَانَ اتِّسَاعُ الْمَمْلُوكِيَّةِ مُتَّسِعَةً
стр. 1413
وَلِذَلِكَ انْتَقَصَتْ قِيمَةُ نَفْسِهِ لِمَا قُلْنَا مِنْ انْتِقَاصِ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا انْتَقَصَتْ بِالْأُنُوثَةِ فَوَجَبَ نُقْصَانُ بَدَلِ دَمِهِ عَنْ الدِّيَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِخِلَافِ ثَمَّ الطَّلَاقِ وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ أَنَّ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ مُتَقَابِلَانِ فَإِذَا كَانَ عَدَدُ الْأَنْكِحَةِ عِبَارَةً عَنْ اتِّسَاعِ الْمَالِكِيَّةِ كَانَ عَدَدُ الطَّلَاقِ عِبَارَةً عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ تَحْقِيقًا لِلْمُقَابَلَةِ.
قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي كَمَالَ الْحَالِ فِي أَهْلِيَّةِ الْكَرَمَاتِ تَنَصَّفَتْ الْحُدُودُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ لِأَنَّ تَغَلُّظَ الْعُقُوبَةِ بِتَغَلُّظِ الْجِنَايَةِ وَتَغَلُّظُ الْجِنَايَةِ بِتَوَافُرِ النِّعَمِ فَإِنَّ النِّعْمَةَ لَمَّا كَمُلَتْ فِي حَقِّ شَخْصٍ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى حَقِّ الْمُنْعِمِ أَعْظَمَ مِنْ جِنَايَةِ مَنْ لَمْ تَكْمُلْ النِّعْمَةُ فِي حَقِّهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ النِّعْمَةَ لَمَّا كَمُلَتْ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ بِاسْتِيفَاءِ حَظِّهِ مِنْ الْحُرَّةِ الْمَنْكُوحَةِ كَانَتْ جِنَايَةُ الزِّنَا مِنْهُ أَغْلَظَ حَتَّى اسْتَحَقَّ الرَّجْمَ وَلَمَّا كَمُلَتْ النِّعْمَةُ فِي حَقِّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ بِتَشَرُّفِهِنَّ بِمُصَاحَبَتِهِ كَانَ شَرْعُ الْعُقُوبَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْجِنَايَةِ ضِعْفَ الْعُقُوبَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي حَقِّ غَيْرِهِنَّ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] وَقَدْ أَثَّرَ الرِّقُّ فِي تَنْصِيفِ النِّعَمِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ كَمَا بَيَّنَّا أَثَرَهُ فِي تَنْصِيفِ الْعُقُوبَةِ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَهَذَا فِي الْحَدِّ الَّذِي يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ فَأَمَّا فِيمَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَيَتَكَامَلُ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ فَإِنَّ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ فِيهِ سَوَاءٌ تَنَصَّفَ الْقَسْمُ حَتَّى كَانَ لِلْأَمَةِ الثُّلُثُ مِنْ الْقَسْمِ وَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ فَيَنْتَصِفُ بِالرِّقِّ كَسَائِرِ النِّعَمِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «لِلْحُرَّةِ يَوْمَانِ مِنْ الْقَسْمِ وَلِلْأَمَةِ يَوْمٌ» قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مُنَافَاةِ الرِّقِّ كَمَالَ الْحَالِ انْتَقَصَتْ قِيمَةُ نَفْسِ الْعَبْدِ حَتَّى إذَا قُتِلَ الْعَبْدُ خَطَأً وَجَبَتْ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي قِيمَتُهُ عِنْدَنَا قَلَّتْ الْقِيمَةُ أَوْ كَثُرَتْ وَلَكِنْ لَا تُزَادُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَثَلًا لَا يُزَادُ الْوَاجِبُ عَلَى عَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَيَتَنَقَّصُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى الْجَانِي لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْهُ أَنَّ مِقْدَارَ الدِّيَةِ مِنْ قِيمَةِ الْعَقْدِ بِتَحَمُّلِهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ فِي مَالِ الْجَانِي وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي الْغَصْبِ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَعَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ ضَمَانِ النَّفْسِ وَالْمَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَذَا فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ وَعَلَى أَنَّ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ مَوْجُودَانِ فِي الْعَبْدِ لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي التَّرْجِيحِ فَرَجَّحْنَا مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ وَرَجَّحَ الْخَصْمُ الْمَالِيَّةَ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ الْقِيمَةَ إذْ انْتَقَصَتْ عَنْ الدِّيَةِ تَجِبُ الْقِيمَةُ وَإِنَّ هَذَا الضَّمَانَ يَجِبُ لِلْمَوْلَى وَمِلْكُهُ فِي الْعَبْدِ مِلْكُ مَالٍ وَأَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ جِنْسُ نَقْدِ السُّوقِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِضَمَانِ الْمَالِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْإِبِلِ فِيهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَوْصَافِ الْمُتْلَفِ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالصِّفَاتُ تُعْتَبَرُ فِي ضَمَانِ الْأَمْوَالِ دُونَ الدِّمَاءِ فَثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ بَدَلُ الْمَالِيَّةِ فَيَجِبُ تَقْدِيرُهُ بِالْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَمَا فِي الْغَصْبِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ النَّفْسِيَّةَ مِنْ الْعَبْدِ مَعْصُومَةٌ مَصُونَةٌ عَنْ الْهَدَرِ مُعْتَبَرٌ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ بِالْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ اعْتِبَارُهَا فِي إيجَابِ الضَّمَانِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ لِأَنَّهَا أَصْلٌ وَالْمَالِيَّةُ قَائِمَةٌ بِهَا فَإِنَّ الْمَالِيَّةَ لَوْ زَالَتْ بِالْعِتْقِ تَبْقَى النَّفْسِيَّةُ وَلَوْ زَالَتْ النَّفْسِيَّةُ بِالْمَوْتِ لَمْ تَبْقَ الْمَالِيَّةُ وَكَذَا الْفِعْلُ يُسَمَّى قَتْلًا لِوُرُودِهِ عَلَى النَّفْسِيَّةِ فَإِنَّ الْأَمْوَالَ لَا تُقْصَدُ بِالْقَتْلِ عَادَةً وَإِنَّمَا تُقْصَدُ بِهِ النُّفُوسُ
стр. 1414
لَكِنَّ نُقْصَانَ الْأُنُوثَةِ فِي أَحَدِ ضَرْبَيْ الْمَالِكِيَّةِ بِالْعَدَمِ فَوَجَبَ التَّنْصِيفُ وَهَذَا نُقْصَانٌ فِي أَحَدِهِمَا لَا بِالْعَدَمِ أَلَا يُرَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِمِلْكِ الْمَالِ لَكِنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ وَأَهْلٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِنُقْصَانٍ فِي الدِّيَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِمَعْنَى التَّشَفِّي أَوْ لِانْتِقَامٍ، وَفَوَاتُ الْمَالِيَّةِ فِيهِ تَبَعٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ مَعْنَى النَّفْسِيَّةِ ثُمَّ إيجَابُ الضَّمَانِ بِمَعْنَى النَّفْسِيَّةِ لِإِظْهَارِ حَظْرِ الْمَحَلِّ وَخَطَرِهِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ لِأَنَّ كَمَالَ حَالِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِضَافَةِ يَنْتَهِي بِكَمَالِ الْمَالِكِيَّةِ وَتَمَامُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ فَإِنَّ بِالْحُرِّيَّةِ تَثْبُتُ مَالِكِيَّةُ الْمَالِ وَبِالذُّكُورَةِ تَثْبُتُ مَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ.
وَقَدْ انْتَقَصَتْ مَالِكِيَّةُ الْعَبْدِ بِالرِّقِّ فَإِنَّهُ يُنَافِي مَالِكِيَّةَ الْمَالِ كَمَا بَيَّنَّا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْقُصَ بَدَلُهُ كَمَا انْتَقَصَتْ دِيَةُ الْأُنْثَى عَنْ دِيَةِ الرَّجُلِ بِصِفَةِ الْأُنُوثِيَّةِ الَّتِي تُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الْمَالِكِيَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا أَزْوَاجًا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَعُلِّقَ مَصَالِحُ مَعَاشِهِمْ وَبَقَاؤُهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِالِازْدِوَاجِ وَالنِّسَاءُ مَمْلُوكَاتٌ لِلرِّجَالِ فِي الِازْدِوَاجِ فَانْتَقَصَتْ دِيَاتُهُنَّ بِصِفَةِ الْأُنُوثَةِ الَّتِي بِهَا صِرْنَ مَمْلُوكَاتٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ نُقْصَانَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي نُقْصَانِ الدِّيَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَوْصَافِ وَلِهَذَا لَمْ يُنْتَقَصْ بِالْفِسْقِ وَلَا بِالزَّمَانَةِ وَلَا بِفَوَاتِ الْأَطْرَافِ لِعَدَمِ انْتِقَاصِ الْمَالِكِيَّةِ بِهَذِهِ الْمَعَانِي قَوْلُهُ (لَكِنَّ نُقْصَانَ الْأُنُوثَةِ) إلَى آخِرِهِ جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ قَدْ أُلْحِقَ الرِّقُّ بِالْأُنُوثَةِ فِي إيجَابِ تَنْقِيصِ الْمَالِكِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي قَدْرِ النُّقْصَانِ حَتَّى كَانَ النُّقْصَانُ فِي الرِّقِّ بِقَدْرِ النِّصْفِ كَمَا فِي الْأُنُوثَةِ فَقَالَ إنَّهُمَا قَدْ اسْتَوَيَا فِي إثْبَاتِ أَصْلِ النُّقْصَانِ لَكِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا فِي مِقْدَارِهِ فَإِنَّ نُقْصَانَ الْأُنُوثَةِ أَيْ النُّقْصَانَ الْحَاصِلَ بِهَا فِي أَحَدِ ضَرْبَيْ الْمَالِكِيَّةِ وَهُمَا مَالِكِيَّةُ الْمَالِ وَمَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ بِالْعَدَمِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَمْلِكُ الْمَالَ رَقَبَةً وَتَصَرُّفًا وَيَدًا وَلَا تَمْلِكُ النِّكَاحَ أَصْلًا بَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ فِيهِ فَزَوَالُ إحْدَى الْمَالِكِيَّتَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ عَادَتْ دِيَتُهَا إلَى النِّصْفِ وَهَذَا أَيْ الِانْتِقَاصُ الْحَاصِلُ بِالرِّقِّ نُقْصَانٌ فِي أَحَدِهِمَا أَيْ أَحَدِ ضَرْبَيْ الْمَالِكِيَّةِ لَا بِالْعَدَمِ فَإِنَّ الْعَبْدَ فِي مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ مِثْلُ الْحُرِّ، وَمَالِكِيَّةُ الْمَالِ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهَا بِأَمْرَيْنِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ التَّصَرُّفِ وَأَقْوَى الْأَمْرَيْنِ مِلْكُ التَّصَرُّفِ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْمِلْكِ يَحْصُلُ بِهِ وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ وَالْعَبْدُ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ رَقَبَةً فَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ وَأَهْلٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ فَإِنَّ الْمَأْذُونَ اسْتَحَقَّ الْيَدَ عَلَى كَسْبِهِ كَالْمُكَاتَبِ فَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِكَسْبِهِ الَّذِي فِي يَدِهِ لِأَنَّ يَدَ الْمُكَاتَبِ لَازِمَةٌ وَيَدُهُ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَالْإِجَارَةِ مَعَ الْعَارِيَّةِ.
وَكَذَا لَوْ أَوْدَعَ الْعَبْدُ مَالًا غَيْرَهُ لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى الِاسْتِرْدَادَ مِنْ الْمُودَعِ مَأْذُونًا كَانَ الْعَبْدُ أَوْ مَحْجُورًا كَذَا فِي عَامَّةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِنُقْصَانٍ فِي الدِّيَةِ لَا بِالتَّنْصِيفِ وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ يَجِبُ عَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ أَنْ يُنْتَقَصَ دِيَتُهُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ بِمِقْدَارِ الرُّبُعِ لِانْتِقَاصِ مَالِكِيَّتِهِ مِنْ مَالِكِيَّةِ الْحُرِّ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا وَتَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ مَالِكِيَّةَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ أَقْوَى مِنْ مَالِكِيَّةِ الرَّقَبَةِ فَلِذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِي التَّنْقِيصِ اعْتِبَارُ الرُّبُعِ بَلْ يُنْقَصُ مَالَهُ خَطَرٌ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يُسْتَوْلَى بِهِ عَلَى الْحُرَّةِ اسْتِمْتَاعًا وَأَقَلُّ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ قَطْعَ الْيَدِ الْمُحْتَرَمَةِ الَّتِي لَهَا حُكْمُ نِصْفِ الْبَدَنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ لَا يَبْلُغُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ دِيَةَ الْحُرِّ وَيُنْقَصُ مِنْهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَمِثْلُ هَذَا الْأَثَرِ فِي حُكْمِ الْمَسْمُوعِ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ
стр. 1415
وَهَذَا عِنْدَنَا فِي الْمَأْذُونِ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ وَيَجِبُ لَهُ الْيَدُ بِالْإِذْنِ غَيْرَ لَازِمَةٍ وَبِالْكِتَابَةِ يَدٌ لَازِمَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِسَبَبِهِ لِأَنَّ السَّبَبَ شَرْعٌ لِحِكْمَةٍ وَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ أَيْضًا قُلْنَا أَنَّ أَهْلِيَّةَ التَّكَلُّمِ غَيْرُ سَاقِطَةٍ بِالْإِجْمَاعِ.
ــ
[كشف الأسرار]
كَامِلَةٌ لِلْعَبْدِ بَلْ هِيَ نَاقِصَةُ الْوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا تَوَقُّفُهَا عَلَى إذْنِ الْمَوْلَى بِخِلَافِ الْحُرِّ.
وَالثَّانِي اقْتِصَارُهَا عَلَى امْرَأَتَيْنِ بِخِلَافِ الْحُرِّ حَيْثُ تَجَاوَزَتْ مَالِكِيَّتُهُ إلَى الْأَرْبَعِ قُلْنَا التَّوَقُّفُ عَلَى الْإِذْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى النُّقْصَانِ كَمَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ فَإِنَّ مَالِكِيَّتَهُ كَامِلَةٌ مَعَ تَوَقُّفِهَا عَلَى إذْنِ الْوَلِيِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَوْلَى أَوْ عَنْ الصَّبِيِّ لَا لِثُبُوتِ الْمَالِكِيَّةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نُقْصَانِهَا وَكَذَا تَنْصِيفُ عَدَدِ الْأَنْكِحَةِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لَيْسَ لِنُقْصَانِ الْمَالِكِيَّةِ وَلَكِنْ لِتَنْصِيفِ الْحِلِّ فَإِنَّ مَالِكِيَّتَهُ فِيمَا مَلَكَهُ مِنْ النِّكَاحِ مِثْلُ مَالِكِيَّةِ الْحُرِّ بِلَا نُقْصَانٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا إذَا انْتَقَصَتْ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ فَهُوَ أَنَّ الضَّمَانَ ضَمَانُ الدَّمِ فِي قَلِيلِ الْقِيمَةِ أَيْضًا وَلِهَذَا يَجْرِي فِيهِ الْقَسَامَةُ وَتَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ إلَّا أَنَّ الْمُوجِبَ لِنُقْصَانِ دَمِهِ صَيْرُورَتُهُ مَالًا الَّتِي انْتَقَصَتْ بِهَا مَالِكِيَّتُهُ فَمَا دَامَ يُمْكِنُنَا نَقْصُ دِيَتِهِ بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ مَالًا نَقَصْنَا بِذَلِكَ السَّبَبِ الَّذِي انْتَقَصَ بِهِ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ وَيَكُونُ ذَلِكَ النَّاقِصُ بِسَبَبِ الِاعْتِبَارِ بِالْمَالِ بَدَلَ دَمِهِ لَا بَدَلَ مَالِيَّتِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إثْبَاتُ النُّقْصَانِ بِالْإِعْتَاقِ بِالِاعْتِبَارِ مَالًا بِأَنْ ازْدَادَتْ قِيمَةُ الْمَالِيَّةِ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ وَجَبَ النَّقْصُ شَرْعًا لَكِنْ يُقَدَّرُ لَهُ خَطَرٌ وَهُوَ عَشَرَةٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَوُجُوبُ الضَّمَانِ لِلْمَوْلَى لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ الْمَالِيَّةِ لِأَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ لِلْمَوْلَى أَيْضًا وَهُوَ بَدَلُ النَّفْسِ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ الضَّمَانُ يَجِبُ لِلْعَبْدِ وَلِهَذَا يُقْضَى دَيْنُ الْعَبْدِ مِنْ بَدَلِ دَمِهِ وَلَكِنَّ الْعَبْدَ لَا يَصْلُحُ مُسْتَحِقًّا لِلْمَالِ فَيَسْتَوْفِيهِ الْمَوْلَى الَّذِي هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ كَمَا يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ الْوَاجِبُ فِي نَفْسِهِ ضَمَانُ النَّفْسِ وَلَكِنْ فِي جَانِبِ الْمُسْتَحَقِّ هُوَ ضَمَانُ مَالٍ فَيَظْهَرُ حُكْمُ الْمَالِيَّةِ فِي حَقِّ الْيَدِ قَوْلُهُ (وَهَذَا عِنْدَنَا) أَيْ كَوْنُ الْعَبْدِ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ وَلِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ مَذْهَبُنَا فَإِنَّ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ بِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَيَثْبُتُ لَهُ الْيَدُ عَلَى إكْسَابِهِ فَكَانَ الْإِذْنُ فَكَّ الْحَجْرِ الثَّابِتِ بِالرِّقِّ وَرَفْعًا لِلْمَانِعِ مِنْ التَّصَرُّفِ حُكْمًا وَإِثْبَاتُ الْيَدِ لِلْعَبْدِ فِي كَسْبِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ إلَّا أَنَّ الْيَدَ الثَّابِتَةَ بِالْإِذْنِ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِحَدِّ الْإِذْنِ عَنْ الْعِوَضِ وَالْيَدُ الثَّابِتَةُ بِالْكِتَابَةِ لَازِمَةٌ لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ الْمُسْتَفَادِ بِالْهِبَةِ مَعَ الْمُسْتَفَادِ بِالْبَيْعِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ وَلَا لِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ وَلَكِنَّهُ يَسْتَفِيدُ التَّصَرُّفَ وَالْيَدَ بِالْإِذْنِ مِنْ الْمَوْلَى فَهُوَ يَتَصَرَّفُ لِلْمَوْلَى بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ كَالْوَكِيلِ بِتَصَرُّفٍ لِلْمُوَكِّلِ وَيَدُهُ فِي الْأَكْسَابِ يَدُ نِيَابَةٍ بِمَنْزِلَةِ يَدِ الْمُودِعِ وَيُبْتَنَى عَلَيْهِ أَنَّ الْإِذْنَ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ يَكُونُ إذْنًا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِذَلِكَ النَّوْعِ وَأَنَّ الْحَجْرَ فِي نَوْعٍ بَعْدَ الْإِذْنِ الْعَامِّ أَوْ الْخَاصِّ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَصِحُّ وَأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَقْبَلْ التَّوْقِيتَ عِنْدَنَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ شَهْرًا أَوْ سَنَةً كَانَ مَأْذُونًا أَبَدًا إلَى أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا إسْقَاطُ الْحَقِّ وَالْإِسْقَاطُ لَا يَقْبَلُ التَّوْقِيتَ وَعِنْدَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقْبَلَ التَّوْقِيتَ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّصَرُّفِ حُكْمُهُ وَهُوَ الْمِلْكُ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ لِلْمَوْلَى لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ بِالرِّقِّ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى زَوْجَةَ الْمَوْلَى يَفْسُدُ النِّكَاحُ وَلَوْ تَزَوَّجَ
стр. 1416
وَكَذَلِكَ الذِّمَّةُ مَمْلُوكَةٌ لِلْعَبْدِ قَابِلَةٌ لِلدَّيْنِ وَإِذَا صَارَ أَهْلًا لِلْحَاجَةِ كَانَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ وَأَدْنَى طُرُقِهِ الْيَدُ وَهُوَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِأَنَّ الْمِلْكَ ضَرْبُ قُدْرَةٍ شُرِعَ لِلضَّرُورَةِ.
