← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

غَيْرَ أَنَّ الْعَطْفَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عِنْدَ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ فَإِذَا اتَّسَقَ الْكَلَامُ تَعَلَّقَ النَّفْيُ بِالْإِثْبَاتِ الَّذِي وُصِلَ بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ مِثَالُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْجَامِعِ فِي رَجُلٍ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَأَقَرَّ أَنَّهُ لِفُلَانٍ فَقَالَ فُلَانٌ مَا كَانَ لِي قَطُّ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ آخَرَ فَإِنْ وُصِلَ الْكَلَامُ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي وَإِنْ فُصِلَ يُرَدُّ عَلَى الْمُقِرِّ لِأَنَّهُ نَفَى عَنْ نَفْسِهِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا عَنْ نَفْسِهِ أَصْلًا فَيَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا إلَى غَيْرِ الْأَوَّلِ فَإِذَا وُصِلَ كَانَ بَيَانًا أَنَّهُ نَفَاهُ إلَى الثَّانِي وَإِذَا فُصِلَ كَانَ مُطْلَقًا فَصَارَ تَكْذِيبًا لِلْمُقِرِّ وَقَالُوا فِي الْمَقْضِيِّ لَهُ بِدَارٍ بِالْبَيِّنَةِ إذَا قَالَ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ ــ [كشف الأسرار] بَعْدَ النَّفْيِ وَهَذَا فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ فَإِنْ كَانَ فِي الْكَلَامِ جُمْلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ جَازَ الِاسْتِدْرَاكُ بِلَكِنْ فِي الْإِيجَابِ أَيْضًا كَقَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو لَمْ يَأْتِ فَقَوْلُك عَمْرٌو لَمْ يَأْتِ جُمْلَةٌ مَنْفِيَّةٌ وَمَا قَبْلَ لَكِنْ جُمْلَةٌ مُوجَبَةٌ فَقَدْ حَصَلَ الِاخْتِلَافُ وَعَمْرٌو فِي قَوْلِك لَكِنْ عَمْرٌو لَمْ يَأْتِ، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَلَمْ يَأْتِ خَبَرُهُ وَكَذَا قَوْلُك ضَرَبْت زَيْدًا لَكِنْ لَمْ أَضْرِبْ عَمْرًا فَعَمْرًا مَنْصُوبٌ بِلَمْ أَضْرِبْ وَلَيْسَ لِحَرْفِ الْعَطْفِ فِيهِ حَظٌّ كَمَا يَكُونُ فِي قَوْلِك مَا ضَرَبْت زَيْدًا لَكِنْ عَمْرًا كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ لِلِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ النَّفْيِ مُخْتَصٌّ بِعَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ دُونَ عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ. وَالثَّانِي أَنَّ مُوجِبَ الِاسْتِدْرَاكِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ إثْبَاتُ مَا بَعْدَهُ فَأَمَّا نَفْيُ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ مِنْ أَحْكَامِهَا بَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ وَهُوَ النَّفْيُ الْمَوْجُودُ فِيهِ صَرِيحًا بِخِلَافِ كَلِمَةِ بَلْ فَإِنَّ مُوجِبَهَا وَضْعًا نَفْيُ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتُ الثَّانِي يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي قَوْلِك مَا جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو انْتَفَى مَجِيءُ زَيْدٍ بِصَرِيحِ هَذَا الْكَلَامِ لَا بِكَلِمَةِ لَكِنْ فَإِنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْ قَوْلِهِ لَكِنْ عَمْرٌو كَانَ الِانْتِفَاءُ ثَابِتًا أَيْضًا وَفِي قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو انْتَفَى مَجِيءُ زَيْدٍ بِكَلِمَةِ بَلْ لَا بِصَرِيحِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْ قَوْلِهِ بَلْ عَمْرٌو لَا يَثْبُتُ الِانْتِفَاءُ بَلْ يَثْبُتُ ضِدُّهُ وَهُوَ الثُّبُوتُ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ الْعَطْفَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنْ مِنْ قَوْلِهِ وُضِعَ لِلِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ النَّفْيِ وَتَقْدِيرُهُ لَكِنْ لِلْعَطْفِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ النَّفْيِ إلَّا أَنَّ الْعَطْفَ بِهَذَا الطَّرِيقِ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عِنْدَ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ وَالْمُرَادُ مِنْ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ، انْتِظَامُهُ وَذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ غَيْرَ مُنْفَصِلٍ لِيَتَحَقَّقَ الْعَطْفُ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْإِثْبَاتِ غَيْرَ مَحَلِّ النَّفْيِ لِيُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُنَاقِضُ آخِرُ الْكَلَامِ أَوَّلَهُ كَمَا فِي قَوْلِك مَا جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو فَإِذَا فَاتَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ لَا يَثْبُتُ الِاتِّسَاقُ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْرَاكُ فَيَكُونُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا مِثَالُ فَوَاتِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَأَقَرَّ بِهِ لِإِنْسَانٍ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ مَا كَانَ لِي قَطُّ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ آخَرَ فَإِنْ وَصَلَ الْكَلَامَ فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي وَهُوَ فُلَانٌ وَإِنْ فَصَلَ يُدْرَدُ عَلَى الْمُقَرِّ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَهُوَ قَوْلُهُ مَا كَانَ لِي قَطُّ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ مِلْكِهِ عَنْ الْعَبْدِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا عَنْ نَفْسِهِ أَصْلًا مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلٍ إلَى آخَرَ فَيَكُونُ هَذَا رَدًّا لِلْإِقْرَارِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لَهُ وَالْمُقَرُّ لَهُ مُتَفَرِّدٌ بِرَدِّ الْإِقْرَارِ فَيَرْتَدُّ بِرَدِّهِ وَيَرْجِعُ الْعَبْدُ إلَى الْمُقِرِّ الْأَوَّلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا عَنْ نَفْسِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي فَيَكُونُ تَحْوِيلًا لَا رَدًّا لِلْإِقْرَارِ وَيَصِيرُ قَابِلًا لَهُ مُقِرًّا بِهِ لِغَيْرِهِ. فَإِذَا وَصَلَ أَيْ قَوْلُهُ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ بِهِ أَيْ بِقَوْلِهِ مَا كَانَ لِي قَطُّ كَانَ وَصْلُهُ بِهِ بَيَانًا أَنَّهُ نَفَاهُ أَيْ الْمِلْكَ عَنْ نَفْسِهِ إلَى الثَّانِي لَا أَنَّهُ نَفَاهُ مُطْلَقًا وَصَارَ كَالْمَجَازِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَيَصِيرُ قَوْلُهُ عَلَيَّ مَجَازًا لِلْحِفْظِ إذَا وَصَلَهُ بِالْكَلَامِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا وَإِذَا فَصَلَ فِي قَوْلِهِ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ عَنْ النَّفْيِ كَانَ هَذَا نَفْيًا مُطْلَقًا أَيْ نَفْيًا عَنْ نَفْسِهِ أَصْلًا لَا نَفْيًا إلَى أَحَدٍ فَكَانَ رَدًّا لِلْإِقْرَارِ وَتَكْذِيبًا لِلْمُقِرِّ حَمْلًا لِلْكَلَامِ عَلَى الظَّاهِرِ وَكَانَ قَوْلُهُ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ شَهَادَةً بِالْمِلْكِ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي عَلَى الْمُقِرِّ الْأَوَّلِ وَبِشَهَادَةِ الْفَرْدِ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فَيَبْقَى الْعَبْدُ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ الْأَوَّلِ وَمِثَالٌ آخَرُ رَجُلٌ ادَّعَى

стр. 457

لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ وَقَالَ فُلَانٌ إنَّهُ بَاعَنِي بَعْدَ الْقَضَاءِ أَوْ وَهَبَنِي أَنَّ الدَّارَ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَعَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ الْقِيمَةُ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ نَفَاهَا عَنْ نَفْسِهِ إلَى الثَّانِي أَيْضًا حَيْثُ وُصِلَ بِهِ الْبَيَانُ ــ [كشف الأسرار] دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا دَارُهُ وَاَلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ يَجْحَدُ ذَلِكَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهَا دَارُهُ فَقَضَى الْقَاضِي بِهَا لَهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْمَقْضِيُّ لَهُ أَنَّهَا دَارُ فُلَانٍ وَلَمْ يَكُنْ لِي قَطُّ أَوْ قَالَ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْجَمِيعِ تُرَدُّ الدَّارُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا أَنَّ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ وَالْحُكْمَ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ بَاطِلًا فَوَجَبَ رَدُّ الدَّارِ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْمُقِرَّ الْأَوَّلَ. وَالثَّانِيَ وَالْمُقَرَّ لَهُ الْآخَرَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ الثَّانِيَ صَدَّقَ الْمُقِرَّ الْأَوَّلَ فِي النَّفْيِ وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي الْجِهَةِ وَالثَّالِثَ صَدَّقَ الْمُقِرَّ الثَّانِيَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنْ لَا حَقَّ لِلْأَوَّلِ فِي الْعَبْدِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ رَدُّهُ عَلَيْهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ فَيُرَدُّ إلَى الثَّالِثِ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ فَأَمَّا الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَدَّعِيهَا وَلَمْ يَزْعُمْ قَطُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ وَلَكِنْ اُسْتُحِقَّتْ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ فَإِذَا بَطَلَ الْقَضَاءُ بِقَوْلِ الْمَقْضِيِّ لَهُ إنَّهَا مَا كَانَتْ لِي قَطُّ لَكِنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ مَنْ أَخَذَهَا بِزَعْمِهِ فَلِهَذَا تُرَدُّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْمُقَرَّ لَهُ صَدَّقَهُ فِي الْإِقْرَارِ وَكَذَّبَهُ فِي النَّفْيِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ كَانَتْ الدَّارُ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ إلَّا أَنَّهُ وَهَبَهَا لِي بَعْدَ الْقَضَاءِ وَسَلَّمَهَا إلَيَّ أَوْ بَاعَهَا مِنِّي فَهِيَ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يُشْكِلُ إذَا بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ بِالنَّفْيِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ صَحَّ ظَاهِرًا وَثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِتَصْدِيقِهِ إيَّاهُ فِي قَوْلِهِ هِيَ لِفُلَانٍ فَإِذَا قَالَ بَعْدَهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ فَقَطْ أَرَادَ إبْطَالَ إقْرَارِهِ وَالرُّجُوعَ عَنْهُ وَكَذَّبَهُ الْمُقِرُّ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَبْطُلْ فِي حَقِّهِ وَأَمَّا إذَا بَدَأَ بِالنَّفْيِ بِأَنْ قَالَ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ بِكَلَامٍ مَوْصُولٍ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا وَعَنْ زُفَرَ ﵀ أَنَّ الدَّارَ تُرَدُّ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ كَافٍ فِي نَقْضِ الْقَضَاءِ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: وَلَكِنَّهَا لِفُلَانٍ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ مَقْطُوعٌ عَمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيَانٍ مُغَيِّرٍ لِيَتَوَقَّفَ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَيَصِيرَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِالْمِلْكِ لِلْغَيْرِ بَعْدَمَا انْتَفَى مِلْكُهُ وَعَادَ إلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ كَمَا لَوْ فَصَلَ الْإِقْرَارَ عَنْ النَّفْيِ وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّ آخِرَ كَلَامِهِ مُنَافٍ لِأَوَّلِهِ لِأَنَّ آخِرَهُ إثْبَاتٌ وَأَوَّلَهُ نَفْيٌ وَالْإِثْبَاتُ مَتَى ذُكِرَ مَعْطُوفًا عَلَى النَّفْيِ مُتَّصِلًا بِهِ لَا يَقَعُ عَنْهُ وَلَا يُحْكَمُ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ بِشَيْءٍ قَبْلَ آخِرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ تَكُونُ إقْرَارًا بِالتَّوْحِيدِ بِاعْتِبَارِ آخِرِهِ وَلَا فَرْقَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَلَامٌ يَشْتَمِلُ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ كَمَا أَنَّ هَذَا كَلَامٌ يَشْتَمِلُ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَيُعْتَبَرُ الْحَاصِلُ وَهُوَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ لِلْمُقَرِّ لَهُ عِنْدَ اتِّصَالِ آخِرِهِ بِأَوَّلِهِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ بِاتِّصَالِ الْإِثْبَاتِ بِهِ نَفْيًا لِلْمِلْكِ عَنْ نَفْسِهِ بِإِثْبَاتِهِ لِلثَّانِي وَذَلِكَ مُحْتَمِلٌ بِأَنْ يَمْلِكَهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ وَلِهَذَا قَالُوا إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ إذَا غَابَا عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي حَتَّى يُمْكِنَ لِلْقَاضِي تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ فَأَمَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَقَدْ عَلِمَ الْقَاضِي بِكَذِبِهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا هِبَةٌ وَقَبْضٌ وَلَا بَيْعٌ وَالْكَذِبُ لَا حُكْمَ لَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلِأَنَّ اتِّصَالَ النَّفْيِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْإِثْبَاتِ لِغَيْرِهِ إنَّمَا يَكُونُ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ عُرْفًا وَمَا ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِلشَّيْءِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ فَصَارَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قَالَ هَذَا الدَّارُ لِفُلَانٍ وَسَكَتَ وَلِأَنَّ النَّفْيَ

стр. 458

إلَّا أَنَّهُ بِالْإِسْنَادِ صَارَ شَاهِدًا عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ فَلَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَقَالَ فِي نِكَاحِ الْجَامِعِ فِي أَمَةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْمَوْلَى لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ وَلَكِنْ أُجِيزُهُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ إنْ زِدْتنِي خَمْسِينَ أَنَّ هَذَا فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ وَجُعِلَ لَكِنْ مُبْتَدَأً لِأَنَّ الْكَلَامَ غَيْرُ مُتَّسِقٍ لِأَنَّهُ نَفْيُ فِعْلٍ وَإِثْبَاتُهُ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِلتَّدَارُكِ وَفِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَرْضٌ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لَا وَلَكِنَّهُ غَصْبٌ ــ [كشف الأسرار] لَمَّا كَانَ لِتَأْكِيدِ الْإِقْرَارِ كَانَ مُؤَخَّرًا عَنْ الْإِقْرَارِ مَعْنًى لِأَنَّ التَّأْكِيدَ أَبَدًا يَكُونُ بَعْدَ الْمُؤَكَّدِ. وَلِأَنَّ الْمُقِرَّ قَصَدَ تَصْحِيحَ إقْرَارِهِ وَلَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا بِجَعْلِ الْإِقْرَارِ مُقَدَّمًا وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ دُونَ الْإِلْغَاءِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ لَكِنَّهُ بِالْإِسْنَادِ أَيْ بِإِسْنَادِ نَفْيِ الْمِلْكِ إلَى مَا قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ يَتَنَاوَلُ الْأَزْمِنَةَ السَّابِقَةَ عَلَى الْقَضَاءِ صَارَ شَاهِدًا عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّ حَقَّ الْمُقَرِّ لَهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ يُبْطِلُ هَذَا الْحَقَّ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ يَتَضَمَّنُ بُطْلَانَ الْقَضَاءِ وَفِي بُطْلَانِهِ بُطْلَانُ حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْقَضَاءِ فَصَارَ شَاهِدًا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَلَمْ يَصِحَّ شَهَادَتُهُ عِنْدَ تَكْذِيبِ الْمُقِرِّ لَهُ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لِلْغَيْرِ وَيَتَّضِحُ هَذَا بِفَصْلِ تَقْدِيمِ الْإِقْرَارِ عَلَى النَّفْيِ بِأَنْ قَالَ هِيَ لِفُلَانٍ وَلَمْ يَكُنْ لِي قَطُّ فَإِنَّ النَّفْيَ فِيهِ شَهَادَةٌ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَبُطْلَانُ حَقِّهِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ السَّابِقِ فَكَذَلِكَ فِي فَصْلِ تَأْخِيرِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِاتِّصَالِ النَّفْيِ بِالْإِثْبَاتِ صَارَ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَصَارَ تَقَدُّمُ الْإِقْرَارِ وَتَأَخُّرُهُ سَوَاءً ثُمَّ إنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُصَدَّقْ فِي حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ إقْرَارٌ بِبُطْلَانِ الْقَضَاءِ وَهُوَ حَقُّهُ فَصَارَ بِهِ مُقِرًّا بِالدَّارِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهَا. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى ضَمَانَ الْعَقَارِ بِالْغَصْبِ فَيَضْمَنُ بِالْقَصْرِ أَيْضًا فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَلَا وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ ﵀ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْعَقَارَ يُضْمَنُ بِالْقَوْلِ مِثْلُ سَوْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فَكَذَا هَهُنَا وَذَكَرَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ أَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ لِغَيْرِهِ صَارَ مُتْلِفًا لِلدَّارِ وَالدَّارُ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا يُضْمَنُ بِالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ أَعْنِي قَوْلَ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْعَبْدِ مَا كَانَ لِي قَطُّ لَكِنَّهُ لِفُلَانٍ وَقَوْلَ مُدَّعِي الدَّارِ مَا كَانَتْ لِي قَطُّ لَكِنَّهَا لِفُلَانٍ لَيْسَا مِنْ نَظَائِرِ هَذَا الْبَابِ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ لَكِنَّ الْمُشَدَّدَةَ لَيْسَتْ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ بَلْ هِيَ مِنْ الْحُرُوفِ النَّاصِبَةِ أَوْ إنَّمَا الْعَاطِفَةُ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ إلَّا أَنَّهُمَا لَمَّا اشْتَرَكَتَا فِي الِاسْتِدْرَاكِ وَاسْتَوَتَا فِي الْحُكْمِ أَوْرَدَ الشَّيْخُ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَمِثَالُ فَوَاتِ الْمَعْنَى الثَّانِي أَمَةٌ تَزَوَّجَتْ إلَى آخِرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ (وَفِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَك عَلَيَّ كَذَا) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُخَالِفُ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَبْلَهَا فِي أَنَّ الِاسْتِدْرَاكَ فِيهَا صَرْفٌ إلَى الْجُمْلَةِ حَتَّى صَحَّ وَلَمْ يُصْرَفْ إلَى أَصْلِ الْإِقْرَارِ وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ صَرْفٌ إلَى أَصْلِ النِّكَاحِ وَلَمْ يُصْرَفْ إلَى الْجِهَةِ وَهِيَ نَفْيُ الْمِائَةِ وَإِثْبَاتُ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ إلَّا بِزِيَادَةِ خَمْسِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ قَدْ صَرَّحَ بِرَدِّ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ فَلَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى الْجِهَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ لَمْ يُصَرِّحْ بِرَدِّ أَصْلِ الْإِقْرَارِ وَهُوَ الْأَلْفُ بَلْ قَالَ لَا وَأَنَّهُ يَصْلُحُ رَدًّا لِلْجِهَةِ وَرَدًّا لِلْأَصْلِ فَإِذَا وَصَلَ بِهِ قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ غَصْبٌ عُلِمَ أَنَّهُ نَفَى السَّبَبَ لَا أَصْلَ الْمَالِ وَأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَهُ فِي الْإِقْرَارِ بِأَصْلِ الْمَالِ وَلَا تَفَاوُتَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ وَالْأَسْبَابُ مَطْلُوبَةٌ لِلْأَحْكَامِ فَعِنْدَ عَدَمِ التَّفَاوُتِ يَتِمُّ تَصْدِيقُهُ لَهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الْمَالُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِأَنَّ الْأَلْفَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْغَصْبِ وَشَهِدَ الْآخَرُ بِأَنَّ الْأَلْفَ

стр. 459

الْكَلَامُ مُتَّسِقٌ فَيَصِحُّ الْوَصْلُ لِبَيَانِ أَنَّهُ نَفْيُ السَّبَبِ لَا الْوَاجِبِ. وَأَمَّا أَوْ فَإِنَّهَا تَدْخُلُ بَيْنَ اسْمَيْنِ أَوْ فِعْلَيْنِ فَيَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ هَذَا مَوْضُوعَهَا الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ يُقَالُ جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو أَيْ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُوضَعْ لِلشَّكِّ وَلَيْسَ الشَّكُّ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ يُقْصَدُ بِالْكَلَامِ وَضْعًا لَكِنَّهَا وُضِعَتْ لِمَا قُلْنَا فَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْخَبَرِ تَنَاوَلَتْ أَحَدَهُمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَأَفْضَى إلَى الشَّكِّ وَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْإِنْشَاءِ تَنَاوَلَتْ أَحَدَهُمَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ تَقُولُ رَأَيْت زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَيَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ لَا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ فَعَلِمْت أَنَّ الشَّكَّ إنَّمَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ مَحَلِّ الْكَلَامِ ــ [كشف الأسرار] عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْقَرْضِ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْأَصْلِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَصِيرُ مُكَذِّبًا أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلشَّهَادَةِ فَأَمَّا تَكْذِيبُ الْمُقَرِّ لَهُ لِلْمُقِرِّ فِي بَعْضِ مَا أَقَرَّ فَلَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْإِقْرَارِ فَافْتَرَقَا وَقَوْلُهُ الْكَلَامُ مُتَّسِقٌ أَيْ كَلَامُ الْمُقَرِّ لَهُ مَعَ كَلَامِ الْمُقِرِّ مُتَوَافِقَانِ لَا مُتَنَافِيَانِ لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا فِي أَصْلِ الْوَاجِبِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ. [معانى أَوْ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا أَوْ) اعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ تَدْخُلُ بَيْنَ اسْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَقَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو أَوْ بَيْنَ فِعْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وَكَقَوْلِك كُلْ السَّمَكَ أَوْ اشْرَبْ اللَّبَنَ فَيَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ هَذَا مُوجَبُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ لِأَنَّهَا فِي مَوَاضِعِ اسْتِعْمَالِهَا لَا تَخْلُو عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَعَرَفْنَا أَنَّهَا وُضِعَتْ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَالْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ حَتَّى لَوْ كَفَّرَ بِالْأَنْوَاعِ كُلِّهَا كَانَ مُؤَدِّيًا بِأَحَدِ الْأَنْوَاعِ لَا بِالْجَمِيعِ كَمَا قَالَهُ الْبَعْضُ. وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَكَذَا الْجَائِي فِي قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو أَحَدُهُمَا لَا كِلَاهُمَا قَوْلُهُ (وَلَمْ يُوضَعْ لِلشَّكِّ) نَفْيٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْإِثْبَاتِ وَلِلنَّفْيِ فِي النَّفْيِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ كَلِمَةُ تَشْكِيكٍ فَإِنَّك إذَا قُلْت رَأَيْت زَيْدًا أَوْ عَمْرًا لَا تَكُونُ مُخْبِرًا عَنْ رُؤْيَتِهِمَا جَمِيعًا وَلَكِنَّك تَكُونُ مُخْبِرًا عَنْ رُؤْيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ فَإِنَّك قَدْ رَأَيْت أَحَدَهُمَا وَلَكِنَّك شَكَكْت فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْهُمَا حَتَّى احْتَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَرْئِيُّ وَأَنْ لَا يَكُونَ إلَّا أَنَّهَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْإِيجَابَاتِ وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي لَمْ تُوجِبْ شَكًّا لِأَنَّ الشَّكَّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الْتِبَاسِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْإِخْبَارَاتِ فَأَمَّا الْإِنْشَاءَاتُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا شَكٌّ وَلَا الْتِبَاسٌ لِأَنَّهَا لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ ابْتِدَاءً وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ مَذْهَبُ عَامَّةِ النُّحَاةِ وَخَالَفَهُ الشَّيْخُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ لَيْسَتْ لِلتَّشْكِيكِ لِأَنَّ الشَّكَّ لَيْسَ بِمَعْنًى يُقْصَدُ بِالْكَلَامِ وَضْعًا أَيْ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي الْمُخَاطَبَاتِ بِحَيْثُ يُوضَعُ كَلِمَةً تُوجِبُ تَشْكِيكَ السَّامِعِ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّكَّ لَيْسَ بِمَعْنًى يُوضَعُ لَهُ لَفْظٌ لِأَنَّ لَفْظَ الشَّكِّ قَدْ وُضِعَ لِمَعْنَاهُ بَلْ الْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْكَلَامِ إفْهَامُ السَّامِعِ لَا تَشْكِيكُهُ فَلَا يَكُونُ الشَّكُّ مِنْ مَقَاصِدِهِ فَلَا يَكُونُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَوْضُوعَةً لِذَلِكَ بَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِأَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ غَيْرِ عَيْنٍ كَمَا قُلْنَا إلَّا أَنَّهَا فِي الْإِخْبَارَاتِ يُفْضِي إلَى الشَّكِّ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ مَجِيءِ أَحَدِهِمَا فِي قَوْلِهِ جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِعْلَ الْمَجِيءِ وُجِدَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَيْنًا لَا نَكِرَةً إذْ لَا تَصَوُّرَ لِصُدُورِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ وَبِإِضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى أَحَدِهِمَا غَيْرِ عَيْنٍ لَا يَنْتَقِلُ الْفِعْلُ مِنْ الْعَيْنِ إلَى النَّكِرَةِ بَلْ يَبْقَى مُضَافًا إلَى الْعَيْنِ كَمَا وُجِدَ وَإِنَّمَا جَهِلَهُ السَّامِعُ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ فِعْلُ الْمَجِيءِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّشْكِيكَ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمًا وَاتِّفَاقًا بِكَوْنِ الْكَلَامِ خَبَرًا لَا مَقْصُودًا بِحَرْفِ أَوْ كَالْهِبَةِ وُضِعَتْ لِإِفَادَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ثُمَّ إذَا أُضِيفَ إلَى الدَّيْنِ يَكُونُ إسْقَاطًا حُكْمًا وَاتِّفَاقًا لَا مَقْصُودًا بِالْهِبَةِ أَلَا تَرَى

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] أَنَّهَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْإِنْشَاءِ لَا تُؤَدِّي مَعْنَى الشَّكِّ أَصْلًا مَعَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيهِ لَا مَجَازٌ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَخْلُو عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ فَثَبَتَ أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِلتَّشْكِيكِ وَكَذَا التَّخْيِيرُ يَثْبُتُ بِمَحَلِّ الْكَلَامِ أَيْضًا لِأَنَّهَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الِابْتِدَاءِ كَقَوْلِك اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا تَنَاوَلْت أَحَدَهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ وَالْأَمْرُ لِلِائْتِمَارِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الِائْتِمَارُ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ فَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ ضَرُورَةَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِائْتِمَارِ وَلِهَذَا لَوْ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا قَوْلًا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الْفِعْلِ وَكَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْإِنْشَاءِ كَقَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا. وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُفَصَّلِ أَنَّ (أَوْ) وَ (أَمْ) وَأَمَّا ثَلَاثَتُهَا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِأَحَدِ الْمَذْكُورِينَ إلَّا أَنَّ (أَوْ) وَ (أَمَّا) يَقَعَانِ فِي الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَ (أَمْ) لَا يَقَعُ إلَّا فِي الِاسْتِفْهَامِ إذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً إلَى آخِرِهِ وَمَا ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ فِي الْخَبَرِ وَغَيْرِهِ تَقُولُ كُلْ السَّمَكَ أَوْ اشْرَبْ اللَّبَنَ أَيْ افْعَلْ أَحَدَهُمَا وَلَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا وَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّك تَقُولُ جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّك أَثْبَتّ الْمَجِيءَ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ فَهَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْكَلَامُ خَبَرًا كَانَتْ أَوْ لِلشَّكِّ كَمَا رَأَيْت وَإِنْ كَانَ أَمْرًا كَانَتْ لِلتَّخْيِيرِ كَقَوْلِك اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَقَدْ أَمَرْته بِأَنْ يَضْرِبَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ خَيَّرْته فِي ذَلِكَ فَأَيُّهُمَا ضَرَبَ كَانَ مُطِيعًا وَمَا ذَكَرَ أَيْضًا فِي الْمُقْتَصِدِ أَنَّ أَوْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا الشَّكُّ نَحْوُ قَوْلِهِ ضَرَبْت زَيْدًا أَوْ عَمْرًا أَرَدْت أَنْ تُخْبِرَ بِضَرْبِك زَيْدًا فَاعْتَرَضَك شَكٌّ صَوَّرْت لَهُ أَنْ تَكُونَ ضَرَبْت عَمْرًا فَأَثْبَتَّ بِأَوْ وَعَطَفْتَ عَمْرًا عَلَى زَيْدٍ فَصَارَ كَلَامُك مُفِيدًا أَنَّك ضَرَبْت وَاحِدًا مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي التَّخْيِيرُ كَقَوْلِك اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَقَدْ أَمَرْته بِضَرْبِ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَضْرِبَهُمَا مَعًا فَلَيْسَ فِي هَذَا شَكٌّ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْآمِرَ إذَا قَالَ اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ قَدْ شَكَّ فِيهِ كَمَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ الْإِبَاحَةُ نَحْوَ قَوْلِهِمْ جَالِسْ الْحَسَنَ أَوْ ابْنَ سِيرِينَ فَهَذَا يُشْبِهُ التَّخْيِيرَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ جَالَسَ أَحَدَهُمَا كَانَ مُطِيعًا وَيُفَارِقُهُ مِنْ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ جَالَسَهُمَا مَعًا كَانَ جَائِزًا. وَلَوْ قُلْت اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَضَرَبَهُمَا جَمِيعًا لَمْ يَجُزْ قَالَ وَلَمَّا كَانَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا قَالُوا زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو قَامَ وَلَمْ يَقُولُوا قَامَا لِأَنَّ الْمَعْنَى أَحَدُهُمَا قَامَ فَإِنْ قِيلَ أَوَّلُ هَذَا الْكَلَامِ يُؤَيِّدُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ وَكَذَا مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُفَصَّلِ وَيُقَالُ فِي أَوْ وَأَمَّا فِي الْخَبَرِ أَنَّهُمَا لِلشَّكِّ وَفِي الْأَمْرِ أَنَّهُمَا لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ وَمَا ذُكِرَ فِي الْمِفْتَاحِ أَنَّ أَوْ فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ وَفِي الْأَمْرِ لِلتَّخْيِيرِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ عَنْ الْجَمْعِ أَوْ الْإِبَاحَةِ وَهِيَ تَجْوِيزُ الْجَمْعِ وَفِي الِاسْتِفْهَامِ لِأَحَدِ مَا يُذْكَرُ لَا عَلَى التَّعْيِينِ قُلْنَا هَذَا مِنْهُمْ تَسَامُحٌ فِي الْعِبَارَةِ وَبَيَانٌ لِمَوَاضِعِ الِاسْتِعْمَالِ وَتَقْسِيمٌ لَهُ بِحَسَبِ الْعَوَارِضِ وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَرَأَيْت فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ أَنَّ مَعْنَى أَوْ إثْبَاتُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ مُبْهَمًا مَعَ إفْرَادِهِ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْمَعْنَى بِلَا تَرْتِيبٍ لِأَنَّهَا فِي حُرُوفِ الْعَطْفِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ وَفِي أَنَّهَا لَا تُرَتِّبُ إلَّا أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَأَوْ لِلْإِفْرَادِ وَهِيَ تَجِيءُ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ إبْهَامُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ وَالشَّكُّ وَالتَّخْيِيرُ وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّفْصِيلُ وَمَعْنَى الْإِفْرَادِ فَقَطْ، وَبِمَعْنَى إلَّا أَنَّ. وَالْأَصْلُ فِي الْجَمِيعِ هُوَ الْأَوَّلُ فَقَطْ لِرُجُوعِهَا فِي الْجَمِيعِ إلَيْهِ

