Полный текст (1 522 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَوَازَ وَالصِّحَّةَ يَتَعَلَّقُ بِرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَالثَّوَابُ أَوْ الْمَأْثَمُ يَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ عَزِيمَتِهِ فَإِنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى صَلَّى وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا لَمْ يَجُزْ فِي الْحُكْمِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَاسْتَحَقَّ الثَّوَابَ لِصِحَّةِ عَزِيمَتِهِ وَإِذَا صَارَا مُخْتَلِفَيْنِ صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا فَسَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَيَصِيرُ مُؤَوَّلًا وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَأْثَمِ عَلَى هَذَا فَصَارَ هَذَا كَاسْمِ الْمَوْلَى وَالْقُرْءِ وَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ.
ــ
[كشف الأسرار]
يَبْتَنِي عَلَى الْعَزِيمَةِ وَالْقَصْدِ، وَالْفَسَادَ الَّذِي هُوَ حُكْمٌ يَبْتَنِي عَلَى الْأَدَاءِ بِالْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَإِذَا ثَبَتَ اخْتِلَافُ الْمَعْنَيَيْنِ صَارَ هَذَا اللَّفْظُ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ كَاسْمِ الْمَوْلَى وَالْقُرْءِ فَلَا يَجُوزُ احْتِجَاجُ الْخَصْمِ بِهِ عَلَيْنَا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَفِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ بِالْخَطَأِ وَالْإِكْرَاهِ حَتَّى يُقِيمَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ لَيْسَ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْمَأْثَمُ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الثَّوَابِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَزْمِ وَالْإِثْمَ فِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ مَرْفُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ أَوْ يُقِيمُ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ أَيْضًا لِمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ كَانَ الْمُرَادُ حُكْمَ الْآخِرَةِ لَا غَيْرُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مِنْ أُمَّتِي فَائِدَةٌ لِأَنَّ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأُمَمِ إذْ لَا يَجُوزُ فِي الْحِكْمَةِ تَعْذِيبُهُمْ (قُلْنَا) ذَلِكَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فَأَمَّا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فَهِيَ جَائِزَةٌ فِي الْحِكْمَةِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ جَائِزَيْ الْمُؤَاخَذَةِ كَانَ مَعْنَى الدُّعَاءِ لَا تُجِرْ عَلَيْنَا بِالْمُؤَاخَذَةِ فِيهِمَا إذْ الْمُؤَاخَذَةُ فِيمَا لَا تَجُوزُ الْمُؤَاخَذَةُ فِيهِ جَوْرٌ.
وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ قَوْلُهُ (صَارَ الِاسْمُ) أَيْ اسْمُ الْعَمَلِ وَالْخَطَأِ وَأُخْتَيْهِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مَجَازًا حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكًا أَيْ فِي مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّ مَا هُوَ مُرَادٌ مِنْهُ وَهُوَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكٌ قَوْلُهُ (وَحُكْمُ الْمَأْثَمِ) أَيْ حُكْمٌ هُوَ مَأْثَمٌ عَلَى هَذَا يَعْنِي كَمَا أَنَّ الثَّوَابَ يَنْفَصِلُ عَنْ الْجَوَازِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَكَذَلِكَ الْإِثْمُ يَنْفَصِلُ عَنْ الْفَسَادِ كَمَنْ صَلَّى مُرَائِيًا مُرَاعِيًا لِلشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ يَسْتَوْجِبُ الْإِثْمَ مِنْ غَيْرِ فَسَادٍ وَكَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا تَحَقَّقَ الْفَسَادُ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَفِيهِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ الَّذِي لَا يَجْرِي الْعُمُومُ فِيهِ هُوَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعَانِي الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ قَصْدًا كَاسْمِ الْقُرْءِ وَالْعَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ دُونَ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ فَإِنَّ الْعُمُومَ يَجْرِي فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ مَعْنًى يَعُمُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً كَاسْمِ الْحَيَوَانِ يَتَنَاوَلُ الْإِنْسَانَ وَالْفَرَسَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِهِ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ وَهُوَ التَّحَرُّكُ بِالْإِرَادَةِ وَكَاسْمِ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ الْمُتَضَادَّاتِ بِمَعْنَى الْوُجُودِ وَكَاسْمِ اللَّوْنِ يَتَنَاوَلُ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ وَغَيْرَهُمَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى اللَّوْنِيَّةِ وَالْحُكْمُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ هُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِهِ فَيَتَنَاوَلُ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَالثَّوَابَ وَالْمَأْثَمَ بِهَذَا الْمَعْنَى الْعَامِّ لَا بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعَانِي الْمُنْتَظِمَةِ تَحْتَهُ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الشَّيْءِ وَالْحَيَوَانِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الثَّوَابَ أَوْ الْمَأْثَمَ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ ثَوَابًا أَوْ إثْمًا بَلْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ أَثَرًا ثَابِتًا بِالْفِعْلِ كَالشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ وَالنَّارَ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُرَطِّبًا أَوْ مُحْرِقًا.
وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْعَيْنِ لِلْيَنْبُوعِ وَالشَّمْسِ لَا مِنْ قَبِيلِ الشَّيْءِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَنَاوَلُ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَالثَّوَابَ وَالْمَأْثَمَ قَصْدًا لِأَنَّ هَذِهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ كَالْعَيْنِ يَتَنَاوَلُ الْيَنْبُوعَ وَالشَّمْسَ قَصْدًا فَكَانَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا تَحَكُّمٌ إذْ لَا نَقْلَ فِيهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ ﵀ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُقْتَضَى وَالْمَحْذُوفِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْأُصُولِ
стр. 422
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْأَعْيَانِ مِثْلِ الْمَحَارِمِ وَالْخَمْرِ مَجَازٌ لِمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ فَيَصِيرُ وَصْفُ الْعَيْنِ بِهِ مَجَازًا وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا أُضِيفَ إلَى الْعَيْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَجَعَلَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ نَظَائِرِ الْمُقْتَضَى فَقَالَ فِي حَدِيثِ الرَّفْعِ عَيْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ إذْ لَوْ أُرِيدَ عَيْنُهَا لَصَارَ كَذِبًا وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ فَاقْتَضَى ضَرُورَةَ زِيَادَةٍ وَهِيَ الْحُكْمُ لِيَصِيرَ مُفِيدًا وَصَارَ الْمَرْفُوعُ حُكْمَهَا وَثَبَتَ رَفْعُ الْحُكْمِ عَامًّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى بَطَلَ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْطِئِ وَلَمْ يَفْسُدْ الصَّوْمُ بِالْأَكْلِ مُخْطِئًا لِأَنَّ الْمُقْتَضَى لَهُ عُمُومٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْآخِرَةِ لَا غَيْرُ لِأَنَّ بِذَلِكَ الْقَدْرِ يَصِيرُ مُفِيدًا فَيَزُولُ الضَّرُورَةُ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى حُكْمٍ آخَرَ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ وَقَالَ فِي حَدِيثِ النِّيَّةِ لَمَّا ثَبَتَ حُكْمُ الْآخِرَةِ مُرَادًا وَبِهِ يَصِيرُ الْكَلَامُ مُفِيدًا لَمْ يَتَعَدَّ إلَى مَا وَرَاءَهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنَّمَا ثَوَابُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ ﵀ وَلَمَّا خَالَفَهُ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْمَحْذُوفِ وَفَرَّقَا بَيْنَ الْمَحْذُوفِ وَالْمُقْتَضَى وَجَوَّزَا عُمُومَ الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى وَالْحَدِيثَانِ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى عَلَى أَصْلِهِمَا اُضْطُرَّا إلَى تَخْرِيجِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى مَا اخْتَارَا مِنْ جَوَازِ عُمُومِ الْمَحْذُوفِ فَبَنَيَا انْتِفَاءَ الْعُمُومِ فِيهِمَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ دُونَ الِاقْتِضَاءِ وَفِيهِ مِنْ التَّمَحُّلِ مَا تَرَى.
وَقَدْ كُنْت فِيهِ بُرْهَةً مِنْ الزَّمَانِ فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وَجْهٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَرَاجَعْت الْفُحُولَ فَلَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ بِجَوَابٍ شَافٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ
قَوْلُهُ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ) اخْتَلَفُوا فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ الْمُضَافَيْنِ إلَى الْأَعْيَانِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] .
وَقَوْلُهُ ﵇ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا» «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ» عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَذَهَبَ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ إلَى أَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ كَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ الْمُضَافَيْنِ إلَى الْفِعْلِ فَيُوصَفُ الْمَحَلُّ أَوَّلًا بِالْحُرْمَةِ ثُمَّ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْفِعْلِ بِنَاءً عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ عَامًّا وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ أَوْ تَحْلِيلُهُ لَا غَيْرُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ نَوَابِتِ الْقَدَرِيَّةِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَأَصْحَابِ أَبِي هَاشِمٍ إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ وَأَنَّ الِاحْتِجَاجَ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْأُمَّهَاتِ وَتَحْرِيمِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَإِبَاحَةِ أَكْلِ لُحُومِ الْأَنْعَامِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ غَيْرُ صَحِيحٍ. تَمَسَّكَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِثُبُوتِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ عَلَى الْعُمُومِ بِحَيْثُ يُوصَفُ الْعَيْنُ وَالْفِعْلُ جَمِيعًا بِهِمَا مُتَعَذِّرٌ وَبِهَذِهِ النِّسْبَةِ أَوْرَدَ الشَّيْخُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ لَا يَكُونَانِ وَصْفَيْنِ لِلْأَعْيَانِ لِأَنَّهُمَا مِنْ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْقُدْرَةِ وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَالْأَعْيَانُ لَيْسَتْ بِمَقْدُورَةٍ لَنَا فَلَا تَصْلُحُ مُتَعَلَّقَةً لِلتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْأَفْعَالِ الْمَقْدُورَةِ لَنَا وَهِيَ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِ فِعْلٍ يَكُونُ هُوَ مُتَعَلَّقَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ حَذَرًا مِنْ إهْمَالِ الْخِطَابِ وَلَا يُمْكِنُ إضْمَارُ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِمَا دُونَ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ ثُمَّ ذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فَكَانَ مُجْمَلًا وَتَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ الْعُرْفَ يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ فَإِنَّ مَنْ
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
اطَّلَعَ عَلَى أَعْرُفْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَمَارَسَ أَلْفَاظَ الْعَرَبِ لَا يَتَبَادَرُ إلَى فَهْمِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ حَرَّمْت عَلَيْك الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَحَرَّمْت عَلَيْك النِّسَاءَ سِوَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ فِي النِّسَاءِ وَلَا يَتَخَالَجُهُ شَكٌّ فِي أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِتَحْرِيمٍ لِنَفْسِ الْعَيْنِ وَأَنَّهُ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ فَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا وَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ نِكَاحُ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَأُحِلَّ لَكُمْ أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ شُرْبُ الْخَمْرِ لِعَيْنِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إنَّ الْأُمَّةَ بِأَسْرِهَا أَجْمَعَتْ قَبْلَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ وَطْءِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَتَحْلِيلِ أَكْلِ النَّعَمِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ إجْمَاعًا لَا رَيْبَ فِيهِ وَيُكَفِّرُونَ الْمُتَأَوِّلَ لَهَا وَيَقُولُونَ إنَّمَا حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ لِتَأْوِيلِهِ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَلَا يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ إلَّا بِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْمُخَالِفُ فِي أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ ثَابِتٌ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ مُكَذِّبٌ الْأُمَّةَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُخَالَفَةِ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مَا ذَكَرْنَا وَبَيْنَ خِلَافِهَا فِي تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ فَمَنْ أَجَازَ أَحَدَهُمَا لَزِمَهُ تَجْوِيزُ الْآخَرِ قَالَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ وَبَطَلَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْآخَرِ وَلَمْ يَجُزْ التَّوَقُّفُ فِيهِ وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مُتَعَلِّقًا بِالْأَعْيَانِ الَّتِي لَا يَصِحُّ كَوْنُهَا مِنْ أَفْعَالِنَا وَلَا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْهَا لِوُجُودِهَا تَعَيَّنَ الْقِسْمُ الْآخَرُ وَهُوَ رُجُوعُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إلَى تَصَرُّفِنَا فِيهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّوَقُّفِ فِيهِمَا مَعْنًى مَعَ صِحَّةِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بِبُطْلَانِ الْآخَرِ وَلَكِنَّا نَقُولُ يَصِحُّ وَصْفُ الْعَيْنِ بِالْحُرْمَةِ حَقِيقَةً كَمَا يَصِحُّ وَصْفُ الْفِعْلِ بِهَا وَمَعْنَى اتِّصَافِهَا بِهَا خُرُوجُهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ شَرْعًا كَمَا أَنَّ مَعْنَى وَصْفِ الْفِعْلِ بِالْحُرْمَةِ خُرُوجُهُ مِنْ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا فَإِذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ لَا مَعْنَى لِلْإِضْمَارِ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْعِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أَيْ مَنَعْنَا وَقَالَ ﷻ .
﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] أَيْ مَنَعَهُمْ شَرَابَ الْجَنَّةِ وَطَعَامَهَا وَمِنْهُ حَرَمُ مَكَّةَ لِمَنْعِ النَّاسِ عَنْ الِاصْطِيَادِ فِيهِ وَغَيْرِهِ وَحَرِيمُ الْبِئْرِ لِمَنْعِ الْغَيْرِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي حَوَالَيْهَا فَيُوصَفُ الْفِعْلُ بِالْحُرْمَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ مُنِعَ عَنْ اكْتِسَابِهِ وَتَحْصِيلِهِ فَيَصِيرُ الْعَبْدُ مَمْنُوعًا وَالْفِعْلُ مَمْنُوعًا عَنْهُ وَتُوصَفُ الْعَيْنُ بِالْحُرْمَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَيْنَ مُنِعَتْ عَنْ الْعَبْدِ تَصَرُّفًا فِيهَا فَيَصِيرُ الْعَيْنُ مَمْنُوعَةً وَالْعَبْدُ مَمْنُوعًا عَنْهَا فَعَرَفْنَا أَنَّ وَصْفَ الْعَيْنِ بِالْحُرْمَةِ صَحِيحٌ وَأَنَّ الْمَنْعَ نَوْعَانِ مَنْعُ الرَّجُلِ عَنْ الشَّيْءِ كَقَوْلِك لِغُلَامِك لَا تَأْكُلْ هَذَا الْخُبْزَ وَهُوَ مَوْضُوعٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَنْعُ الشَّيْءِ عَنْ الرَّجُلِ بِأَنْ رَفَعَ الْخُبْزَ مِنْ يَدَيْهِ أَوْ أَكَلَ فَإِذَا أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إلَى الْفِعْلِ كَانَ مِنْ قَبِيلِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَإِذَا أُضِيفَ إلَى الْعَيْنِ كَانَ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي وَنَظِيرُهُمَا الْحِفْظُ وَالْحِمَايَةُ فَإِنَّ الْحِمَايَةَ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهَا فِي الْحِمَى بِدَفْعِ الْأَغْيَارِ عَنْهُ وَيَكُونُ فِعْلُ الْحَامِي فِي الْقَاصِدِ لِذَلِكَ الْمَحْمِيّ لَا فِي عَيْنِهِ فَيَبْقَى الْمَحْمِيّ عَلَى أَصْلِ الصِّيَانَةِ. وَالْحِفْظُ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمَحْفُوظِ بِصُنْعٍ فِي الْمَحْفُوظِ لَا فِي دَفْعِ الْقَاصِدِ إلَّا أَنَّ انْدِفَاعَ الْقَاصِدِ عَنْهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ فَيَحْصُلُ الصِّيَانَةُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَا ذَهَبَ الْمُحَافِظُ وَالْمُحَامِي ... وَمَانِعُ ضَيْمِنَا يَوْمَ الْخِصَامِ
ذَكَرَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَكَانَ الْمَقْصُودُ حَاصِلًا فِي الْحَالَيْنِ وَهُوَ الصِّيَانَةُ وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ لَكِنْ بِطَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّحْرِيمِ فِي غَايَةِ التَّوْكِيدِ لِانْتِفَاءِ الْفِعْلِ فِيهِ
стр. 424
كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ نَوْعَانِ تَحْرِيمٌ يُلَاقِي نَفْسَ الْفِعْلِ مَعَ كَوْنِ الْمَحَلِّ قَابِلًا كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَخْرُجَ الْمَحَلُّ فِي الشَّرْعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِذَلِكَ الْفِعْلِ فَيَنْعَدِمُ الْفِعْلُ مِنْ قِبَلِ عَدَمِ مَحَلِّهِ فَيَكُونُ نَسْخًا وَيَصِيرُ الْفِعْلُ تَابِعًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيُقَامُ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْفِعْلِ فَيُنْسَبُ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمَحَلَّ لَمْ يُجْعَلْ صَالِحًا لَهُ وَهَذَا فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِي جَانِبِ الْمَحَلِّ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ فَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا لِيَصِيرَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ فَغَلَطٌ فَاحِشٌ وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْقِسْمِ حُرُوفُ الْمَعَانِي فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ وَشَطْرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْفُرُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ حُرُوفِ) (الْمَعَانِي)
وَمِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْكُلِّيَّةِ وَانْقِطَاعِ تَصَوُّرِهِ أَصْلًا فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَا تَشْرَبْ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْرَبَهُ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَأَمَّا إذَا صَبَّهُ الْمَوْلَى بَعْدَ النَّهْيِ أَوْ شَرِبَهُ كَانَ الِانْتِفَاءُ فِيهِ أَقْوَى لِانْقِطَاعِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فَإِذَا أَمْكَنَ تَحْقِيقُ إضَافَةِ التَّحْرِيمِ إلَى الْعَيْنِ وَاتِّصَافِهَا بِالْحُرْمَةِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا كَانَ جَعْلُ ذَلِكَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ صِفَةَ الْحُرْمَةِ وَالْحِلِّ كَمَا زَعَمُوا خَطَأً فَاحِشًا وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ حُرْمَةَ الْأَعْيَانِ احْتِرَازًا عَنْ مُنَاقَضَةِ مَذْهَبِهِمْ الْفَاسِدِ فِي نَفْيِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِمْ إنَّ مِنْهَا مَا يُوصَفُ بِالْقُبْحِ وَالْحُرْمَةِ مِثْلُ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَلَا يَجُوزُ نِسْبَةُ خَلْقِ الْقَبِيحِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُهُمْ خَلْقُ الْأَعْيَانِ الْقَبِيحَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ مِنْ الْأَنْجَاسِ وَالْجِعْلَانِ وَالْخَنَافِسِ وَالْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَنَحْوِهَا فَأَنْكَرُوا قُبْحَ الْأَعْيَانِ.
وَقَالُوا إنَّهَا لَيْسَتْ بِقَبِيحَةٍ وَأَنْكَرُوا الْمَحْسُوسَ وَالثَّابِتَ بِبِدَايَةِ الْعُقُولِ وَأَنْكَرُوا اتِّصَافَهَا بِالْحُرْمَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُمْ اتِّصَافُهَا بِالْقُبْحِ فَإِنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالْقُبْحِ وَعِنْدَنَا الْأَعْيَانُ نَوْعَانِ قَبِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ كَالْأَفْعَالِ نَوْعَانِ قَبِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ وَنَوْعٌ مُتَوَسِّطٌ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ وَلَا يَمِيلُ إلَيْهِ فَيُوصَفُ بِالْحِلِّ وَالْإِبَاحَةِ قَوْلُهُ (كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةَ لُزُومِهِ وَتَحَقُّقِهِ) يَعْنِي إذَا أُضِيفَ التَّحْرِيمُ إلَى الْعَيْنِ كَانَ حُرْمَةُ الْفِعْلِ آكَدَ وَأَلْزَمَ وَاللُّزُومُ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِيقَةِ حَتَّى جَعَلْنَا الْفَارِقَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةُ لَازِمَةً لَا تُنْفَى وَالْمَجَازُ لَا يَكُونُ لَازِمًا وَيُنْفَى فَمَا يُؤَكِّدُ اللُّزُومَ كَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا لَكِنَّ التَّحْرِيمَ اسْتِدْرَاكٌ عَنْ قَوْلِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا أَيْ لَا يَكُونُ مَجَازًا لَكِنْ يَصِيرُ الْفِعْلُ تَابِعًا فِي التَّحْرِيمِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَى الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَقْصُودًا بِالتَّحْرِيمِ فَيُقَامُ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْفِعْلِ يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ مَقْصُودًا إذْ لَمْ يُذْكَرْ الْفِعْلُ صَرِيحًا أُقِيمَ الْعَيْنُ مَقَامَ الْفِعْلِ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمَّا اتَّصَفَتْ بِالْحُرْمَةِ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْفِعْلِ ضَرُورَةً كَمَا بَيَّنَّا أَوْ أُقِيمَتْ مَقَامَهُ فِي الِاتِّصَافِ بِالْحُرْمَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَبْقَ مُتَصَوَّرًا شَرْعًا.
وَهَذَا أَيْ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ بِإِخْرَاجِ الْمَحَلِّ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ فِي نِهَايَةِ التَّحْقِيقِ وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِيهِ تَابِعًا لِأَنَّ نَفْيَ الْفِعْلِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ تَبَعًا أَقْوَى مِنْ نَفْيِهِ إذَا كَانَ مَقْصُودًا كَمَا قَرَّرَنَا (فَأَمَّا أَنْ يَجْعَلَهُ) أَيْ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْعَيْنِ مَجَازًا فِي الْعَيْنِ لِيَصِيرَ الْفِعْلُ فِيهَا بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِهِ مَشْرُوعًا لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ (فَغَلَطٌ فَاحِشٌ) لِأَنَّ فِيهِ إخْرَاجَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ وَأَصْلٌ وَهُوَ الْعَيْنُ عَنْ الْأَصَالَةِ وَإِقَامَةَ مَا هُوَ تَبَعٌ وَهُوَ الْفِعْلُ مَقَامَهُ وَلِأَنَّ فِيهِ إبْقَاءَ جِهَتِهِ لِلْفِعْلِ فِي الْحِلِّ قَوْلُهُ (وَشَطْرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ) شَطْرُ كُلِّ شَيْءٍ نِصْفُهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْبَعْضِ تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ وَاسْتِكْثَارًا لِلْقَلِيلِ كَمَا «قَالَ ﵇ فِي الْحَائِضِ تَقْعُدُ شَطْرَ عُمْرِهَا» أَيْ بَعْضَهُ وَمِثْلُهُ فِي التَّوَسُّعِ قَوْلُهُ ﵇ «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ» كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ حُرُوفِ الْمَعَانِي]
[معانى الْوَاوُ]
(بَابُ حُرُوفِ الْمَعَانِي)
هَذَا بَابٌ دَقِيقُ الْمَسْلَكِ لَطِيفُ الْمَأْخَذِ، كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، جَمُّ الْمَحَاسِنِ، جَمَعَ الشَّيْخُ ﵀ فِيهِ بَيْنَ لَطَائِفِ النَّحْوِ، وَدَقَائِقِ الْفِقْهِ، وَاسْتَوْدَعَ فِيهِ غَرَائِبَ الْمَعَانِي، وَبَدَائِعَ الْمَبَانِي، فَاصْغِ لِمَا يُتْلَى عَلَيْك مِنْ بَيَانِ لَطَائِفِ حَقَائِقِهِ، وَاسْتَمِعْ لِمَا يُلْقَى إلَيْك مِنْ كَشْفِ غَوَامِضِ دَقَائِقِهِ.
стр. 425
حُرُوفُ الْعَطْفِ وَهِيَ أَكْثَرُهَا وُقُوعًا وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوَاوُ وَهِيَ عِنْدَنَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ وَلَا تَرْتِيبٍ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ الْوَاوَ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ حَتَّى قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] يُوجِبُ التَّرْتِيبَ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ بِالصَّفَا فِي السَّعْيِ وَقَالَ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ » يُرِيدُ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَفُهِمَ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ﷻ تَسْتَزِدْ بِهِ تَبَصُّرًا فِي دَرْكِ أَسْرَارِ مُسْتَوْدَعَاتِهِ، وَتَسْتَفِدْ بِهِ تَبَحُّرًا فِي الْوُقُوفِ عَلَى عَجَائِبِ مُسْتَبْدَعَاتِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْحُرُوفِ يُطْلَقُ عَلَى الْحُرُوفِ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُوَصِّلُ مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ وَعَلَى مَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا فُسِّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ بِأَنَّ الْحَرْفَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ حُرُوفَ التَّهَجِّي أَيْ التَّعَدُّدِ مِنْ هَجَى الْحُرُوفَ إذَا عَدَّدَهَا وَالثَّانِي حُرُوفَ الْمَعَانِي لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إيصَالِهَا مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ أَوْ لِدَلَالَتِهَا عَلَى مَعْنًى فَإِنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِك مَرَرْت بِزَيْدٍ حَرْفُ مَعْنًى لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْإِلْصَاقِ بِخِلَافِ الْبَاءِ فِي بَكْرٍ وَبِشْرٍ فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى.
وَكَذَا الْهَمْزَةُ فِي أَزِيدُ حَرْفُ مَعْنًى بِخِلَافِهَا فِي أَحْمَدَ وَكَذَا مِنْ فِي قَوْلِك أَخَذْت مِنْ زَيْدٍ حَرْفُ مَعْنًى بِخِلَافِهِ فِي مِنْوَالٍ ثُمَّ إطْلَاقُ لَفْظِ الْحُرُوفِ هَهُنَا عَلَى الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِأَنَّ بَعْضَ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَسْمَاءٌ مِثْلُ كُلٍّ وَمَتَى وَمِنْ وَإِذَا وَغَيْرِهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُهَا حُرُوفًا سُمِّيَ الْجَمْعُ بِهَذَا الِاسْمِ قَوْلُهُ (حُرُوفُ الْعَطْفِ) الْعَطْفُ فِي اللُّغَةِ الثَّنْيُ وَالرَّدُّ يُقَالُ عَطَفَ الْعُودَ إذَا ثَنَاهُ وَرَدَّهُ إلَى الْآخَرِ فَالْعَطْفُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدَ الْمُفْرَدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِيمَا حَكَمْت عَلَيْهِ أَوْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى فِي الْحُصُولِ.
وَفَائِدَتُهُ الِاخْتِصَارُ وَإِثْبَاتُ الْمُشَارَكَةِ وَأَصْلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوَاوُ لِأَنَّ الْعَطْفَ لِإِثْبَاتِ الْمُشَارَكَةِ وَدَلَالَةُ الْوَاوِ عَلَى مُجَرَّدِ الِاشْتِرَاكِ وَسَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ الْفَاءَ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ مَعَهُ وَثُمَّ يُوجِبُ التَّرَاخِيَ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَتْ فِي تِلْكَ الْحُرُوفِ زِيَادَةٌ عَلَى حُكْمِ الْعَطْفِ صَارَتْ كَالْمُرَكَّبَةِ مَعْنًى وَالْوَاوُ مُفْرَدٌ وَالْمُفْرَدُ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَطْفَ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ الِاشْتِرَاكِ وَالْوَاوُ مُتَمَخِّضَةٌ لِإِفَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى دُونَ غَيْرِهِ صَارَتْ أَصْلًا فِي الْعَطْفِ قَوْلُهُ (وَهِيَ عِنْدَنَا لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ) أَيْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا تَرْتِيبَ كَمَا زَعَمَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَعْنِي أَنَّهَا تَدُلُّ فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ عَلَى اشْتِرَاكِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى كَوْنِهِمَا مَعًا بِالزَّمَانِ أَوْ عَلَى تَقَدُّمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِهِ، وَفِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الثُّبُوتِ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَيْ أَهْلِ الشَّرْعِ وَالْفَتَى الشَّابُّ الْقَوِيُّ الْحَدَثُ وَاشْتِقَاقُ الْفَتْوَى مِنْهُ لِأَنَّهَا جَوَابٌ فِي حَادِثَةٍ أَوْ أَحْدَاثٍ حُكْمٌ أَوْ تَقْوِيَةٌ لِبَيَانِ مُشْكِلٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَيْضًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ.