ــ
[كشف الأسرار]
أَمَةً مِنْ مَكَاسِبِهِ يَصِحُّ لِعَدَمِ مِلْكِهِ فِي الْكَسْبِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّصَرُّفِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِسَبَبِهِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ شُرِعَ لِحُكْمِهِ لَا لِذَاتِهِ فَلَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ أَيْضًا لِأَنَّ الْيَدَ لَا يُسْتَفَادُ إلَّا بِمِلْكِ التَّصَرُّفِ أَوْ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَقَدْ عُدِمَ الْأَمْرَانِ فِي حَقِّهِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ كَانَ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ الْإِذْنِ وَاقِعًا لِلْمَوْلَى بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ كَتَصَرُّفِ الْوَكِيلِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ التَّصَرُّفَ تَمْلِيكٌ أَوْ تَمَلُّكٌ فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا كَانَ مُتَمَلِّكًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى بِلَا خِلَافٍ فَالتَّمَلُّكُ يَقَعُ لَهُ وَإِذَا بَاعَ مَا اشْتَرَى فَقَدْ بَاعَ مِلْكَ الْمَوْلَى فَكَانَ التَّمْلِيكُ وَاقِعًا لِلْمَوْلَى وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ التَّصَرُّفُ يَقَعُ لَهُ وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى لِأَنَّا لَا نَعْقِلُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَنَّ الْعَقْدَ لَهُ سِوَى وُقُوعِ الْحُكْمِ لَهُ لِأَنَّ الْعَقْدَ كَلَامٌ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ وَبِدُونِ الْحُكْمِ هُوَ كَلَامٌ وَلَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّصَرُّفِ فَإِذَا أَخَذَ اسْمَ التَّصَرُّفِ مِنْ نَاحِيَةِ الْحُكْمِ كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ وَقَعَ التَّصَرُّفُ لَهُ إشَارَةً إلَى الْحُكْمِ لَا مَحَالَةَ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا الْوَكِيلُ مُتَصَرِّفٌ لِلْمُوَكِّلِ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَلَامٌ لَا يَقَعُ لَهُ وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُسْتَجْلِبًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يَقَعُ فَكَذَا الْمَوْلَى بِالْإِذْنِ اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا يُوجِدُهُ الْعَبْدُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَكَانَ تَصَرُّفُهُ وَاقِعًا لِلْمَوْلَى فَيَقْصُرُ عَلَى مَا وَقَعَ الْإِذْنُ فِيهِ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ عُمُومُ التَّصَرُّفِ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ كَالْوَكِيلِ وَقُلْنَا إنَّ أَهْلِيَّةَ التَّكَلُّمِ غَيْرُ سَاقِطَةٍ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي أَنَّ التَّصَرُّفَ كَلَامٌ مُعْتَبَرٌ جُعِلَ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعًا وَمَحَلُّهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِالْتِزَامِ الدَّيْنِ وَاعْتِبَارِ الْكَلَامِ بِصُدُورِهِ عَنْ الْأَهْلِ، وَأَهْلِيَّةُ التَّكَلُّمِ لِلْعَبْدِ غَيْرُ سَاقِطَةٍ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالْعَقْلِ وَالْعَقْلُ لَا يَخْتَلُّ بِالرِّقِّ وَهَذَا صَحَّ تَوَكُّلُهُ وَقُبِلَتْ رِوَايَاتُهُ فِي الدَّيْنِ وَإِخْبَارَاتِهِ فِي الدِّيَانَاتِ نَحْوُ الْهَدَايَا وَطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهَا وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ.
وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا أَنَّ الْأَهْلِيَّةَ غَيْرُ سَاقِطَةٍ بِالرِّقِّ الذِّمَّةُ مَمْلُوكَةٌ لِلْعَبْدِ لَا لِلْمَوْلَى لِأَنَّ الذِّمَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ وَصْفٍ فِي الشَّخْصِ يَصِيرُ بِهِ أَهْلًا لِلْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ كَمَا بَيَّنَّا وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَصِرْ مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى وَلِهَذَا بَقِيَ مُخَاطَبًا بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَكَذَا قَابِلٌ لِلدَّيْنِ حَتَّى يُؤَاخَذَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَوْ أَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ فِي ذِمَّتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمَوْلَى لَقَدَرَ عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْعَبْدِ وَقَابِلَةٌ لِلدَّيْنِ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ دَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ فِي ذِمَّتِهِ وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَحْجُورَ لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالدَّيْنِ صَحَّ الْإِقْرَارُ وَوَجَبَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى لَوْ كُفِلَ بِهِ إنْسَانٌ يَصِحُّ وَيُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَهَذَا لِأَنَّ صَلَاحِيَّةَ الذِّمَّةِ لِالْتِزَامِ الدُّيُونِ مِنْ كَرَامَاتِ الْبَشَرِ وَبِالرِّقِّ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْبَشَرِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الذِّمَّةَ مَمْلُوكَةٌ لِلْعَبْدِ بَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْلَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى الْعَبْدِ بِدَيْنٍ صَحَّ إقْرَارُهُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لَهُ لَمَا صَحَّ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ كَمَا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ (قُلْنَا) صِحَّةُ إقْرَارِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ لَا بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ فِي ذِمَّتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِقَدْرِ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ وَلَوْ كَانَتْ
стр. 1417
وَكَذَلِكَ مِلْكُ الْيَدِ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مَالٍ أَلَا يُرَى أَنَّ الْحَيَوَانَ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي الْكِتَابَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
صِحَّتُهُ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ مُتَّسِعَةٌ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ بِمَا زَادَ عَلَى الْمَالِيَّةِ وَإِنْ كَثُرَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ.
وَهُوَ كَالْوَارِثِ يُقِرُّ بِالدَّيْنِ عَلَى مُورَثِهِ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذِمَّتُهُ مَمْلُوكَةً لَهُ لِأَنَّ مُوجِبَ إقْرَارِهِ اسْتِحْقَاقُ التَّرِكَةِ مِنْ يَدِهِ كَذَلِكَ هَاهُنَا مُوجِبُ هَذَا الْإِقْرَارِ اسْتِحْقَاقُ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبِ فَيَصِحُّ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْعَبْدَ يُؤَاخَذُ بِهَذَا الدَّيْنِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ وَاجِبًا فِي ذِمَّتِهِ بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى لَمَا أُخِذَ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّ مَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ صَارَتْ مَشْغُولَةً بِالدَّيْنِ وَقَدْ أَتْلَفَهَا الْمَوْلَى بِالْإِعْتَاقِ فَيَضْمَنُ وَيَضْمَنُ الْعَبْدُ أَيْضًا لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْإِعْتَاقِ سَلِمَتْ لَهُ وَصَارَتْ الْمَالِيَّةُ الْمَشْغُولَةُ مَصْرُوفَةً إلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ السِّعَايَةُ كَالرَّاهِنِ الْمُعْسِرِ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ يَلْزَمُ الْعَبْدَ السِّعَايَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِأَنَّهُ صَرَفَ إلَيْهِ مَالِيَّةَ رَقَبَةٍ مَشْغُولَةٍ بِالرَّهْنِ كَذَلِكَ هَاهُنَا ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ مُقَدِّمَةً أُخْرَى فَقَالَ وَإِذَا صَارَ أَيْ كَانَ الْعَبْدُ أَهْلًا لِلْحَاجَةِ فَإِنَّهُ مَعَ الرِّقِّ أَهْلٌ لَهَا كَانَ أَهْلًا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَيْضًا إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ لَوَقَعَ فِي الْحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ وَأَدْنَى طُرُقِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ مِلْكُ الْيَدِ كَمَا أَنَّ أَعْلَاهَا مِلْكُ الرَّقَبَةِ مَعَ مِلْكِ الْيَدِ وَهَذَا الْكَلَامُ جَوَابٌ عَمَّا قَالُوا إنَّهُ بِالرِّقِّ خَرَجَ مِنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِحُكْمِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ فَقَالَ إنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ بَقِيَ أَهْلًا لِمِلْكِ الْيَدِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَحْكَامِ التَّصَرُّفِ وَهُوَ أَيْ مِلْكُ الْيَدِ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلتَّصَرُّفِ لِأَنَّ شَرْعَ التَّصَرُّفِ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِالْيَدِ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ يَحْصُلُ بِهَا فَكَانَ مِلْكُ الْيَدِ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلتَّصَرُّفِ وَمِلْكُ الْعَيْنِ شُرِعَ لِلتَّوَصُّلِ إلَيْهِ لِقَطْعِ طَمَعِ الْأَغْيَارِ عَنْ الْعَيْنِ إذَا الْمِلْكُ هُوَ الْمُطْلِقُ الْحَاجِزُ أَيْ الْمُطْلِقُ لِلتَّصَرُّفِ لِلْمَالِكِ وَالْحَاجِزُ لِلْغَيْرِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَمْلُوكِ بِدُونِ إذْنِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ضَرْبُ قُدْرَةٍ شُرِعَ لِلضَّرُورَةِ أَيْ لِضَرُورَةِ التَّوَصُّلِ إلَى الْمَقْصُودِ.
وَتَسْمِيَتُهُ قُدْرَةَ تَوَسُّعٍ لِأَنَّهُ الِاخْتِصَاصُ الْمُطْلِقُ الْحَاجِزُ كَمَا قُلْنَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُطْلِقًا لِلتَّصَرُّفِ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِانْتِفَاعِ فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ قُدْرَةً وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا أَنَّ مِلْكَ الْيَدِ يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ لِلْحَاجَةِ وَمِلْكُ الْيَدِ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مَالٍ أَيْضًا فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْعَبْدِ لِأَنَّ الرِّقَّ لَا يُنَافِي مَالِكِيَّةَ غَيْرِ الْمَالِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ أَنَّ الْحَيَوَانَ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ بِمُقَابَلَةِ مِلْكِ الْيَدِ كَمَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَ مِلْكُ الْيَدِ مَالًا لَمَا ثَبَتَ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَتِهِ كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِ لِمَا عُرِفَ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَيَوَانَ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي النِّكَاحِ مَعَ أَنَّ الْمَمْلُوكَ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ مَنَافِعُ الْبُضْعِ فِي حُكْمِ الْمَالِ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَمْلُوكَ بِالنِّكَاحِ مَالٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ بِقَتْلِ الْمَرْأَةِ وَبِالشَّهَادَةِ الْكَاذِبَةِ عَلَى الطَّلَاقِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْأَمْوَالِ فَذَلِكَ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَا فِي الْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ الْحَيَوَانِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ حَقِيقَةً عَلَى أَنَّا نُلْزِمُ الْخَصْمَ عَلَى أَصْلِهِ وَعِنْدَهُ الْمَمْلُوكُ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ بِمَالٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا بَيَّنَّا مِنْ بَقَاءِ أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ لِلتَّكَلُّمِ وَكَوْنِ الذِّمَّةِ مَمْلُوكَةً لَهُ
стр. 1418
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْعَبْدُ أَصْلًا فِي حُكْمِ الْعُقْرِ الَّذِي هُوَ مُحَكَّمٌ وَالْمَوْلَى يَخْلُفُهُ فِيمَا هُوَ مِنْ الزَّوَائِدِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا الْعَبْدَ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ وَفِي حُكْمِ بَقَاءِ الْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَكَوْنِهِ أَهْلًا لِمِلْكِ الْيَدِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلتَّصَرُّفِ كَانَ الْعَبْدُ أَصْلًا فِي حُكْمِ الْعَقْدِ الَّذِي هُوَ مُحَكَّمٌ أَيْ أَمْرٌ أَصْلِيٌّ مَقْصُودٌ مِنْهُ وَهُوَ مِنْهُ وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَالْمَوْلَى يَخْلُفُ الْعَبْدَ فِيمَا هُوَ مِنْ الزَّوَائِدِ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلتَّصَرُّفِ حُكْمَيْنِ أَحَدُهُمَا مَقْصُودٌ أَصْلِيٌّ وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَالْآخَرُ أَمْرٌ زَائِدٌ شُرِعَ وَسِيلَةٍ إلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَالْعَبْدُ إنْ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلثَّانِي فَهُوَ أَهْلٌ لِمَا هُوَ مَقْصُودٌ مِنْهُمَا وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ فَكَانَ فِي التَّصَرُّفِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ لِثُبُوتِ حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ لَهُ وَكَانَ تَصَرُّفُهُ كَشِرَاءِ رَبِّ الْمَالِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِإِفَادَتِهِ مِلْكَ الْيَدِ وَاعْلَمْ أَنَّ لِمَشَايِخِنَا ﵏ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمَوْلَى طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مِلْكَ الْيَدِ بِالتَّصَرُّفِ يَقَعُ لِلْعَبْدِ وَمِلْكَ الرَّقَبَةِ لِلْمَوْلَى وَالْعَبْدُ مَعَ هَذَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ عَمَلَ الْإِنْسَانِ مَتَى دَارَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ لَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَقَعَ لِغَيْرِهِ كَانَ وَاقِعًا لَهُ كَالْمُكَاتَبِ لَمَّا كَانَ كَسْبُهُ لِلسَّيِّدِ مِنْ وَجْهٍ وَلِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يُجْعَلْ نَائِبًا عَنْ الْمَوْلَى بَلْ هُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فَكَذَا هَذَا.
وَالثَّانِي أَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ لَا يَقَعُ لِلْمَوْلَى حُكْمًا لِلتَّصَرُّفِ لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ لِلْعَبْدِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ لَهُ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ تَصَرُّفِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ تَعَذَّرَ الْإِيقَاعُ لَهُ فَاسْتَحَقَّهُ الْمَوْلَى لَا بِالتَّصَرُّفِ وَلَكِنْ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ لَا الرَّقَبَةِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ دَيْنُ الْعَبْدِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْمَوْلَى فِي كَسْبِهِ، الْمَوْلَى إنَّمَا يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ كَالْوَارِثِ مَعَ الْمُورَثِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ إكْسَابَهُ بِسَبَبِ مِلْكِهِ فِي رَقَبَتِهِ لَا بِتَصَرُّفِ الْعَبْدِ.
وَإِلَى هَذَا الطَّرِيقِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَالْمَوْلَى يَخْلُفُهُ فِيمَا هُوَ مِنْ الزَّوَائِدِ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ وَكَانَ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ وَاقِعًا لَهُ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ تَصَرُّفُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى ثُمَّ أَعْتَقَ لِسُقُوطِ حَقِّ الْمَوْلَى.
كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ ثُمَّ أَعْتَقَ وَكَمَا لَوْ بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ ثُمَّ افْتَكَّهُ يَنْفُذُ الْبَيْعُ لِسُقُوطِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَلَمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ هَاهُنَا عُلِمَ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْمَوْلَى فِي التَّصَرُّفِ لِأَنَّا نَقُولُ الْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ يَقَعُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لِمَوْلَاهُ فَلَمَّا انْعَقَدَ التَّصَرُّفُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ لِلْمَوْلَى لَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُهُ عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ مَتَى وَقَعَ لِجِهَةٍ لَا يَنْفُذُ لِجِهَةٍ أُخْرَى بِخِلَافِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ يَنْفُذُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَوَقَّفَ إذْ الْمِلْكُ وَاقِعٌ لِلْعَبْدِ فِيهِ وَكَذَا فِي الرَّهْنِ يَكُونُ الْمِلْكُ فِي الثَّمَنِ لِلرَّاهِنِ فَيُمْكِنُ تَنْفِيذُهُمَا عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ وَأَنَّ حُكْمَهُ الْأَصْلِيَّ يَثْبُتُ لَهُ كَالْمُكَاتَبِ إلَّا أَنَّهُ قَبْلَ الْإِذْنِ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ الْمَوْلَى مَعَ قِيَامِ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّ الدَّيْنَ إذَا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِمَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبُ اسْتِيفَاءٌ فَإِذَا أَذِنَ فَقَدْ رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ فَكَانَ الْإِذْنُ فَكًّا لِلْحَجْرِ كَالْكِتَابَةِ فَلَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ ثُمَّ فَكُّ الْحَجْرِ بِهَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْفَكِّ الْعَامِّ الَّذِي يَحْصُلُ بِالْعِتْقِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ سَوَاءٌ أَطْلَقَ أَوْ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ لِأَنَّ هَذَا التَّقْيِيدَ تَصَرُّفٌ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَكَذَا هَاهُنَا.
قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بَلْ الْمَوْلَى يَخْلُفُهُ فِيهِ وَلِأَنَّ الْإِذْنَ غَيْرُ لَازِمٍ جَعَلْنَا الْعَبْدَ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ وَفِي حُكْمِ بَقَاءِ الْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ وَإِنْ كَانَ هُوَ أَصِيلًا فِي نَفْسِ التَّصَرُّفِ وَثُبُوتِ مِلْكِ الْيَدِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ حَتَّى وَقَعَ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى كَانَ هُوَ كَالْوَكِيلِ وَالْمَوْلَى كَالْمُوَكِّلِ
стр. 1419
فِي مَسَائِلِ مَرَضِ الْمَوْلَى وَعَامَّةِ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ.
ــ
[كشف الأسرار]
حَيْثُ ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ وَلَمَّا كَانَ لِلْمَوْلَى حَقُّ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِذْنِ بِدُونِ رِضَاهُ كَمَا كَانَ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ الْوَكِيلِ بِدُونِ رِضَاهُ كَانَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فِي حُكْمِ بَقَاءِ الْإِذْنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ أَيْضًا بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ بِدُونِ تَعْجِيزِهِ نَفْسَهُ فَلَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ فِي حُكْمِ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي مَسَائِلِ مَرَضِ الْمَوْلَى مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ، وَقَوْلُهُ وَعَامَّةُ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ أَوْ أَكْثَرُهَا مُتَعَلِّقٌ بِبَقَاءِ الْإِذْنِ أَيْ جَعَلْنَاهُ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ فِي مَسَائِلِ مَرَضِ الْمَوْلَى وَفِي حَقِّ بَقَاءِ الْإِذْنِ فِي عَامَّةِ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ كَالْوَكِيلِ فَمِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مَا إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ مَرِضَ الْمَوْلَى فَبَاعَ الْعَبْدُ بَعْضَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ تِجَارَتِهِ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَحَابَى فِي ذَلِكَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ أَوْ يَسِيرٍ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى فَجَمِيعُ مَا فَعَلَ الْعَبْدُ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمَّا كَانَ وَاقِعًا لِلْمَوْلَى كَمَا كَانَ وَاقِعًا لِلْمُوَكِّلِ فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ يَتَغَيَّرُ تَصَرُّفُ الْعَبْدِ بِمَرَضِ الْمَوْلَى لِتَعَلُّقِ حَقِّ وَرَثَتِهِ بِمِلْكِهِ كَمَا يَتَغَيَّرُ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ بِمَرَضِ الْمُوَكِّلِ وَصَارَ كَمَا إذَا بَاشَرَهُ الْمَوْلَى بِنَفْسِهِ لِاسْتِدَامَتِهِ الْإِذْنَ بَعْدَ مَرَضِهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَهُمَا فِي الْمُحَابَاةِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ فَأَمَّا الْمُحَابَاةُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَبَاطِلَةٌ وَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ عِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُ هَذِهِ الْمُحَابَاةَ حَتَّى لَوْ بَاشَرَهَا فِي صِحَّةِ الْمَوْلَى كَانَتْ بَاطِلَةً وَلَوْ كَانَ الَّذِي حَابَاهُ بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَوْلَى كَانَتْ الْمُحَابَاةُ بَاطِلَةً لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْعَبْدِ كَمُبَاشَرَةِ الْمَوْلَى الْمَرِيضِ لَا يَمْلِكُ الْمُحَابَاةَ فِي شَيْءٍ مَعَ وَارِثِهِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمَأْذُونُ فِي مَرَضِ مَوْلَاهُ بِدَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ وَدِيعَةٍ قَائِمَةً أَوْ مُسْتَهْلَكَةً أَوْ غَيْرِهَا مِنْ دُيُونِ التِّجَارَةِ وَعَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ ثَبَتَ فِي صِحَّتِهِ بُدِئَ بِدَيْنِ الصِّحَّةِ مِنْ تَرِكَتِهِ وَمِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ فَإِنْ فَضُلَ مِنْ رَقَبَتِهِ وَكَسْبِهِ شَيْءٌ فَهُوَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْعَبْدُ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ وَكَسْبَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى فَإِقْرَارُهُ فِيهِ كَإِقْرَارِ الْمَوْلَى وَلَوْ أَقَرَّ الْمَوْلَى كَانَ دَيْنُ الصِّحَّةِ مُقَدَّمًا فَهَذَا مِثْلُهُ فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَأَمْثَالِهَا جَعَلَ الْمَأْذُونَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمِلْكِ وَالْمَوْلَى بِمَنْزِلَةِ الْمَوْلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى اُعْتُبِرَ مَرَضُهُ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ صِحَّةَ الْعَبْدِ وَمِنْ أَمْثِلَةِ الثَّانِي أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَحُجِرَ الْمَوْلَى الْأَوَّلُ لَا يَنْحَجِرُ الثَّانِي كَالْوَكِيلِ إذَا وَكَّلَ وَقَدْ كَانَ قَالَ لَهُ الْمُوَكِّلُ اعْمَلْ بِرَأْيِك لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْأَوَّلِ وَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى صَارَ مَحْجُورَيْنِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْمُوَكِّلُ صَارَ مَعْزُولَيْنِ وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ لِلْمَأْذُونِ بِالْحَجْرِ لِصِحَّتِهِ كَمَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ وَلَوْ أَخْرَجَ الْمَأْذُونُ مِنْ مِلْكِهِ لَمْ تَبْقَ لِلْعَبْدِ وِلَايَةٌ أَنْ يَقْبِضَ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى غَرِيمِهِ وَقْتَ الْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ قَبْضِ الثَّمَنِ بَعْدَ الْعَزْلِ وَلَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ جُنَّ الْمَوْلَى جُنُونًا مُطْبِقًا أَوْ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَقُتِلَ فِيهِ لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ صَارَ الْعَبْدُ مَحْجُورًا كَالْوَكِيلِ يَصِيرُ مَعْزُولًا فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَنَظَائِرِهَا جُعِلَ الْعَبْدُ كَالْوَكِيلِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْإِذْنِ.