стр. 461

وَعَلَى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا وَهَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَحَدُكُمَا وَهَذَا الْكَلَامُ إنْشَاءٌ يَحْتَمِلُ الْخَبَرَ فَأَوْجَبَ التَّخْيِيرَ عَلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ بَيَانٌ حَتَّى جُعِلَ الْبَيَانُ إنْشَاءً مِنْ وَجْهٍ وَإِظْهَارًا مِنْ وَجْهٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَسَائِلِ الْعَتَاقِ فِي الْجَامِعِ وَالزِّيَادَاتِ ــ [كشف الأسرار] إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يُوجِبُ زِيَادَةً عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى أَنَّهَا يَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ قُلْنَا فِي قَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا أَوْ هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ أَوْ أَحَدَيْكُمَا طَالِقٌ وَهَذَا الْكَلَامُ أَيْ قَوْلُهُ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا أَوْ قَوْلُهُ أَحَدُكُمَا حُرٌّ إنْشَاءٌ يَحْتَمِلُ الْخَبَرَ أَيْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِأَنَّهُ فِي وَضْعِهِ الْأَصْلِيِّ خَبَرٌ كَقَوْلِك لِلرَّجُلَيْنِ أَحَدُكُمَا عَالِمٌ إلَّا أَنَّ الْإِخْبَارَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ وَضْعُهُ فَاقْتَضَى الْإِخْبَارُ عَنْ الْحُرِّيَّةِ وُجُودَ الْحُرِّيَّةِ سَابِقًا عَلَيْهِ لِيَصِحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْحُرِّيَّةُ ثَابِتَةً جَعَلْنَا هَذَا الْكَلَامَ إنْشَاءً كَأَنَّهُ قَالَ أُنْشِئُ الْحُرِّيَّةَ احْتِرَازًا عَنْ الْإِلْغَاءِ وَالْكَذِبِ أَوْ جَعَلْنَا الْحُرِّيَّةَ ثَابِتَةً قُبَيْلَ هَذَا الْكَلَامِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ تَصْحِيحًا لَهُ لِأَنَّ إثْبَاتَهَا فِي وِلَايَتِهِ فَصَارَ إنْشَاءً شَرْعًا وَعُرْفًا إخْبَارًا حَقِيقَةً وَلِهَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ يُجْعَلُ إخْبَارًا حَتَّى لَا يَعْتِقَ الْعَبْدُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الْإِخْبَارُ. وَإِذَا كَانَ إنْشَاءً يَحْتَمِلُ الْخَبَرَ أَوْجَبَ التَّخْيِيرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنْشَاءٌ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْعِتْقَ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ بِأَنْ يُبَيِّنَ الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمَا كَمَا كَانَ لِلْمَأْمُورِ فِي قَوْلِهِ اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا أَنْ يَخْتَارَ الضَّرْبَ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ يُوجِبُ الْبَيَانَ أَيْ الْإِظْهَارَ لَا التَّخْيِيرَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا عَيْنًا ثُمَّ نَسِيَهُ فَأَخْبَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا حُرٌّ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْعِتْقَ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ الْعِتْقَ فِي الَّذِي أَوْقَعَهُ فِيهِ إذَا تَذَكَّرَ ثُمَّ إنَّهُ إذَا تَبَيَّنَ الْعِتْقُ فِي أَحَدِهِمَا كَانَ لَهُ حُكْمُ الْإِنْشَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ إنْشَاءٌ وَهُوَ غَيْرُ نَازِلٍ فِي الْعَيْنِ لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَهُ إلَّا فِي النَّكِرَةِ وَالنَّكِرَةُ ضِدُّ الْمَعْرِفَةِ لُغَةً فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي غَيْرِ مَا أَوْجَبَهُ كَمَا إذَا أَوْقَعَهُ فِي سَالِمٍ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي بَزِيعٍ وَالْعِتْقُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْعَيْنِ بِالْبَيَانِ فَكَانَ لَهُ حُكْمُ الْإِنْشَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلِهَذَا شُرِطَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْإِنْشَاءِ وَصَلَاحِيَّةُ الْمَحَلِّ لِلْإِنْشَاءِ حَتَّى لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ فَبَيَّنَ الْعِتْقَ فِي الْمَيِّتِ لَا يَصِحُّ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِيجَابَ يَحْتَمِلُ الْخَبَرَ يَكُونُ الْبَيَانُ إظْهَارًا أَيْ هَذَا هُوَ الَّذِي أَخْبَرْتُ بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الَّذِي أَوْقَعَ الْعِتْقَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ لَا يَعْدُوهُمَا بِيَقِينٍ كَانَ الْعِتْقُ وَاقِعًا فِيهِ فَكَانَ الْبَيَانُ إظْهَارًا وَلِهَذَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ إنْشَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَا أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَإِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ جِهَتَا الْإِنْشَاءِ وَالْإِظْهَارِ عَمِلَ بِهِمَا فِي الْأَحْكَامِ فَاعْتُبِرَتْ جِهَةُ الْإِنْشَاءِ فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَجِهَةُ الْإِظْهَارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ. فَإِذَا طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِنَّ فَتَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ أُخْتَ إحْدَاهُنَّ ثُمَّ بَيَّنَ الطَّلَاقَ فِي أُخْتِ الْمُتَزَوِّجَةِ جَازَ لَهُ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ وَنِكَاحُ الْأُخْتِ فَاعْتُبِرَ الْبَيَانُ إظْهَارًا لِعَدَمِ التُّهْمَةِ إذْ يُمْكِنُ لَهُ إنْشَاءُ الطَّلَاقِ فِي الَّتِي عَيَّنَهَا وَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي الْحَالِ وَلَوْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ وَالْأُخْتِ فَاعْتُبِرَ إنْشَاءً فِي حَقِّ الْعِدَّةِ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِإِنْشَاءِ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ أَحَدَيْكُمَا طَالِقٌ فَمَاتَتْ أَحَدَيْهِمَا قَبْلَ الْبَيَانِ تَعَيَّنَتْ الْبَاقِيَةُ لِلطَّلَاقِ لِزَوَالِ الْمُزَاحَمَةِ بِخُرُوجِ الْمَيِّتَةِ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الطَّلَاقِ فَإِنْ قَالَ عَنَيْت الْمَيِّتَةَ حِينَ تَكَلَّمْتُ صُدِّقَ فِي حَقِّ بُطْلَانِ مِيرَاثِهِ عَنْهَا وَلَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ طَلَاقٍ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَعَيَّنَ فِيهَا شَرْعًا فَلَا يَمْلِكُ صَرْفَ الطَّلَاقِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ قَدْ دَخَلَ بِهِمَا فَقَالَ أَحَدَيْكُمَا طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ

стр. 462

وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ وَكَّلْت فُلَانًا أَوْ فُلَانًا بِبَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ إنَّهُ صَحِيحٌ وَيَبِيعُ أَيَّهمَا شَاءَ لِأَنَّ أَوْ فِي مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ تَخْيِيرٌ وَالتَّوْكِيلُ صَحِيحٌ اسْتِحْسَانًا وَأَيُّهُمَا بَاعَهُ صَحَّ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ وَكَّلْت بِهِ أَحَدَ هَذَيْنِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ بِعْ هَذَا أَوْ هَذَا إنَّهُ صَحِيحٌ وَيَبِيعُ أَيَّهمَا شَاءَ لِأَنَّ أَوْ فِي مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ لِلتَّخْيِيرِ وَالتَّوْكِيلُ إنْشَاءٌ وَالتَّخْيِيرُ لَا يَمْنَعُ الِامْتِثَالَ وَقُلْنَا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ إذَا دَخَلَتْ أَوْ فِي الْمَبِيعِ أَوْ فِي الثَّمَنِ فَسَدَ الْعَقْدُ ــ [كشف الأسرار] ثُمَّ مَرِضَ الزَّوْجُ وَبَيَّنَ الطَّلَاقَ فِي الْمُعْتَقَةِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ حُرْمَةً غَلِيظَةً وَيَصِيرُ الزَّوْجُ فَارًّا حَتَّى تَرِثَ هِيَ فَاعْتُبِرَ إظْهَارًا فِي حَقِّ الْحُرْمَةِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ وَإِنْشَاءً فِي حَقِّ الْإِرْثِ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ لِأَنَّ حَقَّهَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ فَهُوَ بِالْبَيَانِ فِيهَا يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّهَا. وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْنِ لَهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا أَلْفٌ وَقِيمَةُ الْآخَرِ مِائَةٌ أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ مَرِضَ فَبَيَّنَ الْعِتْقَ فِي كَثِيرِ الْقِيمَةِ يَصِحُّ وَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَاعْتُبِرَ جِهَةُ الْإِظْهَارِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَعْتِقَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَعْتِقَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْفِرَارِ لِتَحَقُّقِ التُّهْمَةِ هُنَاكَ فَاعْتُبِرَ إنْشَاءً وَعَلَى هَذَا فَقِسْ الْمَسَائِلَ فِي الزِّيَادَاتِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ أَوْ يَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ قُلْنَا إذَا قَالَ وَكَّلْت هَذَا أَوْ هَذَا بِبَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ صَحَّ التَّوْكِيلُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى الْبَيْعِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ وَهَذَا وَإِذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا نَفَذَ الْبَيْعُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَهُ وَإِنْ عَادَ إلَى مِلْكِ مُوَكِّلِهِ وَقِيلَ الْبَيْعَ يُبَاحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَهُ وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِجَهَالَةِ مَنْ وُكِّلَ بِبَيْعِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ فَتُحْمَلُ فِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ بِعْ هَذَا أَوْ هَذَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ اسْتِحْسَانًا أَيْضًا وَلَمْ يَنُصَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأَصْلِ كَمَا نَصَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ فَقَالُوا الْجَهَالَةُ فِيمَا تَنَاوَلَتْهُ الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ دُونَ الْجَهَالَةِ فِيمَنْ هُوَ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ جَهَالَةُ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ وَجَهَالَةُ الْمُقَرِّ لَهُ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْفَصْلَيْنِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ الْبَيْعِ وَإِيجَابُ الْبَيْعِ فِي أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ فَكَذَلِكَ التَّوْكِيلُ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مَبْنَى الْوَكَالَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ اللُّزُومُ بِنَفْسِهَا وَهَذِهِ جَهَالَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّوْكِيلِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَّ الْعَبْدَيْنِ يُرَوِّجُ فَيُوَكِّلُهُ بِبَيْعِ أَحَدِهِمَا تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَيْهِ وَتَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ نَفْسِهِ فِي الثَّمَنِ (قَوْلُهُ وَالتَّخْيِيرُ لَا يَمْنَعُ الِامْتِثَالَ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّ مَا أَمَرَهُ بِبَيْعِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ مَجْهُولٌ فَلَا يُمْكِنُهُ الِامْتِثَالُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ التَّوْكِيلُ فَقَالَ هَذَا الْأَمْرُ يُوجِبُ التَّخْيِيرَ وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ الِامْتِثَالِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِأَحَدِهِمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] قَوْلُهُ (وَقُلْنَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قُلْنَا الْأَوَّلِ أَيْ وَلِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ قُلْنَا كَذَا وَقُلْنَا أَيْضًا إذَا دَخَلَتْ أَوْ فِي الْمَبِيعِ بِأَنْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذَا بِعَشَرَةٍ أَوْ فِي الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ أَوْ بِعِشْرِينَ فَقَالَ قَبِلْت أَوْ فِي الْمُسْتَأْجَرِ بِأَنْ قَالَ آجَرْت الْيَوْمَ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَذَا بِدِرْهَمٍ أَوْ فِي الْأُجْرَةِ بِأَنْ قَالَ آجَرْت هَذَا الْعَبْدَ الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ فَسَدَ الْعَقْدُ فِي الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَوْ أَوْجَبَتْ التَّخْيِيرَ وَمَنْ لَهُ الْخِيَارُ مِنْهُمَا غَيْرُ مَعْلُومٍ فَبَقِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ أَوْ الْمَعْقُودُ بِهِ مَجْهُولًا جَهَالَةً مُؤَدِّيَةً إلَى الْمُنَازَعَةِ وَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مَعْلُومًا فِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِأَنْ قَالَ بِعْت هَذَا أَوْ هَذَا عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ تَأْخُذُ أَيَّهمَا شِئْت فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الْعَقْدُ اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْأَثْوَابِ وَأَنَّهُ مَجْهُولٌ

стр. 463

إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مَعْلُومًا فِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَيَصِحُّ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا أَوْجَبَ جَهَالَةً وَمُنَازَعَةً وَإِذَا كَانَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مَعْلُومًا لَمْ يُوجِبْ مُنَازَعَةً لَكِنَّهُ يُوجِبُ خَطَرًا فَاحْتُمِلَ فِي الثَّلَاثِ اسْتِحْسَانًا ــ [كشف الأسرار] مُتَفَاوِتٌ فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مَعْلُومًا وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى أَحَدَ الْأَثْوَابِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهَا شَاءَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ بَعْدَ تَعَيُّنِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ يَسْتَبِدُّ بِالتَّعْيِينِ فَلَا تَمْنَعُ جَوَازَ الْعَقْدِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَكِنْ بَقِيَ فِي هَذَا الْعَقْدِ مَعْنَى الْحَظْرِ لِتَرَدُّدِ عَاقِبَتِهِ إذْ يَحْتَمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّوْبَيْنِ أَنْ يَسْتَقِرَّ الْعَقْدُ فِيهِ وَأَنْ لَا يَسْتَقِرَّ وَالْحَظْرُ مُفْسِدٌ كَالشَّرْطِ فَلَمَّا اُحْتُمِلَ الشَّرْطُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ يُتَحَمَّلُ الْحَظْرُ هَهُنَا أَيْضًا فِي الثَّلَاثَةِ اعْتِبَارًا لِلْمَحَلِّ بِالزَّمَانِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ مُتَحَقِّقَةٌ هَهُنَا أَيْضًا لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اخْتِيَارِ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَوْ اخْتِيَارِ مَنْ يَشْتَرِيهِ لِأَجْلِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْحَمْلِ إلَيْهِ إلَّا بِالتَّبَعِ فَكَانَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وَلَمَّا لَمْ يُتَحَمَّلْ فِي الشَّرْطِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِمَا دُونَهُ غَالِبًا لَمْ يُتَحَمَّلْ هَهُنَا أَيْضًا فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِمَا دُونَهُ إذْ الثَّلَاثَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى كُلِّ الْأَوْصَافِ جَيِّدٍ وَوَسَطٍ وَرَدِيءٍ فَيَصِيرُ الزِّيَادَةُ لَغْوًا وَصْفًا كَذَا فِي الْأَسْرَارِ فَإِنْ قِيلَ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ الْمُعَلَّقُ هُوَ الْحُكْمُ دُونَ الْعَقْدِ وَهَهُنَا الْمُعَلَّقُ نَفْسُ الْعَقْدِ وَهَذَا فَوْقَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْإِلْحَاقُ بِهِ. قُلْنَا نَعَمْ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ ثَمَّةَ غَيْرُ ثَابِتٍ أَصْلًا وَهَهُنَا الْحُكْمُ ثَبَتَ فِي أَحَدِهِمَا نَكِرَةً فَفِي حَقِّ الْحُكْمِ تَأْثِيرُ شَرْطِ الْخِيَارِ أَكْثَرُ وَفِي حَقِّ الْعَقْدِ تَأْثِيرُ الشَّرْطِ هَهُنَا أَكْثَرُ فَاسْتَوَيَا فَجَازَ الْإِلْحَاقُ وَلَا يُقَالُ لَمَّا جَازَ خِيَارُ الشَّرْطِ عِنْدَهُمَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ خِيَارُ التَّعْيِينِ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَيْضًا لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُمَا إنَّمَا جَوَّزَا خِيَارَ الشَّرْطِ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِالْأَثَرِ غَيْرِ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَلَا يُمْكِنُ الْإِلْحَاقُ بِهِ. وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مَعْلُومًا يُشِيرُ بِعُمُومِهِ إلَى ثُبُوتِ خِيَارِ التَّعْيِينِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ فِي جَانِبِ الْمُشْتَرِي اعْتِبَارًا بِخِيَارِ الشَّرْطِ يَثْبُتُ فِي جَانِبِ الْبَائِعِ أَيْضًا اعْتِبَارًا بِهِ وَذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْجَوَازَ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَا هُوَ الْأَرْفَقُ بِحَضْرَةِ مَنْ يَقَعُ الشِّرَاءُ لَهُ وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِي جَانِبِ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ كَانَ مَعَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إلَى فَصْلِ الْمَبِيعِ دُونَ الثَّمَنِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مَعْلُومًا فِي فَصْلِ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ بِدِينَارٍ عَلَى أَنْ آخُذَ مِنْك أَيَّهمَا شِئْت أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ إلَيَّ أَيَّهمَا شِئْت لَا يَصِحُّ لِأَنَّ جَوَازَهُ ثَبَتَ إلْحَاقًا لَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمَبِيعِ دُونَ الثَّمَنِ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ فِي الثَّمَنِ لَيْسَتْ مِثْلَ الْحَاجَةِ فِي الْمَبِيعِ فَيُرَدُّ إلَى الْقِيَاسِ وَكَذَا حُكْمُ الْأُجْرَةِ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَأَمَّا الْمُسْتَأْجَرُ فِيهِ فَمِثْلُ الْمَبِيعِ فِي خِيَارِ التَّعْيِينِ لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ وَخِيَارَ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارَ الْعَيْبِ تَجْرِي فِيهِ فَيَجْرِي خِيَارُ التَّعْيِينِ أَيْضًا وَذَكَرَ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ إجَارَاتِ الْمُحِيطِ الْأَصْلُ أَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى أَحَدِ شَيْئَيْنِ وَسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ أَجْرًا مَعْلُومًا بِأَنْ قَالَ آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ بِخَمْسَةٍ أَوْ هَذِهِ الْأُخْرَى بِعَشَرَةٍ أَوْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ فِي حَانُوتَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ مَسَافَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ إلَى وَاسِطَ بِكَذَا أَوْ إلَى الْكُوفَةِ بِكَذَا فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا. وَكَذَا إذَا خَيَّرَهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ

стр. 464

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْمَهْرِ إذَا دَخَلَهُ أَوَانُ التَّخْيِيرَ إذَا كَانَ مُفِيدًا أَوْجَبَ التَّخْيِيرَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْجَامِعِ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَلْفٍ حَالَّةٍ أَوْ أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ أَوْ أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ مِائَةِ دِينَارٍ أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُعْطِيَ أَيَّ الْمَهْرَيْنِ شَاءَ وَإِذَا لَمْ يُفِدْ التَّخْيِيرَ مِثْلُ أَلْفٍ أَوْ أَلْفَيْنِ لَزِمَهُ الْأَقَلُّ إلَّا أَنْ يُعْطِيَ الزِّيَادَةَ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَمَّا لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى التَّسْمِيَةِ اُعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ مُفْرَدًا وَبِالْوَصَايَا وَبِبَدَلِ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَالصُّلْحِ عَنْ الْقَوَدِ وَصَارَ مَنْ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ أَوْلَى بِالْبَيَانِ وَالتَّخْيِيرِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يُصَارُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِطَرِيقِ التَّخْيِيرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ إلَّا بِشَرْطِ الِاخْتِيَارِ فَلَا يَقْطَعُ الْمُوجِبُ الْمُتَعَيِّنَ بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الْقَوَدِ لِأَنَّهُ لَا يُعَارِضُهُ مُوجِبٌ مُتَعَيَّنٍ لِأَنَّهُ جَائِزٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِمَهْرِ الْمِثْلِ ــ [كشف الأسرار] وَإِنْ ذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا هَذَا فِي أَنْوَاعِ الصِّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ إذَا ذَكَرَ ثَلَاثَةً جَازَ وَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ اسْتِدْلَالًا بِالْبَيْعِ إلَّا أَنَّ فَرْقَ مَا بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْإِجَارَةَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْخِيَارِ حَتَّى أَنَّ مَنْ بَاعَ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَإِجَارَةُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْخِيَارِ (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) إلَى آخِرِهِ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفٍ حَالَّةً أَوْ عَلَى أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ أَوْ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ أَوْ أَلْفَيْنِ أَوْ عَلَى أَلْفٍ حَالَّةً أَوْ أَلْفٍ نَسِيئَةً لَا يُحْكَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ عِنْدَهُمَا بِحَالٍ بَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلزَّوْجِ إذَا كَانَ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا بِأَنْ كَانَ الْمَالَانِ مُخْتَلِفَيْنِ وَصْفًا كَمَا فِي الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ أَنْقَصُ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَزْيَدُ مِنْ وَجْهٍ أَوْ جِنْسًا كَمَا فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَيُعْطِي أَيَّ الْمَهْرَيْنِ شَاءَ لِأَنَّ مُوجَبَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ التَّخْيِيرُ وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا كَمَا فِي الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ أَوْ الْأَلْفِ الْحَالَّةِ وَالْأَلْفِ الْمُؤَجَّلَةِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ لَزِمَهُ الْأَقَلُّ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَالِ فِي النِّكَاحِ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْعَقْدُ عَلَى ذِكْرِهِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِ الْمَالِ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَيَجِبُ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ اُعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ مُفْرَدًا أَيْ صَارَ كَأَنَّهُ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِأَلْفٍ أَوْ أَلْفَيْنِ أَوْ أَوْصَى لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ أَوْ أَلْفَيْنِ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ تَمَامِهِ وَالتَّخْيِيرَ بَيْنَ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ فَكَانَ قِيَاسَ الطَّلَاقِ بِمَالٍ وَالْعِتْقِ بِمَالٍ وَهُنَاكَ إذَا سَمَّى الْأَلْفَ وَالْأَلْفَيْنِ يَجِبُ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ فَكَذَا هَهُنَا وَلَا وَجْهَ لِلرُّجُوعِ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ مُوجَبُ نِكَاحٍ لَا تَسْمِيَةَ فِيهِ وَبِالتَّخْيِيرِ لَا تَنْعَدِمُ التَّسْمِيَةُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَقَوْلُهُ وَصَارَ مَنْ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ رَدٌّ لِمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ إنَّ الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَقَالَا مَنْ اُسْتُفِيدَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ جِهَتِهِ أَيْ صَدَرَ هَذَا الْإِيجَابُ مِنْهُ أَوْلَى بِبَيَانِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُجْمِلُ فَكَانَ الْخِيَارُ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَارُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ) أَيْ يُحْكَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ فِي النِّكَاحِ كَالْقِيمَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَأَجْرِ الْمِثْلِ فِي الْإِجَارَةِ وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْهُ إذَا كَانَتْ التَّسْمِيَةُ مَعْلُومَةً قَطْعًا وَلَمْ يُوجَدْ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْخِلَافَ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ مَا مُوجَبُهُ وَمُوجَبُهُ الْمُسَمَّى فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ مَا أَمْكَنَ وَقَدْ وُجِدَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ تَسْمِيَتَانِ أَحَدَيْهِمَا لَا شَكَّ فِيهَا وَالْأُخْرَى فِيهَا شَكٌّ فَتَثْبُتُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهَا فَلَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ. قُلْنَا النِّكَاحُ لِمَا صَحَّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ صَارَ هُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ فَكَانَتْ التَّسْمِيَةُ زِيَادَةً لَا مَحَالَةَ فَحَلَّ مَحَلَّ أَجْرِ الْمِثْلِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فَلَا يَجِبُ الْعُدُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ فَصَارَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا أَنَّ الْمُوجَبَ الْأَصْلِيَّ فِي النِّكَاحِ هُوَ الْمُسَمَّى فَلَا يُمْكِنُ الْمَصِيرُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ إلَّا إذَا فَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ لَمَّا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَاجِبًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ كَانَ هُوَ الْأَصْلُ فَالْعُدُولُ إلَى الْمُسَمَّى حِينَ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْأَلْفِ الْحَالَّةِ وَالْأَلْفَيْنِ

стр. 465

وَعَلَى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] إنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ يَتَعَيَّنُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ طَرِيقِ الْفِعْلِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِ الْإِنْشَاءِ ــ [كشف الأسرار] إلَى سَنَةٍ إنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفَيْ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ فَالْخِيَارُ لِلْمَرْأَةِ إنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ الْأَلْفَ الْحَالَّةَ وَإِنْ شَاءَتْ كَانَ لَهَا الْأَلْفَانِ إلَى سَنَةٍ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ أَحَدَ وَجْهَيْ الْحَظِّ إمَّا الْقَدْرُ وَإِمَّا الْأَجَلُ وَالْمَقَاصِدُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ فَوَجَبَ التَّخْيِيرُ وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ الْخِيَارُ لِلزَّوْجِ يُعْطِيهَا أَيَّهمَا شَاءَ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ هُوَ الْحَكَمُ وَقَدْ الْتَزَمَ الزَّوْجُ أَحَدَ وَجْهَيْنِ مِنْ الزِّيَادَةِ إمَّا الزِّيَادَةُ إلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ لَكِنْ بِصِفَةِ الْأَجَلِ وَإِمَّا أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَيَخْتَارُ أَيَّهمَا شَاءَ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْمُصَنِّفِ ﵀ قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا قُلْنَا) أَيْ عَلَى أَنَّ أَوْ يَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ فَيُوجِبُ التَّخْيِيرَ فِي مَوْضِعِ الْإِنْشَاءِ قُلْنَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مَا الْوَاجِبَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ وَكَفَّارَةُ الْحَلْقِ الْوَاجِبَةُ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَجَزَاءُ الصَّيْدِ الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الْآيَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا وَاحِدٌ مِنْ الْجُمْلَةِ غَيْرُ عَيْنٍ وَالْمُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ فِي تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا فِعْلًا لَا قَوْلًا فَيَتَعَيَّنُ فِي ضِمْنِ الْفِعْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَيُسَمَّى هَذَا وَاجِبًا مُخَيَّرًا وَذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ الْكُلَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَإِذَا فَعَلَ أَحَدَهَا سَقَطَ وُجُوبُ بَاقِيهَا. ثُمَّ إنَّهُ إذَا أَتَى بِالْكُلِّ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا مِنْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَعْلَاهَا قِيمَةً وَلَوْ تَرَكَ الْكُلَّ كَانَ مُعَاقَبًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَدْنَاهَا قِيمَةً لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِالْأَدْنَى وَاخْتَلَفَ الْمُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ فَعَامَّتُهُمْ وَافَقُونَا فِيهِ فَكَانَ الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَفْظِيًّا لَا مَعْنَوِيًّا كَمَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إنَّهُمْ يَعْنُونَ بِوُجُوبِ الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِجَمِيعِهَا وَلَا يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَلِلْمُكَلَّفِ اخْتِيَارُ أَيِّ وَاحِدٍ كَانَ وَهُوَ بِعَيْنِهِ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ إذَا أَتَى بِالْجَمِيعِ يُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَلَوْ تَرَكَ الْجَمِيعَ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ كُلِّ وَاحِدٍ فَعَلَى هَذَا كَانَ الْخِلَافُ مَعْنَوِيًّا قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَرْعُ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ التَّكْلِيفَ يُبْتَنَى عَلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ دُونَ السَّبَبِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ وَإِيجَابُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ غَيْرِ عَيْنِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا عِلْمَ لِلْمُكَلَّفِ بِهِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مَجْهُولٌ حَالَةَ التَّكْلِيفِ فَيَكُونُ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ. وَعِنْدَنَا التَّكْلِيفُ يُبْتَنَى عَلَى سَبَبِ الْعِلْمِ لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا يُبْتَنَى عَلَى سَبَبِ الْقُدْرَةِ لَا عَلَى حَقِيقَتِهَا وَهَهُنَا طَرِيقُ الْعِلْمِ قَائِمٌ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ فَلَا يَكُونُ تَكْلِيفَ الْعَاجِزِ تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ إيجَابَ أَحَدِ الْأَشْيَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوجَبُهُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا عَيْنًا أَوْ فِي وَاحِدٍ غَيْرِ عَيْنٍ أَوْ فِي الْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا وَجْهَ لِلْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ لِأَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ كَيْفَ وَالتَّخْيِيرُ يُنَافِيهِمَا وَلَا لِلثَّانِي لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْمُكَلَّفِ وَقْتَ التَّكْلِيفِ وَالتَّكْلِيفُ بِإِتْيَانِ الْمَجْهُولِ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ وَهُوَ بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَهُوَ طَرِيقٌ مَشْرُوعٌ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ فَإِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مِثْلَ الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ يَجِبُ عَلَى الْكُلِّ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ حَتَّى إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَمْرَ بِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ لَمَّا صَحَّ حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْكُلَّ أَثِمَ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِأَحَدِهَا عَيْنًا وَلَا بِالْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا بِالْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ

стр. 466

فَأَوْجَبَ التَّخْيِيرَ عَلَى احْتِمَالِ الْإِبَاحَةِ حَتَّى إذَا فَعَلَ الْكُلَّ جَازَ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ وَاجِبًا فَلَا عَلَى مَا زَعَمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي كَفَّارَةِ الْحَلْقِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] فَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِلتَّخْيِيرِ فَأَوْجَبُوا التَّخْيِيرَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَقُلْنَا نَحْنُ هَذِهِ ذُكِرَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ بِالْمُحَارَبَةِ وَالْمُحَارَبَةُ مَعْلُومَةٌ بِأَنْوَاعِهَا عَادَةً بِتَخْوِيفٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ قَتْلٍ وَأَخْذِ مَالٍ فَاسْتَغْنَى عَنْ بَيَانِهَا وَاكْتَفَى بِإِطْلَاقِهَا بِدَلَالَةِ تَنْوِيعِ الْجَزَاءِ فَصَارَتْ أَنْوَاعُ الْجَزَاءِ مُقَابَلَةً بِأَنْوَاعِ الْمُحَارَبَةِ فَأَوْجَبَ التَّفْضِيلَ وَالتَّقْسِيمَ عَلَى حَسَبِ أَحْوَالِ الْجِنَايَةِ وَتَفَاوُتِ الْأَجْزِيَةِ ــ [كشف الأسرار] الْبَدَلِ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْكُلَّ لَا يَأْثَمُ إلَّا إثْمَ الْوَاحِدِ وَلَوْ أَتَى بِالْكُلِّ لَا يُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ إلَّا عَلَى الْوَاحِدِ وَذَلِكَ يُخَالِفُ حَدَّ الْوَاجِبِ تَعَيَّنَ أَنَّهُ أَمْرٌ بِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ غَيْرِ عَيْنٍ وَهُوَ جَائِزٌ عَقْلًا فَإِنَّ السَّيِّدَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْجَبْت عَلَيْك خِيَاطَةَ هَذَا الثَّوَابِ أَوْ بِنَاءَ هَذَا الْحَائِطِ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَيُّهُمَا فَعَلْت اكْتَفَيْت بِهِ وَأَثَبْتُكَ بِهِ وَإِنْ تَرَكْتهمَا عَاقَبْتُك وَلَسْت أُوجِبُ الْجَمِيعَ وَإِنَّمَا أُوجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ أَيَّ وَاحِدٍ أَرَدْت كَانَ هَذَا كَلَامًا مَعْقُولًا وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ إيجَابُ الْجَمِيعِ لِلتَّصْرِيحِ بِنَقِيضِهِ فَكَذَا إذَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَلَيْسَ هَذَا تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ لِقِيَامِ سَبَبِ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالْوَاجِبِ عَيْنًا بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ وَشُرُوعِهِ فِي الْفِعْلِ وَذَلِكَ كَافٍ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ. قَوْلُهُ (فَأَوْجَبَ التَّخْيِيرَ عَلَى احْتِمَالِ الْإِبَاحَةِ) التَّخْيِيرُ الثَّابِتُ بِكَلِمَةِ أَوْ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَثْبُتَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكُلِّ كَقَوْلِك اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا كَانَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ أَيَّهمَا شَاءَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْحَظْرُ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ بِعَارِضِ الْأَمْرِ وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ فَتُقْصَرُ عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَنْ يَثْبُتَ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكُلِّ كَقَوْلِك جَالِسْ الْفُقَهَاءَ أَوْ الْمُحَدِّثِينَ كَانَ لَهُ أَنْ يُجَالِسَ أَيَّ فَرِيقٍ شَاءَ وَأَنْ يُجَالِسَهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ إبَاحَةَ مُجَالَسَتُهُمْ وَمُجَالَسَةُ غَيْرِهِمْ قَدْ كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَ الْأَمْرِ فَبِالْأَمْرِ اقْتَصَرَتْ عَلَى الْمَذْكُورَيْنِ وَصَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ اقْتَصِرْ عَلَى مُجَالَسَةِ هَؤُلَاءِ وَلَا تُجَالِسْ غَيْرَهُمْ ثُمَّ إنْ كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا فِي النَّظِيرِ الْمَذْكُورِ يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِالْجَمِيعِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْوَاحِدِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الِاقْتِصَارُ حَاصِلٌ بِالْجَمِيعِ كَمَا هُوَ حَاصِلٌ بِالْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ لِلْوُجُوبِ كَانَ الِامْتِثَالُ بِالْوَاحِدِ لَا غَيْرُ وَإِنْ أَتَى بِالْجَمِيعِ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا وَاحِدًا مِنْ الْجُمْلَةِ وَلَكِنْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالْجَمِيعِ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَ الْأَمْرِ فَتَبْقَى عَلَى مَا كَانَتْ. فَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ قَوْلُ الرَّجُلِ لِآخَرَ طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي فُلَانَةَ أَوْ فُلَانَةَ أَوْ أَعْتِقْ مِنْ عَبِيدِي فُلَانًا أَوْ فُلَانًا أَوْ بِعْ مِنْهُمْ فُلَانًا أَوْ فُلَانًا وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ الطَّالِبَةِ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَحَدِ الْكُفُوَيْنِ لِوَلِيِّهَا زَوِّجْنِي فُلَانًا أَوْ فُلَانًا يَثْبُتُ التَّخْيِيرُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَانَتْ مَحْظُورَةً عَلَى الْمَأْمُورِ قَبْلَ الْأَمْرِ وَمِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي خِصَالُ الْكَفَّارَةِ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ فَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ يُجَوِّزُ الْجَمْعَ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَانَتْ مُبَاحَةً قَبْلَ الْأَمْرِ فَبَقِيَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَاتَّضَحَ بِمَا ذَكَرْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَأَوْجَبَ التَّخْيِيرَ عَلَى احْتِمَالِ الْإِبَاحَةِ وَظَهَرَ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] أَيْ يُحَارِبُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمَوَدَّةُ إذَا اسْتَحْكَمَتْ يُضِيفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحِبِّينَ فِعْلَ صَاحِبِهِ إلَى نَفْسِهِ وَفِي الْخَبَرِ الْإِلَهِيِّ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ» أَوْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ لِلتَّبَرُّكِ وَتَشْرِيفِ الرَّسُولِ ﵇ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَالْمُرَادُ مُحَارَبَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَمُحَارَبَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي حُكْمِ مُحَارَبَتِهِ ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] أَيْ مُفْسِدِينَ أَوْ لِأَنَّ سَعْيَهُمْ لَمَّا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْفَسَادِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ وَيُفْسِدُونَ فَانْتَصَبَ فَسَادًا عَلَى الْمَعْنَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أَيْ لِلْفَسَادِ وَالسَّعْيُ هُوَ الْمَشْيُ بِسُرْعَةٍ وَاسْتُعِيرَ فِي الْكَسْبِ وَالتَّصَرُّفِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ غَالِبًا وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] ذَهَبَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ فِي الْعُقُوبَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَقِّ كُلِّ قَاطِعِ طَرِيقٍ

