Полный текст (1 522 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فَإِذَا خَالَفَ لَمْ يَجِبْ وَفِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ يَسْتَحِيلُ مَعْنَى الشَّرْطِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَطَلَبُ إيجَادِ الشَّرْطِ مِنْ الزَّوْجِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْتِزَامِ الْمَالِ مِنْ الْمَرْأَةِ بِشَرْطِ الطَّلَاقِ يَصِحُّ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِي الْآخِرَةِ فَيَصِيرُ هَذَا مِنْهَا تَعْلِيقًا لِلْمَالِ بِشَرْطِ الثَّلَاثِ فِي ضِمْنِ الطَّلَبِ فَإِذَا خَالَفَ لَمْ يَجِبْ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ عَلَى بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّ أَصْلَهَا اللُّزُومُ فَاسْتُعِيرَتْ لِلشَّرْطِ لِأَنَّهُ يُلَازِمُ الْجَزَاءَ فَصَارَتْ طَالِبَةً لِلثَّلَاثِ بِأَلْفٍ بِكَلِمَةٍ هِيَ لِلشَّرْطِ وَصَارَ بِحُكْمِ الِاتِّحَادِ دُخُولُهَا عَلَى الْمَالِ مِثْلَ دُخُولِهَا عَلَى الطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَتْ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي ثَلَاثًا وَهُنَاكَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ إلَّا بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ حَقِيقَةَ كَلِمَةِ عَلَى لِإِثْبَاتِ الْجَزَاءِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ لَا لِإِثْبَاتِ الْعِوَضِ كَقَوْلِك أَكْرِمْنِي عَلَى أَنْ أُكْرِمَك مَعْنَاهُ إنْ أَكْرَمْتنِي أُكْرِمْك فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْإِيجَابَاتِ أَوْ الْعِدَّاتِ لَا تَقْتَضِي مُقَابَلَةً فَلَا يَجِبُ الْمَالُ بِهِ وُجُوبُ الْأَعْوَاضِ بَلْ يَجِبُ بِهِ وُجُوبُ الْأَجْزِئَةِ مَعَ الشُّرُوطِ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ لِلشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اقْتَضَى تَعَلُّقَ وُجُوبِ الْمَالِ بِالطَّلَاقِ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاقَبَةِ كَمَا لَوْ قَالَتْ إنْ طَلَّقْتنِي فَلَكَ أَلْفٌ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَوَزَّعْ.
بِخِلَافِ الْبَاءِ فَإِنَّهَا لِلْمُقَابَلَةِ فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ الْمُقَابَلَةَ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُبَدَّلَ وَهُوَ الطَّلَاقُ لَيْسَ بِصَالِحٍ لَكِنْ يُثْبِتُ التَّوْزِيعَ كَيْ لَا يَبْطُلَ الْعَمَلُ بِهِ أَصْلًا. وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهَا عَلَى الْمُقَابَلَةِ فِي مَسْأَلَةِ طَلَاقِ الضَّرَّةِ مَعَهَا عَلَى أَلْفٍ لِأَنَّا إنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْجَزَاءِ وَالْمُعَاقَبَةِ كَانَ الْبَدَلُ كُلُّهُ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ قَالَتْ إنْ طَلَّقْتنَا فَلَكَ أَلْفٌ وَإِنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى الْمُقَابَلَةِ وَجَبَ بَعْضُ الْبَدَلِ عَلَيْهَا إذَا قُبِلَتْ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهَا إلَّا النِّصْفُ فَدَلَّ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهَا عَلَى إرَادَةِ الْمُقَابَلَةِ لِتَسْتَفِيدَ بِهَذَا الطَّلَبِ نُقْصَانَ الْبَدَلِ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهَا فِي طَلَاقِ الضَّرَّةِ بَعْدَ طَلَاقِهَا فَأَمَّا هَاهُنَا فَالْفَائِدَةُ لَهَا أَكْثَرُ فِي أَنْ يَجْعَلَ الْأَلْفَ جَزَاءً حَتَّى لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ بِبَعْضِ الطَّلَاقِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا وَادَعَ أَهْلَ الْحَرْبِ سَنَةً عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ جَازَتْ الْمُوَادَعَةُ. فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي إبْطَالِهَا رَدَّ الْمَالَ إلَيْهِمْ ثُمَّ نَبَذَ إلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ. وَإِنْ كَانَ مَضَى نِصْفُ السَّنَةِ فَفِي الْقِيَاسِ يَرُدُّ نِصْفَ الْمَالِ وَيُمْسِكُ النِّصْفَ لِلْمُسْلِمِينَ اعْتِبَارًا بِالْإِجَارَةِ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرُدُّ الْكُلَّ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا الْمَالَ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُمْ الْمُوَادَعَةَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ وَالْجَزَاءُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ جُمْلَةً وَلَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَائِهِ وَكَلِمَةُ عَلَى لِلشَّرْطِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمُوَادَعَةُ فِي الْأَصْلِ لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فَجَعَلْنَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَامِلَةً فِيهَا بِحَقِيقَتِهَا فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمَ لَهُمْ الْمُوَادَعَةَ سَنَةً كَامِلَةً وَجَبَ رَدُّ الْمَالِ كُلِّهِ عَلَيْهِمْ. وَإِنْ كَانَ وَادَعَهُمْ ثَلَاثَ سِنِينَ كُلَّ سَنَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَقَبَضَ الْمَالَ كُلَّهُ ثُمَّ أَرَادَ الْإِمَامُ نَقْضَ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ الْأَلْفَيْنِ لِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ هَاهُنَا بِحَرْفِ الْبَاءِ وَهِيَ تَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ فَيَنْقَسِمُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُعَوَّضِ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ وَفِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ يَسْتَحِيلُ مَعْنَى الشَّرْطِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْلِيقِ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ وَهُوَ فَاسِدٌ بِخِلَافِ تَعْلِيقِ الْمَالِ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّ الْمَالَ وَجَبَ فِي ضِمْنِ مَا يَصِحُّ فِيهِ التَّعْلِيقُ وَمَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ شَيْءٍ لَا يُعْطِي لَهَا حُكْمَ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُعْطِي لَهُ حُكْمَ الْمُتَضَمَّنِ كَذَا قِيلَ. فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمَجَازِهِ
стр. 492
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وَقَالَ ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] .
وَأَمَّا مِنْ فَلِلتَّبْعِيضِ هُوَ أَصْلُهَا وَمَعْنَاهَا الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ لِمَا قُلْنَا وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسَائِلَهَا فِي قَوْلِهِ أَعْتِقْ مِنْ عَبِيدِي مَنْ شِئْت وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ وَمَسَائِلُهُ كَثِيرَةٌ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى الْبَاءِ قَوْلُهُ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] . أَيْ أَنِّي جَدِيرٌ بِأَمْرِ الرِّسَالَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] .
أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. فَأَمَّا أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فَلَمْ يَذْكُرُوا مَعْنَى الشَّرْطِ فِيهِ فَقَالُوا مَعْنَاهُ جَدِيرٌ بِأَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ. أَوْ ضَمِنَ حَقِيقٌ مَعْنَى حَرِيصٍ فَاسْتَقَامَ عَلَى صِلَةٍ لَهُ. أَوْ هُوَ مُبَالَغَةٌ مِنْ مُوسَى ﵇ فِي وَصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَالَ لَهُ لَمَّا قَالَ ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤] كَذَبْت فَيَقُولُ أَنَا حَقِيقٌ عَلَى قَوْلِ الْحَقِّ أَيْ وَاجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الْحَقِّ أَنْ أَكُونَ قَائِلَهُ وَالْقَائِمَ بِهِ وَلَا يَرْضَى إلَّا بِمِثْلِي نَاطِقًا بِهِ. وَكَذَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] . أَنَّ عَلَى صِلَةُ الْمُبَايَعَةِ يُقَالُ بَايَعَهُ عَلَى كَذَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَدَّى إلَى مَعْنَى الشَّرْطِ إذْ الْمُبَايَعَةُ تَوْكِيدٌ كَالشَّرْطِ، تَوَسَّعَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ وَقَالُوا إنَّهُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ.
[مَعْنَى مِنْ]
قَوْلُهُ (فَأَمَّا مِنْ فَلِلتَّبْعِيضِ) ذَكَرَ النُّحَاةُ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ يُقَالُ سِرْت مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْبَصْرَةِ وَهَذَا الْكِتَابُ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ. وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِهِمْ أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِمِ وَزَيْدٌ مِنْ الْقَوْمِ. وَلِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] . وَكَقَوْلِهِمْ: خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ وَبَابٌ مِنْ سَاجٍ. وَقَدْ تَكُونُ مَزِيدَةً كَقَوْلِك مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ الْكُلُّ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَإِنَّ قَوْلَك أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِمِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ مَوْضِعُ أَخْذِك وَابْتِدَاءُ غَايَتِهِ كَمَا أَنَّ قَوْلَك سِرْت مِنْ الْبَصْرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَصْرَةِ مَنْشَأُ سَيْرِك غَيْرَ أَنَّهَا فِي الدَّرَاهِمِ أَفَادَتْ التَّبْعِيضَ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ فِيهَا وَلَمْ تَفْدِهِ فِي قَوْلِك سِرْت مِنْ الْبَصْرَةِ لِأَنَّك إذَا فَارَقْتهَا فَقَدْ فَارَقْت جَمِيعَ نَوَاحِيهَا إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَارِجًا مِنْهَا وَغَيْرَ خَارِجٍ. وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ [الحج: ٣٠] إذْ الرِّجْسُ مِنْ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهَا فَلَمَّا قَالَ مِنْ الْأَوْثَانِ بَيَّنَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَجَعَلَ مَبْدَأَ الِاجْتِنَابِ الْأَوْثَانَ. وَكَذَا قَوْلُك مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ مَعْنَاهُ مِنْ وَاحِدٍ هَذَا الْجِنْسُ إلَى إقْصَاءٍ فَيَكُونُ مَعْنَى ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ مُسْتَفَادًا مِنْ الْجَمِيعِ كَمَا تَرَى. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مَعْنَاهَا ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ فَقَطْ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي جَامِعِهِ أَيْضًا أَنَّ كَلِمَةَ مِنْ لَيْسَتْ عَيْنُهَا بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ وَلِلِانْتِزَاعِ وَابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَصَارَتْ لِلتَّبْعِيضِ. وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَمَّا وَجَدَهَا أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا فِي التَّبْعِيضِ جَعَلُوهَا فِيهِ أَصِيلًا وَفِيمَا سِوَاهُ دَخِيلًا وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ هَاهُنَا فَقَالَ هُوَ أَصْلُهَا وَمَعْنَاهُ الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ لَمَّا قُلْنَا إنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَجَعَلْنَاهَا لِلتَّبْعِيضِ لِيَكُونَ لَهُ مَعْنًى يَخُصُّهُ. وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ وَابْتِدَاءِ الْغَايَةِ جَمِيعًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَوْضِعِهِ حَقِيقَةٌ. وَمَسَائِلُهُ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ: رَجُلٌ قَالَ إنْ كَانَ مَا فِي يَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ إلَّا ثَلَاثَةً أَوْ غَيْرَ ثَلَاثَةٍ أَوْ سِوَى ثَلَاثَةٍ فَجَمِيعُ مَا فِي يَدِي صَدَقَةٌ فِي الْمَسَاكِينِ فَإِذَا فِي يَدِهِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ أَوْ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ لَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وَلَوْ قَالَ إنْ كَانَ فِي يَدِي دَرَاهِمُ إلَّا ثَلَاثَةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ حِنْثِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ مَا يَكُونُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدِّرْهَمُ
стр. 493
وَأَمَّا إلَى فَلِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ لِذَلِكَ وُضِعَتْ وَلِذَلِكَ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْآجَالِ وَإِذَا دَخَلَتْ فِي الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ فَإِنْ نَوَى التَّنْجِيزَ وَقَعَ وَإِنْ نَوَى الْإِضَافَةَ تَأَخَّرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَعَ لِلْحَالِ عِنْدَ زُفَرَ ﵀ لِأَنَّ إلَى لِلتَّأْجِيلِ وَالتَّأْجِيلُ لَا يَمْنَعُ الْوُقُوعَ وَقُلْنَا إنَّ التَّأْجِيلَ لِتَأْخِيرِ مَا يَدْخُلُهُ وَهُنَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ فَأَوْجَبَ تَأْخِيرَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالدِّرْهَمَانِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَجَعَلَ شَرْطَ حِنْثِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ مِمَّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ.
[مَعْنَى إلَى]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إلَى فَلِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ) هَذِهِ الْكَلِمَةُ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ عَلَى مُقَابَلَةِ مِنْ يُقَالُ سِرْت مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ فَالْكُوفَةُ مُنْقَطَعِ السَّيْرِ كَمَا كَانَتْ الْبَصْرَةُ مُبْتَدَأً. وَيَقُولُ الرَّجُلُ إنَّمَا أَنَا إلَيْك أَيْ أَنْتَ غَايَتِي وَتَقُولُ قُمْت إلَى فُلَانٍ فَتَجْعَلُهُ مُنْتَهَاك مِنْ مَكَانِك هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ فِي اللُّغَةِ. وَقَدْ يَجِيءُ لِمَعْنَى الْمُصَاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وَقَوْلُهُمْ الذَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ لَكِنَّهُ رَاجِعٌ فِي التَّحْقِيقِ إلَى مَعْنَى الِانْتِهَاءِ أَيْضًا فَإِنَّ الْأَكْلَ فِي الْآيَةِ ضَمِنَ مَعْنَى الضَّمِّ إذْ النَّهْيُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَكْلِ فَعُدِّيَ بِإِلَى أَيْ لَا تَضُمُّوهَا إلَى أَمْوَالِكُمْ فِي الْإِنْفَاقِ حَتَّى لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ أَمْوَالِكُمْ وَأَمْوَالِهِمْ، قِلَّةُ مُبَالَاةٍ بِمَا لَا يَحِلُّ وَتَسْوِيَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَلَالِ. أَوْ الْمَعْنَى لَا يَنْتَهِ أَكْلُ أَمْوَالِهِمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ فَيَكُونُ إلَى صِلَةُ فِعْلِ الِانْتِهَاءِ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الذَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ الذَّوْدُ مُنْضَمًّا إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ. وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ اُسْتُعْمِلَتْ فِي آجَالِ الدُّيُونِ لِأَنَّ آجَالَ الدُّيُونِ غَايَاتُهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ إلَى إذَا دَخَلَتْ فِي الْأَزْمِنَةِ قَدْ تَكُونُ لِلتَّوْقِيتِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّأْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ. وَمَعْنَى التَّوْقِيتِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ وَيَنْتَهِي بِالْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَلَوْلَا الْغَايَةُ لَكَانَ ثَابِتًا فِيمَا وَرَائِهَا أَيْضًا كَقَوْلِك وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إلَى شَهْرٍ كَانَ ذِكْرُ الشَّهْرِ لِتَوْقِيتِ الْيَمِينِ إذْ لَوْلَاهُ لَكَانَتْ مُؤَبَّدَةً وَكَذَلِكَ قَوْلُك آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ إلَى شَهْرٍ.
وَمَعْنَى التَّأْخِيرِ وَالتَّأْجِيلِ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّيْءُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ مَعَ وُجُودِ مَا يُوجِبْ ثُبُوتُهُ ثُمَّ يَثْبُتُ بَعْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ وَلَوْلَا الْغَايَةُ لَكَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ أَيْضًا كَالْبَيْعِ إلَى شَهْرٍ فَإِنَّهُ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ إلَى مُضِيِّ الشَّهْرِ وَلَوْلَاهُ لَكَانَتْ الْمُطَالَبَةُ ثَابِتَةً فِي الْحَالِ وَبَعْدَ الشَّهْرِ أَيْضًا مَا لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ وَنَوَى التَّنْجِيزَ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ وَيَلْغُو آخِرَ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ وَيَنْتَهِيَ بِمُضِيِّ الشَّهْرِ وَالطَّلَاقُ لَا يَقْبَلُ التَّوْقِيتَ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَلْغُو التَّوْقِيتُ. وَإِنْ نَوَى التَّأْخِيرَ يَتَأَخَّرُ الْوُقُوعُ إلَى مُضِيِّ الشَّهْرِ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ إذْ الطَّلَاقُ يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَإِلَى تُسْتَعْمَلُ فِي التَّأْخِيرِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي التَّوْقِيتِ فَصَارَ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مُؤَخَّرًا إلَى شَهْرٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَعَ لِلْحَالِ عِنْدَ زُفَرَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ إلَى لِلتَّأْجِيلِ أَوْ لِلتَّوْقِيتِ وَكُلُّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِوُجُودٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُجُودِ لِلْحَالِ ثُمَّ يَلْغُو الْوَصْفُ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ يَثْبُتُ الْأَلْفُ لِلْحَالِ وَيَتَأَجَّلُ بَعْدَ الثُّبُوتِ.
وَعِنْدَنَا يَتَأَخَّرُ الْوُقُوعُ إلَى مُضِيِّ الشَّهْرِ لِأَنَّ إلَى كَمَا تَدْخُلُ فِي الشَّيْءِ لِتَوْقِيتِهِ تَدْخُلُ لِتَأْجِيلِ الثُّبُوتِ أَيْضًا فَيَصِيرُ كَالْمُتَعَلَّقِ بِهِ وَالطَّلَاقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ وَالتَّأْخِيرَ فَأَمَّا الْإِيقَاعُ فَيَقْبَلُهُ فَانْصَرَفَ الْأَجَلُ إلَيْهِ كَيْ لَا يَكُونَ إبْطَالًا لَهُ وَهُوَ كَالنِّصَابِ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَمَّا أُجِّلَ بِحَوْلٍ تَأَجَّلَ الْوُجُوبُ لَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ لَا تَقْبَلُ الْأَجَلَ وَالْوُجُوبُ نَفْسُهُ يَقْبَلُهُ فَعَمِلَ الْأَجَلُ عَمَلَهُ فِيمَا يَقْبَلُهُ. بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ لِأَنَّ الْأَلْفَ مِمَّا يَتَأَجَّلُ قَبْضُهُ فَانْصَرَفَ إلَيْهِ وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى الْوُجُوبِ
стр. 494
وَالْأَصْلُ فِي الْغَايَةِ إذَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحُكْمِ مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ إلَى هَذَا الْبُسْتَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلَّا أَنْ يَكُونَ صَدْرُ الْكَلَامِ يَقَعُ عَلَى الْجُمْلَةِ فَيَكُونُ الْغَايَةُ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَهَا فَيَبْقَى دَاخِلًا بِمُطْلَقِ الِاسْمِ مِثْلَ مَا قُلْنَا فِي الْمَرَافِقِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَبِخِلَافِ الْيَمِينِ الْمُوَقِّتَةِ إلَى شَهْرٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ ثَابِتَةٌ لِلْحَالِ وَتَقْبَلُ التَّوْقِيتَ فَتَتَوَقَّتُ كَالْإِجَارَةِ فَأَمَّا انْعِقَادُ الْيَمِينِ فَلَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ وَانْعَقَدَ لِلْحَالِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. وَبَيَانُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ التَّأْجِيلَ لِتَأْخِيرِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ كَتَأْجِيلِ الدَّيْنِ وَهَاهُنَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَى شَهْرٍ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَمَا دَخَلَ قَوْلُهُ بِعْتُك بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ فِي الْأَلْفِ إلَّا أَنَّ ثُبُوتَ نَفْسِ الدَّيْنِ لَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ فَانْصَرَفَ إلَى الْمُطَالَبَةِ وَثُبُوتُ الطَّلَاقِ يَقْبَلُهُ فَانْصَرَفَ التَّأْجِيلُ إلَيْهِ فَأَوْجَبَ تَأْخِيرُهُ قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي الْغَايَةِ) إلَى آخِرِهِ لَمَّا كَانَ بَعْضُ الْغَايَاتِ الثَّابِتَةِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ غَيْرَ دَاخِلَةٍ فِي حُكْمِ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي الصِّيَامِ وَبَعْضُهَا دَاخِلَةً فِيهِ كَالْمِرْفَقِ فِي غَسْلِ الْيَدِ لَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ لِذَلِكَ.
فَقَالَ الْأَصْلُ فِيهَا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا بِأَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّكَلُّمِ وَلَا تَكُونَ مُفْتَقِرَةً فِي وُجُودِهَا إلَى الْمُغَيَّا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ لَهُ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَتْبِعَهَا الْمُغَيَّا مِثْلَ قَوْلِهِ بِعْت مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ إلَى هَذَا الْبُسْتَانِ.
وَقَوْلُهُ لِفُلَانٍ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّ الْغَايَتَيْنِ لَا تَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] . حَيْثُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى تَحْتَ الْإِسْرَاءِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى. لِأَنَّا نَقُولَ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ لَا بِمُوجِبِ هَذَا الْكَلَامِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحُكْمِ أَيْ لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ تَحْتَ حُكْمِ الْمُغَيَّا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا إلَّا إذَا كَانَ صَدْرُ الْكَلَامِ وَاقِعًا عَلَى الْجُمْلَةِ أَيْ الْمُغَيَّا وَالْغَايَةُ جَمِيعًا فَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَمَّا كَانَ وَاقِعًا عَلَى الْجُمْلَةِ قَبْلَ ذِكْرِ الْغَايَةِ وَبَعْدَ ذِكْرِهَا لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْبَعْضَ مِنْهَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ الْغَايَةِ إسْقَاطَ مَا وَرَاءَهَا ضَرُورَةً وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الْغَايَةِ فَبَقِيَ دَاخِلًا تَحْتَ صَدْرِ الْكَلَامِ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ إيَّاهُ. مِثْلُ مَا قُلْنَا فِي الْمَرَافِقِ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْغُسْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِ الْمَرَافِقِ إسْقَاطُ مَا وَرَائِهَا إذْ لَوْلَا ذِكْرُهَا لَاسْتَوْعَبَتْ الْوَظِيفَةُ كُلَّ الْيَدِ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْإِسْقَاطِ بَلْ بَقِيَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ الْوُجُوبِ بِمُطْلَقِ اسْمِ الْيَدِ وَلِهَذَا فَهِمَتْ الصَّحَابَةُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَيْدِي فِي التَّيَمُّمِ الْأَيْدِيَ إلَى الْإِبَاطِ كَذَا فِي بُيُوعِ الْمَبْسُوطِ.
فَإِنْ قِيلَ لَا بُدَّ لِلْجَارِ وَالْمَجْرُورِ مِنْ مُتَعَلِّقٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ غَايَةً لِلْإِسْقَاطِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ وَلَا مُضْمَرٍ. قُلْنَا تَعَلُّقُ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ بِالْغُسْلِ ظَاهِرًا وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِسْقَاطُ دُونَ مَدِّ الْحُكْمِ كَمَا قَالَ زُفَرُ ﵀ فَالْمِرْفَقُ غَايَةٌ لِلْغُسْلِ لَفْظًا وَظَاهِرًا وَغَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ مَعْنًى وَمَقْصُودًا وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي دُونَ الظَّوَاهِرِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَلِمَةَ إلَى تُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا مِنْهُ فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ. فَمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْخُرُوجِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] . لِأَنَّ الْإِعْسَارَ عِلَّةُ الْإِنْظَارِ وَبِوُجُودِ الْمَيْسَرَةِ تَزُولُ الْعِلَّةُ وَلَوْ دَخَلَتْ الْمَيْسَرَةُ فِيهِ لَكَانَ مُنْظَرًا فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا فَتَبْطُلُ الْغَايَةُ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . إذْ لَوْ دَخَلَ لَوَجَبَ الْوِصَالُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الدُّخُولِ قَوْلُك قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ سِيقَ لِحِفْظِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ فَقَوْلُهُ إلَى الْمَرَافِقِ وَإِلَى الْكَعْبَيْنِ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَأَخَذَ
стр. 495
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْغَايَةِ فِي الْخِيَارِ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَكَذَلِكَ فِي الْآجَالِ فِي الْأَيْمَانِ فِي رِوَايَةِ حَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ
ــ
[كشف الأسرار]
عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ بِالِاحْتِيَاطِ فَحَكَمُوا بِدُخُولِهَا فِي الْغُسْلِ وَأَخَذَ زُفَرُ وَدَاوُد بِالْمُتَيَقِّنِ فَلَمْ يُدْخِلَاهَا. وَلِهَذَا أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّدْرَ إذَا كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْجُمْلَةِ تَدْخُلُ الْغَايَةُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إلَى الْغَدِ أَوْ إلَى اللَّيْلِ أَوْ إلَى الظُّهْرِ تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّ الْغَايَةَ هَاهُنَا حَدُّ الْإِسْقَاطِ فَإِنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ مُطْلَقًا يَثْبُتُ الْخِيَارُ مُؤَبَّدًا وَلِهَذَا فَسَدَ الْعَقْدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ الْخِيَارَ فِي الثَّلَاثِ عِنْدَهُ وَبَعْدَ أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ عِنْدَهُمَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مُنْعَقِدٌ بِصِفَةِ الْفَسَادِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَهَا فَتَبْقَى دَاخِلَةً تَحْتَ الْجُمْلَةِ كَالْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ. بِخِلَافِ الْأَجَلِ فِي الدَّيْنِ لِأَنَّ الْغَايَةَ فِيهِ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَى مَوْضِعِ الْغَايَةِ لِأَنَّ الْأَجَلَ لِلتَّرْفِيَةِ فَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّرْفِيَةُ.
وَبِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْغَايَةَ فِيهَا لَا تَدْخُلُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا عَقْدُ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ فَمُطْلَقُهَا لَا يُوجِبُ إلَّا أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ وَلِأَجْلِ الْجَهَالَةِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فَكَانَ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِبَيَانِ مِقْدَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِمَدِّ الْحُكْمِ إلَى مَوْضِعِ الْغَايَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّ الْغَدَ جُعِلَ غَايَةً وَالْأَصْلُ أَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الصَّدْرِ إلَّا بِدَلِيلِ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ غَايَةً لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْتَهِي إلَيْهَا دَلَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ إلَى اللَّيْلِ وَالْأَكْلُ إلَى الْفَجْرِ وَلِهَذَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ إلَى رَمَضَانَ أَوْ بَاعَ بِأَجَلٍ إلَى رَمَضَانَ أَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إلَى رَمَضَانَ لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ تَحْتَ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ غَايَةٌ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْنَا الْمَرَافِقُ فَإِنَّهَا دَخَلَتْ تَحْتَ الْجُمْلَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ عَلَّمَ الْوُضُوءَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ غَسَلَ الْمَرَافِقَ هَكَذَا حَكَى الْحَاكِي الْوُضُوءَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَذْهَبَهُمَا أَوْضَحُ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَى غَدٍ قُرِنَ بِالْخِيَارِ فَصَارَ مَدًّا لِلْخِيَارِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمِرْفَقُ قُرِنَ بِالْغُسْلِ وَالْكَلَامُ إذَا قُرِنَ بِهِ غَايَةٌ أَوْ اسْتِثْنَاءٌ أَوْ شَرْطٌ لَا يُعْتَبَرُ بِالْمَفْصُولِ عَنْ الْقَيْدِ ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالْقَيْدِ عَنْ حَالِ الْإِطْلَاقِ بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَ الْقَيْدِ جُمْلَةً وَاحِدَةً لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ لِلشَّرْطِ وَمَتَى جُعِلَ كَلَامًا وَاحِدًا لِلْإِيجَابِ إلَى غَدٍ لَا الْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ فَلَا يَثْبُتَانِ إلَّا بِنَصَّيْنِ وَالنَّصُّ مَعَ الْغَايَةِ نَصٌّ وَاحِدٌ. وَلِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْيَمِينِ لَازِمَةٌ عَلَى طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ دُونَ رِوَايَةِ الْحَسَنِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ فِي الْآجَالِ فِي الْأَيْمَانِ) أَيْ وَكَمَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي الْجُمْلَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ عِنْدَهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى تَدْخُلُ الْآجَالَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْأَيْمَانِ أَيْضًا بِأَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا إلَى رَجَبٍ أَوْ إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى الْغَدِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِنَّ مُطْلَقَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَائِهَا.
وَلَا تَدْخُلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ فِي حُرْمَةِ الْكَلَامِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْكَلَامِ فِي مَوْضِعِ الْغَايَةِ شَكًّا كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالتَّأْبِيدَ بَلْ مُطْلَقُهُ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَاسْمِ الصِّيَامِ يَتَنَاوَلُ أَدْنَى الْإِمْسَاكِ وَاقْتِضَاؤُهُ لِلتَّأْبِيدِ فِي قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُ بِالْعَارِضِ وَهُوَ وُقُوعُهُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لَا بِأَصْلِ الْوَضْعِ فَكَانَ عِنْدَنَا فِي حُكْمِ الْغَايَةِ لِأَنَّ كَوْنَ الْغَايَةِ لِلْمَدِّ أَوْ لِلْإِسْقَاطِ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ
стр. 496
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ الْعَاشِرُ لِأَنَّ مُطْلَقَ الِاسْمِ لَا يَتَنَاوَلُهُ وَقَالَا يَدْخُلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَائِمٍ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْغَايَةُ الْأُولَى لِلضَّرُورَةِ. .
ــ
[كشف الأسرار]
لَا بِاعْتِبَارِ الْعَوَارِضِ فَكَانَ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِمَدِّ الْحُكْمِ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ لَا لِلْإِسْقَاطِ فَلَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ تَحْتَ الْجُمْلَةِ كَمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُكَلِّمَنَّ فُلَانًا إلَى اللَّيْلِ أَوْ إلَى الْغَدِ بِخِلَافِ اسْمِ الْيَدِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْعُضْوِ الْمَعْلُومِ بِأَصْلِ الْوَضْعِ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِلْإِسْقَاطِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَذَلِكَ فِي الْآجَالِ وَالْأَيْمَانِ وَفِي بَعْضِهَا فِي الْآجَالِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَفِي بَعْضِهَا وَفِي الْأَثْمَانِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ سَهْوٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ إنْ اتَّصَلَ بِالْجَمِيعِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي الْآجَالِ رِوَايَتَانِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِالْأَخِيرِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْآجَالُ دَاخِلَةً فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّ ذَلِكَ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الدَّيْنِ وَالْبَيْعِ الْمُؤَجَّلِ وَالْإِجَارَةِ لَا يَدْخُلُ فِي الْجُمْلَةِ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفِي الْآجَالِ وَالْإِجَارَاتِ لَا يَدْخُلُ الْغَايَةُ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ وَفِي تَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ وَتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْغَايَةِ شَكٌّ فَثَبَتَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ النُّسَخِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا قَوْلُهُ (وَقَالَ) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ الدِّرْهَمُ الْعَاشِرُ فِي الْوُجُوبِ فَيَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الدِّرْهَمِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَاشِرَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ لِمَدِّ الْوُجُوبِ إلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُ.
وَقَالَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ الْأَخِيرَةُ كَالْأُولَى. لِأَنَّهُ أَيْ الْعَاشِرَ لَيْسَ بِقَائِمٍ بِنَفْسِهِ إذْ لَا تَحَقُّقَ لِلْعَاشِرِ إلَّا بِوُجُودِ تِسْعَةٍ أُخْرَى قَبْلَهُ كَمَا لَا تَحَقُّقَ لِلْأَوَّلِ إلَّا بِوُجُودِ ثَانٍ بَعْدَهُ فَلَا يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَايَةً مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا وَذَلِكَ بِالْوُجُوبِ. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ يَعْنِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ دُخُولِ الْغَايَةِ الْأُولَى دُونَ الْأَخِيرَةِ عِنْدَهُ وَدُخُولُ الْغَايَتَيْنِ عِنْدَهُمَا ثَابِتٌ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ نُسْخَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُمَا يَقُولَانِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشْرُوعَ غَايَةً فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ لِيَصْلُحَ غَايَةً وَوُجُودُهُ بِوُقُوعِهِ وَثُبُوتِهِ.