قَوْلُهُ (وَالرِّقُّ لَا يُؤَثِّرُ فِي عِصْمَةِ الدَّمِ) إلَى آخِرِهِ عِصْمَةُ الدَّمِ وَهِيَ حُرْمَةُ تَعَرُّضِهِ بِالْإِتْلَافِ حَقًّا لَهُ وَلِصَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى نَوْعَيْنِ عِنْدَنَا مُؤْثِمَةٌ وَهِيَ الَّتِي تُوجِبُ الْإِثْمَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَرُّضِ لِلدَّمِ وَلَا تُوجِبُ الضَّمَانَ أَصْلًا وَمُقَوِّمَةٌ وَهِيَ الَّتِي تُوجِبُ الْإِثْمَ وَالضَّمَانَ جَمِيعًا عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَرُّضِ ثُمَّ إنْ كَانَ التَّعَرُّضُ عَمْدًا فَالضَّمَانُ هُوَ الْقِصَاصُ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَالدِّيَةُ وَالْإِثْمُ
стр. 1420
وَالرِّقُّ لَا يُؤَثِّرُ فِي عِصْمَةِ الدَّمِ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي قِيمَتِهِ وَإِنَّمَا الْعِصْمَةُ بِالْإِيمَانِ وَدَارِ الْإِيمَانِ وَالْعَبْدُ فِيهِ مِثْلُ الْحُرِّ وَلِذَلِكَ قُتِلَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ قِصَاصًا.
وَأَوْجَبَ الرِّقُّ نَقْصًا فِي الْجِهَادِ لِمَا قُلْنَا فِي الْحَجِّ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لِلْجِهَادِ وَالْحَجِّ غَيْرُ مُسْتَثْنَاةٍ عَلَى الْوَلِيِّ
ــ
[كشف الأسرار]
يَرْتَفِعُ فِي الْعِصْمَتَيْنِ بِالْكَفَّارَةِ إنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً وَبِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ إنْ كَانَ عَمْدًا فَالرِّقُّ لَا يُؤَثِّرُ فِي عِصْمَةِ الدَّمِ مُؤْثِمَةً كَانَتْ أَوْ مُقَوِّمَةً بِالْإِسْقَاطِ وَالتَّنْقِيصِ وَإِنَّمَا فِي قِيمَةٍ أَيْ قِيمَةِ الدَّمِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ لَا يُؤَثِّرُ الرِّقُّ فِي عِصْمَةِ الدَّمِ وَقَدْ انْتَقَصَتْ قِيمَتُهُ الْوَاجِبَةُ بِسَبَبِ الْعِصْمَةِ بِالرِّقِّ فَقَالَ أَثَرُهُ فِي تَنْقِيصِ الْقِيمَةِ لِمَا بَيَّنَّا لَا فِي الْعِصْمَةِ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُؤْثِمَةَ تَثْبُتُ بِالْإِيمَانِ وَالْمُقَوِّمَةَ تَثْبُتُ بِدَارِ الْإِيمَانِ أَيْ بِالْإِحْرَازِ بِهَا وَالْعَبْدُ فِيهِ أَيْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مِثْلُ الْحُرِّ بِلَا نُقْصَانٍ أَمَّا فِي الْإِيمَانِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فِي الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ فَلِأَنَّهُ يَتِمُّ بَعْدَ وُجُودِهِ حَقِيقَةً بِمَا يُوجِبُ الْقَرَارَ فِي هَذِهِ الدَّارِ بِأَنْ أَسْلَمَ لَوْ الْتَزَمَ عَقْدَ الذِّمَّةِ وَالرِّقِّ مِمَّا يُوجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بِالرِّقِّ يَصِيرُ تَبَعًا لِلْمَوْلَى فَإِذَا كَانَ الْمَوْلَى مُحْرِزًا بِدَارِ الْإِسْلَامِ يَصِيرُ الْعَبْدُ مُحْرِزًا بِهَا أَيْضًا كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِ الْعَبْدِ مُمَاثِلًا لِلْحُرِّ فِي الْعِصْمَةِ يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ قِصَاصًا عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِهِ لِانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ النَّفْسِيَّةُ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ ذَاتٍ مَوْصُوفَةٍ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا وَصَارَتْ بِهَا أَشْرَفَ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَقَدْ تَمَكَّنَ فِي الْعَبْدِ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ الَّتِي تُخِلُّ بِتِلْكَ الْكَرَامَاتِ فَاخْتَلَّتْ النَّفْسِيَّةُ بِمُجَاوَزَةِ الْمَالِيَّةِ فَكَانَ الْعَبْدُ فِي مُقَابَلَةِ الْحُرِّ دُونَهُ فِي النَّفْسِيَّةِ فَالْحُرُّ نَفِيسٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْعَبْدُ نَفْسٌ وَمَالٌ فَامْتَنَعَ الْقِصَاصُ وَالدَّلِيلُ فِي انْتِقَاصِ النَّفْسِيَّةِ انْتِقَاصُ الْبَدَلِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَتْلُ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى مَعَ أَنَّهَا دُونَ الذَّكَرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَاتِ وَلِهَذَا انْتَقَصَ بَدَلُ دَمِهَا عَنْ بَدَلِ دَمِ الرَّجُلِ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلِمَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ مَعْصُومَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ لِمُسَاوَاتِهِ الْحُرَّ فِي سَبَبِ الْعِصْمَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى كَمَالِ الْعِصْمَةِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ بِقَتْلِهِ إذَا كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا وَلَوْ اخْتَلَّتْ الْعِصْمَةُ لَمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ أَصْلًا لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَمُجَاوَرَةُ الْمَالِيَّةِ لَا تُخِلُّ بِالنَّفْسِيَّةِ وَالْعِصْمَةِ لِأَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَتَثْبُتُ لِأَجْلِهِ الْعِصْمَةُ كَوْنُهُ مُتَحَمِّلًا أَمَانَةَ اللَّهَ إذْ التَّحَمُّلُ وَالْأَدَاءُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْبَقَاءِ وَالْبَقَاءُ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْعِصْمَةِ وَهَذَا وَصْفٌ أَصْلِيٌّ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَمَا عَدَاهُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْعَقْلِ صِفَاتٌ زَائِدَةٌ أُثْبِتَتْ لِتَكْمِيلِ الْوَصْفِ الْمَطْلُوبِ وَلَا تَعَلُّقَ لِلْقِصَاصِ بِهَا وَقَدْ وُجِدَتْ الْمُسَاوَاةُ هَاهُنَا فِي الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَكَانَتْ الْعِصْمَةُ لِأَجْلِهِ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ الْقِصَاصِ فَأَمَّا نُقْصَانُ الْبَدَلِ فَلِنُقْصَانِ الْأَوْصَافِ الزَّائِدَةِ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي تَنْقِيصِ الْبَدَلِ وَتَكْمِيلِهِ فَأَمَّا حَقُّ الْقِصَاصِ فَلَا بِدَلِيلِ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَثُبُوتِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الْبَدَلِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ قَتَلَ عَبْدًا ثُمَّ أُعْتِقَ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَتَسَاوَى الْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ لِمَنْعِ الْعِتْقِ عَنْ الِاسْتِيفَاءِ إذْ الْمَانِعُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمَانِعِ حَالَةَ الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ (وَأَوْجَبَ الرِّقُّ نَقْصًا فِي الْجِهَادِ) لَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ الرِّقَّ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي قُوَى الْبَدَنِ حِسًّا لَكِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ قُدْرَةٌ بِالْمَالِ وَقُدْرَةٌ بِالْبَدَنِ وَالرِّقُّ كَمَا يُنَافِي مَالِكِيَّةَ الْمَالِ يُنَافِي مَالِكِيَّةَ مَنَافِعِ الْبَدَنِ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْبَدَنِ لِقِيَامِهَا بِهِ وَالْبَدَنُ مِلْكُ الْمَوْلَى وَمِلْكُ الْأَصْلِ عِلَّةٌ لِمِلْكِ التَّبَعِ فَكَانَتْ الْمَنَافِعُ مِلْكًا أَيْضًا تَبَعًا
стр. 1421
وَلِذَلِكَ قُلْنَا لَا يَسْتَوْجِبُ السَّهْمَ الْكَامِلَ وَانْقَطَعَتْ الْوِلَايَاتُ كُلُّهَا بِالرِّقِّ لِأَنَّهُ عَجْزٌ وَلِذَلِكَ بَطَلَ أَمَانُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ عَلَى النَّاسِ ابْتِدَاءً.
ــ
[كشف الأسرار]
لِلْبَدَنِ غَيْرَ أَنَّ الشَّرْعَ اسْتَثْنَى مَنَافِعَ بَدَنِهِ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ نَظَرًا لِلْعَبْدِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي الْبَعْضِ نَظَرًا لِلْمَوْلَى كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْقِتَالُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى بِالْإِجْمَاعِ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّ الرِّقَّ أَوْجَبَ نَقْصًا فِيهِ قُلْنَا لَا يَسْتَوْجِبُ الْعَقْدُ السَّهْمَ الْكَامِلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِحَالٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَامَّةِ لِأَنَّهُ إنْ حَضَرَ وَلَمْ يُقَاتِلْ لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ لِأَنَّ مَوْلَاهُ الْتَزَمَ مُؤْنَتَهُ لِلْخِدْمَةِ لَا لِلْقِتَالِ بِهِ فَكَانَ كَالتَّاجِرِ وَإِنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ يُرْضَخُ لَهُ وَلَا يُسْهَمُ وَعِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ يُسْهَمُ لِلْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ ﵇ «أَسْهَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبْدِ» وَتَمَسَّكَتْ الْعَامَّةُ بِحَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ أَنَّهُ ﵇ «كَانَ يَرْضَخُ لِلْمَمَالِيكِ وَلَا يُسْهِمُ لَهُمْ» وَبِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُجَاهِدٍ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ وَالْقِتَالِ وَلَا يَسْتَوِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُرِّ الَّذِي هُوَ أَهْلٌ لِلْجِهَادِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُ إذَا قَاتَلَ لِمَعْنَى التَّحْرِيضِ.
فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا نَفَلَ عَامًا بِأَنْ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِي اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَرُبَّمَا كَانَ سَلَبُ قَتِيلِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَهْمِ الْحُرِّ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوِيَ بَيْنَهُمَا فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ قُلْنَا لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ السَّلَبِ بَعْدَ التَّنْفِيلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْإِيجَابِ مِنْ الْإِمَامِ وَلَا تَفَاوَتَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَرَامَةِ وَالْعَبْدُ أَنْقَصُ حَالًا فِي أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ مِنْ الْحُرِّ أَلَا يُرَى أَنَّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ فِي التَّنْفِيلِ يَسْتَوِي بَيْنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ وَمَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّضْخِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ أَنَّهُ قَالَ «شَهِدْت خَيْبَرَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ فَلَمْ يُسْهِمْ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » كَذَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَالْمَبْسُوطِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْمَحْجُورَ هُوَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ الرَّضْخَ فَأَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فِي الْقِتَالِ فَيَسْتَوْجِبُ السَّهْمَ الْكَامِلَ لِالْتِحَاقِهِ بِالْحُرِّ بِالْإِذْنِ وَهْمٌ.
قَوْلُهُ (وَانْقَطَعَتْ الْوِلَايَاتُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ مِثْلُ الذِّمَّةِ وَالْحِلِّ وَالْوِلَايَةِ فَبَيَّنَ الذِّمَّةَ وَالْحِلَّ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوِلَايَةِ يَعْنِي لَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ مِثْلُ وِلَايَةِ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَالتَّزْوِيجِ وَغَيْرِهَا لِلْعَبْدِ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ الْقُدْرَةِ الْحُكْمِيَّةِ إذْ الْوِلَايَةُ تَنْفِيذُ الْأَمْرِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى وَالرِّقُّ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ فَيُنَافِي الْوِلَايَةَ كَمَا يُنَافِي مَالِكِيَّةَ الْمَالِ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي الْوِلَايَاتِ وِلَايَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ التَّعَدِّي مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِ التَّعَدِّي وَلَا وِلَايَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِانْقِطَاعِ الْوِلَايَاتِ كُلِّهَا بِالرِّقِّ بَطَلَ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَنْ الْقِتَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵏ صَحَّ أَمَانَةً لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ نُصْرَةِ الدِّينِ بِمَا يَمْلِكُهُ وَالْإِيمَانُ نُصْرَةُ الدِّينِ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ شُرِعَ لِمَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ دَفْعُ شَرِّ الْكُفَّارِ عَنْهُمْ وَالنُّصْرَةُ بِالْقَوْلِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ إذْ لَيْسَ فِيهَا إبْطَالُ حَقِّ الْمَوْلَى بِوَجْهٍ فَكَانَ الْعَبْدُ فِيهَا مِثْلَ الْحُرِّ بِخِلَافِ الْقِتَالِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهُ نُصْرَةٌ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْمَوْلَى عَنْ مَنَافِعِهِ وَتَعْرِيضَ مَالِيَّتِهِ لِلْهَلَاكِ فَلَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ وَلِأَنَّهُ بِالْإِيمَانِ يَلْتَزِمُ حُرْمَةَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ فَصَارَ كَشَهَادَتِهِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ
стр. 1422
وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْجِهَادِ أَصْلًا وَإِذَا كَانَ مَأْذُونًا بِالْجِهَادِ لَمْ يَصِرْ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ لَكِنَّ الْأَمَانَ بِالْإِذْنِ يَخْرُجُ عَنْ أَقْسَامِ الْوِلَايَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ صَارَ شَرِيكًا فِي الْغَنِيمَةِ فَلَزِمَهُ ثَمَّ تَعَدَّى فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ مِثْلُ شَهَادَتِهِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ.
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَقْدَ الذِّمَّةِ فَيَمْلِكُ الْإِيمَانَ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ مِنْهُ تَصَرُّفٌ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً فَلَا يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ لِلْمَوْلَى كَالشَّهَادَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إلْزَامٌ عَلَى الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَلَا فِي أَنْفُسِهِمْ اغْتِنَامًا وَاسْتِرْقَاقًا حَتَّى لَوْ قَاتَلَ لَا يَمْلِكُ الرَّضْخَ بَلْ يَمْلِكُهُ مَوْلَاهُ وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْقَتْلِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ لِحَقِّ الْمَوْلَى شَرْعًا.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ تَبَيَّنَ أَنَّ إيمَانَهُ تَصَرُّفٌ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ وَلَا وِلَايَةَ عَلَى الْغَيْرِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ إذَا كَانَ كَامِلَ الْوِلَايَةِ فِي نَفْسِهِ وَالْكَمَالُ فِي حَقِّهِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْحُرِّيَّةِ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ إيمَانُهُ وَبِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْجِهَادِ أَصْلًا يَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ مِنْ تَوَابِعِ الْقِتَالِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الْجِهَادَ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْمَالِ وَنَفْسُهُ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ فَلَا يَمْلِكُ الْإِيمَانَ كَالذِّمِّيِّ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بَيَانُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ وَإِنْ كَانَ تَرَكَ الْقِتَالَ صُورَةً لَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْجِهَادِ مَعْنًى لِأَنَّهُ قَدْ تَتَّفِقُ حَالَةٌ يَكُونُ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ فَتَكُونُ الْمَصْلَحَةُ فِي الْإِيمَانِ لِيَسْتَعِدُّوا لِلْجِهَادِ بَعْدُ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْجِهَادِ مِنْ جُمْلَتِهِ وَتَوَابِعِهِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ شَرِّ الْكُفَّارِ وَإِعْزَازُ الدِّينِ وَبِالْإِيمَانِ يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ كَمَا يَحْصُلُ بِالْجِهَادِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَبَعٌ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْأَصْلَ وَهُوَ الْجِهَادُ فَلَا يَمْلِكُ مَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِهِ لِأَنَّ عَدَمَ الْأَصْلِ بِأَيِّ عِلَّةٍ كَانَتْ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّابِعِ لِأَنَّ وُجُودَ التَّبَعِ بِوُجُودِ الْأَصْلِ لَا بِعِلَّةِ الْأَصْلِ وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالُوا إنَّهُ بِالْإِيمَانِ الْتَزَمَ حُرْمَةَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْجِهَادِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ كَانَ مُلْزِمًا غَيْرَهُ ابْتِدَاءً لَا مُلْتَزِمًا وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ.
فَأَمَّا عَقْدُ الذِّمَّةِ فَيَتَمَحَّضُ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْكُفَّارَ إذَا طَلَبُوا ذَلِكَ يُفْتَرَضُ عَلَى الْإِمَامِ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ فَيَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ أَمَّا الْإِيمَانُ فَمُتَرَدَّدٌ بَيْنَ الْمَنْفَعَةِ وَالضَّرَرِ وَلِهَذَا لَا يُفْتَرَضُ إجَابَةُ الْكُفَّارِ إلَيْهِ إذَا طَلَبُوا ذَلِكَ وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِي الِاسْتِغْنَامِ وَالِاسْتِرْقَاقِ فَلَا يَمْلِكُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّصَرُّفَ الَّذِي يُوهِمُ الضَّرَرَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى خَاصَّةً كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ فَمَا فِيهِ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكَهُ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا صِحَّةَ إيمَانِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ بِالْإِجْمَاعِ فَأَجَابَ وَقَالَ وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ بِالْجِهَادِ لَمْ يَصِرْ بِالْإِذْنِ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ لِبَقَاءِ الْمُنَافِي وَهُوَ الرِّقُّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ إيمَانُهُ بَعْدَ الْإِذْنِ كَمَا لَا يَصِحَّ شَهَادَتُهُ وَقَضَاؤُهُ وَجَمِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ لَكِنَّهُ إنَّمَا صَحَّ لِأَنَّ الْأَمَانَ أَيْ الْإِيمَانُ بِسَبَبِ الْإِذْنِ فِي الْجِهَادِ يَخْرُجُ عَنْ أَقْسَامِ الْوِلَايَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي الْجِهَادِ صَارَ شَرِيكًا فِي الْغَنِيمَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اسْتَحَقَّ رَضْخًا فِيهَا وَإِذَا آمَنَ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ فِي الْغَنِيمَةِ فَلَزِمَهُ حُكْمُ الْإِيمَانِ ثُمَّ تَعَدَّى إلَى الْغَيْرِ لِعَدَمِ تَجَزُّئِهِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْإِيمَانُ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ فَيَصِحُّ مِثْلُ شَهَادَتِهِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ حَيْثُ تَصِحُّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ بَلْ هِيَ الْتِزَامُ الصَّوْمِ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا ثُمَّ تَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى غَيْرِهِ فَإِنْ قِيلَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَنْ الْقِتَالِ مِثْلُ الْمَأْذُونِ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الرَّضْخِ إذَا قَاتَلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ إيمَانُهُ لِشَرِكَتِهِ فِي الْغَنِيمَةِ أَيْضًا قُلْنَا قَدْ ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَاتَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ أَهْلًا لَهُ عِنْدَ إذْنِ
стр. 1423
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ صَحَّ إقْرَارُهُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَصَحَّ بِالسَّرِقَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَوْلَى فَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمِنِ إنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُرْضَخُ لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ الِاكْتِسَابِ وَعَمَّا يَتَمَحَّضُ مَنْفَعَةً فَيَكُونُ هُوَ كَالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى دَلَالَةً لِأَنَّهُ إنَّمَا حُجِرَ عَنْ الْقِتَالِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَشْغُولًا بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى حَالَةَ الْقِتَالِ وَرُبَّمَا يُقْتَلُ فَإِذَا فَرَغَ عَنْ الْقِتَالِ سَالِمًا وَأَصَابَ الْغَنِيمَةَ وَزَالَ الضَّرَرُ يَثْبُتُ الْإِذْنُ مِنْهُ دَلَالَةً وَهُوَ نَظِيرُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ إذَا آجَرَ نَفْسَهُ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا فِي الْغَنِيمَةِ حِينَ آمَنَهُمْ أَمَّا عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ فَظَاهِرٌ وَكَذَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ لَا قَبْلَهُ وَحِينَ ثَبَتَتْ الشَّرِكَةُ لَمْ يَبْقَ وَقْتُ الْإِيمَانِ وَحِينَ آمَنَهُمْ لَمْ تَكُنْ الشَّرِكَةُ ثَابِتَةً فَيَكُونَ الْإِيمَانُ مِنْهُ تَعْرِيضًا لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِالْإِبْطَالِ ابْتِدَاءً لِأَنَّ حَقَّهُمْ حِينَ آمَنَ ثَابِتٌ بِالنَّظَرِ إلَى السَّبَبِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَأَجَابَ الْإِمَامُ الْبُرَغْرِيُّ ﵀ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ إنَّمَا شُرِعَ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى الْقِتَالِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالِاسْتِعْدَادِ كَمَا ذَكَرْنَا فَيَمْلِكُهُ مَنْ يَمْلِكُ الْقِتَالَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهَذَا الْعَبْدُ الَّذِي قَاتَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى وَاسْتَحَقَّ الرَّضْخَ مَحْجُورٌ عَنْ الْقِتَالِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ قِتَالِهِ وَرَفَعْنَا الْحَجْرَ عَنْهُ فِي الْمَاضِي لَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَمْلِكُ الْإِيمَانَ وَهُوَ مِثْلُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا وَبَاعَهُ وَرَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا كَانَ تَصَرُّفُهُ نَافِذًا وَالرِّبْحُ سَالِمًا لِلْمَوْلَى لِأَنَّ تَنْفِيذَ تَصَرُّفِهِ نَفْعٌ مَحْضٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَكِنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ بِشَيْءٍ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ إنَّمَا صَارَ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى التِّجَارَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْحَجْرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَائِمٌ فَلَا يَصِحُّ التَّبَرُّعُ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ لِلْعَبْدِ فِي الْغَنِيمَةِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي مَالِكِيَّةَ الْمَالِ بَلْ الشَّرِكَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ لِمَوْلَاهُ لِأَنَّ رَضْخَ الْعَبْدِ لَهُ لَا لِلْعَبْدِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُقَاتِلَ إذَا أُعْتِقَ بَعْدَمَا أَصَابُوا غَنَائِمَ فَإِنَّهُ يُرْضَخَ لِمَوْلَاهُ مِنْهَا وَلَوْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ الْمُقَاتِلُ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ لِأَنَّ بِإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ لَا يَتَبَدَّلُ الْمُسْتَحَقُّ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْإِسْلَامُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ بِتَبَدُّلِ الْمُسْتَحَقِّ لِأَنَّ الرَّضْخَ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ مُسْتَحَقًّا بِالْعَبْدِ كَمَا يَكُونُ السَّهْمُ لَهُ مُسْتَحَقًّا بِالْفَرَسِ وَبَعْدَ الْعِتْقِ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْعَبْدِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْعِتْقُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ اسْتِحْقَاقَ الْمَوْلَى أَصْلًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا فِي الْغَنِيمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ إيمَانُهُ وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا فِي الْجِهَادِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إلْزَامًا عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً قُلْنَا الِاسْتِحْقَاقُ ثَابِتٌ لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ إنْسَانٌ مُخَاطَبٌ وَلَكِنَّ الْمَوْلَى يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ كَمَا يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِ سَائِرِ أَكْسَابِهِ فَيَكُونُ الشَّرِكَةُ ثَابِتَةً نَظَرًا إلَى السَّبَبِ بِخِلَافِ الْفَرَسِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ أَصْلًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُقَاتِلَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ لَا شَيْءَ لِمَوْلَاهُ اعْتِبَارًا بِمَوْتِ مَنْ لَهُ سَهْمٌ وَلَوْ مَاتَ الْفَرَسُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ بَعْدَمَا جَاوَزَ الدَّرْبَ لَا يَبْطُلُ سَهْمُ الْفَارِسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ الرِّقَّ لَا يُنَافِي مَالِكِيَّةَ غَيْرِ الْمَالِ مِنْ الدَّمِ وَالْحَيَاةِ صَحَّ إقْرَارُ الْعَبْدِ مَحْجُورًا كَانَ أَوْ مَأْذُونًا بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَيْ بِمَا يُوجِبُ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُبْقًى عَلَى
стр. 1424
وَبِالْقَائِمَةِ صَحَّ مِنْ الْمَأْذُونِ وَفِي الْمَحْجُورِ اخْتِلَافٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَصِحُّ بِهِمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَصِحُّ بِهِمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَصِحُّ بِالْحَدِّ دُونَ الْمَالِ وَذَلِكَ إذَا كَذَّبَهُ الْمَوْلَى.