وَفِي الْقَوَاطِعِ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْوُضُوءِ يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ وَمَنْ خَالَفَ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ لَمْ يَجُزْ وَضْؤُهُ وَرُوِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ حَيْثُ يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ أَمَّا فِي الْمُفْرَدِ فَكَقَوْلِك زَيْدٌ رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ وَأَمَّا فِي الْجُمْلَةِ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] قَوْلُهُ (وَاحْتَجُّوا) تَمَسَّكَ مُثْبِتُو التَّرْتِيبِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 426
وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَهَذَا حُكْمٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَبِالتَّأَمُّلِ فِي مَوْضُوعِ كَلَامِهِمْ كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالتَّأَمُّلِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَدَلِيلٌ لِمَا قُلْنَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَيُفْهَمُ مِنْهُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْمَجِيءِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْقِرَانِ أَوْ التَّرْتِيبِ فِي الْمَجِيءِ وَلِأَنَّ الْفَاءَ يَخْتَصُّ بِالْأَجْزِئَةِ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا الْوَاوُ حَتَّى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ وَلَوْ احْتَمَلَ الْوَاوُ التَّرْتِيبَ لَصَلَحَ لِلْجَزَاءِ كَالْفَاءِ وَقَدْ صَارَتْ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ فِي قَوْلِ النَّاسِ جَاءَنِي الزَّيْدُونَ وَأَصْلُهُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَزَيْدٌ وَزَيْدٌ
ــ
[كشف الأسرار]
وَرَضِيَ عَنْهُمْ عِنْدَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِأَيِّهِمَا نَبْدَأُ وَقَدْ نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] قَالَ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ مِنْ وُجُوهِ أَحَدُهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَهِمَ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ حَتَّى قَالَ ابْدَءُوا بِكَذَا وَأَنَّهُ ﵇ كَانَ أَعْلَمَ بِاللِّسَانِ وَأَفْصَحَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ وَالثَّانِي أَنَّهُ ﵇ نَصَّ عَلَى التَّرْتِيبِ عِنْدَ اشْتِبَاهِهَا عَلَيْهِمْ أَنَّهَا لِلْجَمْعِ أَوْ لِلتَّرْتِيبِ فَيَثْبُتُ بِتَنْصِيصِهِ ﵇ أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا احْتَاجُوا إلَى السُّؤَالِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ لِسَانٍ وَلَا يُعَارَضُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا احْتَاجُوا إلَى السُّؤَالِ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمْ لِتَجْوِيزِهِمْ إيَّاهَا مُسْتَعْمَلَةً فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ تَجَوُّزًا بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ
قَوْلُهُ (وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ) وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِأَنَّ الرُّكُوعَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّجُودِ بِلَا خِلَافٍ وَاسْتُفِيدَ هَذَا التَّقَدُّمُ مِنْ الْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا اُسْتُفِيدَ ذَلِكَ مِنْهَا وَمِمَّا تَمَسَّكُوا بِهِ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا قَالَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ اهْتَدَى وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ قُلْ وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى» وَلَوْ كَانَ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ لَمَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ قَوْلُهُ (وَهَذَا حُكْمٌ) ابْتِدَاءُ دَلِيلِ الْعَامَّةِ أَيْ مُوجَبُ الْوَاوِ حُكْمٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِ الْعَرَبِ أَيْ تَتَبُّعِهِ مِنْ اسْتَقْرَيْت الْبِلَادَ إذَا تَتَبَّعْتهَا تَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي اسْتِعْمَالَاتِهِمْ أَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ أَوْ فِي التَّرْتِيبِ وَبِالتَّأَمُّلِ فِي مَوْضُوعِ كَلَامِهِمْ أَيْ فِي قَوَانِينِهِمْ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا كَلَامُهُمْ أَنَّهَا تُوجِبُ كَوْنَهَا لِلتَّرْتِيبِ أَمْ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يُتَعَرَّفُ مِنْ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَنْ يُطْلَبَ فِيهِمَا وَبِالتَّأَمُّلِ فِي مَوَارِدِ النُّصُوصِ وَقَوَانِينِ الشَّرْعِ الْمَوْضُوعَةِ لِاسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا وَكِلَاهُمَا أَيْ الِاسْتِقْرَاءُ وَالتَّأَمُّلُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ أَيْ تَصَدٍّ لَهُ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ لَهَا عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَالتَّرْتِيبِ حَتَّى لَوْ جَاءَ مُقَارِنَيْنِ أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ بِصِفَةِ الْوَصْلِ أَوْ التَّرَاخِي كَانَ صَادِقًا فِي هَذَا الْإِخْبَارِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَنَقْلُ اللُّغَةِ عَنْ أَرْبَابِهَا حُجَّةٌ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا مِنْ كِتَابِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ مَعْنَى الْوَاوِ الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْحُكْمِ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهِ لِأَنَّهَا فِي الِاسْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِإِزَاءِ التَّثْنِيَةِ فِي الْمُتَّفِقَيْنِ فَإِذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الْمَبْدُوءُ بِهِ فِي اللَّفْظِ سَابِقًا بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِهِ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِهِ كَمَا إذَا قُلْت جَاءَنِي الزَّيْدَانِ إنْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مُقْتَضِيًا تَقَدُّمَ أَحَدِهِمَا بَلْ مُقْتَضَاهُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي وُجُودِ الْفِعْلِ فَقَطْ وَلِأَنَّ الْفَاءَ يَخْتَصُّ بِالْأَجْزِئَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مُتَعَقِّبٌ عَلَى مَا يُوجِبُهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ نَحْوِهِ وَالْفَاءُ هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّعْقِيبِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِهَا وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا الْوَاوُ لِمَا ذُكِرَ فَلَوْ كَانَ مُوجَبُهَا التَّرْتِيبَ لَمَا افْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ الْفَاءِ وَالْوَاوِ قَوْلُهُ (وَأَصْلُهُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَزَيْدٌ وَزَيْدٌ) وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَظِيرُ جَاءَنِي بَكْرٌ وَبِشْرٌ وَخَالِدٌ وَهَذَا الْمَجْمُوعُ أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ وُضِعَتْ لِأَشْخَاصٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمَعْنَى إلَّا أَنَّ الْأَلْفَاظَ إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً لَا يُمْكِنُ جَمْعُهَا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ مَعَ كَمَالِ
стр. 427
وَقَالُوا لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ مَعْنَاهُ لَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ أَوْ تَرْتِيبٍ فِي الْوُجُودِ وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْفَاءَ مَكَانَهُ لَبَطَلَ الْمُرَادُ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ
أَيْ لَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فَهَذَا لِبَيَانِ الْوَضْعِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ أَسْمَاءٌ وَأَفْعَالٌ وَحُرُوفٌ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَعْرِيفُ ذَوَاتِهِمْ فَلِذَلِكَ يُقَالُ جَاءَنِي بَكْرٌ وَبِشْرٌ وَخَالِدٌ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَّفِقَةً فَيُمْكِنُ اخْتِصَارُهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالِاكْتِفَاءُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مِنْهَا مَعَ كَمَالِ الْمَقْصُودِ فَيُقَالُ زَيْدُونَ احْتِرَازًا عَنْ التَّطْوِيلِ وَالتَّكْرِيرِ الْمُسْتَكْرَهِينَ وَهَذَا الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ جَاءَنِي بَكْرٌ وَبِشْرٌ وَخَالِدٌ كَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ هَذِهِ عَيْنُ تِلْكَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ قَوْلُهُ (وَقَالُوا) أَيْ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْبَ فِي قَوْلِك لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ.
بِإِضْمَارِ أَنْ وَاَلَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ أَدْخَلُوا مَا بَعْدَ الْوَاوِ فِي إعْرَابِ مَا قَبْلَهَا لَاشْتَمَلَ النَّهْيُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ إدْخَالُ تَشْرَبَ فِي إعْرَابِ تَأْكُلْ وَجَبَ أَنْ يُضْمَرَ أَنْ وَيُنَزَّلُ قَوْلُك لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ مَنْزِلَةَ لَا يَكُنْ مِنْك أَكْلُ السَّمَكِ لِيَكُونَ تَشْرَبَ، مَعَ تَقْدِيرِ أَنْ مَصْدَرًا مَعْطُوفًا عَلَى مِثْلِهِ نَحْوُ لَا يَكُنْ مِنْك أَكْلُ السَّمَكِ وَشُرْبُ اللَّبَنِ فَحَصَلَ بِهَذَا الْإِضْمَارِ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ أَحَدَهُمَا مُبَاحٌ لَهُ وَمَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَمَّا قَصَدُوا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي غَيْرَ دَاخِلٍ فِي حُكْمِ الْأَوَّلِ فَنَصَبُوهُ صَارَ الْعُدُولُ بِهِ عَنْ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ نَصَبَهُ إذْ كَانَ سَبَبًا لِإِضْمَارِ أَنْ فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ النَّصْبَ بِنَفْسِ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى كَانَ عَامِلُهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَلَا قَوْلُهُ (وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْفَاءَ مَكَانَهُ لَبَطَلَ الْمُرَادُ) لِأَنَّ الْغَرَضَ هَهُنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَلَا يُرَادُ أَنْ يُجْعَلَ الْأَكْلُ سَبَبًا لِلشُّرْبِ نَحْوُ أَنْ تَقُولَ إنْ أَكَلْت السَّمَكَ شَرِبْت اللَّبَنَ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي قَوْلِك لَا تَنْقَطِعْ عَنَّا فَنَجْفُوَك أَيْ لَا يَكُنْ مِنْك انْقِطَاعٌ فَجَفَاءٌ مِنَّا وَكَقَوْلِك لَا تَدْنُ مِنْ الْأَسَدِ فَيَأْكُلَك أَيْ إنَّك إنْ دَنَوْت مِنْهُ أَكَلَك وَيَصِيرُ دُنُوُّك سَبَبًا لِأَكْلِهِ إيَّاكَ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] أَيْ لَا تُجَاوِزُوا الْحَدَّ فِي أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ فَإِنَّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَيَصِيرُ طُغْيَانُكُمْ سَبَبَ حُلُولِ آثَارِ الْغَضَبِ عَلَيْكُمْ وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ الْجَمْعَ وَجَبَ الثَّبَاتُ عَلَى الْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ لِأَنَّ الْوَاوَ تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ وَالْفَاءَ تَدُلُّ أَنَّ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفَاءَ لَا تَصْلُحُ فِي مَوْضِعِ الْوَاوِ كَمَا لَا تَصْلُحُ الْوَاوُ فِي مَوْضِعِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضِعَتْ لِمَعْنًى عَلَى حِدَةٍ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ قَوْلِهِ لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ
أَيْ لَا يَكُنْ مِنْك نَهْيٌ عَنْ خُلُقٍ وَإِتْيَانٌ بِمِثْلِهِ أَيْ لَا تَجْمَعْ بَيْنَ هَذَيْنِ فَالنَّهْيُ عَنْ خُلُقٍ مُبَاحٌ لَهُ، إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِإِتْيَانِ مِثْلِهِ وَمَا حُكِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُهُ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَيَقُولُ إنَّ سَمَاعِي كَذَلِكَ فَوَجْهُهُ أَنْ تَكُونَ الْيَاءُ فِي تَقْدِيرِ النَّصْبِ كَقَوْلِهِ:
كَأَنَّ أَيْدِيهُنَّ بِالْقَاعِ الْفَرِقْ
أَوْ يَكُونُ عَلَى الِابْتِدَاءِ نَحْوُ لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَأَنْتَ تَأْتِي مِثْلَهُ وَقَبْلَهُ
ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُقْبَلُ إنْ وَعَظْت وَتُقْتَدَى ... بِالْأَمْرِ مِنْك وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ
وَمِمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْعَامَّةُ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] .
وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١] وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ آمِرًا وَمَأْمُورًا وَزَمَانًا
стр. 428
وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى خَاصٍّ يَتَفَرَّدُ بِهِ فَأَمَّا الِاشْتِرَاكُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَاضِعِ أَوْ عُذْرٍ دَعَا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ التَّكْرَارُ وَقَدْ وَجَدْنَا حُرُوفَ الْعَطْفِ وَغَيْرَهَا مَوْضُوعَةً لِمَعَانٍ يَتَفَرَّدُ كُلُّ قِسْمٍ بِمَعْنَاهُ فَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ وَمَعَ لِلْقِرَانِ وَثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ وَالتَّرَاخِي فَلَوْ كَانَ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَتَكَرَّرَتْ الدَّلَالَةُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَصْلٍ لَكِنَّ الْوَاوَ لَمَّا كَانَتْ أَصْلًا فِي الْبَابِ كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا وُضِعَتْ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ مَعَ احْتِمَالِ كُلِّ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا ثُمَّ انْشَعَبَتْ الْفُرُوعُ إلَى سَائِرِ الْمَعَانِي وَهَذَا كَمَا وُضِعَ لِكُلِّ جِنْسٍ اسْمٌ مُطْلَقٌ مِثْلُ الْإِنْسَانِ وَالتَّمْرِ ثُمَّ وُضِعَتْ لِأَنْوَاعِهَا أَسْمَاءٌ عَلَى الْخُصُوصِ وَصَارَتْ الْوَاوُ فِيمَا قُلْنَا نَظِيرَ اسْمِ الرَّقَبَةِ فِي كَوْنِهِ مُطْلَقًا
ــ
[كشف الأسرار]
ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ فَلَوْ كَانَتْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَتَنَاقَضَا لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَى تَقَدُّمِ الدُّخُولِ عَلَى الْقَوْلِ وَدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَى عَكْسِهِ وَكَلَامُهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ مُنَزَّهٌ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَفَادَ التَّرْتِيبَ لَكَانَ قَوْلُهُ رَأَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا قَبْلَهُ مُتَنَاقِضًا وَلَكَانَ قَوْلُهُ رَأَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا بَعْدَهُ تَكْرَارًا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَالثَّانِي خِلَافُ الْأَصْلِ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي التَّرْتِيبِ أَنَّهُمْ وَضَعُوهَا حَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّرْتِيبُ كَقَوْلِهِمْ اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَاخْتَصَمَ بَكْرٌ وَخَالِدٌ وَذَلِكَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَالِاخْتِصَامَ مِمَّا يَقْتَضِي فَاعِلَيْنِ فَلَوْ قُلْت فِي قَوْلِك اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو إنَّ زَيْدًا قَبْلَ عَمْرٍو فِي الرُّتْبَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ تَقُولَ اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَتَسْكُتَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا تَقَدَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لَهُ وَمُجْتَمِعًا مَعَهُ كَمَا أَنَّك إذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو لَمْ يَكُنْ لِزَيْدٍ اجْتِمَاعٌ مَعَ عَمْرٍو فِي الْمَجِيءِ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْوَاوَ دَلِيلٌ عَلَى التَّرْتِيبِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَاخْتَصَمَ بَكْرٌ وَيَسْكُتَ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بِالْفَاءِ وَثُمَّ لِأَنَّك لَوْ قُلْت اخْتَصَمَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو أَوْ اشْتَرَكَ بَكْرٌ ثُمَّ خَالِدٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ فَعَمْرٌو فِي جَعْلِك الِاخْتِصَامَ وَالِاشْتِرَاكَ مِمَّا يُسْنَدُ إلَى فَاعِلٍ وَاحِدٍ حَتَّى كَأَنَّك قُلْت اخْتَصَمَ زَيْدٌ وَسَكَتّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّرْتِيبَ يُزِيلُ الِاجْتِمَاعَ.
قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ قِسْمٍ كَذَا) يَعْنِي الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْخُصُوصُ اسْمًا كَانَ أَوْ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ كُلِّ لَفْظٍ مَعْنًى وَاحِدٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ إلَّا لَفْظٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِلْإِفْهَامِ وَالِاشْتِرَاكُ يُخِلُّ بِهِ وَالتَّرَادُفُ يُوجِبُ إخْلَاءَهُ عَنْ الْفَائِدَةِ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ.
(لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَاضِعِ) يَعْنِي إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ اصْطِلَاحِيَّةً بِأَنْ وَضَعَ الْوَاضِعُ اللَّفْظَ أَوَّلًا بِإِزَاءِ مَعْنًى وَاشْتَهَرَ بَيْنَ قَوْمٍ وَقَدْ نَسِيَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ بِإِزَاءِ مَعْنًى آخَرَ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ قَوْمٍ آخَرِينَ ثُمَّ اجْتَمَعُوا وَاشْتَهَرَ الْوَضْعَانِ بَيْنَ الْكُلِّ (أَوْ عُذِرَ) أَيُّ حِكْمَةٍ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ وَهُوَ الِابْتِلَاءُ إنْ كَانَتْ اللُّغَاتُ تَوْقِيفِيَّةً لِيَتَبَيَّنَ دَرَجَةُ الْعَالِمِ الَّذِي يَسْتَخْرِجُ الْمُرَادَ مِنْ الْكَلَامِ بِقُوَّةِ قَرِيحَتِهِ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ (لِتَكَرُّرِ الدَّلَالَةِ) أَيْ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ (فَإِنْ قِيلَ) لَا يَتَكَرَّرُ بَلْ يَكُونُ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ (قُلْنَا) قَدْ وُضِعَتْ كَلِمَةُ بَعْدَ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ فَيَلْزَمُ التَّكَرُّرُ لَا مَحَالَةَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ عِنْدَكُمْ فَإِنَّ الْوَلَاءَ فِي الْوُضُوءِ شَرْطٌ فِي الْجَدِيدِ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَلَوْ كَانَ لِمُطْلَقِ التَّرْتِيبِ لَمْ يُشْتَرَطْ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَخَلَا الْكَلَامُ عَنْ حَرْفٍ يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الْجَمْعِ وَهُوَ مَعْنًى مَقْصُودٌ وَذَلِكَ إخْلَالٌ بِهِ وَلَا يَتَخَالَجَنَّ فِي وَهْمِك أَنَّهَا أَوْجَبَتْ التَّرْتِيبَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [يونس: ٩] حَيْثُ رَتَّبَ الْعَمَلَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ بِدُونِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢] لَا مِنْ الْوَاوِ لَكِنَّ الْوَاوَ اسْتِدْرَاكٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْ لَيْسَتْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ أَصْلًا فِي بَابِ الْعَطْفِ لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ وُقُوعًا بِدَلَالَةِ الِاسْتِقْرَاءِ كَانَ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُهَا أَصْلًا دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا وُضِعَتْ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِمَا سِوَاهُ مِنْ أَقْسَامِهِ لِلْمُنَاسَبَةِ.
ثُمَّ انْشَعَبَتْ الْفُرُوعُ أَيْ الْحُرُوفُ الَّتِي هِيَ فُرُوعٌ لَهَا نَظَرًا إلَى قِلَّةِ وُقُوعِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاوِ كَالْفَاءِ وَثُمَّ إلَى سَائِرِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ فُرُوعٌ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ تَقَيُّدِهِ بِصِفَةِ التَّرْتِيبِ وَصِفَةِ الْقِرَانِ وَصِفَةِ التَّرَاخِي اعْتِبَارًا لِلتَّنَاسُبِ وَمُحَافَظَةً عَلَى قَوَانِينِهِمْ الْمُسْتَمِرَّةِ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّهُمْ
стр. 429
غَيْرَ عَامٍّ وَلَا مُجْمَلٍ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ حُكْمَ النَّصِّ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ التَّحْصِيلُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ أَوْ تَرْتِيبٍ وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْوَاوَ لِلْمُقَارَنَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِلْمُقَارَنَةِ لِأَنَّهُمَا قَالَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ أَنَّهَا إذَا دَخَلَتْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَأَنَّهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَطْلُقُ وَاحِدَةً فَدَلَّ أَنَّهُ جَعَلَهَا لِلتَّرْتِيبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ اخْتِلَافُهُمْ رَاجِعٌ إلَى ذِكْرِ الطَّلْقَاتِ مُتَعَاقِبَةً يَتَّصِلُ الْأَوَّلُ بِالشَّرْطِ عَلَى التَّمَامِ وَالصِّحَّةِ ثُمَّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مَا مُوجَبُهُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مُوجَبُهُ الِافْتِرَاقُ لِأَنَّ الثَّانِيَ اتَّصَلَ بِالشَّرْطِ بِوَاسِطَةٍ وَالثَّالِثُ بِوَاسِطَتَيْنِ وَالْأَوَّلُ بِلَا وَاسِطَةٍ فَلَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْأَصْلُ بِالْوَاوِ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْقِرَانِ وَقَالَا مُوجَبُهُ الِاجْتِمَاعُ وَالِاتِّحَادُ لِأَنَّ الثَّانِيَ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ فَشَارَكَتْ الْأَوَّلَ وَهُوَ فِي الْحَالِ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ فَصَحَّ التَّحْصِيلُ وَالتَّرْتِيبُ فِي التَّكَلُّمِ لَا فِي صَيْرُورَتِهِ طَلَاقًا كَمَا إذَا حَصَلَ التَّعْلِيقُ بِشُرُوطٍ يَتَخَلَّلُهَا أَزْمِنَةٌ كَثِيرَةٌ فَإِنَّ التَّرْتِيبَ لَا يَجِبُ بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَضَعُوا لِكُلِّ جِنْسٍ اسْمًا ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ أَنْوَاعَهُ كَالْإِنْسَانِ اسْمُ جِنْسٍ ثُمَّ يَتَنَوَّعُ إلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَكَالتَّمْرِ اسْمُ جِنْسٍ ثُمَّ يَتَنَوَّعُ إلَى عَجْوَةٍ وَبَرْنِيِّ وَسِنْجَانِيٍّ وَقَسْبٍ وَدَقَلٍ وَغَيْرِهَا قَوْلُهُ (غَيْرُ عَامٍّ) كَمَا زَعَمَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَقَدْ بَيَّنَّا وَلَا مُجْمَلٍ قَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ اسْمَ الرَّقَبَةِ مُجْمَلٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يُعْرَفُ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ مُؤْمِنَةٍ مُفَسِّرٌ لَهَا فَلِذَلِكَ يَتَقَيَّدُ الرَّقَبَةُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِصِفَةِ الْإِيمَانِ وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهَا اسْمُ جِنْسٍ وَأَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي عِنْدَ أَرْبَابِ اللِّسَانِ وَأَصْحَابِ الشَّرِيعَةِ فَكَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُطْلَقِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِكَوْنِهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُقَارَنَةٍ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ إذْ الْقِرَانُ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِالْوَلَاءِ. (أَوْ تَرْتِيبٍ) كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجَوَابُ عَنْ مُتَمَسَّكِهِمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] لِبَيَانِ أَنَّهُمَا مِنْ مَعَالِمِ الْحَجِّ وَشَعَائِرِ اللَّهِ وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] لَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَمَا عَرَفْنَا وُجُوبَ التَّرْتِيبِ بِهِ كَيْفَ وَأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] وَإِنَّمَا عَرَفْنَاهُ بِقَوْلِهِ ﵇ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أَوْ يَكُونُ الرُّكُوعُ مُقَدِّمَةَ السُّجُودِ وَالْقِيَامُ مُقَدِّمَةَ الرُّكُوعِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَكَذَا رَدُّهُ ﵇ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ لَمْ يَكُنْ لِإِفَادَةِ الْوَاوِ التَّرْتِيبَ إذْ لَا تَرْتِيبَ فِي مَعْصِيَتِهِمَا لِعَدَمِ انْفِكَاكِ أَحَدَيْهِمَا مِنْ الْأُخْرَى بَلْ لِتَرْكِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ قَوْلُهُ (وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أَنَّ الْوَاوَ لِلْمُقَارَنَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ اسْتِدْلَالًا بِمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ يَتَعَلَّقُ الْكُلُّ بِالشَّرْطِ وَيَنْزِلْنَ جُمْلَةً وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُقَارَنَةِ لَوَقَعَ الْأَوَّلُ وَلَغَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ﵏ لِلْمُقَارَنَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمُقَارَنَةِ أَوْ التَّرْتِيبِ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا الْوَاوُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ مَوْضُوعَةً لَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُقَارَنَةُ أَوْ التَّرْتِيبُ بِنَاءً عَلَى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْوَاوِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ عَدَمُ اطِّرَادهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُقَارَنَةِ أَوْ التَّرْتِيبِ فِي عَامَّةِ الصُّوَرِ كَيْفَ وَالْمُطْلَقُ فِي الْخَارِجِ لَا يُوجَدُ إلَّا مُقَيَّدًا بِصِفَةٍ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مَوْضُوعًا لِلْمُقَيَّدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إلَّا مُقَيَّدًا بِصِفَةٍ.
وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْإِنْسَانِ دَالٌّ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَمَوْضُوعٌ لَهَا بَلْ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِالشَّرْطِ لَا لِأَنَّ الْوَاوَ أَوْجَبَتْ الْمُقَارَنَةَ أَوْ التَّرْتِيبَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْكُلُّ بِالشَّرْطِ وَيَنْزِلْنَ جُمْلَةً فَلَوْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مُوجَبِ الْوَاوِ لَثَبَتَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَكِنَّهُمَا قَالَا مُوجَبُهُ الِاجْتِمَاعُ أَيْ مُوجَبُ كَلَامِهِ الِاجْتِمَاعُ لِأَنَّ مُوجَبَ الْعَطْفِ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْجُمْلَةُ الْأُولَى تَامَّةٌ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَقَوْلُهُ وَطَالِقٌ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَيَصِيرُ مَا يَتِمُّ بِهِ الْأُولَى وَهُوَ الشَّرْطُ
стр. 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
شَرْطًا لِلثَّانِيَةِ لِتَصِيرَ كَامِلَةً وَلِهَذَا تَعَلَّقَتْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ بِالشَّرْطِ وَلَمْ تَقَعَا فِي الْحَالِ وَلَمَّا سَاوَتْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ الْأُولَى فِي التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَجْزِئَةِ مَا يُوجِبُ صِفَةَ التَّرْتِيبِ إذْ الْوَاوُ لَا تُوجِبُ ذَلِكَ وَتَعَلَّقَتْ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالتَّرْتِيبِ وَقَعْنَ كَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الشَّرْطَ بِأَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ كَمَا ذَكَرْنَا إذْ الْجَزَاءُ يَتَأَخَّرُ عَنْ الشَّرْطِ قَدَّمَ الشَّرْطَ عَلَيْهِ أَوْ أَخَّرَهُ ذِكْرًا
وَكَمَا لَوْ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَنِصْفًا فَدَخَلَتْ الدَّارَ تَطْلُقُ ثِنْتَيْنِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَطْلِيقَةٍ وَنِصْفِ تَطْلِيقَةٍ إذْ الطَّلَاقُ لَا نِصْفَ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً لَا ثَلَاثًا خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَرَبِيعَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى لِأَنَّ أَزْمِنَةَ الْوُقُوعِ مُتَفَرِّقَةٌ فَلَا تَقَعُ مُجْتَمِعَةً فَتَبِينُ بِالْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ الثَّانِي وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ زَمَانُ الْوُقُوعِ زَمَانُ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيقٌ بَعْدَ الشَّرْطِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً وَلَوْ عَلَّقَ ثُمَّ وَجَدَ الشَّرْطَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِمَا إنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ عَلَى الْكَامِلَةِ يُوجِبُ إعَادَةَ مَا فِي الْكَامِلَةِ لِتَصِيرَ النَّاقِصَةُ كَامِلَةً أَيْضًا بِخِلَافِ عَطْفِ الْكَامِلَةِ عَلَى مِثْلِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَلُقَتْ الْأُخْرَى ثَلَاثًا لِأَنَّ خَبَرَ الْأُولَى يَصِيرُ مُعَادًا فِي حَقِّهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَالِقٌ حَيْثُ تَطْلُقُ الْأُخْرَى وَاحِدَةً لِأَنَّهَا مُفِيدَةٌ بِنَفْسِهَا فَلَا تَقْتَضِي ذِكْرَ الْخَبَرِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو أَوْ قَالَ مَرَرْت بِالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ يَصِيرُ الْمَجِيءُ وَالْمُرُورُ مَذْكُورَيْنِ مَرَّةً أُخْرَى لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هَهُنَا قَوْلُهُ وَطَالِقٌ نَاقِصٌ لَا شَرْطَ لَهُ فَيَصِيرُ الشَّرْطُ كَالْمَذْكُورِ مَرَّةً أُخْرَى كَأَنَّهُ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِدَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الشَّرْطَ صَرِيحًا وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَقِيلَ فِي وَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ تَقْدِيرُهُ لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَحَاصِلُ الطَّرِيقَتَيْنِ يَرْجِعُ إلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الطَّلْقَاتِ تَعَلَّقْنَ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَلِذَلِكَ يَنْزِلْنَ جُمْلَةً عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا لِأَنَّ الْوَاوَ أَوْجَبَتْ الْمُقَارَنَةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مُوجَبُهُ أَيْ مُوجَبُ ذِكْرِ الطَّلْقَاتِ مُتَعَاقِبَةً الِافْتِرَاقُ أَيْ انْفِصَالُ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ عَنْهُمَا فِي التَّعَلُّقِ بِالشَّرْطِ وَالتَّعَاقُبِ فِي الْوُقُوعِ لَا الِاجْتِمَاعِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ أَوْ قَالَ وَطَالِقٌ بَعْدَهُ وَطَالِقٌ بَعْدَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ عَمَّا بَعْدَهَا فَلَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ فَتَعَلَّقَ هَذَا الطَّلَاقُ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ.
وَقَوْلُهُ وَطَالِقٌ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى الْأُولَى لَا مَحَالَةَ لِافْتِقَارِهَا إلَيْهَا إذْ النَّاقِصَةُ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْكَامِلَةِ فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى فَيَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ الثَّانِي بَعْدَ تَعَلُّقِ الْأَوَّلِ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ مُنْفَصِلًا عَنْهُ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى كَلِمَةِ بَعْدَ أَوْ ثُمَّ فَكَانَ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّرْطِ بِلَا
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
وَاسِطَةٍ وَالثَّانِي بِوَاسِطَةٍ وَالثَّالِثُ بِوَاسِطَتَيْنِ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِهَذَا التَّرْتِيبِ يَنْزِلْنَ كَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَنْزِلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَعَلَّقَ كَالْجَوَاهِرِ إذَا نُظِمَتْ فِي سِلْكٍ وَعُقِدَ، رَأْسُهُ تَنْزِلُ عِنْدَ الِانْحِلَالِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي نُظِمَتْ بِهِ فَلَوْ غُيِّرَ مُوجَبُ هَذَا الْكَلَامِ وَبَطَلَتْ الْوَاسِطَةُ إنَّمَا يَبْطُلُ قَضِيَّةُ الْوَاوِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ الْقِرَانَ كَمَا لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَرَّرَ الشَّرْطَ لِأَنَّ الْكُلَّ تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَدَّمَ الْجَزَاءَ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَى آخِرِهِ إذَا كَانَ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ، أَوَّلُ الْكَلَامِ تَنْجِيزٌ لَوْ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ آخِرًا فَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَإِذَا تَوَقَّفَ تَعَلُّقُ الْكُلِّ بِلَا وَاسِطَةٍ بِالشَّرْطِ أَيْضًا وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَنِصْفًا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي اللُّغَةِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ فَكَانَ الْوَاحِدُ مَعَ النِّصْفِ كَاسْمٍ وَاحِدٍ بِمَنْزِلَةِ أَحَدَ عَشَرَ وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَ لِهَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ تَقَعُ ثِنْتَانِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إحْدَى وَعِشْرِينَ طَلْقَةً تَقَعُ الثَّلَاثُ جُمْلَةً وَلَمْ تَقَعْ الْوَاحِدَةُ أَوَّلًا ثُمَّ الْعِشْرُونَ كَمَا قَالَ زُفَرُ فَكَذَا هَهُنَا فَأَمَّا طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَكَلَامَانِ صِيغَةً وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يَجْعَلُهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا لِأَنَّا وَجَدْنَا فِي اللُّغَةِ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الِاثْنَيْنِ بِعِبَارَةٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ وَهِيَ ثِنْتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ وَالْإِضْرَابِ عَمَّا قَبْلَهَا بِإِقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ فَإِذَا اقْتَضَتْ الِالْتِحَاقَ بِالْأَوَّلِ صِرْنَ جُمْلَةً كَمَا لَوْ قَالَ وَمَعَهَا أُخْرَى وَأَمَّا قَوْلُهُمَا يَصِيرُ مَا تَمَّ بِهِ الْأُولَى كَالْمُعَادِ مَرَّةً أُخْرَى فَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ (وَهُوَ فِي الْحَالِ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ) جَوَابٌ عَنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الثَّانِيَ تَعَلَّقَ بِوَاسِطَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ ﵀ ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّا مَتَى اعْتَبَرْنَا الطَّلَاقَ الْمُتَعَلِّقَ بِمَحْسُوسٍ عُلِّقَ بِحَبْلٍ وَاحِدٍ أَوْجَبَ التَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ عَلَى التَّعَاقُبِ صِفَةَ تَرْتِيبٍ لِلْمُتَعَلِّقِ فِي نَفْسِهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ حَلَقٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِحَبْلٍ وَاحِدٍ عَلَى التَّعَاقُبِ وَلَكِنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّرْتِيبَ إنَّمَا ثَبَتَ تَكَلُّمًا بِهِ فَكَانَ التَّعَاقُبُ فِي أَزْمِنَةِ التَّعْلِيقِ وَنَحْنُ نُسَلِّمُ التَّعَاقُبَ فِي أَزْمِنَةِ تَعَلُّقِ الْأَجْزِئَةِ بِالشَّرْطِ تَكَلُّمًا بِهَا وَلَكِنَّهُ لَا يُوجِبُ تَعَاقُبَ الْوُقُوعِ حِينَ الشَّرْطِ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الشَّرْطَ وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ لِلتَّرْتِيبِ فِي الْوُقُوعِ لَفْظٌ يُوجِبُ تَفْرِيقَ أَزْمِنَةِ الْوُقُوعِ كَثُمَّ أَوْ تَرْتِيبِ الْوَاقِعِ إنْ تَعَلَّقْنَ جُمْلَةً كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَالثَّانِي وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ لِلْحَالِ بَلْ هُوَ كَلَامٌ لَهُ عُرْضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ طَلَاقًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا لِلْحَالِ لَا يَقْبَلُ وَصْفَ التَّرْتِيبِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَسْبِقُ الْمَوْصُوفَ فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ لِحَالَةِ الْوُقُوعِ فَإِنْ وُجِدَ مَا يُوجِبُ تَفْرِيقَ أَزْمِنَةِ الْوُقُوعِ كَكَلِمَةِ ثُمَّ، أَوْ مَا يَبْقَى وَصْفًا لَهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَكَلِمَةِ بَعْدَ يَثْبُتُ التَّرْتِيبُ وَيَصِيرُ بِكَلِمَةِ ثُمَّ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ الْجَزَاءُ الَّذِي يَصِيرُ طَلَاقًا فِي الثَّانِي أَنَّهُ يَصِيرُ طَلَاقًا بِهَذَا الْوَصْفِ فَأَمَّا الْوَاوُ فَلَا تُوجِبُ ذَلِكَ.
وَكَذَا أَزْمِنَةُ التَّعْلِيقِ لَا تَكُونُ وَصْفًا لِمَا يَقَعُ زَمَانَ الشَّرْطِ فَيَلْغُو اعْتِبَارُ تَفَرُّقِهَا وَاجْتِمَاعِهَا فِي حَقِّ الْوَاقِعِ ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ هَاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ مَيْلًا إلَى تَرْجِيحِ قَوْلِهِمَا فَكَأَنَّ الشَّيْخَ إنَّمَا أَوْرَدَ قَوْلَهُمَا آخِرًا وَذَكَرَ جَوَابَهُمَا عَنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ اتِّبَاعًا لِلْقَاضِي الْإِمَامِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ
стр. 432
وَإِذَا كَانَ مُوجَبُ الْكَلَامِ مَا قُلْنَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالْوَاوِ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَرَّضُ لِلتَّرْتِيبِ لَا مَحَالَةَ وَلَا تُوجِبُهُ فَلَا يُتْرَكُ الْمُقَيَّدُ بِالْمُطْلَقِ وَإِذَا تَقَدَّمَتْ الْأَجْزِيَةُ فَقَدْ اتَّحَدَ حَالُ التَّعْلِيقِ فَصَارَ مُوجَبُ الْكَلَامِ الِاجْتِمَاعَ وَالِاتِّحَادَ فَلَمْ يُتْرَكْ بِالْوَاوِ لِمَا قُلْنَا فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنَّهَا تَبِينُ بِوَاحِدَةٍ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّرْتِيبِ
وَقَالَ فِي النِّكَاحِ مِنْ الْجَامِعِ فِيمَنْ زَوَّجَ أَمَتَيْنِ مِنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُمَا وَبِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا الْمَوْلَى مَعًا إنَّهُ لَا يَبْطُلُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا فِي كَلِمَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ فَإِنْ قَالَ هَذِهِ حُرَّةٌ وَهَذِهِ حُرَّةٌ مُتَّصِلًا بِوَاوِ الْعَطْفِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ بَابِ التَّرْتِيبِ وَقَالَ فِي هَذَا الْبَابِ فِيمَنْ زَوَّجَ رَجُلًا أُخْتَيْنِ فِي عُقْدَتَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَهُمَا مَعًا بَطَلَا وَإِنْ أَجَازَهُ مُتَفَرِّقًا بَطَلَ الثَّانِي وَإِنْ قَالَ أَجَزْت نِكَاحَ هَذِهِ وَهَذِهِ بَطَلَا كَأَنَّهُ قَالَ أَجَزْتهمَا وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُقَارَنَةِ
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ الْجَامِعِ فِيمَنْ هَلَكَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ وَعَنْ ابْنٍ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ الِابْنُ أَعْتَقَ أَبِي فِي مَرَضِ مَوْتِهِ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ فِي كَلَامٍ مُتَّصِلٍ عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ وَإِنْ سَكَتَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ عَتَقَ الْأَوَّلُ وَنِصْفُ الثَّانِي وَثُلُثُ الثَّالِثِ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْقِرَانِ قِيلَ لَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَقْرَبُ إلَى مُرَاعَاةِ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ ذَلِكَ الْمَلْفُوظُ بِهِ يَصِيرُ طَلَاقًا فَإِذَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْعَطْفِ إثْبَاتُ هَذِهِ الْوَاسِطَةِ ذِكْرًا فَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ يَصِيرُ كَذَلِكَ طَلَاقًا وَاقِعًا وَمِنْ ضَرُورَةِ تَفَرُّقِ الْوُقُوعِ أَنْ لَا يَقَعَ إلَّا وَاحِدَةً فَإِنَّهَا تَبِينُ لَا إلَى عِدَّةٍ كَمَا لَوْ نَجَّزَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ مُوجَبُ الْكَلَامِ مَا قُلْنَا) وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالِاتِّحَادُ فَلَا يُتْرَكُ الْمُقَيَّدُ أَيْ الْمُقْتَضِي لِلِاجْتِمَاعِ بِالْمُطْلَقِ أَيْ الْوَاوِ.
وَقَوْلُهُ وَإِذَا تَقَدَّمَتْ الْأَجْزِيَةُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ اسْتِدْلَالِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْوَاوَ لِلْمُقَارَنَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا يَعْنِي ثَبَتَ الْمُقَارَنَةُ بِاتِّحَادِ حَالِ التَّعْلِيقِ الَّذِي يَقْتَضِي الِاجْتِمَاعَ فِي الْوُقُوعِ لَا بِمُوجَبِ الْوَاوِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِكَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْقِ يَعْنِي إذَا تَأَخَّرَتْ الْأَجْزِيَةُ فَمُوجَبُ كَلَامِهِ الِافْتِرَاقُ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالْوَاوِ إذَا تَقَدَّمَتْ فَمُوجَبُهُ الِاجْتِمَاعُ فَلَا يُتْرَكُ بِالْوَاوِ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا إنَّهَا لَا تَتَعَرَّضُ لِلْقِرَانِ وَلَا لِلتَّرْتِيبِ
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَعَ جَوَابِهِ وَهُوَ أَرْبَعُ مَسَائِلَ اثْنَتَانِ مِنْهَا تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ وَاثْنَتَانِ عَلَى أَنَّهَا لِلْقِرَانِ مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْأَمَتَيْنِ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَيْنِ لِآخَرَ بِرِضَاهُمَا مِنْ رَجُلٍ فِي عُقْدَةٍ أَوْ عُقْدَتَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُمَا وَبِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ كَانَ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ نَقَضَ أَحَدُهُمَا انْتَقَضَ وَإِنْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْآخَرِ فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا الْمَوْلَى بِلَفْظٍ وَاحِدٍ بِأَنْ قَالَ أَعْتَقْتهمَا أَوْ قَالَ هُمَا حُرَّتَانِ لَا يَبْطُلُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لَا فِي حَالِ الْعَقْدِ وَلَا فِي حَالِ الْإِجَازَةِ وَلَزِمَ الْعَقْدُ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِالْإِعْتَاقِ وَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ إنْ شَاءَ أَجَازَ نِكَاحَهُمَا وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهَا وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا فِي كَلِمَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ بِأَنْ قَالَ أَعْتَقْت هَذِهِ أَوْ قَالَ هَذِهِ حُرَّةٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ زَمَانٍ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ مُتَّصِلَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ لِمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ وَبَقِيَ نِكَاحُ الْأُولَى مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ وَلَوْ وُجِدَ إذْنُ الْمَوْلَى دُونَ الزَّوْجِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَوَقَّفَ النِّكَاحُ عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ لَا غَيْرُ وَلَوْ أُعْتِقَتَا مَعًا لَا يَبْطُلُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ كَمَا كَانَ وَلَوْ أُعْتِقَتَا عَلَى التَّعَاقُبِ بِكَلَامَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ أَوْ مُتَّصِلَيْنِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَبَقِيَ نِكَاحُ الْأُولَى مَوْقُوفًا عَلَى مَا كَانَ وَلَوْ وُجِدَ إذْنُ الزَّوْجِ دُونَ الْمَوْلَى تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْمَوْلَى وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا نَفَذَ نِكَاحُهُمَا وَلَوْ أَعْتَقَهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَنَفَذَ نِكَاحُ الْأُولَى.
وَلَوْ وُجِدَ إذْنُهُمَا جَمِيعًا نَفَذَ نِكَاحُهُمَا وَلَا يَبْطُلُ بِإِعْتَاقٍ بِحَالٍ، فِيمَا ذَكَرْنَا تَعْرِفُ فَائِدَةَ الْقَيْدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ فَتَأَمَّلْ قَوْلُهُ (فِي عُقْدَتَيْنِ) احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا زَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ بِحَالٍ قَوْلُهُ (وَلَوْ سَكَتَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) بِأَنْ قَالَ أَعْتَقَ أَبِي هَذَا وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ أَعْتَقَ هَذَا وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ وَأَعْتَقَ هَذَا عَتَقَ الْأَوَّلُ وَنِصْفُ الثَّانِي وَثُلُثُ الثَّالِثِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِعِتْقِ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالثُّلُثِ لَهُ فَعَتَقَ مِنْ غَيْرِ سِعَايَةٍ ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ مَا بَعْدَهُ فِي تَغْيِيرِ حَقِّهِ لِأَنَّ الْمُغَيِّرَ إنَّمَا يَصِحُّ بِشَرْطِ الْوَصْلِ وَإِذَا أَقَرَّ بِالثَّانِي فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ نِصْفَيْنِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْأَوَّلِ وَصُدِّقَ فِي إثْبَاتِ حَقِّ الثَّانِي وَلَمَّا أَقَرَّ بِالثَّالِثِ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لَكِنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي إبْطَالِ
стр. 433
أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَقَدْ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إنَّهُ تَقَعُ الثَّلَاثُ وَجَعَلَهَا لِلْقِرَانِ لَكِنَّهُ غَلَطٌ لِمَا قَدَّمْنَا وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ الْمُطْلَقِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ الثَّانِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ نَصًّا عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْبَاقِي فَسَقَطَتْ وِلَايَتُهُ لِفَوَاتِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ لَا لِخَلَلٍ فِي الْعِبَارَةِ وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْأُمَّتَيْنِ لِأَنَّ عِتْقَ الْأُولَى يُبْطِلُ مَحَلِّيَّةَ الْوَقْفِ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَا حِلَّ لِلْأَمَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْحُرَّةِ حَالَ التَّوَقُّفِ فَبَطَلَ الثَّانِي قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِعِتْقِهَا ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ التَّدَارُكُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فِي حُكْمِ التَّوَقُّفِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَتَعَرَّضُ لِلْمُقَارَنَةِ فَأَمَّا فِي نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ فَإِنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ تَوَقَّفَ عَلَى آخِرِهِ لَا لِاقْتِضَاءِ وَاوِ الْعَطْفِ لَكِنْ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ وُضِعَ لِجَوَازِ النِّكَاحِ وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ آخِرُهُ سَلَبَ عَنْهُ الْجَوَازَ فَصَارَ آخِرُهُ فِي حَقِّ أَوَّلِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ
ــ
[كشف الأسرار]
حَقِّ الْأَوَّلَيْنِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْمُصَنِّفِ
قَوْلُهُ (أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ يَقَعُ وَاحِدَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا لِأَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ الْمُقَارَنَةَ.
وَلِأَنَّ الْجَمْعَ بِحَرْفِ الْجَمْعِ كَالْجَمْعِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَكَذَا هَهُنَا لَكِنَّ مَا قَالُوهُ غَلَطٌ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ لِلْقِرَانِ لَفْظًا مَوْضُوعًا وَهُوَ مَعَ فَلَوْ حَمَلْنَا الْوَاوَ عَلَيْهِ كَانَ تَكْرَارًا وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ أَيْضًا وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ الْمُطْلَقِ لَا لِلْقِرَانِ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِهَا لِلْعَطْفِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَقَعْ الثَّانِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي لِأَنَّ تَوَقُّفَ الْكَلَامِ الَّذِي صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ تَنْصِيصٍ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ يُوجِبُهُ كَكَلِمَةِ مَعَ أَوْ مِنْ مُغَيِّرٍ الْتَحَقَ بِآخِرِهِ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ هَهُنَا تَنْصِيصٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَيْسَتْ بِنَصٍّ عَلَى الْمُقَارَنَةِ بَلْ هِيَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ الْوَاوِ وَلَا مُغَيِّرَ أَيْضًا لِأَنَّ ذِكْرَ الطَّلَاقِ الثَّانِي لَا يُؤَثِّرُ فِي الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي وَإِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ بَانَتْ بِالْأَوَّلِ وَلَغَا الثَّانِي وَالثَّالِثُ (لِفَوَاتِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ) بِحُصُولِ الْإِبَانَةِ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ (لَا لِخَلَلٍ فِي الْعِبَارَةِ) أَيْ لَا لِفَسَادٍ فِي التَّكَلُّمِ وَالْعَطْفِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلَكِنْ مِنْ شَرْطِهِ قِيَامُ الْمَحَلِّ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَغَا ضَرُورَةً ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَقَعُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي يَقَعُ الْأَوَّلُ لِجَوَازِ أَنْ يُلْحِقَ بِكَلَامِهِ شَرْطًا أَوْ اسْتِثْنَاءً مُغَيِّرًا.
وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ أَحَقُّ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ وَلَا يَفُوتُ الْمَحَلُّ فَلَوْ كَانَ وُقُوعُ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِالثَّانِي لَوَقَعَا جَمِيعًا لِوُجُودِ الْمَحَلِّ مَعَ صِحَّةِ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْأَمَتَيْنِ) أَيْ وَكَمَا أَنَّ عَدَمَ وُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ (لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ) لَا لِأَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ التَّرْتِيبَ فَكَذَا فِي نِكَاحِ الْأَمَتَيْنِ بُطْلَانُ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ لَا لِاقْتِضَاءِ الْوَاوِ ذَلِكَ لِأَنَّ عِتْقَ الْأُولَى يُبْطِلُ مَحَلِّيَّةَ الْوَقْفِ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ يَعْنِي بَعْدَمَا عَتَقَتْ الْأُولَى لَا تَبْقَى الثَّانِيَةُ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ (لِأَنَّهُ لَا حِلَّ لِلْأَمَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْحُرَّةِ حَالَ التَّوَقُّفِ) أَرَادَ بِهِ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ أَيْ لَا تَبْقَى الْأَمَةُ مَحَلَّ النِّكَاحِ فِي مُقَابَلَةِ الْحُرَّةِ حَالَ تَوَقُّفِ نِكَاحِ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ إنْ تَزَوَّجَ أَمَةً نِكَاحًا مَوْقُوفًا ثُمَّ تَزَوَّجَ حُرَّةً نِكَاحًا نَافِذًا أَوْ مَوْقُوفًا يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ أَصْلًا وَذَلِكَ لِأَنَّ حَالَ التَّوَقُّفِ حَالُ انْضِمَامِ الْأَمَةِ إلَى الْحُرَّةِ وَالنِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ مُعْتَبَرٌ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فَكَانَ فِي حَقِّ مَنْ يَلْزَمُهُ حُكْمُهُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْمُنْعَقِدِ وَالْأَمَةُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ مُنْضَمَّةً إلَى الْحُرَّةِ فَلِهَذَا بَطَلَ تَوَقُّفُ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ بَعْدَمَا عَتَقَتْ الْأُولَى قَبْلَ الْفَرَاغِ عَنْ التَّكَلُّمِ بِعِتْقِهَا ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ التَّدَارُكُ بَعْدَ إعْتَاقِهَا لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فِي حَقِّ التَّوَقُّفِ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ التَّوَقُّفِ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْمَحَلِّيَّةِ فِي حَقِّهِ لَا غَيْرُ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ صَحَّ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حُرَّةً وَلِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَتَعَرَّضُ لِلْمُقَارَنَةِ لِتَجْعَلَهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَعْتَقْتهمَا وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَعْتَقْت هَذِهِ مَعَ هَذِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَعْتَقْتهمَا.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا
стр. 434
وَصَدْرُ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْوَصْلِ لِمَا نُبَيِّنُ فِي بَابِ الْبَيَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ قَبْلَ الدُّخُول لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَا يَتَغَيَّرُ بِآخِرِهِ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ.
وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْأَمَتَيْنِ لَا يَتَغَيَّرُ صَدْرُ الْكَلَامِ بِآخِرِهِ لِأَنَّ عِتْقَ الثَّانِيَةِ إنْ ضُمَّ إلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَتَغَيَّرْ نِكَاحُ الْأُولَى عَنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ وَعَنْ الْوُجُودِ إلَى الْعَدَمِ وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ صَدْرُ الْكَلَامِ يَتَغَيَّرُ بِآخِرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ مُوجَبَ صَدْرِهِ عِتْقُهُ بِلَا سِعَايَةٍ وَإِذَا انْضَمَّ الْأُخْرَى إلَى الْأَوَّلِ تَغَيَّرَ الصَّدْرُ عَنْ عِتْقٍ إلَى رِقٍّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى مُكَاتَبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَتَغَيَّرُ عَنْ بَرَاءَةٍ إلَى شُغْلٍ بِدَيْنِ السِّعَايَةِ فَلِذَلِكَ وَقَفَ صَدْرُهُ عَلَى آخِرِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
نِكَاحُ الْأُخْتَيْنِ) ذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْجَوَابِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَتَيْنِ قَالَ هَذِهِ حُرَّةٌ وَهَذِهِ حُرَّةٌ وَالْكَلَامُ الثَّانِي جُمْلَةٌ تَامَّةٌ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فَإِذَا عُطِفَتْ عَلَى جُمْلَةٍ تَامَّةٍ لَا يُوجِبُ مُشَارَكَتَهَا الْأُولَى فَلَا يَتَوَقَّفُ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتَيْهِ: عَمْرَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَزَيْنَبُ طَالِقٌ إنَّ زَيْنَبَ تَطْلُقُ وَاحِدَةً وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْأُخْتَيْنِ أَجَزْت نِكَاحَ هَذِهِ وَهَذِهِ وَالْكَلَامُ الثَّانِي جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ فَشَارَكَتْ الْأُولَى ضَرُورَةً حَتَّى لَوْ قَالَ هَهُنَا وَأَجَزْت هَذِهِ يَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَلَوْ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَتَيْنِ هَذِهِ حُرَّةٌ وَهَذِهِ لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ جُمْلَةً تَامَّةً فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَالْفَرْقُ مَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ آخِرَ الْكَلَامِ إذَا كَانَ يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ تَوَقَّفَ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ كَمَا وَقَفَ عَلَى الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ فَفِي مَسْأَلَةِ الْأُخْتَيْنِ آخِرُ الْكَلَامِ يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَضُمَّ الثَّانِيَةَ إلَى الْأُولَى صَحَّ نِكَاحُ الْأُولَى وَإِذَا ضَمَّ إلَيْهَا بَطَلَ نِكَاحُهَا لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ سَلَبَ عَنْهُ الْجَوَازَ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ فَتَوَقَّفَ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْجَمْعِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَبَطَلَا وَفِي مَسْأَلَةِ الْأَمَتَيْنِ إعْتَاقُ الْأَخِيرَةِ لَا يُغَيِّرُ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَبْقَى مَوْقُوفًا صَحِيحًا كَمَا كَانَ وَإِنَّمَا أَثَرُ الثَّانِي فِي صِحَّةِ نَفْسِهِ لَا فِي تَغْيِيرِ الْأَوَّلِ لَوْ صَحَّ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ فَسَدَ الثَّانِي قَوْلُهُ (وَصَدْرُ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْآخِرِ الَّذِي هُوَ مُغَيِّرٌ بِشَرْطِ الْوَصْلِ هَذَا جَوَابٌ عَمَّا إذَا أَجَازَ نِكَاحَهُمَا مُتَفَرِّقًا حَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ إجَازَةُ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ فِي إبْطَالِ نِكَاحِ الْأُولَى وَلَا يَتَوَقَّفُ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي وَإِنْ كَانَ مُغَيِّرًا فَقَالَ صَدْرُ الْكَلَامِ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُغَيِّرِ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ فَلَا وَهَذَا لَا يُوجَدُ أَيْ تَغَيُّرُ صَدْرِ الْكَلَامِ بِالْآخِرِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ لَا يُوجَدُ وَلَا يُقَالُ قَدْ يَتَغَيَّرُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ صَدْرُ الْكَلَامِ بِآخِرِهِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةٌ غَلِيظَةٌ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ بِتَغْيِيرٍ بَلْ هُوَ تَقْرِيرُ حُكْمِ أَوَّلِهِ وَتَأْكِيدُهُ لِأَنَّ حُكْمَهُ الْحُرْمَةُ الْخَفِيفَةُ وَحُكْمُ آخِرِهِ الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ وَكِلَاهُمَا رَافِعٌ لِلْقَيْدِ وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ مِنْ زِيَادَةِ الْحُرْمَةِ فَبِاعْتِبَارِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ.
قَوْلُهُ (عَنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ وَعَنْ الْوُجُودِ إلَى الْعَدَمِ) الْمُغَيِّرُ الَّذِي يَلْتَحِقُ بِآخِرِ الْكَلَامِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الْوَصْفِ كَالشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْكَلَامَ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُ حُكْمَهُ إلَى حِينِ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ فِي الْأَصْلِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَبْطُلُ أَصْلُ الْكَلَامِ بِالِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ مُوجَبٌ أَصْلًا فَالشَّيْخُ تَعَرَّضَ لَهُمَا فَقَالَ إعْتَاقُ الثَّانِيَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي وَصْفِ نِكَاحِ الْأُولَى بِالتَّغْيِيرِ مِنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ وَلَا فِي أَصْلِهِ بِالْإِعْدَامِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ) عَطْفٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْأُخْتَيْنِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ يَتَغَيَّرُ بِآخِرِهِ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ يَتَغَيَّرُ الصَّدْرُ بِآخِرِهِ أَيْضًا. مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إنَّمَا يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ لِأَنَّهُ جَمَعَهُمْ بِحَرْفِ الْجَمْعِ وَهُوَ الْوَاوُ وَالْمَجْمُوعُ بِحَرْفِ الْجَمْعِ كَالْمَجْمُوعِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَعْتَقَهُمْ وَالِدِي أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَهُمَا عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَأَنَّ قَوْلَهُ بِعْت هَذَا الْعَبْدَ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ بِعْته مِنْهُمَا فَكَذَا
стр. 435
وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي الْكِتَابِ وَيَنْوِي مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ تَرْتِيبًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] لَا يُوجِبُ تَرْتِيبًا أَيْضًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ إثْبَاتُ أَنَّهُمَا مِنْ الشَّعَائِرِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّرْتِيبُ
ــ
[كشف الأسرار]
هَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ الْمُطْلَقِ لَيْسَ لَهَا عَمَلٌ فِي الْقِرَانِ وَلَا فِي التَّرْتِيبِ وَلَكِنَّ آخِرَ الْكَلَامِ هَهُنَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ لِأَنَّ حُكْمَ الصَّدْرِ لَوْ سَكَتَ عَلَيْهِ سَلَامَةُ نَفْسِ الْأَوَّلِ لَهُ بِلَا سِعَايَةٍ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ تَغَيَّرَ الصَّدْرُ عَنْ عِتْقٍ إلَى رِقٍّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ السِّعَايَةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْمُكَاتَبُ عِنْدَنَا عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.
وَعِنْدَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ إلَى الرِّقِّ وَلَكِنْ يَتَغَيَّرُ مِنْ بَرَاءَةٍ إلَى شُغْلٍ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مَجَّانًا فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا ثُلُثُ الثُّلُثِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ فَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ صَدْرُهُ عَلَى آخِرِهِ لَا لِلْوَاوِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ قُلْنَا إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي الْكِتَابِ أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَيَنْوِي أَيْ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ لَا يُوجِبُ تَرْتِيبًا كَرَّرَ الشَّيْخُ لَفْظَةَ أَنَّ لِطُولِ الْكَلَامِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَيَظْهَرُ بِهَذَا فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِهِمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَادَّعَى أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا اسْتِدْلَالًا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَيَنْوِي بِتَسْلِيمَةِ الْأَوَّلِ مَنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الْحَفَظَةِ وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ مُطْلَقَ الْجَمْعِ فِي النِّيَّةِ لَا التَّرْتِيبَ فِيهَا وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ مَا ذُكِرَ فِي الصَّلَاةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ وَمَا ذُكِرَ هَهُنَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ الثَّانِي فَقَدْ رَجَعَ إلَى تَفْضِيلِ بَنِي آدَمَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ قَالَ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا كَلَامٌ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَلَكِنْ لَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهِ هَهُنَا فَالْوَاوُ لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ وَالتَّرْتِيبُ فِي النِّيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ فَإِنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْوِيَ الرِّجَالَ أَوَّلًا ثُمَّ النِّسَاءَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ وَلَكِنَّ مُرَادَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنْ يَجْمَعَهُمْ فِي نِيَّتِهِ.
وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ فَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لَازِمٍ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ تَرْتِيبًا لَكِنْ لِلْبِدَايَةِ أَثَرٌ فِي الِاهْتِمَامِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالْقُرَبِ فَدَلَّ مَا ذُكِرَ هَهُنَا وَهُوَ آخِرُ التَّصْنِيفَيْنِ أَنَّ مُؤْمِنِي الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ قَالَ الْإِمَامُ الْكَشَانِيُّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ خَوَاصَّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ الْمُرْسَلُونَ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَعَوَامُّ بَنِي آدَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَتْقِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ وَلَيْسُوا بِأَفْضَلَ مِنْ خَوَاصِّهِمْ بَلْ خَوَاصُّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ بَنِي آدَمَ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] أَمَّا الْكَلَامُ فِي تَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ فَإِنَّا لَا نَتَكَلَّمُ فِيهِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ حَاجَةٌ فَنَكِلُ الْأَمْرَ فِيهِ إلَى اللَّهِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْكَلَامِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَأَتْقِيَاءِ الْخَلْقِ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَتَفْضِيلِ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ فَنُفَوِّضُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ شَرِّ الْبَشَرِ وَأَفْسَقِهِمْ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَيُقَالُ هُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَكِنْ إنْ كَانَ لَا بُدَّ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَا وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَتَكَلَّمُ " ح " بِتَفْضِيلِ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) جَوَابٌ عَنْ مُتَمَسَّكِ الْخَصْمِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ
стр. 436
وَإِنَّمَا ثَبَتَ السَّعْيُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] غَيْرَ أَنَّ السَّعْيَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ تَرْتِيبٍ وَالتَّقْدِيمُ فِي الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْمُقَدَّمِ ظَاهِرًا وَهَذَا يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ فَرُجِّحَ بِهِ فَصَارَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا بِفِعْلِهِ لَا بِنَصِّ الْآيَةِ وَهَذَا كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ فِي الْوَصَايَا بِالْقُرَبِ النَّوَافِلِ إنَّهُ يُبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى قُوَّةِ الِاهْتِمَامِ وَصَلَحَ لِلتَّرْجِيحِ فَأَمَّا قَوْلُ الرَّجُلِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ وَمِائَةٌ وَثَوْبٌ وَمِائَةٌ وَشَاةٌ وَمِائَةٌ وَعَبْدٌ فَلَيْسَ بِمَبْنِيٍّ عَلَى حُكْمِ الْعَطْفِ بَلْ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ يُذْكَرُ فِي بَابِ الْبَيَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَدْ تَدْخُلُ الْوَاوُ عَلَى جُمْلَةٍ كَامِلَةٍ بِخَبَرِهَا فَلَا تَجِبُ بِهِ الْمُشَارَكَةُ فِي الْخَبَرِ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَالِقٌ أَنَّ الثَّانِيَةَ تَطْلُقُ وَاحِدَةً فَسَمَّى بَعْضُهُمْ هَذِهِ وَاوَ الِابْتِدَاءِ أَوْ وَاوَ النَّظْمِ وَهَذَا فَضْلٌ مِنْ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلْعَطْفِ عَلَى مَا هُوَ أَصْلُهَا لَكِنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْخَبَرِ كَانَتْ وَاجِبَةً لِافْتِقَارِ الْكَلَامِ الثَّانِي إذَا كَانَ نَاقِصًا فَأَمَّا إذَا كَانَ تَامًّا فَقَدْ ذَهَبَ دَلِيلُ الشَّرِكَةِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْجُمْلَةَ النَّاقِصَةَ تُشَارِكُ الْأُولَى فِيمَا تَمَّ بِهِ الْأَوْلَى بِعَيْنِهِ حَتَّى قُلْنَا فِي قَوْلِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ أَنَّ الثَّانِيَ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِعَيْنِهِ وَلَا يَقْتَضِي الِاسْتِبْدَادَ بِهِ كَأَنَّهُ أَعَادَهُ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى هَذِهِ الضَّرُورَةِ اسْتِحَالَةَ الِاشْتِرَاكِ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ اسْتِحَالَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ هُوَ الْأَصْلُ مِثْلُ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو الثَّانِي يَخْتَصُّ بِمَجِيءٍ عَلَى حِدَةٍ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي مَجِيءِ وَاحِدٍ لَا يُتَصَوَّرُ فَصَارَ الثَّانِي ضَرُورِيًّا وَالْأَوَّلُ أَصْلِيًّا
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ أَنَّهُمَا مِنْ الشَّعَائِرِ وَمَعَالِمِ الْحَجِّ وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي الْفِعْلِ لَا فِي الْعَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ الصَّفَا فِيهِ مِنْ الْمَعَالِمِ كَانَتْ الْمَرْوَةُ فِيهِ كَذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا ثَبَتَ السَّعْيُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَتْ الْآيَةُ لِبَيَانِ أَنَّهُمَا مِنْ الشَّعَائِرِ فِيمَ ثَبَتَ وُجُوبُ السَّعْيِ أَوْ شَرْعِيَّتِهِ فَقَالَ إنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وَلِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ هُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا لِأَنَّهُ قَالَ فَلَا جُنَاحَ وَمِثْلُهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَاحِ دُونَ الْوَاجِبِ وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ هُوَ وَاجِبٌ بِهَذَا النَّصِّ وَبِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فَلِتَحَرُّجِ النَّاسِ عَنْ الطَّوَافِ بِهِمَا لِمَكَانِ صَنَمَيْنِ كَانَا عَلَيْهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إسَافٌ وَنَائِلَةُ وَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَعْدَ الْإِسْلَامِ كَرِهُوا التَّعَبُّدَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَنَفَى ذَلِكَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ السَّعْيَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ تَرْتِيبٍ) يَعْنِي أَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلسَّعْيِ لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ لَكِنَّ السَّعْيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ تَرْتِيبٍ وَالْبِدَايَةُ بِالذِّكْرِ فِي مُصْطَلَحِ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ عِنَايَةٍ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَقُوَّةِ اهْتِمَامٍ بِهِ كَمَا إذَا فَارَقَك مَنْ كُنْت مَشْغُوفًا بِهِ وَقِيلَ لَك مَا الَّذِي تَتَمَنَّى تَقُولُ وَجْهَ الْحَبِيبِ أَتَمَنَّى فَتُقَدِّمُ وَجْهَ الْحَبِيبِ لِكَوْنِهِ نُصْبَ عَيْنِك وَلِزِيَادَةِ الْتِفَاتِ خَاطِرِك إلَيْهِ وَلَمَّا دَلَّتْ الْبِدَايَةُ عَلَى زِيَادَةِ الْعِنَايَةِ ظَهَرَ بِهَا نَوْعُ قُوَّةٍ صَالِحَةٍ لِلتَّرْجِيحِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ اسْتَدَلَّ فِي تَفْضِيلِ الْمُهَاجِرِينَ أَوْ تَعْيِينِ الْإِمَامِ مِنْهُمْ بِتَقْدِيمِهِمْ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] فَذَلِكَ رَجَّحَ النَّبِيُّ ﵇ بِالتَّقْدِيمِ فَقَالَ «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» أَوْ قَالَ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» .