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْقَعَ طَلَاقًا مَوْصُوفًا بِوَصْفٍ أَنَّهُ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ فَلَا يَقَعُ حَتَّى يُوجَدَ إذْ وُجُودُهُمَا بِوُقُوعِهِمَا فَإِذَا وَقَعَا لَمْ يَرْتَفِعَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلِهَذَا اقْتَضَى دُخُولُهُمَا فِي الْمُغَيَّا وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْأُولَى أَيْ الْغَايَةُ الْأُولَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَ مَا بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ بِنَصِّهِ فَيَكُونُ ثَانِيَةً وَالثَّانِيَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِالْأُولَى فَاقْتَضَى ذَلِكَ دُخُولَ الْأُولَى لِتَصِيرَ هِيَ ثَانِيَةً وَلَمْ يَقْتَضِ دُخُولَ الثَّالِثَةِ لِأَنَّ الثَّابِتَةَ ثَانِيَةٌ بِلَا ثَالِثَةٍ فَعَمِلْنَا بِالْغَايَةِ الْأُولَى عَلَى مَجَازِهَا عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا هِيَ الْوَاقِعَةُ وَالْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بِهَذَا الْإِيجَابِ فَكَانَ طَلَبُ حَقِيقَتِهِ أَوْلَى مِنْ طَلَبِ حَقِيقَةِ الْغَايَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَانِيَةً فَإِنَّهَا تَقَعُ وَاحِدَةً لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَلْغُو وَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُهَا بِالْوَاحِدَةِ قَبْلَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ يَحْتَمِلُ الثُّبُوتَ وَالطَّلَاقُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِلَفْظٍ وَقَدْ جَرَى فِي مَسْأَلَةِ الْغَايَةِ مَا يَحْتَمِلُ الثُّبُوتَ لِأَنَّ الْغَايَةَ قَدْ تَدْخُلُ فِي الْجُمْلَةِ إذَا قَامَ دَلِيلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِآخَرَ كُلْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ إلَى عَشْرِ لُقُمَاتٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ اللُّقْمَةَ الْعَاشِرَةَ وَلَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي عَبْدًا إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ دَخَلَ الْأَلْفُ وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ عَنْ رَجُلٍ إلَى أَلْفِ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ دَلَّتْ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكْفُلُ إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا وَهُوَ رَاضٍ بِتَمَامِهَا وَكَذَا الشِّرَاءُ وَكَذَا إبَاحَةُ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ قَلَّ مَا يَجْرِي الضِّمْنُ بِلُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَمَّا الطَّلَاقُ فَدَلَالَةُ الْحَالِ تَمْنَعُ الدُّخُولَ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَحْتَرِزُ عَنْ الثَّالِثَةِ أَشَدَّ الِاحْتِرَازِ.
وَكَذَا الْإِقْرَارُ
стр. 497
وَأَمَّا فِي فَلِلظَّرْفِ وَعَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا ﵏ وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي حَذْفِهِ وَإِثْبَاتِهِ فِي ظُرُوفِ الزَّمَانِ وَهُوَ أَنْ تَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ فِي غَدٍ وَقَالَاهُمَا سَوَاءٌ وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَهُمَا فِيمَا إذَا نَوَى آخِرَ النَّهَارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَوْضِعِهِ أَنَّ حَرْفَ الظَّرْفِ إذَا سَقَطَ اتَّصَلَ الطَّلَاقُ بِالْغَدِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَيَقَعُ فِي كُلِّهِ فَيَتَعَيَّنُ وَلَهُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي التَّأْخِيرِ وَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ حَرْفُ الظَّرْفِ صَارَ مُضَافًا إلَى جُزْءٍ مِنْهُ مُبْهَمٍ فَيَكُونُ نِيَّتُهُ بَيَانًا لِمَا أَبْهَمَهُ فَيُصَدِّقُهُ الْقَاضِي وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ إنْ صُمْت الدَّهْرَ فَعَلَيَّ كَذَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأَبَدِ وَإِنْ صُمْت فِي الدَّهْرِ يَقَعُ عَلَى سَاعَةٍ وَإِذَا أُضِيفَ إلَى الْمَكَانِ فَقِيلَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَكَانِ كَذَا وَقَعَ لِلْحَالِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِأَنَّهُ إخْبَارٌ فَيَنْتَهِي صِحَّتُهُ عَلَى ثُبُوتِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَثُبُوتُ تِسْعَةٍ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْعَاشِرِ لِيَدْخُلَ تَحْتَهُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ فَبَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
[مَعْنَى فِي]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا فِي فَلِلظَّرْفِ) هَذِهِ الْكَلِمَةُ تَجْعَلُ مَا تَدْخُلُ هِيَ عَلَيْهِ ظَرْفًا لِمَا قَبْلَهَا وَوِعَاءً لَهُ فَإِذَا قُلْت الْخُرُوجُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَخْبَرْت أَنَّ الْيَوْمَ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى الْخُرُوجِ وَصَارَ وِعَاءً لَهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُك الرَّكْضُ فِي الْمَيْدَانِ وَزَيْدٌ فِي الدَّارِ هَذَا أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ثُمَّ قِيلَ زَيْدٌ يَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ وَأَنَا فِي حَاجَتِك مَجَازًا عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعِلْمَ جُعِلَ وِعَاءً لِنَظَرِهِ وَتَأَمُّلِهِ وَعَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا صَرَفَ الْعِنَايَةَ إلَى حَاجَتِهِ صَارَتْ كَأَنَّهَا قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ لِغَلَبَتِهَا عَلَى قَلْبِهِ وَهَمِّهِ وَعَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا أَيْ عَلَى أَنَّهَا لِلظَّرْفِ بُنِيَتْ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا فَإِذَا قَالَ غَصَبْتُك ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ أَوْ تَمْرًا فِي قَوْصَرَّةٍ يَلْزَمُهُ كِلَاهُمَا لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِ مَظْرُوفٍ فِي ظَرْفٍ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِغَصْبِهِ إيَّاهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُمَا سَوَاءٌ أَيْ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَأَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ حَتَّى لَوْ نَوَى آخِرَ النَّهَارِ فِي قَوْلِهِ فِي غَدٍ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً لِأَنَّ حَذْفَ حَرْفِ فِي وَإِثْبَاتِهِ فِي الْكَلَامِ سَوَاءٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ خَرَجْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَوْلِهِ خَرَجْت فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَسَكَنْت الدَّارَ وَسَكَنْت فِي الدَّارِ وَقَدْ أَجْمَعْنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ غَدًا وَنَوَى آخِرَ النَّهَارِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً فَكَذَا إذَا قَالَ فِي غَدٍ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ غَدًا مَعْنَاهُ فِي غَدٍ إلَّا أَنَّهُ حَذَفَ عَنْهُ حَرْفَ الظَّرْفِ اخْتِصَارًا فَكَانَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْحُكْمِ. وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِيمَا إذَا نَوَى آخِرَ النَّهَارِ فَقَالَ فِي قَوْلِهِ فِي غَدٍ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً وَفِي قَوْلِهِ غَدًا يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً.
عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَوْضِعِهِ أَيْ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْمَبْسُوطِ أَنَّ الظَّرْفَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْفِعْلُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ اقْتَضَى اسْتِيعَابَهُ إنْ أَمْكَنَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ شَابَهَ الْمَفْعُولَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَارَ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ وَمَنْصُوبًا بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا اتَّسَعَ فِي مِثْلِ هَذَا الظَّرْفِ وَلَمْ يُقَدَّرْ فِيهِ حَرْفَ فِي أَخَذَ حُكْمَ الْمَفْعُولِ بِهِ حَتَّى إذَا أَخْبَرْت عَنْهُ بِاَلَّذِي عَمِلْت بِهِ مَا عَمِلْت بِالْمَفْعُولِ بِهِ فَقُلْت فِي مِثْلِ قَوْلِك مُتَّسَعًا سِرْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ الَّذِي سِرْته يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا تَقُولُ الَّذِي ضَرَبْته زَيْدٌ وَلَمْ يَقُلْ الَّذِي سِرْت فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْفِعْلُ بِوَاسِطَةِ حَرْفِ الظَّرْفِ اقْتَضَى وُقُوعَهُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الظَّرْفِيَّةِ الِاسْتِيعَابُ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ قُلْنَا إذَا قَالَ غَدًا وَنَوَى آخِرَ النَّهَارِ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً لِأَنَّ الطَّلَاقَ اتَّصَلَ بِالْغَدِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَاقْتَضَى اسْتِيعَابَ الْغَدِ أَعْنِي كَوْنَهَا مَوْصُوفَةً بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا فِي أَوَّلِهِ لِيَحْصُلَ الِاسْتِيعَابُ فَإِذَا نَوَى آخِرَ النَّهَارِ فَقَدْ غَيَّرَ مُوجِبَ كَلَامِهِ إلَى مَا هُوَ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً وَلَكِنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ فِي غَدٍ فَمُوجِبُ كَلَامِهِ الْوُقُوعُ فِي جُزْءٍ مِنْ الْغَدِ مُبْهَمٍ وَإِلَيْهِ وِلَايَةُ التَّعْيِينِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ فَإِذَا نَوَى آخِرَ النَّهَارِ كَانَتْ نِيَّتُهُ تَعْيِينًا لِمَا أَبْهَمَهُ لَا تَغْيِيرًا لِلْحَقِيقَةِ فَيُصَدَّقُ قَضَاءً كَمَا يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَإِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِعَدَمِ الْمُزَاحَمِ وَالسَّبْقِ فَلِذَلِكَ يَقَعُ فِيهِ.
ثُمَّ اسْتَوْضَحَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْفَرْقِ فَقَالَ وَذَلِكَ أَيْ الْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْنَا مِثْلُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ صُمْت الدَّهْرَ فَكَذَا. كَانَ شَرْطُ الْحِنْثِ صَوْمَ جَمِيعِ الْعُمُرِ وَلَوْ قَالَ: إنْ صُمْت فِي الدَّهْرِ كَانَ شَرْطُ الْحِنْثِ صَوْمَ سَاعَةٍ مَعْنَاهُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ إلَى اللَّيْلِ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ يُفْطِرُ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلِهِ (وَإِذَا أُضِيفَ)
стр. 498
إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ إضْمَارُ الْفِعْلِ فَيَصِيرُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَقَدْ يُسْتَعَارُ هَذَا الْحَرْفُ لِلْمُقَارَنَةِ إذَا نُسِبَ إلَى الْفِعْلِ فَقِيلَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِ الدَّارِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا وَفِي الظَّرْفِ مَعْنَى الْمُقَارَنَةِ فَجُعِلَ مُسْتَعَارًا بِمَعْنَاهُ فَصَارَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُ الزِّيَادَاتِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ وَأَخَوَاتُهُمَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ
ــ
[كشف الأسرار]
أَيْ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى الْمَكَانِ بِأَنْ قِيلَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ أَوْ فِي الظِّلِّ أَوْ فِي الشَّمْسِ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ حَيْثُمَا كَانَتْ لِأَنَّ الْمَكَانَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ إذْ الظَّرْفُ لِلشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ لَهُ وَمَا كَانَ وَصْفًا لِلشَّيْءِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلتَّخْصِيصِ وَالْمَكَانُ لَا يَصْلُحُ مُخَصَّصًا لِلطَّلَاقِ بِحَالٍ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي مَكَان كَانَ وَاقِعًا فِي الْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا وَكَذَا الْمَرْأَةُ إذَا اتَّصَفَتْ بِهِ فِي مَكَان تُوصَفُ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ وَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ مُخَصَّصًا لَا يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جُعِلَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَهُوَ مَوْجُودٌ كَانَ تَنْجِيزًا أَيْضًا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِأَمْرٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ. بِخِلَافِ إضَافَتِهِ إلَى الزَّمَانِ لِأَنَّ الزَّمَانَ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لَهُ إذْ الطَّلَاقُ يَكُونُ وَاقِعًا فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فَإِذَا أَضَافَهُ إلَى زَمَانٍ مَعْدُومٍ فِي الْحَالِ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى الْمُعَلَّقِ بِهِ فَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ. أَلَا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ فِي الدَّارِ مَثَلًا إضْمَارُ الْفِعْلِ بِأَنْ أُرِيدَ بِهِ فِي دُخُولِك الدَّارَ فَحِينَئِذٍ لَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمَحَلَّ وَإِرَادَتُهُ الْفِعْلُ الْحَالُ فِيهِ. أَوْ ذَكَرَ الْمُسَبَّبَ وَأَرَادَ بِهِ السَّبَبَ إذْ الدُّخُولُ فِي الدَّارِ سَبَبُ كَيْنُونَتِهَا فِيهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ فَكَانَ مَا نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ فَيَصِحُّ إرَادَتُهُ وَصَارَ الدُّخُولُ مُضْمَرًا فِي الْكَلَامِ وَإِذَا صَارَ مُضْمَرًا كَانَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ. إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِك الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ قَبْلَ الدُّخُولِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ عَلَى مَعْنَى أَنْ يَكُونَ شَاغَلَا لَهُ لِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى فَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ فِي فَيُجْعَلُ مُسْتَعَارًا لِمَعْنَى الْمُقَارَنَةِ لِأَنَّ فِي الظَّرْفِ مَعْنَى الْمُقَارَنَةِ إذْ مِنْ قَضِيَّتِهِ الِاحْتِوَاءُ عَلَى الْمَظْرُوفِ فَيُقَارِنُهُ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ فَصَارَ بِمَعْنَى مَعَ فَيَتَعَلَّقُ وُجُودُ الطَّلَاقِ بِوُجُودِ الدُّخُولِ لِأَنَّ قِرَانَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ ضَرُورَةً فَكَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ تَعَلُّقُهُ بِوُجُودِ الدُّخُولِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَرْطًا مَحْضًا لِأَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ مَعَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ فَلِهَذَا قَالَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُجْعَلُ مُسْتَعَارًا لِمَعْنَى الشَّرْطِ لِمُنَاسِبَةٍ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الظَّرْفِ وَالشَّرْطِ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ فَيَتَعَلَّقُ الْجَزَاءُ بِهِ فَعَلَى هَذَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الدُّخُولِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ طَالِقٌ فِي نِكَاحِك فَتَزَوَّجَهَا لَا تَطْلُقُ كَمَا لَوْ قَالَ مَعَ نِكَاحِك وَلَوْ جُعِلَ مُسْتَعَارًا لِلشَّرْطِ لَطَلُقَتْ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ تَزَوَّجْتُك إلَيْهِ أَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ﵀. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِمَعْنَاهُ رَاجِعٌ إلَى مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ ضَمِيرُ جَعَلَ وَهُوَ حَرْفُ فِي وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ جُعِلَ حَرْفُ فِي مُسْتَعَارًا لِمَعْنَى الْمُقَارَنَةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ. أَوْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمُقَارَنَةِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ جَعَلَ حَرْفَ فِي مُسْتَعَارًا لِمَعْنَى الْمُقَارَنَةِ. وَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى أَنَّ فِي تَصِيرُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ بُنِيَتْ مَسَائِلُ فِي الزِّيَادَاتِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ فِي إرَادَتِهِ أَوْ فِي رِضَاهُ أَوْ فِي مَحَبَّتِهِ أَوْ فِي أَمْرِهِ وَفِي إذْنِهِ أَوْ فِي حُكْمِهِ أَوْ فِي قُدْرَتِهِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ أَصْلًا إلَّا فِي عِلْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ كَلِمَةَ فِي لِلظَّرْفِيَّةِ حَقِيقَةُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ بِأَنْ صَحِبَتْ الْأَفْعَالَ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيقِ لِمُنَاسِبَةٍ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الِاتِّصَالِ وَالْمُقَارَنَةِ غَيْرَ أَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَى التَّعْلِيقِ إذَا كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْوُجُودِ وَبِضِدِّهِ لِيَصِيرَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا وَالْمَشِيئَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالرِّضَاءُ وَالْمَحَبَّةُ مِمَّا يَصِحُّ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، وَبِضِدِّهِ
стр. 499
إلَّا فِي عِلْمِ اللَّهِ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعْلُومِ وَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا بَلْ يَسْتَحِيلُ وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ وَأَضْمَرَ الدُّخُولَ صُدِّقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِيرُ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا وَعَلَى هَذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ يَلْزَمُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلظَّرْفِ فَلَغْوٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ مَعْنَى مَعَ أَوْ وَاوِ الْعَطْفِ فَيُصَدَّقُ لِمَا قُلْنَا إنَّ فِي الظَّرْفِ مَعْنَى الْمُقَارَنَةِ فَيَصِيرُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ مُنَاسِبًا لَمَعَ وَلِلْعَطْفِ فَيَلْزَمُهُ عِشْرُونَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي وَاحِدَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى مَعْنَى مَعَ وَقَعَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ نَوَى الْوَاوَ وَقَعَتْ وَاحِدَةً.
وَمِنْ ذَلِكَ حُرُوفِ الْقَسَمِ وَهِيَ الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ وَمَا وُضِعَ لِذَلِكَ وَهُوَ اَيْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ وَهُوَ لَعَمْرُ اللَّهِ فَأَمَّا الْبَاءُ فَهِيَ لِلْإِلْصَاقِ وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ أَقْسِمُ لَهُ أَوْ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّهُ يَصِحُّ شَاءَ اللَّهُ كَذَا وَلَمْ يَشَأْ كَذَا وَأَرَادَ وَلَمْ يُرِدْ وَأَحَبَّ وَلَمْ يُحِبَّ وَكَذَا الْأَمْرُ وَالرِّضَاءُ وَالْحُكْمُ وَالْإِذْنُ فَكَانَ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا تَعْلِيقًا وَالتَّعْلِيقُ بِهَا بِحَقِيقَةِ الشَّرْطِ إبْطَالٌ لِلْإِيجَابِ فَكَذَا هَذَا، أَمَّا الْعِلْمُ فَلَا يَصِحُّ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِضِدِّهِ لِأَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣] فَكَانَ التَّعْلِيقُ بِهِ تَحْقِيقًا وَتَنْجِيزًا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ.
وَيُشْكِلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا الْقُدْرَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَصْفُهُ تَعَالَى بِضِدِّهَا وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ لَكِنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ هَاهُنَا بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ وَقُرِئَ قَوْله تَعَالَى. ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] . بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] . وَالتَّقْدِيرُ مِمَّا يَصِحُّ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَبِضِدِّهِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ قَدَّرَ اللَّهُ كَذَا وَلَا يُقَدِّرُ كَذَا فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهَا قَوْلُهُ (إلَّا فِي عِلْمِ اللَّهِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَقَعُ. لِأَنَّهُ أَيْ الْعِلْمَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعْلُومِ اسْتِعْمَالًا شَائِعًا يُقَالُ اغْفِرْ اللَّهُمَّ عِلْمَكَ فِينَا أَيْ مَعْلُومَك وَيُقَالُ عِلْمُ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُرَادُ مَعْلُومُهُ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ بِعِلْمِ اللَّهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَإِذَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَكُونُ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ وَمَعْلُومُ اللَّهِ تَعَالَى مُتَحَقِّقٌ لَا مَحَالَةَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ وَاقِعًا فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَعْلُومَ اللَّهِ تَعَالَى ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الطَّلَاقُ فِي مَعْلُومِهِ أَنْ لَوْ كَانَ وَاقِعًا فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا لَكَانَ عَدَمُهُ فِي مَعْلُومِهِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
فَإِنْ قِيلَ لَوْ قَالَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ لَمْ يُطَلِّقْ وَقَدْ يَسْتَعْمِلُ الْقُدْرَةَ بِمَعْنَى الْمَقْدُورِ فَقَدْ يَقُولُ مَنْ يَسْتَعْظِمُ شَيْئًا هَذَا قُدْرَةُ اللَّهِ. قُلْنَا مَعْنَى هَذَا اسْتِعْمَالُ أَنَّهُ أَثَرُ قُدْرَةِ اللَّهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَامُ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَ الْمُضَافِ فَفُهِمَ الْمَقْدُورُ مِنْ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ لَا مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَمِثْلُهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْعِلْمِ إذْ الْقُدْرَةُ مِنْ الْمُؤْثَرَاتِ بِخِلَافِ الْعِلْمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَعْلُومٌ لَنَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ مَقْدُورُنَا قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ يُسْتَعَارُ لِلْمُقَارَنَةِ حُمِلَ عَلَى مَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ النِّيَّةِ فَإِذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي عَشْرَةِ دَرَاهِمَ يَلْزَمُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يَعْنِيَ مَعْنَى مَعَ فَيَلْزَمُهُ عِشْرُونَ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀ يَلْزَمُهُ عِشْرُونَ بِكُلِّ حَالٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ يَلْزَمُهُ مِائَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْعَشَرَةِ فِي مُتَعَارَفِ الْحِسَابِ مِائَةٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا. إلَّا أَنَّا نَقُولُ أَثَّرَ الضَّرْبُ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ إلَّا فِي زِيَادَةِ الْمَالِ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَزْنًا وَإِنْ تَكْثُرْ أَجْزَاؤُهَا لَا تَصِيرُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةٍ. وَزُفَرُ ﵀ يَقُولُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ هَذَا الْحَرْفِ لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا يَكُونُ ظَرْفًا لِمِثْلِهِ بِلَا شُبْهَةٍ حُمِلَ عَلَى مَعَ أَوْ وَاوِ الْعَطْفِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ فِي الظَّرْفِ مَعْنَى الْمُقَارَنَةِ وَالْجَمْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أَيْ مَعَهُمْ.
وَإِنَّا نَقُولُ جِهَةُ الْمَجَازِ هَاهُنَا مُتَعَدِّدَةٌ فَإِنَّ فِي قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى عَلَى وَبِمَعْنَى مِنْ كَمَا يَكُونُ بِمَعْنَى مَعَ قَالَ تَعَالَى إخْبَارًا ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] . أَيْ عَلَيْهَا وَقَالَ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥] . أَيْ مِنْهَا وَلَيْسَ أَحَدُ الْوُجُوهِ أَوْلَى مِنْ الْبَاقِي فَيَعْتَبِرُ أَوَّلَ كَلَامِهِ فَيَلْزَمُهُ عَشْرَةٌ وَيَلْغُو آخِرَهُ. إلَّا أَنْ يَقُولَ عَنَيْت هَذِهِ وَهَذِهِ فَحِينَئِذٍ يُعْمِلُ بَيَانَهُ لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ بِمَعْنَى مَعَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ فَيُصَدَّقُ. وَلَا يُقَالُ مَعْنَى عَلَى أَوْ مِنْ لَا يَسْتَقِيمُ هَاهُنَا إذْ لَا يُقَالُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ عَلَيَّ عَشْرَةٌ وَلَا عَلَيَّ عَشْرَةٌ
стр. 500
وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَكَذَلِكَ فِي الْكِنَايَاتِ تَقُولُ بِك لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَبِهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَلَمْ يَكُنْ لَهَا اخْتِصَاصُ الْقَسَمِ.
وَأَمَّا الْوَاوُ فَإِنَّهَا اُسْتُعِيرَتْ بِمَعْنَى الْبَاءِ لِأَنَّهَا تُنَاسِبُ صُورَةً وَمَعْنًى أَمَّا الصُّورَةُ فَإِنَّ صُورَتَهَا وُجُودُهَا مِنْ مَخْرَجِهَا بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ مِثْلُ الْبَاءِ وَأَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ نَظِيرُ إلْصَاقِهِ بِهِ فَاسْتُعِيرَ لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ إظْهَارُ الْفِعْلِ هَا هُنَا تَقُولُ وَاَللَّهِ وَلَا تَقُولُ أَحْلِفُ وَاَللَّهِ لِأَنَّهُ اُسْتُعِيرَ لِلْبَاءِ تَوْسِعَةً لِصِلَاتِ الْقَسَمِ فَلَوْ صَحَّ الْإِظْهَارُ لَصَارَ مُسْتَعَارًا بِمَعْنَى الْإِلْصَاقِ فَتَصِيرُ الِاسْتِعَارَةُ عَامَّةً فِي بَابِهَا وَإِنَّمَا الْغَرَضُ بِهَا الْخُصُوصُ لَبَابِ الْقَسَمِ الَّذِي يَدْعُو إلَى التَّوْسِعَةِ وَيُشْبِهُ قِسْمَيْنِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْكِنَايَةِ أَعْنِي الْكَافَ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ التَّاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ تَوْسِعَةً لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الْقَسَمِ لِمَا بَيْنَ الْوَاوِ وَالتَّاءِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ فَإِنَّهُمَا مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِثْلُ التُّرَاثِ لُغَةً فِي الْوَارِثِ وَالتَّوْرِيَةُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَمَّا صَارَ ذَلِكَ دَخِيلًا عَلَى مَا لَيْسَ بِأَصْلٍ انْحَطَّتْ رُتْبَتُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَقِيلَ لَا تَدْخُلُ إلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُقْسَمُ بِهِ غَالِبًا فَجَازَ تَاللَّهِ وَلَمْ يَجُزْ تَالرَّحِيمِ وَقَدْ يُحْذَفُ حَرْفُ الْقَسَمِ تَخْفِيفًا فَيُقَالُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ عَشْرَةٍ فَكَانَ مَعْنَى الْمُقَارَنَةِ مُتَعَيِّنًا فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَمَا قَالَ زُفَرُ. لِأَنَّا نَقُولُ الْمَالُ لَا يَجِبُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ أَصْلٌ وَقَدْ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ فَلَا وَجْهَ لِلْمَصِيرِ إلَى الْمَجَازِ وَإِيجَابِ الزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشْرَةٌ فِي عَشْرَةٍ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي وَاحِدَةٍ فِي أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمَذْكُورَ الْأَوَّلَ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَيَقَعُ وَاحِدَةً سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ وَيَصِحُّ إرَادَةُ مَعَ أَوْ الْوَاوِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَرَادَ مَعَ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَتَقَعَانِ جَمِيعًا وَإِنْ أَرَادَ الْوَاوَ يَقَعُ ثِنْتَانِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَوَاحِدَةٌ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْوَاوِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً.
[حُرُوفِ الْقَسَمِ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ بَابِ حُرُوفِ الْجَرِّ وَمِنْ بَابِ حُرُوفِ الْمَعَانِي حُرُوفُ الْقَسَمِ. وَالْقَسَمُ جُمْلَةٌ إنْشَائِيَّةٌ يُؤَكَّدُ بِهَا جُمْلَةٌ أُخْرَى وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ السُّكُوتُ عَلَيْهِ فَلَا تَقُولُ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ وَتَسْكُتُ بَلْ يَجِبُ أَنْ تَأْتِيَ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَتَقُولُ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ لِأَنَّك لَمْ تَقْصِدْ الْإِخْبَارَ بِالْحَلِفِ وَإِنَّمَا قَصَدْت أَنْ تُخْبِرَ بِأَمْرٍ آخَرَ نَحْوَ لَأَفْعَلَنَّ إلَّا أَنَّك أَكَّدْته وَنَفَيْت عَنْهُ الشَّكَّ بِأَنْ أَقْسَمْت عَلَيْهِ. وَهِيَ الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ فَإِنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْقَسَمِ وَإِنْ لَمْ تُوضَعْ لَهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ أَيْضًا. وَمَا وُضِعَ لِذَلِكَ أَيْ لِلْقَسَمِ وَهُوَ اَيْمُ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوضَعْ إلَّا لِلْقَسَمِ وَلِهَذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ. وَمَا يُؤَدِّي مَعْنَى الْقَسَمِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَأَمَّا الْبَاءُ فَهِيَ الَّتِي لِلْإِلْصَاقِ أَيْ الْبَاءِ الَّتِي فِي الْقَسَمِ لَيْسَتْ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْقَسَمِ بَلْ هِيَ الْبَاءُ الَّتِي لِلْإِلْصَاقِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا احْتَاجُوا إلَى إلْصَاقِ فِعْلِ الْحَلِفِ بِمَا يَقْسِمُونَ بِهِ اسْتَعْمَلُوهَا فِيهِ اسْتِعْمَالَهُمْ إيَّاهَا فِي قَوْلِهِمْ كَتَبْت بِالْقَلَمِ إلَّا أَنَّهُمْ حَذَفُوا الْفِعْلَ لِكَثْرَةِ الْقَسَمِ فِي كَلَامِهِمْ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْبَاءِ عَلَيْهِ كَمَا حَذَفُوا فِي بِسْمِ اللَّهِ فَقَالُوا بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ مُرِيدِينَ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَوْ أُقْسِمُ بِهِ فَكَانَتْ الْبَاءُ دَالَّةً عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ.
وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ أَيْ كَمَا تَدُلُّ الْبَاءُ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ فِي بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ تَدُلُّ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ فِي الْحَلِفِ بِسَائِرِ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ بِالرَّحْمَنِ وَبِالرَّحِيمِ بِالْقُدُّوسِ لَأَفْعَلَنَّ. وَالصِّفَاتُ مِثْلُ قَوْلِهِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَبِجَلَالِهِ وَبِعَظَمَتِهِ وَبِكِبْرِيَائِهِ. فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَيْ لِلْبَاءِ اخْتِصَاصٌ بِالْقَسَمِ يَعْنِي لِمَا كَانَ دُخُولُهَا فِي الْقَسَمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ لَا أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لَهُ لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّةً بِالْقَسَمِ لِأَنَّ الْإِلْصَاقَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ.
وَأَمَّا الْوَاوُ فَإِنَّهَا أَسْتُعِيرَتْ فِي الْقَسَمِ بَدَلًا مِنْ الْبَاءِ لِمُنَاسِبَةٍ بَيْنَهُمَا صُورَةً وَمَعْنًى كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ. وَشَرْطُ إبْدَالِهَا حَذْفُ الْفِعْلِ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهَا عِوَضٌ عَنْ الْفِعْلِ وَمِنْ ثَمَّةَ جَازَ أَقْسَمْت بِاَللَّهِ وَامْتَنَعَ أَقْسَمْت وَاَللَّهِ كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمُفَصَّلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَحْسُنُ إظْهَارُ الْفِعْلِ لَا يَجُوزُ. لِأَنَّهُ أَيْ الْوَاوَ اُسْتُعِيرَ لِلْبَاءِ تَوْسِعَةً لِصِلَاتِ الْقَسَمِ إذْ الْحَاجَةُ دَعَتْ إلَى الِاسْتِعَارَةِ فِي بَابِ الْقَسَمِ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ لَا لِمَعْنَى الْإِلْصَاقِ فَلَوْ صَحَّ إظْهَارُ الْفِعْلِ مَعَ الْوَاوِ لَصَارَ الْوَاوُ مُسْتَعَارًا لِمَعْنَى الْإِلْصَاقِ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِعْلِ إلَّا الْإِلْصَاقُ كَالْبَاءِ. فَتَصِيرُ الِاسْتِعَارَةُ عَامَّةً فِي بَابِهَا فِي بَابِ اسْتِعَارَةِ الْوَاوِ لِلْبَاءِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ صِحَّةُ اسْتِعْمَالِهِ مَكَانَ الْبَاءِ فِي غَيْرِ الْقَسَمِ أَيْضًا فَيُقَال مَرَرْت وَزَيْدٍ بِالْجَرِّ بِمَعْنَى بِزَيْدٍ وَبِعْت هَذَا الْعَبْدَ وَأَلْفِ دِرْهَمٍ بِمَعْنَى بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ إذْ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ. وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ الْغَرَضِ إذْ الْغَرَضُ لَهَا أَيْ لِاسْتِعَارَةِ الْوَاوِ لِلْبَاءِ الْخُصُوصُ لِبَابِ الْقَسَمِ إذْ الدَّاعِي إلَيْهَا وَهُوَ الْحَاجَةُ إلَى التَّوْسِعَةِ مُخْتَصٌّ بِهِ.
قَوْلُهُ (وَيُشْبِهُ
стр. 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
قِسْمَيْنِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا يَعْنِي لَا يَجُوزُ إظْهَارُ الْفِعْلِ مَعَ الْوَاوِ فَلَوْ أَظْهَرَ مَعَ ذَلِكَ كَانَ فِي مَعْنَى قِسْمَيْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَحْلِفُ بِانْفِرَادِهِ يَمِينٌ.
