← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بَابُ وُجُوهِ) (الْوُقُوفِ عَلَى) (أَحْكَامِ النَّظْمِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: الْوُقُوفُ بِعِبَارَتِهِ وَإِشَارَتِهِ وَدَلَالَتِهِ وَاقْتِضَائِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَصْدُ أَوْ الْإِشَارَةُ مَا ثَبَتَ بِنَظْمِهِ مِثْلُ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَهُمَا سَوَاءٌ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ عِنْدَ التَّعَارُضِ مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] سِيقَ الْكَلَامُ لِإِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الْوَالِدِ ــ [كشف الأسرار] فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: إنَّمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الذِّمَّةَ وَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيَكُونَ أَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَدِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا أَنَّهُ مُجْرَى عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَمَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْأَمْوَالِ فَهَذَا الْكَافُ أَيْضًا مُوجِبُهُ الْعُمُومُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي مَحَلٍّ يَحْتَمِلُهُ فَيَكُونُ نِسْبَةً لَهُ إلَى الزِّنَا قَطْعًا بِمَنْزِلَةِ كَلَامِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا هُوَ مُوجِبُ الْعَامِّ عِنْدَنَا. وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَقْ الْعَبْدُ فِي قَوْلِهِ أَنْتَ كَالْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ الْأَخْبَارِ مُمْكِنٌ فِي حُرْمَةِ الدَّمِ وَوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا نَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْإِنْشَاءُ وَلَوْ قُلْنَا بِالْعُمُومِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى أَحْكَامِ النَّظْمِ] [مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الْقَصْدُ أَوْ الْإِشَارَةُ] (بَابُ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى أَحْكَامِ النَّظْمِ) قَوْلُهُ (أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فِيمَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ وَأُرِيدَ بِهِ الضَّمِيرُ فِي لَهُ، وَأُرِيدَ رَاجِعٌ إلَى مَا، وَفِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْكَلَامِ. وَقَوْلُهُ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ تَعَرَّضَ لِجَانِبِ اللَّفْظِ وَأُرِيدَ بِهِ قَصْدُ الْعَرَضِ لِلْمَعْنَى وَالْإِشَارَةُ أَيْ الثَّابِتُ بِالْإِشَارَةِ مَا ثَبَتَ بِنَظْمِ الْكَلَامِ أَيْ بِتَرْكِيبِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ. إلَّا أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى مَا أَيْ لَكِنَّ ذَلِكَ الثَّابِتَ غَيْرَ مَقْصُودٍ مِنْ الْكَلَامِ وَلَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْإِشَارَةِ: هِيَ دَلَالَةُ نَظْمِ الْكَلَامِ لُغَةً عَلَى مَا ضُمِّنَ فِيهِ مِنْ الْمَعْنَى غَيْرُ مَقْصُودٍ وَهُمَا أَيْ الْعِبَارَةُ وَالْإِشَارَةُ سَوَاءٌ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ أَيْ فِي إثْبَاتِهِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ بِنَفْسِ النَّظْمِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي غَيْرِهِ مِثْلُ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَطْعِيًّا وَغَيْرَ قَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ قَطْعِيَّةٌ وَالْإِشَارَةُ قَدْ تَكُونُ قَطْعِيَّةً وَغَيْرَ قَطْعِيَّةٍ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ: ثُمَّ الْإِشَارَةُ مِنْ النَّصِّ بِمَنْزِلَةِ التَّعْرِيضِ وَالْكِنَايَةُ مِنْ الصَّرِيحِ وَالْمُشْكِلُ مِنْ الْوَاضِحِ إذْ لَا يُنَالُ الْمُرَادُ بِهَا إلَّا بِضَرْبِ تَأْوِيلٍ وَتَبَيُّنٍ، ثُمَّ قَدْ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمُوجِبِهَا بَعْدَ الْبَيَانِ، وَقَدْ لَا يُوجِبُ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ أَيْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِمَا قَطْعًا. ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَيْ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ وَهُوَ الثَّابِتُ بِالْعِبَارَةِ أَحَقُّ عِنْدَ التَّعَارُضِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا مِنْ الثَّابِتِ بِالْإِشَارَةِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ. مِثَالُهُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] . سِيقَتْ الْآيَةُ لِبَيَانِ مَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ وَعُلُوِّ دَرَجَاتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُمْ أَحْيَاءً وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ عَلَى الْحَيِّ وَلَكِنْ قَوْله تَعَالَى. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] . عِبَارَةٌ فِي إيجَابِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْأَمْوَاتِ عَلَى الْعُمُومِ وَالشُّهَدَاءُ أَمْوَاتٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِدَلِيلِ جَوَازِ قِسْمَةِ أَمْوَالِهِمْ وَتَزَوُّجِ نِسَائِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَتُرَجَّحُ الْعِبَارَةُ عَلَى الْإِشَارَةِ. هَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْإِشَارَةُ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَيَاةِ فِي قَوْلِهِ أَحْيَاءٌ لَيْسَ الْحَيَاةُ الَّتِي يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَهِيَ الْحِسِّيَّةُ بِلَا شُبْهَةٍ وَكَذَا الْعِبَارَةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] . الدُّعَاءُ لَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ أَيْ تَعَطُّفٌ وَتَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يَسْكُنُونَ إلَيْهِ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَابَ عَلَيْهِمْ وَقَبِلَ مِنْهُمْ، كَذَا ذَكَرَهُ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فَلَا يَثْبُتُ التَّعَارُضُ إذْ لَا دَلَالَةَ لِلْآيَتَيْنِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. وَالنَّظِيرُ الْمُلَائِمُ «قَوْلُهُ ﵇ فِي النِّسَاءِ. أَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ. فَقِيلَ مَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ قَالَ. تَقْعُدُ إحْدَاهُنَّ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا شَطْرَ دَهْرِهَا. أَيْ نِصْفَ عُمُرِهَا لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي» سِيقَ الْكَلَامُ لِبَيَانِ نُقْصَانِ دِينِهِنَّ وَفِيهِ

стр. 527

وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّسَبَ إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْمِلْكِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ التَّمْلِيكِ فِي مَالِ وَلَدِهِ وَأَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ بِسَبَبِهِ كَالْمَالِكِ بِمَمْلُوكِهِ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْمِلْكِ وَعَلَيْهِ تُبْنَى مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى انْفِرَادِ الْأَبِ بِتَحَمُّلِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِيهَا، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِهَا، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ غَنِيًّا وَالْوَالِدُ مُحْتَاجًا لَمْ يُشَارِكْ الْوَلَدَ أَحَدٌ فِي تَحَمُّلِ نَفَقَةِ الْوَالِدِ لِمَا قُلْنَا مِنْ النِّسْبَةِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ ــ [كشف الأسرار] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ. «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ» . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلَاثُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ عِبَارَةٌ فَتَرَجَّحَ عَلَى الْإِشَارَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ أَلَا فَأَنْتُمْ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ أَلَا لَكُمْ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ. فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي أَعْطَيْته مَنْ شِئْتُ» . سِيقَ لِبَيَانِ فَضِيلَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَكْثَرُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْقَى وَقْتُ الظُّهْرِ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَهَى بِصَيْرُورَةِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلِهِ لَكَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ. وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُ ظِلِّهِ، وَقَالَ بَعْدَمَا صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ. وَهُوَ عِبَارَةٌ فَرَجَّحَهَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْإِشَارَةِ وَجَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ قَوْلُهُ (فَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الثَّابِتِ بِالْإِشَارَةِ أَوْ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْعِبَارَةُ وَالْإِشَارَةُ نُسِبَ إلَيْهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ فَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ أَحَقَّ بِالْوَلَدِ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مِلْكًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَصِيرُ مِلْكًا لِأَبِيهِ بِحَالٍ فَدَلَّ أَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِهِ نَسَبًا فَإِنْ قِيلَ الْوَلَدُ يُنْسَبُ إلَى الْأُمِّ كَمَا يُنْسَبُ إلَى الْأَبِ وَيَرِثُ مِنْهَا كَمَا يَرِثُ مِنْ الْأَبِ فَمَا فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِالْأَبِ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُمَيَّزُ لَهَا بَيْنَ نَسَبٍ وَنَسَبٍ كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَالْكَفَاءَةِ وَاعْتِبَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا جَانِبُ الْأَبِ دُونَ الْأُمِّ. أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ التَّمَلُّكِ أَيْ لَهُ حَقٌّ أَنْ يَتَمَلَّكَ مَالَ الِابْنِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ مِلْكٍ فِي الْحَالِ حَتَّى جَازَ لِلِابْنِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَحَلَّ لَهُ وَطْءُ جَارِيَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الدَّارَ الْمَبِيعَةَ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقُّ مِلْكٍ بِوَجْهٍ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ لَهُ حَقَّ الْمِلْكِ فِي اكْتِسَابِهِ بِاعْتِبَارِ الْيَدِ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ التَّمَلُّكِ حَتَّى لَمْ يَحِلَّ وَطْءُ جَارِيَتِهِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ حَقِّ التَّمَلُّكِ وَحَقِّ الْمِلْكِ. وَأَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ بِوَلَدِهِ أَيْ بِسَبَبِ وَلَدِهِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ ابْنَهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَوْ قَذَفَهُ بِأَنْ قَالَ زَنَيْتَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَلَا يُحْبَسُ فِي دَيْنِهِ كَالْمَالِكِ بِمَمْلُوكِهِ أَيْ كَمَا لَا يُعَاقَبُ الْمَالِكُ بِسَبَبِ مَمْلُوكِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ نُسِبَ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْمِلْكِ كَالْعَبْدِ. ١ - وَعَلَيْهِ أَيْ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ التَّمَلُّكِ لِلْأَبِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ وَإِنْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَقْرُ بِوَطْئِهَا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْوَطْءِ بِنَاءً عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ الِابْنِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الِابْنِ لِمَا قُلْنَا. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ ضَرُورَةٍ لَا يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ. وَفِيهِ أَيْ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إشَارَةٌ إلَى انْفِرَادِ الْأَبِ بِتَحَمُّلِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ، بِنَاءً عَلَى هَذِهِ

стр. 528

وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّفَقَةَ تُسْتَحَقُّ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ وَهِيَ نَفَقُهُ ذَوِي الْأَرْحَامِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ لِقَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَذَلِكَ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْأَخَ وَالْعَمَّ وَغَيْرَهُمَا وَيَتَنَاوَلُهُمْ بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ مُشْتَقٍّ مِنْ الْإِرْثِ مِثْلُ الزَّانِي وَالسَّارِقِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَنْ عَدَا الْوَالِدِ يَتَحَمَّلُونَ النَّفَقَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَوَارِيثِ حَتَّى أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْأُمِّ وَالْجَدِّ أَثْلَاثًا لِقَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ مَعْنًى فَيَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَاهُ وَفِي قَوْلِهِ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَجْرَ الرَّضَاعِ يَسْتَغْنِي عَنْ التَّقْدِيرِ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ ــ [كشف الأسرار] الْمَسْأَلَةِ النِّسْبَةُ أَيْ كَوْنُ الْوَلَدِ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي هَذِهِ النِّسْبَةِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِهَا بِمَنْزِلَةِ نَفَقَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةِ أَحَدٍ فِيهَا لِاخْتِصَاصِهِ بِنِسْبَتِهِ الْمِلْكَ إلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْوَلَدِ الْكَبِيرِ مِثْلَ الِابْنِ الزَّمِنِ وَالْبِنْتِ الْبَالِغَةِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ أَثْلَاثًا بِحَسَبِ مِيرَاثِهِمَا مِنْ الْوَلَدِ بِخِلَافِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَتْ لِلْأَبِ فِي الصَّغِيرِ وِلَايَةٌ وَمُؤْنَةٌ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ فَاخْتَصَّ بِنَفَقَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْكَبِيرُ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ فَتُشَارِكُهُ الْأُمُّ قَوْلُهُ وَفِيهِ أَيْ فِي هَذَا النَّصِّ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَجْمُوعَ الْآيَةِ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ وَاحِدٍ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] دَلِيلٌ مِنْهُ عَلَى كَذَا إشَارَةٌ أَنَّ النَّفَقَةَ يُسْتَحَقُّ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ حَتَّى يُجْبَرَ الرَّجُلُ عَلَى نَفَقَةِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ مِنْ الصِّغَارِ وَالنِّسَاءِ وَأَهْلِ الزَّمَانَةِ مِنْ الرِّجَالِ إذَا كَانُوا ذَوِي حَاجَةٍ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وَلَكِنْ قَدْ ثَبَتَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَالشَّافِعِيُّ يَبْنِي عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ اسْتِحْقَاقَ الصِّلَةِ بِاعْتِبَارِ الْوِلَادَةِ دُونَ الْقَرَابَةِ حَتَّى لَا يُعْتَقَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، إلَّا الْوَالِدَانِ وَالْمَوْلُودُونَ عِنْدَهُ وَجَعَلَ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ فِي ذَلِكَ كَقَرَابَةِ بَنِي الْأَعْمَامِ، فَكَذَلِكَ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ وَفِيمَا بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ الِاسْتِحْقَاقُ بِعِلَّةِ الْجُزْئِيَّةِ دُونَ الْقَرَابَةِ. وَحُمِلَ قَوْلُهُ وَعَلَى الْوَارِثِ عَلَى هِيَ الْمُضَارَّةُ دُونَ النَّفَقَةِ وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ عُمَرَ وَزَيْدٍ ﵄ فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَعَلَى الْوَارِثِ أَيْ وَارِثِ الْوَلَدِ. مِثْلُ ذَلِكَ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الَّذِي عَلَى الْأَبِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ. ثُمَّ نَفْيُ الْمُضَارَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْوُرَّاثُ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَارِثِ كَمَا تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ. وَلِأَنَّ الْمُرَادَ لَوْ كَانَ نَفْيُ الْمُضَارَّةِ لَقِيلَ وَلَا الْوَارِثُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَوْ قِيلَ وَالْوَارِثُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَمَّا قَالَ وَعَلَى الْوَارِثِ دَلَّ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وَكَذَا قَوْلُهُ ذَلِكَ دَلَّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْأَبْعَدِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَقَطْعُهَا لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ وَمَنْعِ النَّفَقَةِ مَعَ يَسَارِ الْمُنْفِقِ وَصِدْقُ حَاجَةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ يُؤَدِّي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلِهَذَا اخْتَصَّ لَهُ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ إذَا بَعُدَتْ لَا يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَلِهَذَا لَا تَثْبُتُ الْمَحْرَمِيَّةُ بِهَا وَذَلِكَ أَيْ لَفْظُ الْوَارِثِ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ كَذَا لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُحَلًّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَكَانَ عَامًّا فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يُسَمَّى وَارِثًا وَيَتَنَاوَلُهُمْ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْإِرْثِ وَمَوْضِعُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةٌ فِي كُلِّ مُسَاقٍ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ الْمُضَافِ إلَى الِاسْمِ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ لِلِاشْتِقَاقِ أَثَرٌ إلَى الْإِيجَابِ كَمَا فِي السَّارِقِ وَالزَّانِي فَيَكُونُ الْإِرْثُ عِلَّةً لِوُجُوبِ هَذِهِ النَّفَقَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِعِلَّةِ الْإِرْثِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِقَدْرِ الْمِيرَاثِ فَإِنْ قِيلَ يُفْهَمُ بِسَوْقِ الْكَلَامِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ عَلَى الْوَارِثِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الْعِبَارَةِ فَكَيْفَ سَمَّاهُ إشَارَةً. قُلْنَا: نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ سَوْقَهُ لَا يُجَابُ النَّفَقَةُ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ سَوْقَهُ لِبَيَانِ أَنَّ مَأْخَذَ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةٌ لِهَذَا الْحُكْمِ فَيَكُونُ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ إشَارَةً. وَفِيهِ أَيْ وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . فَيَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَاهُ وَهُوَ الْإِرْثُ وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ بِقَدْرِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِإِزَاءِ الْغُنْمِ قَوْلُهُ (وَفِي قَوْله تَعَالَى رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ. إشَارَةٌ إلَى) كَذَا قِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ الْمَنْكُوحَاتُ بِدَلِيلِ ذِكْرِ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ وَأَنَّهُمَا مِنْ مُوجِبَاتِ النِّكَاحِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَاتِ فَقَالَ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] . وَالْمُرَادُ مِنْ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ فَضْلُ طَعَامٍ وَكِسْوَةٍ تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي حَالَةِ الْإِرْضَاعِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النَّفَقَةِ وَاجِبٌ بِالنِّكَاحِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ الْوَالِدَاتُ الْمُطَلَّقَاتُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ

стр. 529

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] سِيَاقُ الْكَلَامِ لِإِبَاحَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي اللَّيْلِ وَنَسْخِ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ التَّحْرِيمِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَظْرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة: ١٨٧] أَيْ الْكَفَّ عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَكَانَ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَكُنْ لِلْجِمَاعِ اخْتِصَاصٌ وَلَا مَزِيَّةَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي النَّهَارِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة: ١٨٧] بَعْدَ إبَاحَةِ الْجِمَاعِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَحَرْفُ " ثُمَّ " لِلتَّرَاخِي فَتَصِيرُ الْعَزِيمَةُ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَا يَنْقَضِي، إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ، إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَا تَقْدِيمَ النِّيَّةِ عَلَى الْفَجْرِ بِالسُّنَّةِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّيْلُ أَصْلًا فَلَا وَفِي إبَاحَةِ أَسْبَابِ الْجَنَابَةِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تُنَافِي الصَّوْمَ فِيمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا ــ [كشف الأسرار] عَلَى الْوَارِثِ وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ لَا نَفَقَةُ النِّكَاحِ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ فِي الْآيَةِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ وُجُوبِ أَجْرِ الْإِرْضَاعِ عَلَى الْأَبِ وَفِيهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أُجْرَةَ الرَّضَاعِ إذَا كَانَتْ طَعَامًا وَكِسْوَةً لَا يُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ التَّقْدِيرِ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ أُجْرَةَ الرَّضَاعِ مَعَ الْجَهَالَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ مَجْهُولَ الصِّفَةِ وَالنَّوْعِ كَمَا «قَالَ ﵇ لِهِنْدَ خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . وَمَا يَكُونُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ لَهُ بِالْمَعْرُوفِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ مَعَ الْجَهَالَةِ يَصْلُحَانِ أُجْرَةً وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ الظِّئْرَ فِي الْعَادَةِ كِفَايَتَهَا مِنْ الطَّعَامِ لِعَوْدِ مَنْفَعَتِهِ إلَى وَلَدِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُونَهَا كِفَايَتَهَا مِنْ الْكِسْوَةِ لِكَوْنِ وَلَدِهِمْ فِي حِجْرِهَا فَصَارَ كَبَيْعِ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ. وَذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ جِنْسِ الثِّيَابِ وَفِي الطَّعَامِ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الظِّئْرَ لَا تُكْسَى كِسْوَةَ الْأَصْلِ وَتُطْعَمُ طَعَامَهُمْ فَكَانَتْ الْكِسْوَةُ مَجْهُولَةً جَهَالَةً تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ عَادَةً. ١ - قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الثَّابِتِ بِالْإِشَارَةِ أَوْ وَمِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْعِبَارَةُ وَالْإِشَارَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ طَرَفُ بَيَاضِ النَّهَارِ، وَالْخَيْطُ الْأَسْوَدُ طَرَفُ سَوَادِ اللَّيْلِ شَبَّهَ دِقَّتَهُمَا بِالْخَيْطِ. وَمِنْ الْفَجْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ. وَالْمُرَادُ تَبَيُّنُ ضَوْءِ النَّهَارِ مِنْ ظَلَامِ اللَّيْلِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ الضَّوْءُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ. وَنُسِخَ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الْإِبَاحَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِحْلَالِ مِنْ التَّحْرِيمِ فَإِنَّ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانَ الرَّجُلُ إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ أَوْ رَقَدَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ الْغَدِ وَكَانَ ذَلِكَ صَوْمًا فَنُسِخَ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَظْرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مُتَعَمِّدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنَّمَا الْوُجُوبُ مُخْتَصٌّ بِالْجِمَاعِ عَامِدًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِيهِ وَلَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ لِوُجُوهٍ تُذْكَرُ بَعْدُ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِهِ قِيَاسًا وَلَا دَلَالَةَ لِأَنَّهُمَا دُونَهُ فَبَقِيَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ مُخْتَصًّا بِالْجِمَاعِ فَقَالَ الشَّيْخُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَظْرِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْمُبَاشَرَةَ وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِيُلَائِمَ الْأَمْرَ بِالْكَفِّ عَنْهُمَا جُمْلَةً بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . أَيْ الْكَفُّ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَكَانَ حَظْرُ الْكُلِّ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ لِثُبُوتِهِ بِخِطَابٍ وَاحِدٍ فَصَارَ الرُّكْنُ هُوَ الْكَفُّ عَنْهَا جُمْلَةً وَصَارَتْ الْجُمْلَةُ تُقَايِضُ هَذَا الْكَفَّ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْجِمَاعِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَا اخْتِصَاصٌ بِالْكَفَّارَةِ، وَإِذَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ وَجَبَتْ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ دَلَالَةً لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَظْرِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا وَجَبَتْ بِخِطَابٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ثُمَّ تَفَاوَتَتْ أَرْكَانُهَا فِي الْقُوَّةِ وَالْمَزِيَّةِ حَتَّى كَانَ السُّجُودُ أَقْوَى مِنْ الرُّكُوعِ وَالْقِيَامِ وَلِهَذَا قَالُوا بِسُقُوطِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ عَنْ الْقَادِرِ عَلَيْهِمَا الْعَاجِزِ عَنْ السُّجُودِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵇ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» . «وَقَوْلُهُ ﵇ لِثَوْبَانَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يُدْخِلُهُ اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» «وَلِمَنْ سَأَلَ مُرَافَقَتَهُ فِي الْجَنَّةِ أَعِنِّي عَلَى

стр. 530

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ سِيَاقُهَا الْإِيجَابُ نَوْعٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي جِهَةِ الْإِطْعَامِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّمْلِيكُ مُلْحَقٌ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ فِعْلُ مُتَعَدٍّ مُطَاوِعُهُ طَعِمَ يَطْعَمُ وَهُوَ الْأَكْلُ فَالْإِطْعَامُ جَعْلُهُ أَكْلًا كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ إذَا تَعَدَّتْ بِزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَضْعُهَا وَحَقِيقَتُهَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُطَاوِعُهُ مِلْكًا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيهِ تَمْلِيكًا هَذَا وَاضِحٌ جِدًّا ــ [كشف الأسرار] نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» وَبِأَنَّ مَبْنَى الْعِبَادَةِ عَلَى التَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ، وَالسُّجُودُ هُوَ النِّهَايَةُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ دَلِيلٌ يُوجِبُ مَزِيَّةَ الْجِمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ فَكَانَ مُسَاوِيًا لِلْأَكْلِ مَعَ أَنَّ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْخِطَابِ وَهُوَ الْوُجُوبُ مُتَسَاوِيَةٌ أَيْضًا. عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَرْكَانَهَا تَثْبُتُ بِذَلِكَ الْخِطَابِ بَلْ ثَبَتَ كُلُّ رُكْنٍ بَعْدَ وُجُوبِ أَصْلِ الصَّلَاةِ مُجْمَلًا