ــ
[كشف الأسرار]
أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ وَالْحَيَاةِ حَتَّى لَمْ يَمْلِكْ الْمَوْلَى إرَاقَةَ دَمِهِ وَإِتْلَافَ حَيَاتِهِ وَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَانَ إقْرَارُهُ مُلَاقِيًا حَقَّ نَفْسِهِ قَصْدًا فَيَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْحُرِّ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ لُزُومُ إتْلَافِ مَالِيَّتِهِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْأَمَانِ بِخِلَافِ إقْرَارِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ بِالْمَالِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ يُلَاقِي حَقَّ الْغَيْرِ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ قَصْدًا فَيَمْنَعُ الصِّحَّةَ ضَرُورَةً وَصَحَّ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِالسَّرِقَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ مَأْذُونًا كَانَ أَوْ مَحْجُورًا عِنْدَنَا حَتَّى وَجَبَ الْقَطْعُ وَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُ الْمَالِ.
وَقَالَ زُفَرُ ﵀ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ بِضَمَانِ الْمَالِ فِي الْحَالِ إنْ كَانَ مَأْذُونًا وَبَعْدَ الْعِتْقِ إنْ كَانَ مَحْجُورًا لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي حَقِّ الْمَالِ يُلَاقِي حَقَّهُ إنْ كَانَ مَأْذُونًا فَإِنَّهُ يُلَاقِي ذِمَّتَهُ وَهُوَ مُنْفَكُّ الْحَجْرِ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا فِي حَقِّ الْقَطْعِ فَيُلَاقِي نَفْسَهُ وَالْفَكُّ بِحُكْمِ الْإِذْنِ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ نَفْسَهُ لِفُلَانٍ كَانَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا فَكَذَا إقْرَارُهُ بِمَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ نَفْسِهِ أَوْ جُزْءًا مِنْهَا يَكُونُ بَاطِلًا.
وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَى الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ آدَمِيٌّ مُخَاطَبٌ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ وَهُوَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِثْلُ الْحُرِّ مَأْذُونًا كَانَ أَوْ مَحْجُورًا فَإِقْرَارُهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْجُزْءِ كَإِقْرَارِ الْحُرِّ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَمَا لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ فَالْعَبْدُ فِيهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحُرِّ كَالطَّلَاقِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ لِأَنَّ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ بِاسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَةِ مِنْهُ فَوْقَ مَا يَلْحَقُ الْمَوْلَى وَالْإِقْرَارُ حُجَّةٌ عِنْدَ انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَبِالْقَائِمَةِ صَحَّ مِنْ الْمَأْذُونِ يَعْنِي إذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ بِسَرِقَةِ مَالٍ قَائِمٍ بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ صَحَّ فِي حَقِّ الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَرُدُّ عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي حَقِّ الْمَالِ لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ الْكَسْبُ لِأَنَّهُ مُنْفَكُّ الْحَجْرِ فِي ذَلِكَ فَيَصِحُّ وَفِي حَقِّ الْقَطْعِ صَحَّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀ لِمَا مَرَّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْمَحْجُورِ اخْتِلَافٌ مَعْرُوفٌ وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ بِسَرِقَةِ مَالٍ قَائِمٍ فِي يَدِهِ بِعَيْنِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهِمَا أَيْ بِالْحَدِّ وَالْمَالِ فَيُقْطَعُ يَدُهُ وَيُرَدُّ الْمَالُ عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَصِحُّ بِهِمَا فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ وَلَا الرَّدُّ عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀ أَيْضًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَصِحُّ بِالْحَدِّ دُونَ الْمَالِ فَيُقْطَعُ يَدُهُ وَيَكُونُ الْمَالُ لِلْمَوْلَى وَذَلِكَ أَيْ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَا إذَا كَذَّبَهُ الْمَوْلَى وَقَالَ الْمَالُ مَالِي فَأَمَّا إذَا صَدَّقَهُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَيَرُدُّ الْمَالَ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ.
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ وَمَا فِي يَدِهِ كَأَنَّهُ فِي يَدِ الْمَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ فِيهِ بِالْغَصْبِ لَا يَصِحُّ فَكَذَلِكَ بِالسَّرِقَةِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْمَالِ بَقِيَ الْمَالُ عَلَى مِلْكِ مَوْلَاهُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقْطَعَ فِي هَذَا الْمَالِ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمَوْلَى وَلَا فِي مَالٍ آخَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِالسَّرِقَةِ فِيهِ ثُمَّ الْمَالُ أَصْلٌ فِي هَذَا الْبَابِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ لَوْ قَالَ أَبْغِي الْمَالَ دُونَ الْقَطْعِ تُسْمَعُ خُصُومَتُهُ وَعَلَى الْعَكْسِ لَا تُسْمَعُ وَإِنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَطْعِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ الْقَطْعِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْمَالِ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ فِيمَا هُوَ الْأَصْلُ لَمْ يَصِحَّ فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَيْضًا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ بِالْقَطْعِ وَبِالْمَالِ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ فَيَثْبُتُ مَا كَانَ إقْرَارُهُ فِيهِ حُجَّةً دُونَ الْآخَرِ لِأَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخَرِ
стр. 1425
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قُلْنَا فِي جِنَايَاتِ الْعَبْدِ خَطَأً أَنَّ رَقَبَتَهُ يَصِيرُ جَزَاءً لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ضَمَانِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ
ــ
[كشف الأسرار]
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ كَمَا إذَا شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْقَطْعُ دُونَ الْمَالِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالٍ يَسْتَهْلِكُ.
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ إقْرَارِهِ فِي حَقِّ الْقَطْعِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي ذَلِكَ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ هُوَ الْأَصْلُ فَإِنَّ الْقَاضِي يَقْضِي بِالْقَطْعِ إذَا ثَبَتَ السَّرِقَةُ عِنْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ ثُمَّ مِنْ ضَرُورَةِ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ كَوْنُ الْمَالِ مَمْلُوكًا لِغَيْرِ مَوْلَاهُ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقْطَعَ الْعَبْدُ فِي مَالٍ هُوَ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ وَبِثُبُوتِ الشَّيْءِ يَثْبُتُ مَا كَانَ ضَرُورَتُهُ كَمَا لَوْ بَاعَ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ نَسَبَ الَّذِي عِنْدَهُ يَثْبُتُ نَسَبُ الْآخَرِ مِنْهُ وَيَبْطُلُ عِتْقُ الْمُشْتَرِي فِيهِ لِلضَّرُورَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي مَالِكِيَّةَ الْمَالِ أَوْ أَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي كَمَالَ الْحَالِ فِي أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ حَتَّى أَنَّ ذِمَّتَهُ ضَعُفَتْ بِرِقِّهِ بِحَيْثُ لَمْ تَحْتَمِلْ الدَّيْنَ بِنَفْسِهَا قُلْنَا فِي جِنَايَاتِ الْعَبْدِ خَطَأً أَنَّ رَقَبَتَهُ تَصِيرُ جَزَاءً أَيْ يَصِيرُ الْعَبْدُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ جَزَاءً بِجِنَايَتِهِ وَالْوُجُوبُ عَلَى الْمَوْلَى دُونَ الْعَبْدِ فَيُقَالُ لِلْمَوْلَى عَلَيْك تَسْلِيمُ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ إلَى وَلِيِّهَا إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْفِدَاءَ بِالْأَرْشِ فَيُخَيَّرَ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ كَمَا وَجَبَ أَوْ الْفِدَاءِ بِالْأَرْشِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ حُكْمُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْآدَمِيِّ كَحُكْمِ جِنَايَتِهِ عَلَى الْبَهِيمَةِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ فَيُقَالُ لِلْمَوْلَى إمَّا أَنْ تُؤَدِّيَ أَوْ يُبَاعَ عَلَيْك الْعَبْدُ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْأَصْلِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْخِلَافُ يَظْهَرُ فِي اتِّبَاعِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَعِنْدَهُ يُؤَاخَذُ بِتَكْمِيلِ الْأَرْشِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَعِنْدَنَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ هُوَ يَقُولُ الْأَصْلُ فِي ضَمَانِ الْجِنَايَةِ وُجُوبُهُ عَلَى الْجَانِي وَأَوْجَبَ الشَّرْعُ عَلَى الْعَاقِلَةِ حِمَالَةً عَنْهُ بِطَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ بِعُذْرِ الْخَطَأِ وَلَا عَاقِلَةَ لِلْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَقْلَ بِالْقَرَابَةِ وَقَدْ انْقَطَعَ حُكْمُهَا بِالرِّقِّ بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ فَيُبَاعُ فِيهِ وَيُسْتَوْفَى مِنْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَأَمَّا وُجُوبُ الدَّفْعِ فَغَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ فِي شَرْعِ الدَّفْعِ تَسْوِيَةً بَيْنَ قِلَّةِ الْجِنَايَةِ وَكَثْرَتِهَا وَهِيَ مِمَّا يَرُدُّهُ الْقِيَاسُ وَنَحْنُ نَقُولُ الْوَاجِبُ فِي بَابِ الْقَتْلِ ضَمَانُ هُوَ صِلَةٌ فِي جَانِبِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يَهَبُ شَيْئًا مُبْتَدَأ لِأَنَّ كَوْنَ الْمُتْلَفِ غَيْرُ مَالٍ يُنَافِي وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ وَكَوْنَ الدَّمِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْدَرَ يُوجِبُ الْحَقَّ لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ الضَّمَانُ صِلَةً فِي جَانِبِ الْمُتْلِفِ وَعِوَضًا فِي جَانِبِ الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ وَلِكَوْنِهِ صِلَةً لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالدِّيَةِ كَمَا لَا تَصِحُّ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ كَأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ وَلَا يَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا إلَّا بِحَوْلٍ بَعْدَ الْقَبْضِ كَأَنَّهَا هِبَةٌ ثُمَّ كَوْنُ هَذَا الضَّمَانِ صِلَةً يَمْنَعُ الْوُجُوبَ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلصِّلَةِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ صِلَةَ الْأَقَارِبِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ صِلَةً وَلَا عَاقِلَةَ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ لِيَجِبَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُمْكِنُ إهْدَارُ الدَّمِ جَعَلَ الشَّرْعُ رَقَبَةَ الْعَبْدِ مَقَامَ الْأَرْشِ حَتَّى لَا يَكُونَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا يَصِيرُ الدَّمُ هَدَرًا أَيْضًا إذْ الْأَصْلُ فِي الدَّمِ أَنْ يَضْمَنَ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَلِأَنَّ فِي ضَمَانِ الِاسْتِهْلَاكِ وَجَبَ الضَّمَانُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ وَإِذَا تَبِعَ فِيهِ صَارَ فِي الْمَالِ ذَاهِبًا فِيهِ وَقَدْ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ هَاهُنَا لِكَوْنِ الْوَاجِبِ صِلَةً فَيُصَارُ إلَى الدَّفْعِ لِأَنَّ فِيهِ ذَهَابَهُ بِالْجِنَايَةِ وَهُوَ مَالُ ضَمَانِ الِاسْتِهْلَاكِ وَلِهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ بِقِلَّةِ الْجِنَايَةِ وَكَثْرَتِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ فِي حُكْمِ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ
стр. 1426
وَلَكِنَّهُ صِلَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ فَيَصِيرُ عَائِدًا إلَى الْأَصْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى لَا يَبْطُلُ بِالْإِفْلَاسِ وَعِنْدَهُمَا يَصِيرُ بِمَعْنَى الْحَوَالَةِ وَهَذَا أَصْلٌ لَا يُحْصَى فُرُوعُهُ.
ــ
[كشف الأسرار]
هَاهُنَا يَصِيرُ إلَى ذَهَابِهِ فِيهِ وَهَذَا لَا يُوجِبُ التَّفْرِقَةَ.
وَقَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ صِلَةٌ مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِهِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَا وَكَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ مُقَابَلًا بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَهُوَ مِلْكُ النِّكَاحِ أَوْ مَنَافِعُ الْبُضْعِ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ عِوَضًا عَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمِلْكِ أَوْ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ فَلَا يَكُونُ صِلَةً وَالضَّمَانُ هَاهُنَا يَجِبُ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ فَكَانَ صِلَةً قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ يَصِيرُ جَزَاءً أَيْ يَصِيرُ رَقَبَتُهُ جَزَاءً فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا حَالَ مِشْيَةِ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ فَيَصِيرُ أَيْ الْوَاجِبُ عَائِدًا إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْأَرْشُ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْخَطَأِ عِنْدَهُ وَالنَّقْلُ إلَى الدَّفْعِ لِعَارِضِ الرِّقِّ فَإِذَا أَعَادَ الْأَمْرَ إلَى الْأَصْلِ لَا يَبْطُلُ بِالْإِفْلَاسِ وَعِنْدَهُمَا يَصِيرُ الْوَاجِبُ بِمَعْنَى الْحَوَالَةِ أَيْ بِمَعْنَى الْحَالِ بِهِ عَلَى الْمَوْلَى أَوْ يَصِيرُ الْتِزَامُهُ الْفِدَاءَ بِمَعْنَى الْحَوَالَةِ كَانَ الْعَبْدُ أَحَالَ بِالْوَاجِبِ عَلَى الْمَوْلَى فَيَعُودُ بِالْإِفْلَاسِ إلَى رَقَبَتِهِ كَمَا فِي الْحَوَالَةِ الْحَقِيقَةِ وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا اخْتَارَ الْفِدَاءَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّيهِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ كَانَ الْأَرْشُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَالْعَبْدُ عَبْدُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا سَبِيلَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَهُمَا إنْ أَدَّى الدِّيَةَ مَكَانَهُ وَإِلَّا دَفَعَ الْعَبْدَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ إلَّا إنْ رَضَوْا بِأَنْ يَبِيعُوهُ بِالدِّيَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الْعَبْدِ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ صَارَ حَقًّا لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْوِيلِ حَقِّهِمْ مِنْ الْعَبْدِ إلَى الْأَرْشِ بِاخْتِيَارِهِ الْفِدَاءَ فَإِذَا أَعْطَاهُمْ الْأَرْشَ كَانَ هَذَا تَحْوِيلًا لِحَقِّهِمْ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ فِيهِ وَفَاءً لِحَقِّهِمْ فَيَكُونُ صَحِيحًا مِنْهُ وَإِذَا كَانَ مُفْلِسًا كَانَ هَذَا إبْطَالًا لِحَقِّهِمْ لَا تَحْوِيلًا إلَى مَحَلٍّ يُعَدُّ لَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَاطِلًا مِنْ الْمَوْلَى وَهَذَا لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْمَوْلَى بِطَرِيقِ النَّظَرِ مِنْ الشَّرْعِ لَهُ إنَّمَا ثَبَتَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ فَإِذَا آلَ إلَى الضَّرَرِ كَانَ بَاطِلًا كَمَا فِي الْحَوَالَةِ فَإِنَّ انْتِقَالَ الدَّيْنِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ ثَابِتٌ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ عَادَ إلَى الْمُحِيلِ كَمَا كَانَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي هُوَ الْمَصْرُوفُ إلَى جِنَايَتِهِ كَمَا فِي الْعَمْدِ وَإِنَّمَا صِيرَ إلَى الْأَرْشِ فِي الْخَطَأِ إذَا كَانَ الْجَانِي حُرًّا لِتَعَذُّرِ الدَّفْعِ فَكَانَ اخْتِيَارُ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ نَقْلًا مِنْ الْأَصْلِ إلَى الْعَارِضِ فَكَانَ بِمَعْنَى الْحَوَالَةِ كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ أُحِيلَ عَلَى الْمَوْلَى فَإِذَا تَوَى مَا عَلَيْهِ بِإِفْلَاسِهِ يَعُودُ إلَى الْأَصْلِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحَوَالَاتِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ قَدْ خُيِّرَ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ وَالْمُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ وَاجِبًا مِنْ الْأَصْلِ كَالْمُكَفِّرِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَهَاهُنَا بِاخْتِيَارِهِ الْفِدَاءَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الدِّيَةُ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى مِنْ الْأَصْلِ وَإِنَّ الْعَبْدَ فَارِغٌ مِنْ الْجِنَايَةِ فَلَا يَكُونُ لِأَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ هُوَ الْأَرْشُ فَإِنَّهُ هُوَ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] .