وَكَذَا قَوْلُهُ وَاَللَّهِ فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَصْلُحْ الْوَاوُ رَابِطَةً صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ بِخِلَافِ الْبَاءِ لِأَنَّهَا لِلْإِلْصَاقِ فَيَكُونُ الْكُلُّ كَلَامًا وَاحِدًا فَيَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى فَيَصِيرُ أَيْ لَوْ صَحَّ إظْهَارُ الْفِعْلِ صَارَتْ الِاسْتِعَارَةُ عَامَّةً وَأَشْبَهَ كَلَامُهُ قِسْمَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَحْلِفُ وَاَللَّهِ بِمَعْنَى بِاَللَّهِ كَانَ بِظَاهِرِهِ قَسَمَانِ لِمَا ذَكَرْنَا وَغَرَضُهُ قَسَمٌ وَاحِدٌ فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ بِظَاهِرِهِ مُخَالِفًا لِغَرَضِهِ فَلَمْ يَكُنْ خَالِيًا عَنْ خَلَلٍ فَكَانَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ أَوْلَى. وَكَأَنَّ الشَّيْخَ ﵀ إنَّمَا قَالَ لَا يَحْسُنُ إظْهَارُ الْفِعْلِ فَلَمْ يَقُلْ لَا يَجُوزُ إشَارَةً مِنْهُ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَلْغُو عِنْدَ إظْهَارِ الْفِعْلِ وَلَكِنَّهُ يُشْبِهُ قِسْمَيْنِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْغَرَضِ. وَلَا تَدْخُلُ أَيْ وَاوُ الْقَسَمِ فِي الْكِنَايَةِ أَيْ فِي الْمُضْمَرِ لَا يُقَالُ وَكَلَأَفْعَلَنَّ وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْكِنَايَةِ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ مُتَنَاوِلًا لِلضَّمَائِرِ وَغَيْرِهَا احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ أَعْنِي الْكَافَ عَنْ غَيْرِ الضَّمَائِرِ.
ثُمَّ اُسْتُعِيرَ التَّاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ أُبْدِلَ التَّاءُ عَنْهَا عَلَى طَرِيقَةِ الْإِبْدَالِ فِي نَحْوِ تُرَاثٍ، وَتَوْرِيَةٍ، وَتُجَاهٍ، وَتُخَمَةٍ، وَتُهْمَةٍ، إذْ الْأَصْلُ فِيهَا وَارِثٌ فُعَالٌ مِنْ وَرِثَ وِرَاثَةً، وَوَوْرَاةٌ فَوْعَلَةٌ مِنْ وَرِيَ الزَّنْدُ يَرِي وَرْيًا، إذَا أَخْرَجَ نَارَهُ وَوِجَاهٌ مِنْ الْوَجْهِ، وَوَخِمَةٌ مِنْ وَخِمَ الرَّجُلُ وَخَامَةً إذَا لَمْ يَهْنَأْ الطَّعَامُ لَهُ، وَهِمَّةٌ مِنْ الْوَهْمِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ كَالظَّنِّ. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْقَصِيدَةِ الشَّاطِبِيَّةِ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْرِيَةِ فَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إلَى أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ وَرِيَ الزَّنْدُ وَهُوَ الضَّوْءُ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ عِنْدَ الْقَدْحِ فَكَأَنَّهَا ضِيَاءٌ وَنُورٌ وَوَزْنُهَا فَوْعَلَةٌ كَدَوْحَلَةٍ وَحَوْقَلَةٍ فَأُبْدِلَتْ وَاوُهَا تَاءً عَلَى حَدِّ تُجَاهٍ وَتُخَمَةٍ وَقُلِبَتْ يَاؤُهَا أَلْفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَزْنُهَا تَفَعُّلَةٌ كَتَنَفُّلٍ فِي تَنَفَّلَ وَضَعُفَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ هَذَا الْبِنَاءِ وَشُذُوذِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ تَفْعِلَةٌ كَتَوْصِيَةٍ فَفُتِحَتْ عَيْنُهَا وَقُلِبَتْ تَاؤُهَا أَلْفًا وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ فِي نَاصِيَةٍ وَجَارِيَةٍ فَقِيلَ نَاصَاةٍ وَجَارَاةٍ فِي لُغَةِ طَيِّئٍ وَضَعُفَ ذَلِكَ أَيْضًا لِعَدَمِ إطْرَادِهِ فِي تَوْصِيَةٍ وَتَوْقِيَةٍ. وَقَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِيهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ وَتَكَلَّفَ اشْتِقَاقَهُمَا مِنْ الْوَرِيِّ وَالنَّجْلِ وَوَزْنُهُمَا بِفَوْعَلَةٍ وَإِفْعِيلٍ إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ كَوْنِهِمَا عَرَبِيَّتَيْنِ. قَالَ وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْإِنْجِيلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْعُجْمَةِ عَلَى أَفْعِيلٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَدِيمِ أَوْزَانِ الْعَرَبِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ فِي الْكِتَابِ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَطْ.
ثُمَّ الشَّيْخُ ذَكَرَ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ لِلْمَجَازِ كَوْنُهُمَا مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَجْهًا آخَرَ فَقَالَ اتَّكَلْت عَلَى فُلَانٍ فِي أَمْرِي إذَا اعْتَمَدْته وَأَصْلُهُ اوْتَكَلْتُ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا ثُمَّ أُبْدِلَتْ مِنْهَا التَّاءُ فَأُدْغِمَتْ فِي تَاءِ الِافْتِعَالِ ثُمَّ بُنِيَتْ عَلَى هَذَا الْإِدْغَامِ أَسْمَاءٌ مِنْ الْمِثَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تِلْكَ الْعِلَّةُ تَوَهُّمًا أَنَّ التَّاءَ أَصْلِيَّةٌ لِأَنَّ هَذَا الْإِدْغَامَ لَا يَجُوزُ إظْهَارُهُ فِي حَالٍ فَمِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ التَّكْلُ وَالتُّكْلَانُ وَالتُّخَمَةُ وَالنَّجَاةُ وَالتُّرَاثُ وَالتَّقْوَى وَإِذَا صُغِّرَتْ قُلْت تُكَيْلَةٌ وَتُخَيْمَى وَلَا تُعِيدُ الْوَاوَ لِأَنَّ هَذِهِ حُرُوفٌ أُلْزِمَتْ الْبَدَلُ فَتَثْبُتُ فِي التَّصْغِيرِ وَالْجَمْعِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ أَنَّ الْوَاوَ فِي اتَّعَدَ قُلِبَتْ تَاءً لِأَنَّ الْوَاوَ قَرِيبَةٌ مِنْ التَّاءِ وَقَدْ وَقَعَ بَعْدَهَا تَاءُ الِافْتِعَالِ وَهِيَ تُقْلَبُ تَاءً بِغَيْرِ سَبَبٍ كَثِيرًا نَحْوَ تُخَمَةٍ وَتُجَاهٍ وَتُرَاثٍ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ اجْتِمَاعِ مُتَقَارِبَيْنِ يَنْقَلِبُ أَحَدُهُمَا إلَى
стр. 502
لَكِنَّهُ بِالنَّصْبِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَبِالْخَفْضِ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ مَا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ وَاَللَّهِ اللَّهِ وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْجَامِعِ. .
ــ
[كشف الأسرار]
صَاحِبِهِ لِيَقَعَ الْإِدْغَامُ. وَلَا يَجُوزُ تَالرَّحْمَنِ وَتَالرَّحِيمِ قَدْ حَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ تَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ لَا يُؤْخَذُ بِهِ. قَوْلُهُ (لَكِنَّهُ) أَيْ الْمُقْسَمُ بِهِ بِالنَّصْبِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. حَاصِلُهُ أَنَّ الْخَفْضَ فِي الْقَسَمِ بِإِضْمَارِ حَرْفِ الْخَفْضِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ جَائِزٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَعِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِعِوَضٍ نَحْوَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَهَاءِ التَّنْبِيهِ فِي قَوْلِهِمْءَاللَّهِ مَا فَعَلْت كَذَا وَقَوْلُهُمْ لَا هَا اللَّهِ.
احْتَجَّ الْكُوفِيُّونَ بِمَا تَقُولُ الْعَرَبُ اللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ فَيَقُولُ الْمُجِيبُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ مَقْصُورَةٍ فِي الثَّانِيَةِ فَيُخْفَضُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الْخَفْضِ وَإِنْ كَانَ مَحْذُوفًا. وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِهِمْ إعْمَالُ حَرْفِ الْخَفْضِ مَعَ الْحَذْفِ فَقَدْ حَكَى يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ أَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ مَرَرْت بِرَجُلٍ صَالِحٍ إلَّا صَالِحٍ فَطَالِحٍ أَيْ إلَّا أَكُنْ مَرَرْت بِرَجُلٍ صَالِحٍ فَقَدْ مَرَرْت بِطَالِحٍ. وَرُوِيَ عَنْ رُؤْبَةَ الْعَجَّاجِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُ كَيْفَ أَصْبَحْت كَانَ يَقُولُ: خَيْرٍ. عَافَاك اللَّهُ أَيْ بِخَيْرٍ وَفِي الشَّوَاهِدِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَشْعَارِ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَقَالُوا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي حُرُوفِ الْجَرِّ أَنْ لَا تَعْمَلَ مَعَ الْحَذْفِ وَإِنَّمَا تَعْمَلُ مَعَ الْحَذْفِ فِي بَعْضِ الْمَاضِي إذَا كَانَ عَنْهَا عِوَضٌ فَبَقِيَتْ فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ. وَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ فِيمَا ذَكَرُوا لِأَنَّ الْجَوَازَ فِي قَوْلِهِ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ ثَبَتَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ كَمَا ثَبَتَ دُخُولُ حَرْفِ النِّدَاءِ عَلَيْهِ مَعَ الْأَلْفِ وَاللَّامِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ فِي غَيْرِهِ لِشُذُوذِهِ وَقِلَّتِهِ.
وَكَذَا مَا حَكَى يُونُسُ وَمَا رُوِيَ عَنْ رُؤْبَةَ وَمَا نُقِلَ مِنْ الْأَشْعَارِ فِي ذَلِكَ كُلِّهَا مِنْ الشَّوَاذِّ الَّتِي لَا يُعْتَدُّ بِهَا فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا كَذَا فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ لِلْأَنْبَارِيِّ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي الْمُقْتَصِدِ وَأَمَّا حَذْفُ حَرْفِ الْجَرِّ الَّذِي هُوَ الْبَاءُ فِي بِاَللَّهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُحْذَفَ وَيُوصَلَ الْفِعْلُ إلَى الِاسْمِ فَيَنْصِبَهُ فَيُقَالُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَأَنَّهُ قَالَ حَلَفْت اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ وَعَلَى ذَلِكَ ثَبَتَ الْكِتَابُ:
أَلَا رُبَّ مَنْ قَلْبِي لَهُ اللَّهِ نَاصِحٌ ... وَمَنْ قَلْبُهُ لِي فِي الظِّبَاءِ السَّوَانِحِ
التَّقْدِيرُ أَلَا رُبَّ مَنْ قَلْبِي لَهُ نَاصِحٌ بِاَللَّهِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ تُضْمَرَ وَيَبْقَى الْجَرُّ فَيُقَالُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ وَالْأَكْثَرُ النَّصْبُ لِأَنَّ الْجَارَّ لَا يُضْمَرُ إلَّا قَلِيلًا وَإِلَيْهِ مَالَ صَاحِبُ الْمُفَصَّلِ أَيْضًا. فَعَلَى هَذَا لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ إذْ الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ لَا فِي الْجَوَازِ قَوْلُهُ (وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ مَا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الْقَسَمِ جَائِزٌ فَقِيلَ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُك فَكَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَقًّا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَانَ قَوْلُهُ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَلِ عَنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُشْتَقِّ لَا يَصْلُحُ نَعْتًا فَصَارَ كَأَنَّهُ سَكَتَ وَاسْتَأْنَفَ الْحَلِفَ بِقَوْلِهِ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَالْقَسَمُ بِغَيْرِ حَرْفٍ صَحِيحٌ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي إعْرَابِهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ كَانَ نَعْتًا لِلْأَوَّلِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ الْمَعْبُودِ الْحَقِّ الْمَقْصُودِ لَا أُكَلِّمُك فَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ. وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ لَا أُكَلِّمُك فَكَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ جَعَلَ الرَّحْمَنَ خَارِجًا مَخْرَجَ النَّعْتِ لِلْأَوَّلِ فَصَارَ الِاسْتِشْهَادُ وَاحِدًا فِي كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ وَتَسْمِيَتِهِ فَلَا يَتَعَدَّدُ الْهَتْكُ.
وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ لَا أُكَلِّمُك فَكَلَّمَهُ لَزِمَتْهُ كَفَّارَتَانِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فَإِنَّ قِوَامَ الْيَمِينِ فَعَمْرُك بِهِ فَعَمْرُك عَلَيْهِ وَاتِّحَادُ الْأَوَّلِ مَعَ تَعَدُّدِ الثَّانِي يُوجِبُ كَوْنَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً فَكَذَا عَكْسُهُ. وَقُلْنَا إنَّ قَوْلَهُ وَاَللَّهِ عَمْرُك بِهِ.
وَقَوْلُهُ وَالرَّحْمَنِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ
стр. 503
وَأَمَّا اَيْمُ اللَّهِ فَأَصْلُهُ أَيْمُنُ اللَّهِ وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَمَّا مَذْهَبُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَهُوَ قَوْلُنَا إنَّ ذَلِكَ صِلَةٌ وُضِعَتْ لِلْقَسَمِ لَا اشْتِقَاقَ لَهَا مِثْلُ صَهٍ وَمَهْ وَبَخٍ وَالْهَمْزَةُ لِلْوَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُوصَلُ إذَا تَقَدَّمَهُ حَرْفٌ مِثْلُ سَائِرِ حُرُوفِ الْوَصْلِ وَلَوْ كَانَ لِبِنَاءِ الْجَمْعِ وَصِيغَتُهُ لِمَا ذَهَبَ عِنْدَ الْوَصْلِ وَالْكَلَامُ فِيهِ يَطُولُ وَأَمَّا لَعَمْرُ اللَّهِ
فَإِنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلِابْتِدَاءِ وَالْعَمْرُ الْبَقَاءُ وَمَعْنَاهُ لِبَقَاءِ اللَّهِ هُوَ الَّذِي أُقْسِمُ بِهِ فَيَصِيرُ تَصْرِيحًا لِمَعْنَى الْقَسَمِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الرَّجُلِ جَعَلْت هَذَا الْعَبْدَ مِلْكًا لَك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَنَّهُ تَصْرِيحٌ لِمَعْنَى الْبَيْعِ فَيَجْرِي مَجْرَاهُ فَكَذَلِكَ هَذَا
ــ
[كشف الأسرار]
فَكَانَ غَيْرُهُ فِي تَسْمِيَةِ الْحَالِفِ فَتَعَدَّدَ الِاسْتِشْهَادُ فَتَعَدَّدَ الْهَتْكُ فَتَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا جَزَاءُ الْهَتْكِ وَصَارَ فِي حَقِّ الْمُقْسَمِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْبِرُّ وَاحِدًا. إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْوَاوِ فِي وَالرَّحْمَنِ وَاوَ الْقَسَمِ فَيَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً لِأَنَّهُ إذَا نَوَى وَاوَ الْقَسَمِ انْقَطَعَ الْكَلَامُ وَصَارَ كَأَنَّهُ سَكَتَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ وَالرَّحْمَنِ لَا أُكَلِّمُك وَلَمْ يَحْمِلْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْوَصْلِ فِي الْأَصْلِ وَعَلَى اعْتِبَارِ الْوَصْلِ يَصِيرُ وَاوُ الْقَسَمِ مُدْرَجًا كَمَا تَقُولُ مَرَرْت بِزَيْدٍ وَعَمْرٍو أَيْ وَبِعَمْرٍو. وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك فَكَلَّمَهُ حَيْثُ يُحْمَلُ عَلَى وَاوِ الْقَسَمِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ حَتَّى تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ قَبِيحٌ فَيَجْعَلُ الْوَاوَ لِلْقَسَمِ فَكَانَ رَدُّ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ سَكَتَ عَلَيْهِ وَاسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ فَكَانَ يَمِينًا وَاحِدَةً فَلَا يَلْزَمُهُ بِالْهَتْكِ إلَّا كَفَّارَةً وَاحِدَةً.
[اَيْمُ اللَّهِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا اَيْمُ اللَّهِ) إلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الْقَسَمِ أَيْمُنُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ اسْمٌ مُفْرَدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَلَيْسَ بِجَمْعِ يَمِينٌ وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ هُوَ جَمْعُ يَمِينٍ لِأَنَّ وَزْنَ أَفْعُلَ مُخْتَصٌّ بِالْجَمْعِ وَلَا يَكُونُ فِي الْمُفْرَدِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي قَوْلِهِمْ أَيْمُنُ اللَّهِ عَلَيَّ أَيْمُنُ اللَّهِ أَيْ أَيْمَانُ اللَّهِ أَوْ أَيْمُنُ اللَّهِ يَمِينِي. وَقَدْ جَاءَ جَمْعُ يَمِينٍ عَلَى أَيْمُنٍ كَقَوْلِهِ:
يَأْتِي لَهَا مِنْ أَيْمُنٍ وَأَشْمُلٍ
وَكَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَيُجْمَعُ أَيْمُنٌ مِنَّا وَمِنْكُمْ ... بِمُقْسِمِهِ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ
وَالْأَصْلُ فِي هَمْزَتِهَا أَنْ تَكُونَ مَقْطُوعَةً لِأَنَّهَا جَمْعٌ إلَّا أَنَّهَا وُصِلَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَبَقِيَتْ فَتَحْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ وَلَوْ كَانَتْ هَمْزَةُ وَصْلٍ لَكَانَتْ مَكْسُورَةً. وَاحْتَجَّ الْبَصْرِيُّونَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمْعًا لَوَجَبَ قَطْعُ الْهَمْزَةِ فِيهِ وَلَمَّا سَقَطَتْ فِي بَيْدِ كَمَا فِي أَحْرُفٍ وَأَكْلُبٍ وَلَمَّا سَقَطَتْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَتْ بِجَمْعٍ. يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي أَيْمُنِ اللَّهِ مِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ جَمْعًا لَمَا جَازَ حَذْفُ جَمِيعِ حُرُوفِهِ إلَّا حَرْفًا وَاحِدًا إذْ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي كَلَامِهِمْ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْوَزْنَ مُخْتَصٌّ بِالْجَمْعِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْمُفْرَدِ أَيْضًا مِثْلُ آنُكِ وَآسُدٌ. وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَمْزَةِ الْقَطْعُ وَلَكِنَّهَا وُصِلَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا جَازَ كَسْرُهَا وَقَدْ جَازَ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ فَدَلَّ أَنَّ الْوَصْلَ فِي الْهَمْزَةِ أَصْلٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ كَذَا فِي الْإِنْصَافِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي الْمُقْتَصِدِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَمْزَةِ أَيْمُنُ الْقَطْعُ لِأَنَّهَا جَمْعُ يَمِينٍ وَلَكِنَّهُمْ وَصَلُوهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَكَذَا إذَا قِيلَ اَيْمُ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّامَ مَحْذُوفَةٌ مِنْ أَيْمُنٍ وَقَدْ دَعَاهُمْ الْحِرْصُ عَلَى التَّخْفِيفِ بِكَثْرَةِ تَصَرُّفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ إلَى أَنْ احْتَجَفُوا بِهَا فَرَدُّوهَا إلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فَقَالُوا مِ اللَّهِ فَمَالَ إلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَذَكَرَ فِي الْإِقْلِيدِ أَنَّهَا أَيْ كَلِمَةُ أَيْمُنٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ اُشْتُقَّتْ مِنْ الْيُمْنِ، سَاكِنَةُ الْأَوَّلِ فَاجْتُلِبَتْ الْهَمْزَةُ لِلِابْتِدَاءِ كَمَا اُجْتُلِبَتْ فِي ابْنٍ وَأَشْبَاهِهِ. وَحَاصِلُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي اَيْمُ اللَّهِ أَيْمُنُ اللَّهِ بِالِاتِّفَاقِ إلَّا أَنَّ الْأَيْمُنَ جَمْعُ يَمِينٍ عِنْدَ الْبَعْضِ وَاسْمٌ مُفْرَدٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْيُمْنِ عِنْدَ آخَرِينَ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ اَيْمُ اللَّهِ. صِلَةٌ وُضِعَتْ لِلْقَسَمِ أَيْ كَلِمَةٌ بِنَفْسِهَا يُوصَلُ بِهَا الْقَسَمُ بِمَنْزِلَةِ الْبَاءِ فِي بِاَللَّهِ لَا اشْتِقَاقَ لَهَا أَيْ لَا أَصْلَ لَهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ قَوْلٌ آخَرُ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ظَفَرَ الشَّيْخُ بِهِ وَاخْتَارَهُ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْعُمُرُ) إذَا قُلْت لَعَمْرُكَ لَأَفْعَلَنَّ فَعَمْرُك مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ لَعَمْرُكَ قَسَمِي
стр. 504
وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ وَهِيَ مَعَ وَبَعْدَ وَقَبْلَ وَعِنْدَ أَمَّا مَعَ فَلِلْمُقَارَنَةِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ أَنَّهُ يَقَعُ ثِنْتَانِ مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ لِلتَّقْدِيمِ حَتَّى إنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ دُخُولِك الدَّارَ طَلُقَتْ لِلْحَالِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَوْ مَا أُقْسِمُ بِهِ فَهَذَا يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِك أَقْسَمْت بِعُمُرِك وَإِذَا قُلْت لَعَمْرُ اللَّهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ الْبَاقِي.
وَإِضْمَارُ هَذَا الْخَبَرِ لَازِمٌ كَإِضْمَارِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ بَعْدَ لَوْلَا فَلَا يُقَالُ لَعَمْرُ اللَّهِ قَسَمِي كَمَا لَا يُقَالُ لَوْلَا زَيْدٌ مَوْجُودٌ لَكَانَ كَذَا فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِاللَّامِ نَصَبْته نَصْبَ الْمَصَادِرِ وَهُوَ الْقَسَمُ أَيْضًا وَقُلْت عَمْرُك مَا فَعَلْت كَذَا وَعَمَّرَك اللَّهُ مَا فَعَلَتْ كَذَا أَيْ بِتَعْمِيرِك اللَّهِ وَإِقْرَارِك لَهُ بِالْبَقَاءِ. وَالْعَمْرُ وَالْعُمُرُ وَإِنْ كَانَا مُتَّفِقِينَ فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الْبَقَاءُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي الْيَمِينِ إلَّا الْفَتْحُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْمِثْلِ وَفِي الِاخْتِصَاصِ ضَرْبٌ مِنْ تَغْيِيرِ اللَّفْظِ لِتَغْيِيرِ الْمَعْنَى.
وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ عَمَرَ الرَّجُلُ مِنْ حَدِّ عِلْمٍ أَيْ بَقِيَ عُمُرًا وَعَمْرًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ قِيَاسَ مَصْدَرِهِ التَّحْرِيكُ.
[أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ) أَيْ مِنْ قِسْمِ حُرُوفِ الْمَعَانِي أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ. أَلْحَقَهَا بِحُرُوفِ الْمَعَانِي لِمُشَابِهَتِهَا بِالْحُرُوفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَا تُفِيدُ مَعَانِيَهَا إلَّا بِإِلْحَاقِهَا بِأَسْمَاءٍ أُخَرَ كَالْحُرُوفِ. أَمَّا مَعَ فَلِلْمُقَارَنَةِ هَذَا مَعْنًى أَصْلِيٌّ لَهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَك جَاءَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو يَقْتَضِي مَجِيئَهُمَا مَعًا فَلِذَلِكَ وَقَعَتْ تَطْلِيقَتَانِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ. وَكَذَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشْرَةٌ مَعَ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الْعَشَرَةِ دِرْهَمٌ يَلْزَمُهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا. وَذَكَرَ فِي الْهَادِي لِلشَّادِّي أَنَّ مَعَ إذَا كَانَتْ سَاكِنَةَ الْعَيْنِ فَهِيَ حَرْفٌ وَإِنْ كَانَتْ مُتَحَرِّكَةَ الْعَيْنِ فَهِيَ اسْمٌ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنَى الْمُصَاحَبَةِ.
وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ السُّدِّيَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعَ اسْمٌ حَرَكَةُ آخِرِهِ مَعَ تَحَرُّكِ مَا قَبْلَهُ وَقَدْ يُسَكَّنُ وَيُنَوَّنُ نَقُولُ جَاءُوا مَعًا. وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الظُّرُوفِ فَمَذْكُورٌ فِي بَعْضِ كُتُبِ النَّحْوِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ كَعِنْدَ لِأَنَّ انْتِصَابَ الْعَيْنِ فِيهِ لَيْسَ لِلْبِنَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ جَاءَ فُلَانٌ مِنْ مَعَهُمْ بِخَفْضِ الْعَيْنِ كَمَا يُقَالُ جَاءَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَدَلَّ أَنَّ انْتِصَابَهُ عَلَى الظَّرْفِ كَانْتِصَابِ عِنْدَ وَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ مَعْنَى فِي فَإِنَّ قَوْلَك زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو مَعْنَاهُ فِي مُصَاحَبَةِ عَمْرٍو كَمَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ فِي عِنْدَ فِي قَوْلِك زَيْدٌ عِنْدَ عَمْرٍو أَيْ فِي حَضْرَتِهِ. وَقَبْلَ لِلتَّقْدِيمِ وَالسَّبَقِ فَإِذَا وُصِفَ الطَّلَاقُ بِالْقَبْلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ كَانَ إيقَاعًا فِي الْحَالِ وَلَا يَقْتَضِي وُجُودَ مَا بَعْدَهُ فَإِنَّ صِحَّةَ التَّكْفِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] . لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْمَسِيسِ بَعْدَهُ. وَصِحَّةُ الْإِيمَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] . لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الطَّمْسِ بَعْدَهُ بَلْ يُسْتَفَادُ بِهِ الْأَمْنُ عَنْهُ. فَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ دُخُولِك الدَّارَ أَوْ قَبْلَ قُدُومِ فُلَانٍ طَلُقَتْ لِلْحَالِ دَخَلَتْ الدَّارَ بَعْدُ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ لَمْ يَقْدَمْ. إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ تَقَعُ وَاحِدَةً. وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ.
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ تَقَعُ ثِنْتَانِ. وَلَوْ قَالَ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ وَاحِدَةً وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَحُكْمُهَا أَيْ حُكْمُ كَلِمَةِ بَعْدَ فِي الطَّلَاقِ ضِدُّ كَلِمَةِ قَبْلَ يَعْنِي فِي الصُّورَتَيْنِ. وَالْأَصْلُ فِي تَخْرِيجِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ شَيْئَانِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّ الظَّرْفَ إذَا أُدْخِلَ بَيْنَ اسْمَيْنِ وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ كِنَايَةٌ كَانَ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ كِنَايَةٌ كَانَ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ آخِرًا فَإِذَا قَالَ جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو كَانَتْ الْقَبْلِيَّةُ صِفَةً لِزَيْدٍ وَإِذَا قَالَ قَبْلَهُ عَمْرٌو كَانَتْ الْقَبْلِيَّةُ صِفَةً لِعَمْرٍو
стр. 505
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ ثِنْتَانِ وَلَوْ قَالَ قَبْلَ وَاحِدَةٍ تَقَعُ وَاحِدَةً وَبَعْدَ لِلتَّأْخِيرِ وَحُكْمُهُمَا فِي الطَّلَاقِ ضِدُّ حُكْمِ قَبْلَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الظَّرْفَ إذَا قُيِّدَ بِالْكِنَايَةِ كَانَ صِفَةً لِمَا بَعْدَهُ وَإِذَا لَمْ يُقَيَّدْ كَانَ صِفَةً لِمَا قَبْلَهُ هَذَا الْحَرْفُ أَصْلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَعِنْدَ لِلْحَضْرَةِ حَتَّى إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ وَدِيعَةً
لِأَنَّ الْحَضْرَةَ تَدُلُّ عَلَى الْحِفْظِ دُونَ اللُّزُومِ وَالْوُقُوعِ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا قُلْنَا
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْقَبْلِيَّةِ صِفَةً لِكَذَا كَوْنُهَا صِفَةً مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْ التَّقَدُّمُ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ صِفَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ لِكَذَا فَأَمَّا اللَّفْظُ فَمَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ وَلَوْ كَانَتْ صِفَةً لَفْظًا لَمْ يَكُنْ إلَّا لِلْمَذْكُورِ أَوَّلًا.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي مَنْ أَقَرَّ بِطَلَاقٍ سَابِقٍ يَكُونُ ذَلِكَ إيقَاعًا مِنْهُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الْإِسْنَادِ الْوُقُوعُ فِي حَالٍ وَهُوَ مَالِكٌ لِلْإِيقَاعِ فِي الْحَالِ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْإِسْنَادِ فَيَثْبُتُ الْإِيقَاعُ فِي الْحَالِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ.
فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ كَانَتْ الْقَبْلِيَّةُ صِفَةً لِلْوَاحِدَةِ الْأُولَى وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهَا بِهَذَا الْوَصْفِ لَكِنْ قَالَ وَوَاحِدَةٌ لَوَقَعَتْ الْأُولَى سَابِقَةً وَلَغَتْ الثَّانِيَةُ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ فَعِنْدَ التَّأْكِيدِ بِهِ أَوْلَى وَصَارَ مَعْنَاهُ قَبْلَ وَاحِدَةٍ تَقَعُ عَلَيْك. وَإِذَا قَالَ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ كَانَتْ الْقَبْلِيَّةُ صِفَةً لِلثَّانِيَةِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ تَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ وَفِي وُسْعِهِ الْقِرَانِ كَمَا إذَا قَالَ مَعَهَا وَاحِدَةٌ فَيَثْبُتُ مِنْ قَصْدِهِ قَدْرُ مَا كَانَ فِي وُسْعِهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ عَلَيْك.