وَصَارَ التَّرْتِيبُ وَاجِبًا بِفِعْلِهِ وَبِقَوْلِهِ لَا بِنَصِّ الْآيَةِ قَوْلُهُ (فَأَمَّا قَوْلُهُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ) إلَى آخِرِهِ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْعَطْفُ يُفَسِّرُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ حَتَّى كَانَتْ الْمِائَةُ دَرَاهِمَ فَأَنَّى لَمْ يُجْعَلْ مُفَسِّرًا فِي قَوْلِهِ مِائَةٌ وَثَوْبٌ أَوْ يُقَالُ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ فَكَيْفَ جُعِلَ مُبَيِّنًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ وَإِذَا جُعِلَ مُبَيِّنًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلِمَ تَخَلَّفَ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْعَطْفِ لِيَلْزَمَ اطِّرَادُهُ بَلْ عَلَى أَصْلِ الْآخِرِ يَقْرَعُ سَمْعَك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَوْلُهُ (بِخَبَرِهَا) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَامِلَةٍ أَيْ كَمَا لَهَا بِخَبَرِهَا فَلَا يَجِبُ بِهِ أَيْ بِهَذَا الْعَطْفِ. وَهَذَا فَضْلٌ أَيْ تَسْمِيَتُهُمْ إيَّاهَا وَاوَ الِابْتِدَاءِ أَوْ النَّظْمِ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا بَلْ هِيَ وَاوُ الْعَطْفِ كَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ إلَّا أَنَّ عَمَلَهَا فِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْكَامِلَةِ فِيمَا تَمَّ بِهِ الْكَامِلَةُ وَفِي عَطْفِ الْكَامِلَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ مَضْمُونَيْ الْجُمْلَتَيْنِ فِي الْحُصُولِ لَكِنَّ الشَّرِكَةَ اسْتِدْرَاكٌ عَنْ قَوْلِهِ وَإِنَّمَا هِيَ الْعَطْفُ عَلَى مَا هُوَ أَصْلُهَا أَيْ هِيَ لِلْعَطْفِ لَكِنَّهَا لَا تُوجِبُ الشَّرِكَةَ فِي الْخَبَرِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِافْتِقَارِ الْكَلَامِ الثَّانِي إيَّاهَا لِعَدَمِ إفَادَتِهَا بِدُونِهَا لَا بِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ الثَّانِي مُفِيدًا بِنَفْسِهِ ذَهَبَ دَلِيلُ الشَّرِكَةِ وَهُوَ الِافْتِقَارُ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ لِلِافْتِقَارِ وَالضَّرُورَةِ قُلْنَا إنَّ الْجُمْلَةَ النَّاقِصَةَ تُشَارِكُ الْأُولَى فِيمَا تَمَّ بِهِ الْأُولَى بِعَيْنِهِ وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ أُعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الْأَصْلِ إذْ هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا
стр. 437
وَمِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فِي قِصَّةِ الْقَذْفِ وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]
ــ
[كشف الأسرار]
وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ هَهُنَا مَتَى ارْتَفَعَتْ بِالْأَدْنَى وَهُوَ إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ فِيمَا تَمَّ بِهِ الْأُولَى لَا يُصَارُ إلَى الْأَعْلَى وَهُوَ الْإِضْمَارُ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ مُتَقَدِّرٌ بِقَدْرِهَا إلَّا إذَا اسْتَحَالَ إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ " فح " يُصَارُ إلَيْهِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَهِيَ قَوْلُهُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ الطَّالِقُ الثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِعَيْنِهِ وَلَا يَقْتَضِي أَيْ الْعَطْفُ الِاسْتِبْدَادَ أَيْ التَّفَرُّدَ بِالشَّرْطِ كَأَنَّهُ أَعَادَ الشَّرْطَ وَأَفْرَدَ الثَّانِيَ بِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ إفَادَةُ الْكَلَامِ الثَّانِي يَحْصُلُ بِتَعَلُّقِهِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِعَيْنِهِ فَلَا يُصَارُ إلَى الْإِضْمَارِ وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَالَ كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ كَانَ يَمِينًا وَاحِدَةً حَتَّى لَا يَقَعَ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ كَانَ كَالْمُعَادِ لَوَقَعَتْ طَلْقَتَانِ.
وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَوْ كَانَ كَالْمُعَادِ لَوَقَعَتْ طَلْقَتَانِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا وَكَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ وَإِنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى يَتَعَلَّقُ بِدُخُولِ الدَّارِ الثَّانِيَةِ تِلْكَ التَّطْلِيقَةُ لَا تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ الدَّارَيْنِ لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً وَلَوْ اقْتَضَى الْإِعَادَةَ لَطَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ تَعَلَّقَ طَلَاقُ الثَّانِيَةِ بِدُخُولِ الْأُولَى حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ طَلُقَتَا جَمِيعًا وَلَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ أَفْرَدَهَا بِالشَّرْطِ وَقَالَ وَفُلَانَةُ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ إذْ لَوْ جُعِلَ كَذَلِكَ لَمْ تَطْلُقْ الثَّانِيَةُ بِدُخُولِ الْأُولَى بَلْ تَطْلُقُ بِدُخُولِ نَفْسِهَا وَفِي هَذَا النَّظِيرِ نَظَرٌ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ حَيْثُ لَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ فِي خَبَرِ الْأُولَى وَيُجْعَلُ الْخَبَرُ كَالْمُعَادِ حَتَّى طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا وَلَوْ ثَبَتَتْ الشَّرِكَةُ لَطَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثِنْتَيْنِ لِانْقِسَامِ الثَّلَاثِ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ وَلِفُلَانٍ يُجْعَلُ الْأَلْفُ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِمَا تَحْقِيقًا لِلشَّرِكَةِ وَلَا يُجْعَلُ كَالْمُعَادِ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ لِأَنَّا نَقُولُ تَعَذَّرَ هَهُنَا إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ لِأَنَّ فِي تَنْصِيصِ الزَّوْجِ عَلَى الثَّلَاثِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ إثْبَاتُ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ وَسَدُّ بَابِ التَّدَارُكِ بِالْكُلِّيَّةِ وَبِالِانْقِسَامِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ فَيُجْعَلُ الْخَبَرُ كَالْمُعَادِ ضَرُورَةً وَلِأَنَّ بِالِانْقِسَامِ يَفُوتُ مُوجَبُ الْكَلَامِ أَصْلًا إذْ لَا دَلَالَةَ لِلثَّلَاثِ عَلَى الْأَرْبَعِ بِوَجْهٍ فَأَمَّا إثْبَاتُ الْمِثْلِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَيُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ قَالَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ أَوْ قَالَ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ أَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ كَالْمُعَادِ لَوَقَعَ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الشَّرْطَ صَرِيحًا مَعَ تَخَلُّلِ الْأَزْمِنَةِ.
وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى هَذَا أَيْ إلَى الِاسْتِبْدَادِ ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ الِاشْتِرَاكِ كَمَا إذَا قَالَ فُلَانَةُ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الثَّانِيَةِ غَيْرُ مَا وَقَعَ عَلَى الْأُولَى لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا فِي تَطْلِيقَةٍ لَا يَتَحَقَّقُ فَصَارَ الثَّانِي أَيْ اسْتِبْدَادُ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ بِخَبَرٍ آخَرَ ضَرُورِيًّا وَالْأَوَّلُ وَهُوَ اشْتِرَاكُ النَّاقِصَةِ فِي خَبَرِ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ اسْتِبْدَادٍ أَصْلِيًّا
قَوْلُهُ وَمِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فَإِنَّهُ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ بِخَبَرِهَا فَلَا يُوجِبُ الْعَطْفُ الْمُشَارَكَةَ فِيمَا تَمَّ بِهِ الْجُمْلَتَانِ الْأُولَيَانِ وَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِي
стр. 438
وَقَدْ يُسْتَعَارُ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَهَذَا مَعْنًى يُنَاسِبُ مَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَحْتَمِلُهُ قَالَ اللَّهُ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] أَيْ إذَا جَاءُوهَا وَأَبْوَابُهَا مَفْتُوحَةٌ
ــ
[كشف الأسرار]
تَضَمَّنَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] كَقَوْلِ الرَّجُلِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ طَالِقٌ لَا يَتَعَلَّقُ طَلَاقُ الثَّانِيَةِ بِالشَّرْطِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ اللَّاحِقُ بِهِ مُخْتَصًّا بِهِ غَيْرَ رَاجِعٍ إلَى مَا تَقَدَّمَهُ فَبَقِيَ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ كَمَا كَانَ قَبْلَهَا وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] فَإِنَّ قَوْلَهُ (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ) جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ تَحْتَ الشَّرْطِ إذْ لَوْ دَخَلَتْ كَانَ خَتْمُ الْقَلْبِ وَمَحْوُ الْبَاطِلِ مُعَلَّقَيْنِ بِالشَّرْطِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِهِ وَقَدْ عُدِمَ خَتْمُ الْقَلْبِ وَوُجِدَ مَحْوُ الْبَاطِلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الشَّرْطِ وَسُقُوطُ الْوَاوِ فِي الْخَطِّ وَاللَّفْظِ لَيْسَ لِلْجَزْمِ بَلْ سُقُوطُهُ فِي اللَّفْظِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَفِي الْخَطِّ إتْبَاعًا لِلَّفْظِ كَسُقُوطِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١] وَقَوْلِهِ ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] .
وَلِهَذَا وَقَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ وَإِنْ وَقَفَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ وَاوٍ إتْبَاعًا لِلْخَطِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ ابْتِدَاءٌ إعَادَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ إذْ لَوْ كَانَ بِنَاءً لَقِيلَ وَيَمْحُو الْبَاطِلَ وَاخْتُلِفَ فِي خَتْمِ الْقَلْبِ فَقِيلَ هُوَ الصَّبْرُ أَيْ إنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِك بِالصَّبْرِ حَتَّى لَا تَجِدَ مَشَقَّةَ اسْتِهْزَائِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَقِيلَ هُوَ الْإِنْسَاءُ أَيْ إنْ يَشَأْ اللَّهُ يُنْسِك مَا أَوْحَى إلَيْك فَلَا تُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ فَلَا يَسْتَهْزِئُونَ بِك وَلَا يَكْذِبُونَك وَقِيلَ هُوَ عَدَمُ الْفَهْمِ أَيْ إنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِك فَلَا يُفْهَمُ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ كَمَا فَعَلَ بِأُولَئِكَ الْكَفَرَةِ. تَذْكِرَةَ إحْسَانِهِ إلَيْهِ وَمَا أَكْرَمَهُ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ لِيَشْكُرَ رَبَّهُ وَيَرْحَمَ عَلَى أُولَئِكَ بِمَا خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَمَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَيَمْحُ أَيْ يُطَهِّرُ وَيُظْفِرُ أَهْلَ الْحَقِّ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ وَيَنْصُرُهُمْ حَتَّى يَصِيرَ أَهْلُ الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى الْبَاطِلِ وَقِيلَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِين وَيَمْحُو الْبَاطِلَ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ حَتَّى يَعْرِفَ كُلُّ أَحَدٍ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ بِالْحُجَجِ الَّتِي أَقَامَهَا إذَا تَأَمَّلَ فِيهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ. بِكَلِمَاتِهِ أَيْ بِحُجَجِهِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ.
وَمِثْلُهُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ وَمِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْجُمْلَةِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] لِمَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ عَلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] فَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْوَصْلِ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ قَوْلُهُ (وَقَدْ يُسْتَعَارُ الْوَاوُ لِلْحَالِ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ مَوْقِعَ الْحَالِ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا الْوَاوُ لِأَنَّ الْإِعْرَابَ لَا يَنْظِمُ الْكَلِمَاتِ كَقَوْلِك ضَرَبَ زَيْدٌ اللِّصَّ مَكْتُوفًا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَعَلُّقٌ يَنْتَظِمُ مَعَانِيَهَا فَإِذَا وَجَدْت الْإِعْرَابَ قَدْ تَنَاوَلَ شَيْئًا بِدُونِ الْوَاوِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَعَلُّقٍ هُنَاكَ مَعْنَوِيٍّ فَذَلِكَ يَكُونُ مُغْنِيًا عَنْ تَكَلُّفِ مُعَلَّقٍ آخَرَ إلَّا أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً بِفَائِدَةٍ غَيْرِ مُتَّحِدَةٍ بِالْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ كَمَا فِي الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ وَغَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ عَنْهَا لِجِهَةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا كَمَا تَرَى فِي نَحْوِ جَاءَ زَيْدٌ وَفَرَسُهُ يَعْدُو وَيُبْسَطُ الْعُذْرَ فِي أَنْ يَدْخُلَهَا وَاوٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى مِثْلُهُ فِي نَحْوِ قَامَ زَيْدٌ وَقَعَدَ عَمْرٌو فَهَذَا مَعْنَى اسْتِعَارَةِ الْوَاوِ لِلْحَالِ قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَحْتَمِلُهُ) يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ كَانَ الِاجْتِمَاعُ الَّذِي بَيْنَ الْحَالِ وَذِي الْحَالِ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ
стр. 439
وَاخْتَلَفَ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَقَالُوا فِي رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ حَتَّى لَا يَعْتِقَ إلَّا بِالْأَدَاءِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لِحَرْبِيٍّ انْزِلْ وَأَنْتَ آمِنٌ لَمْ يَأْمَنْ حَتَّى يَنْزِلَ فَيَكُونُ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَقَالُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ أَوْ وَأَنْتِ تُصَلِّينَ أَوْ مُصَلِّيَةٌ أَنَّهُ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ عَلَى احْتِمَالِ الْحِلِّ حَتَّى إذَا نَوَى بِهَا وَاوَ الْحَالِ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِالْمَرَضِ وَالصَّلَاةِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْمُقَيَّدَ فَيَجُوزُ اسْتِعَارَتُهَا لِمَعْنَى الْحَالِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] أَيْ وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا. قِيلَ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ لَا تُفْتَحُ إلَّا عِنْدَ دُخُولِ أَهْلِهَا فِيهَا وَأَمَّا أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَمُتَقَدِّمٌ فَتْحُهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] وَذَلِكَ لِأَنَّ تَقْدِيمَ فَتْحِ بَابِ الضِّيَافَةِ عَلَى وُصُولِ الضَّيْفِ إكْرَامًا لَهُ وَتَأْخِيرَ فَتْحِ بَابِ الْعَذَابِ إلَى وُصُولِ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ أَلْيَقُ بِالْكَرَمِ، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالْوَاوِ كَأَنَّهُ قِيلَ حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا قَبْلُ وَجَوَابُ إذَا مَحْذُوفٌ أَيْ إذَا جَاءُوهَا وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي ذُكِرَتْ إلَى قَوْلِهِ ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] دَخَلُوهَا وَنَالُوا الْمُنَى وَإِنَّمَا حُذِفَ لِأَنَّهُ فِي صِفَةِ ثَوَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَدَلَّ بِحَذْفِهِ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يُحِيطُ بِهِ الْوَصْفُ
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ) فَفِي بَعْضِهَا جَعَلُوا الْوَاوَ لِلْحَالِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَفِي بَعْضِهَا جَعَلُوهَا لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ لَا غَيْرُ وَفِي بَعْضِهَا جَعَلُوهَا لِلْعَطْفِ مُحْتَمِلًا لِلْحَالِ وَفِي بَعْضِهَا اخْتَلَفُوا فَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ.
وَكَذَا إذَا قَالَ لِحَرْبِيٍّ انْزِلْ وَأَنْتَ آمِنٌ لَا يَأْمَنُ مَا لَمْ يَنْزِلْ جَعَلُوا الْوَاوَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ الْعَطْفُ هَهُنَا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى فِعْلِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَالْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ اسْمِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ وَبَيْنَهُمَا كَمَالُ الِانْقِطَاعِ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ حُسْنِ الْعَطْفِ إذْ لَا بُدَّ لِحُسْنِهِ مِنْ نَوْعِ اتِّصَالٍ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى مَا عُرِفَ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهَا لِلْحَالِ وَلَمَّا صَارَتْ لِلْحَالِ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ لِكَوْنِهَا مُقَيِّدَةً كَالشَّرْطِ تَعَلَّقَتْ الْجِزْيَةُ بِالْأَدَاءِ وَالْأَمَانُ بِالنُّزُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ رَاكِبَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِالرُّكُوبِ تَعَلُّقَهُ بِالدُّخُولِ.
وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ نَزَلْت فَأَنْتَ آمِنٌ هَذَا تَقْرِيرُ عَامَّةِ الْكُتُبِ فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْت عَكْسُ مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الْكَلَامُ فَإِنَّ الْوَاوَ دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتَ آمِنٌ لَا فِي قَوْلِهِ أَدِّ وَانْزِلْ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجِزْيَةُ شَرْطًا لِلْأَدَاءِ وَالْأَمَانُ شَرْطًا لِلنُّزُولِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ إذَا نَوَى التَّعْلِيقَ كَانَ الْمَرَضُ شَرْطًا لِلطَّلَاقِ لِدُخُولِ الْوَاوِ فِيهِ لَا عَكْسُهُ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ الْجِزْيَةُ وَالْأَمَانُ سَابِقَيْنِ عَلَى الْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَكُونَانِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِالْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ وَإِذَا انْتَفَى التَّعَلُّقُ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاقِعًا فِي الْحَالِ قُلْنَا الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ كَقَوْلِهِ عَرَضْت النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ أَيْ الْحَوْضَ عَلَى النَّاقَةِ وَهُوَ شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] أَيْ جَاءَهَا بَأْسُنَا فَأَهْلَكْنَاهَا عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ وَقَالَ عَزَّ اسْمُهُ ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] حُمِلَ عَلَى ثُمَّ تَدَلَّى فَدَنَا وَقَالَ رُؤْبَةُ:
وَمُهِمَّةٌ مُغْبَرَّةٌ أَرْجَاؤُهُ ... كَأَنَّ لَوْنَ أَرْضِهِ سَمَاؤُهُ
أَرَادَ كَأَنَّ لَوْنَ سَمَائِهِ مِنْ غَبْرَتِهَا أَرْضُهُ.
وَقَالَ آخَرُ:
يَمْشِي فَيَقْعَسُ أَوْ يَكُبُّ فَيَعْثِرُ
أَرَادَ أَوْ يَعْثِرُ فَيَكُبُّ وَقَالَ الْقُطَامِيُّ كَمَا طَيَّنْتَ بِالْفَدَنِ السَّيَاعَا أَيْ طَيَّنْتَ بِالسَّيَاعِ الْفَدَنَ. وَهُوَ الْقَصْرُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ كُنْ حُرًّا وَأَنْتَ مُؤَدٍّ أَلْفًا وَكُنْ آمِنًا وَأَنْتَ نَازِلٌ أَيْ أَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتَ آمِنٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ بِمَا دَخَلَ فِيهِ الْوَاوُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ إنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّنْجِيزُ وَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُتَكَلِّمِ تَنْجِيزُ الْأَدَاءِ أَوْ النُّزُولِ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ مِنْ لَوَازِمِ الشَّرْطِ إذَا لَمْ يَنْزِلْ قَبْلَهُ وَلَوْ وُجِدَتْ الْجِزْيَةُ أَوْ الْأَمَانُ هَهُنَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْأَدَاءُ وَالنُّزُولُ وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْعَطْفِ
стр. 440
وَقَالُوا فِي الْمُضَارَبَةِ إذَا قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً وَاعْمَلْ بِهِ فِي الْبَزِّ إنَّ هَذَا الْوَاوَ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ لِلْحَالِ حَتَّى لَا تَصِيرَ شَرْطًا بَلْ تَصِيرُ مَشْهُورَةً وَيَبْقَى الْمُضَارَبَةُ عَامَّةً وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَحَمَلَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ حَتَّى إذَا طَلَّقَهَا وَجَبَ لَهُ الْأَلْفُ وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى وَاوِ عَطْفِ الْجُمْلَةِ حَتَّى إذَا طَلَّقَهَا لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ وَلِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَاوَ قَدْ يُسْتَعَارُ لِلْبَاءِ كَمَا اُسْتُعِيرَ لَهُ فِي بَابِ الْقَسَمِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَحُمِلَ عَلَى هَذَا الْمَجَازِ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُعَاوَضَةِ لِأَنَّ حَالَ الْخُلْعِ حَالُ الْمُعَاوَضَةِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ احْمِلْ هَذَا الطَّعَامَ إلَى مَنْزِلِي وَلَك دِرْهَمٌ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْبَاءِ أَيْ بِدِرْهَمٍ وَالثَّانِي أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُعَاوَضَةِ أَيْضًا لِيَصِيرَ شَرْطًا وَبَدَلًا
ــ
[كشف الأسرار]
أَيْضًا جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ شُعْبَةٌ مِنْ إخْرَاجِ الْكَلَامِ لَا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَأَنَّهُ يُورِثُ الْكَلَامَ مَلَاحَةً وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ وَأَنْتَ حُرٌّ وَقَوْلَهُ وَأَنْتَ آمِنٌ مِنْ الْأَحْوَالِ الْمُقَدَّرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] أَيْ مُقَدِّرِينَ الْخُلُودَ فِي حَالَةِ الدُّخُولِ لَا مِنْ الْأَحْوَالِ الْوَاقِعَةِ فَإِنَّ غَرَضَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ عَدَمُ وُقُوعِ الْجِزْيَةِ وَالْأَمَانِ فِي الْحَالِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَدِّ إِلَيَّ أَلْفًا مُقَدِّرًا لِلْجِزْيَةِ فِي حَالَةِ الْأَدَاءِ وَانْزِلْ مُقَدِّرًا لِلْأَمَانِ فِي حَالَةِ النُّزُولِ وَلَمَّا أَثْبَتَ الْمُتَكَلِّمُ الْجِزْيَةَ وَالْأَمَانَ فِي حَالَتَيْ الْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ كَانَا مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِمَا وَمَعْدُومَيْنِ فِي الْحَالِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْوَاقِعَةَ حَالًا قَائِمَةٌ مَقَامَ جَوَابِ الْأَمْرِ بِدَلَالَةِ مَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهُ وَيَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا تَصِرْ حُرًّا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ الْجِزْيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْأَدَاءِ وَالْأَمَانُ مُتَعَلِّقًا بِالنُّزُولِ تَعَلُّقَ الْإِكْرَامِ بِالْإِتْيَانِ فِي قَوْلِهِ ائْتِنِي أُكْرِمْك وَالرَّابِعُ أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتَ حُرٌّ يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ لِلْحَالِ لَوْلَا قَوْلُهُ أَدِّ إلَيَّ كَذَا فَبِانْضِمَامِ هَذَا الْكَلَامِ إلَيْهِ تَأَخَّرَ الْعِتْقُ كَمَا يَتَأَخَّرُ بِانْضِمَامِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إلَيْهِ فَكَانَ قَوْلُهُ أَدِّ إِلَيَّ كَذَا بِمَنْزِلَةِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فِي تَأْخِيرِ الْجِزْيَةِ عَنْ وَقْتِ التَّكَلُّمِ فَكَانَ كَالشَّرْطِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَذَكَرَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْجِزْيَةَ حَالًا لِلْأَدَاءِ أَيْ وَصْفًا لَهُ لَا يَثْبُتُ سَابِقًا عَلَيْهِ إذْ الْحَالُ لَا تَسْبِقُ ذَا الْحَالَ وَالصِّفَةُ لَا تَسْبِقُ الْمَوْصُوفَ قَوْلُهُ (إنَّهُ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ) أَيْ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ إذْ الْجُمْلَتَانِ خَبَرِيَّتَانِ هَهُنَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِأَنَّ حُرُوفَ التَّهَجِّي تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ. عَلَى احْتِمَالِ الْحَالِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ إلَى حَالِ الْمَرَضِ وَالْمَرَضُ يَصْلُحُ شَرْطًا لَهُ فَإِذَا نَوَى الْحَالَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ دِيَانَةً وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَالِ مَرَضِك أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَالِ اشْتِغَالِك بِالصَّلَاةِ وَلَكِنْ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ نَوَى خِلَافَ الظَّاهِرِ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ بِهِ مُضَارَبَةً) فِي الْبَزِّ أَيْ خُذْهُ مُضَارَبَةً وَاعْمَلْ بِهِ فِي الْبَزِّ كَذَا لَفْظُ الْمَبْسُوطِ.
وَهَذِهِ الْوَاوُ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ هَهُنَا لِكَوْنِ الْجُمْلَتَيْنِ طَلَبِيَّتَيْنِ لَا لِلْحَالِ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْحَالِ هَهُنَا لِأَنَّ حَالَ الْعَمَلِ لَا يَكُونُ وَقْتَ الْأَخْذِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعَمَلُ بَعْدَ الْأَخْذِ مَعَ أَنَّ اسْتِعَارَتَهَا لِلْحَالِ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ، وَالْكَلَامُ صَحِيحٌ هَهُنَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِ حَرْفِ الْوَاوِ عَلَى الْمَجَازِ فَيَكُونُ مَشُورَةً أَشَارَ بِهَا عَلَيْهِ لَا شَرْطًا فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْبَزُّ مَتَاعُ الْبَيْتِ مِنْ الثِّيَابِ خَاصَّةً عَنْ أَبِي دُرَيْدٍ وَعَنْ اللَّيْثِ ضَرْبٌ مِنْ الثِّيَابِ وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ هُوَ مِنْ الثِّيَابِ أَمْتِعَةُ الْبَزَّازِ وَالْبِزَازَةُ حِرْفَةٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْبَزُّ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثِيَابُ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ لَا ثِيَابُ الصُّوفِ وَالْخَزِّ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ قَوْلُهُ (أَحَدُهُمَا كَذَا) الْوَاوُ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْبَاءِ مَجَازًا كَمَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْقَسَمِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا صُورَةً وَمَعْنًى أَمَّا صُورَةً فَلِأَنَّ كِلَيْهِمَا شَفَوِيٌّ وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّ الْجَمْعَ مَوْجُودٌ فِي الْإِلْصَاقِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْبَاءِ ثُمَّ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْبَاءُ الَّتِي تُؤَدِّي مَعْنَى الْإِلْصَاقِ دُونَ الْوَاوِ لِأَنَّهُ لَا يُعْطَفُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَالْخُلْعُ مُعَاوَضَةٌ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ وَلِهَذَا صَحَّ رُجُوعُ الْمَرْأَةِ قَبْلَ إيقَاعِ الزَّوْجِ فَبِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْبَاءِ كَمَا فِي.
قَوْلِهِ احْمِلْ هَذَا الطَّعَامَ وَلَك دِرْهَمٌ حُمِلَتْ عَلَى الْبَاءِ حَتَّى كَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ احْمِلْهُ بِدِرْهَمٍ سَوَاءً وَوَجَبَ الْمَالُ إذَا حَمَلَهُ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ إجَارَةً لَا اسْتِعَانَةً أَوْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحَالِ بِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ أَيْضًا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي الْعِوَضَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْوَاوُ لِلْحَالِ لِيَصِيرَ وُجُوبُ الْأَلْفِ عَلَيْهَا
стр. 441
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ وَانْزِلْ وَأَنْتَ آمِنٌ بِخِلَافِ خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ بِهِ فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْبَاءِ هُنَا وَإِنَّمَا حُمِلَ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ عَلَى الْحَالِ لِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَلَمْ يُوجَدْ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْوَاوُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْعَطْفِ فَلَا تُتْرَكُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا تَصْلُحُ الْمُعَاوَضَةُ دَلَالَةً لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ أَمْرٌ زَائِدٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا دَخَلَهُ الْعِوَضُ كَانَ يَمِينًا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ تَرْكُ الْأَصْلِ بِدَلَالَةٍ هِيَ مِنْ بَابِ الزَّوَائِدِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ مُعَاوَضَةً أَصْلِيَّةً كَسَائِرِ الْبُيُوعِ وَقَوْلُهَا وَلَك أَلْفٌ لَيْسَتْ بِصِيغَةِ الْحَالِ أَيْضًا لِأَنَّ الْحَالَ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَدِّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ وَصِيغَتُهُ لِلْحَالِ
ــ
[كشف الأسرار]
شَرْطًا لِلطَّلَاقِ وَبَدَلًا عَنْهُ لِأَنَّ نَفْسَهَا تَسْلَمُ لَهَا بِهَذَا الْمَالِ فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ طَلِّقْنِي فِي حَالِ مَا يَكُونُ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَحْوَالَ شُرُوطٌ فَكَانَ مَعْنَاهُ طَلِّقْنِي بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ فَلَمَّا قَالَ الزَّوْجُ طَلَّقْت أَوْ فَعَلْت كَانَ تَقْدِيرُهُ طَلَّقْت بِذَلِكَ الشَّرْطِ أَيْ طَلَّقْت إنْ قَبِلْت الْأَلْفَ وَنَظِيرُهُ أَيْ نَظِيرُ قَوْلِهِ طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفٌ وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُ وَلَك أَلْفٌ لَا مَعْنَى لِلْبَاءِ هُنَا أَيْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْوَاوُ بِمَعْنَى الْبَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُضَارَبَةِ إذْ لَوْ جُعِلَتْ بِمَعْنَاهَا صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً بِالْعَمَلِ بِالْبَزِّ فَيَصِيرُ الْعَمَلُ بِالْبَزِّ عِوَضًا عَنْ الْأَخْذِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ حِينَئِذٍ وَالْعَمَلُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُضَارِبِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ لِلْحَالِ أَيْضًا لِأَنَّهَا إنَّمَا حُمِلَتْ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ وَهِيَ قَوْلُهُ طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفٌ عَلَى الْحَالِ بِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُضَارَبَةُ لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَمِينٌ وَبَعْدَ الْأَخْذِ فِي الْعَمَلِ وَكِيلٌ وَعِنْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ شَرِيكٌ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْحَالِ فَبَقِيَتْ لِلْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ فَكَانَ قَوْلُهُ وَاعْمَلْ بِهِ مَشُورَةً.