وَفِي الْعَبْدِ إنَّمَا صِيرَ إلَى الدَّفْعِ ضَرُورَةً أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلصِّلَةِ فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِاخْتِيَارِ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ عَادَ الْأَمْرُ إلَى الْأَصْلِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْإِفْلَاسِ وَقِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ فِي التَّحْقِيقِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّفْلِيسِ فَعِنْدَهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ التَّفْلِيسُ مُعْتَبَرًا لِأَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ كَانَ هَذَا التَّصَرُّفُ مِنْ الْمَوْلَى تَحْوِيلًا لِحَقِّ الْأَوْلِيَاءِ إلَى ذِمَّتِهِ لَا إبْطَالًا وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ التَّفْلِيسُ مُعْتَبَرًا وَالْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ كَانَ تَاوِيًا كَانَ هَذَا
стр. 1427
وَأَمَّا الْمَرَضُ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْحُكْمِ وَلَا أَهْلِيَّةَ الْعِبَارَةِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ عَجْزٌ خَالِصٌ كَانَ الْمَرَضُ مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ وَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ عِلَّةَ الْخِلَافَةِ كَانَ الْمَرَضُ مِنْ أَسْبَابِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَارِثِ وَالْغَرِيمِ بِمَا لَهُ وَلَمَّا كَانَ عَجْزًا شُرِعَتْ الْعِبَادَاتُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الْمُكْنَةِ وَلَمَّا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ فَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ بِهِ صِيَانَةُ الْحَقِّ حَتَّى لَا يُؤَثِّرَ الْمَرَضُ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَرِيمٍ وَلَا وَارِثٍ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَجْرُ إذَا اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِهِ فَقِيلَ كُلُّ تَصَرُّفٍ وَاقِعٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّتِهِ وَاجِبٌ لِلْحَالِ ثُمَّ التَّدَارُكُ بِالنَّقْصِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ مِثْلُ الْهِبَةِ وَبَيْعِ الْمُحَابَاةِ وَكُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْصَ جُعِلَ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالْمَوْتِ كَالْإِعْتَاقِ إذَا وَقَعَ عَلَى حَقِّ الْغَرِيمِ أَوْ الْوَارِثِ
ــ
[كشف الأسرار]
الِاخْتِيَارُ مِنْ الْمَوْلَى إبْطَالًا لِحَقِّ الْأَوْلِيَاءِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا أَيْ الرِّقُّ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ الَّتِي بَيَّنَّا أَصْلٌ لَا يُحْصَى فُرُوعُهُ
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَرَضُ فَكَذَا) قِيلَ الْمَرَضُ حَالَةٌ لِلْبَدَنِ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَجْرَى الطَّبِيعِيِّ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ هُوَ هَيْئَةٌ لِلْحَيَوَانِ يَزُولُ بِهَا اعْتِدَالُ الطَّبِيعَةِ وَالْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الطِّبِّ أَنَّ الْمَرَضَ هَيْئَةٌ غَيْرُ طَبِيعِيَّةٍ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ يَجِبُ عَنْهَا بِالذَّاتِ آفَةٌ فِي الْفِعْلِ وَآفَةُ الْفِعْلِ ثَلَاثٌ التَّغَيُّرُ وَالنُّقْصَانُ وَالْبُطْلَانُ فَالتَّغَيُّرُ أَنْ يَتَخَيَّلَ صُوَرًا لَا وُجُودَ لَهَا خَارِجًا وَالنُّقْصَانُ أَنْ يَضْعُفَ بَصَرُهُ مَثَلًا وَالْبُطْلَانُ الْعَمَى وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْحُكْمِ أَيْ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَوُجُوبَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَوْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَالْقِصَاصِ وَنَفَقَةِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلَادِ وَالْعَبْدِ.
وَلَا أَهْلِيَّةَ الْعِبَارَةِ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْعَقْلِ وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ حَتَّى صَحَّ نِكَاحُ الْمَرِيضِ وَطَلَاقُهُ وَإِسْلَامُهُ وَانْعَقَدَ تَصَرُّفَاتُهُ وَجَمِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَارَةِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْمَرَضُ مُنَافِيًا لِلْأَهْلِيَّتَيْنِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمَرِيضِ الْعِبَادَاتُ كَامِلَةً كَمَا تَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ وَأَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِمَالِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَلَا يَثْبُتُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبَ الْمَوْتِ بِوَاسِطَةِ تَرَادُفِ الْآلَامِ وَالْمَوْتُ عَجْزٌ خَالِصٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَيْسَ فِيهِ يَشُوبُ الْقُدْرَةَ بِوَجْهٍ كَانَ الْمَرَضُ مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ أَيْ مُوجِبًا لَهُ بِزَوَالِ الْقُوَّةِ وَانْتِقَاصِهَا وَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ عِلَّةً لِخِلَافَةِ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ فِي الْمَالِ لِأَنَّ بِالْمَوْتِ يَبْطُلُ أَهْلِيَّةُ الْمِلْكِ فَيَخْلُفُهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ وَالذِّمَّةُ تَخْرَبُ بِالْمَوْتِ فَيَصِيرُ الْمَالُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ قَضَاءِ الدَّيْنِ مَشْغُولًا بِالدَّيْنِ فَيَخْلُفُهُ الْغَرِيمُ فِي الْمَالِ كَانَ الْمَرَضُ مِنْ أَسْبَابِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَارِثِ وَالْغَرِيمِ بِمَالِهِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ وَلِأَنَّ التَّعَلُّقَ لَمَّا ثَبَتَ بِالْمَوْتِ حَقِيقَةً يَسْتَنِدُ هَذَا الْحُكْمُ إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَنِدُ إلَى أَوَّلِ السَّبَبِ كَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا خَطَأً ثُمَّ كَفَّرَ قَبْلَ السِّرَايَةِ ثُمَّ سَرَى يَصِحُّ التَّكْفِيرُ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّكْفِيرِ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَوَاتِ فَيَسْتَنِدُ إلَى سَبَبِ الْقَتْلِ فَيَظْهَرُ فِي الْآخِرَةِ أَنَّهُ أَدَّاهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ فَيَجُوزُ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ خَرَابُ الذِّمَّةِ وَتَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالْمَالِ حُكْمُ الْمَوْتِ فَيَسْتَنِدُ إلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الْمَرَضُ ثُمَّ لِكَوْنِ الْمَرَضِ مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ شُرِعَتْ الْعِبَادَاتُ عَلَى الْمَرِيضِ بِقَدْرِ الْمُكْنَةِ أَيْ الطَّاعَةِ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَلِكَوْنِهِ مِنْ أَسْبَابِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَارِثِ وَالْغَرِيمِ بِالْمَالِ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجَرِ عَلَى الْمَرِيضِ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ بِهِ صِيَانَةُ الْحَقِّ أَيْ حَقُّ الْوَارِثِ وَالْغَرِيمِ وَهُوَ مِقْدَارُ الثُّلُثَيْنِ فِي حَقِّ الْوَارِثِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهَذَا الْقَدْرِ.
وَجَمِيعُ الْمَالِ فِي حَقِّ الْغَرِيمِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا حَتَّى لَا يُؤَثِّرَ الْمَرَضُ أَيْ فِي الْحَجْرِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَرِيمٍ مِثْلُ مَا زَادَ عَلَى الدَّيْنِ وَلَا وَارِثَ مِثْلُ مَا زَادَ عَلَى ثُلْثَيْ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ عَلَى ثُلْثَيْ الْجَمِيعِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَمِثْلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَةُ الْمَرِيضِ كَالنَّفَقَةِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ وَالنِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَنَحْوِهَا قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ) أَيْ بِالْمَرَضِ الْحَجْرُ إذَا اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ لِأَنَّ عِلَّةَ الْحَجْرِ مَرَضٌ مُمِيتٌ لَا نَفْسُ الْمَرَضِ فَقَبْلَ وُجُودِ الْوَصْفِ لَا يَثْبُتُ الْحَجْرُ لِعَدَمِ التَّمَامِ بِوَصْفِهِ وَإِذَا اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ صَارَ أَصْلُ الْمَرَضِ مَوْصُوفًا بِالْأَمَانَةِ وَالسِّرَايَةِ إلَى الْمَوْتِ مِنْ أَوَّلِهِ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَحْصُلُ بِضَعْفِ
стр. 1428
وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمَرِيضُ الْإِيصَاءَ لِمَا قُلْنَا لَكِنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ اسْتِخْلَاصًا عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْقَلِيلِ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْحَجْرَ وَالتُّهْمَةَ فِيهِ أَصْلٌ وَلَمَّا تَوَلَّى الشَّرْعَ الْإِيصَاءَ لِلْوَرَثَةِ وَأَبْطَلَ إيصَاءَهُ لَهُمْ
ــ
[كشف الأسرار]
الْقُوَى وَتَرَادُفِ الْآلَامِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْمَرَضِ مُضْعِفٌ مُوجِبٌ لِأَلَمٍ بِمَنْزِلَةِ جِرَاحَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ سَرَتْ إلَى الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يُضَافُ إلَى كُلِّهَا دُونَ الْأَخِيرَةِ فَتَمَّ الْمَرَضُ عِلَّةَ الْحَجْرِ بِاتِّصَالِهِ بِالْمَوْتِ مِنْ حِينِ أَصْلِ الْمَرَضِ الَّذِي أَضْنَاهُ كَالنِّصَابِ صَارَ مُتَّصِفًا بِالنَّمَاءِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ فَيَسْتَنِدُ حُكْمُهُ وَهُوَ الْحَجْرُ إلَى أَصْلِ الْمَرَضِ وَالتَّصَرُّفُ وُجِدَ بَعْدَهُ فَصَارَ تَصَرُّفُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْلَمْ قَبْلَ اتِّصَالِهِ بِالْمَوْتِ أَنَّهُ يَتَّصِلُ بِهِ أَمْ لَا لَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْحَجْرِ بِالشَّكِّ إذْ الْأَصْلُ هُوَ الْإِطْلَاقُ فَقِيلَ كُلُّ تَصَرُّفٍ وَاقِعٌ مِنْ الْمَرِيضِ إلَى آخِرِهِ كَالْإِعْتَاقِ إذَا وَقَعَ عَلَى حَقِّ غَرِيمٍ بِأَنْ أَعْتَقَ الْمَرِيضُ عَبْدًا مِنْ مَالِهِ الْمُسْتَغْرَقِ بِالدَّيْنِ.
أَوْ وَارِثٌ بِأَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ فَحُكْمُ هَذَا الْمُعْتَقِ حُكْمُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الْمَوْتِ حَتَّى كَانَ عَبْدًا فِي شَهَادَتِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ إعْتَاقُهُ عَلَى حَقِّ غَرِيمٍ أَوْ وَارِثٍ بِأَنْ كَانَ فِي الْمَالِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ نَفَذَ فِي الْحَالِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ حَقِّ أَحَدٍ بِهِ قَوْلُهُ (وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمَرِيضُ الْإِيصَاءَ لِمَا قُلْنَا) أَنَّ الْمَرَضَ سَبَبُ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِالْمَالِ وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْحَجْرِ، وَالْإِيصَاءُ تَبَرُّعٌ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ كَمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ لَكِنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ ذَلِكَ أَيْ الْإِيصَاءَ نَظَرًا لَهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ بِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ فَضَعُوهُ حَيْثُ شِئْتُمْ» وَبِقَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ «سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ حِينَ قَالَ أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ إلَى أَنْ قَالَ فَبِثُلُثِهِ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ لَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» اسْتِخْلَاصًا أَيْ اسْتِخْصَاصًا وَاسْتِيثَارًا لَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْقَلِيلِ وَهُوَ الثُّلُثُ لِيَعْلَمَ بِاسْتِخْلَاصِ الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ أَنَّ الْحَجْرَ وَالتُّهْمَةَ أَيْ تُهْمَةَ إيثَارِهِ الْأَجْنَبِيَّ عَلَى الْوَارِثِ بِاعْتِبَارِ ضَغِينَةٍ كَانَتْ مَعَهُ لَهُ فِيهِ أَيْ فِي الْإِيصَاءِ أَصْلٌ حَتَّى يَسْتَحِبَّ أَنْ يَنْقُصَ الْوَصِيَّةَ مِنْ الثُّلُثِ وَلَا يَبْلُغُهَا إلَى الثُّلُثِ لِمَا عُرِفَ وَقَوْلُهُ نَظَرًا تَعْلِيلٌ لِجَوَازِ الْإِيصَاءِ.
وَقَوْلُهُ اسْتِخْلَاصًا تَعَالِيلُ لِاكْتِفَاءٍ عَلَى الثُّلُثِ إنْ جَازَ ذَلِكَ وَلَوْ قِيلَ لَكِنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الثُّلُثِ نَظَرًا لَهُ وَاسْتِخْلَاصًا لَكَانَ أَوْضَحَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِخْلَاصًا بَدَلًا مِنْ نَظَرًا فَيَسْتَقِيمُ بِغَيْرِ وَاوٍ أَوْ يَكُونُ عَطْفًا بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَوَّزَهُ قَوْلُهُ (وَلَمَّا تَوَلَّى الشَّرْعُ الْإِيصَاءَ لِلْوَرَثَةِ) كَانَ الْإِيصَاءُ لِلْوَرَثَةِ مُفَوَّضًا إلَى الْمَرِيضِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَقَدْ كَانَ يَجْرِي فِي ذَلِكَ مَيْلٌ إلَى الْبَعْضِ وَمُضَارَّةٌ لِلْبَعْضِ فَنُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الْآيَةُ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فَالشَّيْخُ ﵀ أَشَارَ إلَى مَا ذَكَرْنَا بِقَوْلِهِ وَلَمَّا تَوَلَّى الشَّرْعُ الْإِيصَاءَ لِلْوَرَثَةِ أَيْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وَأَبْطَلَ إيصَاءَهُ أَيْ نُسِخَ إيصَاءُ الْمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ بِتَوْلِيَةٍ بِنَفْسِهِ لِعَجْزِ الْعَبْدِ عَنْ حُسْنِ التَّدْبِيرِ فِي مِقْدَارِ مَا يُوصِي بِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ لِجَهْلِهِ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] أَوْ لِقَصْدِهِ مُضَارَّةَ الْبَعْضِ كَمَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] وَكَانَ هَذَا نَسْخُ تَحْوِيلٍ
стр. 1429
بَطَلَ ذَلِكَ صُورَةً وَمَعْنًى وَحَقِيقَةً وَشُبْهَةً حَتَّى لَا تَصِحَّ مِنْهُ الْبَيْعُ أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَبَطَلَتْ أَقَارِيرُهُ لَهُ لِلتُّهْمَةِ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْحَرَامِ حَرَامٌ وَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ الْوَارِثِ
ــ
[كشف الأسرار]
كَنَسْخِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ بَطَلَ ذَلِكَ أَيْ إيصَاءُ الْعَبْدِ لَهُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا أَجَازَ الشَّرْعُ لَهُ الْإِيصَاءَ بِالثُّلُثِ وَاسْتَخْلَصَهُ لِلْمَرِيضِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ إيصَاؤُهُ بِذَلِكَ لِلْوَارِثِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ كَمَا جَازَ لِلْأَجْنَبِيِّ وَكَمَا لَوْ وَهَبَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ مَعَ أَنَّ الشَّرْعَ شَرَعَ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَرَثَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الْآيَةُ لَكِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا تَوَلَّى إيصَاءَ الْوَرَثَةِ بِنَفْسِهِ وَنَسَخَ إيصَاءَهُ لَهُمْ بَطَلَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ صُورَةً وَمَعْنًى وَحَقِيقَةً وَشُبْهَةً لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا حَجَرَهُ عَنْ إيصَالِ النَّفْعِ إلَى وَارِثِهِ مِنْ مَالِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَارَتْ صُورَةُ إيصَالِ النَّفْعِ وَمَعْنَاهُ وَحَقِيقَتُهُ وَشُبْهَتُهُ سَوَاءً لِأَنَّ الصُّورَةَ وَالشُّبْهَةَ مُلْحَقَتَانِ بِالْحَقِيقَةِ فِي مَوْضِعِ التَّحْرِيمِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَمْثِلَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَمِثَالُ الصُّورَةِ بَيْعُ الْمَرِيضِ مِنْ الْوَارِثِ شَيْئًا مِنْ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سَوَاءٌ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَصَرُّفِهِ إبْطَالُ حَقِّ الْوَرَثَةِ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُمْ بِهِ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ فَكَانَ الْوَارِثُ وَالْأَجْنَبِيُّ فِيهِ سَوَاءً يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ كَمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِلْأَجْنَبِيِّ ثُمَّ الْبَيْعُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ فِي جَمِيعِ مَالِهِ صَحِيحٌ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ وَصِيَّتُهُ بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ مَعَ الْوَارِثِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ إنَّهُ آثَرَ بَعْضَ وَرَثَتِهِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَنْ ذَلِكَ لِحَقِّ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْطِيَ أَحَدَ وَرَثَتِهِ هَذِهِ الدَّارَ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِدُونِ رِضَاءِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ إيثَارَ الْبَعْضِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِيَّةِ رَدَّ عَلَيْهِ قَصْدَهُ فَكَذَلِكَ إذَا قَصَدَ إيثَارَهُ بِالْعَيْنِ فَلِذَلِكَ يُمْنَعُ بَيْعُهُ مِنْهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ بِأَكْثَرَ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ التَّصَرُّفِ مَعَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْعَيْنِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْوَرَثَةِ عَنْ ثُلْثَيْ مَالِهِ وَلَيْسَ فِي الْبَيْعِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ إبْطَالُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْوَارِثِ إيصَاءٌ لَهُ صُورَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيثَارٌ لَهُ بِالْعَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إيصَاءً مَعْنًى لِاسْتِرْدَادِ الْعِوَضِ مِنْهُ نَقِيضُهُ عَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ وَمِثَالُ الْإِيصَاءِ مَعْنًى الْأَقَارِيرُ فَإِنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَقَرَّ بِعَيْنٍ أَوْ بِدَيْنٍ لِوَارِثِهِ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَصِحُّ لِأَنَّ الْحَجْرَ بِسَبَبِ الْمَرَضِ إنَّمَا ثَبَتَتْ عَنْ التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ وَعَنْ التَّبَرُّعِ مَعَ الْوَارِثِ أَصْلًا وَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى السَّعْيِ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ فَكَانَ إقْرَارُهُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءً.
أَلَا تَرَى أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْوَارِثِ صَحِيحٌ مَعَ أَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالْوَارِثِ الْمَعْرُوفِ فَكَذَا إقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ وَلَنَا أَنَّ فِي إقْرَارِهِ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ تُهْمَةَ الْكَذِبِ إذْ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ إيصَالَ مِقْدَارِ الْمَالِ الْمُقِرِّ بِهِ إلَى الْوَارِثِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَكُونُ وَصِيَّةً مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ إقْرَارًا صُورَةً فَيَكُونُ حَرَامًا لِأَنَّ شُبْهَةَ الْحَرَامِ حَرَامٌ وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَإِنْ كَانَ إخْبَارًا فَقَدْ جُعِلَ كَالْإِيجَابِ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى إنَّ مَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِجَارِيَةٍ
стр. 1430
وَإِنْ لَزِمَهُ فِي صِحَّتِهِ وَتَقَوَّمَتْ الْجَوْدَةُ فِي حَقِّهِمْ لِتُهْمَةِ الْعُدُولِ عَنْ خِلَافِ الْجِنْسِ كَمَا تَقَوَّمَتْ فِي حَقِّ الصِّغَارِ وَحَجْرِ الْمَرِيضِ عَنْ الصِّلَةِ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ لِمَا قُلْنَا، وَلِذَلِكَ قُلْنَا إذَا أَدَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى مَالِيًّا كَانَ مِنْ الثُّلُثِ وَكَذَلِكَ إذَا وَصَّى بِذَلِكَ عِنْدَنَا
ــ
[كشف الأسرار]
لَا يَسْتَحِقُّ أَوْلَادَهَا وَإِذَا كَانَ كَالْإِيجَابِ مِنْ وَجْهٍ فَهُوَ إيجَابُ مَالٍ لَا يُقَابِلُهُ مَالٌ وَالْمَرِيضُ مَمْنُوعٌ عَنْ مِثْلِهِ مَعَ الْوَارِثِ أَصْلًا فَرَجَّحْنَا هَذَا الْجَانِبَ فِي حَقِّ الْوَارِثِ وَرَجَّحْنَا جَانِبَ الْإِقْرَارِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ وَصَحَّحْنَاهُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِالْوَارِثِ لِأَنَّهُ لَمْ يُلَاقِ مَحَلًّا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ مَعَ أَنَّ النَّسَبَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ وَكَذَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ الَّذِي عَلَى الْوُرَّاثِ مِنْهُ وَإِنْ لَزِمَ الْوَارِثَ الدَّيْنُ فِي حَالِ صِحَّةِ الْمُقِرِّ لِأَنَّ هَذَا إيصَاءٌ لَهُ بِمَالِيَّةِ الدَّيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَكَذَا لَوْ كَانَ وَارِثُهُ كَفِيلًا عَنْ أَجْنَبِيٍّ لِلْمَرِيضِ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ كَانَ أَجْنَبِيٌّ كَفِيلًا عَنْ وَارِثِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ بَطَلَ إقْرَارُهُ بِاسْتِيفَائِهِ لِتَضَمُّنِهِ بَرَاءَةَ الْوَارِثِ عَنْ الدَّيْنِ أَوْ عَنْ الْكَفَالَةِ.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَزِمَهُ فِي الصِّحَّةِ رَدٌّ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنٍ كَانَ لَهُ عَلَى الْوَارِثِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ يَجُوزُ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَمَّا عَامَلَهُ فِي الْحِصَّةِ فَقَدْ اسْتَحَقَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ عِنْدَ إقْرَارِهِ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ بِمَرَضِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَأَقَرَّ بِاسْتِيفَائِهِ فِي مَرَضِهِ كَانَ صَحِيحًا فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ لَكِنَّا نَقُولُ إقْرَارُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ فِي الْحَاصِلِ إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَجِبُ لِلْمَدْيُونِ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ عِنْدَ الْقَبْضِ مِثْلُ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فَلَا يَصِحُّ بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ لِحَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ، وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ عِنْدَ الْمَرَضِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّيْنِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ دُيُونِهِ مِنْهُ فَلَمْ يُصَادِفْ إقْرَارُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ مَحَلًّا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْوَرَثَةِ بِالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ وَالْمَنْعُ مِنْ الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ إنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِقْرَارُهُ بِالِاسْتِيفَاءِ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ لِأَنَّهُ يُصَادِفُ مَحَلًّا هُوَ مَشْغُولٌ بِحَقِّ الْوَرَثَةِ فَلَا يَجُوزُ مُطْلَقًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَمِثَالُ الْحَقِيقَةِ ظَاهِرٌ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ.