وَكَذَا إذَا قَالَ بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ لِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ تَصِيرُ صِفَةً لِلْأُولَى فَتَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْأُولَى وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ بَعْدَمَا أَوْجَبَهَا وَفِي وُسْعِهِ الْجَمْعُ فَيَثْبُتُ مِنْ قَصْدِهِ ذَلِكَ وَصَارَ مَعْنَى كَلَامِهِ بَعْدَ وَاحِدَةٍ تَقَعُ عَلَيْك. وَإِذَا قَالَ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ لِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ صِفَةٌ لِلثَّانِيَةِ فَلَا تَقَعُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَكِّدْ الثَّانِيَةَ بِالْبَعْدِيَّةِ لَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ لِمَا ذَكَرَ فَعِنْدَ التَّأْكِيدِ أَوْلَى وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ الْأُولَى الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْك. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَ دِرْهَمٍ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ قَبْلًا نَعْتٌ لِلْمَذْكُورِ أَوَّلًا فَكَأَنَّهُ قَالَ دِرْهَمٌ قَبْلَ دِرْهَمٍ آخَرَ يَجِبُ عَلَيَّ. وَلَوْ قَالَ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ فَعَلَيْهِ دِرْهَمَانِ لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَذْكُورِ آخِرًا أَيْ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ قَدْ وَجَبَ عَلَيَّ. وَلَوْ قَالَ دِرْهَمٌ بَعْدَ دِرْهَمٍ أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ بَعْدَ دِرْهَمٍ قَدْ وَجَبَ أَوْ بَعْدَ دِرْهَمٍ قَدْ وَجَبَ لَا يُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ إلَّا هَذَا. وَفِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ الْإِقْرَارُ مُخَالِفٌ لِلطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ هُنَاكَ لَا يَقَعُ وَالدِّرْهَمُ بَعْدَ الدِّرْهَمِ يَجِبُ دَيْنًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ وَحُكْمُهَا فِي الطَّلَاقِ ضِدُّ حُكْمِ قَبْلَ احْتِرَازٌ عَنْ الْإِقْرَارِ وَقَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا إشَارَةٌ إلَى الْمَذْكُورِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْمَبْسُوطِ. لِأَنَّ الْحَضْرَةَ تَدُلُّ عَلَى الْحِفْظِ كَمَا إذَا قَالَ لِآخَرَ وَضَعْت هَذَا الشَّيْءَ عِنْدَك يُفْهَمُ مِنْهُ الِاسْتِحْفَاظُ وَكَمَا لَوْ قَالَ لِنَاشِدِ الضَّالَّةِ لَا تَطْلُبْ ضَالَّتَك فَإِنَّهَا عِنْدِي يُفْهَمُ مِنْهُ الْحِفْظُ أَيْ هِيَ مَحْفُوظَةٌ عِنْدِي. وَكَمَا لَوْ كَانَ رَجُلَانِ فِي مَجْلِسٍ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ مَتَاعَهُ وَجَبَ عَلَى الْآخَرِ الْحِفْظُ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ صَارَ ضَامِنًا بِتَرْكِ الْحِفْظِ فَثَبَتَ أَنَّ الْحَضْرَةَ تَدُلُّ عَلَى الْحِفْظِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ إقْرَارًا الْوَدِيعَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُرْبِ وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْقُرْبَ مِنْ يَدِهِ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِالْأَمَانَةِ وَمِنْ ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِالدَّيْنِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ إلَّا الْأَقَلُّ وَهُوَ الْوَدِيعَةُ وَلَوْ قَالَ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ فَهِيَ دَيْنٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ عِنْدِي مُحْتَمَلٌ فَسَّرَهُ بِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ فَكَانَ تَفْسِيرُهُ صَحِيحًا. وَعَلَى هَذَا قُلْنَا أَيْ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى الظَّرْفِ عَلَى تَفَاوُتِ مَعَانِيهَا قُلْنَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً عِنْدَنَا وَإِذَا ذَكَرَ الْأَلْفَاظَ الْمَذْكُورَةَ تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَقَالَ زُفَرُ ﵀ تَطْلُقُ ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي
стр. 506
وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ طَلُقَتْ وَاحِدَةً وَلَوْ قَالَ عِنْدَ كُلِّ يَوْمٍ أَوْ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كُلَّ يَوْمٍ فَهُوَ ظِهَارٌ وَاحِدٌ وَلَوْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ أَوْ عِنْدَ كُلِّ يَوْمٍ يُجَدَّدُ عِنْدَ كُلِّ يَوْمٍ ظِهَارٌ.
وَهَذَا لِمَا قُلْنَا أَنَّهُ إذَا حَذَفَ اسْمَ الظَّرْفِ كَانَ الْكُلُّ ظَرْفًا وَاحِدًا فَإِذَا أَثْبَتَهُ صَارَ كُلُّ فَرْدٍ بِانْفِرَادِهِ ظَرْفًا عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَدِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حُرُوفُ الِاسْتِثْنَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ إيقَاعٌ وَكَلِمَةُ كُلَّ تَجْمَعُ الْأَسْمَاءَ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ مُوقِعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَذَلِكَ بِتَجَدُّدِ الْوُقُوعِ إلَى أَنْ تَطْلُقَ ثَلَاثًا كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ. وَلَكِنَّنَا نَقُولُ صِيغَةُ كَلَامِهِ وَصْفٌ قَدْ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَهِيَ بِالتَّطْلِيقَةِ الْوَاحِدَةِ يَتَّصِفُ بِهِ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا وَإِنَّمَا جَعَلْنَا كَلَامَهُ إيقَاعًا لِضَرُورَةِ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَرْتَفِعُ بِالْوَاحِدَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً. بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لِأَنَّ حَرْفَ فِي لِلظَّرْفِ وَالزَّمَانُ ظَرْفٌ لِلطَّلَاقِ مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعِ فِيهِ فَمَا يَكُونُ الْيَوْمُ ظَرْفًا لَهُ لَا يَصْلُحُ الْغَدُ ظَرْفًا لَهُ فَتَجَدَّدَ الْإِيقَاعُ لِتَحْقِيقِ مَا اقْتَضَاهُ حَرْفُ فِي كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي قَوْلِهِ كُلَّ يَوْمٍ إنْ قَالَ أَرَدْت أَنَّهَا طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلِيقَةً أُخْرَى فَهُوَ كَمَا نَوَى وَتَطْلُقُ ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ أَضْمَرَ حَرْفَ فِي. وَكَذَا قَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كُلَّ يَوْمٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فَيَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ظِهَارٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا وَهُوَ ظِهَارُ وَاحِدَةٍ وَيَدْخُلُ فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَبَدًا. وَلَوْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ أَوْ عِنْدَ كُلِّ يَوْمٍ تَجَدَّدَ عِنْدَ كُلِّ يَوْمٍ ظِهَارٌ لَكِنْ لَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي الظِّهَارِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا بِاللَّيْلِ لِأَنَّ تَوْقِيتَ الظِّهَارِ عِنْدَنَا صَحِيحٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي هَذَا الْيَوْمَ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ اللَّيْلُ.
وَهَذَا أَيْ التَّفْرِقَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا بَيْنَ حَذْفِ الظَّرْفِ وَإِثْبَاتِهِ. لِمَا قُلْنَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ إذَا حَذَفَ لَفْظَ الظَّرْفِ كَانَ الْكُلُّ أَيْ كُلُّ الْأَيَّامِ ظَرْفًا وَاحِدًا لِلطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ فَلَا يَقَعُ إلَّا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ وَظِهَارٌ وَاحِدٌ. فَإِذَا أَثْبَتَهُ أَيْ لَفْظَ الظَّرْفِ بِأَنْ قَالَ عِنْدَ كُلِّ يَوْمٍ مَثَلًا صَارَ كُلُّ فَرْدٍ أَيْ كُلُّ يَوْمٍ بِانْفِرَادِهِ ظَرْفًا عَلَى حِدَةٍ لِأَنَّ الظَّرْفَ حِينَئِذٍ كَلِمَةُ عِنْدَ مُضَافَةً إلَى كُلِّ يَوْمٍ فَيَسْتَدْعِي مَظْرُوفًا عَلَى حِدَةٍ فَيَتَجَدَّدُ الطَّلَاقُ وَالظِّهَارُ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَدِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَذْفِ فِي وَإِثْبَاتِهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُؤَيِّدُ مَذْهَبَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْغَدِ. فَإِنْ قِيلَ إنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا لَمْ يُفَرِّقَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَدِ بَيْنَ حَذْفِ فِي وَإِثْبَاتِهِ وَهَاهُنَا فَرَّقَا بَيْنَ حَذْفِ الظَّرْفِ وَإِثْبَاتِهِ فَمَا وَجْهُ الْفَرْقِ لَهُمَا بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ. قُلْنَا وَجْهُهُ أَنَّ الْغَدَ ظَرْفٌ وَاحِدٌ بِلَا شُبْهَةٍ لَا يَتَعَدَّدُ بِإِثْبَاتِ فِي وَحَذْفِهِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْحَذْفُ وَالْإِثْبَاتُ فَأَمَّا قَوْلُهُ كُلَّ يَوْمٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا وَاحِدًا نَظَرًا إلَى لَفْظِ كُلٍّ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُنْتَصِبُ بِالظَّرْفِيَّةِ وَهُوَ لَفْظٌ وَاحِدٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظُرُوفًا مُتَعَدِّدَةً نَظَرًا إلَى مَا أُضِيفَ إلَيْهِ كُلٌّ فَإِنَّهُ مُتَعَدِّدٌ وَإِنَّهُ أَبَدًا يَأْخُذُ حُكْمَ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يُذْكَرْ حَرْفُ فِي أَوْ ظَرْفٌ آخَرُ وَوَقَعَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ جُعِلَ ظَرْفًا وَاحِدًا كَالْأَبَدِ وَإِذَا ذُكِرَ حَرْفُ فِي أَوْ ظَرْفٌ آخَرُ وَانْتَقَلَ عَمَلُ الْفِعْلِ عَنْهُ إلَيْهِ ثُمَّ أُضِيفَ ذَلِكَ الظَّرْفُ إلَى كُلٍّ جُعِلَ ظُرُوفًا مُتَعَدِّدَةً عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ.
[حُرُوفُ الِاسْتِثْنَاءِ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ) أَيْ مِنْ بَابِ حُرُوفِ الْمَعَانِي حُرُوفُ الِاسْتِثْنَاءِ. سَمَّاهَا حُرُوفًا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا كَلِمَةُ إلَّا وَهِيَ حَرْفٌ فَيَكُونُ الْبَوَاقِي جَارِيَةً مَجْرَى التَّبَعِ لَهَا وَهِيَ عَشْرَةٌ: إلَّا، وَغَيْرُ، وَسِوَى، وَسَوَاءٌ، وَلَا يَكُونُ، وَلَيْسَ، وَخَلَا، وَعَدَا، وَمَا خَلَا، وَمَا عَدَا، وَحَاشَا. وَزَادَ أَبُو بَكْرِ بْنُ السَّرَّاجِ لَا سِيَّمَا، وَضَمَّ بَعْضُهُمْ إلَيْهَا بَيْدَ بِمَعْنَى غَيْرَ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ بَلْهَ بِمَعْنَى دَعْ. وَإِنَّمَا يَدْخُلُ لَيْسَ وَلَا يَكُونُ فِي هَذَا الْبَابِ إذَا تَقَدَّمَهَا كَلَامٌ فِيهِ
стр. 507
وَأَصْلُ ذَلِكَ إلَّا وَمَسَائِلُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جِنْسِ الْبَيَانِ فَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْ ذَلِكَ غَيْرُ وَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ يُسْتَعْمَلُ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِثْنَاءً تَقُولُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ غَيْرُ دَانِقٍ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِلدِّرْهَمِ فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ تَامٌّ وَلَوْ قَالَ غَيْرَ دَانِقٍ بِالنَّصْبِ كَانَ اسْتِثْنَاءً يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ إلَّا دَانِقًا.
وَكَذَلِكَ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِينَارٌ غَيْرُ عَشْرَةٍ بِالرَّفْعِ لَزِمَهُ دِينَارٌ وَلَوْ نَصَبَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ﵏ يَلْزَمُهُ دِينَارٌ إلَّا قَدْرَ قِيمَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْهُ وَمَا يَقَعُ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْبَيَانِ وَالْمُعَارَضَةِ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْبَيَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَسِوَى مِثْلُ غَيْرِ وَذَلِكَ فِي الْجَامِعِ إنْ كَانَ فِي يَدِي دَرَاهِمُ إلَّا ثَلَاثَةً أَوْ غَيْرَ ثَلَاثَةٍ أَوْ سِوَى ثَلَاثَةٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
ــ
[كشف الأسرار]
عُمُومٌ كَمَا يَكُونُ فِيمَا قَبْلُ إلَّا لِمَا فِيهِمَا مِنْ مَعْنَى النَّفْيِ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي الْأَصْلِ فَإِنَّ لَيْسَ وَلَا دَخَلَتَا عَلَى مَا هُوَ مُثْبَتٌ فَصَيَّرَتَاهُ نَفْيًا. فَإِذَا قَالَ أَعْتَقْت عَبِيدِي لَيْسَ سَالِمًا أَوْ لَا يَكُونُ سَالِمًا لَا يُعْتَقُ سَالِمٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا سَالِمًا وَالتَّقْدِيرُ لَيْسَ بَعْضُهُمْ سَالِمًا أَوْ لَا يَكُونُ بَعْضُهُمْ سَالِمًا كَذَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ. وَأَصْلُ ذَلِكَ إلَّا أَيْ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَالْحَقِيقَةُ فِيهِ كَلِمَةُ إلَّا لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلِاسْتِثْنَاءِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَمَا عَدَاهَا قَدْ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً وَغَيْرَ اسْتِثْنَاءٍ. وَلِأَنَّ الْمَوْضُوعَ لِنَقْلِ الْكَلَامِ مِنْ مَعْنًى إلَى مَعْنًى فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ هُوَ الْحُرُوفُ لَا الْأَسْمَاءُ وَالْأَفْعَالُ كَحُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ وَحُرُوفِ النَّفْيِ وَحُرُوفِ الشَّرْطِ فَكَذَا فِي هَذَا الْبَابِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْ وَمِمَّا يُسْتَثْنَى بِهِ غَيْرُ. وَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ لِلُحُوقِ عَلَامَاتِ الِاسْمِ بِهِ مِنْ التَّنْوِينِ وَالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ. يُسْتَعْمَلُ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ بِحَيْثُ لَا تَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ وَإِنْ أُضِيفَ إلَى الْمَعَارِفِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ صِفَةً لِلَّذِينَ أَنْعَمَتْ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] . عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ لِأَنَّ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ فِي مَعْنَى النَّكِرَةِ إذْ هُوَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى مَعْنَيَيْنِ وَمِثْلُهُ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ كَقَوْلِهِ:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِثْنَاءً لِمُشَابِهَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ بَعْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُغَايِرٌ لِمَا قَبْلَهُ. وَلِهَذِهِ الْمُشَابَهَةِ تَقَعُ إلَّا مَقَامَ غَيْرِ أَيْضًا قَلِيلًا وَتَسْتَحِقُّ إعْرَابَ الْمَتْبُوعِ مَعَ امْتِنَاعِهَا عَنْهُ فَيُعْطِي مَا بَعْدَهَا وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وَقَوْلُهُ ﵇ «النَّاسُ كُلُّهُمْ مَوْتَى إلَّا الْعَالِمُونَ» . وَقَوْلُ الشَّاعِرُ:
وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيك إلَّا الْفَرْقَدَانِ
أَيْ غَيْرُهُمَا. وَلِهَذَا قَالُوا إذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا دِرْهَمَانِ بِالرَّفْعِ يَلْزَمُهُ مِائَةٌ لِأَنَّ إلَّا هَاهُنَا بِمَعْنَى غَيْرِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ مِائَةٌ هِيَ غَيْرُ دِرْهَمَيْنِ. وَعِنْدَ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ الْإِعْرَابَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَوَامَّ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ صَحِيحِ الْإِعْرَابِ وَفَاسِدِهِ يَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ وَتِسْعُونَ كَمَا لَوْ قَالَ إلَّا دِرْهَمَيْنِ بِالنَّصْبِ.
وَلَمَّا اُسْتُعْمِلَ اسْتِثْنَاءً وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إعْرَابٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ جُعِلَ إعْرَابُهُ كَإِعْرَابِ الِاسْمِ الْوَاقِعِ بَعْدَ إلَّا لِيُعْلَمَ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِهِ صِفَةً وَاسْتِثْنَاءً أَنَّهُ لَوْ قَالَ جَاءَنِي رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ زَيْدًا جَاءَ وَلَمْ يَجِئْ بَلْ كَانَ خَبَرًا أَنَّ غَيْرَهُ جَاءَ وَلَوْ قَالَ جَاءَنِي الْقَوْمُ غَيْرَ زَيْدٍ كَانَ اللَّفْظُ دَالًّا أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَجِئْ.
وَالثَّانِي أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ صِفَةً يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ عَلَى مَا قُلْنَا وَاسْتِعْمَالُهُ اسْتِثْنَاءً لَا يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ. وَقَدْ يَقَعُ بِمَعْنَى لَا أَيْضًا فَيَنْتَصِبُ عَلَى الْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] . أَيْ فَمَنْ اُضْطُرَّ جَائِعًا لَا بَاغِيًا وَلَا عَادِيًا. وَكَذَا ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] . لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ غَيْرَ دَانِقٍ أَيْ دِرْهَمٌ مُغَايِرٌ لِلدَّانَقِ وَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دِرْهَمٌ عَلَى وَزْنِ دَانِقٍ فَأَكَّدَ الْمُقِرُّ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيَّ لَيْسَ ذَلِكَ الدِّرْهَمُ وَإِنَّمَا هُوَ دِرْهَمٌ مُطْلَقٌ فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ تَامٌّ وَهُوَ الَّذِي وَزْنُهُ وَزْنُ سَبْعَةٍ. وَالدَّانِقُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ قِيرَاطَانِ وَالْجَمْعُ دَوَانِقُ وَدَوَانِيقُ. وَمَا يَقَعُ مِنْ الْفَصْلِ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي جَعَلَ مُحَمَّدٌ اسْتِثْنَاءَ الدَّرَاهِمِ مِنْ الدَّنَانِيرِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ كَاسْتِثْنَاءِ الثَّوْبِ مِنْهَا.
وَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ وَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ وَتَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَارَضَةِ وَالْبَيَانِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيَانَ هَذَا الْفَصْلِ يَأْتِي فِي بَابِ الْبَيَانِ قَوْلُهُ (وَسِوَى) (مِثْلُ غَيْرٍ) يَعْنِي فِي أَنَّهُ يُسْتَثْنَى بِهِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ كُلُّ مَوْضِعٍ جَازَ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا جَازَ بِسِوَى وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً إذَا وَقَعَ
стр. 508
وَمِنْ ذَلِكَ حُرُوفِ الشَّرْطِ وَهِيَ إنْ وَإِذَا وَإِذَا مَا وَمَتَى وَمَتَى مَا وَكُلُّ وَكُلَّمَا وَمَنْ وَمَا وَإِنَّمَا نَذْكُرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ هَذِهِ الْجُمَلِ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا عَلَى الْإِشَارَةِ وَأَمَّا حَرْفُ إنْ فَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ وُضِعَ لِلشَّرْطِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ مَعْدُومٍ عَلَى خَطَرٍ لَيْسَ بِكَائِنٍ لَا مَحَالَةَ
ــ
[كشف الأسرار]
بَعْدَ اسْمٍ مُفْرَدٍ نَحْوَ مَرَرْت بِرَجُلٍ سِوَاك لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ غَيْرِ وَسِوَى أَنَّ غَيْرًا لَا يَكُونُ ظَرْفًا وَأَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً بِمَنْزِلَةِ مِثْلِ لِأَنَّهُ نَقِيضُهُ تَقُولُ مَرَرْت بِرَجُلٍ غَيْرِك كَمَا تَقُولُ بِرَجُلٍ مِثْلِك وَسِوَى ظَرْفُ مَكَان مَنْصُوبًا أَبَدًا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَلَا يَكُونُ صِفَةً تَابِعَةً لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الظَّرْفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى غَيْرٍ. وَبَيَانُ ظَرْفِيَّتِهِ أَنَّ الْعَرَبَ تُجْرِي الظُّرُوفَ الْمَعْنَوِيَّةَ مَجْرَى الظُّرُوفِ الْحَقِيقَةِ فَيَقُولُونَ جَلَسَ فُلَانٌ مَكَانَ فُلَانٍ وَلَا يَعْنُونَ إلَّا مَنْزِلَةً فِي الذِّهْنِ مَقْدِرَةً فَيَنْصِبُونَهُ نَصْبَ الظَّرْفِ الْحَقِيقَةِ وَيَسْتَعْمِلُونَ سِوَى أَيْضًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَيَقُولُونَ مَرَرْت بِرَجُلٍ سِوَاك وَيَعْنُونَ مَكَانَك وَعِوَضًا مِنْك مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَلَزِمَ أَنْ يَنْتَصِبَ انْتِصَابَ الْمَكَانِ لِلظَّرْفِيَّةِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ظَرْفِيَّتِهِ وُقُوعُهُ صِلَةً نَحْوَ جَاءَنِي الَّذِي سِوَاك بِخِلَافِ غَيْرٍ.
قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَمِمَّا لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا ظَرْفًا سِوَى لَا تَقُولُ فِي السَّعَةِ هَذَا لِسِوَاك وَلَا عَلَى سِوَاك وَإِنَّمَا تَقُولُ بِمَنْ سِوَاك وَبِرَجُلٍ سِوَاك فَتُجْرِيهِ مَجْرَى قَوْلِك مَرَرْت بِرَجُلٍ مَكَانَك فَيَكُونُ مَنْصُوبًا فِي تَقْدِيرِ فِي مَكَانِك قُلْت قَامَ مَقَامَك وَنَزَلَ مَكَانَك كَمَا تَقُولُ أَخَذْت هَذَا بَدَلَ ذَلِكَ. هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَمِنْ تَابَعَهُ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إلَى أَنَّهُ كَمَا يُسْتَعْمَلُ ظَرْفًا يُسْتَعْمَلُ اسْمًا بِمَعْنَى غَيْرٍ فَيُعْرَبُ كَغَيْرٍ مُتَمَسِّكِينَ بِالْبَيْتِ الْحَمَاسِيِّ:
وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعِدْوَانُ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا
وَبِقَوْلِ الْآخَرِ:
وَلَا يَنْطِقُ الْمَكْرُوهَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ... إذَا جَلَسُوا مِنَّا وَلَا مِنْ سَوَائِنَا
فَلَوْ لَزِمَ ظَرْفِيَّةُ سِوَى وَسَوَاءٍ لَمَا ارْتَفَعَ الْأَوَّلُ وَلَمَّا انْجَرَّ الثَّانِي. وَالْجَوَابُ أَنَّ إخْرَاجَهُ عَنْ الظَّرْفِيَّةِ لِضَرُورَةِ الشَّعْرِ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَالْكَلَامُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا ظَرْفًا. فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ سِوَى صِفَةً مِثْلَ غَيْرٍ.
قَالَ الْأَخْفَشُ إذَا كَانَ سِوَى بِمَعْنَى غَيْرٍ فَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ كَسْرُ السِّينِ وَضَمُّهَا مَعَ الْقَصْرِ وَفَتْحُهَا مَعَ الْمَدِّ تَقُولُ مَرَرْت بِرَجُلٍ سِوَاك وَسِوَاك وَسَوَاءَك أَيْ غَيْرِك كَذَا فِي الصِّحَاحِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسَائِلَ الْجَامِعِ فِي فَصْلِ مِنْ فَلَا نُعِيدُهَا.
[حُرُوفِ الشَّرْطِ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ بَابِ حُرُوفِ الْمَعَانِي حُرُوفُ الشَّرْطِ أَيْ كَلِمَاتُ الشَّرْطِ أَوْ أَلْفَاظُ الشَّرْطُ وَتَسْمِيَتُهَا حُرُوفًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا كَلِمَةٌ، إنْ وَهُوَ حَرْفٌ فَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِمَعْنَى الشَّرْطِ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ سِوَاهُ بِخِلَافِ سَائِرِ أَلْفَاظِ الشَّرْطِ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي مَعَانٍ أُخَرَ سِوَى الشَّرْطِ. وُضِعَ لِلشَّرْطِ أَيْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى كَيْنُونَةِ مَا بَعْدَهُ شَرْطًا. قَالُوا مَعْنَى كَلِمَةِ (إنْ) رَبْطُ أَحَدِ الْجُمْلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأُولَى شَرْطًا وَالثَّانِيَةُ جَزَاءً يَتَعَلَّقُ وُقُوعُهَا بِوُقُوعِ الْأُولَى كَقَوْلِك إنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْك يَتَعَلَّقُ الْإِكْرَامُ بِالْإِتْيَانِ. وَإِنَّمَا تَدْخُلُ أَيْ حَرْفُ إنْ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ أَيْ شَأْنٍ مَعْدُومٍ لِأَنَّهُ لِلْمَنْعِ أَوْ لِلْحَمْلِ وَمَنْعُ الْمَوْجُودِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ لَا يَتَحَقَّقُ. عَلَى خَطَرٍ أَيْ تَرَدُّدٍ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يُوجَدَ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُسْتَحِيلِ وَعَنْ الْفِعْلِ الْمُتَحَقِّقِ لَا مَحَالَةَ كَمَجِيءِ الْغَدِ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَادَةِ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ مَا كَانَ مُتَحَقِّقَ الْوُجُودِ لَا يَجُوزُ فِيهِ إنْ وَلَا الْأَسْمَاءُ الْجَازِمَةُ لَا يُقَالُ إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ خَرَجْت وَمَتَى تَطْلُعْ الشَّمْسُ أَخْرُجْ لِأَنَّهَا طَالِعَةٌ خَرَجْت أَوْ لَمْ تَخْرُجْ وَالْجَزَاءُ بِإِنْ مَوْضُوعٌ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مُفْتَقِرٌ إلَى صَاحِبِهِ فِي وُجُودِهِ، وَانْتِفَاءَ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْآخَرِ.
وَقَوْلُهُ لَيْسَ
стр. 509
تَقُولُ إنْ زُرْتنِي أَكْرَمْتُك وَلَا يَجُوزُ إنْ جَاءَ غَدٌ أَكْرَمْتُك وَأَثَرُهُ أَنْ يَمْنَعَ الْعِلَّةَ عَنْ الْحُكْمِ أَصْلًا حَتَّى يَبْطُلَ التَّعْلِيقُ وَهَذَا يَكْثُرُ أَمْثِلَتُهُ وَعَلَى هَذَا قُلْنَا إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى يَمُوتَ الزَّوْجُ فَتَطْلُقُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقُرْبِ مَوْتِهِ وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ طَلُقَتْ ثَلَاثًا قَبْلَ مَوْتِهَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَمَّا إذَا فَإِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ مِنْ الْكُوفِيِّينَ فِيهَا إنَّهَا تَصْلُحُ لِلْوَقْتِ وَلِلشَّرْطِ عَلَى السَّوَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِكَائِنٍ لَا مُحَالَ تَأْكِيدٌ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ الشَّرْطُ فِعْلٌ مُنْتَظَرٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ هُوَ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ بِقَصْدِ نَفْيِهِ أَوْ إثْبَاتِهِ وَلَا يَتَعَقَّبُ الْكَلِمَةَ اسْمٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْخَطَرِ فِي الْأَسْمَاءِ لَا يَتَحَقَّقُ وَدُخُولُ هَذَا الْحَرْفِ فِي الِاسْمِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨] . مِنْ قَبِيلِ الْإِضْمَارِ عَلَى شَرْطِيَّةِ التَّفْسِيرِ أَوْ مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَقَّبُ حَرْفَ الشَّرْطِ هُوَ الْفِعْلُ دُونَ الِاسْمِ. وَأَثَرُهُ أَيْ أَثَرُ حَرْفِ إنْ أَنْ يَمْنَعَ الْعِلَّةَ عَنْ الْحُكْمِ أَيْ يَمْنَعُهَا عَنْ انْعِقَادِهَا عِلَّةً لِلْحُكْمِ. حَتَّى يَبْطُلَ التَّعْلِيقُ أَيْ إلَى أَنْ يَبْطُلَ التَّعْلِيقُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ عِلَّةً. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَثَرُهُ أَنْ يَمْنَعَ الْحُكْمَ عَنْ الْعِلَّةِ وَلَا يَمْنَعُ الْعِلَّةَ عَنْ الِانْعِقَادِ وَسَيَأْتِيك الْكَلَامُ فِيهِ مَشْرُوحًا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى أَنْ إنْ لِلشَّرْطِ الْمَحْضِ قُلْنَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُلُثًا لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِأَنَّ إنْ لِلشَّرْطِ وَأَنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا شَرْطًا وَلَا يُتَيَقَّنُ بِوُجُودِ هَذَا الشَّرْطِ مَا بَقِيَا حَيَّيْنِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ إنْ مَاتَ الزَّوْجُ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ وَلَيْسَ لِذَلِكَ الْقَلِيلِ حَدٌّ مَعْرُوفٌ وَلَكِنْ قُبَيْلَ مَوْتِهِ يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ عَنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْحِنْثِ. فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا مِيرَاثَ لَهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ. وَلَا يُقَالُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ لَدَى الشَّرْطِ وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ التَّكَلُّمِ قَبْلَ الْمَوْتِ حِينَ حَكَمْنَا بِوُجُودِ الشَّرْطِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ مُتَكَلِّمًا بِالطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ لِحَقِيقَةِ التَّطْلِيقِ مِنْ الْقُدْرَةِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّعْلِيقِ أَلَا تَرَى الْعَاقِلُ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعِتْقَ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطَ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَإِنَّهُ يَنْزِلُ الْجَزَاءُ وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ حَقِيقَةُ التَّطْلِيقِ وَالْإِعْتَاقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ شَرْعًا. وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَقَعَ الطَّلَاقُ أَيْضًا قَبْلَ مَوْتِهَا. وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ لِأَنَّهَا مَا لَمْ تَمُتْ فَفَعَلَ التَّطْلِيقَ فَيَتَحَقَّقُ مِنْ الزَّوْجِ وَإِنَّمَا عَجَزَ بِمَوْتِهَا فَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَوَقَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ جَانِبِ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ كَمَا أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ فَقَدْ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ فِعْلِ التَّطْلِيقِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْإِيقَاعَ مِنْ حُكْمِهِ الْوُقُوعُ وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ الْإِيقَاعِ قُبَيْلَ مَوْتِهَا لِأَنَّهُ لَا يُعْقِبُهُ الْوُقُوعُ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِك فَيَقَعُ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ مَوْتِهَا بِلَا فَصْلٍ.
وَلَا مِيرَاثَ لِلزَّوْجِ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ مَوْتِهَا بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَاعْلَمْ أَنَّ إذَا مِنْ الظُّرُوفِ اللَّازِمَةِ ظَرْفِيَّتَهَا وَهُوَ مُضَافٌ أَبَدًا إلَى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وَفِيهِ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِقْبَالِ وَفِيهِ إبْهَامٌ فَنَاسَبَ الْمُجَازَاةَ إذْ الشَّرْطُ لَا يَكُونُ إلَّا مُسْتَقْبَلًا مَجْهُولَ الشَّأْنِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ وَلِهَذَا اخْتَصَّ إذَا بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ. وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظَرْفًا غَيْرَ مُتَضَمَّنٍ لِلشَّرْطِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] . وَذَكَرَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ أَنَّ إذَا لَا يُجَازَى بِهَا إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ:
كَبَيْتِ الْكِتَابِ تَرَفَّعَ لِي خِنْدِفٌ وَاَللَّهُ يَرْفَعُ لِي ... نَارًا إذَا خَمَدَتْ نِيرَانُهُمْ تَقِدُ
قَالَ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُجْزَمَ بِهَا لِأَنَّهُمْ وَضَعُوهَا عَلَى مَا يُنَاسِبُ التَّخْصِيصَ وَيَبْعُدُ مِنْ الْإِبْهَامِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ إنْ الْأَتْرَاك تَقُولُ آتِيك إذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك آتِيك الْوَقْتَ الَّذِي يَحْمَرُّ فِيهِ الْبُسْرُ وَلَوْ قُلْت آتِيك إنْ احْمَرَّ
стр. 510
فَيُجَازَى بِهَا مَرَّةً وَلَا يُجَازَى بِهَا أُخْرَى فَإِذَا جُوزِيَ بِهَا فَإِنَّمَا يُجَازَى بِهَا عَلَى سُقُوطِ الْوَقْتِ عَنْهَا كَأَنَّهَا حَرْفُ شَرْطٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ فَقَدْ قَالُوا إنَّهَا لِلْوَقْتِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ سُقُوطِ الْوَقْتِ عَنْهَا مِثْلَ مَتَى فَإِنَّهَا لِلْوَقْتِ لَا يَسْقُطُ عَنْهَا ذَلِكَ بِحَالٍ وَالْمُجَازَةُ بِهَا لَازِمَةٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمُجَازَاةُ بِإِذَا غَيْرُ لَازِمَةٍ بَلْ هِيَ فِي حَيِّزِ الْجَوَازِ وَإِلَى هَذَا الطَّرِيقِ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بَيَانُهُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا مِثْلَ قَوْلِهِ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقَعُ كَمَا فَرَغَ مِنْ الْيَمِينِ مِثْلَ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك لِأَنَّ إذَا اسْمٌ لِلْوَقْتِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الظُّرُوفِ وَهُوَ لِلْوَقْتِ الْمُسْتَقْبَلِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ لِلْوَقْتِ خَالِصًا فَقِيلَ كَيْفَ الرُّطَبُ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَيْ حِينَئِذٍ.