стр. 467

وَقَدْ وَرَدَ بَيَانُهُ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ بِالسُّنَّةِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ حِينَ نَزَلَ بِالْحَدِّ عَلَى أَصْحَابِ أَبِي بُرْدَةَ عَلَى التَّفْصِيلِ فَأَمَّا فِيمَا سَبَقَ فَلَا أَنْوَاعَ لِلْجِنَايَةِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَجْزِيَةِ فَأَوْجَبَ التَّخْيِيرَ وَهَذَا لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ يُوجِبُ التَّقْسِيمَ لَا مَحَالَةَ وَالْجِنَايَةُ بِأَنْوَاعِهَا لَا تَقَعُ إلَّا مَعْلُومَةً فَكَذَلِكَ الْجَزَاءُ ــ [كشف الأسرار] كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَالْمَبْسُوطِ وَأُشِيرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ إلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَالْقَطْعِ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ قَطْعِ الطَّرِيقِ عِنْدَهُمْ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ التَّخْيِيرَ لَمْ يَجْعَلْ النَّفْيَ جَزَاءً عَلَى حِدَةٍ بَلْ حَمَلَ كَلِمَةَ أَوْ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ يُنْفَوْا﴾ [المائدة: ٣٣] عَلَى الْوَاوِ وَالنَّفْيَ عَلَى الْقَتْلِ فَكَانَ بِمَعْنَاهُ وَيُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ بِالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ قَالُوا كَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ بِحَقِيقَتِهَا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا إلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ لِأَنَّ قَطْعَ الطَّرِيقِ فِي ذَاتِهِ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذِهِ الْأَجْزِيَةُ ذُكِرَتْ بِمُقَابَلَتِهَا فَيَصْلُحُ كُلُّ وَاحِدٍ جَزَاءً لَهُ فَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَلَكِنَّا نَقُولُ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالتَّخْيِيرِ هَهُنَا لِأَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى حَسَبِ الْجِنَايَةِ يَزْدَادُ بِزِيَادَتِهَا وَيَنْتَقِصُ بِنُقْصَانِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ غِلَظِ الْجِنَايَةِ يُعَاقَبُ بِأَخَفِّ الْأَنْوَاعِ وَعِنْدَ خِفَّتِهَا بِأَغْلَظِ الْأَنْوَاعِ تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ أَوْ آخِذَ الْمَالِ لَا يُجَازَى بِالنَّفْيِ وَحْدَهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْأَجْزِيَةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْكُلِّ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ التَّخْيِيرِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ ١ - ثُمَّ الْمُحَارَبَةُ أَنْوَاعٌ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا مَعْلُومٌ مِنْ تَخْوِيفٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ أَوْ جَمْعٍ بَيْنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ تَتَفَاوَتُ فِي صِفَةِ الْجِنَايَةِ وَالْمَذْكُورُ أَجْزِيَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي مَعْنَى التَّشْدِيدِ فَوَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ عَنْ بَيَانِ تَقْسِيمِ الْأَجْزِيَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الْجِنَايَةِ نَصًّا وَهَذَا التَّقْسِيمُ ثَابِتٌ بِأَصْلٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ أَنَّ الْجُمْلَةَ إذَا قُوبِلَتْ بِالْجُمْلَةِ يَنْقَسِمُ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يَسْأَلُ عَنْ حُدُودِ الْكَبَائِرِ هِيَ جَلْدٌ مِائَةً أَوْ ثَمَانِينَ أَوْ الرَّجْمُ أَوْ الْقَطْعُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّقْسِيمُ وَالتَّفْصِيلُ لَا التَّخْيِيرُ فَكَذَا هَهُنَا وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى النَّصِّ أَنَّ جَزَاءَ الْمُحَارِبِينَ لَا يَخْلُو عَنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ إمَّا أَنْ يُقَتَّلُوا مِنْ غَيْرِ صَلْبٍ إنْ أَفْرَدُوا الْقَتْلَ أَوْ يُصَلَّبُوا مَعَ الْقَتْلِ إنْ جَمَعُوا بَيْنَ الْأَخْذِ وَالْقَتْلِ ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] إنْ أَفْرَدُوا الْأَخْذَ قَطْعُ الْيَدِ لِأَخْذِ الْمَالِ وَالرِّجْلِ لِإِخَافَةِ السَّبِيلِ أَوْ لِتَغَلُّظِ الْجِنَايَةِ بِالْمُجَاهَرَةِ ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] بِالْحَبْسِ إنْ أَفْرَدُوا الْإِخَافَةَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ مَتَى ذُكِرَتْ بَيْنَ الْأَجْزِيَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَسْبَابِ يُرَادُ بِهَا التَّرْتِيبُ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَإِلَّا فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. قَوْلُهُ (وَقَدْ وَرَدَ بَيَانُهُ) أَيْ بَيَانُ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ وَهُوَ التَّقْسِيمُ عَلَى أَحْوَالِ الْجِنَايَةِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ وَهُوَ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَادَعَ أَبَا بُرْدَةَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَبَا بَرْزَةَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ عَلَى أَنْ لَا يُعِينَهُ وَلَا يُعِينَ عَلَيْهِ فَجَاءَ أُنَاسٌ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ فَقَطَعَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُهُ الطَّرِيقَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِالْحَدِّ فِيهِمْ أَنَّ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ قُتِلَ وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ وَمَنْ جَاءَ مُسْلِمًا هَدَمَ الْإِسْلَامُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الشِّرْكِ» وَفِي رِوَايَةِ عَطِيَّةَ عَنْهُ «وَمَنْ أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ نُفِيَ» فَفِي هَذَا الْخَبَرِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ هَهُنَا لِلتَّفْصِيلِ دُونَ التَّخْيِيرِ (فَإِنْ قِيلَ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَطَعُوا عَلَى أُنَاسٍ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ وَبِنَفْسِ الْإِرَادَةِ لَا يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ وَلَا يَخْرُجُ الْكَافِرُ عَنْ كَوْنِهِ حَرْبِيًّا وَقَدْ ثَبَتَ

стр. 468

حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ إنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ أَوْ صَلَبَهُ وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ ابْتِدَاءً أَوْ صَلَبَهُ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَحْتَمِلُ الِاتِّحَادَ وَالتَّعَدُّدَ فَكَذَلِكَ الْجَزَاءُ ــ [كشف الأسرار] بِالدَّلِيلِ أَنَّ مَنْ قَطَعَ عَلَى حَرْبِيٍّ طَرِيقًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا قُلْنَا قَدْ قِيلَ إنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا فَجَاءُوا يُرِيدُونَ الْهِجْرَةَ لِتَعَلُّمِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ يُرِيدُونَ تَعَلُّمَ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ بَلْ جَاءُوا عَلَى قَصْدِ أَنْ يُسْلِمُوا وَمَنْ جَاءَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ فَوَصَلَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَدُّ يَجِبُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا يَجِبُ بِالْقَطْعِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِينَ (فَإِنْ قِيلَ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ صُلِبَ وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ قُتِلَ وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ فَقَدْ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ فَرِيقٍ حَدًّا عَلَى حِدَةٍ بِسَبَبِ قَطْعِ طَرِيقٍ وَاحِدٍ وَمَتَى قَطَعَ الطَّرِيقَ جَمَاعَةٌ فَقَتَلَ الْبَعْضُ مِنْهُمْ وَأَخَذَ الْمَالَ فَإِنَّ الصَّلْبَ يَجِبُ عَلَى الْكُلِّ بِلَا تَفْصِيلٍ قُلْنَا الْحَدُّ ذُكِرَ مُطْلَقًا فِي الْحَدِيثِ إذْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ أَنَّ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ مِنْهُمْ صُلِبَ فَيَنْصَرِفُ كُلُّ حَدٍّ إلَى نَوْعٍ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ عَلَى حِدَةٍ وَلَا يَنْصَرِفُ كُلُّهُ إلَى أَصْحَابِ أَبِي بُرْدَةَ فَكَانَ أَصْحَابُهُ سَبَبًا لِبَيَانِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ نَوْعٍ لَا أَنْ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمْ عَلَى التَّفْصِيلِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِمْ وَالْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ كَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ قَوْلُهُ (حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) يَعْنِي لَمَّا انْقَسَمَتْ أَنْوَاعُ الْجَزَاءِ عَلَى أَنْوَاعِ الْجِنَايَةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالْقَتْلِ كَانَ لِلْإِمَامِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ أَوْ صَلَبَهُ وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ أَوْ صَلَبَهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جِهَةُ الِاتِّحَادِ وَجِهَةُ التَّعَدُّدِ أَمَّا جِهَةُ التَّعَدُّدِ فَلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْقَطْعِ قَدْ وُجِدَ وَالسَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْقَتْلِ قَدْ وُجِدَ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ السَّبَبَيْنِ. وَأَمَّا جِهَةُ الِاتِّحَادِ فَلِأَنَّ الْكُلَّ قَطْعُ الْمَادَّةِ وَهُوَ وَاحِدٌ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْقَتْلِ أَوْ الصَّلْبِ وَهَذَا نَظِيرُ مَا قَالَ فِيمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا إنْ شَاءَ الْوَلِيُّ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لِاجْتِمَاعِ جِهَتَيْ التَّعَدُّدِ وَالِاتِّحَادِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ يَصْلُبُهُ الْإِمَامُ لَا غَيْرُ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالُوا وَلِأَنَّ هَذَا الْحَدَّ شُرِعَ جَزَاءَ قَطْعِ الطَّرِيقِ الْآمِنِ بِأَمَانِ اللَّهِ تَعَالَى لِإِجْرَاءِ أَخْذِ الْمَالِ وَقَتْلِ النَّفْسِ مُجَاهَرَةً إذْ الْحَقُّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فِي الْمَالِ وَالنَّفْسِ لِصَاحِبِهِ إلَّا أَنَّ قَطْعَ الطَّرِيقِ يَتَقَوَّى إذَا خَوَّفَ النَّاسَ بِالْقَتْلِ وَالْأَخْذِ جَمِيعًا فَيَزْدَادُ الْحَدُّ كَمَا ازْدَادَ الْجِنَايَةُ فَيَزْدَادُ حَدُّ الزَّانِي الْمُحْصَنِ عَلَى حَدِّ الْبِكْرِ لِقُوَّةِ جِنَايَتِهِ بِزِيَادَةِ الْحُرْمَةِ بِاجْتِمَاعِ الْمَوَانِعِ مِنْ الزِّنَا كَذَا فِي الْأَسْرَارِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَنَا وَذَكَرَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ الْجَوَابَ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْوِيَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ رُوِيَ فِي رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ وَصُلِبَ فَقَدْ تَعَارَضَتْ الرِّوَايَاتُ فِي حَدِيثِهِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَوَجَبَ التَّمَسُّكُ بِمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﵇ لِلْعُرَنِيِّينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَارَضْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَمَرَ بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ وَأَمَرَ بِتَرْكِهِمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا» فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ فَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا لَمَّا تَعَارَضَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ فِي جَانِبِ الْجَوَابِ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ

стр. 469

وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَدَابَّتِهِ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا إنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِأَحَدِهِمَا غَيْرُ عَيْنٍ وَذَلِكَ غَيْرُ مَحَلٍّ لِلْعِتْقِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ هُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ عَلَى احْتِمَالِ التَّعْيِينِ حَتَّى لَزِمَهُ التَّعْيِينُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ وَالْعَمَلُ بِالْمُحْتَمَلِ أَوْلَى مِنْ الْإِهْدَارِ فَجُعِلَ مَا وُضِعَ لِحَقِيقَتِهِ مَجَازًا عَمَّا يَحْتَمِلُهُ وَإِنْ اسْتَحَالَتْ حَقِيقَتُهُ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَصْلِهِ فِيمَا مَضَى وَهُمَا يُنْكِرَانِ الِاسْتِعَارَةَ عِنْدَ اسْتِحَالَةِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْكَلَامَ لِلْحُكْمِ وُضِعَ عَلَى مَا سَبَقَ وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا وَهَذَا إنَّ الثَّالِثَ يَعْتِقُ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ تَنَاوَلَ أَحَدَهُمَا عَمَلًا بِكَلِمَةِ التَّخْيِيرِ وَالْوَاوُ تُوجِبُ الشَّرِكَةَ فِيمَا سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ فَيَصِيرُ عَطْفًا عَلَى الْمُعْتَقِ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ كَقَوْلِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ وَهَذَا ثُمَّ يُسْتَعَارُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ لِلْعُمُومِ ــ [كشف الأسرار] مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ بَيَانُ مَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْحَالَةِ لَا بَيَانُ مَا يَخْتَصُّ هَذِهِ الْحَالَةَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ الصَّلْبُ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَكِنْ يَجُوزُ فِيهَا غَيْرُهُ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ الْقَطْعِ وَلَمْ يُوجَدْ عَنْهُ مَانِعٌ فَيَجُوزُ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قَالَ) أَيْ وَلِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَدَابَّتِهِ فَقَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا لَغَا كَلَامُهُ لِأَنَّ أَوْ لَمَّا كَانَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ كَانَ مَحَلُّ الْإِيجَابِ أَحَدَهُمَا غَيْرَ عَيْنٍ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْمَذْكُورَيْنِ مَحَلًّا لِلْإِيجَابِ فَغَيْرُ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ صَالِحًا وَبِدُونِ صَلَاحِيَةِ الْمَحَلِّ لَا يَصِحُّ الْإِيجَابُ أَصْلًا كَذَا فِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ. وَهَذَا الْكَلَامُ وَسِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ يُشِيرَانِ إلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى عَبْدَهُ بِهَذَا الْإِيجَابِ لَا يَعْتِقُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا لِأَنَّ اللَّغْوَ وَالْبَاطِلَ لَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ مَا يُخَالِفُهُ فَقَالَ إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ مِنْ مَيِّتٍ أَوْ أُسْطُوَانَةٍ أَوْ حِمَارٍ فَقَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا أَوْ قَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَا يَعْتِقُ عَبْدُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ لِأَنَّهُ رَدَّدَ الْكَلَامَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَبْدُهُ إلَّا بِنِيَّتِهِ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ وَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمَّ إلَيْهِ مَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعِتْقُ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ لَا وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَكَذَا هَهُنَا قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ أَيْ سَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ هَذَا الْإِيجَابَ يَتَنَاوَلُ أَحَدَهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَأَنَّ غَيْرَ الْعَيْنِ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعِتْقِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلَكِنْ لَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعَيُّنَ بَلْ يَقُولُ يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّ الْمَذْكُورَيْنِ لَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ لَهُ يَتَنَاوَلُ الْإِيجَابُ أَحَدَهُمَا عَلَى احْتِمَالِ التَّعْيِينِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ لَمَا أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَكَذَا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا يَتَعَيَّنُ الْآخَرُ لِلْعِتْقِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّعْيِينَ يَحْتَمِلُهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِحَقِيقَتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ لِأَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ هَذَا ابْنِي لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُحْتَمَلِ أَوْلَى مِنْ الْإِلْغَاءِ وَيَلْغُو ذِكْرُ مَا ضَمَّ إلَيْهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا حُرٌّ وَسَكَتَ كَمَا إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ كُلُّهَا لِلْحَيِّ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَسَكَتَ وَهَذَا بِخِلَافِ عَبْدِ الْغَيْرِ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِإِيجَابِ الْعِتْقِ. وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ عَبْدُهُ هُنَاكَ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَأُسْطُوَانَةٍ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ عَتَقَ عَبْدُهُ لِأَنَّ كَلَامَهُ إيجَابٌ لِلْحُرِّيَّةِ وَلَوْ قَالَ هَذَا حُرٌّ وَهَذَا لَمْ يَعْتِقْ عَبْدُهُ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ بِإِيجَابٍ لِلْحُرِّيَّةِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ هَذَا حُرٌّ أَوْ لَا قَوْلُهُ (وَلِهَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ أَوْ لِإِيجَابِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ قُلْنَا إذَا قَالَ لِعَبِيدِهِ الثَّلَاثَةِ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا وَهَذَا أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَيَعْتِقُ الثَّالِثُ فِي الْحَالِ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الطَّلَاقِ إذَا قَالَ هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ وَعِنْدَ الْفَرَّاءِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ إنْ شَاءَ أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ شَاءَ عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلَا يَعْتِقُ أَحَدٌ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بِحَرْفِ الْوَاوِ فِي مُخْتَلِفَيْ اللَّفْظِ كَالْجَمْعِ بِكِنَايَةِ الْجَمْعِ فِي مُتَّفِقَيْ اللَّفْظِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَانِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ هَذَا أَوْ هَذَا وَهَذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ هَذَا أَوْ هَذَيْنِ حَتَّى أَنَّهُ إنْ كَلَّمَ الْأَوَّلَ حَنِثَ وَإِنْ كَلَّمَ الْآخَرَيْنِ حَنِثَ وَإِنْ كَلَّمَ الثَّانِيَ وَحْدَهُ أَوْ الثَّالِثَ وَحْدَهُ لَمْ يَحْنَثْ كَذَا فِي الْجَامِعِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْتُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَنْ يَجْمَعَ فِي التَّكَلُّمِ بَيْنَ أَحَدِ

стр. 470

بِدَلَالَةٍ تَقْتَرِنُ فَيَصِيرُ شَبِيهًا بِوَاوِ الْعَطْفِ لَا عَيْنَهُ فَمِنْ ذَلِكَ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي النَّفْيِ صَارَتْ بِمَعْنَى الْعُمُومِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أَيْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَامِعِ فِي رَجُلٍ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا أَوْ فُلَانًا إنَّ مَعْنَاهُ فُلَانًا وَلَا فُلَانًا ــ [كشف الأسرار] الْأَوَّلَيْنِ وَبَيْنَ الثَّالِثِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ أَحَدَ هَذَيْنِ وَهَذَا. وَلَكِنَّا نَقُولُ سَوْقُ الْكَلَامِ لِإِيجَابِ الْعِتْقِ فِي أَحَدِهِمَا وَالْعَطْفُ لِإِثْبَاتِ الشَّرِكَةِ فِيمَا سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ فَصَارَ قَوْلُهُ وَهَذَا مَعْطُوفًا عَلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْمُعْتَقُ مِنْهُمَا لَا عَلَى الْأَوَّلِ بِعَيْنِهِ وَلَا عَلَى الثَّانِي إذْ لَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنًا حَظٌّ مِنْ الْإِيجَابِ فَلَمْ يَصْلُحْ الْعَطْفُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْحَظُّ لِأَحَدِهِمَا غَيْرِ عَيْنٍ فَصَارَ عَطْفًا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ وَهَذَا فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْيَمِينِ فَالْقِيَاسُ فِيهَا مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀ وَلَكِنَّا اخْتَرْنَا الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرْنَا لِأَنَّ الثَّابِتَ بِكَلِمَةِ أَوْ هُنَا نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَأَوْجَبَتْ الْعُمُومَ عَلَى طَرِيقِ الْإِفْرَادِ فَكَانَ تَقْدِيرُ صَدْرِ الْكَلَامِ لَا أُكَلِّمُ هَذَا وَلَا هَذَا فَلَمَّا قَالَ وَهَذَا فَقَدْ عَطَفَ بِوَاوِ الْجَمْعِ وَقَضِيَّتُهَا الْجَمْعُ فَصَارَ جَامِعًا لَهُ إلَى الثَّانِي بِنَفْيِ وَاحِدٍ فَشَارَكَ الثَّانِيَ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أُكَلِّمُ هَذَا وَلَا هَذَيْنِ وَالْجَمْعُ فِي النَّفْيِ يُوجِبُ الِاتِّحَادَ فِي الْحِنْثِ وَالتَّفْرِيقُ يُوجِبُ الِافْتِرَاقَ تَقُولُ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَفُلَانًا فَلَا تَحْنَثُ حَتَّى تُكَلِّمَهُمَا وَتَقُولُ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَلَا فُلَانًا فَأَيُّهُمَا كَلَّمْته وَجَبَ الْحِنْثُ فَلِذَلِكَ صَارَ الْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَا كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ مَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ لِأَنَّ خَبَرَ الْمُثَنَّى غَيْرُ خَبَرِ الْوَاحِدِ لَفْظًا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ حُرٌّ وَلِلِاثْنَيْنِ حُرَّانِ وَالْمَذْكُورُ فِي كَلَامِهِ مِنْ الْخَبَرِ قَوْلُهُ حُرٌّ وَهُوَ لَا تَصْلُحُ خَبَرًا لِلِاثْنَيْنِ وَلَا وَجْهَ لِإِثْبَاتِ خَبَرٍ آخَرَ لِأَنَّ الْعَطْفَ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ أَوْ لِإِثْبَاتِ خَبَرٍ مِثْلِ الْأَوَّلِ لَفْظًا لِإِثْبَاتِ خَبَرٍ آخَرَ مُخَالِفًا لَهُ لَفْظًا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ يَصْلُحُ لِلْمُثَنَّى كَمَا يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا أُكَلِّمُ هَذَا لَا أُكَلِّمُ هَذَيْنِ فَلِذَلِكَ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أُكَلِّمُ هَذَا أَوْ هَذَيْنِ. وَلَا يَخْلُو هَذَا الْكَلَامُ عَنْ اشْتِبَاهٍ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ قَوْلُهُ (بِدَلَالَةٍ تَقْتَرِنُ) أَيْ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِالْكَلَامِ وَقَوْلُهُ فَيَصِيرُ شَبِيهًا بِوَاوِ الْعَطْفِ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الْعُمُومِ أَيْ يَصِيرُ حَرْفٌ شَبِيهًا بِوَاوِ الْعَطْفِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَذْكُورَيْنِ مُرَادٌ مِنْ الْكَلَامِ لَا عَيْنَهُ أَيْ عَيْنَ الْوَاوِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ مَقْصُودٌ وَالِاجْتِمَاعُ لَيْسَ بِحَتْمٍ فِيهِ بِخِلَافِ الْوَاوِ فَبَقِيَ فِيهِ شَبَهُ الْحَقِيقَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ إنَّ أَوْ فِي النَّهْيِ آكَدُ مِنْ الْوَاوِ لِأَنَّك لَوْ قُلْت لَا تُطِعْ زَيْدًا وَعَمْرًا جَازَ لِلْمَنْهِيِّ أَنْ يُطِيعَ أَحَدَهُمَا وَلَوْ قُلْت لَا تُطِعْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُطِيعَ أَحَدَهُمَا كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُطِيعَهُمَا فَمِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ الْمَذْكُورِ يَعْنِي مِنْ الدَّلَالَاتِ الْمُقْتَرِنَةِ بِهَا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عُمُومِهَا اسْتِعْمَالُهَا فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أَيْ وَلَا كَفُورًا فَحَرُمَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ طَاعَتُهُمَا جَمِيعًا وَلَكِنْ بِصِفَةِ الِانْفِرَادِ. فَإِنْ قِيلَ كَانُوا كُلُّهُمْ كَفَرَةً فَمَا مَعْنَى الْقِسْمَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] قُلْنَا مَعْنَاهُ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ رَاكِبًا لِمَا هُوَ إثْمٌ دَاعِيًا لَك إلَيْهِ أَوْ فَاعِلًا لِمَا هُوَ كُفْرٌ دَاعِيًا لَك إلَيْهِ لِأَنَّهُمْ إمَّا أَنْ يَدْعُوهُ إلَى مُسَاعَدَتِهِمْ إلَى فِعْلٍ هُوَ إثْمٌ أَوْ كُفْرٌ أَوْ غَيْرُ إثْمٍ وَلَا كُفْرٍ فَنُهِيَ أَنْ يُسَاعِدَهُمْ عَلَى الِاثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ وَقِيلَ الْآثِمُ عُتْبَةُ وَالْكَفُورُ الْوَلِيدُ لِأَنَّ عُتْبَةَ كَانَ رَكَّابًا لِلْمَأْثَمِ مُتَعَاطِيًا لِأَنْوَاعِ الْفُسُوقِ وَكَانَ الْوَلِيدُ غَالِبًا فِي الْكُفْرِ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ فِي الْعُتُوِّ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَإِنَّمَا يَعُمُّ فِي النَّفْيِ لِأَنَّ أَوْ لَمَّا تَنَاوَلَ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ غَيْرَ عَيْنٍ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ صِدْقِ الْكَلَامِ إذْ نَفَاهُ انْتَفَى الْجَمِيعُ إنْ كَانَ خَبَرًا كَمَا مَرَّ تَحْقِيقُهُ وَإِنْ كَانَ نَهْيًا وَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْعَبْدِ

стр. 471

حَتَّى إذَا كَلَّمَ أَحَدَهُمَا يَحْنَثُ وَلَوْ كَلَّمَهُمَا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ اسْتَعْمَلَ هَذَا فِي الْإِيلَاءِ بَانَتَا جَمِيعًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ لَمَّا تَنَاوَلَتْ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ كَانَ ذَلِكَ نَكِرَةً وَقَدْ قَامَتْ فِيهَا دَلَالَةُ الْعُمُومِ وَهُوَ النَّفْيُ عَلَى مَا سَبَقَ فَلِذَلِكَ صَارَ عَامًّا إلَّا أَنَّهَا أَوْجَبَتْ الْعُمُومَ عَلَى الْإِفْرَادِ لِمَا أَنَّ الْإِفْرَادَ أَصْلُهَا حَتَّى أَنَّ مَنْ قَالَ لَا تُطِعْ فُلَانًا أَوْ فُلَانًا فَأَطَاعَ أَحَدَهُمَا كَانَ عَاصِيًا وَلَوْ قَالَ وَفُلَانًا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا حَتَّى يُطِيعَهُمَا وَإِذَا حَلَفَ رَجُلٌ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا وَفُلَانًا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُكَلِّمُهُمَا وَلَوْ قَالَ أَوْ فُلَانًا حَنِثَ إذَا كَلَّمَ أَحَدَهُمَا لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ وَالْجَمْعِ دُونَ الْإِفْرَادِ وَمِنْ ذَلِكَ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ تَصِيرُ عَامَّةً لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ دَلِيلُ الْعُمُومِ فَعَمَّتْ بِهَا النَّكِرَةُ كَمَا يُقَالُ: جَالِسْ الْفُقَهَاءَ أَوْ الْمُحَدِّثِينَ. أَيْ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا إنْ شِئْت وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي التَّخْيِيرِ يَجْعَلُ الْمَأْمُورَ مُخَالِفًا وَفِي الْإِبَاحَةِ مُوَافِقًا ــ [كشف الأسرار] الِانْتِهَاءُ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرِ عَيْنٍ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ حُصُولِ الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وُجُوبُ الِانْتِهَاءِ عَنْهُمَا وَلِهَذَا عَمَّتْ فِي الْإِبَاحَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمَّا أَطْلَقَ الْمُجَالَسَةَ مَثَلًا فِي قَوْلِهِ جَالِسْ الْفُقَهَاءَ أَوْ الْمُحَدِّثِينَ مَعَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَمُجَالَسَةُ أَحَدِهِمَا غَيْرُ عَيْنٍ لَا يُتَصَوَّرُ ثَبَتَ الْعُمُومُ ضَرُورَةَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْعَمَلِ بِحُكْمِ الْإِطْلَاقِ قَوْلُهُ (حَتَّى إذَا كَلَّمَ أَحَدَهُمَا يَحْنَثُ) بِخِلَافِ الْوَاوِ فَإِنَّهُ فِي قَوْلِهِ وَفُلَانًا لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُكَلِّمْهُمَا وَلَوْ كَلَّمَهُمَا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا فِي الْوَاوِ وَكَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا دَخَلَ كَلَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْيَمِينِ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَمِينَيْنِ فَيَحْنَثُ بِالْكَلَامِ مَعَهُمَا مَرَّتَيْنِ فَقَالَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْحِنْثِ بِتَعَدُّدِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا هَتْكٌ وَاحِدٌ. وَقَوْلُهُ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ بَيَانُ الْعُمُومِ يَعْنِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعُمُومِ بَقِيَ لَهُ الْخِيَارُ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَأُكَلِّمَنَّ الْيَوْمَ فُلَانًا أَوْ فُلَانًا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ تَكَلُّمَ أَحَدِهِمَا لِلْبِرِّ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ مَعَ الْآخَرِ وَلَوْ قَالَ لَا أُكَلِّمُ الْيَوْمَ فُلَانًا أَوْ فُلَانًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الِامْتِنَاعَ عَنْ تَكَلُّمِ أَحَدِهِمَا مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ عَنْ تَكَلُّمِهِمَا جَمِيعًا قَوْلُهُ (لَوْ) (اسْتَعْمَلَ هَذَا) أَيْ الْحَرْفَ أَوْ فِي الْإِيلَاءِ بِأَنْ قَالَ لَا أَقْرَبُ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَصِيرُ مُولِيًا مِنْهُمَا حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهُمَا فِي الْمُدَّةِ بَانَتَا جَمِيعًا (فَإِنْ قِيلَ) لَمَّا كَانَتْ كَلِمَةُ أَوْ لِأَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَا أَقْرَبُ أَحَدَيْكُمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ أَحَدَيْكُمَا كَانَ مُولِيًا مِنْ أَحَدَيْهِمَا لَا مِنْهُمَا جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ حَتَّى لَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَقْرَبْهُمَا بَانَتْ أَحَدَيْهِمَا وَالْخِيَارُ إلَيْهِ فِي التَّعْيِينِ وَالْمَسْأَلَةُ فِي إيمَانِ الْجَامِعِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَمَّمَ هَهُنَا أَيْضًا (قُلْنَا) كَانَ الْقِيَاسُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ مُولِيًا مِنْهُمَا أَيْضًا لِأَنَّ إحْدَى كَلِمَةٌ تُنْبِئُ عَنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ فَكَانَتْ فِي مَعْنَى النَّكِرَةِ وَقَدْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيُوجِبُ التَّعْمِيمَ كَمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْكُمَا إلَّا أَنَّهَا كَلِمَةٌ خَاصَّةٌ صِيغَةً وَمَعْنًى لِأَنَّهَا لَا تَعُمُّ بِسَائِرِ دَلَائِلِ الْعُمُومِ فَكَذَا بِوُقُوعِهَا فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا كَلِمَةُ الْإِحَاطَةِ وَالْعُمُومِ فَلَا يُقَالُ كُلُّ أَحَدَيْكُمَا وَأَنَّهَا لَا تُوصَلُ بِكَلِمَةِ التَّبْعِيضِ فَلَا يُقَالُ إحْدَى مِنْكُمَا فَكَانَتْ فِي حُكْمِ الْمَعَارِفِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا التَّعْمِيمُ بِالنَّفْيِ أَيْضًا بِخِلَافِ كَلِمَةِ أَوْ فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْعُمُومَ فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ فَكَذَلِكَ تُوجِبُهُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَبِخِلَافِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّهَا تَعُمُّ بِكَلِمَةِ الْإِحَاطَةِ فَكَذَلِكَ بِالنَّفْيِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْمُصَنِّفِ ﵀ عَلَى مَا سَبَقَ أَيْ فِي بَابِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ أَنَّ النَّفْيَ مِنْ دَلَائِلِ الْعُمُومِ فِي النَّكِرَةِ لَمَّا أَنَّ الْإِفْرَادَ أَصْلُهَا لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ لِتَنَاوُلِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالْعُمُومُ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيهِ بِعَارِضٍ يَقْتَرِنُ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْعُمُومِ الِاجْتِمَاعُ بَلْ يَثْبُتُ الْعُمُومُ بِصِفَةِ الْإِفْرَادِ أَيْضًا كَمَا فِي كَلِمَةِ كُلُّ وَكَلِمَةِ مَنْ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ رِعَايَةً لِلْحَقِيقَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ) أَيْ مِنْ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عُمُومِهَا اسْتِعْمَالُهَا فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ دَلِيلُ الْعُمُومِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِبَاحَةَ هِيَ الْإِطْلَاقُ وَرَفْعُ الْمَانِعِ وَذَلِكَ فِي شَيْءٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ يُوجِبُ الْعُمُومُ ضَرُورَةَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ فَإِذَا قِيلَ جَالِسْ الْفُقَهَاءَ أَوْ الْمُحَدِّثِينَ يُفْهَمُ مِنْهُ جَالِسْ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا إنْ شِئْت أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]

стр. 472

وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الْإِبَاحَةُ مِنْ التَّخْيِيرِ بِحَالٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَامِعِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا إلَّا فُلَانًا أَوْ فُلَانًا إنَّ لَهُ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا جَمِيعًا وَكَذَلِكَ قَالَ لَا أَقْرَبُكُنَّ إلَّا فُلَانَةَ أَوْ فُلَانَةَ فَلَيْسَ بِمُولٍ مِنْهُمَا وَقَالُوا فِيمَنْ قَالَ بَرِئَ فُلَانٌ مِنْ كُلِّ حَقٍّ لِي قِبَلَهُ إلَّا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ إنَّ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الْإِبَاحَةِ فَصَارَ عَامًّا أَلَا تَرَى أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ الْحَظْرِ فَكَانَ إبَاحَةً وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ بِكُلِّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ عَلَى مَعْنَى الْإِبَاحَةِ أَيْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ــ [كشف الأسرار] أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمَّا كَانَ مِنْ التَّحْرِيمِ حَتَّى أَوْجَبَ الْإِبَاحَةَ تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا ثَبَتَتْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَإِلَى قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الْآيَةَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمَّا كَانَ مُوجِبًا لِلْإِبَاحَةِ جَازَ لَهُنَّ إبْدَاءُ مَوَاضِعِ الزِّينَةِ لِجَمِيعِ الْمُسْتَثْنَيَيْنِ كَمَا جَازَ ذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَعَرَفْنَا أَنَّ مُوجَبَهَا فِي الْإِبَاحَةِ الْعُمُومُ بِمَنْزِلَةِ وَاوِ الْعَطْفِ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ إنَّ أَوْ فِي قَوْلِك جَالِسْ الْحَسَنَ أَوْ ابْنَ سِيرِينَ لِلْإِبَاحَةِ وَمَعْنَاهُ أَبَحْت لَك هَذَا النَّوْعَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ مِنْ وَجْهٍ وَمُفَارِقٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. أَمَّا مُوَافَقَتُهُ لِلْوَاوِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ مُجَالَسَتَهُمَا جَمِيعًا مِمَّا لَا يَكُونُ فِيهِ عِصْيَانٌ كَمَا أَنَّك إذَا قُلْت جَالِسْ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ كَانَ كَذَلِكَ وَأَمَّا مُفَارَقَتُهُ لِلْوَاوِ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ جَالَسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَلَمْ يُجَالِسْ الْآخَرَ كَانَ جَائِزًا وَلَوْ قَالَ جَالِسْ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُجَالِسَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَوْ يُفِيدُ إبَاحَةَ الْجَمْعِ وَالْوَاوُ يُوجِبُهُ قَوْلُهُ (وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّخْيِيرِ) أَيْ الْفَرْقُ بَيْنَ وُقُوعِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ وَبَيْنَ وُقُوعِهَا فِي مَوْضِعِ التَّخْيِيرِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْإِبَاحَةِ يَجُوزُ كَمَا ذَكَرْنَا وَفِي التَّخْيِيرِ لَا يَجُوزُ فَفِي قَوْلِك اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا لَوْ ضَرَبَهُمَا جَمِيعًا لَمْ يَجُزْ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ كَانَ مُمْتَثِلًا بِأَحَدِهَا لَا بِالْجَمِيعِ لِأَنَّهَا لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ فِي مَوْضِعِ التَّخْيِيرِ قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الْإِبَاحَةُ مِنْ التَّخْيِيرِ بِحَالٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ عُرِفَتْ بِدَلَالَةِ الْحَالِ قَالَ أَصْحَابُنَا أَنَّهَا تُوجِبُ الْعُمُومَ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ أَحَدًا وَقَوْلِهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ لِلْحَظْرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْحَظْرِ إبَاحَةٌ فَكَانَتْ كَلِمَةُ أَوْ فِي قَوْلِهِ إلَّا فُلَانًا أَوْ فُلَانًا وَإِلَّا فُلَانَةَ أَوْ فُلَانَةَ وَاقِعَةٌ فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ فَأَوْجَبَتْ الْعُمُومَ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا آكُلُ طَعَامًا إلَّا خُبْزًا أَوْ لَحْمًا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُمَا فَكَذَلِكَ هَهُنَا. قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيٌ فِي اللُّغَةِ وَلَكِنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْإِثْبَاتِ كَانَ نَفْيًا وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّفْيِ كَانَ إثْبَاتًا لِأَنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَالنَّفْيُ مِنْ دَلَالَاتِ الْعُمُومِ فَيَعُمُّ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ أَيْضًا. وَكَذَا فِي قَوْلِهِ قَدْ بَرِئَ فُلَانٌ مِنْ كُلِّ حَقٍّ لِي قِبَلَهُ يُوجِبُ حَطَّ الدَّعْوَى فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ فَكَانَ قَوْلُهُ إلَّا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ اسْتِثْنَاءً مِنْ الْحَظْرِ مَعْنًى فَيَصْلُحُ دَلَالَةً عَلَى الْعُمُومِ قَوْلُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) إلَى آخِرِهِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي شُرُوطِ الْأَصْلِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَشْتَرِيَ دَارًا كَتَبَ هَذَا مَا اشْتَرَى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَسَاقَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ قَالَ اشْتَرَاهَا بِحُدُودِهَا وَمَرَافِقِهَا وَطَرِيقِهَا وَكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا وَكُلِّ حَقٍّ هُوَ فِيهَا دَاخِلٍ فِيهَا وَخَارِجٍ مِنْهَا بِكَذَا كَذَا دِرْهَمًا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ثُمَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَعْنِي كِتَابَ الشُّرُوطِ يَقُولُ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَفِي كِتَابِ الْوَقْفِ وَالشُّفْعَةِ قَالَ بِكُلِّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ وَاَلَّذِي ذَكَرَ هَهُنَا أَحْسَنُ لِأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ عِنْدَ ذِكْرِ حَرْفِ أَوْ أَحَدُ الْمَذْكُورَيْنِ لَا كِلَاهُمَا فَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْعُمُومَ هَهُنَا لِأَنَّهَا لِلْإِبَاحَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذْ الْأَصْلُ حُرْمَةُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ وَهَذَا الْكَلَامُ لِإِطْلَاقِ التَّصَرُّفِ فِي الْحُقُوقِ وَإِبَاحَتِهِ فَلِذَلِكَ أَوْجَبَتْ الْعُمُومَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى مَعْنَى الْإِبَاحَةِ أَيْ ذَكَرَ هَذَا اللَّفْظَ عَلَى مَعْنَى إبَاحَةِ

стр. 473

وَكَذَلِكَ دَاخِلٌ فِيهَا أَوْ خَارِجٌ أَيْ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا وَيَجُوزُ الْوَاوُ فِيهِمَا وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْأَفْعَالِ إنْ دَخَلَتْ فِي الْخَبَرِ أَفْضَتْ إلَى الشَّكِّ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْجَبَتْ التَّخْيِيرَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ إنَّ لَهُ الْخِيَارَ وَلَهَا وَجْهٌ آخَرُ هُنَا وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى حَتَّى أَوْ إلَّا أَنْ ــ [كشف الأسرار] التَّصَرُّفِ وَمَعْنَاهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمَبِيعِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا فَيُوجِبُ الْعُمُومَ ضَرُورَةً أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي إسْقَاطِ حَقِّ الْبَائِعِ عَنْ الْمَبِيعِ وَعَمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ وَكَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْتِعَةُ إنْ كَانَ قَالَ أَوْ فِيهَا وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَكْتُبُ هَذَا اللَّفْظَ يَعْنِي قَوْلَهُ بِكُلِّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ لِأَنَّهُ إذَا كَتَبَ هَذَا دَخَلَ فِيهِ الْأَمْتِعَةُ الْمَوْضُوعَةُ فِيهَا لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَرَى أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ الْكِتَابَ فَيَقُولَ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا مِنْ حُقُوقِهَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حَرْفُ أَوْ مُسَاوِيًا لِلْوَاوِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا يُقَالُ لَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي فِي الطَّرِيقِ وَالشُّرْبِ بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ لَأَمْكَنَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا لِأَنَّا نَقُولُ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ لِأَنَّهَا يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ لَازِمٍ وَهُوَ الْبَيْعُ فَأَعْطَى لَهَا حُكْمَ الْمُتَضَمَّنِ فِي اللُّزُومِ (قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ دَاخِلٌ فِيهَا أَوْ خَارِجٌ) يَعْنِي أَوْ لِلْعُمُومِ فِي هَذَا الْكَلَامِ كَهُوَ فِي الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَكَانَ مُسَاوِيًا لِلْوَاوِ قَالَ الطَّحَاوِيَّ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنْ يَكْتُبَ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهَا دَاخِلٍ فِيهَا وَكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهَا خَارِجٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ إذَا قَالَ وَخَارِجٍ مِنْهَا فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا شَيْئًا وَاحِدًا مَنْعُوتًا بِالنَّعْتَيْنِ جَمِيعًا وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ وَالْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ بِنَعْتَيْنِ لَا يَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ بِأَحَدِ النَّعْتَيْنِ خَاصَّةً فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهَا دَاخِلٍ فِيهَا وَكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهَا خَارِجٍ مِنْهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لِأَنَّ الْقَلِيلَ جُزْءٌ مِنْ الْكَثِيرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يَقُولَ وَكُلِّ قَلِيلٍ وَكُلٍّ كَثِيرٍ وَهَهُنَا الْحُقُوقُ الدَّاخِلَةُ غَيْرُ الْحُقُوقِ الْخَارِجَةِ فَلِهَذَا يَذْكُرُهُمَا جَمِيعًا عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَمَّا ذَكَرَ الطَّحَاوِيَّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ اجْتِمَاعُ الْوَصْفَيْنِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ اقْتَضَى الْكَلَامُ إضْمَارَ مَنْعُوتٍ آخَرَ بِدَلَالَةِ الْعَطْفِ كَمَا فِي قَوْلِك جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو لَمَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ اشْتِرَاكُهُمَا فِي مَجِيءِ وَاحِدٍ اقْتَضَى إعَادَةَ الْفِعْلِ حَتَّى كَانَ التَّقْدِيرُ جَاءَ زَيْدٌ جَاءَ عَمْرٌو فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّكَلُّفِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ (وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْجَبَتْ التَّخْيِيرَ) يَعْنِي كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ تَحْقِيقًا لِمُوجَبِ الْكَلَامِ حَتَّى كَانَ لَهُ فِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ أَوْ لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَنْ يَخْتَارَ دُخُولَ أَيَّهمَا شَاءَ لِلْبِرِّ وَلَا يُشْتَرَطُ دُخُولُهُمَا لِأَنَّهُ الْتَزَمَ دُخُولَ أَحَدَيْهِمَا فَلَوْ لَمْ يَبَرَّ بِدُخُولِ أَحَدَيْهِمَا لَصَارَ مُلْتَزِمًا دُخُولَهُمَا وَلَيْسَ ذَلِكَ مُوجَبَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْإِثْبَاتِ فَأَمَّا فِي النَّفْيِ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَلَا يُوجِبُ التَّخْيِيرَ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ عَدَمَ دُخُولِ إحْدَى الدَّارَيْنِ لِلْبِرِّ بَلْ يُوجِبُ الْعُمُومَ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ حَتَّى يُشْتَرَطَ لِلْبِرِّ عَدَمُ دُخُولِهِمَا جَمِيعًا وَيَحْنَثُ بِدُخُولِ أَيَّتِهِمَا وُجِدَ إذْ لَوْ لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِ أَحَدَيْهِمَا لَصَارَتْ الْيَمِينُ وَاقِعَةً عَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَذَا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْجَبَتْ التَّخْيِيرَ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ الْإِثْبَاتِ وَأَنَّ. قَوْلَهُ أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ ١ - قَوْلُهُ (وَلَهَا) أَيْ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَجْهٌ آخَرُ هَهُنَا أَيْ مَعْنًى آخَرُ فِي الْأَفْعَالِ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى حَتَّى أَوْ إلَّا أَنْ اعْلَمْ أَنَّ أَوْ حَرْفُ عَطْفٍ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَإِذَا وُجِدَ الْفِعْلُ بَعْدَهُ مَنْصُوبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَدَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ مَنْصُوبٌ كَقَوْلِك لَأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تُعْطِينِي حَقِّي فَذَلِكَ بِإِضْمَارِ أَنْ كَأَنَّك قُلْت لَأَلْزَمَنَّكَ أَوْ أَنْ تُعْطِيَنِي

стр. 474

وَمَوْضِعُ ذَلِكَ أَنْ يَفْسُدَ الْعَطْفُ لِاخْتِلَافِ الْكَلَامِ وَيُحْتَمَلُ ضَرْبُ الْغَايَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أَيْ حَتَّى يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ إلَّا أَنْ فِي بَعْضِ الْأَقَاوِيلِ، لِأَنَّ الْعَطْفَ لَمْ يُحْسِنْ الْفِعْلَ عَلَى الِاسْمِ وَلِلْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي فَسَقَطَتْ حَقِيقَتُهُ وَاسْتُعِيرَ لِمَا يَحْتَمِلُهُ وَهُوَ الْغَايَةُ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَوْ لَمَّا تَنَاوَلَتْ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ كَانَ احْتِمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَنَاهِيًا بِوُجُودِ صَاحِبِهِ فَشَابَهَ الْغَايَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَاسْتُعِيرَ لِلْغَايَةِ وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ وَكَذَلِكَ يُقَالُ وَاَللَّهِ لَا أُفَارِقُك أَوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي مَعْنَاهُ حَتَّى تَقْضِيَنِي حَقِّي أَوْ إلَّا أَنْ تَقْضِيَنِي حَقِّي وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَا يُحْصَى ــ [كشف الأسرار] حَقِّي وَذَلِكَ أَنَّك لَوْ قُلْت لَأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تُعْطِينِي بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْأَوَّلِ لَكُنْت قَدْ أَثْبَتّ الْإِعْطَاءَ كَمَا أَثْبَتّ اللُّزُومَ وَلَمْ تُقَدِّرْ أَنَّ اللُّزُومَ لِأَجْلِ الْإِعْطَاءِ وَنُزُولِ قَوْلِك مَنْزِلَةَ قَوْلِ الرَّجُلِ اضْرِبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَلَمَّا كَانَ الْقَصْدُ أَنَّ اللُّزُومَ لِأَجْلِ الْإِعْطَاءِ حَتَّى كَأَنَّهُ قِيلَ لَأَلْزَمَنَّكَ لِتُعْطِيَنِي وَجَبَ إضْمَارُ أَنْ لِيُعْلَمَ أَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَدْخُلْ فِي حُكْمِ الْأَوَّلِ وَقُدِّرَ مَا قَبْلَ أَوْ تَقْدِيرَ الْمَصْدَرِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَيَكُونَنَّ لُزُومٌ مِنِّي أَوْ إعْطَاءٌ مِنْك وَيَنْزِلُ الْكَلَامُ مَنْزِلَةَ قَوْلِك لَأَلْزَمَنَّكَ إلَى أَنْ تُعْطِيَنِي وَحَتَّى تُعْطِيَنِي وَيَكُونُ حَرْفُ الْجَارِّ أَعْنِي إلَى أَوْ حَتَّى دَاخِلًا عَلَى الِاسْمِ فِي الْمَعْنَى لَا عَلَى الْفِعْلِ وَإِنْ جَعَلْت أَوْ بِمَعْنَى إلَّا وَجَبَ إضْمَارُ أَنْ أَيْضًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ حِينَئِذٍ مِنْ عَامِّ الظَّرْفِ الزَّمَانِيِّ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُثَنَّى ظَرْفًا زَمَانِيًّا أَيْضًا وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ مَا بَعْدَ إلَّا مَصْدَرًا مُضَافًا إلَيْهِ الزَّمَانُ عَلَى نَحْوِ إلَّا وَقْتَ إعْطَائِك فَوَجَبَ إضْمَارُ أَنْ لِيَكُونَ الْمُضَارِعُ فِي تَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ وَكَانَ الْمَعْنَى لُزُومِي إيَّاكَ وَاقِعٌ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ إلَّا وَقْتَ إعْطَائِك وَمَوْضِعُ ذَلِكَ أَيْ مَوْضِعُ أَنْ يُجْعَلَ أَوْ بِمَعْنَى حَتَّى أَوْ إلَّا أَنْ أَنْ يَفْسُدَ الْعَطْفُ لِاخْتِلَافِ الْكَلَامِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْمًا وَالْآخَرُ فِعْلًا أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَاضِيًا وَالْآخَرُ مُسْتَقْبَلًا وَيَحْتَمِلُ ضَرْبُ الْغَايَةِ بِأَنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلِامْتِدَادِ. وَذَلِكَ أَيْ الْمَوْضِعُ الَّذِي جُعِلَ أَوْ فِيهِ بِمَعْنَى حَتَّى أَوْ إلَّا أَنْ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فَإِنَّ أَوْ هُنَا بِمَعْنَى حَتَّى أَوْ إلَّا أَنْ فِي بَعْضِ الْأَقَاوِيلِ وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ فِي عَذَابِهِمْ أَوْ اسْتِصْلَاحِهِمْ شَيْءٌ حَتَّى يَقَعَ تَوْبَتُهُمْ أَوْ تَعْذِيبُهُمْ وَمَا عَلَيْك إلَّا أَنْ تُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ وَتُجَاهِدَ حَتَّى تُظْهِرَ الدِّينَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَطْفَ لَمَّا لَمْ يَحْسُنْ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ يَتُوبَ إمَّا إنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى شَيْءٍ أَوْ لَيْسَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَيَلْزَمُ عَطْفُ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي. سَقَطَتْ حَقِيقَتُهُ أَيْ حَقِيقَةُ أَوْ وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ فَاسْتُعِيرَ لِمَا يَحْتَمِلُهُ وَهُوَ الْغَايَةُ لِأَنَّ مَعْنَى أَوْ يُنَاسِبُ مَعْنَى الْغَايَةِ لِأَنَّهُ لِمَا تَنَاوَلَ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ كَانَ تَعْيِينُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ الْخِيَارِ قَاطِعًا لِاحْتِمَالِ الْآخَرِ وَهَذَا يُنَاسِبُ مَعْنَى الْغَايَةِ. وَكَذَا يُنَاسِبُ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ لِمَا قُلْنَا فَلِذَلِكَ جُعِلَ بِمَعْنَى حَتَّى أَوْ إلَّا وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] اعْتِرَاضٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَالِكٌ أَمْرَهُمْ فَإِمَّا أَنْ يُهْلِكَهُمْ أَوْ يَهْزِمَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أَسْلَمُوا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ إنْ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَلَيْسَ لَك مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ إنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ مَبْعُوثٌ لِإِنْذَارِهِمْ وَمُجَاهَدَتِهِمْ. وَقِيلَ أَوْ يَتُوبَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنْ وَأَنْ يَتُوبَ فِي حُكْمِ اسْمٍ مَعْطُوفٍ بِأَوْ عَلَى الْأَمْرِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ أَيْ لَيْسَ لَك مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ أَوْ مِنْ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ أَوْ لَيْسَ لَك مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ أَوْ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ تَعْذِيبِهِمْ وَقِيلَ أَوْ بِمَعْنَى إلَّا أَنْ كَقَوْلِك لَأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تُعْطِيَنِي حَقِّي عَلَى مَعْنَى لَيْسَ لَك مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتَفْرَحُ بِحَالِهِمْ أَوْ تَعْذِيبِهِمْ فَيَتَشَفَّى مِنْهُمْ قَوْلُهُ (وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُهُ) أَيْ تَقْبَلُ مَعْنَى الْغَايَةِ لِأَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَأْذَنَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ ﵇ يَوْمَ أُحُدٍ سَأَلَهُ أَصْحَابُهُ أَنْ يَلْعَنَهُمْ وَيَدْعُوَ بِهَلَاكِهِمْ فَقَالَ ﵇ «مَا بَعَثَنِي اللَّهُ لَعَّانًا وَلَا طَعَّانًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي

стр. 475

وَعَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ أَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى إنَّ مَعْنَاهُ حَتَّى أَدْخُلَ هَذِهِ فَإِنْ دَخَلَ الْأُولَى أَوَّلًا حَنِثَ وَإِنْ دَخَلَ الْأَخِيرَةَ أَوَّلًا انْتَهَتْ الْيَمِينُ وَتَمَّ الْبِرُّ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْعَطْفَ مُتَعَذِّرٌ لِاخْتِلَافِ الْفِعْلَيْنِ مِنْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ وَالْغَايَةُ صَالِحَةٌ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ حَظْرٌ وَتَحْرِيمٌ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [كشف الأسرار] دَاعِيًا وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» فَنَزَلَتْ الْآيَةُ وَنُهِيَ عَنْ سُؤَالِ الْهِدَايَةِ لَهُمْ فَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ لِلتَّحْرِيمِ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْغَايَةِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَعْنِي أَوْ بِمَعْنَى حَتَّى وَإِلَّا أَنْ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ مِثْلُ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّا لَاحِقَانِ بِقَيْصَرَا فَقُلْت لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنُك إنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا وَمِثْلُ قَوْلِ الْآخَرِ: لَا أَسْتَطِيعُ نُزُوعًا عَنْ مَوَدَّتِهَا ... أَوْ يَصْنَعَ الْبَيْنُ بِي غَيْرَ الَّذِي صَنَعَا قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى أَنَّ أَوْ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْغَايَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ أَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى أَنَّ أَوْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَعْنَى حَتَّى فَيَحْنَثُ بِدُخُولِ الْأُولَى أَوَّلًا وَإِنْ دَخَلَ الْأُخْرَى أَوَّلًا بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ازْدِوَاجٌ تَعَذَّرَ الْعَطْفُ وَالْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْغَايَةَ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ فَتُرِكَتْ الْحَقِيقَةُ وَحُمِلَتْ عَلَى الْغَايَةِ مَجَازًا فَإِذَا دَخَلَ الْأُولَى قَبْلَ الْأُخْرَى فَقَدْ بَاشَرَ الْمَحْظُورَ بِيَمِينِهِ فَحَنِثَ وَإِذَا دَخَلَ الثَّانِيَةَ أَوَّلًا فَقَدْ أَصَرَّ عَلَى الْبِرِّ إلَى وُجُودِ الْغَايَةِ فَصَارَ بَارًّا كَمَا لَوْ. قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُهَا الْيَوْمَ فَلَمْ يَدْخُلْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ كَذَا ذَكَرَ فِي عَامَّةِ شُرُوحِ الْجَامِعِ إلَّا أَنَّ تَعَذُّرَ الْعَطْفِ بِاعْتِبَارِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ النُّحَاةِ فَإِنَّ النَّفْيَ يُعْطَفُ عَلَى الْإِثْبَاتِ وَعَلَى الْعَكْسِ يُقَالُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَمَا جَاءَنِي عَمْرٌو وَمَا رَأَيْت عَمْرًا لَكِنْ رَأَيْت بِشْرًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ تَعَذَّرَ الْعَطْفُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَقَدُّمِ فِعْلٍ مَنْصُوبٍ يُعْطَفُ الثَّانِي عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ قَالَ أَوْ أَدْخُلُ بِالرَّفْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْعَطْفُ وَيَثْبُتَ التَّخْيِيرُ أَوْ يُقَالُ تَعَذُّرُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ مَعَ أَنْ فِي حُكْمِ الِاسْمِ وَانْتِصَابُهُ هَهُنَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِضْمَارِ أَنْ فَيَلْزَمُ مِنْهُ عَطْفُ الِاسْمِ عَلَى الْفِعْلِ وَهُوَ فَاسِدٌ فَلِذَلِكَ جُعِلَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ. وَقَوْلُهُ وَالْغَايَةُ صَالِحَةٌ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَبَدًا أَوْ لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الْأُخْرَى الْيَوْمَ فَإِنَّ أَوْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَالِازْدِوَاجِ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ النَّفْيَ مُؤَبَّدٌ وَالْإِثْبَاتَ مُوَقَّتٌ وَالْمُوَقَّتُ لَا يَصْلُحُ غَايَةً لِلْمُؤَبَّدِ لِأَنَّ الْمُؤَبَّدَ لَا يَنْتَهِي إلَّا بِالْمَوْتِ وَإِذَا تَعَذَّرَ جَعْلُهُ غَايَةً وَجَبَ الْعَمَلُ بِالتَّخْيِيرِ فَيَصِيرُ مُلْتَزِمًا الْكَفَّارَةَ بِإِحْدَى الْيَمِينَيْنِ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ حَنِثْت فِي هَذِهِ الْيَمِينِ أَوْ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ فَعَلَيَّ كَفَّارَةٌ وَشَرْطُ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ الْأُولَى الدُّخُولُ فِي الدَّارِ الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ تَرْكُ الدُّخُولِ فِي الدَّارِ الثَّانِيَةِ فِي الْيَوْمِ فَإِذَا دَخَلَ الْأُولَى حَنِثَ فِي الْيَمِينِ الْأُولَى وَبَطَلَتْ الْيَمِينُ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهُ خَيَّرَ نَفْسَهُ فِي الْتِزَامِ الْحِنْثِ بِإِحْدَى الْيَمِينِ فَإِذَا لَزِمَهُ الْحِنْثُ بِأَحَدَيْهِمَا بَطَلَتْ الْأُخْرَى كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ أَوْ لَمْ أَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ فَحَنِثَ فِي أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ وَبَطَلَ الْآخَرُ. وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ الْأُولَى وَدَخَلَ الدَّارَ الثَّانِيَةَ الْيَوْمَ بَرَّ فِي الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ وَبَطَلَتْ الْأُولَى لِأَنَّهُ اخْتَارَ يَمِينَ الْإِثْبَاتِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُمَا حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ حَنِثَ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ فِيهَا الدُّخُولُ فِي الدَّارِ الثَّانِيَةِ فِي الْيَوْمِ وَقَدْ فَاتَ فَيَحْنَثُ فِيهَا وَتَبْطُلُ الْأُولَى لِمَا قُلْنَا كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِشَمْسِ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ ﵀ -

стр. 476

بَابُ حَتَّى) : هَذِهِ كَلِمَةٌ أَصْلُهَا لِلْغَايَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ حَقِيقَةُ هَذَا الْحَرْفِ لَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ إلَّا مَجَازًا لِيَكُونَ الْحَرْفُ مَوْضُوعًا لِمَعْنَى يَخُصُّهُ وَقَدْ وَجَدْنَاهَا تُسْتَعْمَلُ لِلْغَايَةِ لَا يَسْقُطُ عَنْهَا ذَلِكَ فَعَلِمْنَا أَنَّهَا وُضِعَتْ لَهُ فَأَصْلُهَا كَمَالُ مَعْنَى الْغَايَةِ فِيهَا وَخُلُوصُهَا لِذَلِكَ بِمَعْنَى إلَى كَقَوْلِ اللَّهِ ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] وَتَقُولُ أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسِهَا أَيْ إلَى رَأْسِهَا فَإِنَّهُ بَقِيَ أَيْ بَقِيَ الرَّأْسُ وَهَذَا عَلَى مِثَالِ سَائِرِ الْحَقَائِقِ ــ [كشف الأسرار] [بَابُ حَتَّى] بَابُ كَلِمَةِ حَتَّى) كَلِمَةُ حَتَّى مِنْ الْحُرُوفِ الْجَارَّةِ كَمَا هِيَ مِنْ الْحُرُوفِ الْعَاطِفَةِ فَأَفْرَدَهَا الشَّيْخُ بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ وَأَوْرَدَ الْبَابَ بَيْنَ بَابِ حُرُوفِ الْعَطْفِ وَبَابِ حُرُوفِ الْجَرِّ رِعَايَةً لِلتَّنَاسُبِ ، هَذِهِ كَلِمَةٌ أَصْلُهَا لِلْغَايَةِ أَيْ هِيَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لِلْغَايَةِ فِي كَلَامِهِمْ، هُوَ حَقِيقَةُ هَذَا الْحَرْفِ أَيْ مَعْنَى الْغَايَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِهَذَا الْحَرْفِ لَا يَسْقُطُ مَعْنَى الْغَايَةِ عَنْهُ أَيْ عَنْ هَذَا الْحَرْفِ، إلَّا مَجَازًا أَيْ إلَّا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ مَجَازًا كَمَا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ فِي الْأَفْعَالِ فَإِنَّ مَعْنَى الْغَايَةِ غَيْرُ مُرَادٍ حِينَئِذٍ كَسَائِرِ الْحَقَائِقِ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي غَيْرِ مَوْضُوعَاتِهَا لِيَكُونَ الْحَرْفُ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى يَخُصُّهُ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ هُوَ حَقِيقَةُ هَذَا الْحَرْفِ وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِي يَخُصُّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْحَرْفِ وَالْبَارِزُ إلَى مَعْنًى أَوْ عَلَى الْعَكْسِ أَيْ إنَّمَا قُلْنَا مَعْنَى الْغَايَةِ حَقِيقَةُ هَذَا الْحَرْفِ لِيَكُونَ الْحَرْفُ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى يَخُصُّ ذَلِكَ الْحَرْفَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى فَيَنْتَفِي الِاشْتِرَاكُ أَوْ يَخُصُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ الْحَرْفِ فَيَنْتَفِي التَّرَادُفُ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَنْتَفِي التَّرَادُفُ وَقَدْ وُضِعَ لِلْغَايَةِ حَرْفُ إلَى أَيْضًا. قُلْنَا قَدْ ثَبَتَ الْفَرْقُ الْمَانِعُ مِنْ التَّرَادُفِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ الْغَايَةَ فِي حَتَّى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً بِأَنْ تَكُونَ شَيْئًا يَنْتَهِي بِهِ الْمَذْكُورُ أَوْ عِنْدَهُ كَالرَّأْسِ لِلسَّمَكَةِ وَالصَّبَاحِ لِلْبَارِحَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي إلَى فَامْتَنَعَ قَوْلُك نِمْت الْبَارِحَةَ حَتَّى نِصْفِ اللَّيْلِ وَصَحَّ نِمْتهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] . وَالْيَدُ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ وَمِنْ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ حَتَّى عَلَى مُضْمَرٍ فَلَا يُقَالُ حَتَّاهُ بِخِلَافِ إلَى فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى الْمُضْمَرِ وَالْمُظْهَرِ جَمِيعًا لِأَنَّ الْغَايَةَ فِي حَتَّى لِمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الشَّيْءِ أَوْ مَا يُلَاقِي آخِرَ جُزْءٍ مِنْهُ وَالْمُضْمَرُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ الشَّيْءِ بَلْ هُوَ نَفْسُهُ امْتَنَعَ دُخُولُهُ عَلَى الْمُضْمَرِ وَلَمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ فِي إلَى لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ عَلَى الْمُضْمَرِ. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ أَنَّ إلَى لِانْتِهَاءٍ لَهُ ابْتِدَاءٌ فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَلَى نَقِيضِ مِنْ تَقُولُ خَرَجْت مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ فَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَإِلَى لِانْتِهَاءٍ بِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ حَتَّى فِي مُقَابَلَةِ مِنْ لَا يُقَالُ خَرَجْت مِنْ الْبَصْرَةِ حَتَّى الْكُوفَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ إلَى أَصْلٌ فِي الْغَايَةِ لَا تَخْرُجُ مِنْ مَعْنَاهَا إلَى مَعْنًى آخَرَ وَحَتَّى ضَعِيفٌ فِي مَعْنَى الْغَايَةِ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْمَعَانِي قَوْلُهُ (وَقَدْ وَجَدْنَاهَا تُسْتَعْمَلُ لِلْغَايَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلِمَةِ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِمَعْنًى خَاصٍّ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْغَايَةُ هَاهُنَا بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ لِكَوْنِهَا مُسْتَعْمَلَةً فِي غَيْرِهِ. فَقَالَ قَدْ وَجَدْنَاهَا مُسْتَعْمَلَةً فِي الْغَايَةِ بِحَيْثُ لَا تَسْقُطُ مَعْنَى الْغَايَةِ عَنْهَا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي مَعَانٍ أُخَرَ كَمَا سَنُبَيِّنُ فَعَرَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الْغَايَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ لِهَذَا الْحَرْفِ وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ (فَإِنَّهُ بَقِيَ) اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَكْثَرِ النُّحَاةِ أَنَّ مَا بَعْدَ حَتَّى لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيمَا قَبْلَهَا كَمَا فِي إلَى فَفِي قَوْلِهِمْ أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسِهَا وَنِمْت الْبَارِحَةَ حَتَّى الصَّبَاحِ لَمْ يُؤْكَلْ الرَّأْسُ وَمَا نِيمَ الصَّبَاحُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْغَايَةِ أَنْ لَا تَكُونَ دَاخِلَةً فِي الْمُغَيَّا لِمَا عُرِفَ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] . فَإِنَّهُ إنْ وَقَفَ عَلَى (سَلَامٌ) لَمْ يَدْخُلْ مَطْلَعُ الْفَجْرِ تَحْتَ حُكْمِ اللَّيْلَةِ. وَكَذَا إنْ لَمْ يَقِفْ لِأَنَّ سَلَامَ الْمَلَائِكَةِ يَنْتَهِي عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ

стр. 477

ثُمَّ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْعَطْفِ لِمَا بَيْنَ الْعَطْفِ وَالْغَايَةِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ مَعَ قِيَامِ مَعْنَى الْغَايَةِ تَقُولُ جَاءَنِي الْقَوْمُ حَتَّى زَيْدٌ وَرَأَيْت الْقَوْمَ حَتَّى زَيْدًا فَزَيْدًا إمَّا أَفْضَلُهُمْ وَإِمَّا أَرْذَلُهُمْ لِيَصْلُحَ غَايَةً أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ ــ [كشف الأسرار] عَلَى مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ يَنْزِلُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَمَعَهُ لِوَاءٌ أَخْضَرُ يَرْكُزُهُ فَوْقَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ يَتَفَرَّقُ الْمَلَائِكَةُ فِي النَّاسِ حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ وَذَاكِرٍ وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ» . وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَلْحَمَةِ فَقِيلَ مَا أُكِلَ الرَّأْسُ وَمَا نِيمَ الصَّبَاحُ فِي مَسْأَلَتَيْ السَّمَكَةِ وَالْبَارِحَةِ. وَذَهَبَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ إلَى أَنَّ مَا بَعْدَ حَتَّى دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُقْتَصِدِ فَقَالَ وَيَكُونُ مَا بَعْدَ حَتَّى دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا قُلْت أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسِهَا كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَكْلَ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى الرَّأْسِ. وَكَذَا قَوْلُك ضَرَبْت الْقَوْمَ حَتَّى زَيْدًا لِمَعْنَى أَنَّ زَيْدًا قَدْ ضَرَبْته. قَالَ وَإِذَا كَانَتْ عَاطِفَةً كَانَ مَجْرَاهَا مَجْرَى الْجَارَةِ فِي تَضَمُّنِ مَعْنَى الْغَايَةِ تَقُولُ ضَرَبْت الْقَوْمَ حَتَّى زَيْدًا وَمَرَرْت بِالْقَوْمِ حَتَّى زَيْدٍ وَجَاءَنِي الْقَوْمُ حَتَّى زَيْدٌ. وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ فِي مَسَائِلِ السَّمَكَةِ الثَّلَاثِ وَمَسَائِلِ الْبَارِحَةِ الثَّلَاثِ قَدْ أُكِلَ الرَّأْسُ وَنِيمَ الصَّبَاحُ. وَتَابَعَهُ فِي ذَلِكَ جَارُ اللَّهِ فَقَالَ فِي الْمُفَصَّلِ وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ يَدْخُلَ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا فَفِي مَسْأَلَتَيْ السَّمَكَةِ وَالْبَارِحَةِ قَدْ أُكِلَ الرَّأْسُ وَنِيمَ الصَّبَاحُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يَنْقَضِيَ الشَّيْءُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْفِعْلُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ الْفِعْلُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ كُلِّهِ فَلَوْ انْقَطَعَ الْأَكْلُ عِنْدَ الرَّأْسِ لَا يَكُونُ فِعْلُ الْأَكْلِ آتِيًا عَلَى السَّمَكَةِ كُلِّهَا وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى نِصْفَهَا لِأَنَّ الْغَرَضَ لَمَّا كَانَ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ قَدْ فَاتَ فِي الْغَايَةِ الْجَعْلِيَّةِ خَلَا الْكَلَامُ عَنْ الْفَائِدَةِ فَلَمْ يَصِحَّ. وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مِنْ شُرُوحِ النَّحْوِ أَنَّ كَلِمَةَ حَتَّى إذَا كَانَتْ لِلْغَايَةِ لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ تَحْتَ مَا ضُرِبَتْ لَهُ الْغَايَةُ وَهَكَذَا قَالَ ابْنِ جِنِّي وَإِلَيْهِ كَانَ يَمِيلُ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُورٍ السَّفَّارُ وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ وَلَكِنْ لَا يَسْتَقِيمُ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ نَقُولُ إنْ كَانَ الْمَذْكُورُ بَعْدَ حَتَّى بَعْضًا لِلْمَذْكُورِ قَبْلَهُ يَدْخُلُ تَحْتَ مَا ضُرِبَتْ لَهُ الْغَايَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا نَصَّ الْمُبَرِّدَ فِي كِتَابِ الْمُقْتَضَبِ وَابْنِ الْوَرَّاقِ فِي الْفُصُولِ وَالْفَرَّاءُ فِي الْمَعَانِي وَهَكَذَا ذَكَرَ السِّيرَافِيُّ أَيْضًا. مِثَالُ الْأَوَّلِ زَارَنِي أَشْرَافُ الْبَلْدَةِ حَتَّى الْأَمِيرُ وَسَبَّنِي النَّاسُ حَتَّى الْعَبِيدُ. وَمِثَالُ الثَّانِي قَرَأْت الْقُرْآنَ حَتَّى الصَّبَاحِ فَالصَّبَاحُ لَا يَكُونُ دَاخِلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضَ اللَّيْلِ وَكَانَ حَتَّى هَاهُنَا بِمَعْنَى إلَى. فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ هُوَ اخْتِيَارُ مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ وَعَرَفْت بِهِ أَيْضًا أَنَّ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبَعْضِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سَهْوٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ أَوْ تَصْحِيفٌ فَإِنَّهُ مِنْ النَّفْيِ لَا مِنْ الْبَقَاءِ وَمَعْنَاهُ أَكَلَ وَهْمٌ بَيِّنٌ وَتَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ (ثُمَّ قَدْ يُسْتَعْمَلُ) أَيْ حَرْفُ حَتَّى لِلْعَطْفِ أَيْ فِيهِ أَوْ يُضَمَّنُ يُسْتَعْمَلُ مَعْنَى يُسْتَعَارُ لِمَا بَيْنَ الْغَايَةِ وَالْعَطْفِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَعْطُوفَ يَتَّصِلُ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَالْغَايَةُ تَتَّصِلُ بِالْمُغَيَّا وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ مَعَ قِيَامِ مَعْنَى الْغَايَةِ. قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ عَاطِفَةً كَانَتْ مَجْرَاهَا مَجْرَى الْجَارَةِ فِي تَضَمُّنِ مَعْنَى الْغَايَةِ تَقُولُ ضَرَبْت الْقَوْمَ حَتَّى زَيْدًا وَمَرَرْت بِالْقَوْمِ حَتَّى زَيْدٍ وَجَاءَنِي الْقَوْمُ حَتَّى زَيْدٌ بِذَلِكَ عَلَى تَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْعَطْفِ إنَّك لَوْ حَرَّرْت كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ بِالْعَطْفِ الْحُكْمُ وَهُوَ أَنَّهَا تَتْبَعُ الثَّانِي الْأَوَّلَ كَالْوَاوِ. وَيَكُونُ لِتَعْظِيمٍ نَحْوَ قَوْلِهِمْ مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ. أَوْ تَحْقِيرٍ مِثْلَ قَوْلِهِمْ قَدِمَ الْحَاجُّ حَتَّى الْمُشَاةُ. وَحَتَّى هَذِهِ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ

стр. 478

اسْتَنَّتْ الْفِصَالُ حَتَّى الْقَرْعَى فَجُعِلَ عَطْفًا هُوَ غَايَةٌ فَكَانَتْ حَقِيقَةً قَاصِرَةً وَعَلَى هَذَا أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسَهَا بِالنَّصْبِ أَيْ أَكَلْته أَيْضًا وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَى جُمْلَةٍ مُبْتَدَأَةٍ عَلَى مِثَالِ وَاوِ الْعَطْفِ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ لِعَطْفِ الْجُمَلِ وَهِيَ غَايَةٌ مَعَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ مَذْكُورًا فَهُوَ خَبَرُهُ وَإِلَّا فَيَجِبُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ تَقُولُ ضَرَبْت الْقَوْمَ حَتَّى زَيْدٌ غَضْبَانُ فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ هِيَ غَايَةُ مَعْنًى وَمِنْ ذَلِكَ أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسُهَا إلَّا أَنَّ الْخَبَرَ غَيْرُ مَذْكُورٍ هُنَا فَيَجِبُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِنْسِ مَا سَبَقَ عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ أَوْ إلَى غَيْرٍ أَعْنِي حَتَّى رَأْسُهَا مَأْكُولِي أَوْ مَأْكُولُ غَيْرِي وَمَوَاضِعُهَا فِي الْأَفْعَالِ أَنْ يُجْعَلَ غَايَةً بِمَعْنَى إلَى أَوْ غَايَةً هِيَ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ وَعَلَامَةُ الْغَايَةِ أَنْ يَحْتَمِلَ الصَّدْرُ الِامْتِدَادَ وَأَنْ يَصْلُحَ الْآخَرُ دَلَالَةً عَلَى الِانْتِهَاءِ ــ [كشف الأسرار] فِي أَنَّ مَا بَعْدَهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُجَانِسًا لِمَا قَبْلَهَا فَلَا تَقُولُ ضَرَبْت الْقَوْمَ حَتَّى حِمَارًا وَضَرَبْت الرِّجَالَ حَتَّى امْرَأَةً كَمَا تَقُولُ ضَرَبْت الْقَوْمَ وَحِمَارًا وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لِلْغَايَةِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْ الشَّيْءِ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ طَرَفُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَوْ قُلْت رَأَيْت الْقَوْمَ حَتَّى حِمَارًا كُنْت جَعَلْت الْحِمَارَ طَرَفًا لِلْقَوْمِ مُنْقَطِعًا لَهُمْ وَلِهَذَا كَانَ فِيهَا التَّعْظِيمُ وَالتَّحْقِيرُ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا أُخِذَ مِنْ أَدْنَاهُ فَأَعْلَاهُ غَايَةٌ لَهُ وَطَرَفٌ فَالْأَنْبِيَاءُ غَايَةُ جِنْسِ النَّاسِ إذَا أَخَذْنَا مِنْ الْمَرَاتِبِ وَاسْتَقْوَيْنَاهَا صَاعِدِينَ. وَإِذَا أُخِذَ مِنْ أَعْلَى الشَّيْءِ فَأَدْنَاهُ طَرَفٌ لَهُ وَذَلِكَ كَالْمُشَاةِ فِي الْحَاجِّ تَأْخُذُ مِنْ الْأَقْوِيَاءِ الرَّاكِبِينَ وَتَنْزِلُ فَتَنْتَهِي إلَى الْمُشَاةِ وَهِيَ مُنْقَطِعُ الْجِنْسِ كَمَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَوْ قَالَ أَعْتَقْت غِلْمَانِي حَتَّى فُلَانَةَ أَوْ أَعْتَقْت إمَائِي حَتَّى سَالِمًا لَمْ يُعْتَقْ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ كَلِمَةُ حَتَّى لِأَنَّ الْغِلْمَانَ وَالْإِمَاءَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ. وَلَوْ قَالَ أَعْتَقْت سَالِمًا حَتَّى مُبَارَكًا أَوْ حَتَّى مُبَارَكٍ لَا يُعْتَقُ مُبَارَكٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجُزْءٍ لِسَالِمٍ. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إلَى مَكَانَ حَتَّى فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَإِنَّهُمْ يُعْتَقُونَ جَمِيعًا لِإِمْكَانِ حَمْلِ إلَى عَلَى مَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . كَذَا فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ. قَوْلُهُمْ اسْتَنَّتْ الْفِصَالُ حَتَّى الْقَرْعَى. الِاسْتِنَانُ هُوَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ وَيَطْرَحَهُمَا مَعًا وَذَلِكَ فِي حَالَةِ الْعَدْوِ. وَالْقَرْعَى جَمْعُ قَرِيعٍ وَهُوَ الَّذِي بِهِ قَرْعٌ وَهُوَ بَثْرٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ بِالْفِصَالِ. هَذَا مَثَلٌ يُضْرَبُ لِمَنْ يَتَكَلَّمُ مَعَ مَنْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِعُلُوِّ قَدْرِهِ. فَجُعِلَ عَطْفًا هُوَ غَايَةٌ لِانْتِهَاءِ الِاسْتِنَانِ بِاسْتِنَانِهَا فَكَانَتْ حَقِيقَةً قَاصِرَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَمْ تَخْلُصْ لِلْغَايَةِ. وَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلْعَطْفِ مَعَ رِعَايَةِ مَعْنَى الْغَايَةِ. وَقَدْ تَدْخُلُ أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ عَلَى جُمْلَةٍ لَا لِلْعَطْفِ بَلْ تَسْتَأْنِفُ بَعْدَهَا كَمَا تَسْتَأْنِفُ بَعْدَ أَمَّا وَإِذَا تَقُولُ خَرَجَتْ النِّسَاءُ حَتَّى هِنْدٌ خَارِجَةٌ وَلِهَذَا جَازَ إدْخَالُ وَاوِ الْعَطْفِ عَلَيْهَا كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: مَطَوْت بِهِمْ حَتَّى يَكِلَّ غَرِيمُهُمْ ... وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ فَالْجِيَادُ مُبْتَدَأٌ وَمَا يُقَدْنَ خَبَرُهُ وَالْوَاوُ دَاخِلَةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ حَتَّى هَذِهِ لَيْسَتْ بِعَاطِفَةٍ وَلَوْ كَانَتْ حَرْفَ عَطْفٍ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ حَرْفٍ آخَرَ عَلَيْهَا كَمَا لَمْ يَجُزْ إذَا كَانَ حَرْفُ عَطْفٍ قَطْعًا فِي قَوْلِك ضَرَبْت الْقَوْمَ حَتَّى زَيْدًا أَلَا تَرَاك لَا تَقُولُ ضَرَبْت الْقَوْمَ وَفَعَمْرًا فَقَوْلُهُ وَحَتَّى الْجِيَادُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَأَمَّا الْجِيَادُ فِي كَوْنِ مَا بَعْدَهُمَا مُبْتَدَأً. عَلَى مِثَالِ وَاوِ الْعَطْفِ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ لِعَطْفِ الْجُمَلِ فَإِنَّهَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ لِلِابْتِدَاءِ لَا لِلْعَطْفِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَلِهَذَا سَمَّوْهَا وَاوَ الِاسْتِئْنَافِ وَالِابْتِدَاءِ فَهَذِهِ جُمْلَةٌ هِيَ غَايَةٌ أَيْ لِلضَّرْبِ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي بِهَا عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يُنْسَبَ أَيْ ذَلِكَ الْخَبَرُ الْمُثْبِتُ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ. إلَيْهِ أَيْ إلَى الْمُتَكَلِّمِ ١ - قَوْلُهُ (وَمَوَاضِعُهَا) أَيْ مَوَاضِعُ كَلِمَةِ حَتَّى فِي الْأَفْعَالِ أَنْ يُجْعَلَ غَايَةً بِمَعْنَى إلَى مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً، مُبْتَدَأَةً كَقَوْلِهِ سِرْت حَتَّى أَدْخُلَهَا. أَوْ غَايَةً هِيَ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ كَقَوْلِك خَرَجَ النِّسَاءُ حَتَّى خَرَجَتْ هِنْدٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي الْأَصْلِ لِلْغَايَةِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ مَا أَمْكَنَ. فَإِنْ قِيلَ لَمَّا جُعِلَتْ بِمَعْنَى إلَى كَيْفَ جَازَ دُخُولُهَا عَلَى الْفِعْلِ لِأَنَّهَا إذْ ذَاكَ حَرْفُ جَرٍّ. قُلْنَا إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِكَوْنِ أَنَّ مُقَدَّرًا فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ وَأَنَّ مَعَ الْفِعْلِ فِي حُكْمِ الِاسْمِ فَتَكُونُ دَاخِلَةً عَلَى الِاسْمِ تَقْدِيرًا وَيَكُونُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مَجْرُورَ الْمَحَلِّ بِهَا. وَعَلَامَةُ الْغَايَةِ أَنْ يَحْتَمِلَ الصَّدْرُ الِامْتِدَادَ بِأَنْ صَلَحَ فِيهِ ضَرْبُ الْمُدَّةِ. وَأَنْ يَصْلُحَ الْآخَرُ دَلَالَةً عَلَى الِانْتِهَاءِ كَالصِّيَاحِ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ أَضْرِبْك حَتَّى تَصِيحَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهَا لِلْغَايَةِ. فَإِذَا قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ نُخْبِرْ فُلَانًا بِمَا صَنَعْت حَتَّى يَضْرِبَك

стр. 479

فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ فَلِلْمُجَازَاةِ بِمَعْنَى لَامِ كَيْ وَهَذَا إذَا صَلَحَ الصَّدْرُ سَبَبًا وَلَمْ يَصْلُحْ الْآخَرُ غَايَةً وَصَلَحَ جَزَاءً وَهَذَا نَظِيرُ قِسْمِ الْعَطْفِ مِنْ الْأَسْمَاءِ فَإِنْ تَعَذَّرَ هَذَا جُعِلَ مُسْتَعَارًا لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ وَبَطَلَ مَعْنَى الْغَايَةِ وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا فِي الزِّيَادَاتِ وَلِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مَا خَلَا الْمُسْتَعَارَ الْمَحْضَ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَحَتَّى تَغْتَسِلُوا هِيَ بِمَعْنَى إلَى وَكَذَلِكَ ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] وَقَالَ ــ [كشف الأسرار] لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ حَتَّى هَاهُنَا لِلْغَايَةِ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَيُجْعَلُ بِمَعْنَى لَامِ كَيْ فَإِذَا أَخْبَرَهُ وَلَمْ يَضْرِبْهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ الْإِخْبَارُ لَا غَيْرُ وَقَدْ وُجِدَ. وَلَوْ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ أَضْرِبْك حَتَّى تَضْرِبَنِي أَوْ تَشْتُمَنِي فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَضْرِبْهُ الْمَضْرُوبُ بَرَّ أَيْضًا لِأَنَّ الضَّرْبَ وَإِنْ كَانَ فِعْلًا مُمْتَدًّا لَكِنَّ الضَّرْبَ وَالشَّتْمَ مِنْ الْمَضْرُوبِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الِانْتِهَاءِ بَلْ هُوَ دَاعٍ إلَى زِيَادَةِ الضَّرْبِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ غَايَةً فَيُحْمَلُ عَلَى الْجَزَاءِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ مُرَادُهُ إظْهَارُ عَجْزِهِ عَنْ الضَّرْبِ لَا وُجُودُ فِعْلِ الضَّرْبِ مِنْهُ وَمَعْنَاهُ أَنَا أَضْرِبُك حَتَّى تَضْرِبَنِي إنْ قَدَرْت عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّك لَا تَقْدِرُ فَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ عَجْزُك وَضَعْفُك بِضَرْبِي إيَّاكَ فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ نَفْيَ فِعْلِ الضَّرْبِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ غَايَةً. فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ فَلِلْمُجَازَاةِ أَيْ إنْ لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُجْعَلَ غَايَةً لِفَوَاتِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُجَازَاةِ بِمَعْنَى لَامِ كَيْ لِمُنَاسِبَةٍ بَيْنَ الْمُجَازَاةِ وَبَيْنَ الْغَايَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ يَنْتَهِي بِوُجُودِ الْجَزَاءِ عَادَةً كَمَا يَنْتَهِي بِوُجُودِ الْغَايَةِ. وَهَذَا أَيْ الْحَمْلُ عَلَى الْمُجَازَاةِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا صَلَحَ الصَّدْرُ سَبَبًا وَلَمْ يَصْلُحْ الْآخِرُ غَايَةً حَتَّى لَوْ صَلَحَ الْآخَرُ غَايَةً مَعَ كَوْنِ الصَّدْرِ صَالِحًا لِلسَّبَبِيَّةِ يُجْعَلُ لِلْغَايَةِ كَقَوْلِهِ إنْ أَضْرِبْك حَتَّى تُصْبِحَ فَعَبْدِي حُرٌّ. وَهَذَا نَظِيرُ قِسْمِ الْعَطْفِ مِنْ الْأَسْمَاءِ أَيْ حَتَّى الَّتِي لِلْمُجَازَاةِ فِي الْأَفْعَالِ نَظِيرُ حَتَّى الْعَاطِفَةِ فِي الْأَسْمَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَعْنَى الْغَايَةِ بَاقٍ فِيهَا مِنْ وَجْهٍ. فَإِنْ تَعَذَّرَ هَذَا أَيْ جَعْلُهَا لِلْمُجَازَاةِ يُجْعَلُ لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ. وَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَهَا فِي الْأَفْعَالِ ثَبَتَ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا فِي الزِّيَادَاتِ. وَحَاصِلُهُ مَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ كَلِمَةَ حَتَّى فِي الْأَصْلِ لِلْغَايَةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا إذَا أَمْكَنَ وَشَرْطُ الْإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُغَيَّا مُمْتَدًّا وَأَنْ يَكُونَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مُؤَثِّرًا فِي إنْهَاءِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ حَمْلُهَا عَلَى الْغَايَةِ تُحْمَلُ عَلَى لَامِ السَّبَبِ إنْ أَمْكَنَ وَشَرْطُ الْإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ مَعْقُودًا عَلَى فِعْلَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ شَخْصٍ وَالْأُخَرُ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ لِأَنَّ فِعْلَ نَفْسِهِ لَا يَصْلُحُ جَزَاءً لِفِعْلِهِ عَادَةً إذْ الْجَزَاءُ مُكَافَأَةُ الْفِعْلِ وَهُوَ لَا يُكَافِئُ نَفْسَهُ عَادَةً. فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى الْعَطْفِ. وَمِنْ حُكْمِ الْغَايَةِ أَنْ يُشْتَرَطَ وُجُودُهَا لِلْبِرِّ فَإِنْ أَقْلَعَ قَبْلَ الْغَايَةِ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ. وَمِنْ حُكْمِ لَامِ السَّبَبِ أَنْ يُشْتَرَطَ وُجُودُ مَا يَصْلُحُ سَبَبًا لَا وُجُودُ الْمُسَبِّبِ. وَمِنْ حُكْمِ الْعَطْفِ أَنْ يُشْتَرَطَ وُجُودُهُمَا لِلْبِرِّ قَوْلُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَ ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَ ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] . كَلِمَةُ حَتَّى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِمَعْنَى إلَى لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿قَاتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧] . وَقَوْلُهُ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ٤٣] . وَقَوْلُهُ. لَا تَدْخُلُوا. يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ إذْ الْمُقَاتَلَةُ تَمْتَدُّ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرَ وَقَبُولُ الْجِزْيَةِ يَصْلُحُ مُنْهِيًا لَهَا. وَكَذَا الْمَنْعُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ جُنُبًا مُمْتَدٌّ وَالِاغْتِسَالُ يَصْلُحُ مُنْهِيًا لَهَا. وَكَذَا الْمَنْعُ مِنْ دُخُولِ بَيْتِ الْغَيْرِ مُمْتَدٌّ وَالِاسْتِئْنَاسُ وَهُوَ الِاسْتِئْذَانُ يَصْلُحُ مُنْهِيًا لَهُ قَوْلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] أَيْ كَيْ لَا يَكُونَ فِتْنَةٌ أَيْ مُحَارَبَةٌ. وَإِنَّمَا جُعِلَتْ حَتَّى هَذِهِ بِمَعْنَى لَامِ كَيْ لِأَنَّ آخِرَ الْكَلَامِ لَا يَصْلُحُ لِانْتِهَاءِ الصَّدْرِ إذْ الْقِتَالُ وَاجِبٌ مَعَ عَدَمِ الْمُحَارَبَةِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَبْدَؤُنَا بِالْقِتَالِ وَجَبَ عَلَيْنَا مُحَارَبَتُهُمْ وَصَدْرُ الْكَلَامِ يَصْلُحُ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ الْفِتْنَةِ فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَى لَامِ كَيْ. وَهَذَا إذَا فُسِّرَتْ الْفِتْنَةُ بِالْمُحَارَبَةِ فَإِنْ فُسِّرَتْ بِالشِّرْكِ يَكُونُ حَتَّى بِمَعْنَى إلَى عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] إلَى أَنْ يُوجَدَ مِنْهُمْ شِرْكٌ قَطُّ

стр. 480

﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] بِالنَّصْبِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا إلَى أَنْ يَقُولَ الرَّسُولُ فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُمْ سَبَبًا لِمَقَالَةِ الرَّسُولِ وَيَنْتَهِي فِعْلُهُمْ عِنْدَ مَقَالَتِهِ عَلَى مَا هُوَ مَوْضُوعُ الْغَايَاتِ أَنَّهَا إعْلَامُ الِانْتِهَاءِ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ وَالثَّانِي وَزُلْزِلُوا لِكَيْ يَقُولَ الرَّسُولُ فَيَكُونُ فِعْلُهُمْ سَبَبًا لِمَقَالَتِهِ وَهَذَا لَا يُوجِبُ الِانْتِهَاءَ وَقُرِئَ حَتَّى يَقُولُ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى جُمْلَةٍ مُبْتَدَأَةٍ أَيْ حَتَّى الرَّسُولُ يَقُولُ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُمْ سَبَبًا وَيَكُونُ مُتَنَاهِيًا بِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ أَضْرِبْك حَتَّى تُصْبِحَ أَوْ حَتَّى تَشُكِّي يَدِي أَوْ حَتَّى يَشْفَعَ فُلَانٌ أَوْ حَتَّى يَدْخُلَ اللَّيْلُ أَنَّ هَذِهِ غَايَاتٌ حَتَّى إذَا أَقْلَعَ قَبْلَ الْغَايَاتِ حَنِثَ لِأَنَّ الْفِعْلَ بِطَرِيقِ التَّكْرَارِ يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ فِي حُكْمِ الْبِرِّ وَالْكَفُّ عَنْهُ مُحْتَمَلُهُ فِي حُكْمِ الْحِنْثِ لَا مَحَالَةَ وَهَذِهِ الْأُمُورُ دِلَالَاتُ الْإِقْلَاعِ عَنْ الضَّرْبِ ــ [كشف الأسرار] ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ﴾ [الأنفال: ٣٩] وَيَضْمَحِلُّ عَنْهُمْ كُلُّ دِينٍ بَاطِلٍ. وَيَبْقَى فِيهِمْ دَيْنُ الْإِسْلَامِ وَحْدَهُ قَوْلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] أَوَّلُ الْآيَةِ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] أَمْ مُنْقَطِعَةٌ وَمَعْنَى الْهَمْزَةِ فِيهَا لِلتَّقْرِيرِ وَإِنْكَارِ الْحُسْبَانِ وَاسْتِبْعَادِهِ لَمَّا ذَكَرَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ مِنْ الِاخْتِلَافِ عَلَى النَّبِيِّينَ بَعْدَ مَجِيءِ الْبَيِّنَاتِ. وَلِمَا فِيهَا مَعْنَى التَّوَقُّعِ أَيْ إتْيَانُ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ مُنْتَظَرٌ أَيْ أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ بَلَاءٍ وَلَا مَكْرُوهٍ ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٢١٤] . أَيْ حَالُهُمْ الَّتِي هِيَ مَثَلٌ فِي الشِّدَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ الْمَثَلَ فَقَالَ ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] الشِّدَّةُ وَالضَّرَّاءُ الْمَرَضُ وَالْجُوعُ وَزُلْزِلُوا وَأُزْعِجُوا إزْعَاجًا شَدِيدًا شَبِيهًا بِالزَّلْزَلَةِ بِمَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْأَهْوَالِ وَالْأَفْزَاعِ. ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] قُرِئَ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ وَلِلنَّصَبِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ حَتَّى بِمَعْنَى إلَى أَيْ حُرِّكُوا بِأَنْوَاعِ الْبَلَايَا إلَى الْغَايَةِ الَّتِي قَالَ الرَّسُولُ وَهُوَ الْيَسَعُ أَوْ شُعَيْبٌ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] أَيْ بَلَغَ بِهِمْ الضَّجَرُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ صَبْرٌ حَتَّى قَالُوا ذَلِكَ. وَمَعْنَاهُ طَلَبُ النَّصْرِ وَتَمَنِّيه وَاسْتِطَالَةُ زَمَنِ الشِّدَّةِ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] . عَلَى إرَادَةِ الْقَوْلِ يَعْنِي فَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ إجَابَةً لَهُمْ إلَى طَلَبَتِهِمْ مِنْ عَاجِلِ النَّصْرِ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ فِعْلُهُمْ أَيْ زَلْزَلَتُهُمْ وَامْتِحَانُهُمْ بِالْبَلَايَا سَبَبًا لِمَقَالَةِ الرَّسُولِ بَلْ يَنْتَهِي فِعْلُهُمْ عِنْدَ مَقَالَتِهِ. وَلَا يُقَالُ لَيْسَ لَهُمْ فِعْلٌ بَلْ وَقَعَ الزِّلْزَالُ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ جَعَلَ ذَلِكَ فِعْلَهُمْ. لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا زُلْزِلُوا كَانَ التَّزَلْزُلُ مَوْجُودًا مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ إذَا حُرِّكُوا كَانَ التَّحَرُّكُ مَوْجُودًا مِنْهُمْ خُصُوصًا عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ النَّحْوِ فَإِنَّهُمْ هُمْ الْفَاعِلُونَ بِسَبَبِ أَنَّ الزِّلْزَالَ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ. عَلَى مَا هُوَ مَوْضُوعُ الْغَايَاتِ أَنَّهَا أَعْلَامُ الِانْتِهَاءِ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ يَعْنِي أَنَّ الْغَايَةَ عَلَامَةٌ عَلَى انْتِهَاءِ الْمُغَيَّا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَثَرٌ فِي انْتِهَائِهِ كَالْمِيلِ لِلطَّرِيقِ وَالْمَنَارَةِ لِلْمَسْجِدِ وَالْإِحْصَانِ لِلرَّجْمِ فَإِنَّهَا أَعْلَامٌ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضَافَ إلَيْهَا وُجُودُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ. أَوْ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُغَيَّا أَثَرٌ فِي إيجَادِ الْغَايَةِ وَإِثْبَاتِهَا كَحُدُودِ الدَّارِ أَعْلَامٌ عَلَى انْتِهَائِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلدَّارِ أَثَرٌ فِي إيجَادِهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى لَامِ كَيْ كَقَوْلِك أَسْلَمْت حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَيْ وَزُلْزِلُوا لِكَيْ يَقُولَ الرَّسُولُ ذَلِكَ الْقَوْلَ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُمْ أَيْ زَلْزَلَتُهُمْ سَبَبًا لِمَقَالَتِهِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ الِانْتِهَاءَ بَلْ يَكُونُ دَاعِيًا إلَيْهِ. وَوَجْهُ الرَّفْعِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ بَعْدَهُ بِمَعْنَى الْحَالِ كَقَوْلِهِمْ شَرِبَتْ الْإِبِلُ حَتَّى يَجِيءُ الْبَعِيرُ يَجُرُّ بَطْنَهُ إلَّا أَنَّهَا حَالٌ مَاضِيَةٌ مَحْكِيَّةٌ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَقِيَ فِيهِ مَعْنَى الْغَايَةِ وَيَكُونُ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ أَوْ غَايَةً وَهِيَ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْفِعْلَ) أَيْ الْفِعْلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَهُوَ الضَّرْبُ. يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ بِطَرِيقِ التَّكْرَارِ يَعْنِي لَا امْتِدَادَ لِفِعْلٍ مَا حَقِيقَةً لِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى فَلَا يُتَصَوَّرُ امْتِدَادُهُ لَكِنَّ بَعْضَ الْأَفْعَالِ قَدْ يُحْتَمَلُ الِامْتِدَادُ بِتَجَدُّدِ الْأَمْثَالِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ كَالْجُلُوسِ وَالرُّكُوبِ. وَالضَّرْبِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَكَانَ شَرْطُ الْبِرِّ وَهُوَ الْمَدُّ إلَى الْغَايَةِ الْمَضْرُوبَةِ لَهُ مُتَصَوَّرًا وَإِذَا كَانَ مُحْتَمَلًا لِلِامْتِدَادِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا كَانَ الْكَفُّ عَنْهُ أَيْ عَنْ الْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُقْلِعَ قَبْلَ الْغَايَةِ مُحْتَمَلُ هَذَا الْفِعْلِ لَا مَحَالَةَ فَيَكُونُ شَرْطُ الْحِنْثِ مُتَصَوَّرًا أَيْضًا وَلَا بُدَّ مِنْ تَصَوُّرِ شَرْطِ الْحِنْثِ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ حَتَّى لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا. وَفُلَانٌ مَيِّتٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ هُنَا كَشَرْطِ الْبِرِّ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ أَيْ الْأَفْعَالُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ الصِّيَامِ وَاشْتِكَاءِ الْيَدِ أَيْ تَأَلُّمِهَا وَشَفَاعَةِ فُلَانٍ وَدُخُولِ