وَأَمَّا مِثَالُ الشُّبْهَةِ فَهُوَ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ الْحِنْطَةَ الْجَيِّدَةَ بِالرَّدِيئَةِ أَوْ الْفِضَّةَ الْجَيِّدَةَ بِالرَّدِيئَةِ مِنْ وَارِثِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةُ الْوَصِيَّةِ بِالْجَوْدَةِ إذْ عُدُولُهُ عَنْ خِلَافِ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَرَضَهُ إيصَالُ مَنْفَعَةِ الْجَوْدَةِ إلَيْهِ فَإِنَّهَا لَا تَتَقَوَّمُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ فَقُوِّمَتْ الْجَوْدَةُ فِي حَقِّهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِالْأَصْلِ وَالْوَصْفِ جَمِيعًا كَمَا تَقَوَّمَتْ فِي حَقِّ الصِّغَارِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ فَإِنَّ الْأَبَ أَوْ الْوَصِيَّ لَوْ بَاعَ مَالَ الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ تَتَقَوَّمُ الْجَوْدَةُ فِيهِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُ الْجَيِّدِ مِنْ مَالِهِ بِالرَّدِيءِ مِنْ جِنْسِهِ أَصْلًا كَذَا هَاهُنَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْجَيِّدَ بِالرَّدِيءِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْجُودَةُ مُعْتَبَرَةً لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ بَلْ جَازَ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ قَوْلُهُ (وَحَجْرُ الْمَرِيضِ عَنْ الصِّلَةِ) نَحْوُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمُحَابَاةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مِنْ الثُّلُثِ لِمَا قُلْنَا مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِمَالِهِ الْمُوجِبِ لِلْحَجْرِ وَمِنْ اسْتِخْلَاصِ الثُّلُثِ لَهُ بِطَرِيقِ النَّظَرِ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِهِ مَحْجُورًا عَنْ الصِّلَةِ فِيمَا وَرَاءِ الثُّلُثِ وَالْحَاصِلُ إنَّ مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ إنْ أَدَّاهُ بِنَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ سَوَاءٌ وَجَبَتْ مَالًا مِنْ الِابْتِدَاءِ كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ أَوْ صَارَتْ مَالًا
стр. 1431
وَلَمَّا تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ بِالْمَالِ صُورَةً وَمَعْنًى فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ وَمَعْنًى فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ صَارَ إعْتَاقُهُ وَاقِعًا عَلَى مَحَلٍّ مَشْغُولٍ بِعَيْنِهِ بِخِلَافِ إعْتَاقِ الرَّاهِنِ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي مِلْكِ الْيَدِ دُونَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فَلِذَلِكَ نَفَذَ هَذَا وَلَمْ يَنْفُذْ ذَلِكَ وَهَذَا أَصْلٌ لَا تُحْصَى فُرُوعُهُ.
ــ
[كشف الأسرار]
بِسَبَبِ الْعَجْزِ كَالْفِدْيَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْإِنْفَاقِ فِي الْحَجِّ.
وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ بِنَفْسِهِ لَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ مُقَدَّمًا عَلَى الْمِيرَاثِ ثُمَّ إنْ أَوْصَى بِهِ يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ يَسْقُطُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ فِي الْآخِرَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ إنْ أَدَّاهُ بِنَفْسِهِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ يَصِيرُ دَيْنًا فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ مُقَدَّمًا عَلَى الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ كَدُيُونِ الْعِبَادِ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَمْ يُوصِ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِشَارَةً إلَى الْخِلَافِ فِيهَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ فَإِنَّهُ ﵇ شَبَّهَ فِيهِ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِدَيْنِ الْعِبَادِ بِقَوْلِهِ «أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ أَكُنْت تَقْضِينَهُ» الْحَدِيثَ. ثُمَّ دَيْنُ الْعِبَادِ يُقْضَى مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ مُقَدَّمًا عَلَى الْمِيرَاثِ فَكَذَا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى وَبِأَنَّهُ حَقٌّ كَانَ مُطَالَبًا بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَتَجْرِي النِّيَابَةُ فِي إبْقَائِهِ فَيُسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَدُيُونِ الْعِبَادِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالَ خَلَفٌ عَنْ الذِّمَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تُقْضَى بِالْمَالِ وَالْوَارِثُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُورَثِ فِي أَدَاءِ مَا يَجْرِي النِّيَابَةُ فِي أَدَائِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْدَ الْإِيصَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْأَدَاءِ فَكَذَلِكَ قَبْلَهُ وَلَنَا أَنَّ الْمَالَ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الَّذِي كَانَ فِي مِلْكِهِ وَصَارَ مِلْكًا لِلْوَارِثِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَارِثِ شَيْءٌ لِيُؤْخَذَ مِلْكُهُ بِهِ فَلَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مَتَى اجْتَمَعَ مَعَ حَقِّ الْعَبْدِ فِي مَحَلٍّ يُقَدَّمُ حَقُّ الْعَبْدِ ثُمَّ الْوَاجِبُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فِعْلُ الْإِيتَاءِ لَا نَفْسُ الْمَالِ وَلَا يَصْلُحُ فِيهِ إقَامَةُ الْمَالِ مَقَامَ الذِّمَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْوَارِثُ نَائِبًا فِي الْأَدَاءِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عِبَادَةٌ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ فِعْلٍ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَخِلَافَةُ الْوَارِثِ تَثْبُتُ جَبْرًا بِدُونِ اخْتِيَارٍ مِنْ الْمُورَثِ وَبِمِثْلِهَا لَا يَتَأَدَّى الْعِبَادَةُ وَاسْتِيفَاءُ الْوَاجِبِ لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لَمْ يَبْقَ أَصْلًا إلَّا أَنْ يُوصِيَ فَيَكُونُ نَظِيرُ وَصِيَّتِهِ بِسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ فَيَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ قَوْلُهُ (وَلَمَّا تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ إلَى آخِرِهِ) إشَارَةً إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قِيلَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ قَدْ تَعَلَّقَ بِالْمَرْهُونِ كَمَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَرِيمِ وَالْوَارِثِ بِالْمَالِ فِي الْمَرَضِ بَلْ هُوَ أَقْوَى لِأَنَّهُ مَانِعٌ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ لِلرَّاهِنِ وَحَقُّ الْوَارِثِ وَالْغَرِيمِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَمْنَعُ نَفَاذَ إعْتَاقِ الرَّاهِنِ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَ حَقَّ الْوَارِثِ وَالْغَرِيمِ أَيْضًا لِبَقَاءِ الْمِلْكِ فَقَالَ إنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ بِالْمَالِ صُورَةً وَمَعْنًى فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ.
أَمَّا مَعْنًى فَظَاهِرٌ وَأَمَّا صُورَةً فَلِأَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَبِأَكْثَرَ كَمَا لَا يَمْلِكُ أَنْ يُحَابِيَهُ وَلَا يَمْلِكُ الْوَارِثُ أَنْ يَأْخُذَ بِنَصِيبِهِ عَيْنًا مِنْ التَّرِكَةِ أَيْضًا بِدُونِ رِضَاءِ الْبَاقِي وَمَعْنًى فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ وَهُمْ الْأَجَانِبُ حَتَّى جَازَ بَيْعُهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَسَوْقُ هَذَا الْكَلَامِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ صُورَةً وَمَعْنًى كَحَقِّ الْوَارِثِ لَكِنَّهُ نَصَّ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْنَى وَهُوَ الْمَالِيَّةُ لَا بِعَيْنِ الْمَالِ وَلِهَذَا كَانَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا أَنَّ الْحُرَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ إذَا بَاعَ مَالَهُ مِنْ أَحَدِ الْغُرَمَاءِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ صَحَّ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَلَكِنْ لَوْ حَاصَّ الثَّمَنَ بِدَيْنِهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِي الْمَقَاصِدِ إيثَارًا لِلْبَعْضِ بِالْقَضَاءِ وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ كَالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ
стр. 1432
وَأَمَّا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فَإِنَّهُمَا لَا يُعْدِمَانِ أَهْلِيَّةً بِوَجْهٍ لَكِنَّ الطَّهَارَةَ لِلصَّلَاةِ شَرْطٌ وَقَدْ شُرِعَتْ بِصِفَةِ الْيُسْرِ الْأَدَاءُ وَفِي وَضْعِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مَا يُوجِبُ الْحَرَجَ فِي الْقَضَاءِ فَلِذَلِكَ وُضِعَ عَنْهُمَا وَقَدْ جُعِلَتْ الطَّهَارَةُ عَنْهُمَا شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّوْمِ أَيْضًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى الْقَضَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمَرِيضِ مِنْ الْغَرِيمِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ يَجُوزُ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ كَمَا فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ فَكَانَ الضَّمِيرُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَغَيْرِهِمْ رَاجِعًا إلَى الْوَرَثَةِ دُونَ الْغُرَمَاءِ وَكَانَ لَفْظُ الْغَيْرِ مُتَنَاوِلًا لِلْغُرَمَاءِ وَالْأَجَانِبِ جَمِيعًا أَيْ حَقُّ الْكُلِّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ فَحَقُّ الْوَرَثَةِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ صُورَةً وَمَعْنًى فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ مَعْنًى فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَجَانِبِ وَالْغُرَمَاءِ وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مَعْنًى لَا صُورَةً فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ إعْتَاقُ الْمَرِيضِ وَاقِعًا عَلَى مَحَلٍّ مَشْغُولٍ بِعَيْنِهِ بِحَقِّ الْغَيْرِ أَيْ حَقِّ مِلْكِ الرَّقَبَةِ صُورَةً وَمَعْنًى بِالصُّورَةِ فَلَمْ يَنْفُذْ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهَذَا أَيْ الْمَرَضُ مَعَ أَحْكَامِهِ أَصْلٌ كَثِيرُ الْفُرُوعِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ) فَكَذَا الْحَيْضُ فِي الشَّرِيعَةِ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ الْمَرْأَةِ السَّلِيمَةِ عَنْ الدَّاءِ وَالصِّغَرِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ رَحِمُ الْمَرْأَةِ عَنْ الرُّعَافِ وَالدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنْ الْجِرَاحَاتِ وَعَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ لَا رَحِمٍ وَبِقَوْلِهِ السَّلِيمَةُ عَنْ الدَّاءِ عَنْ النِّفَاسِ فَإِنَّ النُّفَسَاءَ فِي حُكْمِ الْمَرِيضَةِ حَتَّى اعْتَبَرَ تَصَرُّفَهَا مِنْ الثُّلُثِ وَبِالصِّغَرِ عَنْ دَمٍ تَرَاهُ مَنْ هِيَ دُونَ بِنْتِ تِسْعِ السِّنِينَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الشَّرْعِ وَالنِّفَاسُ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ وَأَنَّهُمَا لَا يَعْدِمَانِ أَهْلِيَّةً لَا أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ وَلَا أَهْلِيَّةَ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُمَا لَا يُخِلَّانِ بِالذِّمَّةِ وَلَا بِالْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ وَلَا بِقُدْرَةِ الْبَدَنِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَسْقُطَ بِهِمَا الصَّلَاةُ كَمَا لَا يَسْقُطُ الصَّوْمُ لَكِنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شُرِطَتْ لِلصَّلَاةِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ كَالطَّهَارَةِ عَنْ سَائِرِ الْأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ وَقَدْ شُرِعَتْ الصَّلَاةُ بِصِفَةِ الْيُسْرِ فَإِنَّهَا وَإِنْ وَجَبَتْ بِقُدْرَةٍ مُمْكِنَةٍ لَكِنْ فِي شَرْعِهَا نَوْعُ يُسْرٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا وَجَبَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلَمْ تَجِبْ خَمْسِينَ مَرَّةً كَمَا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ فِيهَا حَتَّى لَوْ لَحِقَ الْمُصَلِّيَ حَرَجٌ فِي الْقِيَامِ سَقَطَ الْقِيَامُ عَنْهُ إلَى الْقُعُودِ ثُمَّ إلَى الْإِيمَاءِ وَالِاسْتِلْقَاءِ عَلَى الظَّهْرِ عَلَى مَا عُرِفَ.
وَفِي فَوْتِ الشَّرْطِ فَوْتُ الْأَدَاءِ ضَرُورَةً لِتَوَقُّفِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ وَفِي وَضْعِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مَا يُوجِبُ الْحَرَجَ فِي الْقَضَاءِ أَيْ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ الْحَيْضَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَقَلَّ فِي ثَلَاثِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا كَانَ الْوَاجِبُ دَاخِلًا فِي حَدِّ التَّكْرَارِ لَا مَحَالَةَ وَكَذَا النِّفَاسُ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْحَيْضِ فَيَتَضَاعَفُ الْوَاجِبَاتُ فِيهِ أَيْضًا وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَرَجِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا فَلِذَلِكَ أَيْ لِلُزُومِ الْحَرَجِ وُضِعَ أَيْ أُسْقِطَ الْقَضَاءُ عَنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَقَدْ جُعِلَتْ الطَّهَارَةُ عَنْهُمَا أَيْ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّوْمِ أَيْضًا نَصًّا وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْحَائِضُ تَدَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ فِي أَيَّامِ أَقْرَائِهَا» وَمَا رُوِيَ عَنْ «عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِامْرَأَةٍ سَأَلَتْهَا مَا بَالُنَا نَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا نَقْضِي الصَّلَاةَ فِي الْحَيْضِ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا نَقْضِي الصَّلَاةَ» بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَتَأَدَّى مَعَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ بِالِاتِّفَاقِ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَأَدَّى مَعَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَيْضًا لَوْلَا النَّصُّ فَيُؤَثِّرُ اشْتِرَاطُهَا فِي الْمَنْعِ مِنْ الْأَدَاءِ وَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى الْقَضَاءِ أَيْ إلَى إسْقَاطِ الْقَضَاءِ يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ الطَّهَارَةُ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطًا لِأَدَاءِ الصَّوْمِ
стр. 1433
وَلَمْ يَكُنْ فِي قَضَائِهِ حَرَجٌ فَلَمْ يَسْقُطْ أَصْلُهُ وَأَحْكَامُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كَثِيرَةٌ لَا يُحْصَى عَدَدُهَا.
وَأَمَّا الْمَوْتُ فَإِنَّهُ عَجْزٌ كُلُّهُ مُنَافٍ لِأَهْلِيَّةِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا مِمَّا فِيهِ تَكْلِيفٌ حَتَّى وُضِعَتْ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا عَنْهُ وَالْأَحْكَامُ نَوْعَانِ أَحْكَامُ الدُّنْيَا وَأَحْكَامُ الْآخِرَةِ فَأَمَّا أَحْكَامُ الدُّنْيَا فَأَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ قِسْمٌ مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ وَالثَّانِي مَا شُرِعَ عَلَيْهِ لِحَاجَةِ غَيْرِهِ وَمِنْهَا مَا شُرِعَ لَهُ لِحَاجَتِهِ وَمِنْهَا مَا لَا يَصْلُحُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ هَذِهِ أَحْكَامُ الدُّنْيَا فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَقَدْ وُضِعَ عَنْهُ لِفَوَاتِ غَرَضِهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ عَنْ اخْتِيَارٍ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الزَّكَاةَ يَبْطُلُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْقُرَبِ وَإِنَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ الْمَأْثَمُ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَإِنَّهُ إنْ كَانَ حَقًّا مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ يَبْقَى بِبَقَائِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِيهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا لَمْ يَبْقَ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ حَتَّى يُضَمَّ إلَيْهِ مَالٌ أَوْ مَا يُؤَكِّدُ بِهِ الذِّمَمَ وَهُوَ ذِمَّةُ الْكَفِيلِ لِأَنَّ ضَعْفَ الذِّمَّةِ بِالْمَوْتِ فَوْقَ الضَّعْفِ بِالرِّقِّ لِأَنَّ الرِّقَّ يُرْجَى زَوَالُهُ غَالِبًا وَهَذَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ غَالِبًا فَقِيلَ إنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الدَّيْنَ بِنَفْسِهَا
ــ
[كشف الأسرار]
بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يَظْهَرُ لُزُومُهَا فِيمَا وَرَاءِ صِحَّةِ الْأَدَاءِ بَلْ جُعِلَ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ كَأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَأَنَّهَا تَرَكَتْ الْأَدَاءَ مُخْتَارًا فَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَلَمْ يَكُنْ فِي قَضَائِهِ أَيْ قَضَاءِ الصَّوْمِ حَرَجٌ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا لِوَقْتِ الصَّوْمِ وَهُوَ الشَّهْرُ فَلَمْ يَسْقُطْ أَصْلُ الصَّوْمِ أَيْ أَصْلُ وُجُوبِهِ عَنْ الذِّمَّةِ وَإِنْ سَقَطَ أَدَاؤُهُ كَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مَا دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّفَاسُ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ إذَا اسْتَوْعَبَ الشَّهْرَ كَمَا كَانَ مُسْقِطًا لِقَضَاءِ الصَّلَاةِ قُلْنَا حُكْمُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَيْضِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْحَيْضُ مُسْقِطًا لِلصَّوْمِ بِوَجْهٍ كَانَ حُكْمُ النِّفَاسِ كَذَلِكَ وَإِنْ اسْتَوْعَبَ الشَّهْرَ وَلَمَّا أَسْقَطَ الْحَيْضُ الصَّلَاةَ لَا مَحَالَةَ أَسْقَطَ النِّفَاسُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ وَكَذَا وُقُوعُهُ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ مِنْ النَّوَادِرِ فَلَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَيْهِ كَالْإِغْمَاءِ إذَا اسْتَوْعَبَ الشَّهْرَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ وُقُوعَهُمَا فِي آوَانِ الصَّلَاةِ مِنْ اللَّوَازِمِ فَأَثَّرَ فِي إسْقَاطِ الْقَضَاءِ لِدُخُولِ الْوَاجِبِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ لَا مَحَالَةَ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْجُنُونُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْقَضَاءُ عِنْدَ اسْتِغْرَاقِ الشَّهْرِ وَإِنْ كَانَ وُقُوعُهُ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ مِنْ النَّوَادِرِ أَيْضًا لِأَنَّ الْجُنُونَ مُعْدِمٌ لِلْأَهْلِيَّةِ أَصْلًا فَكَانَ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ يُسْقِطَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالِاسْتِحْسَانِ إذَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ كَمَا بَيَّنَّا فَأَمَّا النِّفَاسُ فَلَا يُخِلُّ بِالْأَهْلِيَّةِ فَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فَاقْتَرَفَا كَذَا فِي بَعْضِ فَوَائِدِ هَذَا الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَوْتُ) فَكَذَا، الْمَوْتُ ضِدُّ الْحَيَاةِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ وَلِهَذَا قِيلَ تَفْسِيرُ الْمَوْتِ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ تَفْسِيرٌ بِلَازِمِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ ضِدَّ الْحَيَاةِ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ زَوَالُ الْحَيَاةِ وَلَمَّا كَانَتْ الْحَيَاةُ مِنْ أَسْبَابِ الْقُدْرَةِ كَانَ الْمَوْتُ مُوجِبًا لِلْعَجْزِ لَا مَحَالَةَ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ فَلِهَذَا قَالَ إنَّهُ عَجْزٌ كُلُّهُ أَيْ لَيْسَ فِيهِ جِهَةُ الْقُدْرَةِ بِوَجْهٍ.