وَكَذَا الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ أَوْ مُصَلِّيَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ حَقِيقَةً وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاجِبٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ يُعَارِضُهَا وَالْمُعَاوَضَةُ لَا يَصْلُح دَلِيلًا مُعَارِضًا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْعِوَضَ أَوْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ فِي الطَّلَاقِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعِوَضَ إذَا دَخَلَهُ صَارَ يَمِينًا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ أَوْ أَدِّي إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ قَبْلَ قَبُولِهَا وَيَحْنَثُ بِهِ فِي قَوْلِهِ إنْ حَلَفَ بِطَلَاقِك فَكَذَا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُعَلِّقًا لِلطَّلَاقِ بِقَبُولِهَا الْمَالَ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يَمِينٌ لِمَا عُرِفَ وَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ لَا تَقْبَلُ الرُّجُوعَ لِقَوْلِهِ ﵇ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ» الْحَدِيثَ وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِيهِ أَصْلِيًّا صَارَ يَمِينًا وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ كَمَا فِي النِّكَاحِ وَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ.
وَكَذَلِكَ يُوجَدُ الطَّلَاقُ بِدُونِ الْعِوَضِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ وَإِيجَابُ الْمَالِ فِيهِ نَادِرٌ فَثَبَتَ أَنَّ الْعِوَضَ فِيهِ أَمْرٌ زَايِدٌ فَلَا يَصْلُحُ مُغَيِّرًا لِحَقِيقَةِ الْعَطْفِ وَالطَّلَاقِ لِأَنَّ الْعَارِضَ لَا يُعَارِضُ الْأَصْلِيَّ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا أَمْرٌ أَصْلِيٌّ فَجَازَ أَنْ يُعَارِضَ أَمْرًا أَصْلِيًّا آخَرَ قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْحَالَ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ) نَحْوُ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ يَتَكَلَّمُ أَوْ مُتَكَلِّمًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَالِ الْمُطْلَقَةِ أَنْ تَكُونَ صِفَةً غَيْرَ ثَابِتَةٍ وَالْفِعْلُ وَاسْمُ الْفَاعِلِ أَدَلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِهِ لِدَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالزَّوَالِ وَدَلَالَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى اتِّصَافِ الشَّخْصِ بِالْفِعْلِ كَيْفَ وَقَدْ أُخِذَ حُكْمُ الْفِعْلِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَك أَلْفٌ. جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ أَوْ ظَرْفِيَّةٌ وَلَيْسَ بِفِعْلٍ وَلَا بِاسْمِ فَاعِلٍ فَلَا يَكُونُ صِفَةَ الْحَالِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّ الْحُرَّ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحِرَارِ يُقَالُ حَرَّ الْعَبْدُ يَحَرُّ حَرَارًا مِنْ بَابِ عَلِمَ فَيَصْلُحُ صِفَةَ الْحَالِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْحَالِ فِي قَوْلِهِ وَلَك أَلْفٌ مَعْدُومَةٌ مَعَ أَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَصْلُحُ لِلْحَالِ فَلَا يَكُونُ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَفِي قَوْلِهِ وَأَنْتَ حُرٌّ قَدْ وُجِدَ الْمَعْنَيَانِ فَجُعِلَتْ لِلْحَالِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ كُتُبِ النَّحْوِ أَنَّ الْجُمَلَ الْأَرْبَعَ وَهِيَ الِاسْمِيَّةُ وَالْفِعْلِيَّةُ وَالشَّرْطِيَّةُ وَالظَّرْفِيَّةُ قَدْ تَقَعُ حَالًا ثُمَّ الْجُمْلَةُ إنْ كَانَتْ اسْمِيَّةً أَوْ شَرْطِيَّةً فَالْوَاوُ لَازِمَةٌ نَحْوُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَأَبُوهُ مُنْطَلِقٌ وَلَقِيته وَإِنْ تُكْرِمْهُ يُكْرِمْك وَإِنْ كَانَتْ فِعْلِيَّةً وَالْفِعْلُ مُضَارِعٌ مُثْبَتٌ فَالتَّرْكُ لَازِمٌ نَحْوُ
стр. 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
جَاءَنِي زَيْدٌ يُسْرِعُ أَوْ يَتَكَلَّمُ أَوْ يَعْدُو فَرَسُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مَاضِيًا أَوْ مُضَارِعًا مَنْفِيًّا جَازَ الْأَمْرَانِ وَإِنْ كَانَتْ ظَرْفِيَّةً وَلَيْسَ بَعْدَ الظَّرْفِ مُظْهَرٌ فَالتَّرْكُ لَازِمٌ نَحْوُ لَقِيته أَمَامَك وَأَكْرَمْته فِي الدَّارِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ مُظْهَرٌ فَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ نَحْوُ لَقِيته عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ وَلَقِيته وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ وَلَك أَلْفٌ. مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَالًا وَكَيْفَ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ هَهُنَا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى طَلَبِيَّةٌ مَعَ كَوْنِهَا فِعْلِيَّةً وَالثَّانِيَةُ خَبَرِيَّةٌ مَعَ كَوْنِهَا اسْمِيَّةً وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ التَّنَاسُبَ شَرْطٌ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَلَمَّا لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ تُجْعَلُ لِلْحَالِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ وَاحْتِرَازًا عَنْ الْإِلْغَاءِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ وَأَنْتَ حُرٌّ صِيغَتُهُ لِلْحَالِ مُشْكِلٌ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ حُرٌّ بِنَفْسِهِ لَمْ يَقَعْ حَالًا وَإِنَّمَا وَقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ وَلَوْ جُعِلَ حَالًا كَانَ مَنْصُوبًا مَرْفُوعًا مَعًا وَهُوَ بَاطِلٌ بَلْ الْجُمْلَةُ بِمَجْمُوعِهَا وَقَعَتْ فِي حَيِّزِ الْحَالِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِفِعْلٍ وَلَا بِاسْمِ فَاعِلٍ وَإِذَا جَازَ وُقُوعُهَا حَالًا مَعَ أَنَّهَا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ وُقُوعُ قَوْلِهِ وَلَك حَالًا أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا فِعْلِيَّةً كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّيْخِ مِنْ قَوْلِهِ الْحَالُ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ أَنَّهَا كَذَلِكَ نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ أَيْ الْأَصْلُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ فِعْلًا أَوْ اسْمَ فَاعِلٍ وَوُقُوعُ غَيْرِهِمَا حَالًا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ لَيْسَ بِصِيغَةٍ لِلْحَالِ أَيْ صِيغَةُ الْحَالِ فِي الْأَصْلِ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ وَإِنْ وَقَعَ غَيْرُهُمَا حَالًا أَيْضًا وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَا يَجِيءُ مِنْ الْحَالِ الَّتِي لَيْسَتْ هِيَ بِفِعْلٍ وَلَا بِاسْمِ فَاعِلٍ مِنْ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَالظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: فُوهُ إلَى فِي وَلَقِيته وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ مُقَدَّرٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ مُشَافِهًا وَمُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْكِتَابِ الْحَالُ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ صَحِيحٌ وَلَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَهِيَ قَوْلُهَا وَلَك أَلْفٌ. حَالًا بِمِثْلِ هَذِهِ التَّأْوِيلِ أَيْضًا أَيْ طَلِّقْنِي مُسْتَقِرًّا لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ وَاجِبًا عَلَيَّ ذَلِكَ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ لَا يَصْلُحُ لِلْحَالِ لِأَنَّ الْحَالَ إذَا كَانَتْ مُفْرَدَةً لَا يَقْتَضِي الْوَاوَ أَلْبَتَّةَ.
وَكَذَا إذَا كَانَتْ فِعْلًا مُضَارِعًا مُثْبَتًا لِأَنَّ فَحَوَاهُ فَحَوَى الْمُفْرَدِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ مُسْرِعًا وَجَاءَنِي زَيْدٌ يُسْرِعُ فِي إفَادَةِ مَعْنَى الْإِسْرَاعِ ثُمَّ الظَّرْفُ لِافْتِقَارِهِ إلَى الْعَامِلِ إمَّا مُقَدَّرٌ بِالْفِعْلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ أَوْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ آخَرِينَ فَإِذَا وَقَعَتْ الْجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ فِي حَيِّزِ الْحَالِ كَانَتْ مُقَدَّرَةً بِالْفِعْلِ أَوْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فَكَانَ تَقْدِيرُ قَوْلُهُ لَقِيته عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ لَقِيته تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ أَوْ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَسْتَقِيمُ الْوَاوُ لِأَنَّ الْوَاقِعَ حَالًا فِي التَّحْقِيقِ هُوَ الْفِعْلُ الْمُقَدَّرُ أَوْ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقَدَّرُ وَكِلَاهُمَا لَا يَقْتَضِي الْوَاوَ فَكَانَ هَذَا التَّرْتِيبُ مَعَ الْوَاوِ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْحَالِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْمُضْمَرِ فَقِيلَ لَقِيته يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَشَيْءٌ أَوْ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ بِمَجْمُوعِهَا فِي حَيِّزِ الْحَالِ وَلَا يَصْلُحُ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لَهَا إلَّا مَعَ الْوَاوِ فَكَانَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ صَالِحَةً لِلْحَالِ.
وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ الْحَالُ فِعْلٌ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ لِلْعَهْدِ أَيْ الْحَالُ الْمُسْتَتِرَةُ فِي هَذَا الظَّرْفِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ لَك فِعْلٌ أَيْ يَسْتَقِرُّ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ مُسْتَقِرٌّ قُلْت هَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِرِوَايَاتِ كُتُبِ النَّحْوِ أَجْمَعَ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا أَنَّ الْجُمْلَةَ
стр. 443
وَصَدْرُ الْكَلَامِ غَيْرُ مُفِيدٍ إلَّا شَرْطًا لِلتَّحْرِيرِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مُفِيدٌ بِنَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُ أَنْتِ مَرِيضَةٌ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الْحَالِ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَدِّ أَلْفًا لَا يَصْلُحُ ضَرِيبَةً فَصَلَحَ دَلَالَةً عَلَى الْحَالِ وَقَوْلُهُ وَاعْمَلْ بِهِ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ لَا يَصْلُحُ حَالًا لِلْأَخْذِ فَبَقِيَ قَوْلُهُ خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ انْزِلْ وَأَنْتَ آمِنٌ فِيهِ دَلَالَةُ الْحَالِ لِأَنَّ الْأَمَانَ إنَّمَا يُرَادُ إعْلَاءُ الدِّينِ وَلِيُعَايِنَ الْحَرْبِيُّ مَعَالِمَ الدِّينِ وَمَحَاسِنَهُ فَكَانَ الظَّاهِرُ فِيهِ الْحَالَ لِيَصِيرَ مُعَلَّقًا بِالنُّزُولِ إلَيْنَا وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْحَالَ
وَأَمَّا الْفَاءُ فَإِنَّهُ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ حَتَّى أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِالْفَاءِ يَتَرَاخَى عَنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِزَمَانٍ وَإِنْ لَطَفَ. هَذَا مُوجَبُهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْوَاقِعَةَ حَالًا إذَا كَانَتْ ظَرْفِيَّةً وَبَعْدَ الظَّرْفِ اسْمٌ مُظْهَرٌ جَازَ فِيهَا إثْبَاتُ الْوَاوِ وَتَرْكُهَا أَمَّا تَرْكُهَا فَلِمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ، وَأَمَّا إثْبَاتُهَا فَلِأَنَّهَا أَخَذَتْ شَبَهًا بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الظَّرْفَ خَبَرٌ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْمُظْهَرِ مُخْبَرٌ عَنْهُ فَجَازَ فِيهِ الْأَمْرَانِ قَوْلُهُ (وَصَدْرُ الْكَلَامِ) يَعْنِي قَوْلُهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا غَيْرُ مُفِيدٍ شَيْئًا إلَّا شَرْطًا لِلْجِزْيَةِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِيجَابِ ابْتِدَاءً إذْ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا وَلَا يَصْلُحُ لِلضَّرِيبَةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَاصْطِلَاحٍ وَلِأَنَّهَا لَا يَزِيدُ فِي شَهْرٍ عَلَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ ثَلَاثِينَ أَوْ نَحْوِهَا وَالضَّرِيبَةُ وَظِيفَةٌ يَأْخُذُهَا الْمَالِكُ فَحُمِلَ عَلَيْهِ أَيْ حُمِلَ صَدْرُ الْكَلَامِ عَلَى كَوْنِهِ شَرْطًا لِلتَّحْرِيرِ بِأَنْ جُعِلَتْ الْوَاوُ لِلْحَالِ لِيَصِيرَ تَعْلِيقًا لِلْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْمَالِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ إنْ صَدَرَ مِنْ الزَّوْجِ بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ إيقَاعًا مُفِيدًا مِنْهُ بِدُونِ آخِرِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الْحَالِ وَإِنْ صَدَرَ مِنْهَا فَهُوَ الْتِمَاسٌ صَحِيحٌ مِنْهَا فَلِهَذَا لَا يُحْمَلُ عَلَى الْحَالِ بَلْ يَكُونُ مَعْنَاهُ وَلَك أَلْفٌ فِي تَيْنِك أَوْ يَكُونُ وَعْدًا مِنْهَا إيَّاهُ بِالْمَالِ وَالْمَوَاعِيدُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ.
وَلِأَنَّ أَدْنَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ حَرْفُ الْوَاوِ مُحْتَمِلًا لِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا وَالْمَالُ بِالشَّكِّ لَا يَجِبُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فَصَلَحَ أَيْ قَوْلُهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا دَلَالَةً عَلَى الْحَالِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ قَوْلُهُ (لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الْحَالِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّصَرُّفَاتِ التَّنْجِيزُ وَالتَّعْلِيقُ يَثْبُتُ فِيهَا بِعَارِضِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُ حَلِيلَتَهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ لِأَنَّهُ حَالُ شَفَقَةٍ وَمَرْحَمَةٍ وَلَمَّا لَمْ تُوجَدْ دَلَالَةٌ عَلَى الْحَالِ حُمِلْت الْوَاوُ عَلَى الْعَطْفِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَتُهَا وَقَدْ صَحَّ الْحَمْلُ عَلَيْهِ لِاتِّفَاقِ الْجُمْلَتَيْنِ وَلَكِنَّهَا يَحْتَمِلُ الْحَالَ لِأَنَّ الْمَرِيضَ قَدْ يَصْلُحُ شَرْطًا لِلطَّلَاقِ وَالطَّلَاقُ قَدْ يَتَأَخَّرُ إلَى الْمَرَضِ وَيَتَحَقَّقُ فِيهِ فَإِذَا نَوَى التَّعْلِيقَ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لِأَنَّهُ مُحْتَمِلُ كَلَامِهِ. لَا يَصْلُحُ حَالًا لِلْأَخْذِ لِأَنَّ الْعَمَلَ يُوجَدُ بَعْدَ الْأَخْذِ فَلَا يَصْلُحُ حَالًا لِلْأَخْذِ الْمَوْجُودِ قَبْلَهُ وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْحَالَ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ آمِنٌ نَعْتُ فَاعِلٍ أَوْ لِأَنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعَ الْوَاوِ وَأَيْضًا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ آضَ يَئِيضُ إذَا رَجَعَ وَيَنُوبُ عَنْ الْحَالِ تَقُولُ فَعَلْت ذَاكَ أَيْضًا أَيْ أَيْضًا عَائِدًا إلَيْهِ وَيُقَالُ قَدْ أَكْثَرْت مِنْ أَيْضٍ أَيْ أَكْثَرْت التَّكَلُّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ كَذَا ذَكَرَ الْمَيْدَانِيُّ.
[معانى الْفَاءُ]
قَوْلُهُ (الْفَاءُ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ) يَعْنِي مُوجَبُهُ وُجُودُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ حَتَّى لَوْ قُلْت ضَرَبْت زَيْدًا فَعَمْرًا كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ ضَرْبَ عَمْرٍو وَقَعَ عَقِيبَ ضَرْبِ زَيْدٍ وَلَمْ يَتَطَاوَلْ الْمُدَّةُ بَيْنَهُمَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَرَاخَى عَنْ الْمَعْطُوفِ بِزَمَانٍ وَإِنْ لَطَفَ هُوَ أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعْقِيبِ تَرَاخِيَ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ بِزَمَانٍ وَإِنْ قَلَّ ذَلِكَ الزَّمَانُ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُقَارِنًا وَالْقِرَانُ لَيْسَ بِمُوجَبٍ لَهُ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ أَصْلُ الْفَاءِ الِاتِّبَاعُ وَالْعَطْفُ فَرْعٌ عَلَى ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ الِاتِّبَاعِ بِوَجْهٍ لِأَنَّك إذَا قُلْت ضَرَبْت زَيْدًا فَعَمْرًا فَقَدْ أَتْبَعْت عَمْرًا زَيْدًا مَعَ عَطْفِك عَلَى مَا قَبْلَهُ لَفْظًا وَقَدْ يَكُونُ لِلِاتِّبَاعِ مُتَجَرِّدًا عَنْ الْعَطْفِ كَمَا فِي جَوَابِ الشَّرْطِ بِالْفَاءِ نَحْوُ إنْ تَأْتِنِي فَأَنَا أُكْرِمُك فَعَرَفْت أَنَّ أَعْرَفَ الْمَعْنَيَيْنِ هُوَ الِاتِّبَاعُ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُوجَزِ أَنَّ الْفَاءَ فِي التَّرْتِيبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ
стр. 444
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الْفَاءَ فِي الْجَزَاءِ لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ لَا مَحَالَةَ وَتَسْتَعْمِلُ فِي أَحْكَامِ الْعِلَلِ كَمَا يُقَالُ جَاءَ الشِّتَاءُ فَتَأَهَّبْ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَيُقَالُ أَخَذْت كُلَّ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ فَصَاعِدًا أَيْ كَانَ كَذَلِكَ فَازْدَادَ الثَّمَنُ صَاعِدًا مُرْتَفِعًا وَلَمَّا قُلْنَا إنَّ وُجُوهَ الْعَطْفِ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى صِلَاتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْفَاءُ مُخْتَصًّا بِمَعْنًى هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ حَقِيقَةً وَذَلِكَ هُوَ التَّعْقِيبُ
ــ
[كشف الأسرار]
الثَّانِي مِنْ مُوجَبِ الْأَوَّلِ فَيَكُونَ بَعْدَهُ بِلَا فَصْلٍ كَقَوْلِهِ ضَرَبْته فَبَكَى لِأَنَّهُ مِنْ مُوجَبِ الضَّرْبِ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ مُوجَبِ الْأَوَّلِ فَيَكُونَ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُهْلَةٌ يَسِيرَةٌ كَقَوْلِك جَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مَجِيءِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو مُهْلَةٌ يَسِيرَةٌ.
وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ مُوجَبِ الْأَوَّلِ وَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ كَقَوْلِك دَخَلْت الْبَصْرَةَ فَالْكُوفَةُ فَإِنَّ الثَّانِيَ بَعْدَهُ وَبَيْنَهُمَا قَدْرُ الْمَسَافَةِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الثَّانِي عَقِيبَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى) تَوْضِيحٌ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ الْوَصْلِ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي الْآخَرِ بِهِ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْجَزَاءِ أَنْ يَتَعَقَّبَ نُزُولُهُ وُجُودَ الشَّرْطِ بِلَا فَصْلٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعِلَّةِ أَيْ بِلَا فَصْلٍ رُتْبَةً أَوْ زَمَانًا عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفُوا قَوْلُهُ (أَخَذْت كُلَّ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ فَصَاعِدًا) مَعْنَى هَذَا أَنَّك اشْتَرَيْت عَدْلَ ثِيَابٍ وَوَقَعَ سِعْرُ أَوَّلِ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ غَلَا السِّعْرُ فَزَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَتَقُولُ أَخَذْت كُلَّ ثَوْبٍ بِعَشَرَةٍ فَصَاعِدًا فَقَوْلُهُ فَصَاعِدًا انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ وَالتَّقْدِيرُ كَانَ الْأَخْذُ بِعَشَرَةٍ فَازْدَادَ الثَّمَنُ عَقِيبَ الْأَخْذِ صَاعِدًا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ أَوْ ذَهَبَ الثَّمَنُ صَاعِدًا وَلَيْسَ انْتِصَابُ صَاعِدًا عَلَى الْعَطْفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَّا ذِكْرُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالْعَشَرَةِ وَلَا يَسْتَقِيمُ عَطْفُهُ عَلَى الْفَاعِلِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَكَذَا عَلَى الْمَفْعُولِ مَعْنًى إذْ لَيْسَ الْغَرَضُ أَنَّك أَخَذْت الْمُثَمَّنَ وَالصَّاعِدَ لِأَنَّ الصَّاعِدَ هُوَ الثَّمَنُ وَكَذَا عَلَى الْعَشَرَةِ لَفْظًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَا مَعْنًى لِأَنَّك لَمْ تُرِدْ أَنَّك أَخَذْت الْمُثْمَنَ بِعَشَرَةٍ فَتَصَاعُدًا وَإِنَّمَا أَرَدْت أَنَّك أَخَذْت بَعْضَهُ بِعَشَرَةٍ وَبَعْضَهُ بِأَكْثَرَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَازْدَادَ الثَّمَنُ صَاعِدًا أَيْ ذَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فِي الْبَعْضِ.
قَوْلُهُ (وُجُوهُ الْعَطْفِ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى صِلَاتِهِ) أَرَادَ بِالصَّلَاةِ الْحُرُوفَ يَعْنِي قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَنْوَاعَ الْعَطْفِ انْقَسَمَتْ عَلَى حُرُوفِ الْعَطْفِ وَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مُخْتَصٌّ بِمَعْنًى فِي أَصْلِ الْوَضْعِ فَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ التَّرَاخِي فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْفَاءُ لِمَعْنًى اُخْتُصَّ بِهِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَذَلِكَ هُوَ التَّعْقِيبُ بِصِفَةِ الْوَصْلِ إذْ لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَفْظٌ آخَرُ وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْت هَذَا الْعَبْدَ مِنْك بِكَذَا وَقَالَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ حُرٌّ إنَّهُ يَعْتِقُ وَيُجْعَلُ الرَّجُلُ قَابِلًا لِلْبَيْعِ ثُمَّ مُعْتِقًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحُرِّيَّةَ بِحَرْفِ الْفَاءِ عَقِيبَ الْإِيجَابِ وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ وَلَا يَتَرَتَّبُ الْعِتْقُ عَلَى الْإِيجَابِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَبُولِ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ قَبِلْت فَهُوَ حُرٌّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُوَ حُرٌّ أَوْ وَهُوَ حُرٌّ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ التَّعْقِيبَ فَبَقِيَ مُحْتَمِلًا لِرَدِّ الْإِيجَابِ بِأَنْ جَعَلَهُ إخْبَارًا عَنْ الْحُرِّيَّةِ الْبَاقِيَةِ قَبْلَ الْإِيجَابِ وَلِقَبُولِ الْبَيْعِ بِأَنْ جُعِلَ إنْشَاءً لِلْحُرِّيَّةِ فِي الْحَالِ فَلَا يَثْبُتُ الْقَبُولُ بِالشَّكِّ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا هُوَ لَا يَكْفِيهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ فَبِذِكْرِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ شَارِطٌ لِلْكِفَايَةِ فِي الْإِذْنِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَطْعٍ مُرَتَّبٍ عَلَى الْكِفَايَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ كَفَانِي قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَإِذَا لَمْ يَكْفِهِ قَمِيصًا كَانَ الْقَطْعُ حَاصِلًا بِغَيْرِ إذْنٍ فَكَانَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ اقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَإِذَا هُوَ لَا يَكْفِيهِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ قَوْلَهُ اقْطَعْهُ إذْنٌ مُطْلَقٌ فَلَا يَكُونُ الْقَطْعُ بَعْدَهُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ لِأَنَّ الْغُرُورَ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ
стр. 445
وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا فَقَالَ الْآخَرُ فَهُوَ حُرٌّ إنَّهُ قَبُولٌ لِلْبَيْعِ وَلَوْ قَالَ هُوَ حُرٌّ أَوْ وَهُوَ حُرٌّ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ وَقَالَ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ قَالَ لِخَيَّاطٍ اُنْظُرْ إلَى هَذَا الثَّوْبِ أَيَكْفِينِي قَمِيصًا فَنَظَرَ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَإِذَا هُوَ لَا يَكْفِيهِ إنَّهُ يَضْمَنُ كَمَا لَوْ قَالَ فَإِنْ كَفَانِي قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ فَإِذَا هُوَ لَا يَكْفِيهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ وَلِذَلِكَ قَالُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَدَخَلَتْ الدَّارَ وَهِيَ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى التَّرْتِيبِ فَتَبِينُ بِالْأُولَى وَلِذَلِكَ اخْتَصَّ الْفَاءُ بِعَطْفِ الْحُكْمِ عَلَى الْعِلَلِ كَمَا يُقَالُ أَطْعَمْته فَأَشْبَعْته أَيْ بِهَذَا الْإِطْعَامِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ «لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ مُعْتَقًا حُكْمٌ لِلشِّرَى بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ، فَهَذِهِ الدَّارَ، فَعَبْدِي حُرٌّ إنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَدْخُلَ الْأَخِيرَةَ بَعْدَ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ.
ــ
[كشف الأسرار]
إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ضِمْنِ عَقْدِ ضَمَانٍ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْغَارِّ كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ الطَّرِيقُ آمِنٌ فَسَلَكَ فِيهِ فَأَخَذَ اللُّصُوصُ مَتَاعَهُ لَا يَضْمَنُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (فَتَبِينُ بِالْأَوَّلِ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ ثِنْتَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِمُوجَبِ الْفَاءِ هَهُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّ الْأَجْزِيَةَ لَا يَتَرَتَّبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَيُجْعَلُ الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ مَجَازًا وَحُكْمُهُ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا عَرَفْت وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ فَيَثْبُتُ بِهِ تَرْتِيبٌ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي الْوُقُوعِ كَمَا لَوْ قَالَ بِكَلِمَةِ بَعْدَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِإِيقَاعِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى وَمَعَ إمْكَانِ اعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ لَا مَعْنَى لِلْمَصِيرِ إلَى الْمَجَازِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀.
قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِمَعْنَى التَّعْقِيبِ اخْتَصَّ الْفَاءَ بِكَذَا إنَّمَا أَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ذِكْرَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ وَبِظَاهِرِهِ تَمَسَّكَ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُد الْأَصْبَهَانِيُّ فَقَالُوا إنَّ الرَّجُلَ إذَا مَلَكَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتِقَهُ وَلَكِنْ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَبْلَ إعْتَاقِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَيَعْتِقَهُ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إعْتَاقَهُ وَلَوْ عَتَقَ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ فَيَعْتِقَهُ مَعْنًى وَلِأَنَّ الْقَرَابَةَ لَا تَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً فَلَا تَمْنَعُ الْبَقَاءَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَمَّا مَنَعَتْ بَقَاءَ مِلْكِ النِّكَاحِ مَنَعَتْ ثُبُوتَهُ ابْتِدَاءً وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إعْتَاقٍ لِمَا عُرِفَ وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ الْإِعْتَاقُ بِذَلِكَ الشِّرَاءِ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَا يُقَالُ أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ وَسَقَاهُ فَرَوَاهُ وَعَلَّمَهُ فَهَدَاهُ وَضَرَبَ فَأَوْجَعَ وَكَتَبَ فَقَرْمَطَ وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا بِهِ الْمِلْكَ ابْتِدَاءً لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعُبُودِيَّةِ وَثُبُوتَ الْعِتْقِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُ لَا يَعْتِقُ بِخِلَافِ مِلْكِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إثْبَاتِ مِلْكِ النِّكَاحِ لَهُ عَلَى ابْنَتِهِ ثُمَّ إزَالَتِهِ لِأَنَّهَا تَعُودُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَأَطْعَمْته فَأَشْبَعْته) أَيْ بِهَذَا الْإِطْعَامِ إذْ لَوْ كَانَ الْإِشْبَاعُ بِغَيْرِ هَذَا الْإِطْعَامِ لَمْ يَكُنْ الْإِشْبَاعُ مُتَّصِلًا بِهَذَا الْإِطْعَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجَبِ الْفَاءِ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﵇ فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ مُتَّصِلًا بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ زَمَانٍ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا فَلَوْ شُرِطَ إعْتَاقٌ ابْتِدَائِيٌّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ عَمَلًا بِالْفَاءِ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَعْتَقَهُ مُتَّصِلًا بِالشِّرَاءِ فَذَلِكَ لَا يَكُونُ إعْتَاقًا حَتَّى يُتِمَّ كَلَامَهُ فَيَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا زَمَانٌ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُقْتَضَى الْفَاءِ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ.
قَوْلُهُ (فَدَلَّ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُهُ فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ مُعْتِقًا حُكْمٌ لِلشِّرَاءِ كَالْإِشْبَاعِ فِي قَوْلِهِ أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ وَقَوْلُهُ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ احْتِرَازٌ عَمَّا يُقَالُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ حُكْمًا لِلشِّرَاءِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مَوْضُوعٌ لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَالْإِعْتَاقُ إزَالَةٌ لَهُ فَكَانَ مُنَافِيًا لَهُ وَالْمُنَافِي لِحُكْمِ الشَّيْءِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ فَقَالَ إنَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يَصْلُحُ حُكْمًا لَهُ وَلَكِنَّهُ يَصْلُحُ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا وَالْمِلْكُ فِي الْقَرِيبِ إكْمَالٌ لِعِلَّةِ الْعِتْقِ فَيَصِيرُ الْعِتْقُ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَإِذَا صَارَ مُضَافًا إلَيْهِ يَصِيرُ بِهِ مُعْتِقًا لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ كَالْمُوجِبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَيْهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعْتَاقٍ آخَرَ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ وَإِذَا اشْتَرَاهُ نَاوِيًا عَنْ الْكَفَّارَةِ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ أَيْضًا خِلَافًا لِمَا قَالَهُ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَإِنَّمَا حَصَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُجَازَاةَ
стр. 446
وَقَدْ تَدْخُلُ الْفَاءُ عَلَى الْعِلَلِ أَيْضًا إذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُومُ فَتَصِيرُ بِمَعْنَى التَّرَاخِي كَمَا يُقَالُ أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاك الْغَوْثُ وَقَدْ نَجَوْت وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْمَأْذُونِ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ أَنَّهُ يَعْتِقُ لِلْحَالِ وَتَقْدِيرُهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا فَإِنَّك قَدْ عَتَقْت لِأَنَّ الْعِتْقَ دَائِمٌ فَأَشْبَهَ الْمُتَرَاخِيَ وَقَالُوا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ انْزِلْ فَأَنْتَ آمِنٌ إنَّهُ آمِنٌ نَزَلَ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ لِمَا قُلْنَا فَلَمْ يُجْعَلْ بِمَعْنَى التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ أَضْمَرَ الشَّرْطَ لِأَنَّ الْكَلَامَ صَحَّ بِدُونِ الْإِضْمَارِ وَإِنَّمَا الْإِضْمَارُ ضَرُورِيٌّ فِي الْأَصْلِ وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ إنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْأَوَّلِ وَيُصْرَفُ التَّرْتِيبُ إلَى الْوُجُوبِ دُونَ الْوَاجِبِ أَوْ يُجْعَلُ مُسْتَعَارًا بِمَعْنَى الْوَاوِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ لِأَنَّ مَعْنَى التَّرْتِيبِ لَغْوٌ فَحُمِلَ عَلَى جُمْلَةٍ مُبْتَدَأَةٍ لِتَحْقِيقِ الْأَوَّلِ فَهُوَ دِرْهَمٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَالشِّعْرُ لَا يَسْطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ ... يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ
وَقَوْلُهُ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤]
ــ
[كشف الأسرار]
الْوَلَدِ الْوَالِدَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ الْوُجُودَ أَعْظَمُ النِّعَمِ وَأَعْلَاهَا وَقَدْ حَصَلَ لِلْوَلَدِ بِوَاسِطَةِ الْأَبِ فَلَا يُمْكِنُ لِلْوَلَدِ مُجَازَاتُهُ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْوَلَدِ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْأَبِ لَا يُمَاثَلُ بِنِعْمَةِ الْوُجُودِ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْأَحْوَالِ وَمَا صَدَرَ مِنْ الْأَبِ رَاجِعٌ إلَى الذَّاتِ لَا إذَا وَجَدَهُ مَمْلُوكًا وَأَعْتَقَهُ بِالشِّرَاءِ " فح " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُ نَوْعَ مُجَازَاةٍ لِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ مَوْتٌ حُكْمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ فَإِذَا أَزَالَ عَنْهُ هَذَا الْوَصْفَ بِالشِّرَاءِ صَارَ كَأَنَّهُ أَحْيَاهُ بَعْدَمَا فَنِيَ فَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ مُقَابَلًا بِإِحْسَانِهِ وَمُجَازَاةً لِإِنْعَامِهِ وَهَذَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيضِ وَالتَّرْغِيبِ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّحْقِيقِ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُجَازَاةِ الْأَبَوَيْنِ وَمُكَافَأَتِهِمَا بِحَالٍ إذَا أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ وَتَأَمَّلَ فِي إحْسَانِهِمَا إلَيْهِ وَإِشْفَاقِهِمَا عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا ضَيَّعْنَا مِنْ حُقُوقِهِمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ مَا ضَيَّعُوا مِنْ حَقِّك يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِلَ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ آخَرَ أَوْ يُؤَخِّرَ الدُّخُولَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِعَمَلٍ.
قَوْلُهُ (وَقَدْ تَدْخُلُ الْفَاءُ عَلَى الْعِلَلِ) الْأَصْلُ أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ عَلَى الْأَحْكَامِ لِأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْعِلَلِ وَلَا تَدْخُلُ عَلَى الْعِلَلِ لِاسْتِحَالَةِ تَأَخُّرِ الْعِلَّةِ عَنْ الْمَعْلُولِ إلَّا أَنَّهَا قَدْ تَدْخُلُ عَلَى الْعِلَلِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهَا دَوَامٌ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ دَائِمَةً كَانَتْ فِي حَالَةِ الدَّوَامِ مُتَرَاخِيَةً عَنْ ابْتِدَاءِ الْحُكْمِ فَيَصِحُّ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَيْهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي قَيْدِ ظَالِمٍ أَوْ حَبْسِ ذِي سُلْطَانٍ أَوْ ضِيقٍ أَوْ مَشَقَّةٍ إذَا ظَهَرَ آثَارُ الْفَرَجِ وَالْخَلَاصِ لَهُ أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاك الْغَوْثُ وَقَدْ نَجَوْت بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْغَوْثَ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْإِبْشَارِ بَاقٍ بَعْدَ ابْتِدَاءِ الْإِبْشَارِ وَيُسَمَّى هَذِهِ الْفَاءُ فَاءَ التَّعْلِيلِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى لَامِ التَّعْلِيلِ وَالْإِبْشَارُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ يُقَالُ بَشَّرْته بِمَوْلُودٍ فَأَبْشَرَ أَيْ صَارَ فَرِحًا مَسْرُورًا بِهِ وَهَهُنَا بِمَعْنَى اللَّازِمِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْغَوْثِ الْمُغِيثُ قَوْلُهُ (أَنَّهُ يَعْتِقُ لِلْحَالِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِلتَّعْلِيلِ فَيَصِيرُ مَعْنَاهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا لِأَنَّك حُرٌّ فَلِذَلِكَ يَتَنَجَّزُ بِهِ الْعِتْقُ.
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُجْعَلْ بِمَعْنَى التَّعْلِيقِ كَأَنَّهُ أَضْمَرَ الشَّرْطَ جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ هَلَّا جَعَلْت قَوْلَهُ أَدِّ إِلَيَّ أَلْفًا عِلَّةً وَقَوْلَك فَأَنْتَ حُرٌّ ثَابِتًا بِهِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةُ الْفَاءِ وَالْأَدَاءُ صَالِحٌ لِإِضَافَةِ الْحُرِّيَّةِ إلَيْهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَمَا فِي صُورَةِ الْوَاوِ فَقَالَ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ كَذَلِكَ احْتَجْنَا إلَى إضْمَارِ الشَّرْطِ وَالْإِضْمَارُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَإِذَا صَحَّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ لَا يُصَارُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا يُقَالُ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَى الْعِلَّةِ أَيْضًا خِلَافُ الْأَصْلِ لِأَنَّ مُوجَبَهُ التَّرْتِيبُ وَالْعِلَّةُ سَابِقَةٌ عَلَى الْحُكْمِ كَمَا بَيَّنَّا لِأَنَّا نَقُولُ فِيمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ عَمَلٌ بِحَقِيقَةِ الْفَاءِ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا كَانَتْ مُسْتَدَامَةً يَحْصُلُ التَّرْتِيبُ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْإِضْمَارِ ثُمَّ رَجَعَ الشَّيْخُ إلَى أَصْلِ الْكَلَامِ فَقَالَ وَلِهَذَا قُلْنَا أَيْ وَلِأَنَّ الْفَاءَ لِلْعَطْفِ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ.
قُلْنَا إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ إنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْعَطْفِ وَمِنْ شَرْطِهِ الْمُغَايَرَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْعَطْفِ لَكِنَّ التَّرْتِيبَ مِنْ لَوَازِمِ الْفَاءِ وَلَا يُمْكِنُ رِعَايَتُهُ هَهُنَا لِأَنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ هُوَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ زَمَانًا وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ وَهُوَ الْفِعْلُ دُونَ الْعَيْنِ وَلِهَذَا لَا يُقَالُ هَذَا أَوَّلٌ وَهَذَا آخِرٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا ثَبَتَ أَوَّلًا أَوْ جَلَسَ أَوْ قَامَ أَوْ نَحْوُهُ وَالدَّرَاهِمُ فِي الذِّمَّةِ
стр. 447
إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِضْمَارٍ فِيهِ تَرْكُ الْحَقِيقَةِ وَالْحَقِيقَةُ أَحَقُّ مَا أَمْكَنَ.
وَأَمَّا ثُمَّ فَلِلْعَطْفِ عَلَى سَبِيلِ التَّرَاخِي وَهُوَ مَوْضُوعَةٌ لِيَخْتَصَّ بِمَعْنًى يَنْفَرِدُ بِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَثَرِ التَّرَاخِي فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ هُوَ بِمَعْنَى الِانْقِطَاعِ كَأَنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ حُكْمًا قَوْلًا بِكَمَالِ التَّرَاخِي
ــ
[كشف الأسرار]
فِي حُكْمِ الْعَيْنِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا التَّرْتِيبُ فَيُصْرَفُ التَّرْتِيبُ إلَى الْوُجُوبِ أَيْ وَجَبَ دِرْهَمٌ وَبَعْدَهُ آخَرُ كَمَا إذَا قَالَ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ بِالْإِجْمَاعِ وَيُصْرَفُ التَّرَاخِي وَالتَّرْتِيبُ إلَى الْوُجُوبِ أَوْ يُجْعَلُ الْفَاءُ عِبَارَةً عَنْ الْوَاوِ مَجَازًا لِمُشَارَكَتِهِمَا فِي نَفْسِ الْعَطْفِ كَأَنَّهُ قَالَ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ لِأَنَّ مُوجَبَ حَرْفِ الْفَاءِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الدَّرَاهِمِ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى الْوُجُوبِ أَيْضًا لِأَنَّ وُجُوبَ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ مُتَّصِلًا بِهِ لَا يُتَصَوَّرُ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ آخَرَ بَعْدَ وُجُوبِ الْأَوَّلِ فَيَنْفَصِلُ لَا مَحَالَةَ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مَحْذُوفَةُ الْمُبْتَدَأِ ذُكِرَتْ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَتَأْكِيدِهَا كَأَنَّهُ قَالَ فَهُوَ دِرْهَمٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ [النساء: ٦٤] أَيْ مِنْ قَبْلِك ﴿إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] أَيْ بِلُغَتِهِمْ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَيْ الدِّينَ الْحَقَّ وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] أَيْ يَصِيرُ ذَلِكَ الْبَيَانُ سَبَبَ ضَلَالِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ إضْلَالَهُ وَالْمَذْكُورُ فِي التَّفَاسِيرِ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ بَعْدَ التَّبْيِينِ بِإِشَارَةِ الْبَاطِلِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ وَهُوَ رُؤْبَةُ فِي رِوَايَةِ صَاحِبِ الصِّحَاحِ:
يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ
أَيْ إعْرَابُهُ إعْجَامُهُ وَمَعْنَى الْبَيْتِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إنْشَاءِ الشِّعْرِ وَالتَّكَلُّمِ بِهِ مَنْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بِأَنْ مَدَحَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ أَوْ ذَمَّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ لِأَنَّ حُسْنَ الْكَلَامِ وَفَصَاحَتَهُ بِحُسْنِ مَوْقِعِهِ فَإِذَا فَقَدَ ذَلِكَ فَسَدَ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ أَيْ يُفْصِحَهُ وَلَا يَلْحَنُ فِي إعْرَابِهِ فَيُعْجِمُهُ أَيْ يَأْتِي بِهِ عَجَمِيًّا يَعْنِي يَلْحَنُ فِيهِ قَالَ الْفَرَّاءُ رَفَعَهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُعْجِمَهُ وَقَالَ الْأَخْفَشُ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيَقَعُ مَوْقِعَ الْإِعْجَامِ، فَلَمَّا وَضَعَ قَوْلَهُ فَيُعْجِمُ مَوْضِعَ قَوْلِهِ فَيَقَعُ رَفَعَهُ. كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي رِسَالَتِهِ الزَّاخِرَةِ رَاوِيًا عَنْ الْحُطَيْئَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَوْلُ جَيِّدِ الشِّعْرِ أَشَدُّ مِنْ قَضْمِ الْحِجَارَةِ.
وَقَالَ:
الشِّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلَّمُهُ ... إذَا ارْتَقَى فِيهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهْ
زَلَّتْ بِهِ إلَى الْحَضِيضِ قَدَمُهْ ... يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ هَذَا) أَيْ جَعْلَهُ جُمْلَةً مُبْتَدَأَةً كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِضْمَارٍ فِيهِ تَرْكُ الْحَقِيقَةِ وَهِيَ الْعَطْفُ وَإِلْغَاءُ الْفَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ يُسَاوِي قَوْلَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ وَالْحَقِيقَةُ أَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْإِلْغَاءِ مَا أَمْكَنَ وَفِيمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ إنْ كَانَ تَرْكُ الْحَقِيقَةِ مِنْ وَجْهٍ فَفِيهِ اعْتِبَارُهَا مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ إنْ فَاتَ الْعَمَلُ بِصِفَةِ الْوَصْلِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ فَقَدْ حَصَلَ الْعَمَلُ بِمَعْنَى الْعَطْفِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ فِي هَذَا الْحَرْفِ وَبِصِفَةِ التَّعْقِيبِ فِي الْوُجُوبِ فَكَانَ أَحَقَّ مِمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ.
[معانى ثُمَّ]
قَوْلُهُ (عَلَى سَبِيلِ التَّرَاخِي) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُهْلَةٌ فِي الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِمَا فَإِذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو أَوْ قُلْت ضَرَبْت زَيْدًا ثُمَّ عَمْرًا كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَهُمَا مُهْلَةٌ وَلِهَذَا جَازَ أَنْ تَقُولَ ضَرَبْت زَيْدًا ثُمَّ عَمْرًا بَعْدَهُ بِشَهْرٍ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ بِالْفَاءِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَثَرِ التَّرَاخِي أَيْ فِي ظُهُورِ أَثَرِهِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْحُكْمِ وَالتَّكَلُّمِ جَمِيعًا حَتَّى كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَكَتَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلًا بِكَمَالِ التَّرَاخِي يَعْنِي هَذِهِ الْكَلِمَةُ وُضِعَتْ لِمُطْلَقِ التَّرَاخِي فَيَدُلُّ عَلَى كَمَالِهِ إذْ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَثْبُتَ التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّمِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا إذْ لَوْ كَانَ التَّرَاخِي فِي الْوُجُودِ دُونَ التَّكَلُّمِ كَانَ ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ دَخَلَتْ عَلَى اللَّفْظِ فَيَجِبُ إظْهَارُ أَثَرِ التَّرَاخِي فِي نَفْسِ اللَّفْظِ أَيْضًا تَقْدِيرًا كَمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْحُكْمِ وَإِذَا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي اللَّفْظِ صَارَ كَمَا لَوْ فُصِلَ
стр. 448
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا التَّرَاخِي رَاجِعٌ إلَى الْوُجُودِ فَأَمَّا فِي حُكْمِ التَّكَلُّمِ فَمُتَّصِلٌ. بَيَانُهُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْأَوَّلُ يَقَعُ وَيَلْغُو مَا بَعْدَهُ كَأَنَّهُ سَكَتَ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَوْ قَدَّمَ الشَّرْطَ تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ وَوَقَعَ الثَّانِي وَلَغَا الثَّالِثُ كَمَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَتَعَلَّقْنَ جَمِيعًا وَيَنْزِلْنَ عَلَى التَّرْتِيبِ سَوَاءٌ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَ وَلَوْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا نَزَلَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَتَعَلَّقَ الثَّالِثُ إذَا أَخَّرَ الشَّرْطَ وَإِذَا قَدَّمَهُ تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ وَنَزَلَ الْبَاقِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَتَعَلَّقُ الْكُلُّ ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَدْ يُسْتَعَارُ ثُمَّ بِمَعْنَى وَاوِ الْعَطْفِ مَجَازًا لِلْمُجَاوَرَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]
ــ
[كشف الأسرار]
بِالسُّكُوتِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ التَّرَاخِي رَاجِعٌ إلَى الْوُجُودِ أَيْ يُوجَدُ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مُتَرَاخِيًا كَمَا فِي كَلِمَةِ بَعْدَ لَا فِي التَّكَلُّمِ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ حَقِيقَةً وَكَيْفَ يُجْعَلُ التَّكَلُّمُ مُنْفَصِلًا وَالْعَطْفُ لَا يَصِحُّ مَعَ الِانْفِصَالِ فَيَبْقَى الِاتِّصَالُ حُكْمًا مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْعَطْفِ بَيَانُهُ فِيمَنْ قَالَ إلَى آخِرِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ أَمَّا إنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِكَلِمَةِ ثُمَّ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا أَوْ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَأَمَّا إنْ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَهُ فَإِذَا أَخَّرَ الشَّرْطَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَقَعُ الْأَوَّلُ فِي الْحَالِ وَيَلْغُو مَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ كَأَنَّهُ سَكَتَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لَا يَتَوَقَّفُ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ إنْ وُجِدَ الْمُغَيِّرُ فِي آخِرِهِ لِفَوَاتِ شَرْطِ التَّوَقُّفِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ فَيَقَعُ الْأَوَّلُ فِي الْحَالِ وَتَبِينُ لَا إلَى عِدَّةٍ فَيَلْغُو مَا بَعْدَهُ ضَرُورَةً كَمَا إذَا وُجِدَ حَقِيقَةُ السُّكُوتِ.
وَإِذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ فَقَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ بِالشَّرْطِ وَوَقَعَ الثَّانِي لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ إذْ الْمُعَلَّقُ لَا يُتْرَكُ فِي الْمَحَلِّ وَلَغَا الثَّالِثُ لِأَنَّهَا بَانَتْ لَا إلَى عِدَّةٍ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَلْغُوَ الثَّانِي أَيْضًا لِأَنَّ الْكَلَامَ الثَّانِيَ لَمَّا انْقَطَعَ عَنْ الْأَوَّلِ حَتَّى ظَهَرَ أَثَرُ الِانْقِطَاعِ فِي عَدَمِ التَّعَلُّقِ بِالشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ لَهُ شَرِكَةٌ فِيمَا تَمَّ بِهِ الْأَوَّلُ وَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ كَالْمُعَادِ فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِشَرْطِ الِاتِّصَالِ وَهُوَ مَعْدُومٌ فَيَبْقَى قَوْلُهُ ثُمَّ طَالِقٌ بِلَا مُبْتَدَأٍ وَلَوْ اسْتَأْنَفَ بِهِ حَقِيقَةً لَا يَقَعُ شَيْءٌ فَكَذَا إذَا صَارَ مُسْتَأْنَفًا حُكْمًا لِأَنَّا نَقُولُ صِحَّةُ الْعَطْفِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاتِّصَالِ صُورَةً وَذَلِكَ مَوْجُودٌ هَهُنَا فَأَمَّا التَّعَلُّقُ بِالشَّرْطِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى اتِّصَالِ الْكَلَامِ صُورَةً وَمَعْنًى وَلِهَذَا اخْتَصَّ بِحَرْفِ الْفَاءِ الَّذِي يُوجِبُ الْوَصْلَ حَتَّى لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَثْبُتُ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ لَا يَتَعَلَّقُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ بِالشَّرْطِ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ التَّعْلِيقَ وَهُوَ حَرْفُ الْفَاءِ وَلَكِنْ يَثْبُتُ الشَّرِكَةُ فِيمَا تَمَّ بِهِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى لِلِاتِّصَالِ صُورَةً وَيُمْكِنُ ذَلِكَ بِدُونِ الْعَاطِفِ بِأَنْ يُجْعَلَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وَإِذَا أَخَّرَ الشَّرْطَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا أَوْ قَدَّمَهُ تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَا يَلِيهِ وَوَقَعَ الثَّانِي فِي الْحَالِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَعِنْدَهُمَا يَتَعَلَّقُ الْكُلُّ بِالشَّرْطِ فِي الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ وَيَنْزِلْنَ عَلَى التَّرْتِيبِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلْعَطْفِ بِصِفَةِ التَّرَاخِي فَلِوُجُودِ مَعْنَى الْعَطْفِ يَتَعَلَّقُ الْكُلُّ بِالشَّرْطِ وَلِمَعْنَى التَّرَاخِي يَقَعُ مُرَتَّبًا فَإِذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً وَيَلْغُو الثَّانِي لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بِالْبَيْنُونَةِ قَوْلُهُ (كَمَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ) يَعْنِي لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ بِالشَّرْطِ وَوَقَعَ الثَّانِي وَلَغَا الثَّالِثُ وَلَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ طَلُقَتْ وَاحِدَةً فِي الْحَالِ وَلَغَا مَا سِوَاهَا وَلَوْ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَهُ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ مَدْخُولًا بِهَا طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ لِلْحَالِ وَتَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَا يَلِيهِ وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ فَتَصْلُحُ مَقِيسًا عَلَيْهَا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ قَوْلُهُ (وَقَدْ يُسْتَعَارُ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ) وَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مُسْتَعَارًا لَهُ لِلْوَاوِ احْتِرَازًا عَنْ الْإِلْغَاءِ لِلْمُجَاوَرَةِ أَيْ لِلِاتِّصَالِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فِي مَعْنَى الْعَطْفِ فَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْعَطْفِ وَثُمَّ لِعَطْفٍ مُقَيَّدٍ وَالْمُطْلَقُ دَاخِلٌ فِي الْمُقَيَّدِ فَيَثْبُتُ بَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ مَعْنَوِيٌّ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِمَعْنَى الْوَاوِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 449
وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ» إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُمْكِنٌ لِأَنَّا نَعْمَلُ بِحَقِيقَةِ مُوجَبِ الْأَمْرِ فَيُجْعَلُ الْكَفَّارَةُ وَاجِبَةً بَعْدَ الْحِنْثِ وَرُوِيَ «فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ ثُمَّ لْيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ» فَحَمَلْنَا هَذَا عَلَى وَاوِ الْعَطْفِ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَتِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَهُوَ مُوجَبُ الْأَمْرِ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ قَبْلَ الْحِنْثِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَكَانَ الْمَجَازُ مُتَعَيِّنًا تَحْقِيقًا لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَإِذَا صَحَّ بِأَنْ يُسْتَعَارَ ثُمَّ لِلْوَاوِ
ــ
[كشف الأسرار]
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] أَيْ وَكَانَ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِحَقِيقَةِ ثُمَّ إذْ الْإِيمَانُ هُوَ الْأَصْلُ الْمُقَدَّمُ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَهُوَ شَرْطُ صِحَّتِهَا فَلَا يَكُونُ فَكُّ الرَّقَبَةِ وَالْإِطْعَامُ مُعْتَبَرَيْنِ قَبْلَهُ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ الطَّهَارَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ كَلِمَةَ التَّرَاخِي لِبَيَانِ تَبَايُنِ الْمَنْزِلَتَيْنِ كَمَا أَنَّهَا لِبَيَانِ تَبَايُنِ الْوَقْتَيْنِ فِي جَاءَنِي زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو.
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَاءَ بِثُمَّ لِتَرَاخِي الْإِيمَانِ وَتَبَاعُدِهِ فِي الرُّتْبَةِ وَالْفَضِيلَةِ عَنْ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ لَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ السَّابِقُ الْمُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ وَذَكَرَ فِي التَّيْسِيرِ أَنَّهَا لِتَرْتِيبِ الْإِخْبَارِ لَا لِتَرْتِيبِ الْوُجُودِ أَيْ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنَّ هَذَا لِمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] قَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ ثُمَّ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ قَبْلَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ كَمَا هُوَ شَهِيدٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ
قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ الْمُرَادُ مِنْ الشَّهَادَةِ مُقْتَضَاهَا وَنَتِيجَتُهَا وَهُوَ الْعِقَابُ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ثُمَّ اللَّهُ يُعَاقِبُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ وَقَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ اللَّهَ مُؤَدٍّ شَهَادَتَهُ عَلَى أَفْعَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُنْطِقُ جُلُودَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ شَاهِدَةً عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَوُجُوبِ الْمَصِيرِ إلَى الْمَجَازِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ قُلْنَا كَذَا.
وَلِجَوَازِ اسْتِعَارَةِ ثُمَّ لِلْوَاوِ قُلْنَا كَذَا إذَا عَجَّلَ الْكَفَّارَةَ بِالْمَالِ قَبْلَ الْحِنْثِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ ثُمَّ لِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» شَرَعَ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ وَمَا رُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ» مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ وَهَذَا عَلَى الْجَوَازِ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ» رَتَّبَ وَالتَّرْتِيبُ لِلْوُجُوبِ فِي الشَّرْعِ فَحَمَلْنَا ثُمَّ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّكْفِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ ثُمَّ لِيُكَفِّرْ يَبْقَى عَلَى حَقِيقَتِهِ إذْ الْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ بَعْدَ الْحِنْثِ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَشْهُورُ وَلَا تُعَارِضُهَا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى وَهُوَ قَوْلُهُ «فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ ثُمَّ لِيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ» لِأَنَّهَا غَيْرُ مَشْهُورَةٍ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَلَوْ صَحَّتْ كَانَ ثُمَّ فِيهَا مَحْمُولًا عَلَى الْوَاوِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِحَقِيقَتِهِ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِالتَّكْفِيرِ لِلْوُجُوبِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ قَبْلَ الْحِنْثِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْجَوَازِ فَإِنْ قِيلَ فِيمَا ذَكَرْتُمْ تُرِكَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ ثُمَّ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَمَلٌ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَفِيمَا قُلْنَا عَكْسُهُ فَبِمَ تَرَجَّحَ مَا ذَكَرْتُمْ قُلْنَا يَكُونُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ سَوْقِ الْكَلَامِ إذْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الْيَمِينِ الْبِرُّ وَالْكَفَّارَةُ خَلَفٌ عَنْهُ فَحَمْلُ مَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمَقْصُودِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ تَحْقِيقًا لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَبِأَنَّ فِيمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ تَرْكَ الْحَقِيقَةِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِحَقِيقَةِ ثُمَّ وَفِيمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ تَرْكُ الْحَقِيقَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَهُمَا حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَالْأَمْرُ بِالتَّكْفِيرِ ثَبَتَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْمَالِ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَحَقَّ وَفِيمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ
стр. 450
فَالْفَاءُ بِهِ أَوْلَى لِأَنَّ جَوَازَهُ بِالْفَاءِ أَقْرَبُ وَلِهَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إنَّ هَذَا عَلَى الِاخْتِلَافِ مِثْلُ مَا اخْتَلَفُوا فِي الْوَاوِ إلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ أَوْلَى فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا الِاتِّفَاقَ فِي هَذَا وَإِذَا قَدَّمَ الْجَزَاءَ بِحَرْفِ الْفَاءِ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا. .
ــ
[كشف الأسرار]
تَرْكُ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ ﵇ عَلَّقَ التَّكْفِيرَ بِأَمْرَيْنِ بِالْحَلِفِ وَبِرُؤْيَةِ الْحِنْثِ خَيْرًا وَجَوَازُ التَّعْجِيلِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَيْرِيَّةِ عَلَى أَصْلِهِمْ وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ عِبَارَةً عَنْ الْوَاوِ مَجَازًا دُونَ الْفَاءِ مَعَ أَنَّ الْفَاءَ أَقْرَبُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْفَاءَ يُوجِبُ تَرْتِيبًا أَيْضًا فَلَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ إذْ يَبْقَى الْأَمْرُ غَيْرَ مُوجَبٍ كَمَا كَانَ وَلَا يُقَالُ لَمَّا صَارَ بِمَعْنَى الْوَاوِ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ كَيْفَ مَا كَانَ عَمَلًا بِمُطْلَقِ الْعَطْفِ لِأَنَّا إنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوَاوِ لِيَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَلَوْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ كَيْفَ مَا كَانَ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ فَجَعَلْنَاهُ مُقَيَّدًا بِتَرْتِيبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَإِنْ صَارَ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِيَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلِيَتَوَافَقَ الرِّوَايَتَانِ.
قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ» الْيَمِينُ خِلَافُ الْيَسَارِ فِي الْأَصْلِ وَسُمِّيَ الْقَسَمُ بِالْيَمِينِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَاسَحُونَ بِأَيْمَانِهِمْ حَالَةَ التَّحَالُفِ وَقَدْ يُسَمَّى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِهَا وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ» وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ فِي جَمِيعِ الْمَعَانِي كَذَا فِي الْمُغْرِبِ قَوْلُهُ (فَالْفَاءُ بِهِ أَوْلَى) أَيْ الْوَاوُ أَوْلَى مِنْ ثُمَّ لِأَنَّ جَوَازَ الْفَاءِ بِالْوَاوِ أَقْرَبُ مِنْ جَوَازِ ثُمَّ بِالْوَاوِ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَمَعْنَى الْجَمْعِ فِي التَّعْقِيبِ مَعَ الْوَصْلِ أَقْرَبُ مِنْهُ فِي التَّعْقِيبِ مَعَ الْفَصْلِ فَكَانَ أَحَقَّ بِجَوَازِ الِاسْتِعَارَةِ لِلْوَاوِ مِنْ ثُمَّ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ كَمَا لَوْ قَالَ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَلِهَذَا أَيْ وَلِقُرْبِ جَوَازِهِ بِالْوَاوِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مِنْهُمْ الطَّحَاوِيُّ إنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَيَقَعُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَاحِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثٌ إلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ أَوْلَى يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ تَعَذُّرَ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُتَعَذِّرَةً كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ أَوْلَى فَكَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فَلَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَنْصِيصًا عَلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ تَعْقُبُ الْأُولَى فَتَبِينُ الْأُولَى لَا إلَى عِدَّةٍ بِخِلَافِ الْوَاوِ.
وَإِذَا قَدَّمَ الْجَزَاءَ بِحَرْفِ الْفَاءِ فَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا أَيْ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً بِالِاتِّفَاقِ كَمَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ لِأَنَّ مُوجَبَ الْفَاءِ لَمَّا كَانَ هُوَ التَّرْتِيبُ كَانَ النُّزُولُ عَلَى التَّرْتِيبِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَلَا يَتَفَاوَتُ الْأَمْرُ بَيْنَ تَقْدِيمِ الْجَزَاءِ وَتَأْخِيرِهِ وَعِنْدَ أُولَئِكَ الْبَعْضِ يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا إذَا قَدَّمَ الْجَزَاءَ بِحَرْفِ الْوَاوِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ تَطْلُقُ ثَلَاثًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِالِاتِّفَاقِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ بِحَرْفِ الْفَاءِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ ﵀ جَوَابَهُ فِي الْكِتَابِ وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْمُخْتَلِفَاتِ أَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ الْكُلِّ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ مَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَإِنْ أَخَّرَ الشَّرْطَ فَبِالْإِجْمَاعِ يَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ بِكَلِمَةِ الْوَاوِ يَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْوَصْلَ فَإِذَا ذَكَرَ بِكَلِمَةِ الْفَاءِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْوَصْلَ أَوْلَى وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَإِنْ قَدَّمَ الشَّرْطَ فَقَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ أَوْ قَالَ بِحَرْفِ الْفَاءِ وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا فَدَخَلَتْ
стр. 451
وَأَمَّا بَلْ فَمَوْضُوعٌ لِإِثْبَاتِ مَا بَعْدَهُ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا قَبْلَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّدَارُكِ يُقَالُ جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو وَلِهَذَا قَالَ زُفَرُ ﵀ فِيمَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ بَلْ أَلْفَانِ إنَّهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الثَّانِيَ وَأَبْطَلَ الْأَوَّلَ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ إبْطَالَ الْأَوَّلِ فَلَزِمَاهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ إنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَقُلْنَا نَحْنُ إنَّمَا وُضِعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ لِلتَّدَارُكِ وَذَلِكَ فِي الْعَادَاتِ بِأَنْ يُنْفَى انْفِرَادُهُ وَيُرَادَ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ كَمَالُهَا بِالْأُولَى وَهَذَا فِي الْإِخْبَارِ مُمْكِنٌ كَرَجُلٍ يَقُولُ سِنِّي سِتُّونَ بَلْ سَبْعُونَ زِيَادَةَ عَشْرٍ عَلَى الْأَوَّلِ فَأَمَّا الْإِنْشَاءُ فَلَا يَحْتَمِلُ تَدَارُكَ الْغَلَطِ وَقَعَ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ حَتَّى إذَا قَالَ كُنْت طَلَّقْت أَمْسِ امْرَأَتِي وَاحِدَةً بَلْ ثِنْتَيْنِ أَوْ لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ لِمَا قُلْنَا
ــ
[كشف الأسرار]
الدَّارَ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا تَقَعُ ثَلَاثٌ، وَلَوْ كَانَتْ مَدْخُولَةً تَقَعُ الثَّلَاثُ بِالْإِجْمَاعِ، عِنْدَهُ مُتَتَابِعَةً وَعِنْدَهُمَا جُمْلَةً وَلَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَذَكَرَهُ بِالْفَاءِ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ فَالطَّحَاوِيُّ جَعَلَ كَلِمَةَ الْفَاءِ مِثْلَ كَلِمَةِ الْوَاوِ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَ.
وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهَا مِثْلُ كَلِمَةِ بَعْدَ فَقَالَ إذَا قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا تَقَعُ الثَّلَاثُ مُتَتَابِعَةً وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ بِالْإِجْمَاعِ
[معانى بَلْ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا بَلْ) اعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ بَلْ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِضْرَابِ عَنْ الْأَوَّلِ مَنْفِيًّا كَانَ أَوْ مُوجَبًا وَالْإِثْبَاتُ لِلثَّانِي عَلَى سَبِيلِ التَّدَارُكِ لِلْغَلَطِ فَإِذَا قُلْت جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو كُنْت قَاصِدًا لِلْإِخْبَارِ بِمَجِيءِ زَيْدٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَك أَنَّك غَلِطْت فِي ذَلِكَ فَتُضْرِبُ عَنْهُ إلَى عَمْرٍو فَتَقُولُ بَلْ عَمْرٌو وَإِذَا قُلْت مَا جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مَا جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ مَا جَاءَنِي عَمْرٌو فَكَأَنَّك قَصَدْت أَنْ تُثْبِتَ نَفْيَ الْمَجِيءِ لِزَيْدٍ ثُمَّ اسْتَدْرَكْت فَأَثْبَتّه لِعَمْرٍو وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ جَاءَنِي عَمْرٌو فَيَكُونُ نَفْيُ الْمَجِيءِ ثَابِتًا لِزَيْدٍ وَيَكُونُ إثْبَاتُهُ لِعَمْرٍو وَيَكُونُ الِاسْتِدْرَاكُ فِي الْفِعْلِ وَحْدَهُ دُونَ الْفِعْلِ وَحَرْفِ النَّفْيِ مَعًا كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَقَدْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ (لَا) تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ.
وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْإِضْرَابُ عَنْ الْكَلَامِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ إذَا كَانَ الصَّدْرُ مُحْتَمِلًا لِلرَّدِّ وَالرُّجُوعِ فَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْعَطْفِ الْمَحْضِ فَيَعْمَلُ فِي إثْبَاتِ الثَّانِي مَضْمُومًا إلَى الْأَوَّلِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ دُونَ التَّرْتِيبِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَمَّا أَوْقَعَ وَبِمِثْلِهِ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتِي فُلَانَةَ لَا بَلْ فُلَانَةَ يَمْلِكُ أَنْ يُطَلِّقَ الثَّانِيَةَ دُونَ الْأُولَى لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ التَّوْكِيلِ مِنْهُ صَحِيحٌ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِهِ إعْرَاضًا عَمَّا قَبْلَهُ وَإِثْبَاتًا لِمَا بَعْدَهُ قَالَ زُفَرُ ﵀ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ بَلْ أَلْفَانِ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ كَلِمَةَ بَلْ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ وَإِقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَهُ وَرُجُوعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْأَلْفِ بَاطِلٌ وَإِقْرَارُهُ بِالْأَلْفَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْإِقَامَةِ مَقَامَ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ فَيَلْزَمُهُ الْمَالَانِ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ بَلْ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ وَقُلْنَا يَلْزَمُهُ أَلْفَانِ لَا غَيْرُ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وُضِعَتْ لِتَدَارُكِ الْغَلَطِ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فِي الْعَادَةِ تَدَارُكُهُ بِنَفْيِ انْفِرَادِ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوَّلًا لَا بِنَفْيِ أَصْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْلَهُ دَاخِلٌ فِي الْكَلَامِ الثَّانِي فَلَوْ صَحَّ التَّدَارُكُ بِنَفْيِ أَصْلِهِ لَاجْتَمَعَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَعُلِمَ أَنَّ تَدَارُكَ الْغَلَطِ فِي هَذَا الْكَلَامِ بِإِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ الَّتِي نَفَاهَا فِي الْكَلَامِ الْأَوَّلِ تَقْدِيرًا فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ النَّفْيُ بِقَوْلِهِ بَلْ أَلْفَانِ أَيْ غَلِطْت فِي نَفْيِ الْغَيْرِ عَنْهُ بَلْ مَعَ ذَلِكَ الْأَلْفِ آخَرُ كَمَا يُقَالُ حَجَجْت حَجَّةً لَا بَلْ حَجَّتَيْنِ كَانَ اسْتِدْرَاكًا لِنَفْيِ الِانْفِرَادِ عَنْهَا وَإِخْبَارًا لِحَجَّتَيْنِ لَا غَيْرُ وَكَمَا يُقَالُ جَاءَنِي رَجُلٌ بَلْ رَجُلَانِ كَانَ اسْتِدْرَاكًا لِانْفِرَادِهِ لَا لِأَصْلِ مَجِيئِهِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا
стр. 452
وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ أَوْ بَلْ ثِنْتَيْنِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً لِأَنَّهُ قَصَدَ إثْبَاتَ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَمْلِكْ لِأَنَّهَا بَانَتْ وَلِهَذَا قَالُوا جَمِيعًا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ أَوْ بَلْ ثِنْتَيْنِ إنَّهَا إذَا دَخَلَتْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا لِأَنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ لِإِبْطَالِ الْأَوَّلِ وَإِقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَهُ كَانَ مِنْ قَضِيَّتِهِ اتِّصَالُهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ لَكِنْ بِشَرْطِ إبْطَالِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إبْطَالُ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ فِي وُسْعِهِ إفْرَادُ الثَّانِي بِالشَّرْطِ لِيَتَّصِلَ بِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَأَنَّهُ قَالَ لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَصِيرُ كَالْحَلِفِ بِالْيَمِينَيْنِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إنَّهَا تَبِينُ بِالْوَاحِدَةِ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَوَّلِ فَيَصِيرُ مَعْطُوفًا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَارَكَةِ فَيَصِيرُ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِوَاسِطَةٍ وَلَا يَصِيرُ مُنْفَرِدًا بِشَرْطِهِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرِكَةِ فِي اتِّحَادِ الشَّرْطِ فَيَصِيرُ الثَّانِي مُتَّصِلًا بِهِ بِوَاسِطَةِ الْأَوَّلِ فَقَدْ جَاءَ التَّرْتِيبُ وَيَتَّصِلُ بِهَذَا أَنَّ الْعَطْفَ مَتَى تَعَارَضَ لَهَا شَبَهَانِ اُعْتُبِرَ أَقْوَاهُمَا لُغَةً
ــ
[كشف الأسرار]
اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَالِ لِأَنَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَأَنَّهُ أَعَادَ الْقَدْرَ الْأَوَّلَ وَزَادَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوَّلًا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْكَلَامِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقَ الْجِنْسُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ حَجَجْت حَجَّةً لَا بَلْ عُمْرَتَيْنِ وَبِخِلَافِ الطَّلَاقِ أَيْضًا لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ أَيْ إخْرَاجٌ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ وَبَعْدَمَا ثَبَتَ وُجُودُ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ بِأَنْ يُجْعَلَ غَيْرَ مَوْجُودٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِدْرَاكُهُ حَتَّى لَوْ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْإِخْبَارِ كَانَ إقْرَارًا بِالثِّنْتَيْنِ اسْتِحْسَانًا خِلَافًا لَهُ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا إنَّ الْغَلَطَ فِي الْإِخْبَارِ قَدْ يَتَمَكَّنُ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفَانِ بَلْ أَلْفٌ أَوْ عَلَيَّ أَلْفُ دِينَارٍ لَا بَلْ زُيُوفٌ يَلْزَمُهُ أَزْيَدُ الْمَالَيْنِ وَأَفْضَلُهُمَا وَهُمَا الْأَلْفَانِ وَالْجِيَادُ فِي الِاسْتِحْسَانِ لِأَنَّهُ قَصَدَ اسْتِدْرَاكَ الْغَلَطِ بِالرُّجُوعِ عَنْ بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوَّلًا أَوْ وَصَفَهُ فَلَمْ يَعْمَلْ وَفِي الْقِيَاسِ يَلْزَمُهُ الْمَالَانِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِهِ لِلْإِعْرَاضِ عَمَّا قَبْلَهُ وَإِقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَهُ قُلْنَا إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ ثِنْتَيْنِ إنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً لِأَنَّهُ قَصَدَ الرُّجُوعَ عَنْ الْأَوَّلِ بِإِثْبَاتِ الثَّانِي مَقَامَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّجُوعِ لِأَنَّهُ لَازِمٌ وَلَا عَلَى إقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَهُ وَإِيقَاعِهِ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا بِوُقُوعِ الْأَوَّلِ فَلَغَا آخِرُ كَلَامِهِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا قَالُوا جَمِيعًا إلَى آخِرِهِ.
قَالَ أَبُو الْيُسْرِ إنَّمَا يَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ عِنْدَ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَدْ تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِالشَّرْطِ فَإِذَا قَالَ لَا بَلْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَدْ قَصَدَ الرُّجُوعَ وَإِقَامَةَ التَّطْلِيقَتَيْنِ مَقَامَهُ فَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ وَتَعْلِيقُ الثِّنْتَيْنِ بِالشَّرْطِ يَصِحُّ لِأَنَّهُ فِي وُسْعِهِ وَقَدْ أَتَى بِهِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يُنْبِئُ عَنْهُ فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الشَّرْطَ ثَبَتَ هُنَا مَذْكُورًا إلَّا أَنَّهُ حُذِفَ اخْتِصَارًا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَدَخَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً تَقَعُ الثَّلَاثُ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ حَيْثُ يَقَعُ وَاحِدَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ الْوَاوَ مَا وُضِعَتْ لِلِاسْتِدْرَاكِ وَلَكِنَّهَا لِلْعَطْفِ فَالْأَوَّلُ تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَالثَّانِي تَعَلَّقَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِوَاسِطَةٍ فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ نَزَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَعَلَّقَ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ إنَّمَا يُجْعَلُ مُكَرَّرًا إمَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ لِأَنَّ اللَّفْظَ دَالٌّ عَلَيْهِ لُغَةً أَمَّا الضَّرُورَةُ فَمِثَالُهُ قَوْلُهُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو. ثَبَتَ مَجِيءُ كُلِّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدًا ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مَجِيئُهُمَا بِمَجِيءِ وَاحِدٍ وَأَمَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لُغَةً فَحَرْفُ (بَلْ) فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ لُغَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَيْ إنَّهُ يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ يَمِينَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ الشَّرْطُ مُدْرَجًا صَارَ مَعْطُوفًا وَهُوَ يَقْتَضِي الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِدُونِهِ لَا يُتَصَوَّرُ فَيَثْبُتُ الْوَاسِطَةُ ح بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مُوجَبَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بَلْ مُوجَبُهَا مَا ذَكَرْنَا فَصَارَ كَأَنَّهُ أَعَادَ الشَّرْطَ وَهَذَا تَعْلِيلُ مُحَمَّدٍ ﵀ لِأَنَّهُ قَالَ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ (لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ) إنْ دَخَلْت قَوْلُهُ (وَيَتَّصِلُ بِهَذَا) أَيْ بِبَابِ الْعَطْفِ أَنَّ الْعَطْفَ مَتَى تَعَارَضَ لَهُ شَبَهَانِ أَيْ جِهَتَانِ اُعْتُبِرَ أَقْوَاهُمَا لُغَةً وَإِنْ بَعُدَ ذَلِكَ الشَّبَهُ لِأَنَّ الْقُرْبَ لَا يُقَابِلُ الْقُوَّةَ فَيُعْتَبَرُ الْقُوَّةُ أَوَّلًا ثُمَّ الْقُرْبُ ثَانِيًا نَحْوُ الْكِنَايَةِ تَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْكَلَامِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ أَقْوَى
стр. 453
فَإِنْ اسْتَوَيَا اُعْتُبِرَ أَقْرَبُهُمَا مِثَالُهُ مَا قَالَ فِي الْجَامِعِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا بَلْ هَذِهِ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ جُعِلَ عَطْفًا عَلَى الْجَزَاءِ دُونَ الشَّرْطِ لِأَنَّا لَوْ عَطَفْنَاهُ عَلَى الشَّرْطِ كَانَ قَبِيحًا لِأَنَّهُ ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِالضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُنْفَصِلِ وَهُوَ التَّاءُ فِي قَوْلِهِ دَخَلْت وَذَلِكَ قَبِيحٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] فَأَكَّدَهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْفَاعِلَ مَعَ الْفِعْلِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَإِذَا كَانَ ضَمِيرُهُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ تَأَكَّدَ الشَّبَهُ بِالْعَدَمِ فَقَبُحَ الْعَطْفُ بِخِلَافِ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهُ يَتِمُّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا نَظِيرُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ ضَرَبْتُك لَا بَلْ هَذِهِ يَنْصَرِفُ إلَى الثَّانِيَةِ فَإِذَا عَطَفْنَاهُ عَلَى الْجَزَاءِ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى ضَمِيرٍ مَرْفُوعٍ مُنْفَصِلٍ وَذَلِكَ أَحْسَنُ فَلِذَلِكَ قَدَّمْنَاهُ
ــ
[كشف الأسرار]
كَقَوْلِك رَأَيْت ابْنَ زَيْدٍ وَكَلَّمْته يَنْصَرِفُ الْكِنَايَةُ إلَى الِابْنِ دُونَ زَيْدٍ ثُمَّ إلَى الْمَكْنِيِّ الْأَقْرَبِ ثَانِيًا وَكَمَا فِي الْعَصَبَاتِ يُعْتَبَرُ قُوَّةُ الْقَرَابَةِ أَوَّلًا ثُمَّ الْقُرْبُ ثَانِيًا مِثَالُهُ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَتَانِ فَقَالَ لِأَحَدَيْهِمَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا بَلْ هَذِهِ مُشِيرًا إلَى الْمَرْأَةِ الْأُخْرَى لَا إلَى دَارٍ أُخْرَى أَنَّهُ أَيْ قَوْلُهُ لَا بَلْ هَذِهِ يُجْعَلُ عَطْفًا عَلَى الْجَزَاءِ دُونَ الشَّرْطِ حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ الْأُولَى الدَّارَ طَلُقَتَا جَمِيعًا وَلَوْ دَخَلَتْ الْأُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَلِهَذَا الْكَلَامِ وُجُوهٌ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا أَنْ يُجْعَلَ مَعْطُوفًا عَلَى الْجَزَاءِ وَتَقْدِيرُهُ لَا بَلْ هَذِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالثَّانِي أَنْ يُجْعَلَ مَعْطُوفًا عَلَى الشَّرْطِ وَتَقْدِيرُهُ لَا بَلْ هَذِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالثَّالِثُ أَنْ يُجْعَلَ مَعْطُوفًا عَلَى الْمَجْمُوعِ وَتَقْدِيرُهُ لَا بَلْ هَذِهِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَكُونُ طَلَاقُهَا مُعَلَّقًا بِدُخُولِهَا وَالْكَلَامُ لَا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِحَالٍ وَيُحْمَلُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي عِنْدَ وُجُودِ النِّيَّةِ فَإِذَا عَدِمَتْ حُمِلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ اسْتِدْلَالًا بِغَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ وَصِيغَةِ الْكَلَامِ.
أَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْغَرَضِ فَهُوَ أَنَّ كَلِمَةَ بَلْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّدَارُكِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقْصِدَ الْإِنْسَانُ تَدَارُكَ أَعْظَمِ الْأَمْرَيْنِ وَالْغَلَطُ فِي الْجَزَاءِ أَهَمُّ وَأَعْظَمُ مِنْ الْغَلَطِ فِي الشَّرْطِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لِلرُّجْحَانِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِصِيغَةِ الْكَلَامِ فَهُوَ أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ بَارِزًا كَانَ أَوْ مُسْتَتِرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَكَّدَ بِضَمِيرٍ مَرْفُوعٍ مُنْفَصِلٍ قَبِيحٌ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا تَقُولُ الْعَرَبُ فَعَلْت أَنَا وَزَيْدٌ وَقَلَّمَا تَقُولُ فَعَلْت وَزَيْدٌ بَلْ هُوَ شَيْءٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] فَلَمْ يَعْطِفْ عَلَى الضَّمِيرِ حَتَّى أَكَّدَهُ بِالْمُنْفَصِلِ وَإِنَّمَا وَجَبَ ذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعَطْفِ الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِيُفِيدَ الْعَطْفُ فَائِدَتَهُ وَهُوَ التَّشْرِيكُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى وَلِهَذَا لَا يُعْطَفُ الِاسْمُ عَلَى الْفِعْلِ وَلَا عَلَى الْعَكْسِ ثُمَّ الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ الْمُتَّصِلُ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ مِنْ الْكَلِمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ إعْرَابَ الْفِعْلِ يَقَعُ بَعْدَ هَذَا الضَّمِيرِ فِي نَحْوِ يَضْرِبَانِ وَيَضْرِبُونَ إذْ النُّونُ فِيهِمَا بَدَلٌ عَنْ الرَّفْعِ فِي يَضْرِبُ.
وَأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ أَسْكَنُوا لَامَ الْفِعْلِ مَعَ هَذَا الضَّمِيرِ فَقَالُوا ضَرَبْت وَضَرَبْنَا احْتِرَازًا عَنْ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ وَإِنَّمَا يُحْتَرَزُ عَنْهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَا فِي كَلِمَتَيْنِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْفِعْلِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْعَطْفُ عَلَيْهِ عَطْفًا عَلَى الْفِعْلِ فِي الظَّاهِرِ فَوَجَبَ تَأْكِيدُهُ بِالْمُنْفَصِلِ لِيَكُونَ عَطْفًا لِلِاسْمِ عَلَى الِاسْمِ وَلِأَنَّ الْفِعْلَ وَالْفَاعِلَ بِمَنْزِلَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ لِافْتِقَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ إذْ الْفِعْلُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْفَاعِلِ وَمَنْ قَامَ بِهِ الْفِعْلُ لَا يَتَّصِفُ بِالْفَاعِلِيَّةِ بِدُونِ الْفِعْلِ فَكَانَ لَهُ فِي ذَاتِهِ شَبَهٌ بِالْعَدَمِ نَظَرًا إلَى افْتِقَارِهِ إلَى الْفِعْلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ بِأَنْ كَانَ مُظْهَرًا مُنْفَصِلًا لَا يُعْبَأُ بِهَذَا الشَّبَهِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ فَإِذَا كَانَ غَيْرَ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ بِأَنْ كَانَ ضَمِيرًا مُسْتَكِنًّا أَوْ بَارِزًا مُتَّصِلًا تَأَكَّدَ الشَّبَهُ بِالْعَدَمِ وَالْعَطْفُ عَلَى الْمَعْدُومِ حَقِيقَةً بَاطِلٌ فَعَلَى مَا تَأَكَّدَ شَبَهُهُ بِالْعَدَمِ كَانَ قَبِيحًا فَوَجَبَ التَّأْكِيدُ بِالْمُنْفَصِلِ لِيَحْصُلَ الْعَطْفُ عَلَى الْمَوْجُودِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ الْمُتَّصِلِ حَيْثُ جَازَ مِنْ غَيْرِ مُؤَكِّدٍ
стр. 454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
كَقَوْلِك ضَرَبْته وَزَيْدًا لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ لَفْظًا لَا تَقْدِيرًا لِأَنَّ الْمَفْعُولَ فَضْلَةٌ فِي الْكَلَامِ فَكَانَ مُنْفَصِلًا فِي التَّقْدِيرِ وَلِذَلِكَ لَا يُغَيَّرُ لَهُ الْكَلِمَةُ فَإِنَّك تَقُولُ ضَرَبَك وَضَرَبَنَا فَيَكُونُ الْبَاءُ عَلَى حَالِهَا فَلِذَلِكَ جَازَ الْعَطْفُ عَلَيْهِ فَأَمَّا مَا نَحْنُ فِي بَيَانِهِ فَمُتَّصِلٌ لَفْظًا وَتَقْدِيرًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْفَاعِلَ كَالْجُزْءِ مِنْ الْفِعْلِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْسُنْ الْعَطْفُ عَلَيْهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ إذَا عَطَفْنَا قَوْلَهُ لَا بَلْ هَذِهِ عَلَى الشَّرْطِ صَارَ عَطْفًا عَلَى التَّاءِ فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت وَهُوَ ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِالْمُنْفَصِلِ وَلَوْ عَطَفْنَاهُ عَلَى الْجَزَاءِ صَارَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ فَأَنْتِ وَهُوَ ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ مُنْفَصِلٌ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ جُعِلَ الْفَاصِلُ قَائِمًا مَقَامَ الْمُؤَكِّدِ فِي جَوَازِ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ مِنْ غَيْرِ قَبِيحٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ - وَامْرَأَتُهُ﴾ [المسد: ٣ - ٤] فَقَوْلُهُ امْرَأَتُهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي سَيَصْلَى عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (حَمَّالَةَ) بِالنَّصْبِ وَجَازَ ذَلِكَ لِلْفَاصِلِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] وَكَذَا وَلَا آَبَاؤُنَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي أَشْرَكْنَا لِلْفَاصِلِ وَهُوَ كَلِمَةُ لَا وَكَذَا وَآَبَاؤُنَا فِي قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٧] مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي كُنَّا بِاعْتِبَارِ الْفَاصِلِ وَهُوَ تُرَابًا إلَى غَيْرِهَا مِنْ النَّظَائِرِ وَهَهُنَا قَدْ وُجِدَ الْفَاصِلُ وَهُوَ لَفْظَةُ الدَّارِ وَكَلِمَةُ لَا فَيَقْتَضِي جَوَازَ الْعَطْفِ عَلَى التَّاءِ فِي دَخَلْت مِنْ غَيْرِ قُبْحٍ كَمَا جَازَ عَلَى أَنْتَ وَاسْتِوَاءَ الشَّبَهَيْنِ فِي صِحَّةِ الْعَطْفِ وَإِذَا اسْتَوَيَا تَرَجَّحَ الْعَطْفُ عَلَى الشَّرْطِ بِالْقُرْبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ ضَرَبْتُك لَا بَلْ هَذِهِ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي ضَرَبْتُك لَا عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى كَانَ طَلَاقُ الْأُولَى مُعَلَّقًا بِضَرْبِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَا تَطْلُقُ الثَّانِيَةُ بِحَالٍ لِاسْتِوَاءِ الْجِهَتَيْنِ وَتَرَجُّحِ الْأَخِيرَةِ بِالْقُرْبِ قُلْنَا إنَّمَا جُعِلَ الْفَاصِلُ قَائِمًا مَقَامَ الْمُؤَكِّدِ فِي جَوَازِ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ مِنْ غَيْرِ قُبْحٍ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْكَلَامِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ آخَرُ أَقْوَى مِنْهُ فَأَمَّا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ فَالْعَطْفُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَدْ وُجِدَ الْأَقْوَى وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ فِي صِحَّةِ الْعَطْفِ عَلَيْهِ إلَى مُؤَكِّدٍ وَلَا فَاصِلٍ فَكَانَ أَوْلَى مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْعَطْفُ عَلَى الْأَقْوَى فَحِينَئِذٍ يُصَارُ إلَى مَا دُونَهُ فِي الدَّرَجَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا بَلْ فُلَانٌ فَيَتَعَيَّنُ الْعَطْفُ عَلَى الشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ ضَمِيرًا مَرْفُوعًا مُتَّصِلًا لِتَعَذُّرِ الْعَطْفِ عَلَى الْجَزَاءِ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ.
وَقَدْ جَاءَ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فِي قَوْلِهِ:
قُلْت إذْ أَقْبَلَتْ وَزَهْرٌ تَهَادَى ... كَنِعَاجِ الْمَلَا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا
فَمَعَ الْفَصْلِ أَوْلَى ثُمَّ إنَّهُ إنْ نَوَى الْوَجْهَ الثَّانِيَ وَهُوَ الْعَطْفُ عَلَى الشَّرْطِ صَحَّ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَإِنْ دَخَلَتْ الثَّانِيَةُ أَوْ الْأُولَى الدَّارَ طَلُقَتْ الْأُولَى وَاحِدَةً وَلَوْ دَخَلَتَا فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ دَخَلَتْ الْأُولَى طَلُقَتْ الْأَخِيرَةُ أَيْضًا فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِ الطَّلَاقِ عَنْ الثَّانِيَةِ بِدُخُولِ الْأُولَى لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِظَاهِرِ الْعَطْفِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِهِ وَإِنَّمَا صَدَّقْنَاهُ فِيمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ دُونَ التَّخْفِيفِ وَإِنْ نَوَى الْوَجْهَ الثَّالِثَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْعَطْفِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْقِيَامُ مَقَامَ الْأَوَّلِ فِي الَّذِي تَمَّ بِهِ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ فَإِذَا تَعَذَّرَ إبْطَالُ الْأَوَّلِ وَجَبَ الشَّرِكَةُ فِي ذَلِكَ
стр. 455
وَأَمَّا إذَا اسْتَوَيَا فَمِثَالُهُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْإِقْرَارِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَدِينَارًا أَنَّ الدِّينَارَ صَارَ دَاخِلًا فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَصَارَ مَشْرُوطًا مَعَ الْعَشَرَةِ لَا مَعَ الْأَلْفِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ عَطْفَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَحِيحٌ فَصَارَ مَا جَاوَرَهُ أَوْلَى.
وَأَمَّا لَكِنْ فَقَدْ وُضِعَ لِلِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ النَّفْيِ تَقُولُ مَا جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو فَصَارَ الثَّابِتُ بِهِ إثْبَاتَ مَا بَعْدَهُ فَأَمَّا نَفْيُ الْأَوَّلِ فَيَثْبُتُ بِدَلِيلِهِ بِخِلَافِ كَلِمَةِ بَلْ
ــ
[كشف الأسرار]
بِعَيْنِهِ فَلَوْ أَفْرَدْنَاهُ بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لَبَطَلَتْ الشَّرِكَةُ وَذَلِكَ مِمَّا يُنَافِيهِ الْعَطْفُ النَّاقِصُ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْعَطْفِ النَّاقِصِ إنَّمَا يُجْعَلُ مَا تَقَدَّمَ كَالْمُعَادِ ضَرُورَةَ الْحَاجَةِ إلَى تَصْحِيحِ آخِرِ كَلَامِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا بَلْ هَذِهِ غَيْرُ مَفْهُومِ الْمَعْنَى وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِصَرْفِهَا إلَى الطَّلَاقِ أَوْ إلَى الشَّرْطِ فَلَا يُصَارُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا اسْتَوَيَا) أَيْ اسْتَوَى الشَّبَهَانِ فِي صِحَّةِ الْعَطْفِ وَحُسْنِهِ فَمِثَالُهُ مَا لَوْ قَالَ إنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَدِينَارًا كَانَ الدِّينَارُ مَعْطُوفًا عَلَى الْعَشَرَةِ لَا عَلَى الْأَلْفِ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ مُسْتَثْنَاةً مِثْلَ الْعَشَرَةِ فَيَلْزَمُهُ تِسْعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ لَوْ قَدَّرْنَا قِيمَةَ الدِّينَارِ عَشَرَةً أَوْ سَبْعُونَ لَوْ قَدَّرْنَاهَا عِشْرِينَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى الْأَلْفِ لَزِمَهُ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِي عَطْفِ الدِّينَارِ شَبَهَانِ إذْ يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ الْأَلْفُ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَدِينَارٌ وَيَحْسُنُ عَطْفُهُ أَيْضًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ عَشَرَةٌ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الدِّينَارِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْأَلْفِ صَحِيحٌ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ كَاسْتِثْنَاءِ الْعَشَرَةِ مِنْهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَدِينَارًا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْعَشَرَةِ لَا غَيْرُ وَإِذَا صَحَّ الْعَطْفُ عَلَيْهِمَا تَرَجَّحَ الْعَطْفُ عَلَى الْعَشَرَةِ بِالْقُرْبِ وَالْجِوَارِ وَبِأَنَّ فِيهِ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَيَصِيرُ قِيمَتُهُ مُسْتَثْنَاةً مَعَ الْعَشَرَةِ مِنْ الْأَلْفِ، قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ أَصْلَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَجِبُ عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنْ يَكُونَ الدِّينَارُ مَعْطُوفًا عَلَى الْأَلْفِ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى الْعَشَرَةِ يَصِيرُ الدِّينَارُ مُسْتَثْنًى مِنْ الدَّرَاهِمِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْقِيَاسُ وَلَمَّا بَطَلَ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ تَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِلْعَطْفِ.
فَإِنْ قِيلَ إذَا جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يَصِيرُ الدَّرَاهِمُ الْعَشَرَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْأَلْفِ وَمِنْ الدِّينَارِ وَذَلِكَ عِنْدَهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ أَيْضًا وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَى الْأَلْفِ وَعَلَى الْعَشَرَةِ عِنْدَهُمَا يَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ كَمَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةً وَثَوْبًا قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ صِحَّةِ عَطْفِهِ عَلَى الْأَلْفِ عِنْدَهُمَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﵀ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ إلَّا دِرْهَمٌ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَنْصَرِفُ إلَى الدَّرَاهِمِ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ اسْتِثْنَاءً مِنْ الدَّنَانِيرِ نَظَرًا إلَى الْقُرْبِ صَحَّ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ اسْتِثْنَاءً مِنْ الدَّرَاهِمِ صَحَّ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى فَكَانَ جَعْلُهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْلَى ثُمَّ قَالَ إذَا كَانَ ذَلِكَ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ نَوْعِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْصَرِفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجِنْسِ فَصَحَّ الْعَطْفُ عَلَى الْأَلْفِ.