стр. 481

فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهَا فَصَارَ شَرْطُ الْحِنْثِ الْكَفَّ عَنْهُ قَبْلَ الْغَايَةِ وَلَوْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ آتِك حَتَّى تُغَدِّيَنِي فَأَتَاهُ فَلَمْ يُغَدِّهِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَتَّى تُغَدِّيَنِي لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الِانْتِهَاءِ بَلْ هُوَ دَاعٍ إلَى زِيَادَةِ الْإِتْيَانِ وَالْإِتْيَانُ يَصْلُحُ سَبَبًا وَالْغِدَاءُ يَصْلُحُ جَزَاءً فَحُمِلَ عَلَيْهِ لِأَنَّ جَزَاءَ السَّبَبِ غَايَتُهُ فَاسْتَقَامَ الْعَمَلُ بِهِ فَصَارَ شَرْطُ بِرِّهِ فِعْلَ الْإِتْيَانِ عَلَى وَجْهٍ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ بِالْغِدَاءِ وَقَدْ وُجِدَ وَلَوْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ آتِك حَتَّى أَتَغَدَّى عِنْدَك كَانَ هَذَا لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ إحْسَانٌ فَلَا يَصْلُحُ غَايَةً لِلْإِتْيَانِ وَلَا يَصْلُحُ إتْيَانُهُ سَبَبًا لِفِعْلِهِ وَلَا فِعْلُهُ جَزَاءً لِإِتْيَانِ نَفْسِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى الْعَطْفِ الْمَحْضِ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ آتِك حَتَّى أُغَدِّيَك فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ لَمْ آتِك فَأَتَغَدَّى عِنْدَك حَتَّى إذَا أَتَاهُ فَلَمْ يَتَغَدَّ ــ [كشف الأسرار] اللَّيْلَةِ دِلَالَاتُ الْإِقْلَاعِ أَيْ الْإِمْسَاكِ وَالْكَفِّ عَنْ الضَّرْبِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمْتَنِعُ عَنْ الضَّرْبِ بِهَا. فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهَا أَيْ بِحَقِيقَةِ الْغَايَةِ وَحَمْلُ حَتَّى عَلَيْهَا فَإِذَا أَقْلَعَ قَبْلَ الْغَايَةِ كَانَ حَانِثًا. فَإِنْ قِيلَ شَرْطُ الْبِرِّ مُتَصَوَّرُ الْوُجُودِ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي فَلِمَاذَا يَحْنَثُ فِي الْحَالِ. قُلْنَا الْيَمِينُ تَقَعُ عَلَى أَوَّلِ الْوَهْلَةِ لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْيَمِينِ غَيْظٌ لَحِقَهُ مِنْ جِهَتِهِ فِي الْحَالِ هَذَا هُوَ الْعَادَةُ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ الْيَمِينُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْحَقِيقَةِ عُرْفٌ كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهَا عُرْفٌ ظَاهِرٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْعُرْفِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَضْرِبْك حَتَّى أَقْتُلَك أَوْ حَتَّى تَمُوتَ كَانَ هَذَا عَلَى الضَّرْبِ الشَّدِيدِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْقَتْلِ وَالْمَوْتِ لِلْعُرْفِ فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ قَصْدُهُ الْقَتْلَ لَا يُذْكَرُ لَفْظَةَ الضَّرْبِ وَإِنَّمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْقَتْلَ وَجَعْلُ الْقَتْلِ غَايَةً لِبَيَانِ شِدَّةِ الضَّرْبِ مُعْتَادٌ مُتَعَارَفٌ. وَلَوْ قَالَ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْك أَوْ حَتَّى تَبْكِيَ كَانَ عَلَى حَقِيقَةِ الْغَايَةِ لِأَنَّ الضَّرْبَ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ مُعْتَادٌ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ قَوْلُهُ (حَتَّى تُغَذِّيَنِي لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الِانْتِهَاءِ) التَّغْذِيَةُ لَا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى انْتِهَاءِ الْإِتْيَانِ وَكَذَا الْإِتْيَانُ لَيْسَ بِمُسْتَدَامٍ أَيْضًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَرْبُ الْمُدَّةِ فِيهِ فَفَاتَ شَرْطَا الْغَايَةِ جَمِيعًا وَلَكِنَّهُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّغْذِيَةِ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالزِّيَارَةِ إحْسَانٌ بَدَنِيٌّ إلَى الْمَزُورِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِإِحْسَانٍ مَالِيٍّ مِنْهُ إلَى الزَّائِرِ وَعَنْ هَذَا قِيلَ مَنْ زَارَ حَيًّا وَلَمْ يُذَقْ عِنْدَهُ شَيْئًا فَكَأَنَّمَا زَارَ مَيِّتًا. وَالتَّغْذِيَةُ صَالِحَةٌ لِلْجَزَاءِ لِأَنَّهَا إحْسَانٌ أَيْضًا فَيَصْلُحُ مُكَافَأَةً لِلْإِحْسَانِ. وَقَوْلُهُ عَلَى وَجْهٍ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالزِّيَارَةُ احْتِرَازٌ عَنْ الْإِتْيَانِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيرِ بِأَنْ أَتَاهُ لِيَضْرِبَهُ أَوْ يَشْتُمَهُ أَوْ يُؤْذِيَهُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّغْذِيَةِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِلْبِرِّ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ تَأْتِنِي حَتَّى أُغَذِّيَك. وَلَوْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ آتِك حَتَّى أَتَغَذَّى عِنْدَك أَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَأْتِنِي حَتَّى تُغَذِّيَنِي فَعَبْدِي حُرٌّ كَانَ حَتَّى لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ مِنْ غَيْرِ رِعَايَةِ مَعْنَى الْغَايَةِ فِيهِ. لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ أَيْ التَّغَذِّيَ مِنْ غِذَاءِ الْغَيْرِ عِنْدَ الْإِبَاحَةِ إحْسَانٌ قَالَ ﵇ «لَوْ دُعِيت إلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْت» . أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ الْأَكْلِ عِنْدَ الْإِبَاحَةِ إسَاءَةٌ وَدَلِيلٌ عَلَى الْعَدَاوَةِ حَتَّى أَوْجَسَ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه خِيفَةً فِي نَفْسِهِ مِنْ الضَّيْفِ إذْ لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ ضِيَافَتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ مُنْهِيًا لِلْإِتْيَانِ. أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْفِعْلِ التَّغْذِيَةُ أَيْ التَّغْذِيَةُ الَّتِي يُبْتَنَى عَلَيْهَا الغذي إحْسَانٌ لِمَا ذَكَرْنَا فَلَا تَصْلُحُ غَايَةً لِلْإِتْيَانِ بَلْ هِيَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ إذْ الْإِنْسَانُ عَبِيدُ الْإِحْسَانِ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ حَتَّى عَلَى الْغَايَةِ وَلَا يَصْلُحُ إتْيَانُهُ سَبَبًا لِفِعْلِهِ أَيْ الْفِعْلُ نَفْسُهُ كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ لَا يَصْلُحُ جَزَاءً لِإِتْيَانِهِ فَتَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُجَازَاةِ أَيْضًا فَحُمِلَ عَلَى الْعَطْفِ بِمَعْنَى الْفَاءِ أَوْ بِمَعْنَى ثُمَّ لِأَنَّ التَّعْقِيبَ يُنَاسِبُ مَعْنَى الْغَايَةِ فَيَتَوَقَّفُ الْبِرُّ عَلَى وُجُودِ الْفِعْلَيْنِ بِوَصْفِ التَّعْقِيبِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ آتِك فَأَتَغَذَّى عِنْدَك قَوْلُهُ (حَتَّى إذَا أَتَاهُ فَلَمْ يَتَغَذَّ) إلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَمَّا إنْ وَقَّتَ بِالْيَوْمِ بِأَنْ قَالَ إنْ لَمْ آتِك الْيَوْمَ حَتَّى أَتَغَذَّى عِنْدَك. أَوْ لَمْ يُوَقِّتْ. فَإِنْ وَقَّتَ فَشَرْطُ الْبِرِّ وُجُودُ الْفِعْلَيْنِ فِي الْيَوْمِ وَشَرْطُ الْحِنْثِ عَدَمُ أَحَدِهِمَا فِيهِ حَتَّى إذْ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ وَتَغَذَّى عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مُتَّصِلًا بِالْإِتْيَانِ أَوْ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ كَانَ بَارًّا لِوُجُودِ شَرْطِ الْبِرِّ. إلَّا إذَا عَنَى الْفَوْرَ فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ

стр. 482

ثُمَّ تَغَدَّى مِنْ بَعْدُ غَيْرَ مُتَرَاخٍ فَقَدْ بَرَّ وَإِنْ لَمْ يَتَغَذَّ أَصْلًا حَنِثَ وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ لَا يُوجَدُ لَهَا ذِكْرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا ذَكَرَهَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ فِيمَا أَعْلَمُ لَكِنَّهَا اسْتِعَارَةٌ بَدِيعَةٌ اقْتَرَحَهَا أَصْحَابُنَا عَلَى قِيَاسِ اسْتِعَارَاتِ الْعَرَبِ لِأَنَّ بَيْنَ الْعَطْفِ وَالْغَايَةِ مُنَاسَبَةٌ مِنْ حَيْثُ يُوصِلُ الْغَايَةَ بِالْجُمْلَةِ كَالْمَعْطُوفِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ بِمَعْنَى الْعَطْفِ مَعَ قِيَامِ الْغَايَةِ بِلَا خِلَافٍ فَاسْتَقَامَ أَنْ يُسْتَعَارَ لِعَطْفِ الْمَحْضِ إذَا تَعَذَّرَتْ حَقِيقَتُهُ وَهَذَا عَلَى مِثَالِ اسْتِعَارَاتِ أَصْحَابِنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ عَلَى هَذَا جَاءَنِي زَيْدٌ حَتَّى عَمْرٌو وَهَذَا غَيْرُ مَسْمُوعٍ مِنْ الْعَرَبِ وَإِذَا اُسْتُعِيرَ لِلْعَطْفِ اُسْتُعِيرَ لِمَعْنَى الْفَاءِ دُونَ الْوَاوِ لِأَنَّ الْغَايَةَ تُجَانِسُ التَّعْقِيبَ. . ــ [كشف الأسرار] الْفِعْلَيْنِ بِصِفَةِ الِاتِّصَالِ. وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ كَانَ شَرْطُ الْبِرِّ وُجُودَ الْفِعْلَيْنِ فِي الْعُمُرِ بِصِفَةِ الِاتِّصَالِ أَوْ التَّرَاخِي إذَا لَمْ يَنْوِ الْفَوْرَ وَشَرْطُ الْحِنْثِ عَدَمُ أَحَدِهِمَا فِي الْعُمُرِ هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الزِّيَادَاتِ. وَهَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ أَيْضًا فَقَالَ إذَا قَالَ إنْ لَمْ آتِك حَتَّى أَتَغَذَّى عِنْدَك الْيَوْمَ أَوْ إنْ لَمْ تَأْتِنِي حَتَّى تَتَغَذَّى عِنْدَك الْيَوْمَ فَكَذَا فَأَتَاهُ ثُمَّ لَمْ يَتَغَذَّ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَنِثَ لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ وُجُودُ الْأَمْرَيْنِ فِي الْيَوْمِ وَلَمْ يُوجَدْ. وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ بِالْيَوْمِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ يُرْجَى الْبِرُّ وَهُوَ التَّغَذِّي فِي وَقْتٍ آخَرَ وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ أَيْضًا. وَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذَا عَلِمْت أَنَّ فِي قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ حَتَّى إذَا أَتَاهُ فَلَمْ يَتَغَذَّ ثُمَّ تَغَذَّى مِنْ بَعْدُ غَيْرَ مُتَرَاخٍ فَقَدْ بَرَّ نَوْعَ اشْتِبَاهٍ لِأَنَّ لِقَوْلِهِ فَلَمْ يَتَغَذَّ مَعَ قَوْلِهِ تَغَذَّى مِنْ بَعْدُ غَيْرَ مُتَرَاخٍ نَوْعَ مُنَافَاةٍ. وَظَنِّي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ كَانَتْ مَوْضُوعَةً فِي الْكِتَابِ فِي الْيَوْمِ مِثْلُهَا فِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَعَامَّةِ نُسَخِ الزِّيَادَاتِ فَسَقَطَ لَفْظُ الْيَوْمِ عَنْ قَلَمِ الْكَاتِبِ. وَعَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرَ كَانَ مَعْنَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ حَتَّى إذَا أَتَاهُ أَيْ فِي الْيَوْمِ. فَلَمْ يَتَغَذَّ عِنْدَهُ أَيْ عَلَى فَوْرِ الْإِتْيَانِ. ثُمَّ تَغَذَّى مِنْ بَعْدُ أَيْ مِنْ بَعْدُ إنْ لَمْ يَتَغَذَّ عَلَى الْفَوْرِ. غَيْرَ مُتَرَاخٍ أَيْ عَنْ الْيَوْمِ فَقَدْ بَرَّ. وَإِنْ لَمْ يَتَغَذَّ فِي الْيَوْمِ أَصْلًا حَنِثَ. فَأَمَّا إذَا أَجْرَيْنَاهَا عَلَى إطْلَاقِهَا كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فَأَنَا لَا أَدْرِي مَعْنَى قَوْلِهِ غَيْرَ مُتَرَاخٍ إذْ لَوْ قُدِّرَتْ غَيْرَ مُتَرَاخٍ عَنْ الْإِتْيَانِ لَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ فَلَمْ يَتَغَذَّ وَلَوْ قُدِّرَتْ غَيْرَ مُتَرَاخٍ عَنْ الْعُمُرِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّغَذِّي مُتَرَاخِيًا عَنْ الْعُمُرِ. وَفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي ثُمَّ تَغَذَّى مَنْ تَغَذَّى غَيْرَ مُتَرَاخٍ أَيْ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَا أَعْرِفُ صِحَّتَهُ قَوْلُهُ (وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ) أَيْ اسْتِعَارَةُ حَتَّى لِمَعْنَى الْعَطْفِ الْمَحْضِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْغَايَةِ فِيهِ بِوَجْهِ اسْتِعَارَةٍ لَمْ تُوجَدْ فِي كَلَامِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ رَأَيْت زَيْدًا حَتَّى عَمْرًا كَمَا يَقُولُونَ رَأَيْت زَيْدًا فَعَمْرًا أَوْ ثُمَّ عَمْرًا وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ اللُّغَةِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي لُغَتِهِمْ لَكِنَّ هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ اقْتَرَحَهَا مُحَمَّدٌ أَيْ اسْتَخْرَجَهَا بِقَرِيحَتِهِ عَلَى طَرِيقَةِ اسْتِعَارَاتِهِمْ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الدَّلِيلِ فَإِنْ أَئِمَّةَ اللُّغَةِ مِثْلَ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرَهُ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ فَكَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ الدَّلِيلِ: إذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ... . فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ وَذَكَرَ ابْنُ السَّرَّاجِ أَنَّ الْمُبَرِّدَ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى الْغَزَالَةِ فَقَالَ هِيَ الشَّمْسُ كَذَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى أَنَّ فِي الِاسْتِعَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ بَلْ يُشْتَرَطُ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ الصَّالِحِ لِلِاسْتِعَارَةِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَقَدْ وُجِدَ لِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ. وَهَذَا أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اسْتِعَارَةِ حَتَّى لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ عَلَى مِثَالِ اسْتِعَارَاتِ أَصْحَابِنَا. فِي غَيْرِ هَذَا الْبَاب أَيْ بَابِ حَتَّى مِثْلُ اسْتِعَارَتِهِمْ الْبَيْعَ لِلنِّكَاحِ وَالْعَتَاقَ لِلطَّلَاقِ وَالْحَوَالَةَ لِلْوِكَالَةِ وَنَحْوَهَا. وَإِذَا اُسْتُعِيرَ أَيْ حَتَّى لِلْعَطْفِ اُسْتُعِيرَ بِمَعْنَى الْفَاءِ أَيْ بِمَعْنَى حَرْفٍ يُوجِبُ التَّعْقِيبَ مِثْلَ الْفَاءِ أَوْ ثُمَّ دُونَ الْوَاوِ لِأَنَّ التَّعْقِيبَ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً وَمُجَانَسَةً لِلْغَايَةِ مِنْ مُطْلَقِ الْجَمْعِ لِوُجُودِ التَّرْتِيبِ فِيهِمَا. وَالْإِمَامُ الْعَتَّابِيُّ جَعَلَهُ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَقَالَ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْحَمْلُ عَلَى الْجَزَاءِ يُحْمَلُ عَلَى الْعَطْفِ كَقَوْلِك جَاءَنِي الْقَوْمُ حَتَّى زَيْدٌ أَيْ وَزَيْدٌ ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِك الْيَوْمَ حَتَّى أَتَغَذَّى عِنْدَك تَقْدِيرُهُ إنْ لَمْ آتِك الْيَوْمَ وَأَتَغَذَّى عِنْدَك وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 483

بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ) أَمَّا الْبَاءُ فَلِلْإِلْصَاقِ هُوَ مَعْنَاهُ بِدَلَالَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ وَلِيَكُونَ مَعْنًى تَخُصُّهُ هُوَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلِهَذَا صَحِبَتْ الْبَاءُ الْأَثْمَانَ فِيمَنْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِكُرٍّ مِنْ حِنْطَةٍ وَوَصْفُهَا أَنَّ الْكُرَّ ثَمَنٌ يَصِحُّ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْكُرِّ فَقَالَ اشْتَرَيْت مِنْك كُرَّ حِنْطَةٍ وَوَصْفُهَا بِهَذَا الْعَبْدِ أَنَّهُ يَصِيرُ سَلَمًا لَا يَصِحُّ إلَّا مُؤَجَّلًا وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْبَيْعَ إلَى الْعَبْدِ جَعَلَهُ أَصْلًا وَأَلْصَقَهُ بِالْكُرِّ فَصَارَ الْكُرُّ شَرْطًا يُلْصَقُ بِهِ الْأَصْلُ وَهَذَا حَدُّ الْأَثْمَانِ الَّتِي هِيَ شُرُوطٌ وَاتِّبَاعٌ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ إنْ أَخْبَرْتنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ فَعَبْدِي حُرٌّ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْحَقِّ ــ [كشف الأسرار] [بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ] [مَعْنَى الْبَاءُ] سُمِّيَتْ حُرُوفُ الْجَرِّ لِأَنَّهَا تَجُرُّ فِعْلًا إلَى اسْمٍ نَحْوَ مَرَرْت بِزَيْدٍ أَوْ اسْمًا إلَى اسْمٍ نَحْوَ الْمَالِ لِزَيْدٍ. وَسُمِّيَتْ حُرُوفُ الْإِضَافَةِ لِأَنَّ وَضْعَهَا عَلَى أَنْ تُفْضِيَ بِمَعَانِي الْأَفْعَالِ إلَى الْأَسْمَاءِ. الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ هُوَ مَعْنَاهَا بِدَلَالَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلِ فِي اللُّغَةِ كَالنَّصِّ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ. وَلِيَكُونَ عَطْفٌ عَلَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ مَعْنًى أَيْ لِلِاسْتِعْمَالِ وَلِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ لِلْبَاءِ مَعْنًى يَخْتَصُّ الْبَاءُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى نَفْيًا لِلِاشْتِرَاكِ. هُوَ لَهُ حَقِيقَةً أَيْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِلْبَاءِ مَعْنًى حَقِيقِيًّا. ثُمَّ الْإِلْصَاقُ يَقْتَضِي طَرَفَيْنِ مُلْصَقًا وَمُلْصَقًا بِهِ فَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْبَاءُ فَهُوَ الْمُلْصَقُ بِهِ وَالطَّرَفُ الْآخَرُ هُوَ الْمُلْصَقُ فَفِي قَوْلِك كَتَبْت بِالْقَلَمِ. الْكِتَابَةُ مُلْصَقٌ وَالْقَلَمُ مُلْصَقٌ بِهِ وَمَعْنَاهُ أَلْصَقَتْ الْكِتَابَةَ بِالْقَلَمِ. وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ فِي الْإِلْصَاقِ إيصَالَ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ دُونَ عَكْسِهِ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِك كَتَبْت بِالْقَلَمِ وَنَحَرْتُ بِالْقَدُومِ وَقَطَعْت بِالسِّكِّينِ وَضَرَبْت بِالسَّيْفِ وَنَحْوَهَا إلْصَاقُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْعَكْسِ كَانَ الْمُلْصَقُ أَصْلًا وَالْمُلْصَقُ بِهِ تَبَعًا بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ لِلشَّيْءِ. وَلِهَذَا صَحِبَتْ الْبَاءُ الْأَثْمَانَ أَيْ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا لِلْإِلْصَاقِ وَأَنَّ الْإِلْصَاقَ يَقْتَضِي طَرَفَيْنِ مُلْصِقًا وَمُلْصَقًا بِهِ وَالْمُلْصِقُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمُلْصَق بِهِ هُوَ التَّبَعُ صَحِبَتْ الْبَاءُ الْأَثْمَانَ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي الْبَيْعِ بَلْ هُوَ تَبَعٌ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَرَضَ الْأَصْلِيَّ فِي الْبَيْعِ الِانْتِفَاعُ بِالْمَمْلُوكِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمَا هُوَ مَبِيعٌ لَا بِمَا هُوَ ثَمَنٌ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ مِنْ النُّقُودِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِمُنْتَفَعٍ بِهَا فِي ذَوَاتِهَا وَإِنَّمَا هِيَ وَسِيلَةٌ إلَى حُصُولِ الْمَقَاصِدِ كَالْآلَةِ لِلشَّيْءِ وَلِهَذَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكُ الثَّمَنَ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ. إذَا أَدْخَلَ الْبَاءَ فِي الْكُرِّ الْمَوْصُوفِ صَارَ ثَمَنًا بِدَلَالَةِ الْبَاءِ وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مُسَاوَمَةً وَوَجَبَ الْكُرُّ فِي الذِّمَّةِ حَالًا كَمَا إذَا سُمِّيَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ لِأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِمَّا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بِالِاسْتِبْدَالِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَثْمَانِ. وَإِنْ أَدْخَلَ الْبَاءَ فِي الْعَبْدِ الْمُشَارِ وَأَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْكُرِّ الْمَوْصُوفِ انْعَقَدَ سَلَمًا وَيَصِيرُ الْعَبْدُ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ بِدَلَالَةِ الْبَاءِ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُوَ الثَّمَنُ فِي السَّلَمِ وَيَصِيرُ الْكُرُّ مَبِيعًا لِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهِ فَيَعْتَبِرُ شَرَائِطَ السَّلَمِ مِنْ التَّأْجِيلِ وَقَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِبْدَالِ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَيَانِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. قَوْلُهُ (إنْ أَخْبَرْتنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ) إلَى آخِرِهِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْإِخْبَارُ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ أَحَدُهُمَا الَّذِي يُبَلِّغُهُ وَالثَّانِي الْكَلَامُ الَّذِي يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْرِفَةِ فَإِذَا قَالَ إنْ أَخْبَرْتنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ كَانَ الْقُدُومُ مَشْغُولًا بِالْخَافِضِ فَلَمْ يَصْلُحْ مَفْعُولَ الْخَبَرِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا لِأَنَّ الْمَشْغُولَ لَا يُشْغَلُ فَاحْتِيجَ إلَى مَفْعُولٍ آخَرَ هُوَ كَلَامٌ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ أَخْبَرْتنِي خَبَرًا مُلْصَقًا بِقُدُومِهِ فَبَقِيَ الْقُدُومُ وَاقِعًا عَلَى حَقِيقَتِهِ فِعْلًا وَإِلْصَاقُ الْخَبَرِ بِالْقُدُومِ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ وُجُودِهِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ فَلِذَلِكَ اقْتَضَى وُجُودَهُ. فَأَمَّا إذَا قَالَ إنْ أَخْبَرْتنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَالْمُخْبَرُ بِهِ هُوَ الْقُدُومُ وَهُوَ الْمَفْعُولُ وَالْقُدُومُ بِحَقِيقَتِهِ لَا يَصْلُحُ مَفْعُولَ الْخَبَرِ فَصَارَ عِبَارَةً عَنْ التَّكَلُّمِ بِهِ فَصَارَ التَّكَلُّمُ بِهِ شَرْطًا لِلْحِنْثِ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ تَكَلَّمْت بِهَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي بِقَلْبِك فَكَذَا فَقَالَتْ كَاذِبَةً أُحِبُّك حَيْثُ تَطْلُقُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ مَعَ أَنَّ مَحَبَّتَهُ لَمْ تَلْتَصِقْ بِقَلْبِهَا لِأَنَّ اللِّسَانَ جُعِلَ خَلَفًا عَنْ الْقَلْبِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ فَلَمْ يُلْتَفَتْ

стр. 484

لِأَنَّ مَا صَحِبَهُ الْبَاءُ لَا يَصْلُحُ مَفْعُولَ الْخَبَرِ وَلَكِنَّ مَفْعُولَ الْخَبَرِ مَحْذُوفٌ بِدَلَالَةِ حَرْفِ الْإِلْصَاقِ كَمَا يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ أَيْ بَدَأْت بِهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ أَخْبَرْتنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْكَذِبَ أَيْضًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْغُولٍ بِالْبَاءِ فَصَلَحَ مَفْعُولًا وَأَنَّ مَا بَعْدَهَا مَصْدَرٌ وَمَعْنَاهُ إنْ أَخْبَرْتنِي خَبَرًا مُلْصَقًا بِقُدُومِهِ وَالْقُدُومُ اسْمٌ لِفِعْلِ وُجُودٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ أَخْبَرْتنِي قُدُومَهُ وَمَفْعُولُ الْخَبَرِ كَلَامٌ لَا فِعْلٌ فَصَارَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي التَّكَلُّمَ بِقُدُومِهِ وَذَلِكَ دَلِيلُ الْوُجُودِ لَا مُوجِبَ لَهُ لَا مَحَالَةَ وَلِهَذَا قَالُوا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَبِإِرَادَتِهِ أَنَّهُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّ الْإِلْصَاقَ يُؤَدِّي مَعْنَى الشَّرْطِ وَيُفْضِي إلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَخَوَاتُهَا عَلَى مَا قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ ــ [كشف الأسرار] إلَيْهِ فَأَمَّا الْقُدُومُ فَأَمْرٌ مَحْسُوسٌ فَاعْتُبِرَ الْإِلْصَاقُ بِهِ. وَهَذَا أَيْضًا بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ أَعْلَمْتنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَأَعْلَمُهُ حَيْثُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ أَعْلَمْتنِي بِقُدُومِهِ لِأَنَّ الْإِعْلَامَ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَالْبَاطِلُ لَا يُسَمَّى عِلْمًا وَإِنَّمَا الْعِلْمُ اسْمٌ لِلْحَقِّ فَلَمْ يَكُنْ الْإِخْبَارُ بِالْبَاطِلِ إعْلَامًا. فَإِنْ قِيلَ الْإِخْبَارُ الْإِعْلَامُ وَالْخَبَرُ الْعِلْمُ قَالَ تَعَالَى إخْبَارًا ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] . أَيْ عِلْمًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَبِيرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْعَلِيمِ بَلْ أَبْلَغَ مِنْهُ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْعَلِيمِ بِالْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ وَلِهَذَا سُمِّيَ الْأَكَّارُ خَبِيرًا لِعِلْمِهِ بِخَبَايَا الْأَرْضِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الِامْتِحَانُ اخْتِبَارًا فَكَانَ الْإِخْبَارُ وَالْإِعْلَامُ سَوَاءً فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ عَلَى الْحَقِّ فِي الصُّورَتَيْنِ كَمَا فِي الْإِعْلَامِ. قُلْنَا الْحَقِيقَةُ مَا ذُكِرَتْ لَكِنَّ الْخَبَرَ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْعُرْفِ لِمَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْرِفَةِ فَصَارَ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحَقِّ وَالْكَذِبِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ هَذَا خَبَرٌ بَاطِلٌ وَزُورٌ وَكَذِبٌ وَلَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ فَلِهَذَا افْتَرَقَا قَوْلُهُ (لِأَنَّ مَا صَحِبَهُ الْبَاءُ لَا يَصْلُحُ مَفْعُولَ الْخَبَرِ) أَيْ الْإِخْبَارِ لِكَوْنِهِ مَعْمُولَ الْبَاءِ فَلَا يَصْلُحُ مَعْمُولًا لِشَيْءٍ آخَرَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعْمُولًا لِعَامِلٍ آخَرَ فِي الظَّاهِرِ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعْمُولًا لِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْمَحَلِّ فَيَكُونُ مَجْرُورًا بِالْبَاءِ وَمَنْصُوبَ الْمَحَلِّ بِالْفِعْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَخْبَرَنِي بِهَذَا الْخَبَرِ زَيْدٌ كَانَ الطَّرَفُ وَهُوَ الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ مِنْ غَيْرِ إضْمَارٍ بِشَيْءٍ آخَرَ إذْ لَا يَسْتَقِيمُ فِيهِ أَخْبَرَنِي خَبَرًا مُلْصَقًا بِهَذَا الْخَبَرِ زَيْدٌ فَكَذَا هَذَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ حَقِيقَةً وَقَدْ يَجِيءُ لِلتَّعَدِّيَةِ بِمَعْنَى الْهَمْزَةِ كَقَوْلِك ذَهَبَ بِهِ وَخَرَجَ بِهِ أَيْ أَذْهَبَهُ وَأَخْرَجَهُ وَالْإِخْبَارُ مِمَّا يَتَعَدَّى إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ وَبِالْبَاءِ فَفِيمَا أَمْكَنَ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ لِتَبْقَى الْبَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ جُعِلَ مُتَعَدِّيًا بِالْبَاءِ فَمَسْأَلَةُ الْكِتَابِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَمَا ذَكَرْت مِنْ الْقَبِيلِ الثَّانِي فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا. وَأَنَّ مَعَ مَا بَعْدَهَا مَصْدَرٌ أَيْ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ كَمَا فِي قَوْلُك أَعْجَبَنِي أَنَّ زَيْدًا قَامَ أَوْ قَائِمٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ عَمْرًا مُنْطَلِقٌ مَعْنَاهُ أَعْجَبَنِي قِيَامُ زَيْدٍ وَبَلَغَنِي انْطِلَاقُ عَمْرٍو وَإِذَا كَانَ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ صَارَ فِي تَأْوِيلِ الْمُفْرَدِ فَصَلَحَ مَفْعُولًا وَمَفْعُولُ الْخَبَرِ أَيْ الْإِخْبَارِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ قَدِمَ فُلَانٌ لَا حَقِيقَةُ فِعْلِ الْقُدُومِ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ قَوْلٌ وَالْقُدُومُ فِعْلٌ وَالْفِعْلُ لَا يَصْلُحُ مَفْعُولَ الْقَوْلِ. يُوضِحُهُ أَنَّ فِي قَوْلِك ضَرَبْت زَيْدًا لَا يَكُونُ مُسَمَّى زَيْدٍ مَفْعُولًا لِضَرَبْتُ لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَتَأَثَّرُ بِالْقَوْلِ حَقِيقَةً بَلْ مَفْعُولُهُ لَفْظُ زَيْدٍ فَكَذَلِكَ حَقِيقَةُ الْقُدُومِ لَا تَصْلُحُ مَفْعُولَ أَخْبَرْتنِي لِأَنَّهُ قَوْلٌ وَالْقُدُومُ فِعْلٌ إلَّا أَنَّ مُسَمَّى زَيْدٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَثِّرًا بِمَدْلُولِ ضَرَبْت وَهُوَ حَقِيقَةُ الضَّرْبِ وَفِعْلُ الْقُدُومِ هَاهُنَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَثِّرًا بِمَدْلُولِ أَخْبَرْتنِي وَهُوَ حَقِيقَةُ الْإِخْبَارِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ التَّكَلُّمُ بِالْخَبَرِ وَذَلِكَ لَا يَعْدُو إلَى الْقُدُومِ بِوَجْهٍ فَلِذَلِكَ لَا يَصْلُحُ مَفْعُولًا لَهُ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ أَخْبَرْتنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ إنْ تَكَلَّمْت بِخَبَرِ قُدُومِ فُلَانٍ وَالْخَبَرُ مَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى وُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ لَا مَا يُوجِبُ وُجُودَهُ لَا مَحَالَةَ فَصَارَ شَرْطُ الْحِنْثِ كَلَامًا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْقُدُومِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْإِخْبَارِ كَاذِبًا فَيَحْنَثُ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ. قَالُوا يَعْنِي أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَبِإِرَادَتِهِ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ أَصْلًا لِأَنَّ الْإِلْصَاقَ يُؤَدِّي مَعْنَى الشَّرْطِ أَيْ يُفْضِي إلَيْهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ

стр. 485

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] حَتَّى أَوْجَبَ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ الْبَاءُ صِلَةٌ لِأَنَّ الْمَسْحَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ فَيُؤَكَّدُ بِالْبَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] فَيَصِيرُ تَقْدِيرُهُ وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ ــ [كشف الأسرار] لَمَّا جَعَلَ الطَّلَاقَ مُلْصَقًا بِالْمَشِيئَةِ لَا يَقَعُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِلْصَاقُ بِدُونِ الْمُلْصَقِ بِهِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الشَّرْطِ إذْ لَا وُجُودَ لِلْمَشْرُوطِ بِدُونِ الشَّرْطِ غَيْرَ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إبْطَالٌ لِلْإِيجَابِ لِمَا عُرِفَ فَلِهَذَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَوْ أَضَافَ الْمَشِيئَةَ إلَى الْعَبْدِ بِأَنْ قَالَ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ كَانَ تَعْلِيقًا وَتَمْلِيكًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ. وَكَذَلِكَ أَخَوَاتُهَا أَيْ أَمْثَالُ الْمَشِيئَةِ كَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ. عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ. . . الْمَذْكُورُ فِيهَا عَشْرَةُ أَلْفَاظٍ الْمَشِيئَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالرِّضَاءُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْأَمْرُ وَالْحُكْمُ وَالْإِذْنُ وَالْقَضَاءُ وَالْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ وَأَنَّهَا قَدْ تُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتُضَافُ إلَى الْعَبْدِ أَيْضًا فَفِي الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى الْعَبْدِ كَانَ تَمْلِيكًا فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ وَفِي السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ سَوَاءٌ أُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ أَوْ إلَى الْعَبْدِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِأَمْرِ فُلَانٍ أَوْ بِحُكْمِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ بِأَمْرِ فُلَانٍ إيَّايَ أَوْ بِحُكْمِ فُلَانٍ عَلَيَّ بِذَلِكَ أَوْ يَأْذَنُ فُلَانٌ لِي بِذَلِكَ أَوْ يَعْلَمُ فُلَانٌ مِنِّي ذَلِكَ فَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ تَحْقِيقًا لِلْإِيقَاعِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ اُحْكُمْ وَأْمُرْ وَاعْلَمْ وَأْذَنْ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ تَخْيِيرًا بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ اُحْكُمْ إلْزَامًا لَهُ ذَلِكَ وَفِيمَا تَقَدَّمَ لَوْ قَالَ شَاءَ كَانَ تَخْيِيرًا فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ يَكُونُ تَخْيِيرًا مِنْهُ لِفُلَانٍ كَذَا فِي زِيَادَاتِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ. فَإِنْ قِيلَ هَلَّا حُمِلَتْ الْبَاءُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ وَأَخَوَاتِهَا عَلَى السَّبَبِيَّةِ لِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السَّبَبِ قَالَ تَعَالَى ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا - ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا - جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٨ - ١٤٦] . وَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى السَّبَبِ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ لِمَشِيئَةِ فُلَانٍ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ الْإِيقَاعِ لَا عَلَى انْتِفَائِهِ. قُلْنَا الْحَمْلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الشَّرْطِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِلْصَاقِ لِأَنَّ فِي الْإِلْصَاقِ مَعْنَى التَّرَتُّبِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي مُلْصَقًا بِهِ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمُلْصَقِ زَمَانًا لِيُمْكِنَ الْإِلْصَاقُ بِهِ وَالتَّرَتُّبُ الزَّمَانِيُّ فِي الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ مَوْجُودٌ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُقَارِنٌ لِلْمَعْلُولِ زَمَانًا قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) إلَى آخِرِهِ. ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ فِي الْمَحَلِّ أَفَادَتْ. التَّبْعِيضَ لُغَةً يُقَالُ مَسَحْت الرَّأْسَ إذَا اسْتَوْعَبْته وَمَسَحَ بِالرَّأْسِ أَيْ بِبَعْضِهِ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ. وَلِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِاتِّفَاقٍ بَيْننَا وَبَيْنَكُمْ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الرَّأْسِ وَإِذَا ثَبَتَ الْبَعْضُ مُرَادًا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَمَا لَوْ قَالَ امْسَحُوا بَعْضَ رُءُوسِكُمْ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْوَاجِبِ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَوْ بِرُبُعِ الرَّأْسِ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ بِالرَّأْيِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَكُونُ مَرْدُودًا. وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ مُطْلَقُ مَسْحِ الْبَعْضِ لَيْسَ بِمُرَادٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ بِالِاتِّفَاقِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضٌ مُقَدَّرٌ وَذَلِكَ مُجْمَلٌ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ فَكَانَ فِعْلُ النَّبِيِّ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ بَيَانًا لَهُ. لِأَنَّهُ يَقُولُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ عِنْدِي إلَّا لِعَدَمِ حُصُولِ مَسْحِ الْبَعْضِ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَوْعَبَ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ قَبْلَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ عِنْدِي لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ فَكَذَا هَاهُنَا. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ الْبَاءُ صِلَةٌ أَيْ مَزِيدَةٌ زِيدَتْ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] . وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . أَيْ لَا تُلْقُوا أَيْدِيَكُمْ كَذَا قَالَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَإِذَا كَانَتْ مَزِيدَةً وَجَبَ مَسْحُ الْكُلِّ كَمَا لَوْ قِيلَ وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ. قَالَ وَمَا قُلْنَاهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَمَلٌ بِالْمَجَازِ لَكِنَّهُ أَحْوَطُ لِأَنَّ فِيهِ الْخُرُوجَ عَنْ

стр. 486

وَقُلْنَا أَمَّا الْقَوْلُ بِالتَّبْعِيضِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَالْمَوْضُوعُ لِلتَّبْعِيضِ كَلِمَةُ (مِنْ) وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّكْرَارَ وَالِاشْتِرَاكَ لَا يَثْبُتُ فِي الْكَلَامِ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْعَوَارِضِ فَلَا يُصَارُ إلَى إلْغَاءِ الْحَقِيقَةِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى التَّوْكِيدِ إلَّا بِضَرُورَةٍ بَلْ هَذِهِ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ فِي آلَةِ الْمَسْحِ كَانَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلَى مَحَلِّهِ كَمَا تَقُولُ مَسَحْت الْحَائِطَ بِيَدِي فَيَتَنَاوَلُ كُلَّهُ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى جُمْلَتِهِ وَمَسَحْت رَأْسَ الْيَتِيمِ بِيَدِي وَإِذَا دَخَلَ حَرْفُ الْإِلْصَاقِ فِي مَحَلِّ الْمَسْحِ بَقِيَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلَى الْآلَةِ وَتَقْدِيرُهُ وَامْسَحُوا أَيْدِيَكُمْ بِرُءُوسِكُمْ أَيْ أَلْصِقُوهَا بِرُءُوسِكُمْ فَلَا تَقْتَضِي اسْتِيعَابَ الرَّأْسِ وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي وَضْعَ آلَةِ الْمَسْحِ وَذَلِكَ لَا يَسْتَوْعِبُهُ فِي الْعَادَاتِ فَيَصِيرُ الْمُرَادُ بِهِ أَكْثَرَ الْيَدِ فَصَارَ التَّبْعِيضُ مُرَادًا بِهَذَا الشَّرْطِ ــ [كشف الأسرار] الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ فَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى عَلَى أَنَّا إنْ عَمِلْنَا بِحَقِيقَتِهَا فَذَلِكَ يُوجِبُ الِاسْتِيعَابَ أَيْضًا لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ حَقِيقَةً وَقَدْ أَلْصَقَ الْمَسْحَ بِالرَّأْسِ وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّهِ لَا لِبَعْضِهِ فَيَقْتَضِي مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ قَوْلُهُ (وَقُلْنَا نَحْنُ أَمَّا الْقَوْلُ بِالتَّبْعِيضِ فَلَا أَصْلَ لَهُ) أَيْ الْقَوْلُ بِالتَّبْعِيضِ كَلَامٌ عَنْ تَشَهٍّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ نَقَلَةِ اللُّغَةِ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ إنَّمَا الْمَوْضُوعُ لِلتَّبْعِيضِ كَلِمَةُ مِنْ فَلَوْ أَفَادَتْ الْبَاءُ التَّبْعِيضَ لَوَجَبَ التَّكْرَارُ أَيْ التَّرَادُفُ لِدَلَالَةِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى مَعْنَى وَاحِدٍ. وَالِاشْتِرَاكُ أَيْضًا لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ بِالِاتِّفَاقِ فَلَوْ أَفَادَتْ التَّبْعِيضَ لَكَانَ لَفْظٌ وَاحِدٌ دَالًّا عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. هَذَا رَدُّ لِكَلَامِ الْقَائِلِينَ بِالتَّبْعِيضِ وَقَوْلُهُ وَلَا يُصَارُ إلَى إلْغَاءِ الْحَقِيقَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَالِكٍ أَيْ إذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ لَا يُصَارُ إلَى إلْغَائِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ وَبِأَنْ جَازَ تَرْكُ الْحَقِيقَةِ فِي مَوْضِعٍ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُهُ فِي مَوْضِعٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَكَانَتْ الْبَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا هُوَ أَصْلُهَا. وَبَيَانُ هَذَا أَيْ بَيَانُ أَنَّهَا لِلْإِلْصَاقِ فِي الْآيَةِ وَأَنَّ التَّبْعِيضَ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ آخَرَ لَا بِالْبَاءِ أَنَّ الْمَسْحَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ آلَةٍ وَمَحَلٍّ فَإِذَا دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي الْآلَةِ كَانَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلَى الْمَحَلِّ وَيَصِيرُ الْمَحَلُّ مَفْعُولَ فِعْلِهِ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ كَقَوْلِك مَسَحْت الْحَائِطَ بِيَدِي أَوْ مَسَحْت بِيَدِي الْحَائِطَ وَإِذَا دَخَلَتْ فِي الْمَحَلِّ كَانَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا إلَى الْآلَةِ وَلِهَذَا ظَهَرَ عَمَلُهُ فِيهَا حَتَّى انْتَصَبَتْ بِذَلِكَ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِيَّةِ فَهَذَا لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إلْصَاقَ الْفِعْلِ بِالْمَحَلِّ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ لَكِنْ بِهَذِهِ الْآلَةِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا صَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ وَامْسَحُوا أَيْدِيَكُمْ بِرُءُوسِكُمْ فَلَا يَقْتَضِي هَذَا الْكَلَامُ اسْتِيعَابَ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ كَمَا ظَنَّهُ مَالِكٌ. لِأَنَّهُ أَيْ الْمَسْحَ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى الرَّأْسِ بَلْ أُضِيفَ إلَى الْيَدِ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ لِلْحَالِ وَالْجُمْلَةُ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ. لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْتَضِي وَضْعَ آلَةِ الْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ وَإِلْصَاقَهَا بِهِ. وَذَلِكَ أَيْ وَضْعُ الْآلَةِ لَا يَسْتَوْعِبُ الرَّأْسَ فِي الْعَادَاتِ أَيْضًا لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَسْتَوْعِبُ الرَّأْسَ عَادَةً. إلَّا أَنَّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَصْلُحُ قَوْلُهُ (فَصَارَ الْمُرَادُ بِهِ أَكْثَرَ الْيَدِ) نَتِيجَةٌ لَهُ فَيُجْعَلُ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي لَا يَسْتَوْعِبُهُ عَائِدًا إلَى الْآلَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَيْ الْوَضْعُ لَا يَسْتَوْعِبُ الْآلَةَ فِي الْعَادَاتِ يَعْنِي هَذَا التَّقْدِيرَ وَإِنْ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ مُتَنَاوِلًا لِكُلِّ الْآلَةِ لَكِنْ فِي الْعَادَةِ لَا تُوضَعُ الْآلَةُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا عَلَى الرَّأْسِ فَإِنَّ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَظَهْرِ الْكَفِّ لَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْمَسْحِ عَادَةً فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالْأَكْثَرِ الَّذِي يُحْكَى حِكَايَةَ الْكُلِّ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ. فَصَارَ التَّبْعِيضُ مُرَادًا بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْ صَارَ التَّبْعِيضُ مُرَادًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُقَدَّرًا بِآلَةِ الْمَسْحِ أَوْ بِأَكْثَرِهَا لَا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقُ التَّبْعِيضِ مُرَادًا عَمَلًا بِالْبَاءِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀. وَعِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَوْضَحُ فَإِنَّهُ قَالَ وَإِذَا قُرِنَتْ الْبَاءُ بِمَحَلِّ الْمَسْحِ يَتَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى الْآلَةِ فَلَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إلْصَاقَ الْآلَةِ بِالْمَحَلِّ وَذَلِكَ لَا يَسْتَوْعِبُ الْكُلَّ عَادَةً ثُمَّ أَكْثَرُ الْآلَةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكُلِّ فَيَتَأَدَّى الْمَسْحُ بِإِلْصَاقِ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ بِمَحَلِّ الْمَسْحِ وَمَعْنَى التَّبْعِيضِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا بِحَرْفِ الْبَاءِ. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِمَشَايِخِنَا بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . أُدْخِلَ حَرْفُ الْبَاءِ فِي الْمَحَلِّ فَيَتَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى الْآلَةِ وَهِيَ الْيَدُ كَأَنَّهُ قِيلَ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ أَيْدِيَكُمْ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْجَمْعَ مَتَى قُوبِلَ بِالْجَمْعِ يَنْقَسِمُ آحَادُ هَذَا عَلَى آحَادِ ذَلِكَ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ وَلْيَمْسَحْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِرَأْسِهِ يَدَهُ

стр. 487

فَأَمَّا الِاسْتِيعَابُ فِي التَّيَمُّمِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] فَثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ فِيهِ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ فَجُعِلَتْ الْبَاءُ صِلَةً وَبِدَلَالَةِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ شُرِعَ خَلَفًا عَنْ الْأَصْلِ وَكُلُّ تَنْصِيفٍ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ وَعَلَى هَذَا قَوْلِ الرَّجُلِ إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي أَنَّهُ يَشْتَرِطُ تَكْرَارَ الْإِذْنِ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ ــ [كشف الأسرار] فَإِذَا وَضَعَ الْيَدَ عَلَى الرَّأْسِ جَازَ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْمَسْحُ. وَلَوْ مَسَحَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ جَازَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ الْآلَةِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فَيَجُوزُ التَّبْعِيضُ بِإِقَامَةِ الْأَكْثَرِ لَا بِحَرْفِ الْبَاءِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ هَاهُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ كَتَبْت بِالْقَلَمِ إلَّا أَنَّ كَلِمَةَ الْبَاءِ مَتَى دَخَلَتْ مَحَلَّ الْفِعْلِ كَانَ الْمُرَادُ إلْصَاقَ الْفِعْلِ بِالْمَحَلِّ لَا إلْصَاقَ الْمَحَلِّ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَعْدُومٌ لَا يُتَصَوَّرُ إلْصَاقُ الْمَحَلِّ بِهِ قَبْلَ الْوُجُودِ وَبَعْدَ الْوُجُودِ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِلْصَاقُ بِهِ لِأَنَّهُ يَنْعَدِمُ كَمَا وُجِدَ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إلْصَاقُهُ بِالْمَحَلِّ فَكَانَ الْمَقْصُودُ إلْصَاقَ الْفِعْلِ بِالْمَحَلِّ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ إثْبَاتَ وَصْفٍ فِي الْفِعْلِ هُوَ الْإِلْصَاقُ فَيَصِيرُ الْفِعْلُ هُوَ الْمَقْصُودُ لِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْإِلْصَاقِ فِيهِ وَالْمَحَلُّ إنَّمَا يُرَاعَى لِتَصَوُّرِ هَذَا الْمَقْصُودِ لَا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ وَمَا يُرَاعَى لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ إنَّمَا يُرَاعَى بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ وَهُوَ إلْصَاقُ الْفِعْلِ بِالرَّأْسِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِبَعْضِ الرَّأْسِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ الْبَعْضَ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْبَعْضَ لُغَةً. وَاعْلَمْ أَنَّ لِمَشَايِخِنَا ﵏ فِي تَقْدِيرِ فَرْضِ الْمَسْحِ طَرِيقِينَ. أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ وَالثَّانِي أَنْ مُطْلَقَ الْبَعْضِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُرَادًا لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ فِي عَامَّةِ الْأَعْضَاءِ بَعْضٌ مُقَدَّرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هَاهُنَا وَلِهَذَا لَوْ زَادَ عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي قُدِّرَ بِهِ لَا يَكُونُ الزَّائِدُ فَرْضًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ الدَّاخِلُ تَحْتَ الْأَمْرِ بَعْضًا مُطْلَقًا لَوَقَعَ الزَّائِدُ فَرْضًا كَالزَّائِدِ عَلَى الْآيَاتِ الثَّلَاثِ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ صَارَ الْبَعْضُ مُجْمَلًا فَيَتَعَرَّفُ بِالسُّنَّةِ وَهِيَ تُوجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ بِالرُّبُعِ عَلَى مَا عُرِفَ إلَّا أَنَّ فِي إثْبَاتِ الْإِجْمَالِ بِهَذَا الطَّرِيقِ نَوْعَ ضَعْفٍ فَإِنَّ الْخُصُومَ لَمْ يُسَلِّمُوا الْإِجْمَالَ فِي الْآيَةِ وَقَالُوا بَلْ مُطْلَقُ الْمَسْحِ هُوَ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ وَهُوَ مَعْلُومٌ فَلِذَلِكَ اخْتَارَ الشَّيْخُ هَاهُنَا الطَّرِيقَ الَّذِي بَيَّنَّا لِأَنَّهُ أَسْلَمُ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الِاسْتِيعَابُ) إلَى آخِرِهِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ قَدْ دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] . فِي الْمَحَلِّ وَقَدْ شُرِطَ فِيهِ الِاسْتِيعَابَ كَمَا فِي الْوُضُوءِ فَقَالَ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيعَابُ بِدُخُولِ الْبَاءِ فِي الْمَحَلِّ وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ «قَوْلُهُ ﵇ لِعَمَّارٍ. يَكْفِيك ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ» . وَبِمِثْلِهَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ فَجُعِلَتْ الْبَاءُ صِلَةً أَيْ زَائِدَةً بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ مِثْلُهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] فَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ فَامْسَحُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ فَيَجِبُ الِاسْتِيعَابُ. وَبِدَلَالَةِ الْكِتَابِ أَيْ الْكِتَابُ دَلَّ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِيعَابِ أَيْضًا لِأَنَّ التَّيَمُّمَ شُرِعَ خَلَفًا عَنْ الْأَصْلِ الْوُضُوءِ بِأَنْ أُقِيمَ الْمَسْحُ بِالصَّعِيدِ فِي الْعُضْوَيْنِ مَقَامَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ بِالْمَاءِ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَنُصِّفَ الْحَلِفُ تَخْفِيفًا وَكُلُّ تَنْصِيفٍ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ كَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَعِدَّةِ الْإِمَاءِ وَحُدُودِ الْعَبِيدِ وَكَمَنْ لَهُ عَلَى آخِرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسَةٍ أَوْ أَبْرَأهُ عَنْ خَمْسَةٍ يَجِبُ الْبَاقِي بِصِفَةِ الْأَصْلِ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ ثُمَّ الِاسْتِيعَابُ فِي غَسْلٍ فِي هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ فَكَذَا فِيمَا قَامَ مَقَامَهُمَا عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِيعَابُ بَلْ الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ لِأَنَّ فِي الْمَمْسُوحَاتِ الِاسْتِيعَابَ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالرَّأْسِ قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ يُبْتَنَى عَلَى أَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ. قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْت مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَكَذَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الْإِذْنِ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ ثُمَّ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَنِثَ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ خَرَجْت يَتَنَاوَلُ الْمَصْدَرَ لُغَةً وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَخْرُجِي خُرُوجًا

стр. 488

فَاقْتَضَى مُلْصَقًا بِهِ لُغَةً وَهُوَ الْخُرُوجُ فَصَارَ الْخُرُوجُ الْمُصْلَقُ بِالْإِذْنِ الْمَوْصُوفِ بِهِ مُسْتَثْنًى فَصَارَ عَامًّا فَأَمَّا قَوْلُهُ إلَّا أَنْ آذَنَ لَك فَإِنَّهُ جُعِلَ مُسْتَثْنَى بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ جِنْسِهِ فَجُعِلَ مَجَازًا عَنْ الْغَايَةِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُنَاسِبُ الْغَايَةَ. ــ [كشف الأسرار] فَصَارَ عَامًّا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ خُرُوجًا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الْإِذْنِ فَبَقِيَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْخُرُوجِ دَاخِلًا فِي الْحَظْرِ فَإِذَا فَعَلَتْ وَجَبَ الْجَزَاءُ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْت إلَّا بِقِنَاعٍ أَوْ بِمُلَاءَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَتَى خَرَجَتْ بِقِنَاعٍ أَوْ بِمُلَاءَةٍ لَمْ تَطْلُقْ وَلَمْ يَسْقُطْ الْخَطَرُ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ قِنَاعٍ أَوْ مُلَاءَةٍ طَلُقَتْ فَكَذَا هَذَا قَوْلُهُ (فَاقْتَضَى مُلْصَقًا بِهِ) أَيْ شَيْئًا يَلْتَصِقُ بِالْإِذْنِ إذْ لَا بُدَّ لِلْجَارِ وَالْمَجْرُورِ مِنْ مُتَعَلِّقٍ. وَهُوَ أَيْ الشَّيْءُ الْمُلْصِقُ بِالْإِذْنِ هُوَ الْخُرُوجُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. فَصَارَ عَامًا أَيْ صَارَ الْخُرُوجُ الْمَوْصُوفُ الْمُسْتَثْنَى عَامًّا حَتَّى تَنَاوَلَ كُلَّ خَرْجَةٍ وُصِفَتْ بِالْإِذْنِ وَإِنْ كَانَ الْخُرُوجُ الْمُسْتَثْنَى نَكِرَةً فِي الْإِثْبَاتِ لِعُمُومِ صِفَتِهِ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ فِي قَوْلِهِ لَا أَتَزَوَّجُ إلَّا امْرَأَةً كُوفِيَّةً. وَذَلِكَ أَيْ جَعْلُهُ مُسْتَثْنًى بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ. لِأَنَّهُ أَيْ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ الْإِذْنُ خِلَافُ جِنْسِهِ أَيْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ الْخُرُوجُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إظْهَارُ الْخُرُوجِ هَاهُنَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي فَإِنَّهُ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقُولَ إلَّا خُرُوجًا بِإِذْنِي وَلَوْ قَالَ إلَّا خُرُوجًا أَنْ آذَنَ لَك كَانَ كَلَامًا مُخْتَلًّا. قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْ آذَنَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَتَّى عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ أَذِنَ فِي الْخُرُوجِ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَقَالَ الْفَرَّاءُ بَلْ يَحْنَثُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وَقَدْ كَانَ تَكْرَارُ الْإِذْنِ شَرْطًا. وَلِأَنَّ كَلِمَةَ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ مَصْدَرٌ وَلَا اتِّصَالَ لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ إلَّا بِصِلَةٍ فَوَجَبَ تَقْدِيرُ الصِّلَةِ فِيهِ وَهِيَ الْبَاءُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي. قَالَ وَفِيمَا قُلْنَا تَحْقِيقُ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَالْغَايَةُ مَجَازٌ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وَ ﴿إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] . وَمَعْنَاهُ الْغَايَةُ. وَلِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا بَطَلَتْ حَقِيقَتُهُ تَعَيَّنَ مَجَازُهُ وَحَقِيقَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَعَذِّرَةٌ هَاهُنَا لِأَنَّ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ مَصْدَرٌ فَيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا لِلْإِذْنِ مِنْ الْخُرُوجِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَعُمِلَ بِمَجَازِهِ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ غَايَةً لِأَنَّ كُلَّ اسْتِثْنَاءٍ يُنَاسِبُ الْغَايَةَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ حُكْمَ مَا وَرَاءَ الْغَايَةِ عَلَى خِلَافِ الْمُغَيَّا كَمَا أَنَّ حُكْمَ مَا وَرَاءَ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى خِلَافِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً كَانَ الْحُكْمُ فِيمَا وَرَاءَ تِسْعِمِائَةٍ عَلَى خِلَافِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ فِي تِسْعِمِائَةٍ فَيُجْعَلُ غَايَةً بِمَنْزِلَةِ حَتَّى وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ إلَّا بِإِذْنِي لِأَنَّ حَرْفَ الْإِلْصَاقِ يَقْتَضِي مُلْصِقًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَحَذْفُهُ سَائِغٌ لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ حَرْفُ الْإِلْصَاقِ كَمَا فِي بِسْمِ اللَّهِ أَيْ بَدَأْت أَوْ أَبْدَأُ بِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا صَحَّ الْحَذْفُ لِقِيَامِ الْبَاءِ وَذَلِكَ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْخُرُوجُ الَّذِي بِهِ تَحْقِيقُ الِاسْتِثْنَاءِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَّا خُرُوجًا بِإِذْنِي فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فَأَمَّا هَاهُنَا فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ ذِكْرُ الْبَاءِ فَلَمْ يَصِحَّ حَذْفُ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلِذَلِكَ تَعَذَّرَتْ حَقِيقَتُهُ فَتَعَيَّنَ مَجَازُهُ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . لِأَنَّ التَّكْرَارَ ثَمَّةَ مَا جَاءَ مِنْ لَفْظٍ إلَّا أَنْ لِأَنَّهُ لَوْ ذُكِرَ بِحَرْفِ حَتَّى كَانَ الْحُكْمُ هَكَذَا أَيْضًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] . بَلْ التَّكْرَارُ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ آذَنَ إلَّا بِإِذْنِي صَحَّتْ نِيَّتُهُ قَضَاءً وَدِيَانَةً لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ لِأَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الِالْتِصَاقِ سَائِغٌ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ فَيُصَدَّقُ. وَإِنْ نَوَى فِي قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنِي الْإِذْنَ مَرَّةً صَحَّتْ أَيْضًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُفِيدُ مَا يُفِيدُ الْغَايَةُ وَهُوَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ فَكَانَ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ فِي الْمَعْنَى

стр. 489

وَأَمَّا (عَلَى) فَإِنَّهَا وُضِعَتْ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ وَارْتِفَاعِهِ وَعُلُوِّهِ فَوْقَهُ فَصَارَ هُوَ مَوْضُوعًا لِلْإِيجَابِ وَالْإِلْزَامِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَنَّهُ دَيْنٌ إلَّا أَنْ يَصِلَ بِهِ الْوَدِيعَةَ فَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ كَانَتْ بِمَعْنَى الْبَاءِ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ لِأَنَّ اللُّزُومَ يُنَاسِبُ الْإِلْصَاقَ فَاسْتُعِيرَ لَهُ وَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الطَّلَاقِ كَانَتْ بِمَعْنَى الشَّرْطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى أَنَّ مَنْ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ــ [كشف الأسرار] فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ كَذَا فِي الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ وَغَيْرِهِ. [مَعْنَى عَلَى] قَوْلُهُ (وَأَمَّا عَلَى) إلَى آخِرِهِ كَلِمَةُ عَلَى وُضِعَتْ لِلِاسْتِعْلَاءِ وَمِنْهُ يُقَالُ فُلَانٌ عَلَيْنَا أَمِيرٌ لِأَنَّ لِلْأَمِيرِ عُلُوًّا وَارْتِفَاعًا عَلَى غَيْرِهِ وَلِهَذَا يُخَاطَبُ بِالْمَجْلِسِ الْعَالِي وَالرَّفِيعِ وَيُقَالُ زَيْدٌ عَلَى السَّطْحِ لِتَعَلِّيهِ عَلَيْهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ عَلَى فُلَانٍ دَيْنٌ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَسْتَعْلِي مَنْ يَلْزَمُهُ وَلِذَا يُقَالُ رَكِبَهُ دَيْنٌ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَصَارَ مَوْضُوعًا لِلْإِيجَابِ وَالْإِلْزَامِ فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَوْضُوعَةً لِلِاسْتِعْلَاءِ وَالِاسْتِعْلَاءُ فِي لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا فِي الْإِيجَابِ دُونَ غَيْرِهِ كَانَتْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْإِيجَابِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ. أَنَّهُ دَيْنٌ أَيْ الثَّابِتُ بِهِ دَيْنٌ لَا غَيْرُ لِأَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ فِيهِ. إلَّا أَنْ يَصِلَ بِهِ الْوَدِيعَةَ فَيَقُولُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ وَدِيعَةٍ فَحِينَئِذٍ لَا يَثْبُتُ الدَّيْنُ لِأَنَّ عَلَى يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْوَدِيعَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِي الْوَدِيعَةِ وُجُوبَ الْحِفْظِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ. وَقَوْلُهُ إنَّهُ دَيْنٌ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَلَوْ قِيلَ بِالْوَاوِ لَكَانَ أَحْسَنَ. وَعِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَوْضَحُ فَإِنَّهُ قَالَ وَأَمَّا عَلَى فَلِلْإِلْزَامِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ لِأَنَّ مَعْنَى حَقِيقَةِ الْكَلِمَةِ مِنْ عُلُوِّ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ وَارْتِفَاعِهِ فَوْقِهِ وَذَلِكَ قَضِيَّةُ الْوُجُوبِ وَاللُّزُومِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَنَّ مُطَلَّقَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَصِلَ بِكَلَامِهِ وَدِيعَةً لِأَنَّ حَقِيقَةَ اللُّزُومِ فِي الدَّيْنِ. ثُمَّ أَنَّهَا قَدْ تُسْتَعَارُ لِلْبَاءِ لِأَنَّ اللُّزُومَ يُنَاسِبُ الْإِلْصَاقَ فَإِنَّ الشَّيْءَ إذَا لَزِمَ الشَّيْءَ كَانَ مُلْتَصِقًا بِهِ لَا مَحَالَةَ وَلِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ يَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُوصِلُ الْفِعْلَ إلَى الِاسْمِ. قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ عَلَى فِي قَوْلِك مَرَرْت عَلَى زَيْدٍ أَوْصَلَ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ مَرَرْت إلَى الِاسْمِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ كَمَا يَفْعَلُ الْبَاءُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِك مَرَرْت بِزَيْدٍ فَكَانَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ فَيَكُونُ لَازِمًا عِنْدَ وُجُودِهِ فَكَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ. فَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْمُفَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ وَهِيَ الَّتِي تَخْلُو عَنْ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ كَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالٍ. وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَنْفَعَةٍ. وَالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ كَانَتْ بِمَعْنَى الْبَاءِ الَّتِي تَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمَّا تَعَذَّرَ بِحَقِيقَتِهَا تُحْمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْمُعَاوَضَاتِ وَهُوَ الْبَاءُ لِمَا بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ مِنْ اللُّزُومِ وَالِاتِّصَالِ فِي الْوُجُوبِ وَلَا تُحْمَلُ عَلَى الشَّرْطِ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ لَا تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالْخَطَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْقِمَارِ فَتُحْمَلُ عَلَى مَا تَحْتَمِلُهُ تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ. وَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الطَّلَاقِ كَانَتْ بِمَعْنَى الشَّرْطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ يَثْبُتُ مَعَ مُقَابِلِهِ بِطَرِيقِ الْمُقَارَنَةِ كَالْأَخِ مَعَ الْأَخِ وَالْجَارِ مَعَ الْجَارِ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُقَابِلًا لِشَيْءٍ قَبْلَ مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إيَّاهُ وَثُبُوتُ الْعِوَضِ مَعَ الْمُعَوَّضِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَمَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الْمُعَاقَبَةِ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ صَاحِبِهِ وَصَاحِبُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ كَالْمَشْرُوطِ مَعَ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الشَّرْطِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَقَّبَهُ الْمَشْرُوطُ ثُمَّ إنَّ أَجْزَاءَ الْعِوَضِ يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمُعَوَّضِ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ ثُبُوتَهُمَا بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ فَيُقَابَلُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْعِوَضِ جُزْءًا مِنْ الْمُعَوَّضِ وَأَجْزَاءُ الشَّرْطِ لَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمَشْرُوطِ وَالشَّرْطِ بِطَرِيقِ الْمُعَاقَبَةِ فَلَوْ ثَبَتَ الِانْقِسَامُ لَزِمَ تَقَدُّمُ جُزْءٍ مِنْ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ وَهَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ تَعَلَّقَتْ الطَّلْقَتَانِ بِدُخُولِ