وَلَا يَصْلُحُ إنْ هُنَا وَيُقَالُ آتِيك إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ وَلَا يَجُوزُ إنْ اشْتَدَّ الْحَرُّ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي خَطَرًا أَوْ تَرَدُّدًا هُوَ أَصْلُهُ وَإِذَا تَدْخُلُ لِلْوَقْتِ عَلَى أَمْرٍ كَائِنٍ أَوْ مُنْتَظَرٍ لَا مَحَالَةَ كَقَوْلِهِ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] وَتُسْتَعْمَلُ لِلْمُفَاجَأَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُفَسَّرًا مِنْ وَجْهٍ وَلَمْ يَكُنْ مُبْهَمًا فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا
ــ
[كشف الأسرار]
الْبُسْرُ لَمْ يَسْتَقِمْ لِأَنَّ احْمِرَارَ الْبُسْرِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْإِتْيَانِ وَإِذَا قُلْت أَخْرُجُ إذَا خَرَجْت كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك أَخْرُجُ الْوَقْتَ الَّذِي تَخْرُجُ فِيهِ وَلَا تَكُونُ مَوْضُوعَةً عَلَى تَعْلِيقِ خُرُوجِ هَذَا بِخُرُوجِ ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِك أَخْرُجْ إنْ خَرَجْت. قَالَ وَمَنْ جَازَى بِهَا فَالْحَمْلُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ وَهُوَ أَنَّ خُرُوجَك لَمَّا تَعَلَّقَ بِوَقْتِ خُرُوجِ الْآخَرِ صَارَ كَأَنَّ هَذَا سَبَبٌ لَهُ فَدَخَلَهُ مَعْنَى الْجَزَاءِ. وَنَظِيرُ إذَا فِي أَنَّ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ دَخَلَهُ وَلَا يُجْزَمُ بِهِ الَّذِي فَإِنَّك تَقُولُ الَّذِي يَفْعَلُ كَذَا فَلَهُ دِرْهَمٌ بِمَعْنَى أَنْ يَفْعَلَ إنْسَانٌ فَلَهُ دِرْهَمٌ ثُمَّ لَا تَجْزِمُ بِهِ (قَوْلُهُ فَيُجَازِي بِهَا) أَيْ بِكَلِمَةِ إذَا مَرَّةً وَلَا يُجَازِي بِهَا أُخْرَى أَيْ تُسْتَعْمَلُ مَرَّةً لِلشَّرْطِ وَيُرَتَّبُ عَلَيْهَا الْجَزَاءُ وَتُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ مَرَّةً.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلِمَةَ إذَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْوَقْتِ وَالشَّرْطِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ فَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الشَّرْطِ لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَعْنَى الْوَقْتِ وَصَارَتْ بِمَعْنَى إنْ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي أَحَدِ الْمَعَانِي لَمْ يَبْقَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى غَيْرِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀. وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ هِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلْوَقْتِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ سُقُوطِ مَعْنَى الْوَقْتِ كَمَتَى وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَأَمَّا إذَا نَوَى الشَّرْطَ أَوْ الْوَقْتَ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى بِالِاتِّفَاقِ. وَالْمُجَازَاةُ بِهَا أَيْ بِكَلِمَةِ مَتَى لَازِمَةٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِفْهَامِ. وَمَوْضِعُ الِاسْتِفْهَامِ مِثْلُ قَوْلِك مَتَى الْقِتَالُ أَوْ مَتَى خَرَجَ زَيْدٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَزَاءَ فِي مُقَابَلَةِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّهُ طَلَبُ الْفَهْمِ عَنْ وُجُودِ شَيْءٍ. وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ إذَا لِلشَّرْطِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ مَعْنَى الْوَقْتِ عَنْهُ لِأَنَّ الْمُجَازَاةَ فِي مَتَى أَلْزَمُ مِنْهَا فِي إذَا لِأَنَّهَا فِي مَتَى لَازِمَةٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِفْهَامِ وَفِي إذَا جَائِزَةٌ ثُمَّ لَمْ يَسْقُطْ مَعْنَى الْوَقْتِ عَنْ مَتَى فِي الْمُجَازَاةِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنْ إذَا فِيهَا. وَإِذَا تَدْخُلُ لِلْوَقْتِ أَيْ لِإِفَادَةِ الْوَقْتِ الْخَالِصِ.
عَلَى أَمْرٍ كَائِنٍ أَيْ مَوْجُودٍ فِي الْحَالِ كَقَوْلِهِ:
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا ... وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ
أَوْ مُنْتَظَرٍ. لَا مَحَالَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] . لِأَنَّ ذَلِكَ سَيُوجَدُ قَطْعًا. وَتُسْتَعْمَلُ لِلْمُفَاجَأَةِ. إذَا الْمُفَاجَأَةُ هِيَ الْكَائِنَةُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ الطَّالِبَةِ نَاصِبًا لَهَا وَجُمْلَةً تُضَافُ إلَيْهَا وَتِلْكَ الْجُمْلَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَالْعَامِلُ فِي إذَا هَذِهِ مَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ وَهُوَ عَامِلٌ لَا يَظْهَرُ لِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ إظْهَارِهِ بِقُوَّةِ مَا فِيهِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُك خَرَجْت فَإِذَا زَيْدٌ بِالْبَابِ إذْ لَوْ كَانَ الْعَامِلُ خَرَجْت يَلْزَمُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْعَامِلِ وَمَعْمُولِهِ بِالْفَاءِ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَغَرَضُ الشَّيْخُ أَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ لِلْمُفَاجَأَةِ وَالْمُفَاجَأَةُ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَى الشَّرْطِ بِوَجْهٍ. قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَمِمَّا يُجَابُ بِهِ الشَّرْطُ إذَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] . فَهُمْ مُبْتَدَأٌ وَيَقْنَطُونَ خَبَرُهُ وَإِذَا بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ فِي تَعْلِيقِهِ الْجُمْلَةَ بِالشَّرْطِ وَذَلِكَ أَنَّ إذَا الْمُفَاجَأَةِ دَالَّةٌ عَلَى التَّعْقِيبِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَاءُ فَإِنَّك إذَا قُلْت مَرَرْت بِهِ إذَا هُوَ عَبْدٌ مَعْنَاهُ مَرَرْت فَبِحَضْرَتِي هُوَ عَبْدٌ فَإِذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك فَبِحَضْرَتِي وَمُتَضَمَّنٍ لِمَعْنَى التَّعْقِيبِ الَّذِي هُوَ فِي الْفَاءِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] . فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ يَقْنَطُوا إذَا قِيلَ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقْنَطُوا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ وَإِذَا كَانَ إذَا مُسْتَعْمَلًا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعَانِي كَانَ مُفَسَّرًا أَيْ مَعْلُومًا مِنْ وَجْهٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ وُجُودَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ
стр. 511
إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مُسْتَعَارًا مَعَ قِيَامِ مَعْنَى الْوَقْتِ مِثْلُ مَتَى الْزَمْ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ الْوَقْتُ فَهَذَا أَوْلَى فَصَارَ الطَّلَاقُ مُضَافًا إلَى زَمَانٍ خَالٍ عَنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت لَمْ يَتَقَدَّرْ بِالْمَجْلِسِ مِثْلَ مَتَى بِخِلَافِ إنْ وَلَا يَصِحُّ طَرِيقُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ إذَا قَدْ يَكُونُ حَرْفًا بِمَعْنَى الشَّرْطِ مِثْلَ إنْ وَقَدْ ادَّعَى ذَلِكَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَاحْتَجَّ الْفَرَّاءُ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
اسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى ... وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وَإِنْ تُصِبْك خَصَاصَةٌ بِلَا شُبْهَةٍ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي إذَا عَلَى التَّعَارُضِ أَعْنِي مَعْنَى الشَّرْطِ الْخَالِصِ وَمَعْنَى الْوَقْتِ وَقَعَ الشَّكُّ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَقَعْ بِالشَّكِّ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي انْقِطَاعِ الْمَشِيئَةِ بَعْدَ الثُّبُوتِ فِيمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ فَلَا تَبْطُلُ بِالشَّكِّ
ــ
[كشف الأسرار]
مَعْلُومٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ وُجُودِهِ عَيْنًا فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا هُوَ مُتَرَدِّدُ الْوُجُودِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى مَا مَرَّ إلَّا أَنَّهُ أَيْ لَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ. مُسْتَعَارًا أَيْ مَجَازًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ مَعَ قِيَامِ مَعْنَى الْوَقْتُ. وَلَا يُقَالُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. لِأَنَّا نَقُولُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ الْوَقْتَ يَصْلُحُ شَرْطًا وَعَدَمُ جَوَازِ الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ التَّنَافِي. وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا كَانَ الطَّلَاقُ مُضَافًا إلَى زَمَانٍ خَالٍ عَنْ الْإِيقَاعِ وَكَمَا سَكَتَ وَجَدَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَتَطْلُقُ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِالْحُكْمِ فَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت لَمْ يَتَقَدَّرْ بِالْمَجْلِسِ كَمَا لَوْ قَالَ مَتَى فَلَوْ كَانَ إذَا لِلشَّرْطِ لَبَطَلَتْ الْمَشِيئَةُ إذَا قَامَتْ عَنْ الْمَجْلِسِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت بَطَلَتْ مَشِيئَتُهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لِلْوَقْتِ حَقِيقَةً. قَدْ يَكُونُ حَرْفًا بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّ كَوْنَهُ اسْمًا بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْوَقْتِ فَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ مَعْنَى الْوَقْتِ عِنْدَهُمْ بِإِرَادَةِ مَعْنَى الشَّرْطِ كَانَ حَرْفًا كَإِنْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ اسْمًا وَحَرْفًا كَعَنْ وَعَلَى وَالْكَافِ وَنَحْوِهَا وَاحْتَجَّ الْفَرَّاءُ وَهُوَ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الْفَرَّاءُ لِذَلِكَ أَيْ لِكَوْنِهِ لِلشَّرْطِ الْمَحْضِ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ وَالشِّعْرُ لِوَاحِدٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ يُوصَى ابْنَهُ وَأَوَّلَهُ:
أَجَمِيلُ إنِّي كُنْتُ كَارِمَ قَوْمِهِ ... فَإِذَا دُعِيتُ إلَى الْمَكَارِمِ فَاعْجَلْ
أُوصِيكَ يَا ابْنِي إنَّنِي لَكَ نَاصِحُ ... طَبِنٌ بِرَيْبِ الدَّهْرِ غَيْرُ مُغَفَّلِ
اللَّهَ فَاتَّقِهِ وَأَوْفِ بِنَذْرِهِ ... وَإِذَا حَلَفْتَ مُمَارِيًا فَتَحَلَّلْ
وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّك بِالْغِنَى ... وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
وَإِذَا تَجَاسَرَ عِنْدَ عَقْلِكَ مَرَّةً ... أَمْرَانِ فَاعْمِدْ لِلْأَعْسَفِ الْأَجْمَلِ
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
أَبُنَيَّ إنَّ أَبَاكَ كَارِبُ يَوْمِهِ
مِنْ كَرِبَ الشَّيْءُ إذَا دَنَا
أُوصِيك إيصَاءَ امْرِئٍ لَك نَاصِحِ ... طَبِنٍ بِرَيْبِ الدَّهْرِ غَيْرِ مُعَقَّلِ
مِنْ عَقَلْتُ الْإِبِلَ أَيْ شَدَدْتُ عِقَالَهَا وَالطَّبِنُ الْحَاذِقُ يَقُولُ إنَّ أَبَاك قَرِيبُ يَوْمِ مَوْتِهِ أَوْ كَرِيمُ قَوْمِهِ فَاعْمَلْ بِنَصِيحَتِي فَإِنِّي بِصُرُوفِ الدَّهْرِ عَالَمٌ غَيْرُ عَاقِلٍ أَوْ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ الْعِلْمِ بِهَا. فَمِنْ نَصَائِحِي أَنْ تَعُدَّ نَفْسَك غَنِيًّا بِالْغِنَى وَتُظْهِرَ ذَلِكَ مَا أَغْنَاك اللَّهُ وَإِذَا أَصَابَتْك مَسْكَنَةٌ وَفَقْرٌ فَتَكَلَّفْ بِالصَّبْرِ عَلَى الْفِعْلِ الْجَمِيلِ أَيْ اصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا مِنْ غَيْرِ جَزَعٍ وَشَكْوَى. أَوْ مَعْنَى تَجَمَّلْ أَظْهِرْ الْغِنَى مِنْ نَفْسِك بِالتَّجَمُّلِ وَالتَّزَيُّنِ كَيْ لَا يَقِفَ النَّاسُ عَلَى حَالِك. أَوْ مَعْنَاهُ كُلْ الْجَمِيلَ وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُذَابُ تَعَفُّفًا.
إنَّمَا مَعْنَاهُ إنْ تُصِبْك خَصَاصَةٌ بِلَا شُبْهَةٍ لِأَنَّ إصَابَةَ الْخَصَاصَةِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَرَدِّدَةِ وَكَلِمَةُ إذَا إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْوَقْتِ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَمْرِ الْكَائِنِ أَوْ الْمُنْتَظَرِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ عَادَةً أَوْ شَرْعًا نَحْوَ مَجِيءِ الْغَدِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ فَلَوْ لَمْ تَصِرْ كَلِمَةُ إذَا هَاهُنَا بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَبَقِيَ مَعْنَى الْوَقْتِ فِيهَا لَمَا جَازَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْأَمْرِ الْمُتَرَدِّدِ بِخِلَافِ مَتَى لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ لَا مَحَالَةَ فَاسْتِعْمَالُهَا لِلشَّرْطِ لَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ مَعْنَى الْوَقْتِ عَنْهَا. فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَتَى حَتَّى يَبْقَى الْوَقْتُ فِيهَا مُعْتَبَرًا أَوْ إنْ جُوزِيَ بِهَا كَمَا فِي مَتَى. قُلْنَا لَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُ خَاصِّيَّتِهِ وَهِيَ الدُّخُولُ فِي الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْوَقْتِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّ الْجَزْمَ بِهِ وَدُخُولَ الْفَاءِ فِي جَوَابِهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى إنْ لَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ أَنَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ إلَّا أَنَّ النِّزَاعَ فِي سُقُوطِ مَعْنَى الْوَقْتِ عَنْهُ وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ وَمَتَى تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ لَاسْتَقَامَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى أَيْضًا مِنْ غَيْرِ سُقُوطِ مَعْنَى
стр. 512
وَكَذَلِكَ إذْ.
فَأَمَّا مَتَى فَاسْمٌ لِلْوَقْتِ الْمُبْهَمِ بِلَا اخْتِصَاصٍ فَكَانَ مُشَارِكًا لِأَنَّ فِي الْإِبْهَامِ فَلَزِمَ فِي بَابِ الْمُجَازَاةِ وَجَزَمَ بِهَا مِثْلَ إنْ لَكِنْ مَعَ قِيَامِ الْوَقْتِ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَتُهَا فَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك عَقِيبَ الْيَمِينِ وَقَوْلُهُ مَتَى شِئْت لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمَجْلِسِ وَكَذَلِكَ مَتَى مَا
وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ كُلَّمَا وَكَذَلِكَ مَنْ وَمَا يَدْخُلَانِ فِي هَذَا الْبَابِ لِإِبْهَامِهِمَا وَالْمَسَائِلُ فِيهِمَا كَثِيرَةٌ خُصُوصًا فِي مَنْ
ــ
[كشف الأسرار]
الْوَقْتِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا مَا) يَعْنِي لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ دُخُولِ مَا عَلَى إذَا وَبَيْنَ عَدَمِهِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ.
إلَّا أَنَّ دُخُولَ مَا تَحَقَّقَ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ. وَمَا هَذِهِ تُسَمَّى الْمُسَلَّطَةُ وَمَعْنَى الْمُسَلَّطَةِ أَنْ تَجْعَلَ الْكَلِمَةَ الَّتِي لَا تَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَهَا عَامِلَةً فِيهِ تَقُولُ إذَا مَا تَأْتِنِي أَكْرَمِك فَمَا هِيَ الَّتِي سَلَّطَتْ إذَا عَلَى الْجَزْمِ لِأَنَّهُ كَانَ اسْمًا يُضَافُ إلَى الْجُمَلِ غَيْرَ عَامِلٍ فَجَعَلَتْهُ مَا حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْمُجَازَاةِ عَامِلَةً بِمَنْزِلَةِ مَتَى وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ مَا فِي إذَا صِلَةٌ كَذَا فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَتَى) إلَى آخِرِهِ مَتَى مِنْ الظُّرُوفِ أَيْضًا وَهُوَ اسْمٌ لِلْوَقْتِ الْمُبْهَمِ وَأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ وَكَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ فِي الِاسْتِفْهَامِ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ أَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا إلَى مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ فَأَتَى بِمَتَى لِلْإِيجَازِ فَاشْتَمَلَ عَلَى الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ هُوَ اسْمٌ لِلْوَقْتِ الْمُبْهَمِ.
وَلِهَذَا الْمَعْنَى جُعِلَ نَائِبًا عَنْ إنْ فِي الشَّرْطِ إذَا كَانَ اللَّازِمُ فِي قَوْلِك مَتَى تَأْتِنِي أُكْرِمْك أَنْ تَقُولَ إنْ تَأْتِنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ أُكْرِمْك وَإِنْ تَأْتِنِي يَوْمَ السَّبْتِ أُكْرِمْك إلَى حَدٍّ يُوجِبُ الْإِطَالَةَ فَجِئْت بِمَتَى فَحَصَلَ الْمَقْصُودُ وَالْفَصْلُ. بَيْنَ إذَا وَمَتَى أَنَّ إذَا لِلْأُمُورِ الْوَاجِبِ وُجُودُهَا وَمَتَى لَمْ يَتَوَقَّعْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ تَقُولُ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ خَرَجْت وَإِذَا أُذِّنَ لِلصَّلَاةِ قُمْت وَلَا يَصْلُحُ فِي مِثْلِ هَذَا مَتَى وَتَقُولُ مَتَى تَخْرُجْ أَخْرُجْ مَعَ مَنْ لَا يَتَيَقَّنُ بِخُرُوجِهِ فَتَبَيَّنَ بِمَا قُلْنَا إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِلَا اخْتِصَاصٍ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ فَلِذَلِكَ كَانَ مُشَارِكًا لِأَنَّ فِي الْإِبْهَامِ لِتَرَدُّدِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مَتَى بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يُوجَدَ كَمَا فِي كَلِمَةِ إنْ. فَلَزِمَ فِي بَابِ الْمُجَازَاةِ يَعْنِي فَلِهَذِهِ الْمُشَارَكَةِ لَزِمَ مَتَى فِي بَابِ الْمُجَازَاةِ أَيْ الْمُجَازَاةِ بِهِ لَازِمَةٌ يَعْنِي فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِفْهَامِ مِثْلَ إنْ إلَّا أَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي قِيَامِ مَعْنَى الْوَقْتِ وَانْتِفَائِهِ. وَأَمَّا فِي مَوْضِعِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّمَا لَا يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الشَّرْطِ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الْفَهْمِ عَنْ وُجُودِ الْفِعْلِ فَلَا يَسْتَقِيمُ إضْمَارُ حَرْفِ إنْ فَوَقَعَ الطَّلَاقُ عَقِيبَ الْيَمِينِ بِلَا فَصْلٍ لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ وَهُوَ الْوَقْتُ الْخَالِي عَنْ الْإِيقَاعِ.
وَقَوْلُهُ مَتَى شِئْت لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمَجْلِسِ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ إبْهَامِهِ يَعُمُّ الْأَزْمِنَةَ وَكَذَلِكَ مَتَى مَا يَعْنِي كَمَا عَرَفْت حُكْمَ مَتَى فِي الشَّرْطِ فَكَذَلِكَ حُكْمُ مَتَى مَا بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ مَا عَلَيْهِ يُصَيَّرُهُ لِلْجَزَاءِ الْمَحْضِ وَلَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِفْهَامِ.
وَمَنْ وَمَا يَدْخُلَانِ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ بَابِ الشَّرْطِ لِإِبْهَامِهِمَا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتَنَاوَلُ عَيْنًا. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مَنْ وَمَا لِإِبْهَامِهِمَا دَخَلَا فِي بَابِ الْعُمُومِ عَلَى مَا مَرَّ فَلَمَّا كَانَ الْعُمُومُ فِي الشَّرْطِ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ وَتَخْصِيصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ بِالذِّكْرِ مُتَعَسِّرٌ أَوْ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مَنْ وَمَا يُؤَدِّيَانِ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ الْإِيجَازِ وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ نَابَا مَنَابَ إنْ فَقِيلَ مَنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْهُ وَمَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ. وَالْمَسَائِلُ فِيهِمَا كَثِيرَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَهُوَ حُرٌّ. مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ فَلَهُ رَأْسٌ. وَمَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لِلشَّرْطِ فَهُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى أَيٍّ تَقُولُ مَا تَصْنَعْ اصْنَعْ وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] . وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْفِقْهِ كَذَا فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ قَوْلُهُ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) إلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ لَوْ فِيهِ مَعْنَى
стр. 513
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّرَقُّبِ فَعَمِلَ عَمَلَ الشَّرْطِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا صُحْبَتُك وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاقِعٍ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ
ــ
[كشف الأسرار]
الشَّرْطِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَعْلِيقُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَبَايِنَتَيْنِ بِالْأُخْرَى عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّانِيَةُ جَوَابًا لِلْأُولَى كَانَ وَلِهَذَا يَتَعَقَّبُهُ الْفِعْلُ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا.
إلَّا أَنَّ لَوْ لِلْمَاضِي تَقُولُ جِئْتنِي لَأَكْرَمْتُك وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَوْ لِامْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْفِعْلَ الثَّانِيَ لَمَّا تَعَلَّقَ وُقُوعُهُ بِوُجُودِ الْأَوَّلِ وَامْتَنَعَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي إذَا عُدِمَ اسْتَحَالَ إيجَادُهُ فِيهِ بَعْدُ كَانَ الثَّانِي أَيْضًا مُمْتَنِعًا ضَرُورَةَ تَعَلُّقِهِ بِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ لَعَتَقْت وَلَمْ يَدْخُلْ الْعَبْدُ الدَّارَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَدَخَلَهَا بَعْدُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَقَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَوْ كُنْت دَخَلَتْ الدَّارَ أَمْسِ لَصِرْت حُرًّا وَلَا تَعَلُّقَ لِهَذَا الْكَلَامِ بِالْمُسْتَقْبَلِ كَمَا تَرَى إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ عَلَّقُوا الْعِتْقَ بِالدُّخُولِ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ لَوْ لِمُوَاخَاتِهَا كَلِمَةَ إنْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِقْبَالِ كَأَنْ يُقَالَ لَوْ اسْتَقْبَلْت أَمْرَك بِالتَّوْبَةِ لَكَانَ خَيْرًا لَك أَيْ إنْ اسْتَقْبَلْت. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] . أَيْ وَإِنْ أَعْجَبَكُمْ ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] . كَمَا أَنَّ إنْ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى لَوْ قَالَ تَعَالَى إخْبَارًا ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] . وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ رَوَاهُ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ وَلَوْ بِمَنْزِلَةِ إنْ كَذَا فِي كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ وَلَيْسَ فِيهِ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَإِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ النَّوَادِرِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ رُوِيَ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّرَقُّبِ أَيْ الِانْتِظَارِ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ الْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُتَرَدِّدًا فَيُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّرَقُّبُ. ثُمَّ اللَّامُ تَدْخُلُ فِي جَوَابِ لَوْ لِتَأْكِيدِ ارْتِبَاطِ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . وَيَجُوزُ حَذْفُهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] . وَلَا تَدْخُلُ الْفَاءُ فِي جَوَابِهِ لِأَنَّ الْفَاءَ إنَّمَا تَدْخُلُ فِي جُمْلَةٍ لَوْ كَانَ مَكَانَهَا الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ انْجَزَمَ وَكَلِمَةُ لَوْلَا تَعْمَلُ فِي الْجَزْمِ أَصْلًا لِأَنَّهَا لِلْمَاضِي وَالْجَزْمُ يَخْتَصُّ بِالْمُضَارِعِ عَلَى مَا عُرِفَ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْحَسَنُ الْأَهْوَازِيُّ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ الْفَاءَ لَا تَدْخُلُ فِي جَوَابِ لَوْ كَمَا أَنَّ الْوَاوَ لَا تَدْخُلُ فِي جَوَابِ إنْ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ هُوَ كَمَا قَالَ الْأَهْوَازِيُّ أَنَّ الْفَاءَ لَا تَدْخُلُ فِي جَوَابِ لَوْ عِنْدَ النَّجَاةِ بِلَا خِلَافٍ فَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنِّي سَأَلْت الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا عَاصِمٍ الْعَامِرِيَّ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقُلْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَ لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ وَمَا سَأَلَتْهُ عَنْ الْعِلَّةِ وَالْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ لَوْ شَرْطٌ صَحِيحٌ كَانَ وَقَدْ جَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الْآخَرِ كَمَا ذَكَرْنَا فَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مَوْقِعَ أَنَّ فِي جَوَازِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي جَوَابِهِ.
قَالَ وَلِأَنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يَعْتَبِرُونَ الْإِعْرَابَ لِأَنَّ الْعَامَّةَ تُخْطِئُ وَتُصِيبُ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ زَنَيْتِ بِكَسْرِ التَّاءِ أَوْ لِامْرَأَتِهِ زَنَيْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ فِي الصُّورَتَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ صَحِبْتُك) . لَوْلَا لِامْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ زِيدَتْ عَلَى لَوْ كَلِمَةُ لَا لِتَخْرُجَهُ مِنْ امْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ. وَتُسَمَّى لَا هَذِهِ الْمُغَيِّرَةُ لِمَعْنَى الْحَرْفِ. وَلَا يَقَعُ بَعْدَهَا إلَّا
стр. 514
وَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ بَابًا بَنَاهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحُرُوفِ الَّتِي ذَكَرْنَا آمِنُونِي عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ قَالَ ذَلِكَ رَأْسُ الْحِصْنِ فَفَعَلْنَا وَقَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى عَشَرَةٍ غَيْرِهِ وَالْخِيَارُ إلَيْهِ وَلَوْ قَالَ آمِنُونِي وَعَشَرَةً فَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْخِيَارَ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ قَالَ بِعَشَرَةٍ فَمِثْلُ قَوْلِهِ وَعَشَرَةً وَلَوْ قَالَ فِي عَشَرَةٍ وَقَعَ عَلَى تِسْعَةٍ سِوَاهُ وَالْخِيَارُ إلَى الْإِمَامِ
ــ
[كشف الأسرار]
الِاسْمُ الْمُتَبَدَّأُ فَإِذَا قُلْت لَوْلَا زَيْدٌ كَانَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ أَوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ لَوْلَا زَيْدٌ مَوْجُودٌ لَكَانَ كَذَا وَحُذِفَ هَذَا الْخَبَرُ حَذْفًا لَازِمًا لِطُولِ الْكَلَامِ بِالْجَوَابِ الَّذِي هُوَ قَوْلُك لَكَانَ كَذَا وَلِأَنَّ الْحَالَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَيَدْخُلُ فِي جَوَابِهَا اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ أَيْضًا فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا صُحْبَتُكِ أَوْ لَوْلَا حُسْنُك أَوْ لَوْلَا حُبُّك إيَّايَ لَا يَقَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ وَهُوَ رَبْطُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَبَايِنَتَيْنِ بِالْأُخْرَى وَامْتِنَاعُ الْجَزَاءُ وَأَثَرُ الشَّرْطُ هُوَ الرَّبْطُ وَالْمَنْعُ إلَّا أَنَّ فِي الشَّرْطِ الْحَقِيقِيِّ يُتَوَقَّعُ وُقُوعُ الْجَزَاءِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَفِي لَوْلَا لَا تَوَقُّعَ لِلْجَزَاءِ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَلِهَذَا قَالُوا إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَهُوَ قَوْلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ يُخْرِجُ الْكَلَامَ عَنْ الْإِيجَابِ وَالِاعْتِبَارِ حَتَّى لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ زَالَ حُسْنُهَا أَوْ مَاتَ زَيْدٌ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا حُسْنُك أَوْ لَوْلَا زَيْدٌ لَا تَطْلُقُ. وَقَدْ رَوَى إبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا أَبُوك أَوْ أَخُوك أَوْ لَوْلَا حُسْنُك أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ.
وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرَهِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا دُخُولُك الدَّارَ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ وَيَجْعَلُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلُهُ (وَذَكَرَ) أَيْ مُحَمَّدٌ. فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ بَابًا. إلَى آخِرِهِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ إذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَأْسُ الْحِصْنِ فَقَالَ آمِنُونِي عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْحِصْنِ عَلَى أَنْ أَفْتَحَهُ لَكُمْ فَقَالُوا لَك ذَلِكَ فَفَتَحَ الْحِصْنَ فَهُوَ آمِنٌ وَعَشْرَةٌ مَعَهُ لِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ نَصًّا بِقَوْلِ آمِنُونِي وَالنُّونُ وَالْيَاءُ يُكْنِي بِهِمَا الْمُتَكَلِّمُ عَنْ نَفْسِهِ وَكَلِمَةُ عَلَى لِلشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ عَلَى عَشْرَةٍ وَقَدْ شَرَطَ أَمَانَ عَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ مَعَ أَمَانِ نَفْسِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ. ثُمَّ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ إلَى رَأْسِ الْحِصْنِ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ لِأَنَّ عَلَى لِلِاسْتِعْلَاءِ وَهُوَ لَيْسَ بِذِي حَظٍّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي أَمَانِهِمْ فَقَدْ اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ بِلَفْظٍ عَلَى حِدَةٍ وَلَيْسَ بِذِي حَظٍّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِأَمَانِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا لِمَنْ تَنَاوَلَهُ الْأَمَانُ مِنْهُمْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي الْمَجْهُولِ كَالْإِيجَابِ الْمُتَبَدَّأِ مِنْ وَجْهٍ.
وَلَوْ قَالَ أَمِّنُونِي وَعَشَرَةً عَلَى أَنْ أَفْتَحَ لَكُمْ فَالْأَمَانُ لَهُ وَلَوْ عَشْرَةٌ سِوَاهُ لِأَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ وَإِنَّمَا يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ فَفِي كَلَامِهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِصْنِ إلَّا ذَلِكَ الْعَدَدُ أَوْ أَقَلُّ فَهُمْ آمِنُونَ كُلُّهُمْ لِأَنَّ الْأَمَانَ بِذِكْرِ الْعَدَدِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَانِ لَهُمْ بِالْإِشَارَةِ إلَى أَعْيَانِهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ كَثِيرًا فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ إلَى الْإِمَامِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ وَإِنَّمَا عَطَفَ أَمَانَهُمْ عَلَى أَمَانِ نَفْسِهِ فَكَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْمُوجِبُ لَهُمْ لِلْأَمَانِ فَإِلَيْهِ التَّعْيِينُ. وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ الْعَشَرَةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فَلَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ وَلَوْ قَالَ أَمِّنُونِي بِعَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ كَانَ هَذَا.
وَقَوْلُهُ وَعَشَرَةٌ سِوَاهُ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَقَدْ أَلْصَقَ أَمَانَ الْعَشَرَةِ بِأَمَانِهِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْعَشَرَةُ سِوَاهُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ زَلَّ بِهِ قَلَمُ الْكَاتِبِ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ أَمِّنُونِي فَعَشَرَةً لِأَنَّ الْفَاءَ مِنْ حُرُوفِ
стр. 515
وَلَوْ قَالَ آمِنُوا لِي عَشَرَةً عَلَى عَشَرَةٍ لَا غَيْرُ وَلِرَأْسِ الْحِصْنِ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِيهِمْ وَالْخِيَارُ فِيهِمْ إلَيْهِ وَذَلِكَ يَخْرُجُ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ.
ــ
[كشف الأسرار]
الْعَطْفِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْوَصْلَ وَالتَّعْقِيبَ فَيَسْتَقِيمُ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ أَمِّنُونِي فَعَشَرَةً فَأَمَّا الْبَاءُ فَيَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَمِّنُونِي بِعَشَرَةٍ بِمَعْنَى عَشَرَةٍ أُعْطِيكُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِي وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَسَائِلِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُ أَمِّنُونِي فَعَشَرَةً وَلَوْ قَالَ أَمِّنُونِي ثُمَّ عَشَرَةً كَانَ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءً وَالْعَشَرَةُ سِوَاهُ لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فَعَشَرَةً لِأَنَّهُ بَدَأَ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ مُطْلَقًا ثُمَّ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ عَلَى وَجْهِ التَّعْقِيبِ بِلَا مُهْلَةٍ ثُمَّ بِمَا هُوَ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي.
وَرَأَيْت مَكْتُوبًا عَلَى حَاشِيَةِ شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ عِنْدَ تَقْرِيرِ هَذَا الْغَلَطِ قِيلَ وَلَا يَتَمَخَّضُ هَذَا غَلَطًا لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ عِنْدَ عَدَمِ الِالْتِبَاسِ وَالتَّقْدِيرُ أَمِّنُونِي بِأَمَانِ عَشْرَةٍ وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْأَمَانِ مَفْهُومًا بِقَوْلِهِ أَمِّنُونِي اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ ثَانِيًا وَالْبَاءُ حِينَئِذٍ تُفِيدُ مَعْنَى الِالْتِبَاسِ وَالِامْتِزَاجِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] . وَكَقَوْلِهِمْ خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلَاحِهِ. وَمِثْلُ هَذَا الْحَذْفِ فِي قَوْلِهِمْ اضْرِبْ السَّارِقَ كَالْحَدَّادِ أَيْ كَضَرْبِ الْحَدَّادِ وَلَمَّا كَانَ مَعْنَى الضَّرْبِ مَفْهُومًا بِقَوْلِهِمْ اضْرِبُوا اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ وَالْبَاءُ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلَى مَعْنَى الْعِوَضِ بَلْ هِيَ لِمَعَانِي جَمَّةٍ فَافْهَمْ. وَلَكِنَّ الْمُوجِبَ لِلْقَوْلِ بِالْغَلَطِ مَا ذَكَرَ أَنَّ تَخَلُّلَ الْبَاءِ بَيْنَ حُرُوفِ الْعَطْفِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِأَنَّ الظَّاهِرَ نَسْقُ الْمُتَجَانِسَاتِ أَمَّا الْمَعْنَى بِالنَّظَرِ إلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَحْدَهَا فَغَيْرُ فَاسِدٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ قَالَ أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنِّي آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ أَوْ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُونِي فِي عَشَرَةٍ فَهُوَ آمِنٌ وَتِسْعَةٌ مَعَهُ لِأَنَّ حَرْفَ فِي لِلظَّرْفِ وَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ الْتَمِسْ الْأَمَانَ لَهُمْ فَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ إلَّا تِسْعَةً مَعَهُ لِأَنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَ عَشَرَةً سِوَاهُ كَانَ هُوَ آمِنًا فِي أَحَدَ عَشَرَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ جَعَلَ الْعَشَرَةَ هُنَا ظَرْفًا لِنَفْسِهِ وَالْمَظْرُوفُ غَيْرُ الظَّرْفِ. قُلْنَا هُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الظَّرْفُ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ إلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَدُهُمْ وَيُجْعَلَ كَأَنَّهُ قَالَ اجْعَلُونِي أَحَدَ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ تُؤَمِّنُونَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنَى الظَّرْفِ حَقِيقَةً يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أَوْ بِمَعْنَى كَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ. إخْبَارًا ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] . وَبِاعْتِبَارِ الْوَجْهَيْنِ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ سِوَاهُ. قُلْنَا الْكَلِمَةُ لِلظَّرْفِ حَقِيقَةً فَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَذَلِكَ فِي أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَدُهُمْ دَاخِلًا فِي عَدَدِهِمْ فَلِهَذَا لَا تَحْمِلُهَا عَلَى الْمَجَازِ ثُمَّ الْخِيَارُ فِي التِّسْعَةِ إلَى الْإِمَامِ لَا إلَى رَأْسِ الْحِصْنِ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ أَحَدَ الْعَشَرَةِ فَكَمَا لَا خِيَارَ لِمَنْ سِوَاهُ مِنْ الْعَشَرَةِ فِي التَّعْيِينِ لَا خِيَارَ لَهُ وَهَذَا لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِ الْعَشَرَةِ عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَهُ حُكْمُ أَمَانِهِمْ لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ مُعَيِّنًا لَهُمْ وَقَدْ نَالَ مَا سَأَلَ بَقِيَ الْإِمَامُ مُوجِبًا الْأَمَانَ لِتِسْعَةٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ فَإِلَيْهِ بَيَانُهُمْ. وَلَوْ قَالَ آمِنُوا لِي عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ فَلَهُ عَشَرَةٌ يَخْتَارُ أَيْ عَشَرَةً شَاءَ فَإِنْ اخْتَارَ عَشَرَةً هُوَ أَحَدُهُمْ فَذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ وَإِنْ اخْتَارَ عَشَرَةً سِوَاهُ فَالْعَشَرَةُ آمِنُونَ وَهُوَ فَيْءٌ لِأَنَّهُ مَا اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ عَيْنًا وَإِنَّمَا اسْتَأْمَنَ مِنْ لِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ وَلَكِنْ بِقَوْلِهِ لِي شَرْطٌ لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ ذَا حَظٍّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَا حَظٍّ عَلَى وَجْهِ مُبَاشَرَةِ الْأَمَانِ لَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعَيِّنُ لِلْعَشَرَةِ وَنَفْسُهُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ كَنَفْسِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ
стр. 516
وَمِنْ ذَلِكَ كَيْفَ وَهُوَ سُؤَالٌ عَنْ الْحَالِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْحَالِ فَإِنْ اسْتَقَامَ، وَإِلَّا بَطَلَ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْت أَنَّهُ إيقَاعٌ وَفِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ يَقَعُ الْوَاحِدَةَ وَيَبْقَى الْفَضْلُ فِي الْوَصْفِ وَالْقَدْرِ وَهُوَ الْحَالُ مُفَوَّضًا بِشَرْطِ نِيَّةِ الزَّوْجِ، وَقَالَا مَا لَا يَقْبَلُ الْإِشَارَةَ فَحَالُهُ وَوَصْفُهُ بِمَنْزِلَةِ أَصْلِهِ فَتَعَلَّقَ الْأَصْلُ بِتَعَلُّقِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
نَصًّا فَإِنْ عَيَّنَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ صَارَ آمِنًا بِمَنْزِلَةِ التِّسْعَةِ الَّذِينَ عَيَّنَهُمْ مَعَ نَفْسِهِ وَإِنْ عَيَّنَ عَشَرَةً سِوَاهُ فَقَدْ تَعَيَّنَ حُكْمُ الْأَمَانِ فِيهِمْ وَصَارَ هُوَ فَيْئًا كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ وَكَانَ مَعْنَى كَلَامِهِ أَمِّنُوا لِأَجْلِي عَشَرَةً وَأَوْجِبُوا لِي حَقَّ تَعْيِينِ عَشَرَةٍ تُؤَمِّنُونَهُمْ.
وَرُوِيَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا وَقَعَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ الَّذِي يَسْعَى فِي طَلَبِ الْأَمَانِ لِلْجَمَاعَةِ قَدْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ اللَّهُمَّ أَغْفِلْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَطَلَبَ الْأَمَانَ لِقَوْمِهِ وَأَهْلِهِ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فَأُخِذَ وَقُتِلَ. وَقِيلَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَذَلِكَ زَمَنَ عُمَرَ ﵄ اسْتَأْمَنَ إلَيْهِ سَابُورُ مَلِكُ السُّوسِيِّ لِعَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَنَسِيَ نَفْسَهُ فَقَدَّمَهُ أَبُو مُوسَى وَضَرَبَ عُنُقَهُ. هَذَا كُلُّهُ مِنْ لَطَائِفِ تَقْرِيرِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀.
وَذَلِكَ أَيْ ذَلِكَ الْبَابُ يُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي بَيَانِ الْحُرُوفِ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ بَابِ حُرُوفِ الْمَعَانِي كَلِمَةُ كَيْفَ كَيْفَ اسْمٌ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ وَحُرِّكَ آخِرُهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهِيَ عَلَى الْفَتْحِ دُونَ الْكَسْرِ لِمَكَانِ الْيَاءِ، وَهُوَ لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ الْأَحْوَالِ وَأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى فِي وَلَكِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الظُّرُوفِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى عَلَى، فَإِذَا قُلْت: كَيْفَ زَيْدٌ؟ كَانَ مَعْنَاهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ هُوَ أَصَحِيحٌ أَمْ سَقِيمٌ قَاعِدٌ أَمْ قَائِمٌ إلَى آخِرِ مَالَهُ مِنْ الْأَوْصَافِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّقْدِيرِ جَارٍ مَجْرَى الظَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْحَالِ، وَالْحَالُ جَارِيَةٌ مَجْرَى الظَّرْفِ لِأَنَّهَا مَفْعُولٌ فِيهَا عَلَى مَا عُرِفَ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحَالِ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ، إلَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَحْوَالٍ وَصِفَاتٍ لَيْسَتْ فِي يَدِ الْعَبْدِ كَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْكُهُولَةِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ تَقُولَ فِيهِ كَيْفَ تَكُنْ أَكُنْ؛ لِأَنَّك بِهَذَا اللَّفْظِ تَضْمَنُ أَنْ تَكُونَ عَلَى أَحْوَالِ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ مُتَعَذِّرُ الْوُقُوعِ مِنْك، بِخِلَافِ مَتَى تَجْلِسْ اجْلِسْ وَأَيْنَ تَكُنْ أَكُنْ؛ لِأَنَّك شَرَطْت عَلَى نَفْسِك أَنْ تُسَاوِيَهُ فِي الْجُلُوسِ وَالْحُلُولِ فِي الْمَكَانِ وَهَذَا مَعْنًى يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الشَّرْطِ عَلَيْهِ.
وَذُكِرَ فِي الصِّحَاحِ إذَا ضُمَّتْ إلَيْهِ مَا صَحَّ أَنْ يُجَازَى بِهِ كَقَوْلِك كَيْفَمَا تَفْعَلْ أَفْعَلْ.، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لِلسُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت أَنَّهَا تَطْلُقُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ تَطْلِيقَةً، ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا فَقَدْ بَانَتْ لَا إلَى عِدَّةٍ وَلَا مَشِيئَةَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا فَالتَّطْلِيقَةُ الْوَاقِعَةُ رَجْعَةٌ وَالْمَشِيئَةُ إلَيْهَا فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَإِنْ شَاءَتْ الْبَائِنَةَ، وَقَدْ نَوَاهَا الزَّوْجُ كَانَتْ بَائِنَةً، أَوْ إنْ شَاءَتْ ثَلَاثًا، وَقَدْ نَوَاهَا الزَّوْجُ تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَإِنْ شَاءَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَقَدْ نَوَى الزَّوْجُ ثَلَاثًا فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَإِنْ شَاءَتْ ثَلَاثًا، وَقَدْ نَوَى الزَّوْجُ وَاحِدَةً بَائِنَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ لِأَنَّهَا شَاءَتْ غَيْرَ مَا نَوَى وَوَقَعَتْ غَيْرَ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا فَلَا يُعْتَبَرُ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مَا لَمْ تَشَأْ فَإِذَا شَاءَتْ فَالتَّفْرِيعُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْت عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَا مَشِيئَةَ لَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ، وَإِلَّا بَطَلَ وَلَا يَقَعُ عِنْدَهُمَا مَا لَمْ يَشَأْ فِي الْمَجْلِسِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. فَلَوْ شَاءَ عِتْقًا عَلَى مَالٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ شَاءَ التَّدْبِيرَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ عِنْدَهُ وَهُوَ حُرٌّ.
وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ مَا شَاءَ بِشَرْطِ إرَادَةِ الْمَوْلَى ذَلِكَ وَمَا رَأَيْته فِي كِتَابٍ. هُمَا يَقُولَانِ: إنَّهُ جَعَلَ الطَّلَاقَ مُفَوَّضًا إلَى مَشِيئَتِهَا فَلَا يَقَعُ بِدُونِ مَشِيئَتِهَا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت أَوْ كَمْ شِئْت أَوْ حَيْثُ شِئْت لَا يَقَعُ شَيْءٌ
стр. 517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
مَا لَمْ تَشَأْ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ وَصْفَ الطَّلَاقِ إلَيْهَا يَكُونُ ذَلِكَ تَفْوِيضًا لِنَفْسِ الطَّلَاقِ إلَيْهَا ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْأَصْلِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مِنْ أَوْصَافِ الطَّلَاقِ فَتَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِالْمَشِيئَةِ كَالْبَيْنُونَةِ وَالْعَدَدِ، وَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِالْمَشِيئَةِ فَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَعَلُّقُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِدُونِ وَصْفٍ لَا يُوجَدُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ فَيَتَعَلَّقُ الْأَصْلُ بِتَعَلُّقِهِ فَصَارَ الطَّلَاقُ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ شَاءَتْ مُفَوَّضًا إلَيْهَا.
وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: إنَّمَا يَتَأَخَّرُ إلَى مَشِيئَتِهَا مَا عَلَّقَهُ الزَّوْجُ بِمَشِيئَتِهَا دُونَ مَا لَمْ يُعَلَّقْ وَكَلِمَةُ كَيْفَ لَا تَرْجِعُ إلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ هُوَ مُنْجِزًا أَصْلَ الطَّلَاقِ وَمُفَوِّضًا لِلصِّفَةِ إلَى مَشِيئَتِهَا بِقَوْلِهِ كَيْفَ شِئْت، إلَّا أَنَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَفِي الْعِتْقِ لَا مَشِيئَةَ لَهُ فِي الصِّفَةِ بَعْدَ إيقَاعِ الْأَصْلِ فَيَلْغُو تَفْوِيضُهُ الصِّفَةَ إلَى مَشِيئَتِهَا بَعْدَ إيقَاعِ الْأَصْلِ وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا لَهَا الْمَشِيئَةُ فِي الصِّفَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْأَصْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنْ يَجْعَلَهُ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا عَلَى مَا عُرِفَ فَيَصِحُّ تَفْوِيضُهُ إلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: الطَّلَاقُ بَعْدَ الْوُقُوعِ يَحْتَمِلُ وَصْفَ الْبَيْنُونَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ فِي تَصَرُّفِ الْمَرْأَةِ بِتَفْوِيضِ الزَّوْجِ، لَكِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بِالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصِيرَ الْوَاحِدُ ثَلَاثًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي تَصَرُّفِ الْمَرْأَةِ بِقَوْلِهِ كَيْفَ شِئْت قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ ثَلَاثًا بِضَمِّ الثِّنْتَيْنِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ لَا يَتَبَدَّلُ فِي نَفْسِهِ حَقِيقَةً، ثُمَّ بِانْضِمَامِ الثِّنْتَيْنِ إلَيْهِ بِتَغَيُّرِ حُكْمِهِ بِأَنْ لَا يَبْقَى مُوجِبًا لِلرَّجْعَةِ وَصَارَ مُؤَثِّرًا فِي الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ فَصَارَ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ لَهُ فَيَصِحُّ تَفْوِيضُ الزَّوْجِ إلَيْهَا بِلَفْظِ كَيْفَ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الِاسْتِخْبَارَ عَنْ وَصْفِ الشَّيْءِ وَحَالِهِ لَمَّا كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ وُجُودُ أَصْلِهِ يُقَدَّمُ وُقُوعُ أَصْلِ الطَّلَاقِ فِي ضِمْنِ تَفْوِيضِهِ الْمَشِيئَةَ إلَيْهَا فَإِنَّ الِاسْتِخْبَارَ عَنْ وَصْفِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِ أَصْلِهِ مُحَالٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
يَقُولُ خَلِيلِي كَيْفَ صَبْرُك بَعْدَنَا ... فَقُلْت وَهَلْ صَبْرٌ فَيُسْأَلَ عَنْ كَيْفَ
بِخِلَافِ قَوْلِهِ: كَمْ شِئْت؛ لِأَنَّ الْكَمِّيَّةَ اسْتِخْبَارٌ عَنْ الْعَدَدِ فَتَقْتَضِي تَفْوِيضَ الْعَدَدِ إلَى مَشِيئَتِهَا، وَأَصْلُ الْعَدَدِ فِي الْمَعْدُودَاتِ الْوَاحِدُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: كَمْ مَعَك اسْتَقَامَ الْجَوَابُ عَنْهُ بِالْوَاحِدِ.
وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ حَيْثُ شِئْت أَوْ إنْ شِئْت؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَكَانِ وَالطَّلَاقُ إذَا وَقَعَ فِي مَكَان يَكُونُ وَاقِعًا فِي الْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا فَكَانَ ذَلِكَ تَعْلِيقُ أَصْلِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَيِّ مَكَان شِئْت الطَّلَاقَ.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَدْ تُضَافُ إلَى مَوْجُودٍ فَيَصِيرُ اسْتِيضَافًا، وَقَدْ يُضَافُ إلَى مَعْدُومٍ فَيَكُونُ لِتَعْلِيقِ الْأَصْلِ بِأَوْصَافِهِ بِالْمَشِيئَةِ كَمَا فِي قَوْلِك افْعَلْ كَيْفَ شِئْت، وَطَلِّقِي كَيْفَ نَفْسَكِ شِئْتِ فَيَكُونُ كَيْفَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت دَالًّا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الطَّلَاقَ بِحَيْثُ يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ كَمَا أَنَّهُ فِي قَوْلِهِ افْعَلْ كَيْفَ شِئْت يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ يَتَكَوَّنُ مِنْهُ بِمَشِيئَتِهِ.
قُلْنَا: إنَّا لَا نُنْكِرُ دُخُولَ كَيْفَ عَلَى مَعْدُومٍ سَيُوجَدُ وَلَكِنْ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِأَصْلِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَتَعَرَّضُ لِوَصْفِهِ فَقَوْلُهُ افْعَلْ وَطَلِّقِي لِطَلَبِ الْفِعْلِ، وَالتَّفْوِيضُ قَبْلَ دُخُولِ كَيْفَ عَلَيْهِ وَلَا يُوجِبُ وُجُودَ الْفِعْلِ وَالطَّلَاقُ فِي الْحَالِ فَكَذَا بَعْدَ دُخُولِهِ، وَقَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ يُوجِبُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ قَبْلَ دُخُولِ كَيْفَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْأَصْلِ. فَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ وَمَا قَالَاهُ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ عُرْفًا وَاسْتِعْمَالًا، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ قَدْ يُسْلَبُ عَنْ كَيْفَ فَيَبْقَى دَالًّا عَلَى نَفْسِ الْحَالِ كَمَا حَكَى قُطْرُبُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ اُنْظُرْ إلَى
стр. 518
وَأَمَّا كَمْ فَاسْمٌ لِلْعَدَدِ الَّذِي هُوَ الْوَاقِعُ
ــ
[كشف الأسرار]
كَيْفَ يَصْنَعُ أَيْ إلَى الْحَالِ صَنْعَتَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْحَالِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ سُؤَالٌ عَنْ الْحَالِ، أَيْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِلْحَالِ مِنْ غَيْرِ مَعْنَى السُّؤَالِ فِيهِ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحَالِ مِنْ غَيْرِ مَعْنَى السُّؤَالِ حَتَّى لَمْ يَصِحَّ تَقْدِيرُ السُّؤَالِ فِيهِ وَصَحَّ التَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ، وَلَوْ بَقِيَ فِيهِ مَعْنَى السُّؤَالِ لَوَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقِ الْوَصْفِ بِمَشِيئَتِهَا أَنَّهُ إيقَاعٌ لِأَنَّهُ لَا وَصْفَ لِلْحُرِّيَّةِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لِيَتَعَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ وَيَبْقَى الْفَضْلُ عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ فِي الْوَصْفِ أَيْ الْبَيْنُونَةِ، وَالْقَدْرُ أَيْ الْعَدَدُ وَهُوَ الْحَالُ أَيْ الْفَضْلُ هُوَ الْحَالُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا كَيْفَ مُفَوَّضًا إلَى الْمَرْأَةِ.
بِشَرْطِ نِيَّةِ الزَّوْجِ يَعْنِي فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فَضْلٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِيَتَعَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ كَمَا فِي الْحُرِّيَّةِ.
وَلَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْتَاجَ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهَا يَجِبُ أَنْ تَسْتَقِلَّ بِإِثْبَاتِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا اعْتِبَارًا بِعَامَّةِ التَّفْوِيضَاتِ. لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا فَوَّضَ إلَيْهَا حَالَ الطَّلَاقِ بِكَلِمَةِ كَيْفَ وَالْحَالُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْبَيْنُونَةِ وَالْعَدَدِ فَيُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ.
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ نِيَّةَ الزَّوْجِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ لَهَا أَنْ يَجْعَلَ الطَّلَاقَ بَائِنًا وَثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَقَدْ جَعَلَ الطَّحَاوِيُّ الْمَشِيئَةَ إلَيْهَا فِي إثْبَاتِ وَصْفِ الْبَيْنُونَةِ وَالثَّلَاثِ حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الزَّوْجُ شَيْئًا وَشَاءَتْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً بَائِنَةً يَقَعُ مَا أَوْقَعَتْ بِالِاتِّفَاقِ.
أَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّ الزَّوْجَ أَقَامَ امْرَأَتَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي إثْبَاتِ الْوَصْفِ.
وَالزَّوْجُ مَتَى أَوْقَعَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا يَمْلِكُ أَنْ يَجْعَلَهُ بَائِنًا وَثَلَاثًا عِنْدَهُ فَكَذَا الْمَرْأَةُ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا، فَكَذَلِكَ تَمْلِكُ إيقَاعَ الْبَائِنِ وَإِيقَاعَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الطَّلَاقَ إلَيْهَا عَلَى أَيِّ وَصْفٍ شَاءَتْ، كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ. وَقَالَا مَا لَا يَقْبَلُ الْإِشَارَةَ أَيْ مَا لَا يَكُونُ مَحْسُوسًا يُشَارُ إلَيْهِ مِثْلُ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهَا. فَحَالُهُ مِثْلُ كَوْنِ الطَّلَاقِ مَثَلًا بَائِنًا وَرَجْعِيًّا. وَوَصْفُهُ مِثْلُ كَوْنِهِ سُنِّيًّا وَبِدْعِيًّا، وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّهُ تَرَادُفٌ بِمَنْزِلَةِ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُعَايَنًا مَحْسُوسًا كَانَ مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ بِآثَارِهِ وَأَوْصَافِهِ كَوُجُودِ النِّكَاحِ يُعْرَفُ بِأَثَرِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْحِلِّ وَوُجُودُ الْبَيْعِ بِأَثَرِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ مُفْتَقِرًا إلَى وَصْفِهِ كَافْتِقَارِ وَصْفِهِ فِي وُجُودِهِ إلَيْهِ فَكَانَ وَصْفُهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ مِنْ هَذَا لِوَجْهٍ فَإِذَا تَعَلَّقَ الْوَصْفُ تَعَلَّقَ الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّبَعِ مِنْ وَجْهٍ يَتَعَلَّقُهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا كَمْ فَاسْمٌ) لِكَذَا كَمْ اسْمٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مَوْضُوعٌ لِلْكِنَايَةِ عَنْ الْأَعْدَادِ وَفِي الصِّحَاحِ كَمْ اسْمٌ نَاقِصٌ مُبْهَمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ وَإِنْ جَعَلْته اسْمًا تَامًّا شَدَّدْت آخِرَهُ وَصَرَفْته فَقُلْت أَكْثَرْت مِنْ الْكَمِّ وَالْكَمِّيَّةِ.
فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كَمْ شِئْتِ لَمْ تَطْلُقْ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ وَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ وَكَانَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بِشَرْطِ مُطَابَقَةِ إرَادَةِ الزَّوْجِ كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِي ﵀ مُعَلَّمًا بِعَلَامَةِ الْبَزْدَوِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلِمَةَ كَمْ اسْمٌ لِلْعَدَدِ الْمُبْهَمِ كَمَا ذَكَرْنَا وَالْعَدَدُ هُوَ الْوَاقِعُ فِي الطَّلَاقِ إمَّا مُقْتَضًى كَمَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا التَّقْدِيرُ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً أَوْ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً وَإِمَّا مَذْكُورًا كَمَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ كَمْ اسْمٌ لِلْعَدَدِ الَّذِي هُوَ الْوَاقِعُ وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ، وَقَدْ دَخَلَتْ الْمَشِيئَةُ عَلَى نَفْسِ الْوَاقِعِ الَّذِي هُوَ الْعَدَدُ تَعَلَّقَ أَصْلُهُ بِالْمَشِيئَةِ بِخِلَافِ كَيْفَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ
стр. 519
وَحَيْثُ اسْمٌ لِمَكَانٍ مُبْهَمٍ دَخَلَ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ الصَّرِيحِ) (وَالْكِنَايَةِ) مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ بِعْت وَاشْتَرَيْت وَوَهَبْت؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُرَادِ وَحُكْمُهُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِعَيْنِ الْكَلَامِ وَقِيَامُهُ مَقَامَ مَعْنَاهُ حَتَّى اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْعَزِيمَةِ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَحُكْمُ الْكِنَايَةِ أَنْ لَا يَجِبَ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَتِرُ الْمُرَادِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْمَجَازِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُتَعَارَفًا وَلِذَلِكَ سَمَّى أَسْمَاءَ الضَّمِيرِ كِنَايَةً مِثْلُ أَنَا وَأَنْتَ وَنَحْنُ
ــ
[كشف الأسرار]
طَالِقٌ أَيَّ عَدَدٍ شِئْت.
وَلَمَّا كَانَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ لِلْعَدَدِ الْمُبْهَمِ صَارَتْ عَامَّةً فَكَانَ لَهَا أَنْ تَشَاءَ الْوَاحِدَةَ وَالثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثَ.
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْوَقْتِ تَقَيَّدَتْ الْمَشِيئَةُ بِالْمَجْلِسِ إلَى مَا ذَكَرْنَا أَشَارَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا حَيْثُ، فَاسْمٌ لِمَكَانٍ مُبْهَمٍ) حَيْثُ اسْمٌ مَبْنِيٌّ مِنْ ظُرُوفِ الْمَكَانِ كَأَيْنَ وَحُرِّكَ آخِرُهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَبُنِيَ عَلَى الضَّمِّ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْغَايَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِئْ الْإِضَافَةُ إلَى جُمْلَةِ كَذَا قَبْلُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْنِيهَا عَلَى الْفَتْحِ اسْتِثْقَالًا لِلْكَثْرَةِ مَعَ الْيَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَسَرَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَحَيْثُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ لُغَةٌ فِيهِ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى الْمُفْرَدِ وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ النَّاسُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ بِالْكَسْرِ فَخَطَأٌ وَإِنَّمَا الصَّوَابُ هُوَ الرَّفْعُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مُضْمَرٌ أَوْ هُوَ ثَابِتٌ أَوْ نَحْوُهُ.
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْت لَا تَطْلُقُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ وَيَتَوَقَّفُ بِالْمَجْلِسِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ ظُرُوفِ الْمَكَانِ وَلَا اتِّصَالَ لِلطَّلَاقِ بِالْمَكَانِ فَيَلْغُو ذِكْرُهُ وَيَبْقَى ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ فِي الطَّلَاقِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَغَا ذِكْرُ الْمَكَانِ بَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ لِلْحَالِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَالْمَسْأَلَةُ فِي التَّجْرِيدِ وَالْكِفَايَةِ.
قُلْنَا: لَمَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالظَّرْفِيَّةِ جَعَلْنَاهُ مَجَازًا لِحَرْفِ الشَّرْطِ لِمُشَارَكَتِهِمَا فِي الْإِبْهَامِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ شِئْت وَالِاسْتِعَارَةُ أَوْلَى مِنْ الْإِلْغَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ إذَا وَمَتَى حَتَّى لَا يَبْطُلَ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ وَفِيهِ رِعَايَةُ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ. قُلْنَا: جَعْلُهُ مَجَازًا لِحَرْفِ إنْ أَوْلَى إذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي بَابِ الشَّرْطِ وَمَا وَرَاءَهُ مُلْحَقٌ بِهِ، كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ]
إنَّمَا أَعَادَ ذِكْرَ نَظَائِرِ الصَّرِيحِ بَعْدَمَا ذَكَرَ بَعْضَهَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ بَيَانَ الْحُكْمِ إذْ هُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ.
وَحُكْمُهُ أَيْ حُكْمُ الصَّرِيحِ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.
تَعَيُّنُ الْكَلَامِ أَيْ بِنَفْسِهِ.
وَقِيَامُهُ أَيْ قِيَامُ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ الصَّرِيحُ مَقَامَ مَعْنَاهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ لَمْ يُرِدْ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى اسْتَغْنَى أَيْ الصَّرِيحُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ عَنْ الْعَزِيمَةِ.
فَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ مَثَلًا إلَى الْمَحَلِّ فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَضَافَهُمَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ حَتَّى لَوْ قَالَ يَا حُرُّ أَوْ يَا طَالِقُ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ حَرَّرْتُك أَوْ طَلَّقْتُك يَكُونُ إيقَاعًا نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ أُقِيمَ مَقَامَ مَعْنَاهُ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ صَرِيحًا فِيهِ.
، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنْت حُرٌّ أَوْ أَنْت طَالِقٌ ثَبَتَ الْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ لِمَا ذَكَرْنَا.
أَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ الْكَلَامَ بِالنِّيَّةِ عَنْ مُوجَبِهِ إلَى مُحْتَمِلِهِ فَلَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا نَوَى فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ رَفْعَ حَقِيقَةِ الْقَيْدِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً.
وَفَصَّلَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ عَنْ النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ وَتِلْكَ النَّظَائِرُ مِنْ الْعُقُودِ قَوْلُهُ (وَحُكْمُ الْكِنَايَةِ) أَنْ لَا يَجِبَ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ، إلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ لِأَنَّهُ أَيْ لَفْظَ الْكِنَايَةِ مُسْتَتِرُ الْمُرَادِ فَكَانَ فِي ثُبُوتِ الْمُرَادِ تَرَدُّدٌ فَلَا يُوجِبُ الْحُكْمَ مَا لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ الِاسْتِتَارُ وَالتَّرَدُّدُ.
وَذَلِكَ مِثْلُ الْمَجَازِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ
стр. 520
وَسَمَّى الْفُقَهَاءُ أَلْفَاظَ الطَّلَاقِ الَّتِي لَمْ يُتَعَارَفْ كِنَايَاتٌ مِثْلُ الْبَائِنِ وَالْحَرَامِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ هَذِهِ كَلِمَاتٌ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي غَيْرَ مُسْتَتِرٍ لَكِنَّ الْإِبْهَامَ فِيمَا يَتَّصِلُ بِهِ وَيُعْمَلُ فِيهِ فَلِذَلِكَ شَابَهَتْ الْكِنَايَاتِ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ مَجَازًا وَلِهَذَا الْإِبْهَامِ اُحْتِيجَ إلَى النِّيَّةِ فَإِذَا وُجِدَتْ النِّيَّةُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُوجِبَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلَ عِبَارَةً عَنْ الصَّرِيحِ
ــ
[كشف الأسرار]
مُتَعَارَفًا أَيْ مِنْ نَظَائِرِ الْكِنَايَةِ الْمَجَازُ الَّذِي لَمْ يُتَعَارَفْ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ سَتَرَ الْمُرَادَ عَنْ السَّامِعِ فَصَارَ الْمُرَادُ فِي حَقِّهِ فِي حَيِّزِ التَّرَدُّدِ فَكَانَ كِنَايَةً.
فَأَمَّا إذَا صَارَ مُتَعَارَفًا فَقَدْ صَارَ صَرِيحًا مِثْلُ قَوْلِهِ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّخُولِ مَجَازًا وَشَاعَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ فَصَارَ صَرِيحًا.
وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِاسْتِتَارِ الْمُرَادِ سَمَّى أَسْمَاءَ الضَّمِيرِ كِنَايَةً، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ قَوْلُهُ (وَسَمَّى الْفُقَهَاءُ) يَعْنِي أَنَّهُمْ سَمَّوْا الْأَلْفَاظَ الَّتِي لَمْ يَتَعَارَفْ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِهَا كِنَايَاتٍ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ مُسْتَتِرَةُ الْمُرَادِ، وَالْمَعْنَى وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي غَيْرُ مُسْتَتِرَةٍ عَلَى السَّامِعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ يَعْلَمُ مَعْنَى الْبَائِنِ وَالْحَرَامِ وَأَلْبَتَّةَ وَنَحْوَهَا فَلَا يَكُونُ كِنَايَاتٍ حَقِيقَةً. ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ تَسْمِيَتِهَا كِنَايَاتٍ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بِقَوْلِهِ لَكِنَّ الْإِبْهَامَ فِيمَا يَتَّصِلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ بِهِ وَتَعْمَلُ فِيهِ لِأَنَّ الْبَائِنَ مَثَلًا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ تَحِلُّهُ، وَتُظْهِرُ أَثَرَهَا فِيهِ وَمَحِلُّهَا الْوَصْلَةُ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ قَدْ تَكُونُ بِالنِّكَاحِ، وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اسْتَتَرَ الْمُرَادُ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِيهِ لِأَنَّا لَا نَدْرِي أَيُّ مَحَلٍّ أَرَادَهُ.
فَلِذَلِكَ أَيْ لِهَذَا الْإِبْهَامِ الَّذِي ذَكَرْنَا شَابَهَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الْكِنَايَاتِ الْحَقِيقِيَّةَ.
فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ بِذَلِكَ أَيْ بِاسْمِ الْكِنَايَةِ مَجَازًا وَلِهَذَا الْإِبْهَامِ الَّذِي ذَكَرْنَا اُحْتِيجَ فِيهَا إلَى النِّيَّةِ لِيَتَعَيَّنَ الْبَيْنُونَةُ عَنْ وَصْلَةِ النِّكَاحِ عَنْ غَيْرِهَا.
فَإِذَا وُجِدَتْ النِّيَّةُ أَيْ نَوَى وَصْلَةَ النِّكَاحِ وَزَالَ الْإِبْهَامُ ظَهَرَ أَثَرُ الْبَيْنُونَةِ فِيهَا وَكَانَ اللَّفْظُ عَامِلًا بِنَفْسِهِ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُوجِبَاتِهَا أَيْ بِمُقْتَضَيَاتِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلَ عِبَارَةً عَنْ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَةً عَنْهُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ إنَّمَا سُمِّيَتْ كِنَايَاتٌ مَجَازًا بَلْ هِيَ كِنَايَاتٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ مَا هُوَ مُسْتَتِرٌ الْمُرَادُ عَلَى مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَإِذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَالْمُرَادُ مُسْتَتِرٌ عَلَى السَّامِعِ بِدُونِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَكَانَ دَاخِلًا فِي حَدِّ الْكِنَايَةِ بَلْ الِاسْتِتَارُ فِيهِ أَقْوَى مِنْهُ فِي قَوْلِهِ طَوِيلُ النِّجَادِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ إلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ طُولُ الْقَامَةِ بِالتَّأَمُّلِ فِي قَرَائِنِ الْكَلَامِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ إلَى الْمُرَادِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، إلَّا بِبَيَانٍ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ.
وَقَوْلُهُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي لَا يَجِدُ بِهِ نَفْعًا؛ لِأَنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا مَعْلُومَةَ الْمَعَانِي مُسْتَتِرَةُ الْمُرَادِ وَكُلُّ كِنَايَةٍ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ طَوِيلُ النِّجَادِ كَثِيرُ الرَّمَادِ مَعْلُومُ الْمَعْنَى لُغَةً وَلَكِنَّهُ مُسْتَتِرُ الْمُرَادِ.
قُلْنَا: قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ مَبْنَى الْكِنَايَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ اللَّازِمِ إلَى الْمَلْزُومِ فَإِنَّك فِي قَوْلِك طَوِيلُ النِّجَادِ تَتَنَقَّلُ مِنْ طُولِ النِّجَادِ مَعَ أَنَّكَ تُرِيدُهُ إلَى طُولِ الْقَامَةِ وَمِنْ كَثْرَةِ الرَّمَادِ إلَى مَلْزُومِهِ وَهُوَ الْجُودِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْكِنَايَاتِ، وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَا انْتِقَالَ مِنْ مَعَانِيهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ فَإِنَّك فِي قَوْلِك أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ لَا تَتَنَقَّلُ مِنْ الْبَيْنُونَةِ وَالْحُرْمَةِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ بَلْ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِمَا إذْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ آخَرَ هُوَ الْمُرَادُ سِوَاهُمَا فَلَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا وَهُوَ الِانْتِقَالُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ لَا تَكُونُ كِنَايَاتٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا نُسَلِّمُ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهَا مُسْتَتِرٌ عَلَى السَّامِعِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الْبَيْنُونَةُ وَالْحُرْمَةُ وَالْقَطْعُ وَنَحْوُهَا وَهُوَ مَعْلُومٌ لِلسَّامِعِ، إلَّا أَنَّ مَحَلَّ عَمَلِهَا مُسْتَتِرٌ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَا يَكُونُ مَا هُوَ
стр. 521
وَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهَا بَوَائِنَ وَانْقَطَعَتْ بِهَا الرَّجْعَةُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُرَادُ مُسْتَتِرًا مُطْلَقًا بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَوِيلُ النِّجَادِ فَإِنَّ طُولَهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ أَصْلِيٍّ بَلْ الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ طُولُ الْقَامَةِ وَذَلِكَ مُسْتَتِرٌ.
وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذِهِ كَلِمَاتٌ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي غَيْرُ مُسْتَتِرِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ الْمُرَادُ لِلْمُتَكَلِّمِ يَعْنِي أَنَّهَا مَعْلُومَةَ الْمُرَادِ وَالِاسْتِتَارِ فِي مَحَلِّ عَمَلِهَا فَتَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ الْكِنَايَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ. قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَامِلَةٌ بِنَفْسِهَا جَعَلْنَاهَا بَوَائِنَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ وَالْقَطْعِ وَالْحُرْمَةِ عَلَى مَا عُرِفَ.
وَقَوْلُهُ وَانْقَطَعَتْ بِهَا الرَّجْعَةُ تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهَا بَوَائِنَ.
وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَذَهَبَ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵄ إلَى أَنَّ الْوَاقِعَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بَوَائِنُ وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا وَذَهَبَ عُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵄ إلَى أَنَّ الْوَاقِعَ بِهَا رَوَاجِعُ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ.
وَلِقَلْبِ الْمَسْأَلَةِ الْكِنَايَاتُ بَوَائِنُ أَمْ لَا وَهَذَا اللَّقَبُ عَلَى أَصْلِهِ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كِنَايَاتٌ عَنْ لَفْظِ الطَّلَاقِ حَقِيقَةً مِثْلُ كِنَايَاتِ الْعَتَاقِ وَكِنَايَاتِ النِّكَاحِ عَلَى أَصْلِنَا كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ وَعِنْدَنَا هَذَا اللَّقَبُ مَجَازٌ كَمَا بَيَّنَّا.
وَالِاخْتِلَافُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ مَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ إيقَاعَهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ عِنْدَهُ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَأَمَّا إيقَاعُ الْبَيْنُونَةِ فَلَيْسَ فِي وِلَايَتِهِ وَإِنَّمَا تَقَعُ حُكْمًا لِسُقُوطِ الْعِدَّةِ أَوْ لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ وَلِوُجُوبِ الْعِوَضِ.
وَعِنْدَنَا الطَّلَاقُ نَوْعَانِ: رَجْعِيٌّ وَبَائِنٌ، فَكَمَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ إيقَاعَ الرَّجْعِيِّ يَمْلِكُ إيقَاعَ الْبَائِنِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كِنَايَاتٍ عَنْ الطَّلَاقِ حَقِيقَةً عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ عَامِلَةً بِنَفْسِهَا إذْ لَيْسَ فِي وِلَايَتِهِ إيقَاعُ الْبَائِنِ وَعِنْدَنَا لَمَّا كَانَ فِي وِلَايَتِهِ ذَلِكَ جَعَلْنَاهَا عَامِلَةً بِنَفْسِهَا وَحَقِيقَتِهَا إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي الْعُدُولِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى غَيْرِهَا.
حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى.
﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
الْآيَةَ ذَكَرَ الطَّلَاقَ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَشَرَعَ بَعْدَهُ الرَّجْعَةَ وَذَكَرَ الطَّلَاقَ بِبَدَلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّجْعَةَ وَذَكَرَ الثَّلَاثَ وَبَيَّنَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ فَمَنْ قَالَ: إنَّ الطَّلَاقَ الْقَاطِعَ لِلرَّجْعَةِ بِغَيْرِ بَدَلٍ مَشْرُوعٍ فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ.
وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّ السَّبَبَ الْقَاطِعَ لِلرَّجْعَةِ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُجْعَلْ قَاطِعًا إلَّا بِالْعِوَضِ أَوْ بِمَعْنَى الْعِدَّةِ أَوْ بِإِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ لَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ تَغْيِيرَ ذَلِكَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْقَطْعِ كَالْهِبَةِ لَمَّا شُرِعَتْ مُوجِبَةً لِلْمِلْكِ مَعَ الْقَرِينَةِ وَهِيَ الْقَبْضُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا مُوجِبَةً بِنَفْسِهَا بِالتَّنْصِيصِ بِأَنْ قَالَ وَهَبْت لَك هِبَةً تُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ: إنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ: بَائِنٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْغُوَ صَرِيحُهُ؛ لِأَنَّا لَا نُوقِعُ الطَّلَاقَ فِي ضِمْنِهِ بَلْ نَجْعَلُ قَوْلَهُ بَائِنٌ عِبَارَةً عَنْ الطَّلَاقِ مَجَازًا وَمَتَى صَارَ مَجَازًا فِي غَيْرِهِ سَقَطَ حَقِيقَةً فِي نَفْسِهِ وَكَانَ الرَّجُلُ فِي هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةٍ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: أَبَنْت نَفْسِي أَوْ أَنَا بَائِنٌ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُمَلَّكْ إلَّا طَلَاقًا وَبَائِنٌ إنَّمَا يَعْمَلُ عَلَى سَبِيلِ الْعِبَارَةِ عَنْهُ لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَكَذَلِكَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا مَلَّكَهُ، إلَّا بِأَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَمَا شَرَعَهَا لَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ الرَّجْعَةِ وَلَوْ قَالَ أَسْقَطْت الْخِيَارَ أَوْ قَالَ طَلَّقْت عَلَى أَنْ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك لَمْ يَسْقُطْ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ إلَيْهِ إسْقَاطَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَبَنْت أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ لَا يُثْبِتُ الْبَيْنُونَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ، إلَّا إسْقَاطَ خِيَارِ الرَّجْعَةِ. وَحُجَّتُنَا الْإِبَانَةُ تَصَرُّفٌ مِنْ الزَّوْجِ فِي مِلْكِهِ فَيَصِحُّ كَإِيقَاعِ أَصْلِ الطَّلَاقِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ
стр. 522
إلَّا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ اعْتَدِّي؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا الْحِسَابُ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَالِاعْتِدَادُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يُعَدُّ مِنْ غَيْرِ الْأَقْرَاءِ فَإِذَا نَوَى الْأَقْرَاءَ فَزَالَ الْإِبْهَامُ وَجَبَ بِهِ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ اقْتِضَاءً
ــ
[كشف الأسرار]
بِالنِّكَاحِ مَمْلُوكٌ لِلزَّوْجِ وَمَا صَارَ مَمْلُوكًا إلَّا لِلْحَاجَةِ إلَى التَّقَصِّي عَنْ عُهْدَةِ الْمِلْكِ وَذَلِكَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ وَالْإِبَانَةِ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ الْإِبَانَةُ مَمْلُوكَةٌ لِلزَّوْجِ بِمِلْكِ النِّكَاحِ وَبِالدُّخُولِ يَتَأَكَّدُ مِلْكُهُ فَلَا يَبْطُلُ مَا كَانَ ثَابِتًا لَهُ مِنْ وِلَايَةِ الْإِزَالَةِ، وَكَذَلِكَ يَمْلِكُ الِاعْتِيَاضَ عَنْ إزَالَةِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الِاعْتِيَاضَ عَمَّا هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِبَانَةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَكَانَ إيقَاعُ الْبَيْنُونَةِ تَصَرُّفًا مِنْهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ إعْمَالُهُ مَا أَمْكَنَ. وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَزُولَ الْمِلْكُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ، إلَّا أَنَّ حُكْمَ الرَّجْعَةِ بَعْدَ صَرِيحِ الطَّلَاقِ ثَبَتَ شَرْعًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَمَا ثَبَتَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ وَالْبَائِنُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجَامِعُ النِّكَاحَ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يُجَامِعُهُ فَإِنَّ مَنْ تَزَوَّجَ الْمُطَلَّقَةَ صَارَتْ مَنْكُوحَةً وَلَمْ يَرْتَفِعْ الطَّلَاقُ الْأَوَّلُ وَلَا انْقَطَعَ أَصْلُ حُكْمِهِ حَتَّى لَوْ طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ حَرُمَتْ حُرْمَةً غَلِيظَةً فَكَانَتْ مُطَلَّقَةً مَنْكُوحَةً، فَكَذَلِكَ مَعَ خِيَارِ الرَّجْعَةِ بَقِيَتْ مُطَلَّقَةً مَنْكُوحَةً وَمَعَ صِفَةِ الْإِبَانَةِ وَالتَّحْرِيمِ لَا يُتَصَوَّرُ قِيَامُ النِّكَاحِ لَا يُقَالُ حَرَامٌ حَلَالٌ مُبَادَلَةً عَنْ زَوْجِهَا مَنْكُوحَةً فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ يُؤْخَذُ فِيهِ بِأَصْلِ الْقِيَاسِ وَكَانَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مُحْتَمِلًا لِلطَّلَاقِ الْمُبِينِ وَغَيْرِ الْمُبِينِ، فَكَانَ قَوْلُهُ: بَائِنٌ، تَعْيِينًا لِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ، كَمَا إذَا قَالَ: بِعْت، يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ بِخِيَارٍ وَالْبَيْعَ الْبَاتَّ فَإِذَا قَالَ: بَيْعًا بَاتًّا، يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّهَا لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ لِضَعْفِهَا فِي نَفْسِهَا حَتَّى يَتَأَيَّدَ بِمَا يُقَوِّيهَا وَهُوَ الْقَبْضُ وَبِشَرْطِهِ لَا يَتَقَوَّى، وَهَهُنَا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ لَا لِضَعْفِهِ فَإِنَّهُ قَوِيٌّ لَازِمٌ بَلْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ فَإِذَا قَالَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ فَقَدْ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى حِينَ صَرَّحَ بِمَا هُوَ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ.
وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ رَاجِعٌ إلَى أَنْ لَا دَلِيلَ عَلَى كَوْنِ الْإِبَانَةِ مَشْرُوعَةً وَالِاحْتِجَاجُ بِلَا دَلِيلٍ سَاقِطٌ، وَقَدْ أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْخَصْمَ إنْ لَمْ يَقِسْ فَقَدْ احْتَجَّ بِلَا دَلِيلٍ وَإِنْ قَاسَ قَاسَ عَلَى الْمَعْدُولِ عَنْ الْقِيَاسِ وَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ الصَّحِيحَ مَعَنَا، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (إلَّا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: اعْتَدِّي) اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ سُمِّيَتْ كِنَايَاتٌ مَجَازًا أَوْ مِنْ قَوْلِهِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُوجِبَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُجْعَلَ عِبَارَةً عَنْ الصَّرِيحِ أَيْ إلَّا فِي قَوْلِهِ: اعْتَدِّي، فَإِنَّهُ يُجْعَلُ عِبَارَةً عَنْ الصَّرِيحِ وَكِنَايَةً عَنْهُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ إعْمَالُ اللَّفْظِ بِحَقِيقَتِهِ يُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ مِنْ لَوَازِمِهِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فَيَكُونُ " اعْتَدِّي " ذِكْرَ اللَّازِمِ وَإِرَادَةَ الْمَلْزُومِ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ وَلِهَذَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ وَاحِدَةٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ، وَلِهَذَا جَعَلْنَاهَا بَوَائِنَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ يَعْنِي الْوَاقِعَ بِهَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ النِّيَّةِ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ لَا بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْبَيْنُونَةِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهَا بِحَقِيقَتِهِ هَذَا اللَّفْظُ لِلْحِسَابِ يُقَالُ اعْتَدِدْ مَالَك أَيْ احْتَسِبْ عَدَدَ مَالِك وَلَا أَثَرَ لِلْحِسَابِ فِي قَطْعِ النِّكَاحِ وَإِزَالَةِ الْمِلْكِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عَامِلًا بِنَفْسِهِ. إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ اعْتَدِّي مُحْتَمِلٌ فِي نَفْسِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ اعْتَدِّي نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْك أَوْ اعْتَدِّي نِعَمِي عَلَيْك أَوْ اعْتَدِّي الدَّرَاهِمَ أَوْ اعْتَدِّي مِنْ النِّكَاحِ أَيْ اُحْسُبِي الْأَقْرَاءَ فَإِذَا نَوَى الْأَقْرَاءَ.
وَجَبَ أَيْ ثَبَتَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ أَوْ بِهَذِهِ النِّيَّةِ بَعْدَ النِّيَّةِ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهَا بِالِاعْتِدَادِ أَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهَا قَبْلُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ مَا يُوجِبُهُ لِيَصِحَّ الْأَمْرُ بِهِ فَقَدَّمَ الطَّلَاقَ عَلَيْهِ
стр. 523
وَقَبْلَ الدُّخُولِ جُعِلَ مُسْتَعَارًا مَحْضًا عَنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ فَاسْتُعِيرَ الْحُكْمُ لِسَبَبِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ رَجْعِيًّا
ــ
[كشف الأسرار]
ضَرُورَةُ صِحَّةِ الْأَمْرِ وَالضَّرُورَةُ يَرْتَفِعُ بِإِثْبَاتِ أَصْلِ الطَّلَاقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ وَصْفٍ زَائِدٍ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ.
فَلِذَلِكَ أَيْ لِكَوْنِهِ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ كَانَ رَجْعِيًّا وَلَا تَقَعُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ وَإِنْ نَوَى قَوْلُهُ (وَقَبْلَ الدُّخُولِ جُعِلَ مُسْتَعَارًا مَحْضًا عَنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ) لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ إذْ لَا بُدَّ لِلْمُقْتَضِي مِنْ ثُبُوتِ الْمُقْتَضَى وَلَا وُجُودَ لِلْمُقْتَضِي هَهُنَا وَهُوَ الِاعْتِدَادُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَجُعِلَ مُسْتَعَارًا مَحْضًا عَنْ الطَّلَاقِ أَيْ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ لِوُجُودِ الِاعْتِدَادِ فَجَازَ أَنْ يُسْتَعَارَ الْحُكْمُ لِسَبَبِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ مَحْضًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي إثْبَاتِ الطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ جِهَةٌ مِنْ الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ فِيهِ جِهَةُ الْحَقِيقَةِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْطُوقِ، فَأَمَّا إثْبَاتُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَمَجَازٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهِ جِهَةُ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْطُوقٍ تَحْقِيقًا وَلَا تَقْدِيرًا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّتْ اسْتِعَارَةُ الْمُسَبِّبِ لِلسَّبَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَنَّهَا لَا يَجُوزُ. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا فِي ذَلِكَ الْبَابِ أَنَّ الْمُسَبِّبَ إذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِالسَّبَبِ جَازَتْ الِاسْتِعَارَةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ. يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الطَّلَاقَ يُوجِبُ الْعِدَّةَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأَصْلُ لَا يَنْفَكُّ الْعِدَّةُ عَنْ الطَّلَاقِ وَلَا الطَّلَاقُ عَنْ الْعِدَّةِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي النِّكَاحِ، إذْ النِّكَاحُ لِلدُّخُولِ لَا لِعَدَمِ الدُّخُولِ فَكَانَ الدُّخُولُ فِيهِ أَصْلًا لَا عَارِضًا وَالسَّبَبُ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْمُسَبِّبِ كَاتِّصَالِ الْمُسَبِّبِ بِالسَّبَبِ يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ أَحَدُهُمَا كِنَايَةً مِنْ الْآخَرِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . وَكَمَا فِي الْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ. وَلَا يُقَالُ الْعِدَّةُ لَا تَخْتَصُّ بِهِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ. لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا صَارَتْ هِيَ فِرَاشًا أَخَذَتْ حُكْمَ الْمَنْكُوحَةِ وَأَخَذَ زَوَالُ هَذَا الْفِرَاشِ شَبَهًا بِالطَّلَاقِ فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ. أَوْ نَقُولُ: الْمُرَادُ مِنْ السَّبَبِ الْعِلَّةُ كَمَا يُقَالُ النِّكَاحُ سَبَبُ الْحِلِّ وَالْبَيْعُ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْمُرَادُ الْعِلَّةُ وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ اسْمَ السَّبَبِ عَلَى مَا وَضَعَهُ الشَّرْعُ عِلَّةً لِحُكْمٍ وَاسْمَ الْعِلَّةِ عَلَى مَا يُسْتَنْبَطُ بِالرَّأْيِ وَكَوْنُ الطَّلَاقِ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ مِنْ أَوْضَاعِ الشَّرْعِ فَسُمِّيَ سَبَبًا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عِلَّةٌ.
وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ قَالَ فَاسْتُعِيرَ الْحُكْمُ لِسَبَبِهِ وَلَمْ يَقُلْ فَاسْتُعِيرَ الْمُسَبِّبُ لِسَبَبِهِ إذْ الْحُكْمُ يُذْكَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْعِلَّةِ وَالْمُسَبِّبُ فِي مُقَابَلَةِ السَّبَبِ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَهُوَ الدُّخُولُ.
وَقَبْلَ الطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَكِنَّهُ فِي حَقِّ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ جَوَازُ الِاسْتِعَارَةِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَعْمَلُ عَمَلَهُ، إلَّا بِشَرْطِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْمَشْرُوطُ مُتَّصِلٌ بِالشَّرْطِ لَا مَحَالَةَ. وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَيْسَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ شَرْطًا فِيهَا. وَفِي الْجُمْلَةِ الْقَوْلُ بِعَدَمِ جَوَازِ اسْتِعَارَةِ الْمُسَبِّبِ لِلسَّبَبِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مُخْتَارِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَعَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ.
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ " اعْتَدِّي " مُسْتَعَارًا لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُجْعَلَ عِبَارَةً عَنْ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ طَلَّقْتُك أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك.
لَا يَجُوزُ الثَّلَاثَةُ الْأُولَى لِلِاخْتِلَافِ فِي الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّ اعْتَدِّي أَمْرٌ وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي لَيْسَا بِفِعْلَيْنِ فَضْلًا عَنْ الْأَمْرِ وَالثَّالِثُ إنْشَاءٌ أَوْ إخْبَارٌ وَلَيْسَ بِأَمْرٍ وَلَا بُدَّ لِلِاسْتِعَارَةِ مِنْ
стр. 524
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ اسْتَبْرِئِي رَحِمَك، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ لِسَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ اعْتَدِّي، ثُمَّ رَاجَعَهَا» ، وَكَذَلِكَ أَنْتِ وَاحِدَةٌ يُحْتَمَلُ نَعْتًا لِلطَّلْقَةِ وَيُحْتَمَلُ صِفَةً لِلْمَرْأَةِ فَإِذَا زَالَ الْإِبْهَامُ بِالنِّيَّةِ كَانَ دَلَالَةً عَلَى الصَّرِيحِ لَا عَامٌّ لَا بِمُوجِبِهِ.
ــ
[كشف الأسرار]
التَّوَافُقِ فِي الصِّيغَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ وَهَبْت ابْنَتِي مِنْك وَقَوْلُهُ زَوَّجْت ابْنَتِي مِنْك مُتَوَافِقَانِ صِيغَةً.
وَكَذَا الرَّابِعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَإِنْ نَوَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّا نَجْعَلُهُ مُسْتَعَارًا وَعِبَارَةً عَنْ قَوْلِهِ كُونِي طَالِقًا، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا تو طَلَاق باش أَوْ طَلَاق شو تَطْلُقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ اعْتَدِّي؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْحُكْمِ عَنْ ذِكْرِ السَّبَبِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ وَأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ. يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِطَرِيقِ الْإِضْمَارِ فِي كَلَامِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: طَلَّقْتُك فَاعْتَدِّي، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ قَبْلَ الدُّخُولِ يُعْمِلُ نِيَّتَهُ فِي الطَّلَاقِ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَرَفْنَا أَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ عَامِلٍ فِيهِ وَلَكِنَّ الطَّلَاقَ مُضْمَرٌ فِيهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَقَوْلِهِ اعْتَدِّي قَوْلُهُ اسْتَبْرِئِي رَحِمَك؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: اعْتَدِّي إذْ هُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِدَّةِ، إلَّا أَنَّ طَلَبَ الِاسْتِبْرَاءِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْوَطْءِ وَطَلَبِ الْوَلَدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ فَاحْتَاجَ إلَى النِّيَّةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ النِّيَّةُ يَثْبُتُ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ اقْتِضَاءً وَقَبْلَهُ اسْتِعَارَةً كَمَا بَيَّنَّا.
وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ يَعْنِي مَا ذَكَرْنَا مُؤَيَّدٌ بِالسُّنَّةِ وَمُسْتَفَادٌ مِنْهَا فَإِنَّهُ ﵇ قَالَ لِسَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ بِفَتْحَتَيْنِ اعْتَدِّي ثُمَّ رَاجَعَهَا وَذَلِكَ حِينَ دَخَلَ النَّبِيُّ ﵇ عَلَيْهَا وَهِيَ تَبْكِي عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنْ أَقَارِبِهَا يَوْمَ بَدْرٍ وَتَرْثِيهِمْ بِإِشْعَارِ أَهْلِ مَكَّةَ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﵇ ذَلِكَ مِنْهَا فَقَالَ لَهَا اعْتَدِّي فَنَدِمَتْ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَشْفَعَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَوَهَبَتْ نَوْبَتَهَا لِعَائِشَةَ ﵂ وَقَالَتْ إنِّي أَكْتَفِي بِأَنْ أُبْعَثَ مِنْ أَزْوَاجِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرَاجَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ قَوْلُهُ (وَكَذَا أَنْتِ وَاحِدَةٌ) يَعْنِي وَكَقَوْلِهِ اعْتَدِّي قَوْلُهُ أَنْتِ وَاحِدَةٌ فِي أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ عِنْدَ النِّيَّةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَقَعُ بِهَذَا اللَّفْظِ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّ وَاحِدَةً صِفَةٌ لَهَا وَهِيَ لَا يَحْتَمِلُ طَلَاقًا فَلَغَتْ النِّيَّةُ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ قَاعِدَةٌ وَنَوَى طَلَاقًا. إلَّا أَنَّا نَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَاحِدَةٌ نَعْتًا لَهَا أَيْ وَاحِدَةٌ عِنْدَ قَوْمِك أَوْ مُنْفَرِدَةً عِنْدِي لَيْسَ لِي مَعَك غَيْرُك أَوْ وَاحِدَةُ نِسَاءِ الْبَلَدِ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِتَطْلِيقَةٍ بِطَرِيقِ حَذْفِ الْمَوْصُوفِ وَإِقَامَةِ الْوَصْفِ مَقَامَهُ كَقَوْلِك أَعْطَيْته جَزِيلًا أَيْ عَطَاءً جَزِيلًا فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِدُونِ النِّيَّةِ فَإِذَا نَوَى صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ هَكَذَا وَنَوَى طَلَاقًا صَحَّ فَإِنَّهَا بِنَفْسِهَا لَا يَكُونُ تَطْلِيقَةً وَلَكِنْ يَكُونُ طَالِقًا تَطْلِيقَةً فَيَصِيرُ تَطْلِيقَةٌ قَائِمَةً مَقَامَ طَالِقٍ فَتُنْعَتُ نَعْتَهُ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ.
وَرَأَيْت فِي التَّهْذِيبِ لِمُحِبِّي السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ وَاحِدَةٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا لَا يَقَعُ، إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ مَنْوِيَّهُ خِلَافُ مَلْفُوظِهِ وَالطَّلَاقُ يَقَعُ بِاللَّفْظِ وَمُرَاعَاةُ اللَّفْظِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ يَقَعُ مَا نَوَى وَمَعْنَى وَاحِدَةً أَيْ تَتَوَحَّدِينَ مِنِّي بِهَذَا الْعَدَدِ فَكَانَ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا غَيْرَ مَأْخُوذٍ عِنْدَهُمْ.
وَعَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا ﵏ أَنَّهُ إذَا رَفَعَ الْوَاحِدَةَ لَا تَطْلُقُ وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّهَا وَلَا تَصْلُحُ نَعْتًا لِلطَّلْقَةِ فَيَصِيرُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَإِنْ نَصَبَهَا تَطْلُقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا يَصْلُحُ نَعْتًا، إلَّا لِلطَّلْقَةِ وَإِنْ أَسْكَنَ الْهَاءَ فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
стр. 525
وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ هُوَ الصَّرِيحُ وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَفِيهَا قُصُورٌ مِنْ حَيْثُ يَقْصُرُ عَنْ الْبَيَانِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالْبَيَانِ بِالْكَلَامِ هُوَ الْمُرَادُ فَظَهَرَ هَذَا التَّفَاوُتُ فِيمَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَصَارَ جِنْسُ الْكِنَايَاتِ بِمَنْزِلَةِ الضَّرُورَاتِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يَجِبُ، إلَّا بِتَصْرِيحِ الزِّنَا حَتَّى أَنَّ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا فَقَالَ لَهُ آخَرُ صَدَقْت لَمْ يُحَدَّ الْمُصَدِّقُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: لَسْتَ بِزَانٍ يُرِيدُ التَّعْرِيضَ بِالْمُخَاطَبِ لَمْ يُحَدَّ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ تَعْرِيضٍ لِمَا قُلْنَا بِخِلَافِ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا فَقَالَ آخَرُ: هُوَ كَمَا قُلْت حُدَّ هَذَا الرَّجُلُ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الصَّرِيحِ لِمَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ حُكْمَ الْكُلِّ وَاحِدٌ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَوَامَّ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ كَانَ دَلَالَةً يَعْنِي إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى صَرِيحِ الطَّلَاقِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْنَا فَكَانَ مُعَقِّبًا لِلرَّجْعَةِ لَا عَامِلًا بِمُوجِبِهِ إذْ مُوجِبُهُ التَّوْحِيدُ، وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي الْبَيْنُونَةِ وَقَطْعُ النِّكَاحِ بِخِلَافِ الْبَائِنِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ بِمُوجِبِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ هُوَ الصَّرِيحُ) لِأَنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ لِلْإِفْهَامِ وَالصَّرِيحُ هُوَ التَّامُّ فِي هَذَا الْمَقْصُودِ وَصَارَ جِنْسُ الْكِنَايَةِ بِمَنْزِلَةِ الضَّرُورَاتِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْإِفْهَامُ مِنْ الْكَلَامِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالصَّرِيحِ لَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ لِقُصُورِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهِيَ عَدَمُ الصَّرِيحِ. وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ فِي الْكِنَايَةِ قُصُورًا عَنْ الْبَيَانِ قُلْنَا: إنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يَجِبُ إلَّا بِتَصْرِيحِ النِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا بِأَنْ قَالَ: زَنَيْتَ أَوْ أَنْتَ زَانٍ.
وَكَذَا فِي الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَدِّ لَا يَسْتَوْجِبُ الْعُقُوبَةَ مَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّفْظَ الصَّرِيحَ فَإِذَا قَالَ جَامَعْت فُلَانَةَ أَوْ وَاقَعْتُهَا أَوْ وَطِئْتُهَا لَا يُحَدُّ مَا لَمْ يَقُلْ نِكْتُهَا.