[معانى لَكِنْ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا لَكِنْ) اعْلَمْ أَنَّ لَكِنْ يُسْتَدْرَكُ بِهِ مَا يُقَدَّرُ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ التَّوَهُّمِ نَحْوَ قَوْلِك مَا رَأَيْت زَيْدًا لَكِنْ عَمْرًا فَلِمُتَوَهِّمٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ عَمْرًا غَيْرُ مَرْئِيٍّ أَيْضًا فَأَمَاطَتْ كَلِمَةُ لَكِنْ هَذَا التَّوَهُّمَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلْ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَكِنْ أَخَصُّ مِنْ بَلْ فِي الِاسْتِدْرَاكِ لِأَنَّك تَسْتَدْرِكُ بَلْ بَعْدَ الْإِيجَابِ كَقَوْلِك ضَرَبْت زَيْدًا بَلْ عَمْرًا وَبَعْدَ النَّفْيِ كَقَوْلِك مَا جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو وَلَا تَسْتَدْرِكُ بِلَكِنْ إلَّا بَعْدَ النَّفْيِ لَا تَقُولُ ضَرَبْت زَيْدًا لَكِنْ عَمْرًا وَإِنَّمَا تَقُولُ مَا ضَرَبْت زَيْدًا لَكِنْ عَمْرًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وُضِعَ لِلِاسْتِدْرَاكِ
стр. 456
غَيْرَ أَنَّ الْعَطْفَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عِنْدَ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ فَإِذَا اتَّسَقَ الْكَلَامُ تَعَلَّقَ النَّفْيُ بِالْإِثْبَاتِ الَّذِي وُصِلَ بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ مِثَالُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْجَامِعِ فِي رَجُلٍ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَأَقَرَّ أَنَّهُ لِفُلَانٍ فَقَالَ فُلَانٌ مَا كَانَ لِي قَطُّ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ آخَرَ فَإِنْ وُصِلَ الْكَلَامُ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي وَإِنْ فُصِلَ يُرَدُّ عَلَى الْمُقِرِّ لِأَنَّهُ نَفَى عَنْ نَفْسِهِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا عَنْ نَفْسِهِ أَصْلًا فَيَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا إلَى غَيْرِ الْأَوَّلِ فَإِذَا وُصِلَ كَانَ بَيَانًا أَنَّهُ نَفَاهُ إلَى الثَّانِي وَإِذَا فُصِلَ كَانَ مُطْلَقًا فَصَارَ تَكْذِيبًا لِلْمُقِرِّ وَقَالُوا فِي الْمَقْضِيِّ لَهُ بِدَارٍ بِالْبَيِّنَةِ إذَا قَالَ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ
ــ
[كشف الأسرار]
بَعْدَ النَّفْيِ وَهَذَا فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ فَإِنْ كَانَ فِي الْكَلَامِ جُمْلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ جَازَ الِاسْتِدْرَاكُ بِلَكِنْ فِي الْإِيجَابِ أَيْضًا كَقَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو لَمْ يَأْتِ فَقَوْلُك عَمْرٌو لَمْ يَأْتِ جُمْلَةٌ مَنْفِيَّةٌ وَمَا قَبْلَ لَكِنْ جُمْلَةٌ مُوجَبَةٌ فَقَدْ حَصَلَ الِاخْتِلَافُ وَعَمْرٌو فِي قَوْلِك لَكِنْ عَمْرٌو لَمْ يَأْتِ، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَلَمْ يَأْتِ خَبَرُهُ وَكَذَا قَوْلُك ضَرَبْت زَيْدًا لَكِنْ لَمْ أَضْرِبْ عَمْرًا فَعَمْرًا مَنْصُوبٌ بِلَمْ أَضْرِبْ وَلَيْسَ لِحَرْفِ الْعَطْفِ فِيهِ حَظٌّ كَمَا يَكُونُ فِي قَوْلِك مَا ضَرَبْت زَيْدًا لَكِنْ عَمْرًا كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ لِلِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ النَّفْيِ مُخْتَصٌّ بِعَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ دُونَ عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَالثَّانِي أَنَّ مُوجِبَ الِاسْتِدْرَاكِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ إثْبَاتُ مَا بَعْدَهُ فَأَمَّا نَفْيُ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ مِنْ أَحْكَامِهَا بَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ وَهُوَ النَّفْيُ الْمَوْجُودُ فِيهِ صَرِيحًا بِخِلَافِ كَلِمَةِ بَلْ فَإِنَّ مُوجِبَهَا وَضْعًا نَفْيُ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتُ الثَّانِي يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي قَوْلِك مَا جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو انْتَفَى مَجِيءُ زَيْدٍ بِصَرِيحِ هَذَا الْكَلَامِ لَا بِكَلِمَةِ لَكِنْ فَإِنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْ قَوْلِهِ لَكِنْ عَمْرٌو كَانَ الِانْتِفَاءُ ثَابِتًا أَيْضًا وَفِي قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو انْتَفَى مَجِيءُ زَيْدٍ بِكَلِمَةِ بَلْ لَا بِصَرِيحِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْ قَوْلِهِ بَلْ عَمْرٌو لَا يَثْبُتُ الِانْتِفَاءُ بَلْ يَثْبُتُ ضِدُّهُ وَهُوَ الثُّبُوتُ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ الْعَطْفَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنْ مِنْ قَوْلِهِ وُضِعَ لِلِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ النَّفْيِ وَتَقْدِيرُهُ لَكِنْ لِلْعَطْفِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ النَّفْيِ إلَّا أَنَّ الْعَطْفَ بِهَذَا الطَّرِيقِ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عِنْدَ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ وَالْمُرَادُ مِنْ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ، انْتِظَامُهُ وَذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ غَيْرَ مُنْفَصِلٍ لِيَتَحَقَّقَ الْعَطْفُ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْإِثْبَاتِ غَيْرَ مَحَلِّ النَّفْيِ لِيُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُنَاقِضُ آخِرُ الْكَلَامِ أَوَّلَهُ كَمَا فِي قَوْلِك مَا جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو فَإِذَا فَاتَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ لَا يَثْبُتُ الِاتِّسَاقُ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْرَاكُ فَيَكُونُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا مِثَالُ فَوَاتِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَأَقَرَّ بِهِ لِإِنْسَانٍ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ مَا كَانَ لِي قَطُّ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ آخَرَ فَإِنْ وَصَلَ الْكَلَامَ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي وَهُوَ فُلَانٌ وَإِنْ فَصَلَ يُدْرَدُ عَلَى الْمُقَرِّ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَهُوَ قَوْلُهُ مَا كَانَ لِي قَطُّ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ مِلْكِهِ عَنْ الْعَبْدِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا عَنْ نَفْسِهِ أَصْلًا مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلٍ إلَى آخَرَ فَيَكُونُ هَذَا رَدًّا لِلْإِقْرَارِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لَهُ وَالْمُقَرُّ لَهُ مُتَفَرِّدٌ بِرَدِّ الْإِقْرَارِ فَيَرْتَدُّ بِرَدِّهِ وَيَرْجِعُ الْعَبْدُ إلَى الْمُقِرِّ الْأَوَّلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا عَنْ نَفْسِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي فَيَكُونُ تَحْوِيلًا لَا رَدًّا لِلْإِقْرَارِ وَيَصِيرُ قَابِلًا لَهُ مُقِرًّا بِهِ لِغَيْرِهِ.
فَإِذَا وَصَلَ أَيْ قَوْلُهُ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ بِهِ أَيْ بِقَوْلِهِ مَا كَانَ لِي قَطُّ كَانَ وَصْلُهُ بِهِ بَيَانًا أَنَّهُ نَفَاهُ أَيْ الْمِلْكَ عَنْ نَفْسِهِ إلَى الثَّانِي لَا أَنَّهُ نَفَاهُ مُطْلَقًا وَصَارَ كَالْمَجَازِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَيَصِيرُ قَوْلُهُ عَلَيَّ مَجَازًا لِلْحِفْظِ إذَا وَصَلَهُ بِالْكَلَامِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا وَإِذَا فَصَلَ فِي قَوْلِهِ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ عَنْ النَّفْيِ كَانَ هَذَا نَفْيًا مُطْلَقًا أَيْ نَفْيًا عَنْ نَفْسِهِ أَصْلًا لَا نَفْيًا إلَى أَحَدٍ فَكَانَ رَدًّا لِلْإِقْرَارِ وَتَكْذِيبًا لِلْمُقِرِّ حَمْلًا لِلْكَلَامِ عَلَى الظَّاهِرِ وَكَانَ قَوْلُهُ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ شَهَادَةً بِالْمِلْكِ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي عَلَى الْمُقِرِّ الْأَوَّلِ وَبِشَهَادَةِ الْفَرْدِ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فَيَبْقَى الْعَبْدُ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ الْأَوَّلِ وَمِثَالٌ آخَرُ رَجُلٌ ادَّعَى
стр. 457
لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ وَقَالَ فُلَانٌ إنَّهُ بَاعَنِي بَعْدَ الْقَضَاءِ أَوْ وَهَبَنِي أَنَّ الدَّارَ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَعَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ الْقِيمَةُ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ نَفَاهَا عَنْ نَفْسِهِ إلَى الثَّانِي أَيْضًا حَيْثُ وُصِلَ بِهِ الْبَيَانُ
ــ
[كشف الأسرار]
دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا دَارُهُ وَاَلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ يَجْحَدُ ذَلِكَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهَا دَارُهُ فَقَضَى الْقَاضِي بِهَا لَهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْمَقْضِيُّ لَهُ أَنَّهَا دَارُ فُلَانٍ وَلَمْ يَكُنْ لِي قَطُّ أَوْ قَالَ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْجَمِيعِ تُرَدُّ الدَّارُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا أَنَّ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ وَالْحُكْمَ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ بَاطِلًا فَوَجَبَ رَدُّ الدَّارِ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْمُقِرَّ الْأَوَّلَ.
وَالثَّانِيَ وَالْمُقَرَّ لَهُ الْآخَرَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ الثَّانِيَ صَدَّقَ الْمُقِرَّ الْأَوَّلَ فِي النَّفْيِ وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي الْجِهَةِ وَالثَّالِثَ صَدَّقَ الْمُقِرَّ الثَّانِيَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنْ لَا حَقَّ لِلْأَوَّلِ فِي الْعَبْدِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ رَدُّهُ عَلَيْهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ فَيُرَدُّ إلَى الثَّالِثِ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ فَأَمَّا الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَدَّعِيهَا وَلَمْ يَزْعُمْ قَطُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ وَلَكِنْ اُسْتُحِقَّتْ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ فَإِذَا بَطَلَ الْقَضَاءُ بِقَوْلِ الْمَقْضِيِّ لَهُ إنَّهَا مَا كَانَتْ لِي قَطُّ لَكِنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ مَنْ أَخَذَهَا بِزَعْمِهِ فَلِهَذَا تُرَدُّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْمُقَرَّ لَهُ صَدَّقَهُ فِي الْإِقْرَارِ وَكَذَّبَهُ فِي النَّفْيِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ كَانَتْ الدَّارُ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ إلَّا أَنَّهُ وَهَبَهَا لِي بَعْدَ الْقَضَاءِ وَسَلَّمَهَا إلَيَّ أَوْ بَاعَهَا مِنِّي فَهِيَ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يُشْكِلُ إذَا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ بِالنَّفْيِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ صَحَّ ظَاهِرًا وَثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِتَصْدِيقِهِ إيَّاهُ فِي قَوْلِهِ هِيَ لِفُلَانٍ فَإِذَا قَالَ بَعْدَهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ فَقَطْ أَرَادَ إبْطَالَ إقْرَارِهِ وَالرُّجُوعَ عَنْهُ وَكَذَّبَهُ الْمُقِرُّ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَبْطُلْ فِي حَقِّهِ وَأَمَّا إذَا بَدَأَ بِالنَّفْيِ بِأَنْ قَالَ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ بِكَلَامٍ مَوْصُولٍ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا وَعَنْ زُفَرَ ﵀ أَنَّ الدَّارَ تُرَدُّ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ كَافٍ فِي نَقْضِ الْقَضَاءِ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَكِنَّهَا لِفُلَانٍ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ مَقْطُوعٌ عَمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيَانٍ مُغَيِّرٍ لِيَتَوَقَّفَ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَيَصِيرَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِالْمِلْكِ لِلْغَيْرِ بَعْدَمَا انْتَفَى مِلْكُهُ وَعَادَ إلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ كَمَا لَوْ فَصَلَ الْإِقْرَارَ عَنْ النَّفْيِ وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّ آخِرَ كَلَامِهِ مُنَافٍ لِأَوَّلِهِ لِأَنَّ آخِرَهُ إثْبَاتٌ وَأَوَّلَهُ نَفْيٌ وَالْإِثْبَاتُ مَتَى ذُكِرَ مَعْطُوفًا عَلَى النَّفْيِ مُتَّصِلًا بِهِ لَا يَقَعُ عَنْهُ وَلَا يُحْكَمُ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ بِشَيْءٍ قَبْلَ آخِرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ تَكُونُ إقْرَارًا بِالتَّوْحِيدِ بِاعْتِبَارِ آخِرِهِ وَلَا فَرْقَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَلَامٌ يَشْتَمِلُ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ كَمَا أَنَّ هَذَا كَلَامٌ يَشْتَمِلُ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَيُعْتَبَرُ الْحَاصِلُ وَهُوَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ لِلْمُقَرِّ لَهُ عِنْدَ اتِّصَالِ آخِرِهِ بِأَوَّلِهِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ بِاتِّصَالِ الْإِثْبَاتِ بِهِ نَفْيًا لِلْمِلْكِ عَنْ نَفْسِهِ بِإِثْبَاتِهِ لِلثَّانِي وَذَلِكَ مُحْتَمِلٌ بِأَنْ يَمْلِكَهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ وَلِهَذَا قَالُوا إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ إذَا غَابَا عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي حَتَّى يُمْكِنَ لِلْقَاضِي تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ فَأَمَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَقَدْ عَلِمَ الْقَاضِي بِكَذِبِهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا هِبَةٌ وَقَبْضٌ وَلَا بَيْعٌ وَالْكَذِبُ لَا حُكْمَ لَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلِأَنَّ اتِّصَالَ النَّفْيِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْإِثْبَاتِ لِغَيْرِهِ إنَّمَا يَكُونُ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ عُرْفًا وَمَا ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِلشَّيْءِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ فَصَارَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قَالَ هَذَا الدَّارُ لِفُلَانٍ وَسَكَتَ وَلِأَنَّ النَّفْيَ
стр. 458
إلَّا أَنَّهُ بِالْإِسْنَادِ صَارَ شَاهِدًا عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ فَلَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَقَالَ فِي نِكَاحِ الْجَامِعِ فِي أَمَةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْمَوْلَى لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ وَلَكِنْ أُجِيزُهُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ إنْ زِدْتنِي خَمْسِينَ أَنَّ هَذَا فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ وَجُعِلَ لَكِنْ مُبْتَدَأً لِأَنَّ الْكَلَامَ غَيْرُ مُتَّسِقٍ لِأَنَّهُ نَفْيُ فِعْلٍ وَإِثْبَاتُهُ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِلتَّدَارُكِ وَفِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضٌ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لَا وَلَكِنَّهُ غَصْبٌ
ــ
[كشف الأسرار]
لَمَّا كَانَ لِتَأْكِيدِ الْإِقْرَارِ كَانَ مُؤَخَّرًا عَنْ الْإِقْرَارِ مَعْنًى لِأَنَّ التَّأْكِيدَ أَبَدًا يَكُونُ بَعْدَ الْمُؤَكَّدِ.
وَلِأَنَّ الْمُقِرَّ قَصَدَ تَصْحِيحَ إقْرَارِهِ وَلَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا بِجَعْلِ الْإِقْرَارِ مُقَدَّمًا وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ دُونَ الْإِلْغَاءِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ لَكِنَّهُ بِالْإِسْنَادِ أَيْ بِإِسْنَادِ نَفْيِ الْمِلْكِ إلَى مَا قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ يَتَنَاوَلُ الْأَزْمِنَةَ السَّابِقَةَ عَلَى الْقَضَاءِ صَارَ شَاهِدًا عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّ حَقَّ الْمُقَرِّ لَهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ يُبْطِلُ هَذَا الْحَقَّ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ يَتَضَمَّنُ بُطْلَانَ الْقَضَاءِ وَفِي بُطْلَانِهِ بُطْلَانُ حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْقَضَاءِ فَصَارَ شَاهِدًا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَلَمْ يَصِحَّ شَهَادَتُهُ عِنْدَ تَكْذِيبِ الْمُقِرِّ لَهُ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لِلْغَيْرِ وَيَتَّضِحُ هَذَا بِفَصْلِ تَقْدِيمِ الْإِقْرَارِ عَلَى النَّفْيِ بِأَنْ قَالَ هِيَ لِفُلَانٍ وَلَمْ يَكُنْ لِي قَطُّ فَإِنَّ النَّفْيَ فِيهِ شَهَادَةٌ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَبُطْلَانُ حَقِّهِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ السَّابِقِ فَكَذَلِكَ فِي فَصْلِ تَأْخِيرِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِاتِّصَالِ النَّفْيِ بِالْإِثْبَاتِ صَارَ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَصَارَ تَقَدُّمُ الْإِقْرَارِ وَتَأَخُّرُهُ سَوَاءً ثُمَّ إنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُصَدَّقْ فِي حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ إقْرَارٌ بِبُطْلَانِ الْقَضَاءِ وَهُوَ حَقُّهُ فَصَارَ بِهِ مُقِرًّا بِالدَّارِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهَا.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى ضَمَانَ الْعَقَارِ بِالْغَصْبِ فَيَضْمَنُ بِالْقَصْرِ أَيْضًا فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَلَا وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ ﵀ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْعَقَارَ يُضْمَنُ بِالْقَوْلِ مِثْلُ سَوْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فَكَذَا هَهُنَا وَذَكَرَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ أَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ لِغَيْرِهِ صَارَ مُتْلِفًا لِلدَّارِ وَالدَّارُ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا يُضْمَنُ بِالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ أَعْنِي قَوْلَ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْعَبْدِ مَا كَانَ لِي قَطُّ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ وَقَوْلَ مُدَّعِي الدَّارِ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ لَيْسَا مِنْ نَظَائِرِ هَذَا الْبَابِ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ لَكِنَّ الْمُشَدَّدَةَ لَيْسَتْ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ بَلْ هِيَ مِنْ الْحُرُوفِ النَّاصِبَةِ أَوْ إنَّمَا الْعَاطِفَةُ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ إلَّا أَنَّهُمَا لَمَّا اشْتَرَكَتَا فِي الِاسْتِدْرَاكِ وَاسْتَوَتَا فِي الْحُكْمِ أَوْرَدَ الشَّيْخُ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَمِثَالُ فَوَاتِ الْمَعْنَى الثَّانِي أَمَةٌ تَزَوَّجَتْ إلَى آخِرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ (وَفِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَك عَلَيَّ كَذَا) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُخَالِفُ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَبْلَهَا فِي أَنَّ الِاسْتِدْرَاكَ فِيهَا صَرْفٌ إلَى الْجُمْلَةِ حَتَّى صَحَّ وَلَمْ يُصْرَفْ إلَى أَصْلِ الْإِقْرَارِ وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ صَرْفٌ إلَى أَصْلِ النِّكَاحِ وَلَمْ يُصْرَفْ إلَى الْجِهَةِ وَهِيَ نَفْيُ الْمِائَةِ وَإِثْبَاتُ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ إلَّا بِزِيَادَةِ خَمْسِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ قَدْ صَرَّحَ بِرَدِّ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ فَلَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى الْجِهَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ لَمْ يُصَرِّحْ بِرَدِّ أَصْلِ الْإِقْرَارِ وَهُوَ الْأَلْفُ بَلْ قَالَ لَا وَأَنَّهُ يَصْلُحُ رَدًّا لِلْجِهَةِ وَرَدًّا لِلْأَصْلِ فَإِذَا وَصَلَ بِهِ قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ غَصْبٌ عُلِمَ أَنَّهُ نَفَى السَّبَبَ لَا أَصْلَ الْمَالِ وَأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَهُ فِي الْإِقْرَارِ بِأَصْلِ الْمَالِ وَلَا تَفَاوُتَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ وَالْأَسْبَابُ مَطْلُوبَةٌ لِلْأَحْكَامِ فَعِنْدَ عَدَمِ التَّفَاوُتِ يَتِمُّ تَصْدِيقُهُ لَهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الْمَالُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِأَنَّ الْأَلْفَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْغَصْبِ وَشَهِدَ الْآخَرُ بِأَنَّ الْأَلْفَ
стр. 459
الْكَلَامُ مُتَّسِقٌ فَيَصِحُّ الْوَصْلُ لِبَيَانِ أَنَّهُ نَفْيُ السَّبَبِ لَا الْوَاجِبِ.
وَأَمَّا أَوْ فَإِنَّهَا تَدْخُلُ بَيْنَ اسْمَيْنِ أَوْ فِعْلَيْنِ فَيَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ هَذَا مَوْضُوعَهَا الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ يُقَالُ جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو أَيْ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُوضَعْ لِلشَّكِّ وَلَيْسَ الشَّكُّ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ يُقْصَدُ بِالْكَلَامِ وَضْعًا لَكِنَّهَا وُضِعَتْ لِمَا قُلْنَا فَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْخَبَرِ تَنَاوَلَتْ أَحَدَهُمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَأَفْضَى إلَى الشَّكِّ وَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْإِنْشَاءِ تَنَاوَلَتْ أَحَدَهُمَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ تَقُولُ رَأَيْت زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَيَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ لَا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ فَعَلِمْت أَنَّ الشَّكَّ إنَّمَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ مَحَلِّ الْكَلَامِ
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْقَرْضِ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْأَصْلِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَصِيرُ مُكَذِّبًا أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلشَّهَادَةِ فَأَمَّا تَكْذِيبُ الْمُقَرِّ لَهُ لِلْمُقِرِّ فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ فَلَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْإِقْرَارِ فَافْتَرَقَا وَقَوْلُهُ الْكَلَامُ مُتَّسِقٌ أَيْ كَلَامُ الْمُقَرِّ لَهُ مَعَ كَلَامِ الْمُقِرِّ مُتَوَافِقَانِ لَا مُتَنَافِيَانِ لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا فِي أَصْلِ الْوَاجِبِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ.
[معانى أَوْ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا أَوْ) اعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ تَدْخُلُ بَيْنَ اسْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَقَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو أَوْ بَيْنَ فِعْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وَكَقَوْلِك كُلْ السَّمَكَ أَوْ اشْرَبْ اللَّبَنَ فَيَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ هَذَا مُوجَبُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ لِأَنَّهَا فِي مَوَاضِعِ اسْتِعْمَالِهَا لَا تَخْلُو عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَعَرَفْنَا أَنَّهَا وُضِعَتْ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَالْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ حَتَّى لَوْ كَفَّرَ بِالْأَنْوَاعِ كُلِّهَا كَانَ مُؤَدِّيًا بِأَحَدِ الْأَنْوَاعِ لَا بِالْجَمِيعِ كَمَا قَالَهُ الْبَعْضُ.
وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَكَذَا الْجَائِي فِي قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو أَحَدُهُمَا لَا كِلَاهُمَا قَوْلُهُ (وَلَمْ يُوضَعْ لِلشَّكِّ) نَفْيٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْإِثْبَاتِ وَلِلنَّفْيِ فِي النَّفْيِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ كَلِمَةُ تَشْكِيكٍ فَإِنَّك إذَا قُلْت رَأَيْت زَيْدًا أَوْ عَمْرًا لَا تَكُونُ مُخْبِرًا عَنْ رُؤْيَتِهِمَا جَمِيعًا وَلَكِنَّك تَكُونُ مُخْبِرًا عَنْ رُؤْيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ فَإِنَّك قَدْ رَأَيْت أَحَدَهُمَا وَلَكِنَّك شَكَكْت فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْهُمَا حَتَّى احْتَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَرْئِيُّ وَأَنْ لَا يَكُونَ إلَّا أَنَّهَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْإِيجَابَاتِ وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي لَمْ تُوجِبْ شَكًّا لِأَنَّ الشَّكَّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الْتِبَاسِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْإِخْبَارَاتِ فَأَمَّا الْإِنْشَاءَاتُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا شَكٌّ وَلَا الْتِبَاسٌ لِأَنَّهَا لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ ابْتِدَاءً وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ مَذْهَبُ عَامَّةِ النُّحَاةِ وَخَالَفَهُ الشَّيْخُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ لَيْسَتْ لِلتَّشْكِيكِ لِأَنَّ الشَّكَّ لَيْسَ بِمَعْنًى يُقْصَدُ بِالْكَلَامِ وَضْعًا أَيْ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي الْمُخَاطَبَاتِ بِحَيْثُ يُوضَعُ كَلِمَةً تُوجِبُ تَشْكِيكَ السَّامِعِ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّكَّ لَيْسَ بِمَعْنًى يُوضَعُ لَهُ لَفْظٌ لِأَنَّ لَفْظَ الشَّكِّ قَدْ وُضِعَ لِمَعْنَاهُ بَلْ الْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْكَلَامِ إفْهَامُ السَّامِعِ لَا تَشْكِيكُهُ فَلَا يَكُونُ الشَّكُّ مِنْ مَقَاصِدِهِ فَلَا يَكُونُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَوْضُوعَةً لِذَلِكَ بَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِأَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ غَيْرِ عَيْنٍ كَمَا قُلْنَا إلَّا أَنَّهَا فِي الْإِخْبَارَاتِ يُفْضِي إلَى الشَّكِّ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ مَجِيءِ أَحَدِهِمَا فِي قَوْلِهِ جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِعْلَ الْمَجِيءِ وُجِدَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَيْنًا لَا نَكِرَةً إذْ لَا تَصَوُّرَ لِصُدُورِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ وَبِإِضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى أَحَدِهِمَا غَيْرِ عَيْنٍ لَا يَنْتَقِلُ الْفِعْلُ مِنْ الْعَيْنِ إلَى النَّكِرَةِ بَلْ يَبْقَى مُضَافًا إلَى الْعَيْنِ كَمَا وُجِدَ وَإِنَّمَا جَهِلَهُ السَّامِعُ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ فِعْلُ الْمَجِيءِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّشْكِيكَ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمًا وَاتِّفَاقًا بِكَوْنِ الْكَلَامِ خَبَرًا لَا مَقْصُودًا بِحَرْفِ أَوْ كَالْهِبَةِ وُضِعَتْ لِإِفَادَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُمَّ إذَا أُضِيفَ إلَى الدَّيْنِ يَكُونُ إسْقَاطًا حُكْمًا وَاتِّفَاقًا لَا مَقْصُودًا بِالْهِبَةِ أَلَا تَرَى
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
أَنَّهَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْإِنْشَاءِ لَا تُؤَدِّي مَعْنَى الشَّكِّ أَصْلًا مَعَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيهِ لَا مَجَازٌ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَخْلُو عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ فَثَبَتَ أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِلتَّشْكِيكِ وَكَذَا التَّخْيِيرُ يَثْبُتُ بِمَحَلِّ الْكَلَامِ أَيْضًا لِأَنَّهَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الِابْتِدَاءِ كَقَوْلِك اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا تَنَاوَلْت أَحَدَهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ وَالْأَمْرُ لِلِائْتِمَارِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الِائْتِمَارُ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ فَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ ضَرُورَةَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِائْتِمَارِ وَلِهَذَا لَوْ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا قَوْلًا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الْفِعْلِ وَكَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْإِنْشَاءِ كَقَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا.
وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُفَصَّلِ أَنَّ (أَوْ) وَ (أَمْ) وَأَمَّا ثَلَاثَتُهَا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِأَحَدِ الْمَذْكُورِينَ إلَّا أَنَّ (أَوْ) وَ (أَمَّا) يَقَعَانِ فِي الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَ (أَمْ) لَا يَقَعُ إلَّا فِي الِاسْتِفْهَامِ إذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً إلَى آخِرِهِ وَمَا ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ فِي الْخَبَرِ وَغَيْرِهِ تَقُولُ كُلْ السَّمَكَ أَوْ اشْرَبْ اللَّبَنَ أَيْ افْعَلْ أَحَدَهُمَا وَلَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا وَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّك تَقُولُ جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّك أَثْبَتّ الْمَجِيءَ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ فَهَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْكَلَامُ خَبَرًا كَانَتْ أَوْ لِلشَّكِّ كَمَا رَأَيْت وَإِنْ كَانَ أَمْرًا كَانَتْ لِلتَّخْيِيرِ كَقَوْلِك اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَقَدْ أَمَرْته بِأَنْ يَضْرِبَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ خَيَّرْته فِي ذَلِكَ فَأَيُّهُمَا ضَرَبَ كَانَ مُطِيعًا وَمَا ذَكَرَ أَيْضًا فِي الْمُقْتَصِدِ أَنَّ أَوْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا الشَّكُّ نَحْوُ قَوْلِهِ ضَرَبْت زَيْدًا أَوْ عَمْرًا أَرَدْت أَنْ تُخْبِرَ بِضَرْبِك زَيْدًا فَاعْتَرَضَك شَكٌّ صَوَّرْت لَهُ أَنْ تَكُونَ ضَرَبْت عَمْرًا فَأَثْبَتَّ بِأَوْ وَعَطَفْتَ عَمْرًا عَلَى زَيْدٍ فَصَارَ كَلَامُك مُفِيدًا أَنَّك ضَرَبْت وَاحِدًا مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي التَّخْيِيرُ كَقَوْلِك اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَقَدْ أَمَرْته بِضَرْبِ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَضْرِبَهُمَا مَعًا فَلَيْسَ فِي هَذَا شَكٌّ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْآمِرَ إذَا قَالَ اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ قَدْ شَكَّ فِيهِ كَمَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ الْإِبَاحَةُ نَحْوَ قَوْلِهِمْ جَالِسْ الْحَسَنَ أَوْ ابْنَ سِيرِينَ فَهَذَا يُشْبِهُ التَّخْيِيرَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ جَالَسَ أَحَدَهُمَا كَانَ مُطِيعًا وَيُفَارِقُهُ مِنْ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ جَالَسَهُمَا مَعًا كَانَ جَائِزًا.
وَلَوْ قُلْت اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَضَرَبَهُمَا جَمِيعًا لَمْ يَجُزْ قَالَ وَلَمَّا كَانَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا قَالُوا زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو قَامَ وَلَمْ يَقُولُوا قَامَا لِأَنَّ الْمَعْنَى أَحَدُهُمَا قَامَ فَإِنْ قِيلَ أَوَّلُ هَذَا الْكَلَامِ يُؤَيِّدُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ وَكَذَا مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُفَصَّلِ وَيُقَالُ فِي أَوْ وَأَمَّا فِي الْخَبَرِ أَنَّهُمَا لِلشَّكِّ وَفِي الْأَمْرِ أَنَّهُمَا لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ وَمَا ذُكِرَ فِي الْمِفْتَاحِ أَنَّ أَوْ فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ وَفِي الْأَمْرِ لِلتَّخْيِيرِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ عَنْ الْجَمْعِ أَوْ الْإِبَاحَةِ وَهِيَ تَجْوِيزُ الْجَمْعِ وَفِي الِاسْتِفْهَامِ لِأَحَدِ مَا يُذْكَرُ لَا عَلَى التَّعْيِينِ قُلْنَا هَذَا مِنْهُمْ تَسَامُحٌ فِي الْعِبَارَةِ وَبَيَانٌ لِمَوَاضِعِ الِاسْتِعْمَالِ وَتَقْسِيمٌ لَهُ بِحَسَبِ الْعَوَارِضِ وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَرَأَيْت فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ أَنَّ مَعْنَى أَوْ إثْبَاتُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ مُبْهَمًا مَعَ إفْرَادِهِ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْمَعْنَى بِلَا تَرْتِيبٍ لِأَنَّهَا فِي حُرُوفِ الْعَطْفِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ وَفِي أَنَّهَا لَا تُرَتِّبُ إلَّا أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَأَوْ لِلْإِفْرَادِ وَهِيَ تَجِيءُ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ إبْهَامُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ وَالشَّكُّ وَالتَّخْيِيرُ وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّفْصِيلُ وَمَعْنَى الْإِفْرَادِ فَقَطْ، وَبِمَعْنَى إلَّا أَنَّ.
وَالْأَصْلُ فِي الْجَمِيعِ هُوَ الْأَوَّلُ فَقَطْ لِرُجُوعِهَا فِي الْجَمِيعِ إلَيْهِ
следующие страницы →