وَاحْتَرَزَ عَنْ الْمَرَضِ وَالرِّقِّ وَالصِّغَرِ وَالْجُنُونِ فَإِنَّ الْعَجْزَ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ مُتَحَقِّقٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِخَالِصٍ لِبَقَاءِ نَوْعِ قُدْرَةٍ فِيهَا لِلْعَبْدِ بِخِلَافِ الْمَوْتِ مُنَافٍ لِأَهْلِيَّةِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا مِمَّا فِيهِ تَكْلِيفٌ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ فَإِذَا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ اللَّازِمُ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُهُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا ضَرُورَةً وَهُوَ الْأَدَاءُ عَنْ اخْتِيَارِ هَذَا الْغَرَضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ فَالْمَقْصُودُ مِنْ التَّكْلِيفِ تَحَقُّقُ الِابْتِلَاءِ لِيَظْهَرَ مَا عُلِمَ مَعَ بَقَاءِ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ مُبْتَلًى بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَيُثَابَ بِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَيُعَاقَبَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِفَوْتِ الْغَرَضِ وَهُوَ الْأَدَاءُ عَنْ اخْتِيَارٍ قُلْنَا إنَّ الزَّكَاةَ تَبْطُلُ أَيْ تَسْقُطُ عَنْ الْمَيِّتِ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا حَتَّى لَا يَجِبَ أَدَاؤُهَا مِنْ التَّرِكَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَقَدْ فَاتَ وَعِنْدَهُ الْمَالُ هُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ الْفِعْلِ حَتَّى لَوْ ظَفِرَ الْفَقِيرُ بِمَالِ الزَّكَاةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ وَسَقَطَ الزَّكَاةُ بِهِ عِنْدَهُ كَمَا فِي دَيْنِ الْعِبَادِ وَعِنْدَنَا لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْأَخْذِ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ الزَّكَاةُ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ حُكْمِ الزَّكَاةِ حُكْمُ سَائِرِ الْقُرَبِ فِي السُّقُوطِ وَإِنَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ الْمَأْثَمُ لَا غَيْرُ لِأَنَّ الْإِثْمَ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْأَحْيَاءِ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ
стр. 1434
وَلِهَذَا قِيلَ أَنَّ الْكَفَالَةَ عَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَأَنَّ الدَّيْنَ سَاقِطٌ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِالْمُطَالَبَةِ وَقَدْ عُدِمَتْ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ يُقِرُّ بِالدَّيْنِ فَيَكْفُلُ رَجُلٌ عَنْهُ صَحَّ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ فِي حَقِّهِ كَامِلَةٌ
ــ
[كشف الأسرار]
الثَّانِي) وَهُوَ الَّذِي شَرَعَ عَلَيْهِ لِحَاجَةِ غَيْرِهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
فَإِنْ كَانَ حَقًّا مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ كَالْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْمَبِيعِ الْوَدِيعَةِ يَبْقَى بِبَقَائِهِ أَيْ بِبَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ فِي الْعَيْنِ غَيْرُ مَقْصُودٍ إذْ الْمَقْصُودُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ هُوَ الْمَالُ وَالْفِعْلُ تَبَعٌ لِتَعَلُّقِ حَوَائِجِهِمْ بِالْأَمْوَالِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَبْقَى حَقُّ الْعَبْدِ فِي الْعَيْنِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَإِنْ فَاتَ الْفِعْلُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ بَلْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ كَالنَّفَقَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالدُّيُونِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُعَاوَضَةِ فَإِنْ كَانَ دَيْنًا لَمْ يَبْقَ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ حَتَّى يُضَمَّ إلَيْهِ أَيْ إلَى الذِّمَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمُجَرَّدِ لِأَنَّ الرِّقَّ يُرْجَى زَوَالُهُ غَالِبًا يَعْنِي بِالْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَهَذَا أَيْ الْمَوْتُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ غَالِبًا وَإِنْ احْتَمَلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ كَمَا كَانَ فِي زَمَانِ عِيسَى وَعُزَيْرٍ ﵉ بِطَرِيقِ الْمُعْجِزَةِ فَلَمَّا لَمْ يَحْتَمِلْ ذِمَّةُ الْعَبْدِ الدَّيْنَ بِدُونِ انْضِمَامِ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبِ إلَيْهَا لِضَعْفِهَا لَا تَحْتَمِلُهُ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ بِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَحْتَمِلُ الدَّيْنَ بِنَفْسِهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنَّ الْكَفَالَةَ عَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ لَا تَصِحُّ إذَا لَمْ يَبْقَ كَفِيلٌ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمَّا خَرِبَتْ أَوْ ضَعُفَتْ بِالْمَوْتِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الدَّيْنَ بِنَفْسِهَا صَارَ الدَّيْنُ كَالسَّاقِطِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَإِنْ بَقِيَ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الذِّمَّةَ ثَابِتَةٌ لِلْإِنْسَانِ بِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا مُتَحَمِّلًا أَمَانَةَ اللَّهِ وَبِالْمَوْتِ خَرَجَ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْخِطَابِ وَالتَّحَمُّلِ لِعَدَمِ صَلَاحِهِ لَهُمَا فَعَرَفْنَا أَنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَبْقَ صَالِحَةً لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَإِنْ بَقِيَتْ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لِكَوْنِ الْمَيِّتِ مُعَدًّا لِلْحَيَاةِ الْآخِرَةِ كَالْجَنِينِ مُعَدًّا لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ فِيهَا ابْتِدَاءً بَعْدَ الْمَوْتِ وَكَمَا يُشْتَرَطُ الْمَحَلُّ لِابْتِدَاءِ الِالْتِزَامِ يُشْتَرَطُ لِبَقَاءِ الْحَقِّ لِأَنَّ مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ فَثَبَتَ أَنَّ الدَّيْنَ لَمْ تَبْقَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِعَدَمِ مَحَلِّهِ وَيَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا مَا أُشِير إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ أَيْ وُجُودَهُ يُعْرَفُ بِالْمُطَالَبَةِ وَلِهَذَا فَسَّرَ الدَّيْنَ بِأَنَّهُ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي تَوْجِيهِ الْمُطَالَبَةِ وَقَدْ سَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ هَاهُنَا لِاسْتِحَالَةِ مُطَالَبَةِ الْمَيِّتِ بِالدَّيْنِ وَعَدَمِ جَوَازِ مُطَالَبَةِ غَيْرِهِ إذْ لَمْ يَبْقَ مَالٌ يُؤْمَرُ الْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ بِالْأَدَاءِ مِنْهُ وَلَا كَفِيلٌ يُطَالَبُ بِهِ وَالْكَفَالَةُ شُرِعَتْ لِالْتِزَامِ الْمُطَالَبَةِ بِمَا عَلَى الْأَصِيلِ لَا لِالْتِزَامِ أَصْلِ الدَّيْنِ بِدَلِيلِ بَقَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ الْكَفَالَةِ عَلَى الْأَصِيلِ كَمَا كَانَ قَبْلَهَا وَاسْتِحَالَةُ حُلُولِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مَحَلَّيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَقَدْ عُدِمَتْ الْمُطَالَبَةُ هَاهُنَا فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ سُقُوطِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ فِي حُكْمِ الْمُطَالَبَةِ دُونَ دَيْنِ الْكِتَابَةِ إذْ الْمُكَاتَبُ يُطَالِبُ بِالْمَالِ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْبَسُ فِيهِ وَهُنَاكَ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ لِتَأَدِّيهَا إلَى أَنْ يَكُونَ مَا عَلَى الْكَفِيلِ أَزِيدَ مِمَّا عَلَى الْأَصِيلِ فَهُنَا أَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَ عَلَى الْكَفِيلِ مَا لَيْسَ عَلَى الْأَصِيلِ أَصْلًا.
بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ يُقِرُّ بِالدَّيْنِ فَتَكَفَّلَ
стр. 1435
وَإِذَا ضُمَّتْ الْمَالِيَّةُ إلَيْهَا فِي حَقِّ الْمَوْلَى.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ صَحَّ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُطَالَبٌ بِهِ لَكِنَّا عَجَزْنَا عَنْهَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ انْعَدَمَ لِمَعْنًى فِي مَحَلِّ الدَّيْنِ لَا لِعَجْزِنَا لِمَعْنًى فِينَا
ــ
[كشف الأسرار]
عَنْهُ رَجُلٌ صَحَّ هَذَا التَّكَفُّلُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ مُطَالَبًا بِهِ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْعَبْدِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَامِلَةٌ لِأَنَّهُ حَيٌّ عَاقِلٌ بَالِغٌ مُكَلَّفٌ فَتَكُونُ مَحَلًّا لِلدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةُ ثَابِتَةٌ إذْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمَوْلَى فَيُطَالَبُ فِي الْحَالِ وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يُعْتِقَهُ الْمَوْلَى فَيُطَالَبُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَمَّا تُصُوِّرَتْ الْمُطَالَبَةُ فِي الْحَالِ وَفِي ثَانِي الْحَالِ بَقِيَتْ الْمُطَالَبَةُ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ الْتِزَامُهَا بِعَقْدِ الْكَفَالَةِ ثُمَّ إذَا صَحَّتْ الْكَفَالَةُ يُؤْخَذُ الْكَفِيلُ بِهِ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ الْأَصِيلُ غَيْرَ مُطَالَبٍ بِهِ لِأَنَّ تَأَخُّرَ الْمُطَالَبَةِ عَنْ الْأَصِيلِ مَعَ تَوَجُّهِهَا لِعُذْرٍ عَدَمٌ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ كَمَنْ كَفَلَ بِدَيْنٍ عَنْ مُفْلِسٍ حَيٍّ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يُؤَاخَذْ الْأَصِيلُ بِهِ لِأَنَّ الْعُذْرَ الْمُؤَخَّرَ وَهُوَ الْإِفْلَاسُ مُخْتَصٌّ بِالْأَصِيلِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَفَلَ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ عَلَى الْأَصِيلِ حَيْثُ لَا يُطَالَبُ بِهِ الْكَفِيلُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ قَدْ سَقَطَتْ عَنْ الْأَصِيلِ إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَلَا يَقْدِرُ الْكَفِيلُ عَلَى الْتِزَامِهَا حَالَةً وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا ضُمَّتْ الْمَالِيَّةُ إلَيْهَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَمُلَتْ ذِمَّتُهُ فِي حَقِّهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ ضَمُّ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ إلَيْهَا لِاحْتِمَالِهَا الدَّيْنَ كَمَا فِي حَقِّ الْحُرِّ فَقَالَ إنَّمَا ضُمَّتْ مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ إلَى الذِّمَّةِ لِأَجْلِ احْتِمَالِ الدَّيْنِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِيُمْكِنَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَالِيَّةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْمَوْلَى إذَا أَظْهَرَ الدَّيْنَ فِي حَقِّهِ لَا لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَيْسَتْ بِكَامِلَةٍ فِي حَقِّ الْعَبْدِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ مَالًا وَلَا كَفِيلًا لِأَنَّ الدَّيْنَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ إذْ الْمَوْتُ لَمْ يُشْرَعْ مُبْرِمًا لِلْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ وَلَا مُبْطِلًا لَهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخْلَفَ كَفِيلًا بِهِ ثُمَّ كَفَلَ بِهِ إنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ صَحَّ وَلَوْ كَانَ مَوْتُهُ مُفْلِسًا يُوجِبُ سُقُوطَ الدَّيْنِ عَنْهُ لَمَا صَحَّتْ الْكَفَالَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ بِهِ كَفِيلٌ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَيِّتَ أَهْلٌ لِوُجُوبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَتَلَفَ فِيهَا مَالٌ أَوْ إنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ فَلَأَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْوَاجِبُ فِي حَيَاتِهِ كَانَ أَوْلَى فَثَبَتَ أَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي الذِّمَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ وَاجِبُ التَّسْلِيمِ وَالْإِيفَاءُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مُطَالَبٌ حَقًّا لِلْمُدَّعِي وَلِهَذَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يُطَالَبُ بِهِ فِي الْحَالِ وَلَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ عَنْ الْمَيِّتِ بِالْأَدَاءِ يَثْبُتُ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ فَوْقَ الْمُطَالَبَةِ إذْ الِاسْتِيفَاءُ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا فَلَمَّا كَانَ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ بَاقِيًا عُلِمَ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَمْلُوكَةٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْمُطَالَبَةِ لِإِفْلَاسِ الْمَيِّتِ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَدَاءِ كَدُرَّةٍ لِإِنْسَانٍ أَسْقَطَهَا آخَرُ فِي الْبَحْرِ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِصَاحِبِهَا وَلَا يَأْخُذُهَا لِلْعَجْزِ وَالْعَجْزُ عَنْ الْمُطَالَبَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ كَمَا لَوْ كَفَلَ عَنْ حَيٍّ مُفْلِسٍ وَكَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا قَالُوا وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مُؤَيَّدٌ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أُتِيَ بِجِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ فَقَالُوا نَعَمْ دِرْهَمَانِ أَوْ دِينَارَانِ فَامْتَنَعَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ عَلِيٌّ وَأَبُو قَتَادَةَ ﵄ هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ» فَلَوْ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ لَمَا صَلَّى لِأَنَّ الْمَانِعَ كَانَ هُوَ الدَّيْنُ وَمَتَى لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهُ فَبَقِيَ مَانِعًا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ مُطَالَبٌ بِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَدَمَ أَيْ
стр. 1436
فَلِهَذَا لَزِمَتْهُ الدُّيُونُ مُضَافًا إلَى سَبَبٍ صَحَّ فِي حَيَاتِهِ لِهَذَا صَحَّ الضَّمَانُ عَنْهُ إذَا خَلَفَ مَالًا أَوْ كَفِيلًا
ــ
[كشف الأسرار]
عَدَمَ الْمُطَالَبَةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ ضَعْفُ الذِّمَّةِ أَوْ خَرَابُهَا فَيَكُونُ الدَّيْنُ غَيْرَ مُطَالَبٍ بِنَفْسِهِ لِمَعْنًى فِيهِ وَهُوَ سُقُوطُهُ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ لَا لِعَجْزٍ بِالْمَعْنَى فِينَا كَاَلَّذِي لَيْسَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ دَيْنٌ لَا يُمْكِنُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالدَّيْنِ لِعَدَمِ الدَّيْنِ لَا لِعَجْزٍ فِيهِ عَنْ الْمُطَالَبَةِ كَذَا هُنَا بِخِلَافِ الدُّرَّةِ السَّاقِطَةِ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّ الْعَجْزَ عَنْ الْأَخْذِ لِمَعْنًى فِينَا لَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُمْكِنِ الْأَخْذِ فِي نَفْسِهَا وَبِخِلَافِ الْكَفَالَةِ عَنْ الْمُفْلِسِ الْحَيِّ فَإِنَّ الذِّمَّةَ كَامِلَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلدَّيْنِ بِنَفْسِهَا فَيَبْقَى الدَّيْنُ مُسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةِ كَمَا كَانَ إذْ لَا يَسْتَحِيلُ مُطَالَبَةُ الْمُفْلِسِ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ الْإِفْلَاسَ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَبِخِلَافِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِيهِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَى سَبِيلِ التَّأْجِيلِ فَيَصِحُّ الْتِزَامُهَا بِعَقْدِ الْكَفَالَةِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْحَدِيثِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَالٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ وَعَرَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ كَفَالَةٌ صَحِيحَةٌ مُبْتَدَأَةٌ عَلَى وَجْهٍ يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكَفَالَةِ مِنْ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ وَالْمُلَازَمَةِ وَالْحَبْسِ وَالْجَبْرِ عَلَى الْقَضَاءِ بَلْ احْتَمَلَ الْإِقْرَارَ وَاحْتَمَلَ الْعِدَّةَ وَهِيَ أَقْرَبُ الْوُجُوهِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَصِحُّ لِلْغَائِبِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَلَا يَصِحُّ لِلْمَجْهُولِ بِلَا خِلَافٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا كَانَ يَتَبَيَّنُ بِالْمَالِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ إمْكَانُ الْقَضَاءِ قَبْلَ الْهَلَاكِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ سُقُوطَ الدَّيْنِ عَنْ الْمَيِّتِ وَتَعَذُّرَ الْإِيجَابِ عَلَيْهِ لِضَرُورَةِ ضَعْفِ الذِّمَّةِ أَوْ خَرَابِهَا لِذِمَّةِ الْمَيِّتِ الْمَدْيُونِ.
مُضَافًا صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ لُزُومًا مُضَافًا إلَى سَبَبٍ صَحَّ فِي حَيَاتِهِ بِأَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَتَلَفَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ مَالٌ بَعْدَ مَوْتِهِ لَزِمَ ضَمَانُ النَّفْسِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَضَمَانُ الْمَالِ فِي مَالِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ لَمَّا وُجِدَ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ أَمْكَنَ إسْنَادُ الْوُجُوبِ إلَى أَوَّلِ السَّبَبِ وَقَدْ كَانَتْ الذِّمَّةُ صَالِحَةً لِلْوُجُوبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالضَّمَانِ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ الْإِيجَابِ بِإِمْكَانِ إسْنَادِهِ إلَى حَالِ كَمَالِ الذِّمَّةِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا يَحْتَمِلُ الدَّيْنَ بِنَفْسِهَا وَلَكِنَّهَا إذًا تَفُوتُ بِالْمُؤَكَّدِ احْتَمَلَتْهُ صَحَّ الضَّمَانُ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا خَلَفَ مَالًا أَوْ كَفِيلًا لِأَنَّهُ تَرَكَ مَالًا فَقَدْ تَفُوتُ الذِّمَّةُ بِهِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِيفَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوُجُوبِ وَقَدْ صَارَ الْمَالُ عَوْنًا لِلذِّمَّةِ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ لِتَحَمُّلِ الدَّيْنِ كَمَا فِي الْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَبْقَى الدَّيْنُ بِبَقَائِهِ فَتُصْبِحُ الْكَفَالَةُ وَكَذَا إذَا خَلَفَ كَفِيلًا لِأَنَّ ذِمَّةَ الْكَفِيلِ لَمَّا انْضَمَّتْ إلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي تَحَمُّلِ الْمُطَالَبَةِ تَفُوتُ ذِمَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِبَقَاءِ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ فَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَلِأَنَّ السُّقُوطَ لِضَرُورَةِ ضَعْفِ الذِّمَّةِ صَحَّ الضَّمَانُ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا خَلَفَ مَالًا أَوْ كَفِيلًا لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا خَلَفَ مَالًا أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَالِ وَمُطَالَبَةُ الْوَصِيِّ بِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَرِيمِ بِالْمَالِ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَلَمَّا تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِالْمَالِ حَالَ قِيَامِ الذِّمَّةِ وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْمَالِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلِاسْتِيفَاءِ بَقِيَ الدَّيْنُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّ سُقُوطَهُ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبَارِ بَرَاءَةِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَصْلًا بَلْ لِضَرُورَةٍ رَاجِعَةٍ إلَى الْمَحَلِّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَإِذَا وُجِدَ لَهُ مَحَلٌّ بِوَجْهٍ يَبْقَى وَالْمَالُ مَحَلُّ الِاسْتِيفَاءِ فَيَبْقَى فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ وَلَمَّا بَقِيَ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ.
وَإِذَا خَلَفَ كَفِيلًا تَحَوَّلَ الدَّيْنُ
стр. 1437
وَإِنْ كَانَ شَرَعَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ بَطَلَ إلَّا أَنْ يُوصِيَ فَيَصِحَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَمَّا الَّذِي شُرِعَ لَهُ فَبِنَاءً عَلَى حَاجَتِهِ لِأَنَّ مَرَافِقَ الْبَشَرِ إنَّمَا شُرِعَتْ لَهُمْ لِحَاجَتِهِمْ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لَازِمَةٌ لِلْبَشَرِ وَالْمَوْتُ لَا يُنَافِي الْحَاجَةَ فَبَقِيَ لَهُ مَا يَنْقَضِي بِهِ الْحَاجَةُ وَلِذَلِكَ بَقِيَتْ التَّرِكَةُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ عِنْدَ قِيَامِ الدُّيُونِ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ قُدِّمَ جِهَازُهُ ثُمَّ دُيُونُهُ وَلِذَلِكَ صَحَّتْ وَصَايَاهُ كُلُّهَا وَاقِعَةً وَمُفَوَّضَةً
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى ذِمَّتِهِ بِخَرَابِ ذِمَّةِ الْأَصِيلِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ وَإِنْ كَانَتْ ضَمَّ الذِّمَّةِ إلَى الذِّمَّةِ فِي الْمُطَالَبَةِ لَا فِي أَصْلِ الدَّيْنِ وَلَكِنَّهَا يَنْعَقِدُ مُجَوِّزَةً لِتَحَوُّلِ الدَّيْنِ إلَى ذِمَّةِ الْكَفِيلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا إذَا أَدَّى الْكَفِيلُ الدَّيْنَ أَوْ وُهِبَ لَهُ يَتَحَوَّلُ الدَّيْنُ مِنْ ذِمَّةِ الْأَصِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْكَفِيلِ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْأَدَاءِ وَالْهِبَةِ وَقَدْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ هَاهُنَا إلَى التَّحَوُّلِ لِيُمْكِنَ إيفَاءُ حُكْمِ الْكَفَالَةِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ فَلِذَلِكَ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ فَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنْ يَصِحَّ الْكَفَالَةُ عَنْ الْأَصِيلِ وَعَنْ الْكَفِيلِ أَيْضًا وَالطَّرِيقُ الثَّانِي يُوجِبُ أَنْ يَصِحَّ عَنْ الْكَفِيلِ دُونَ الْأَصِيلِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ.
١ -
وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا قَتَلَ الْمُفْلِسُ الْمَدْيُونَ عَمْدًا فَكَفَلَ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ إنْسَانٌ صَحَّتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقِصَاصُ مَالًا لِأَنَّهُ بِعَرَضٍ أَنْ يَصِيرَ مَالًا بِعَفْوِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَوْ بِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فَلِتَوَهُّمِ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا بِقَضَاءِ ذَلِكَ الدَّيْنِ يُجْعَلُ الدَّيْنُ بَاقِيًا حُكْمًا فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَأَمَّا الْمُتَبَرِّعُ إذَا أَدَّى فَإِنَّمَا صَحَّ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يُلَاقِي جَانِبَ صَاحِبِ الْحَقِّ دُونَ الْمَدْيُونِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ لَمْ يَصِرْ الْمَدْيُونُ مُؤَدِّيًا بَلْ يَبْرَأُ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ رَبُّ الدَّيْنِ عَنْهُ وَالدَّيْنُ بَاقٍ فِي حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا بِمَوْتِ الْآخَرِ وَحُكْمُ السُّقُوطِ عَنْ الْمَدْيُونِ لِضَرُورَةِ فَوْتِ الْمَحَلِّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ لَهُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ شُرِعَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِحَاجَةِ الْغَيْرِ مَشْرُوعًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ كَنَفَقَةِ الْمَحَارِمِ وَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَنَحْوِهَا بَطَلَ بِالْمَوْتِ أَيْ سَقَطَ بِهِ لِأَنَّ ضَعْفَ الذِّمَّةِ بِالْمَوْتِ فَوْقَ ضَعْفِهَا بِالرِّقِّ وَالرِّقُّ يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ فَالْمَوْتُ بِهِ أَوْلَى إلَّا أَنْ يُوصِيَ فَيَصِحَّ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ تَصَرُّفَهُ فِي الثُّلُثِ نَظَرًا لَهُ وَنَفْعُ الْوَصِيَّةِ رَاجِعٌ إلَيْهِ فَيَجِبُ تَصْحِيحُهَا نَظَرًا لَهُ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي) أَيْ الْحُكْمُ الَّذِي شُرِعَ لِلْعَبْدِ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ.