стр. 490

وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ ثُلُثُ الْأَلْفِ كَمَا فِي قَوْلِهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ كَلِمَةُ (عَلَى) لِلُّزُومِ عَلَى مَا قُلْنَا وَلَيْسَ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَبَيْنَ مَا لَزِمَهَا مُقَابَلَةٌ بَلْ بَيْنَهُمَا مُعَاقَبَةٌ وَذَلِكَ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَإِنْ دَخَلَهُ الْمَالُ فَيَصْلُحُ تَعْلِيقُهُ بِالشُّرُوطِ حَتَّى إنَّ جَانَبَ الزَّوْجَ يَمِينٌ فَيَصِيرُ هَذَا مِنْهَا طَلَبًا لِتَعْلِيقِ الْمَالِ بِشَرْطِ الثُّلُثِ ــ [كشف الأسرار] الدَّارَيْنِ فَلَوْ ثَبَتَ الِانْقِسَامُ تَقَعُ تَطْلِيقَةً بِدُخُولِ إحْدَى الدَّارَيْنِ وَدُخُولُ الدَّارَيْنِ شَرْطٌ وَاحِدٌ فَيَكُونُ بَعْضُ الْمَشْرُوطِ مُتَقَدِّمًا عَلَى الشَّرْطِ وَأَنَّهُ فَاسِدٌ. إذَا عَرَفْت هَذَا قُلْنَا إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ يَحْتَمِلُ عَلَى الشَّرْطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ وَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا. وَعِنْدَهُمَا تُحْمَلُ عَلَى الْبَاءِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً يَجِبُ عَلَيْهَا ثُلُثُ الْأَلْفِ وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا كَمَا لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ لِأَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى مَالِ مُعَاوَضَةٍ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ وَلِهَذَا كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ قَبْلَ كَلَامِ الزَّوْجِ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْمَالُ عَلَيْهَا عِوَضًا عَنْ الطَّلَاقِ وَكَلِمَةُ عَلَى تَحْتَمِلُ مَعْنَى الْبَاءِ أَوْ قَدْ صَدَرَتْ مِنْ جَانِبِهَا فَتُحْمَلُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ لِاحْتِمَالِ الطَّلَاقِ إيَّاهَا وَدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهَا وَصَارَ كَقَوْلِهِ احْمِلْ هَذَا الطَّعَامَ إلَى مَنْزِلِي عَلَى دِرْهَمٍ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْبَاءِ وَكَمَا لَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَطَلَّقَهَا وَحْدَهَا لَزِمَهَا بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهَا مِنْ الْأَلْفِ كَمَا لَوْ قَالَتْ بِأَلْفٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ كَلِمَةُ عَلَى لِلُّزُومِ كَمَا بَيَّنَّا وَلَيْسَ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَهُوَ الطَّلَاقُ وَبَيْنَ مَا لَزِمَهَا وَهُوَ الْأَلْفُ مُقَابَلَةٌ لِيَنْعَقِدَ مُعَاوَضَةً فَتُحْمَلُ عَلَى الْبَاءِ بَلْ بَيْنَهُمَا مُعَاقَبَةٌ لِأَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوَّلًا ثُمَّ يَجِبُ الْمَالُ أَوْ يَجِبُ الْمَالُ ثُمَّ يَقَعُ الطَّلَاقُ. وَذَلِكَ أَيْ التَّعَاقُبُ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فَصَارَ مَعْنَى الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لِلُّزُومِ وَبَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ مُلَازَمَةٌ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى التَّحْقِيقِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْبَاءِ. وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِمَعْنَى الشَّرْطِ هَاهُنَا. لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَإِنْ دَخَلَهُ الْمَالُ وَالْمَالُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ يَصْلُحُ تَعْلِيقُهُ بِالشُّرُوطِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ صَحَّ وَلَمْ يَمْنَعْ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ عَنْ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَيَصْلُحُ زَائِدَةٌ وَقَعَتْ غَيْرَ مَوْقِعِهَا لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي خَبَرَانِ. حَتَّى إنْ جَانَبَ الزَّوْجَ يَمِينٌ يَعْنِي لَوْ ابْتَدَأَ الزَّوْجُ فَقَالَ طَلَّقْتُك ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ كَلَامِ الْمَرْأَةِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَجْلِسِ الزَّوْجِ وَلَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا بِأَنْ قُدِّرَ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فِيهِ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ الْتَزَمْت أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَعَرَفْنَا أَنَّ دُخُولَ الْمَالِ فِي الطَّلَاقِ لَا يَمْنَعُ مَعْنَى التَّعْلِيقِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُجْعَلُ قَوْلُهَا طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ تَعْلِيقًا لِوُجُوبِ الْمَالِ بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ كَأَنَّهَا قَالَتْ إنْ طَلَّقْتنِي ثَلَاثًا فَلَكَ أَلْفٌ وَطَلَبًا مِنْ الزَّوْجِ إيجَادَ هَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ الثَّلَاثُ. فَإِذَا خَالَفَ أَيْ الزَّوْجُ أَمْرَهَا لَمْ يَجِبْ الْمَالُ كُلُّهُ لِعَدَمِ الشَّرْطِ وَهُوَ الثَّلَاثُ وَلَا بَعْضُهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ انْقِسَامِ الْمَشْرُوطِ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرْطِ هَذَا تَقْرِيرُ مَا فِي الْكِتَابِ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ. وَفِي لَفْظِ الشَّيْخِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ فَإِنَّهُ قَالَ فَيَصِيرُ هَذَا أَيْ قَوْلُهَا طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ مِنْهَا طَلَبًا لِتَعْلِيقِ الْمَالِ بِشَرْطِ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ تَعْلِيقُ الِالْتِزَامِ بِالطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْغَرَضِ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا تَحْصِيلُ الثَّلَاثِ بِالْمَالِ فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ إنْ طَلَّقْتنِي ثَلَاثًا فَلَكَ أَلْفٌ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فَيَصِيرُ هَذَا تَعْلِيقًا لِلُّزُومِ الْمَالِ بِالثَّلَاثِ. وَلَا مُطَابِقَةَ أَيْضًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَإِنْ دَخَلَهُ الْمَالُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشُّرُوطِ. وَفِي التَّحْقِيقِ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ الدَّاخِلِ فِيهِ الْمَالِ بِشَرْطٍ بِوَجْهٍ بَلْ هُوَ تَعْلِيقُ الْتِزَامِ الْمَالِ بِالثَّلَاثِ

стр. 491

فَإِذَا خَالَفَ لَمْ يَجِبْ وَفِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ يَسْتَحِيلُ مَعْنَى الشَّرْطِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ ــ [كشف الأسرار] وَطَلَبُ إيجَادِ الشَّرْطِ مِنْ الزَّوْجِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْتِزَامِ الْمَالِ مِنْ الْمَرْأَةِ بِشَرْطِ الطَّلَاقِ يَصِحُّ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِي الْآخِرَةِ فَيَصِيرُ هَذَا مِنْهَا تَعْلِيقًا لِلْمَالِ بِشَرْطِ الثَّلَاثِ فِي ضِمْنِ الطَّلَبِ فَإِذَا خَالَفَ لَمْ يَجِبْ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ عَلَى بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّ أَصْلَهَا اللُّزُومُ فَاسْتُعِيرَتْ لِلشَّرْطِ لِأَنَّهُ يُلَازِمُ الْجَزَاءَ فَصَارَتْ طَالِبَةً لِلثَّلَاثِ بِأَلْفٍ بِكَلِمَةٍ هِيَ لِلشَّرْطِ وَصَارَ بِحُكْمِ الِاتِّحَادِ دُخُولُهَا عَلَى الْمَالِ مِثْلَ دُخُولِهَا عَلَى الطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَتْ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي ثَلَاثًا وَهُنَاكَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ إلَّا بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ حَقِيقَةَ كَلِمَةِ عَلَى لِإِثْبَاتِ الْجَزَاءِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ لَا لِإِثْبَاتِ الْعِوَضِ كَقَوْلِك أَكْرِمْنِي عَلَى أَنْ أُكْرِمَك مَعْنَاهُ إنْ أَكْرَمْتنِي أُكْرِمْك فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْإِيجَابَاتِ أَوْ الْعِدَّاتِ لَا تَقْتَضِي مُقَابَلَةً فَلَا يَجِبُ الْمَالُ بِهِ وُجُوبُ الْأَعْوَاضِ بَلْ يَجِبُ بِهِ وُجُوبُ الْأَجْزِئَةِ مَعَ الشُّرُوطِ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ لِلشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اقْتَضَى تَعَلُّقَ وُجُوبِ الْمَالِ بِالطَّلَاقِ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاقَبَةِ كَمَا لَوْ قَالَتْ إنْ طَلَّقْتنِي فَلَكَ أَلْفٌ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَوَزَّعْ. بِخِلَافِ الْبَاءِ فَإِنَّهَا لِلْمُقَابَلَةِ فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ الْمُقَابَلَةَ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُبَدَّلَ وَهُوَ الطَّلَاقُ لَيْسَ بِصَالِحٍ لَكِنْ يُثْبِتُ التَّوْزِيعَ كَيْ لَا يَبْطُلَ الْعَمَلُ بِهِ أَصْلًا. وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهَا عَلَى الْمُقَابَلَةِ فِي مَسْأَلَةِ طَلَاقِ الضَّرَّةِ مَعَهَا عَلَى أَلْفٍ لِأَنَّا إنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْجَزَاءِ وَالْمُعَاقَبَةِ كَانَ الْبَدَلُ كُلُّهُ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ قَالَتْ إنْ طَلَّقْتنَا فَلَكَ أَلْفٌ وَإِنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْمُقَابَلَةِ وَجَبَ بَعْضُ الْبَدَلِ عَلَيْهَا إذَا قُبِلَتْ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهَا إلَّا النِّصْفُ فَدَلَّ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهَا عَلَى إرَادَةِ الْمُقَابَلَةِ لِتَسْتَفِيدَ بِهَذَا الطَّلَبِ نُقْصَانَ الْبَدَلِ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهَا فِي طَلَاقِ الضَّرَّةِ بَعْدَ طَلَاقِهَا فَأَمَّا هَاهُنَا فَالْفَائِدَةُ لَهَا أَكْثَرُ فِي أَنْ يَجْعَلَ الْأَلْفَ جَزَاءً حَتَّى لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ بِبَعْضِ الطَّلَاقِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا وَادَعَ أَهْلَ الْحَرْبِ سَنَةً عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ جَازَتْ الْمُوَادَعَةُ. فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي إبْطَالِهَا رَدَّ الْمَالَ إلَيْهِمْ ثُمَّ نَبَذَ إلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ. وَإِنْ كَانَ مَضَى نِصْفُ السَّنَةِ فَفِي الْقِيَاسِ يَرُدُّ نِصْفَ الْمَالِ وَيُمْسِكُ النِّصْفَ لِلْمُسْلِمِينَ اعْتِبَارًا بِالْإِجَارَةِ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرُدُّ الْكُلَّ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا الْمَالَ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُمْ الْمُوَادَعَةَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ وَالْجَزَاءُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ جُمْلَةً وَلَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَائِهِ وَكَلِمَةُ عَلَى لِلشَّرْطِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمُوَادَعَةُ فِي الْأَصْلِ لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فَجَعَلْنَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَامِلَةً فِيهَا بِحَقِيقَتِهَا فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمَ لَهُمْ الْمُوَادَعَةَ سَنَةً كَامِلَةً وَجَبَ رَدُّ الْمَالِ كُلِّهِ عَلَيْهِمْ. وَإِنْ كَانَ وَادَعَهُمْ ثَلَاثَ سِنِينَ كُلَّ سَنَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَقَبَضَ الْمَالَ كُلَّهُ ثُمَّ أَرَادَ الْإِمَامُ نَقْضَ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ الْأَلْفَيْنِ لِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ هَاهُنَا بِحَرْفِ الْبَاءِ وَهِيَ تَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ فَيَنْقَسِمُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُعَوَّضِ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ وَفِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ يَسْتَحِيلُ مَعْنَى الشَّرْطِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْلِيقِ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ وَهُوَ فَاسِدٌ بِخِلَافِ تَعْلِيقِ الْمَالِ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّ الْمَالَ وَجَبَ فِي ضِمْنِ مَا يَصِحُّ فِيهِ التَّعْلِيقُ وَمَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ شَيْءٍ لَا يُعْطِي لَهَا حُكْمَ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُعْطِي لَهُ حُكْمَ الْمُتَضَمَّنِ كَذَا قِيلَ. فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ

стр. 492

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وَقَالَ ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] . وَأَمَّا مِنْ فَلِلتَّبْعِيضِ هُوَ أَصْلُهَا وَمَعْنَاهَا الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ لِمَا قُلْنَا وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسَائِلَهَا فِي قَوْلِهِ أَعْتِقْ مِنْ عَبِيدِي مَنْ شِئْت وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ وَمَسَائِلُهُ كَثِيرَةٌ. ــ [كشف الأسرار] وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى الْبَاءِ قَوْلُهُ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] . أَيْ أَنِّي جَدِيرٌ بِأَمْرِ الرِّسَالَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] . أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. فَأَمَّا أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فَلَمْ يَذْكُرُوا مَعْنَى الشَّرْطِ فِيهِ فَقَالُوا مَعْنَاهُ جَدِيرٌ بِأَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ. أَوْ ضَمِنَ حَقِيقٌ مَعْنَى حَرِيصٍ فَاسْتَقَامَ عَلَى صِلَةٍ لَهُ. أَوْ هُوَ مُبَالَغَةٌ مِنْ مُوسَى ﵇ فِي وَصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَالَ لَهُ لَمَّا قَالَ ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤] كَذَبْت فَيَقُولُ أَنَا حَقِيقٌ عَلَى قَوْلِ الْحَقِّ أَيْ وَاجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الْحَقِّ أَنْ أَكُونَ قَائِلَهُ وَالْقَائِمَ بِهِ وَلَا يَرْضَى إلَّا بِمِثْلِي نَاطِقًا بِهِ. وَكَذَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] . أَنَّ عَلَى صِلَةُ الْمُبَايَعَةِ يُقَالُ بَايَعَهُ عَلَى كَذَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَدَّى إلَى مَعْنَى الشَّرْطِ إذْ الْمُبَايَعَةُ تَوْكِيدٌ كَالشَّرْطِ، تَوَسَّعَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ وَقَالُوا إنَّهُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ. [مَعْنَى مِنْ] قَوْلُهُ (فَأَمَّا مِنْ فَلِلتَّبْعِيضِ) ذَكَرَ النُّحَاةُ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ يُقَالُ سِرْت مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْبَصْرَةِ وَهَذَا الْكِتَابُ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ. وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِهِمْ أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِمِ وَزَيْدٌ مِنْ الْقَوْمِ. وَلِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] . وَكَقَوْلِهِمْ: خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ وَبَابٌ مِنْ سَاجٍ. وَقَدْ تَكُونُ مَزِيدَةً كَقَوْلِك مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ الْكُلُّ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَإِنَّ قَوْلَك أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِمِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ مَوْضِعُ أَخْذِك وَابْتِدَاءُ غَايَتِهِ كَمَا أَنَّ قَوْلَك سِرْت مِنْ الْبَصْرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَصْرَةِ مَنْشَأُ سَيْرِك غَيْرَ أَنَّهَا فِي الدَّرَاهِمِ أَفَادَتْ التَّبْعِيضَ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ فِيهَا وَلَمْ تَفْدِهِ فِي قَوْلِك سِرْت مِنْ الْبَصْرَةِ لِأَنَّك إذَا فَارَقْتهَا فَقَدْ فَارَقْت جَمِيعَ نَوَاحِيهَا إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَارِجًا مِنْهَا وَغَيْرَ خَارِجٍ. وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ [الحج: ٣٠] إذْ الرِّجْسُ مِنْ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهَا فَلَمَّا قَالَ مِنْ الْأَوْثَانِ بَيَّنَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَجَعَلَ مَبْدَأَ الِاجْتِنَابِ الْأَوْثَانَ. وَكَذَا قَوْلُك مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ مَعْنَاهُ مِنْ وَاحِدٍ هَذَا الْجِنْسُ إلَى إقْصَاءٍ فَيَكُونُ مَعْنَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ مُسْتَفَادًا مِنْ الْجَمِيعِ كَمَا تَرَى. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مَعْنَاهَا ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ فَقَطْ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي جَامِعِهِ أَيْضًا أَنَّ كَلِمَةَ مِنْ لَيْسَتْ عَيْنُهَا بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ وَلِلِانْتِزَاعِ وَابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَصَارَتْ لِلتَّبْعِيضِ. وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَمَّا وَجَدَهَا أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا فِي التَّبْعِيضِ جَعَلُوهَا فِيهِ أَصِيلًا وَفِيمَا سِوَاهُ دَخِيلًا وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ هَاهُنَا فَقَالَ هُوَ أَصْلُهَا وَمَعْنَاهُ الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ لَمَّا قُلْنَا إنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَجَعَلْنَاهَا لِلتَّبْعِيضِ لِيَكُونَ لَهُ مَعْنًى يَخُصُّهُ. وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ وَابْتِدَاءِ الْغَايَةِ جَمِيعًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَوْضِعِهِ حَقِيقَةٌ. وَمَسَائِلُهُ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ: رَجُلٌ قَالَ إنْ كَانَ مَا فِي يَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ إلَّا ثَلَاثَةً أَوْ غَيْرَ ثَلَاثَةٍ أَوْ سِوَى ثَلَاثَةٍ فَجَمِيعُ مَا فِي يَدِي صَدَقَةٌ فِي الْمَسَاكِينِ فَإِذَا فِي يَدِهِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ أَوْ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ لَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وَلَوْ قَالَ إنْ كَانَ فِي يَدِي دَرَاهِمُ إلَّا ثَلَاثَةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ حِنْثِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ مَا يَكُونُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدِّرْهَمُ

стр. 493

وَأَمَّا إلَى فَلِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ لِذَلِكَ وُضِعَتْ وَلِذَلِكَ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْآجَالِ وَإِذَا دَخَلَتْ فِي الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ فَإِنْ نَوَى التَّنْجِيزَ وَقَعَ وَإِنْ نَوَى الْإِضَافَةَ تَأَخَّرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَعَ لِلْحَالِ عِنْدَ زُفَرَ ﵀ لِأَنَّ إلَى لِلتَّأْجِيلِ وَالتَّأْجِيلُ لَا يَمْنَعُ الْوُقُوعَ وَقُلْنَا إنَّ التَّأْجِيلَ لِتَأْخِيرِ مَا يَدْخُلُهُ وَهُنَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ فَأَوْجَبَ تَأْخِيرَهُ ــ [كشف الأسرار] وَالدِّرْهَمَانِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَجَعَلَ شَرْطَ حِنْثِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ مِمَّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ. [مَعْنَى إلَى] قَوْلُهُ (وَأَمَّا إلَى فَلِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ) هَذِهِ الْكَلِمَةُ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ عَلَى مُقَابَلَةِ مِنْ يُقَالُ سِرْت مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ فَالْكُوفَةُ مُنْقَطَعِ السَّيْرِ كَمَا كَانَتْ الْبَصْرَةُ مُبْتَدَأً. وَيَقُولُ الرَّجُلُ إنَّمَا أَنَا إلَيْك أَيْ أَنْتَ غَايَتِي وَتَقُولُ قُمْت إلَى فُلَانٍ فَتَجْعَلُهُ مُنْتَهَاك مِنْ مَكَانِك هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ فِي اللُّغَةِ. وَقَدْ يَجِيءُ لِمَعْنَى الْمُصَاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وَقَوْلُهُمْ الذَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ لَكِنَّهُ رَاجِعٌ فِي التَّحْقِيقِ إلَى مَعْنَى الِانْتِهَاءِ أَيْضًا فَإِنَّ الْأَكْلَ فِي الْآيَةِ ضَمِنَ مَعْنَى الضَّمِّ إذْ النَّهْيُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَكْلِ فَعُدِّيَ بِإِلَى أَيْ لَا تَضُمُّوهَا إلَى أَمْوَالِكُمْ فِي الْإِنْفَاقِ حَتَّى لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ أَمْوَالِكُمْ وَأَمْوَالِهِمْ، قِلَّةُ مُبَالَاةٍ بِمَا لَا يَحِلُّ وَتَسْوِيَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَلَالِ. أَوْ الْمَعْنَى لَا يَنْتَهِ أَكْلُ أَمْوَالِهِمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ فَيَكُونُ إلَى صِلَةُ فِعْلِ الِانْتِهَاءِ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الذَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ الذَّوْدُ مُنْضَمًّا إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ. وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ اُسْتُعْمِلَتْ فِي آجَالِ الدُّيُونِ لِأَنَّ آجَالَ الدُّيُونِ غَايَاتُهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ إلَى إذَا دَخَلَتْ فِي الْأَزْمِنَةِ قَدْ تَكُونُ لِلتَّوْقِيتِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّأْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ. وَمَعْنَى التَّوْقِيتِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ وَيَنْتَهِي بِالْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَلَوْلَا الْغَايَةُ لَكَانَ ثَابِتًا فِيمَا وَرَائِهَا أَيْضًا كَقَوْلِك وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إلَى شَهْرٍ كَانَ ذِكْرُ الشَّهْرِ لِتَوْقِيتِ الْيَمِينِ إذْ لَوْلَاهُ لَكَانَتْ مُؤَبَّدَةً وَكَذَلِكَ قَوْلُك آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ إلَى شَهْرٍ. وَمَعْنَى التَّأْخِيرِ وَالتَّأْجِيلِ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّيْءُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ مَعَ وُجُودِ مَا يُوجِبْ ثُبُوتُهُ ثُمَّ يَثْبُتُ بَعْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ وَلَوْلَا الْغَايَةُ لَكَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ أَيْضًا كَالْبَيْعِ إلَى شَهْرٍ فَإِنَّهُ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ إلَى مُضِيِّ الشَّهْرِ وَلَوْلَاهُ لَكَانَتْ الْمُطَالَبَةُ ثَابِتَةً فِي الْحَالِ وَبَعْدَ الشَّهْرِ أَيْضًا مَا لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ وَنَوَى التَّنْجِيزَ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ وَيَلْغُو آخِرَ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ وَيَنْتَهِيَ بِمُضِيِّ الشَّهْرِ وَالطَّلَاقُ لَا يَقْبَلُ التَّوْقِيتَ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَلْغُو التَّوْقِيتُ. وَإِنْ نَوَى التَّأْخِيرَ يَتَأَخَّرُ الْوُقُوعُ إلَى مُضِيِّ الشَّهْرِ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ إذْ الطَّلَاقُ يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَإِلَى تُسْتَعْمَلُ فِي التَّأْخِيرِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي التَّوْقِيتِ فَصَارَ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مُؤَخَّرًا إلَى شَهْرٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَعَ لِلْحَالِ عِنْدَ زُفَرَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ إلَى لِلتَّأْجِيلِ أَوْ لِلتَّوْقِيتِ وَكُلُّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِوُجُودٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُجُودِ لِلْحَالِ ثُمَّ يَلْغُو الْوَصْفُ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ يَثْبُتُ الْأَلْفُ لِلْحَالِ وَيَتَأَجَّلُ بَعْدَ الثُّبُوتِ. وَعِنْدَنَا يَتَأَخَّرُ الْوُقُوعُ إلَى مُضِيِّ الشَّهْرِ لِأَنَّ إلَى كَمَا تَدْخُلُ فِي الشَّيْءِ لِتَوْقِيتِهِ تَدْخُلُ لِتَأْجِيلِ الثُّبُوتِ أَيْضًا فَيَصِيرُ كَالْمُتَعَلَّقِ بِهِ وَالطَّلَاقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ وَالتَّأْخِيرَ فَأَمَّا الْإِيقَاعُ فَيَقْبَلُهُ فَانْصَرَفَ الْأَجَلُ إلَيْهِ كَيْ لَا يَكُونَ إبْطَالًا لَهُ وَهُوَ كَالنِّصَابِ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَمَّا أُجِّلَ بِحَوْلٍ تَأَجَّلَ الْوُجُوبُ لَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ لَا تَقْبَلُ الْأَجَلَ وَالْوُجُوبُ نَفْسُهُ يَقْبَلُهُ فَعَمِلَ الْأَجَلُ عَمَلَهُ فِيمَا يَقْبَلُهُ. بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ لِأَنَّ الْأَلْفَ مِمَّا يَتَأَجَّلُ قَبْضُهُ فَانْصَرَفَ إلَيْهِ وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى الْوُجُوبِ

стр. 494

وَالْأَصْلُ فِي الْغَايَةِ إذَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحُكْمِ مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ إلَى هَذَا الْبُسْتَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلَّا أَنْ يَكُونَ صَدْرُ الْكَلَامِ يَقَعُ عَلَى الْجُمْلَةِ فَيَكُونُ الْغَايَةُ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَهَا فَيَبْقَى دَاخِلًا بِمُطْلَقِ الِاسْمِ مِثْلَ مَا قُلْنَا فِي الْمَرَافِقِ ــ [كشف الأسرار] وَبِخِلَافِ الْيَمِينِ الْمُوَقِّتَةِ إلَى شَهْرٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ ثَابِتَةٌ لِلْحَالِ وَتَقْبَلُ التَّوْقِيتَ فَتَتَوَقَّتُ كَالْإِجَارَةِ فَأَمَّا انْعِقَادُ الْيَمِينِ فَلَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ وَانْعَقَدَ لِلْحَالِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. وَبَيَانُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ التَّأْجِيلَ لِتَأْخِيرِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ كَتَأْجِيلِ الدَّيْنِ وَهَاهُنَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَى شَهْرٍ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَمَا دَخَلَ قَوْلُهُ بِعْتُك بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ فِي الْأَلْفِ إلَّا أَنَّ ثُبُوتَ نَفْسِ الدَّيْنِ لَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ فَانْصَرَفَ إلَى الْمُطَالَبَةِ وَثُبُوتُ الطَّلَاقِ يَقْبَلُهُ فَانْصَرَفَ التَّأْجِيلُ إلَيْهِ فَأَوْجَبَ تَأْخِيرُهُ قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي الْغَايَةِ) إلَى آخِرِهِ لَمَّا كَانَ بَعْضُ الْغَايَاتِ الثَّابِتَةِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ غَيْرَ دَاخِلَةٍ فِي حُكْمِ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي الصِّيَامِ وَبَعْضُهَا دَاخِلَةً فِيهِ كَالْمِرْفَقِ فِي غَسْلِ الْيَدِ لَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ لِذَلِكَ. فَقَالَ الْأَصْلُ فِيهَا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا بِأَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّكَلُّمِ وَلَا تَكُونَ مُفْتَقِرَةً فِي وُجُودِهَا إلَى الْمُغَيَّا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ لَهُ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَتْبِعَهَا الْمُغَيَّا مِثْلَ قَوْلِهِ بِعْت مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ إلَى هَذَا الْبُسْتَانِ. وَقَوْلُهُ لِفُلَانٍ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّ الْغَايَتَيْنِ لَا تَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] . حَيْثُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى تَحْتَ الْإِسْرَاءِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى. لِأَنَّا نَقُولَ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ لَا بِمُوجِبِ هَذَا الْكَلَامِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحُكْمِ أَيْ لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ تَحْتَ حُكْمِ الْمُغَيَّا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا إلَّا إذَا كَانَ صَدْرُ الْكَلَامِ وَاقِعًا عَلَى الْجُمْلَةِ أَيْ الْمُغَيَّا وَالْغَايَةُ جَمِيعًا فَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَمَّا كَانَ وَاقِعًا عَلَى الْجُمْلَةِ قَبْلَ ذِكْرِ الْغَايَةِ وَبَعْدَ ذِكْرِهَا لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْبَعْضَ مِنْهَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ الْغَايَةِ إسْقَاطَ مَا وَرَاءَهَا ضَرُورَةً وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الْغَايَةِ فَبَقِيَ دَاخِلًا تَحْتَ صَدْرِ الْكَلَامِ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ إيَّاهُ. مِثْلُ مَا قُلْنَا فِي الْمَرَافِقِ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْغُسْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِ الْمَرَافِقِ إسْقَاطُ مَا وَرَائِهَا إذْ لَوْلَا ذِكْرُهَا لَاسْتَوْعَبَتْ الْوَظِيفَةُ كُلَّ الْيَدِ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْإِسْقَاطِ بَلْ بَقِيَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ الْوُجُوبِ بِمُطْلَقِ اسْمِ الْيَدِ وَلِهَذَا فَهِمَتْ الصَّحَابَةُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَيْدِي فِي التَّيَمُّمِ الْأَيْدِيَ إلَى الْإِبَاطِ كَذَا فِي بُيُوعِ الْمَبْسُوطِ. فَإِنْ قِيلَ لَا بُدَّ لِلْجَارِ وَالْمَجْرُورِ مِنْ مُتَعَلِّقٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ غَايَةً لِلْإِسْقَاطِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ وَلَا مُضْمَرٍ. قُلْنَا تَعَلُّقُ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ بِالْغُسْلِ ظَاهِرًا وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِسْقَاطُ دُونَ مَدِّ الْحُكْمِ كَمَا قَالَ زُفَرُ ﵀ فَالْمِرْفَقُ غَايَةٌ لِلْغُسْلِ لَفْظًا وَظَاهِرًا وَغَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ مَعْنًى وَمَقْصُودًا وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي دُونَ الظَّوَاهِرِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَلِمَةَ إلَى تُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا مِنْهُ فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ. فَمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْخُرُوجِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] . لِأَنَّ الْإِعْسَارَ عِلَّةُ الْإِنْظَارِ وَبِوُجُودِ الْمَيْسَرَةِ تَزُولُ الْعِلَّةُ وَلَوْ دَخَلَتْ الْمَيْسَرَةُ فِيهِ لَكَانَ مُنْظَرًا فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا فَتَبْطُلُ الْغَايَةُ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . إذْ لَوْ دَخَلَ لَوَجَبَ الْوِصَالُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الدُّخُولِ قَوْلُك قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ سِيقَ لِحِفْظِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ فَقَوْلُهُ إلَى الْمَرَافِقِ وَإِلَى الْكَعْبَيْنِ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَأَخَذَ

стр. 495

وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْغَايَةِ فِي الْخِيَارِ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَكَذَلِكَ فِي الْآجَالِ فِي الْأَيْمَانِ فِي رِوَايَةِ حَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ ــ [كشف الأسرار] عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ بِالِاحْتِيَاطِ فَحَكَمُوا بِدُخُولِهَا فِي الْغُسْلِ وَأَخَذَ زُفَرُ وَدَاوُد بِالْمُتَيَقِّنِ فَلَمْ يُدْخِلَاهَا. وَلِهَذَا أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّدْرَ إذَا كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْجُمْلَةِ تَدْخُلُ الْغَايَةُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إلَى الْغَدِ أَوْ إلَى اللَّيْلِ أَوْ إلَى الظُّهْرِ تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّ الْغَايَةَ هَاهُنَا حَدُّ الْإِسْقَاطِ فَإِنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ مُطْلَقًا يَثْبُتُ الْخِيَارُ مُؤَبَّدًا وَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ الْخِيَارَ فِي الثَّلَاثِ عِنْدَهُ وَبَعْدَ أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ عِنْدَهُمَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مُنْعَقِدٌ بِصِفَةِ الْفَسَادِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَهَا فَتَبْقَى دَاخِلَةً تَحْتَ الْجُمْلَةِ كَالْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ. بِخِلَافِ الْأَجَلِ فِي الدَّيْنِ لِأَنَّ الْغَايَةَ فِيهِ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَى مَوْضِعِ الْغَايَةِ لِأَنَّ الْأَجَلَ لِلتَّرْفِيَةِ فَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّرْفِيَةُ. وَبِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْغَايَةَ فِيهَا لَا تَدْخُلُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا عَقْدُ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ فَمُطْلَقُهَا لَا يُوجِبُ إلَّا أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ وَلِأَجْلِ الْجَهَالَةِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فَكَانَ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِبَيَانِ مِقْدَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِمَدِّ الْحُكْمِ إلَى مَوْضِعِ الْغَايَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّ الْغَدَ جُعِلَ غَايَةً وَالْأَصْلُ أَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الصَّدْرِ إلَّا بِدَلِيلِ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ غَايَةً لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْتَهِي إلَيْهَا دَلَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ إلَى اللَّيْلِ وَالْأَكْلُ إلَى الْفَجْرِ وَلِهَذَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ إلَى رَمَضَانَ أَوْ بَاعَ بِأَجَلٍ إلَى رَمَضَانَ أَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إلَى رَمَضَانَ لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ تَحْتَ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ غَايَةٌ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْنَا الْمَرَافِقُ فَإِنَّهَا دَخَلَتْ تَحْتَ الْجُمْلَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ عَلَّمَ الْوُضُوءَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ غَسَلَ الْمَرَافِقَ هَكَذَا حَكَى الْحَاكِي الْوُضُوءَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَذْهَبَهُمَا أَوْضَحُ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَى غَدٍ قُرِنَ بِالْخِيَارِ فَصَارَ مَدًّا لِلْخِيَارِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمِرْفَقُ قُرِنَ بِالْغُسْلِ وَالْكَلَامُ إذَا قُرِنَ بِهِ غَايَةٌ أَوْ اسْتِثْنَاءٌ أَوْ شَرْطٌ لَا يُعْتَبَرُ بِالْمَفْصُولِ عَنْ الْقَيْدِ ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالْقَيْدِ عَنْ حَالِ الْإِطْلَاقِ بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَ الْقَيْدِ جُمْلَةً وَاحِدَةً لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ لِلشَّرْطِ وَمَتَى جُعِلَ كَلَامًا وَاحِدًا لِلْإِيجَابِ إلَى غَدٍ لَا الْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ فَلَا يَثْبُتَانِ إلَّا بِنَصَّيْنِ وَالنَّصُّ مَعَ الْغَايَةِ نَصٌّ وَاحِدٌ. وَلِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْيَمِينِ لَازِمَةٌ عَلَى طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ دُونَ رِوَايَةِ الْحَسَنِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ فِي الْآجَالِ فِي الْأَيْمَانِ) أَيْ وَكَمَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي الْجُمْلَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ عِنْدَهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى تَدْخُلُ الْآجَالَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْأَيْمَانِ أَيْضًا بِأَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا إلَى رَجَبٍ أَوْ إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى الْغَدِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِنَّ مُطْلَقَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَائِهَا. وَلَا تَدْخُلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ فِي حُرْمَةِ الْكَلَامِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْكَلَامِ فِي مَوْضِعِ الْغَايَةِ شَكًّا كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالتَّأْبِيدَ بَلْ مُطْلَقُهُ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَاسْمِ الصِّيَامِ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى الْإِمْسَاكِ وَاقْتِضَاؤُهُ لِلتَّأْبِيدِ فِي قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ بِالْعَارِضِ وَهُوَ وُقُوعُهُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لَا بِأَصْلِ الْوَضْعِ فَكَانَ عِنْدَنَا فِي حُكْمِ الْغَايَةِ لِأَنَّ كَوْنَ الْغَايَةِ لِلْمَدِّ أَوْ لِلْإِسْقَاطِ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ
следующие страницы →