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ جَامَعَك فُلَانٌ جِمَاعًا حَرَامًا، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ فَجَرْت لِفُلَانَةَ أَوْ جَامَعْتُهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ مَا صَرَّحَ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا.
لَمْ يُحَدَّ الْمُصَدِّقُ عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يُحَدُّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ صَدَقْت أَنَّهُ زَانٍ فَيَكُونُ قَاذِفًا لَهُ كَمَا إذَا قَالَ لَهُ هُوَ كَمَا قُلْت.
وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّهُ مَا صَرَّحَ بِنِسْبَتِهِ إلَى الزِّنَا فَلَا يُحَدُّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْفِظُ بِمَا هُوَ شَبِيهٌ بِالْكِنَايَةِ عَنْ الْقَذْفِ لِاحْتِمَالِ التَّصْدِيقِ وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً أَيْ كُنْت صَادِقًا فِيمَا مَضَى فَكَيْفَ تَكَلَّمْت بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْقَبِيحَةِ أَوْ صَدَقْت فِي إنْجَازِ وَعْدِك بِنِسْبَتِهِ إلَى الزِّنَا، وَيَحْتَمِلُ السُّخْرِيَةَ وَالِاسْتِهْزَاءَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ يُفْهَمُ مِنْهُ تَصْدِيقُهُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الزِّنَا وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ لَا يَكْفِي لِإِيجَابِ الْحَدِّ.
بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُوَ كَمَا قُلْت لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّرِيحِ فِي النِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ.
وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ صَدَقْت كَصَرِيحِ الْقَذْفِ بِالزِّنَا، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِالْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلرَّامِي لَا لِلْمَقْذُوفِ، وَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا لَهُ وَإِنَّمَا يَتَّصِلُ بِهِ اقْتِضَاءُ صِدْقِ الْأَوَّلِ فِيمَا رَمَاهُ وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ فَلَا يَثْبُتُ بِالْمُقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ.
بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُوَ كَمَا قُلْت؛ لِأَنَّهُ اتَّصَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ هُوَ إخْبَارٌ عَنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُغَايَبَةِ كَقَوْلِك أَنْتَ فِي الْمُخَاطَبَةِ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
وَالتَّعْوِيضُ نَوْعٌ مِنْ الْكِنَايَةِ يَكُونُ مَسُوقًا لِمَوْصُوفٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ كَمَا نَقُولُ فِي عَرَضِ مَنْ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُؤْمِنُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي وَيُزَكِّي وَلَا يُؤْذِي أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، وَيُتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْ الْمُؤْذِي، كَذَا فِي الْمِفْتَاحِ.
وَفِي الْكَشَّافِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ هُوَ أَنَّ الْكِنَايَةَ أَنْ تَذْكُرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ وَالتَّعْرِيضَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا يَدُلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ تَذْكُرْهُ كَمَا يَقُولُ الْمُحْتَاجُ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ جِئْتُك لِأُسَلِّمَ عَلَيْك وَلِأَنْظُرَ إلَى وَجْهِك الْكَرِيمِ فَكَأَنَّ إمَالَةَ الْكَلَامِ إلَى عَرَضٍ يَدُلُّ عَلَى الْغَرَضِ وَيُسَمَّى التَّلْوِيحُ؛ لِأَنَّهُ يُلَوِّحُ مِنْهُ مَا تُرِيدُهُ فَإِذَا عَرَّضَ بِالزِّنَا قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَسْت بِزَانٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: يُحَدُّ وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَعُمَرُ ﵁ كَانَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ فِي مِثْلِ هَذَا وَيَقُولُ: الْمَقْصُودُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي حَالَةِ الْمُخَاصَمَةِ مَعَ الْغَيْرِ نِسْبَةُ صَاحِبِهِ إلَى شَيْنٍ وَتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ لَا أَنْ يَكُونَ قَذْفًا لِلْغَيْرِ وَأَخَذْنَا بِقَوْلِهِ لَا لِأَنَّهُ إنْ تَصَوَّرَ مَعْنَى الْقَذْفِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَالْمَفْهُومُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَوْلُهُ (فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الصَّرِيحِ لِمَا عُرِفَ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي قَوْلِهِ هُوَ كَمَا قُلْت أَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ يُوجِبُ الْعُمُومَ عِنْدَنَا
стр. 526
بَابُ وُجُوهِ) (الْوُقُوفِ عَلَى) (أَحْكَامِ النَّظْمِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: الْوُقُوفُ بِعِبَارَتِهِ وَإِشَارَتِهِ وَدَلَالَتِهِ وَاقْتِضَائِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَصْدُ أَوْ الْإِشَارَةُ مَا ثَبَتَ بِنَظْمِهِ مِثْلُ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَهُمَا سَوَاءٌ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ عِنْدَ التَّعَارُضِ مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] سِيقَ الْكَلَامُ لِإِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الْوَالِدِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: إنَّمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الذِّمَّةَ وَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيَكُونَ أَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَدِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا أَنَّهُ مُجْرَى عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَمَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْأَمْوَالِ فَهَذَا الْكَافُ أَيْضًا مُوجِبُهُ الْعُمُومُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي مَحَلٍّ يَحْتَمِلُهُ فَيَكُونُ نِسْبَةً لَهُ إلَى الزِّنَا قَطْعًا بِمَنْزِلَةِ كَلَامِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا هُوَ مُوجِبُ الْعَامِّ عِنْدَنَا.
وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَقْ الْعَبْدُ فِي قَوْلِهِ أَنْتَ كَالْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ الْأَخْبَارِ مُمْكِنٌ فِي حُرْمَةِ الدَّمِ وَوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا نَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْإِنْشَاءُ وَلَوْ قُلْنَا بِالْعُمُومِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى أَحْكَامِ النَّظْمِ]
[مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَصْدُ أَوْ الْإِشَارَةُ]
(بَابُ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى أَحْكَامِ النَّظْمِ)
قَوْلُهُ (أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فِيمَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الضَّمِيرُ فِي لَهُ، وَأُرِيدَ رَاجِعٌ إلَى مَا، وَفِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْكَلَامِ.
وَقَوْلُهُ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ تَعَرَّضَ لِجَانِبِ اللَّفْظِ وَأُرِيدَ بِهِ قَصْدُ الْعَرَضِ لِلْمَعْنَى وَالْإِشَارَةُ أَيْ الثَّابِتُ بِالْإِشَارَةِ مَا ثَبَتَ بِنَظْمِ الْكَلَامِ أَيْ بِتَرْكِيبِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ. إلَّا أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى مَا أَيْ لَكِنَّ ذَلِكَ الثَّابِتَ غَيْرَ مَقْصُودٍ مِنْ الْكَلَامِ وَلَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ.
وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْإِشَارَةِ: هِيَ دَلَالَةُ نَظْمِ الْكَلَامِ لُغَةً عَلَى مَا ضُمِّنَ فِيهِ مِنْ الْمَعْنَى غَيْرُ مَقْصُودٍ وَهُمَا أَيْ الْعِبَارَةُ وَالْإِشَارَةُ سَوَاءٌ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ أَيْ فِي إثْبَاتِهِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ بِنَفْسِ النَّظْمِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي غَيْرِهِ مِثْلُ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَطْعِيًّا وَغَيْرَ قَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ قَطْعِيَّةٌ وَالْإِشَارَةُ قَدْ تَكُونُ قَطْعِيَّةً وَغَيْرَ قَطْعِيَّةٍ.
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ: ثُمَّ الْإِشَارَةُ مِنْ النَّصِّ بِمَنْزِلَةِ التَّعْرِيضِ وَالْكِنَايَةُ مِنْ الصَّرِيحِ وَالْمُشْكِلُ مِنْ الْوَاضِحِ إذْ لَا يُنَالُ الْمُرَادُ بِهَا إلَّا بِضَرْبِ تَأْوِيلٍ وَتَبَيُّنٍ، ثُمَّ قَدْ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمُوجِبِهَا بَعْدَ الْبَيَانِ، وَقَدْ لَا يُوجِبُ.
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ أَيْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِمَا قَطْعًا.
، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَيْ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ وَهُوَ الثَّابِتُ بِالْعِبَارَةِ أَحَقُّ عِنْدَ التَّعَارُضِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا مِنْ الثَّابِتِ بِالْإِشَارَةِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ.
مِثَالُهُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى.
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] .
سِيقَتْ الْآيَةُ لِبَيَانِ مَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ وَعُلُوِّ دَرَجَاتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُمْ أَحْيَاءً وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ عَلَى الْحَيِّ وَلَكِنْ قَوْله تَعَالَى.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .
عِبَارَةٌ فِي إيجَابِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْأَمْوَاتِ عَلَى الْعُمُومِ وَالشُّهَدَاءُ أَمْوَاتٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِدَلِيلِ جَوَازِ قِسْمَةِ أَمْوَالِهِمْ وَتَزَوُّجِ نِسَائِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَتُرَجَّحُ الْعِبَارَةُ عَلَى الْإِشَارَةِ.
هَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْإِشَارَةُ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَيَاةِ فِي قَوْلِهِ أَحْيَاءٌ لَيْسَ الْحَيَاةُ الَّتِي يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَهِيَ الْحِسِّيَّةُ بِلَا شُبْهَةٍ وَكَذَا الْعِبَارَةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .
الدُّعَاءُ لَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ أَيْ تَعَطُّفٌ وَتَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يَسْكُنُونَ إلَيْهِ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَابَ عَلَيْهِمْ وَقَبِلَ مِنْهُمْ، كَذَا ذَكَرَهُ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فَلَا يَثْبُتُ التَّعَارُضُ إذْ لَا دَلَالَةَ لِلْآيَتَيْنِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
وَالنَّظِيرُ الْمُلَائِمُ «قَوْلُهُ ﵇ فِي النِّسَاءِ. أَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ. فَقِيلَ مَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ قَالَ. تَقْعُدُ إحْدَاهُنَّ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا شَطْرَ دَهْرِهَا. أَيْ نِصْفَ عُمُرِهَا لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي» سِيقَ الْكَلَامُ لِبَيَانِ نُقْصَانِ دِينِهِنَّ وَفِيهِ
стр. 527
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّسَبَ إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْمِلْكِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ التَّمْلِيكِ فِي مَالِ وَلَدِهِ وَأَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ بِسَبَبِهِ كَالْمَالِكِ بِمَمْلُوكِهِ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْمِلْكِ وَعَلَيْهِ تُبْنَى مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى انْفِرَادِ الْأَبِ بِتَحَمُّلِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِيهَا، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِهَا، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ غَنِيًّا وَالْوَالِدُ مُحْتَاجًا لَمْ يُشَارِكْ الْوَلَدَ أَحَدٌ فِي تَحَمُّلِ نَفَقَةِ الْوَالِدِ لِمَا قُلْنَا مِنْ النِّسْبَةِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ
ــ
[كشف الأسرار]
إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ.
«أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ» .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلَاثُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ عِبَارَةٌ فَتَرَجَّحَ عَلَى الْإِشَارَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ أَلَا فَأَنْتُمْ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ أَلَا لَكُمْ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ. فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي أَعْطَيْته مَنْ شِئْتُ» .
سِيقَ لِبَيَانِ فَضِيلَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَكْثَرُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْقَى وَقْتُ الظُّهْرِ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَهَى بِصَيْرُورَةِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلِهِ لَكَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ.
وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُ ظِلِّهِ، وَقَالَ بَعْدَمَا صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ.
وَهُوَ عِبَارَةٌ فَرَجَّحَهَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْإِشَارَةِ وَجَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ قَوْلُهُ (فَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الثَّابِتِ بِالْإِشَارَةِ أَوْ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْعِبَارَةُ وَالْإِشَارَةُ نُسِبَ إلَيْهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ فَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ أَحَقَّ بِالْوَلَدِ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مِلْكًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَصِيرُ مِلْكًا لِأَبِيهِ بِحَالٍ فَدَلَّ أَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِهِ نَسَبًا فَإِنْ قِيلَ الْوَلَدُ يُنْسَبُ إلَى الْأُمِّ كَمَا يُنْسَبُ إلَى الْأَبِ وَيَرِثُ مِنْهَا كَمَا يَرِثُ مِنْ الْأَبِ فَمَا فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِالْأَبِ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُمَيَّزُ لَهَا بَيْنَ نَسَبٍ وَنَسَبٍ كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَالْكَفَاءَةِ وَاعْتِبَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا جَانِبُ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ.
أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ التَّمَلُّكِ أَيْ لَهُ حَقٌّ أَنْ يَتَمَلَّكَ مَالَ الِابْنِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ مِلْكٍ فِي الْحَالِ حَتَّى جَازَ لِلِابْنِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَحَلَّ لَهُ وَطْءُ جَارِيَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الدَّارَ الْمَبِيعَةَ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقُّ مِلْكٍ بِوَجْهٍ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ لَهُ حَقَّ الْمِلْكِ فِي اكْتِسَابِهِ بِاعْتِبَارِ الْيَدِ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ التَّمَلُّكِ حَتَّى لَمْ يَحِلَّ وَطْءُ جَارِيَتِهِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ حَقِّ التَّمَلُّكِ وَحَقِّ الْمِلْكِ.
وَأَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ بِوَلَدِهِ أَيْ بِسَبَبِ وَلَدِهِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ ابْنَهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَوْ قَذَفَهُ بِأَنْ قَالَ زَنَيْتَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَلَا يُحْبَسُ فِي دَيْنِهِ كَالْمَالِكِ بِمَمْلُوكِهِ أَيْ كَمَا لَا يُعَاقَبُ الْمَالِكُ بِسَبَبِ مَمْلُوكِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ نُسِبَ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْمِلْكِ كَالْعَبْدِ.
١ -
وَعَلَيْهِ أَيْ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ التَّمَلُّكِ لِلْأَبِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ وَإِنْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَقْرُ بِوَطْئِهَا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْوَطْءِ بِنَاءً عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ الِابْنِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الِابْنِ لِمَا قُلْنَا. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ ضَرُورَةٍ لَا يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ. وَفِيهِ أَيْ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إشَارَةٌ إلَى انْفِرَادِ الْأَبِ بِتَحَمُّلِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ، بِنَاءً عَلَى هَذِهِ
стр. 528
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّفَقَةَ تُسْتَحَقُّ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ وَهِيَ نَفَقُهُ ذَوِي الْأَرْحَامِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ لِقَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَذَلِكَ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْأَخَ وَالْعَمَّ وَغَيْرَهُمَا وَيَتَنَاوَلُهُمْ بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ مُشْتَقٍّ مِنْ الْإِرْثِ مِثْلُ الزَّانِي وَالسَّارِقِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَنْ عَدَا الْوَالِدِ يَتَحَمَّلُونَ النَّفَقَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَوَارِيثِ حَتَّى أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْأُمِّ وَالْجَدِّ أَثْلَاثًا لِقَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ مَعْنًى فَيَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَاهُ وَفِي قَوْلِهِ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَجْرَ الرَّضَاعِ يَسْتَغْنِي عَنْ التَّقْدِيرِ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَسْأَلَةِ النِّسْبَةُ أَيْ كَوْنُ الْوَلَدِ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي هَذِهِ النِّسْبَةِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِهَا بِمَنْزِلَةِ نَفَقَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةِ أَحَدٍ فِيهَا لِاخْتِصَاصِهِ بِنِسْبَتِهِ الْمِلْكَ إلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْوَلَدِ الْكَبِيرِ مِثْلَ الِابْنِ الزَّمِنِ وَالْبِنْتِ الْبَالِغَةِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ أَثْلَاثًا بِحَسَبِ مِيرَاثِهِمَا مِنْ الْوَلَدِ بِخِلَافِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَتْ لِلْأَبِ فِي الصَّغِيرِ وِلَايَةٌ وَمُؤْنَةٌ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ فَاخْتَصَّ بِنَفَقَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْكَبِيرُ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ فَتُشَارِكُهُ الْأُمُّ قَوْلُهُ وَفِيهِ أَيْ فِي هَذَا النَّصِّ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَجْمُوعَ الْآيَةِ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ وَاحِدٍ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] دَلِيلٌ مِنْهُ عَلَى كَذَا إشَارَةٌ أَنَّ النَّفَقَةَ يُسْتَحَقُّ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ حَتَّى يُجْبَرَ الرَّجُلُ عَلَى نَفَقَةِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ مِنْ الصِّغَارِ وَالنِّسَاءِ وَأَهْلِ الزَّمَانَةِ مِنْ الرِّجَالِ إذَا كَانُوا ذَوِي حَاجَةٍ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
وَلَكِنْ قَدْ ثَبَتَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَالشَّافِعِيُّ يَبْنِي عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ اسْتِحْقَاقَ الصِّلَةِ بِاعْتِبَارِ الْوِلَادَةِ دُونَ الْقَرَابَةِ حَتَّى لَا يُعْتَقَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، إلَّا الْوَالِدَانِ وَالْمَوْلُودُونَ عِنْدَهُ وَجَعَلَ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ فِي ذَلِكَ كَقَرَابَةِ بَنِي الْأَعْمَامِ، فَكَذَلِكَ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ وَفِيمَا بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ الِاسْتِحْقَاقُ بِعِلَّةِ الْجُزْئِيَّةِ دُونَ الْقَرَابَةِ.
وَحُمِلَ قَوْلُهُ وَعَلَى الْوَارِثِ عَلَى هِيَ الْمُضَارَّةُ دُونَ النَّفَقَةِ وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ عُمَرَ وَزَيْدٍ ﵄ فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَعَلَى الْوَارِثِ أَيْ وَارِثِ الْوَلَدِ.
مِثْلُ ذَلِكَ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الَّذِي عَلَى الْأَبِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ. ثُمَّ نَفْيُ الْمُضَارَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْوُرَّاثُ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَارِثِ كَمَا تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ.
وَلِأَنَّ الْمُرَادَ لَوْ كَانَ نَفْيُ الْمُضَارَّةِ لَقِيلَ وَلَا الْوَارِثُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَوْ قِيلَ وَالْوَارِثُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَمَّا قَالَ وَعَلَى الْوَارِثِ دَلَّ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وَكَذَا قَوْلُهُ ذَلِكَ دَلَّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْأَبْعَدِ.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَقَطْعُهَا لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ وَمَنْعِ النَّفَقَةِ مَعَ يَسَارِ الْمُنْفِقِ وَصِدْقُ حَاجَةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ يُؤَدِّي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلِهَذَا اخْتَصَّ لَهُ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ إذَا بَعُدَتْ لَا يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَلِهَذَا لَا تَثْبُتُ الْمَحْرَمِيَّةُ بِهَا وَذَلِكَ أَيْ لَفْظُ الْوَارِثِ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ كَذَا لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُحَلًّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَكَانَ عَامًّا فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يُسَمَّى وَارِثًا وَيَتَنَاوَلُهُمْ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْإِرْثِ وَمَوْضِعُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةٌ فِي كُلِّ مُسَاقٍ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ الْمُضَافِ إلَى الِاسْمِ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ لِلِاشْتِقَاقِ أَثَرٌ إلَى الْإِيجَابِ كَمَا فِي السَّارِقِ وَالزَّانِي فَيَكُونُ الْإِرْثُ عِلَّةً لِوُجُوبِ هَذِهِ النَّفَقَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِعِلَّةِ الْإِرْثِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِقَدْرِ الْمِيرَاثِ فَإِنْ قِيلَ يُفْهَمُ بِسَوْقِ الْكَلَامِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ عَلَى الْوَارِثِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الْعِبَارَةِ فَكَيْفَ سَمَّاهُ إشَارَةً. قُلْنَا: نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ سَوْقَهُ لَا يُجَابُ النَّفَقَةُ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ سَوْقَهُ لِبَيَانِ أَنَّ مَأْخَذَ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةٌ لِهَذَا الْحُكْمِ فَيَكُونُ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ إشَارَةً. وَفِيهِ أَيْ وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . فَيَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِرْثُ وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ بِقَدْرِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِإِزَاءِ الْغُنْمِ قَوْلُهُ (وَفِي قَوْله تَعَالَى رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ. إشَارَةٌ إلَى) كَذَا قِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ الْمَنْكُوحَاتُ بِدَلِيلِ ذِكْرِ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ وَأَنَّهُمَا مِنْ مُوجِبَاتِ النِّكَاحِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَاتِ فَقَالَ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] . وَالْمُرَادُ مِنْ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ فَضْلُ طَعَامٍ وَكِسْوَةٍ تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي حَالَةِ الْإِرْضَاعِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النَّفَقَةِ وَاجِبٌ بِالنِّكَاحِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ الْوَالِدَاتُ الْمُطَلَّقَاتُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ
стр. 529
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] سِيَاقُ الْكَلَامِ لِإِبَاحَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي اللَّيْلِ وَنَسْخِ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ التَّحْرِيمِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَظْرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة: ١٨٧] أَيْ الْكَفَّ عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَكَانَ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَكُنْ لِلْجِمَاعِ اخْتِصَاصٌ وَلَا مَزِيَّةَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي النَّهَارِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة: ١٨٧] بَعْدَ إبَاحَةِ الْجِمَاعِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَحَرْفُ " ثُمَّ " لِلتَّرَاخِي فَتَصِيرُ الْعَزِيمَةُ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَا يَنْقَضِي، إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ، إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَا تَقْدِيمَ النِّيَّةِ عَلَى الْفَجْرِ بِالسُّنَّةِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّيْلُ أَصْلًا فَلَا وَفِي إبَاحَةِ أَسْبَابِ الْجَنَابَةِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تُنَافِي الصَّوْمَ فِيمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْوَارِثِ وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ لَا نَفَقَةُ النِّكَاحِ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ فِي الْآيَةِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ وُجُوبِ أَجْرِ الْإِرْضَاعِ عَلَى الْأَبِ وَفِيهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أُجْرَةَ الرَّضَاعِ إذَا كَانَتْ طَعَامًا وَكِسْوَةً لَا يُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ التَّقْدِيرِ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ أُجْرَةَ الرَّضَاعِ مَعَ الْجَهَالَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ مَجْهُولَ الصِّفَةِ وَالنَّوْعِ كَمَا «قَالَ ﵇ لِهِنْدَ خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» .
وَمَا يَكُونُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ لَهُ بِالْمَعْرُوفِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ مَعَ الْجَهَالَةِ يَصْلُحَانِ أُجْرَةً وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ الظِّئْرَ فِي الْعَادَةِ كِفَايَتَهَا مِنْ الطَّعَامِ لِعَوْدِ مَنْفَعَتِهِ إلَى وَلَدِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُونَهَا كِفَايَتَهَا مِنْ الْكِسْوَةِ لِكَوْنِ وَلَدِهِمْ فِي حِجْرِهَا فَصَارَ كَبَيْعِ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ.
وَذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ جِنْسِ الثِّيَابِ وَفِي الطَّعَامِ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الظِّئْرَ لَا تُكْسَى كِسْوَةَ الْأَصْلِ وَتُطْعَمُ طَعَامَهُمْ فَكَانَتْ الْكِسْوَةُ مَجْهُولَةً جَهَالَةً تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ عَادَةً.
١ -
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الثَّابِتِ بِالْإِشَارَةِ أَوْ وَمِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْعِبَارَةُ وَالْإِشَارَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ طَرَفُ بَيَاضِ النَّهَارِ، وَالْخَيْطُ الْأَسْوَدُ طَرَفُ سَوَادِ اللَّيْلِ شَبَّهَ دِقَّتَهُمَا بِالْخَيْطِ. وَمِنْ الْفَجْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ.
وَالْمُرَادُ تَبَيُّنُ ضَوْءِ النَّهَارِ مِنْ ظَلَامِ اللَّيْلِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ الضَّوْءُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ.
وَنُسِخَ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الْإِبَاحَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِحْلَالِ مِنْ التَّحْرِيمِ فَإِنَّ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانَ الرَّجُلُ إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ أَوْ رَقَدَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ الْغَدِ وَكَانَ ذَلِكَ صَوْمًا فَنُسِخَ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَظْرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مُتَعَمِّدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنَّمَا الْوُجُوبُ مُخْتَصٌّ بِالْجِمَاعِ عَامِدًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِيهِ وَلَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ لِوُجُوهٍ تُذْكَرُ بَعْدُ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِهِ قِيَاسًا وَلَا دَلَالَةَ لِأَنَّهُمَا دُونَهُ فَبَقِيَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ مُخْتَصًّا بِالْجِمَاعِ فَقَالَ الشَّيْخُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَظْرِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْمُبَاشَرَةَ وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِيُلَائِمَ الْأَمْرَ بِالْكَفِّ عَنْهُمَا جُمْلَةً بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
أَيْ الْكَفُّ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَكَانَ حَظْرُ الْكُلِّ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ لِثُبُوتِهِ بِخِطَابٍ وَاحِدٍ فَصَارَ الرُّكْنُ هُوَ الْكَفُّ عَنْهَا جُمْلَةً وَصَارَتْ الْجُمْلَةُ تُقَايِضُ هَذَا الْكَفَّ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْجِمَاعِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَا اخْتِصَاصٌ بِالْكَفَّارَةِ، وَإِذَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ وَجَبَتْ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ دَلَالَةً لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَظْرِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا وَجَبَتْ بِخِطَابٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ثُمَّ تَفَاوَتَتْ أَرْكَانُهَا فِي الْقُوَّةِ وَالْمَزِيَّةِ حَتَّى كَانَ السُّجُودُ أَقْوَى مِنْ الرُّكُوعِ وَالْقِيَامِ وَلِهَذَا قَالُوا بِسُقُوطِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ عَنْ الْقَادِرِ عَلَيْهِمَا الْعَاجِزِ عَنْ السُّجُودِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵇ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» .
«وَقَوْلُهُ ﵇ لِثَوْبَانَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يُدْخِلُهُ اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» «وَلِمَنْ سَأَلَ مُرَافَقَتَهُ فِي الْجَنَّةِ أَعِنِّي عَلَى
стр. 530
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ سِيَاقُهَا الْإِيجَابُ نَوْعٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي جِهَةِ الْإِطْعَامِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّمْلِيكُ مُلْحَقٌ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ فِعْلُ مُتَعَدٍّ مُطَاوِعُهُ طَعِمَ يَطْعَمُ وَهُوَ الْأَكْلُ فَالْإِطْعَامُ جَعْلُهُ أَكْلًا كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ إذَا تَعَدَّتْ بِزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَضْعُهَا وَحَقِيقَتُهَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُطَاوِعُهُ مِلْكًا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيهِ تَمْلِيكًا هَذَا وَاضِحٌ جِدًّا
ــ
[كشف الأسرار]
نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» وَبِأَنَّ مَبْنَى الْعِبَادَةِ عَلَى التَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ، وَالسُّجُودُ هُوَ النِّهَايَةُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ دَلِيلٌ يُوجِبُ مَزِيَّةَ الْجِمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ فَكَانَ مُسَاوِيًا لِلْأَكْلِ مَعَ أَنَّ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْخِطَابِ وَهُوَ الْوُجُوبُ مُتَسَاوِيَةٌ أَيْضًا.
عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَرْكَانَهَا تَثْبُتُ بِذَلِكَ الْخِطَابِ بَلْ ثَبَتَ كُلُّ رُكْنٍ بَعْدَ وُجُوبِ أَصْلِ الصَّلَاةِ مُجْمَلًا بِخِطَابٍ عَلَى حِدَةٍ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وَنَحْوُهَا. وَفِيهِ أَيْ وَفِي هَذَا النَّصِّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ النَّهَارِ هِيَ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ الْأَفْعَالَ الْمَذْكُورَةَ إلَى الِانْفِجَارِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالصِّيَامِ بَعْدَ الِانْفِجَارِ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي فَإِذَا ابْتَدَأَ الصِّيَامَ بَعْدَهُ حَصَلَتْ النِّيَّةُ بَعْدَمَا مَضَى جُزْءٌ مِنْ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِالْعِبَادَةِ فَبِالنَّظَرِ إلَى مُوجِبِ هَذَا النَّصِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ النِّيَّةُ مِنْ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ قَبْلَ وَقْتِ الْأَدَاءِ حَقِيقَةً وَاللَّيْلُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْأَدَاءِ لَكِنَّا جَوَّزْنَاهَا بِالسُّنَّةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﵇.
«لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» . وَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ، فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ اللَّيْلِ أَدَّى إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَقُلْنَا بِالْجَوَازِ فِيهِمَا عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَمِيعًا.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا وَالنِّيَّةُ مِنْ اللَّيْلِ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا صَارَتْ أَفْضَلَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَالتَّأَهُّبِ لَهُ لَا لِإِكْمَالِ الصَّوْمِ كَمَا أَنَّ الِابْتِكَارَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْلَى لِلْمُسَارَعَةِ لَا لِتَعَلُّقِ كَمَالِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا بِهِ، وَكَذَا الْمُبَادَرَةُ إلَى سَائِرِ الصَّلَاةِ أَوْ لِلْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ لِيَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْخِلَافِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ ﵀: إنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْخَبَّازَ السَّمَرْقَنْدِيَّ هُوَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَلَكِنْ لِلْخُصُومِ أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالصِّيَامِ بَعْدَ الِانْفِجَارِ وَهُوَ اسْمٌ لِلرُّكْنِ لَا لِلشَّرْطِ وَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَحْصِيلِ الشَّرْطِ بَعْدَ الِانْفِجَارِ فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا قُلْتُمْ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِالصَّوْمِ بَعْدَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ الْإِمْسَاكُ الَّذِي هُوَ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ عَقِيبَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ مُتَّصِلًا بِهِ بِلَا فَصْلٍ لِيَصِيرَ الْمَأْمُورُ مُمْتَثِلًا وَأَنْ يَكُونَ الْإِمْسَاكُ صَوْمًا شَرْعِيًّا بِدُونِ النِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْإِمْسَاكِ الْمَوْجُودِ فِي أَوَّلِ أَجْزَاءِ الْيَوْمِ لِيَكُونَ صَوْمًا وَأَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، إلَّا بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا وُجُودُهَا لِلْحَالِ مُقَارِنَةً لَهُ وَالْآخَرُ وُجُودُهَا فِي اللَّيْلِ لِتُجْعَلَ بَاقِيَةً حُكْمًا إلَى وَقْتِ انْفِجَارِ الصُّبْحِ فَتَصِيرَ مُقَارِنَةً فِي أَوَّلِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ فَإِذَنْ كَانَتْ الْآيَةُ دَلِيلًا لَنَا هَكَذَا ذَكَرَ فِي طَرِيقَتِهِ. وَفِي كَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تُنَافِي الصَّوْمَ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ لَمَّا كَانَتْ مُبَاحَةً إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ فَالِاغْتِسَالُ يَكُونُ بَعْدَ الْفَجْرِ يَكُونُ ضَرُورَةً، وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ تَحْرُمَ الْمُبَاشَرَةُ قَبْلَ آخِرِ اللَّيْلِ بِمِقْدَارِ مَا يَسَعُ لِلْغُسْلِ فَيَكُونُ رَدًّا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْجَنَابَةَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ مُعْتَمِدِينَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يُتِمُّ صَوْمَهُ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ» .
وَمُؤَوَّلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَصْبَحَ بِصِفَةٍ تُوجِبُ الْجَنَابَةَ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُخَالِطًا لِأَهْلِهِ فَلَا صَوْمَ لَهُ قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى مَا فِي " بِمَا عَقَدْتُمْ " أَيْ فَكَفَّارَةُ نَكْثِ مَا عَقَدْتُمْ.
وَالْكَفَّارَةُ الْفَعْلَةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُكَفِّرَ الْخَطِيئَةَ ثُمَّ أَنَّهَا تَتَأَدَّى بِطَعَامِ الْإِبَاحَةِ غَدَاءً وَعَشَاءً مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ عِنْدَنَا وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ غَدَاؤُهُ وَعَشَاؤُهُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ
следующие страницы →