فَبِنَاءً عَلَى حَاجَتِهِ لِأَنَّ مَرَافِقَ الْبَشَرِ أَيْ مَا يَرْتَفِقُونَ بِهِ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ إنَّمَا شُرِعَتْ لِحَاجَتِهِمْ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لَازِمَةٌ لِلْبَشَرِ فَإِنَّهَا صِفَةٌ تَثْبُتُ فِيهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ مُحْدَثِينَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَبِإِحْدَاثِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ زَوَالُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنْهُمْ وَالْعُبُودِيَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْحَاجَةِ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ الْعَجْزِ وَالِافْتِقَارِ فَشُرِعَتْ لَهُمْ مِنْ الْمَرَافِقِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَوَائِجُهُمْ وَالْمَوْتُ لَا يُنَافِي الْحَاجَةَ لِأَنَّهَا تَنْشَأُ عَنْ الْعَجْزِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ النُّقْصَانِ وَلِهَذَا قِيلَ الْحَاجَةُ نَقْصٌ يَرْتَفِعُ بِالْمَطْلُوبِ وَيَنْجَبِرُ بِهِ وَلَا عَجْزَ فَوْقَ الْمَوْتِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَوْتَ لَا يُنَافِي الْحَاجَةَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَبْقَى لَهُ أَيْ لِلْمَيِّتِ مِمَّا كَانَ مَشْرُوعًا لَهُ لِحَاجَتِهِ مَا يُقْتَضَى بِهِ الْحَاجَةُ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّ بَقَاءَ التَّرِكَةِ عَلَى مِلْكِهِ لِلْحَاجَةِ قُدِّمَ جِهَازُهُ ثُمَّ دُيُونُهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّجْهِيزِ أَقْوَى مِنْهَا إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُ التَّجْهِيزِ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لِبَاسُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَنْزِعُوا ثِيَابَهُ لِمِسَاسِ حَاجَتِهِ إلَيْهَا فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ التَّجْهِيزُ عَلَى الدَّيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَقُّ الْغَيْرِ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهَا كَمَا فِي الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمَرْهُونِ وَالْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي وَنَحْوِهَا فَصَاحِبُ الْحَقِّ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ وَأَوْلَى بِهَا مِنْ صَرْفِهَا إلَى التَّجْهِيزِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ
стр. 1438
وَلِذَلِكَ بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِحَاجَةِ الْمُكَاتَبِ وَهِيَ أَقْوَى الْحَوَائِجِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ نُدِبَ فِيهِ حَطُّ بَعْضِ الْبَدَلِ فَإِذَا جَازَ بَقَاءُ مَالِكِيَّةِ الْمَوْلَى بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَصِيرَ مُعْتِقًا فَلَأَنْ يَبْقَى هَذِهِ الْمَالِكِيَّةُ لِيَصِيرَ مُعْتِقًا أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
تَعَلُّقًا مُؤَكَّدًا.
وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِبَقَاءِ الْحَاجَةِ صَحَّتْ وَصَايَاهُ كُلُّهَا إذَا لَمْ تُجَاوِزْ الثُّلُثَ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا نَظَرَ لَهُ وَقَطَعَ حَقَّ الْوَارِثِ عَنْ الثُّلُثِ لِحَاجَتِهِ إلَى تَدَارُكِ مَا فَرَّطَ فِي حَيَاتِهِ صَحَّتْ وَصَايَاهُ وَاقِعَةً أَيْ مُنَفَّذَةً بِأَنْ أَوْصَى بِنَفْسِهِ بِشَيْءٍ أَوْ تَبَرَّعَ فِي حَالِ مَرَضِهِ بِشَيْءٍ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمُفَوِّضُهُ أَيْ إلَى الْوَرَثَةِ بِأَنْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَنَحْوِهَا وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِبَقَاءِ مَا يَنْقَضِي بِهِ حَاجَتُهُ بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ صِحَّةَ الْكِتَابَةِ بِاعْتِبَارِ مَالِكِيَّتِهِ لِيَصِيرَ مُعْتَقًا وَيَحْصُلُ لَهُ الْبَدَلُ مَعَ ذَلِكَ بِمُقَابَلَةِ فَوَاتِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَحَاجَتُهُ إلَى الْأَمْرَيْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ بَاقِيَةٌ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى حُصُولِ الْإِعْتَاقِ مِنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِيَحْصُلَ الْوَلَاءُ لَهُ وَلِيَتَخَلَّصَ بِهِ مِنْ الْعَذَابِ عَلَى مَا قَالَ ﵇ «أَيُّمَا مُسْلِمٌ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا أَعْتَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ» وَيَحْتَاجُ إلَى حُصُولِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَلَى مِلْكِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ دُيُونُهُ فَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَيْضًا فَلِذَلِكَ تَبْقَى الْكِتَابَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِلِاحْتِيَاجِ إلَى بَقَاءِ الْكِتَابَةِ بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ عِنْدَنَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ عَنْ وَفَاءٍ فَتُؤَدِّي كِتَابَتُهُ وَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخَرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ حَتَّى يَكُونَ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ يَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِهِ وَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْمَوْلَى وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الرَّقَبَةُ إذْ الْعَقْدُ يُضَافُ إلَيْهَا وَعَنْ فَسَادِ الْعَقْدِ يَرْجِعُ إلَى قِيمَتِهَا كَمَا يَرْجِعُ إلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ عِنْدَ فَسَادِ الْعَقْدِ وَقَدْ فَاتَ بِمَوْتِهِ قَبْلَ سَلَامَتِهِ لَهُ فَيُوجِبُ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ مَاتَ عَاجِزًا وَكَمَا لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ إنَّمَا يَبْقَى لِيُعْتَقَ الْمُكَاتَبُ بِوُصُولِ الْبَدَلِ إلَى الْمَوْلَى إذَا الْمَقْصُودُ مِنْ الْعَقْدِ فِي جَانِبِهِ تَحْصِيلُ الْحُرِّيَّةِ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعِتْقِ ابْتِدَاءً لِمَا فِي الْعِتْقِ مِنْ إحْدَاثِ قُوَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَيِّتِ وَلِأَنَّ الرِّقَّ مِنْ شَرْطِهِ وَالْمَيِّتُ لَا يُوصَفُ بِالرِّقِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ الْعِتْقُ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطِ لَا يَسْبِقُ الشَّرْطَ وَفِي إسْنَادِهِ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ إثْبَاتُ الْعِتْقِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْأَدَاءُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْمَوْلَى لِأَنَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ مَحَلَّ الْعَقْدِ قَائِمٌ قَابِلٌ لِلْعِتْقِ وَالْمَوْلَى إنَّمَا يَصِيرُ مُعْتَقًا عِنْدَ أَدَاءِ الْبَدَلِ بِالْكَلَامِ السَّابِقِ وَذَلِكَ قَدْ صَحَّ وَلَزِمَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَمَوْتُهُ لَا يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ فَأَمَّا الْعَبْدُ فَمَحَلُّ الْعِتْقِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى مَحَلِّيَّةِ التَّصَرُّفِ حَالَ نُفُوذِهِ وَثُبُوتِ حُكْمِهِ وَقَدْ بَطَلَتْ الْمَحَلِّيَّةُ فَيَبْطُلُ الْحُكْمُ.
يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ إذَا عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِشَرْطٍ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَوَجَدَ الشَّرْطَ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَجْنُونُ أَوْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَهْلًا لِلْإِيقَاعِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَوْ أَبَانَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ وَجَدَ الشَّرْطَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي كَانَ صَحِيحًا وَلَوْ قَالَ بَعْدَ مَوْتِكَ كَانَ لَغْوًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ بَيْنَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَبَيْنَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ وَنَحْنُ نَقُولُ الْمُكَاتَبَةُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَتَمْلِيكٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَاللُّزُومِ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ مَلَكَ بِهَا يَدَهُ وَتَصَرُّفَهُ مِنْ حَيْثُ الِاكْتِسَابُ وَمَكَاسِبُهُ مِنْ حَيْثُ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمُكَاتَبُ مَالِكٌ بِحُكْمِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ
стр. 1439
وَأَمَّا الْمَمْلُوكِيَّةُ فَهِيَ تَابِعَةٌ فِي الْبَابِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْمَوْلَى مَلَكَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَالَ الْكِتَابَةِ مِنْ حَيْثُ يُطَالِبُهُ بِذَلِكَ وَيَحْبِسُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ أَصْلَ الْمَالِ وَثَبَتَ لِلْمُكَاتَبِ بِمَا مَلَكَ حَقٌّ أَنْ يُؤَدِّيَ الْكِتَابَةَ مِنْ مِلْكِهِ فَيُحْرِزَ بِهِ نَفْسَهُ وَحُرِّيَّتَهُ كَمَا يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ حَقٌّ أَنْ يَقْبِضَ فَيُتَمِّمَ مِلْكَهُ فِي أَصْلِ الْمَالِ فَهَذَا يُتَمِّمُ مِلْكَهُ بِالْقَبْضِ فِي رَقَبَةِ الْمَالِ وَالْمُكَاتَبُ يُتِمُّ إحْرَازَ نَفْسِهِ بِالْأَدَاءِ مِنْ مِلْكِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ حَقٌّ قَبْلَ صَاحِبِهِ بِالْعَقْدِ بِحَقِّ الْمَالِكِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِهَذَا الْعَقْدِ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَالِكِيَّةَ الْمُكَاتَبِ تَثْبُتُ لِحَاجَتِهِ إلَى إحْرَازِ نَفْسِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مُعْتَقًا بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا أَنَّ مَالِكِيَّةَ الْمَوْلَى الثَّابِتَةَ بِهَذَا الْعَقْدِ شُرِعَتْ لِحَاجَتِهِ إلَى مِلْكِ الْبَدَلِ وَصَيْرُورَتِهِ مُعْتَقًا بِوَاسِطَتِهِ وَإِحْرَازِهِ الْوَلَاءَ الَّذِي صَارَ الْمُعْتَقُ بِهِ بِمَنْزِلِ الْوَلَدِ وَهِيَ أَيْ حَاجَةُ الْمُكَاتَبِ إلَى الْحُرِّيَّةِ أَقْوَى الْحَوَائِجِ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ رَأْسُ مَالِ الْحَيِّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا إذْ الرَّقِيقُ فِي حُكْمِ الْأَمْوَاتِ لِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ مَوْتٌ حُكْمًا وَيَدْخُلُ بِالْعِتْقِ فِي أَحْكَامِ الْأَحْيَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهَا أَقْوَى الْحَوَائِجِ أَنَّهُ نَدَبَ فِي هَذَا الْعَقْدِ إلَى حَطِّ بَعْضِ الْبَدَلِ بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْعِتْقُ ثُمَّ مَا ثَبَتَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ لِلْمَوْلَى يَبْقَى بَعْدِ مَوْتِهِ لِحَاجَتِهِ إلَى مِلْكِ الْبَدَلِ وَنِسْبَةِ الْوَلَاءِ إلَيْهِ بِصَيْرُورَتِهِ مُعْتَقًا فَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِحَاجَتِهِ إلَى حُصُولِ الْحُرِّيَّةِ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى تَحْصِيلِ الْحُرِّيَّةِ فَوْقَ حَاجَةِ مَوْلَاهُ إلَى الْوَلَاءِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَمْلُوكِيَّةُ فَتَابِعَةٌ فِي الْبَابِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ قُلْتُمْ بِبَقَاءِ مِلْكِيَّةِ الْمُكَاتَبِ لَزِمَ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ مَمْلُوكِيَّتِهِ إذْ الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ مَمْلُوكِيَّتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّ إبْقَاءَ الْمَالِكِيَّةِ لِمَعْنَى الْكَرَامَةِ وَلَا كَرَامَةَ فِي إبْقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَإِذَا لَمْ تَبْقَ الْمَمْلُوكِيَّةُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ مُعَتَّقًا بَعْدَ مَوْتِهِ فَنَفْسَخُ الْكِتَابَةَ فَقَالَ بَقَاءُ الْمَمْلُوكِيَّةِ يَكُونُ تَبَعًا لِبَقَاءِ الْمَالِكِيَّةِ لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّا قَدْ احْتَجْنَا إلَى بَقَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِبَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ وَمَحَلِّيَّةِ التَّصَرُّفِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ فَيَبْقَى الْمَمْلُوكِيَّةُ شَرْطًا لِتَحْقِيقِ الْمَالِكِيَّةِ وَلَيْسَتْ هِيَ بِمَقْصُودَةٍ بِالْبَقَاءِ إنَّمَا الْمَالِكِيَّةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ اسْتِدْلَالًا بِجَانِبِ الْمَوْلَى لَكِنَّ مِنْ شَرْطِ بَقَائِهَا بَقَاءَ الْمَمْلُوكِيَّةِ لِيُمْكِنَ إبْدَالُ الْعِتْقِ فِيهَا فَتَحَقُّقُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشُّرُوطِ اتِّبَاعٌ فَبَقَّيْنَاهَا تَبَعًا يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ مَالِكًا مِنْ وَجْهٍ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ كَذَلِكَ وَمِنْ ضَرُورَةِ بَقَائِهِ مَالِكًا مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ مَمْلُوكِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ إذْ لَوْ لَمْ يَبْقَ مَمْلُوكًا مِنْ وَجْهٍ لَصَارَ مَالِكًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ كَذَلِكَ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ بَاقِيَةٌ مِنْ وَجْهٍ حَكَمْنَا بِنُفُوذِ الْعِتْقِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَتَقَرَّرَتْ بِهِ مَالِكِيَّتُهُ الَّتِي اسْتَفَادَهَا بِالْعَقْدِ وَإِذَا ثَبَتَ اسْتَنَدَتْ إلَى آخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ لِأَنَّ الْإِرْثَ ثَبَتَ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ إسْنَادِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْعِتْقِ الْمُقَرَّرِ لَهَا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ كَمَا فِي جَانِبِ الْمَوْلَى ثَبَتَ مِلْكُ الْبَدَلِ عِنْدَ الْقَبْضِ وَاسْتَنَدَ مِلْكُهُ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَكَمَ بَقَاءَ الْمَمْلُوكِيَّةِ قَصْدًا فَقَالَ لَمَّا جَازَ أَنْ تَبْقَى مَالِكِيَّةُ الْمَوْلَى بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَصِيرَ مُعْتَقًا جَازَ أَنْ تَبْقَى مَمْلُوكِيَّةُ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَصِيرَ حُرًّا لِأَنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ الَّتِي هِيَ تُنْبِئُ عَنْ الضَّعْفِ أَلْيَقُ بِحَالِ الْمَيِّتِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي هِيَ ضَرْبُ قُوَّةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ بَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ
стр. 1440
وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْمَوَارِيثُ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْمَيِّتِ نَظَرٌ لَهُ مِنْ جِهَةٍ حَتَّى صُرِفَتْ إلَى مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا أَوْ سَبَبًا أَوْ دَيْنًا أَوْ دِينًا بِلَا نَسَبٍ وَسَبَبٍ
ــ
[كشف الأسرار]
بَعْدَ مَوْتِهِ لِحَاجَتِهِ أَنْ كَفَنَ الْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى مَوْلَاهُ وَلَا سَبَبَ لِاسْتِحْقَاقِهِ عَلَيْهِ سِوَى الْمَمْلُوكِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا نَحْكُمُ بِبَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ وَلَا نَجْعَلُهُ حُرًّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَكِنَّا نُسْنِدُ حُرِّيَّتَهُ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ لِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ وَالدَّيْنُ يَتَحَوَّلُ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى التَّرِكَةِ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْقَى مَحَلًّا صَالِحًا لِلدَّيْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلِهَذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِالْمَوْتِ فَإِذَا تَحَوَّلَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ إلَى التَّرِكَةِ فَرَغَتْ الذِّمَّةُ مِنْهُ وَفَرَاغُ ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ يُوجِبُ حُرْمَتَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا نُجَوِّزُ الْحُكْمَ بِحُرِّيَّتِهِ مَا لَمْ يَصِلْ الْمَالُ إلَى الْمَوْلَى فَإِذَا وَصَلَ الْمَالُ إلَيْهِ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى إبْقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ فَإِنْ حَكَمْنَا بِحُرِّيَّتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَسْنَدْنَاهَا إلَى حَالِ الْحَيَاةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إبْقَاءِ حُرِّيَّةِ أَوْلَادِهِ وَسَلَامَةِ أَكْسَابِهِ لَا حُرِّيَّتَهُ قَصْدًا وَالْوَلَدُ قَائِمٌ قَابِلٌ لِلْعِتْقِ وَالْكَسْبُ قَابِلٌ لِلْمِلْكِ وَلَكِنَّ الشَّرْطَ نُفُوذُ الْعِتْقِ فِي الْمُكَاتَبِ فَيَثْبُتُ عِتْقُهُ شَرْطًا لَا مَقْصُودًا فَلَا يُرَاعَى فِيهِ كَوْنُ الْمَحَلِّ قَابِلًا لِهَذَا الْحُكْمِ كَمَا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَغْلُوبِ لَمَّا ثَبَتَ شَرْطًا لِمِلْكِ الْبَدَلِ لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ ثَبَتَ عَنْهُ إذْ الْبَدَلُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْغَصْبِ وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مَالِكًا وَآبِقًا وَقْتَ الْأَدَاءِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا قُتِلَ الْمُكَاتَبُ خَطَأً وَقَدْ تَرَكَ وَفَاءً بِمُكَاتَبَتِهِ حَيْثُ يَضْمَنُ الْقَاتِلُ قِيمَتَهُ لَا دِيَتَهُ وَلَوْ حُكِمَ بِمَوْتِهِ حُرًّا لَكَانَ الْمَضْمُونُ دِيَتَهُ لِأَنَّا أَسْنَدْنَا حُرِّيَّتَهُ إلَى آخِرِ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَالْجُرْحُ وُجِدَ قَبْلَهُ وَمَنْ جَرَحَ مُكَاتَبًا ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ تَوَى يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لَا دِيَتَهُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُضَافٌ إلَى الْجُرْحِ وَهُوَ عَبْدٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا مَا إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ أَوْ لِرَجُلٍ بِشَيْءٍ لَا يَجُوزُ إيصَاؤُهُ وَوَصِيَّتُهُ وَكَذَا لَوْ قَذَفَهُ إنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ عَنْ وَفَاءٍ وَأَدَاءٍ بَدَلَ كِتَابَتِهِ لَا يُحَدُّ وَلَوْ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ لَجَازَ إيصَاؤُهُ وَلَحُدَّ قَاذِفُهُ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إسْنَادَ حُرِّيَّتِهِ فِي حُكْمِ الْكِتَابَةِ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يَظْهَرُ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِسْنَادِ ثَابِتَةٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْإِحْصَانُ وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ بِقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ فَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَيَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَكَذَا الْمِيرَاثُ فَلَا يَمْنَعُ لِلْإِسْنَادِ بِثُبُوتِهَا قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّهُ تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ مَا يَنْقَضِي بِهِ حَاجَةُ الْمَيِّتِ وَجَبَتْ الْمَوَارِيثُ أَيْ ثَبَتَتْ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى مَنْ يَخْلُفُهُ فِي أَمْوَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ بَاقِيَةٌ فَأَقَامَ الشَّرْعُ أَقْرَبَ النَّاسِ إلَيْهِ مَقَامَهُ لِيَكُونَ انْتِفَاعُهُ بِمِلْكِ الْمَيِّتِ بِمَنْزِلَةِ انْتِفَاعِهِ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ نَظَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ إنَّ حَقِيقَةَ الِانْتِفَاعِ لَا يَحْصُلُ لَهُ وَفِي الِانْتِفَاعِ الْحُكْمِيِّ وَهُوَ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ الْوَارِثُ وَالْأَجْنَبِيُّ سَوَاءٌ لَا يَكُونُ فِيهِ زِيَادَةُ نَظَرٍ فَكَانَ نَظَرًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ نَظَرًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ بِخِلَافِ تَعَلُّقِ الْغَرِيمِ بِمَالِهِ وَأَيْضًا دَيْنِهِ فَإِنَّ نَفْعَهُ رَاجِعٌ إلَيْهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ فَكَانَ إيفَاؤُهُ سَبَبًا بِوُصُولِهِ إلَى الْجَنَّةِ وَخَلَاصِهِ مِنْ الْعَذَابِ فَكَانَ نَظَرًا لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَقَوْلُهُ دَيْنًا مُتَعَلِّقٌ بِالنَّسَبِ وَالسَّبَبِ جَمِيعًا وَدَيْنًا كَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَالْمُوَالَاةِ وَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ أَوْ دَيْنًا بِلَا نَسَبٍ وَسَبَبٍ كَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يُوضَعُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ الَّذِي أُعِدَّ لِحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ.
١ -
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْمَوْتَ مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَوَارِيثَ تَجِبُ بِهَذَا الطَّرِيقِ صَارَ التَّعْلِيقُ بِالْمَوْتِ أَيْ تَعْلِيقُ الْإِيجَابِ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ إسْقَاطًا
следующие страницы →