بِخِطَابٍ عَلَى حِدَةٍ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وَنَحْوُهَا. وَفِيهِ أَيْ وَفِي هَذَا النَّصِّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ النَّهَارِ هِيَ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ الْأَفْعَالَ الْمَذْكُورَةَ إلَى الِانْفِجَارِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالصِّيَامِ بَعْدَ الِانْفِجَارِ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي فَإِذَا ابْتَدَأَ الصِّيَامَ بَعْدَهُ حَصَلَتْ النِّيَّةُ بَعْدَمَا مَضَى جُزْءٌ مِنْ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِالْعِبَادَةِ فَبِالنَّظَرِ إلَى مُوجِبِ هَذَا النَّصِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ النِّيَّةُ مِنْ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ قَبْلَ وَقْتِ الْأَدَاءِ حَقِيقَةً وَاللَّيْلُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْأَدَاءِ لَكِنَّا جَوَّزْنَاهَا بِالسُّنَّةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﵇. «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» . وَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ، فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ اللَّيْلِ أَدَّى إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَقُلْنَا بِالْجَوَازِ فِيهِمَا عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَمِيعًا. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا وَالنِّيَّةُ مِنْ اللَّيْلِ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا صَارَتْ أَفْضَلَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَالتَّأَهُّبِ لَهُ لَا لِإِكْمَالِ الصَّوْمِ كَمَا أَنَّ الِابْتِكَارَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْلَى لِلْمُسَارَعَةِ لَا لِتَعَلُّقِ كَمَالِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا بِهِ، وَكَذَا الْمُبَادَرَةُ إلَى سَائِرِ الصَّلَاةِ أَوْ لِلْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ لِيَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْخِلَافِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ ﵀: إنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْخَبَّازَ السَّمَرْقَنْدِيَّ هُوَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَلَكِنْ لِلْخُصُومِ أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالصِّيَامِ بَعْدَ الِانْفِجَارِ وَهُوَ اسْمٌ لِلرُّكْنِ لَا لِلشَّرْطِ وَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَحْصِيلِ الشَّرْطِ بَعْدَ الِانْفِجَارِ فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا قُلْتُمْ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِالصَّوْمِ بَعْدَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ الْإِمْسَاكُ الَّذِي هُوَ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ عَقِيبَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ مُتَّصِلًا بِهِ بِلَا فَصْلٍ لِيَصِيرَ الْمَأْمُورُ مُمْتَثِلًا وَأَنْ يَكُونَ الْإِمْسَاكُ صَوْمًا شَرْعِيًّا بِدُونِ النِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْإِمْسَاكِ الْمَوْجُودِ فِي أَوَّلِ أَجْزَاءِ الْيَوْمِ لِيَكُونَ صَوْمًا وَأَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، إلَّا بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا وُجُودُهَا لِلْحَالِ مُقَارِنَةً لَهُ وَالْآخَرُ وُجُودُهَا فِي اللَّيْلِ لِتُجْعَلَ بَاقِيَةً حُكْمًا إلَى وَقْتِ انْفِجَارِ الصُّبْحِ فَتَصِيرَ مُقَارِنَةً فِي أَوَّلِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ فَإِذَنْ كَانَتْ الْآيَةُ دَلِيلًا لَنَا هَكَذَا ذَكَرَ فِي طَرِيقَتِهِ. وَفِي كَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تُنَافِي الصَّوْمَ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ لَمَّا كَانَتْ مُبَاحَةً إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ فَالِاغْتِسَالُ يَكُونُ بَعْدَ الْفَجْرِ يَكُونُ ضَرُورَةً، وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ تَحْرُمَ الْمُبَاشَرَةُ قَبْلَ آخِرِ اللَّيْلِ بِمِقْدَارِ مَا يَسَعُ لِلْغُسْلِ فَيَكُونُ رَدًّا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْجَنَابَةَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ مُعْتَمِدِينَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يُتِمُّ صَوْمَهُ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ» . وَمُؤَوَّلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَصْبَحَ بِصِفَةٍ تُوجِبُ الْجَنَابَةَ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُخَالِطًا لِأَهْلِهِ فَلَا صَوْمَ لَهُ قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى مَا فِي " بِمَا عَقَدْتُمْ " أَيْ فَكَفَّارَةُ نَكْثِ مَا عَقَدْتُمْ. وَالْكَفَّارَةُ الْفَعْلَةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُكَفِّرَ الْخَطِيئَةَ ثُمَّ أَنَّهَا تَتَأَدَّى بِطَعَامِ الْإِبَاحَةِ غَدَاءً وَعَشَاءً مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ عِنْدَنَا وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ غَدَاؤُهُ وَعَشَاؤُهُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ

стр. 531

فَمَنْ جَعَلَ التَّمْلِيكَ أَصْلًا كَانَ تَارِكًا حَقِيقَةَ الْكَلَامِ وَمَعْنَى إلْحَاقُ التَّمْلِيكِ بِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ جُزْءٌ مِنْ التَّمْلِيكِ فِي التَّقْدِيرِ وَالتَّمْلِيكِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ حَوَائِجَ الْمَسَاكِينِ كَثِيرَةٌ يَصْلُحُ الطَّعَامُ لِقَضَاءِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا، إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ سَبَبٌ لِقَضَائِهَا فَأُقِيمَ الْمِلْكُ مَقَامَهَا فَصَارَ التَّمْلِيكُ بِمَنْزِلَةِ قَضَائِهَا كُلِّهَا بِاعْتِبَارِ الْخِلَافَةِ عَنْهَا، وَمِنْ هَذِهِ الْحَوَائِجِ الْأَكْلُ فَصَارَ النَّصُّ وَاقِعًا عَلَى الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ــ [كشف الأسرار] وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عَلَيْهِ لَا يَتَأَدَّى، إلَّا بِالتَّمْلِيكِ وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. فَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ الْإِطْعَامُ يُذْكَرُ لِلتَّمْلِيكِ عُرْفًا فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِآخَرَ أَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَهَبْته لَك حَتَّى إذَا سَلَّمَهُ إلَيْهِ صَارَ مِلْكًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إبَاحَةً إذَا قَالَ أَطْعَمْتُك هَذَا الْأَرْضَ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تُطْعَمُ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَنَافِعِهَا الَّتِي تُطْعَمُ مَعْنًى بِالزِّرَاعَةِ مَجَازًا. وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ خُلَّةِ الْمِسْكِينِ وَإِغْنَاؤُهُ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّمْلِيكِ دُونَ التَّمْكِينِ فَلَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِهِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْكِسْوَةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَنْوَاعِ التَّكْفِيرِ لَا تَتَأَدَّى بِالتَّمْكِينِ وَالْإِبَاحَةِ حَتَّى لَوْ أَعَارَ الْمَسَاكِينَ ثِيَابًا بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فَلَبِسُوا لَا يَجُوزُ فَكَذَا الطَّعَامُ. وَعُلَمَاؤُنَا ﵏ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَقَالُوا: إنَّهَا تُشِيرُ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْعَامِ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ لِلتَّمْكِينِ لَا لِلتَّمْلِيكِ فَإِنَّ الْإِطْعَامَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ أَيْ إلَى مَفْعُولَيْنِ مُطَاوِعُهُ أَيْ لَازِمُهُ طَعِمَ يَطْعَمُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ اللَّازِمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي بَابِ مُوجِبِ الْأَمْرِ وَالطُّعْمِ الْأَكْلُ فَبِإِدْخَالِ الْهَمْزَةِ فِيهِ يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا إلَى مَفْعُولٍ آخَرَ وَلَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ شَيْئًا آخَرَ بِمَنْزِلَةِ الْإِجْلَاسِ مِنْ الْجُلُوسِ وَالْإِدْخَالِ مِنْ الدُّخُولِ فَكَانَ مَعْنَى الْإِطْعَامِ جَعْلَ الْغَيْرِ طَاعِمًا أَيْ آكِلًا؛ فَعَرَفْنَا أَنَّ صِحَّةَ التَّكْفِيرِ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ يَصِيرُ هُوَ بِهِ مَطْعَمًا وَيَصِيرُ الْغَيْرُ بِهِ طَاعِمًا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْإِبَاحَةِ وَالتَّسْلِيطِ عَلَى الطَّعَامِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُطْعِمَ الْمِسْكِينَ لِيَتِمَّ فِعْلُهُ إطْعَامًا وَيَحْصُلُ بِهِ إتْلَافُ الطَّعَامِ عَيْنِهِ وَيَتِمُّ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِهِ. وَأَنَّ التَّمْلِيكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْكِتَابِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَدَّمَ الطَّعَامَ إلَى غَيْرِهِ وَاسْتَوْفَى الْغَيْرُ مِنْهُ صَحَّ أَنْ يُقَالَ أَطْعِمْهُ وَلَا يُشْتَرَطُ الزِّيَادَةُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . وَالْمُتَعَارَفُ مِنْ إطْعَامِ الْأَهْلِ طَعَامُ الْإِبَاحَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ. وَأَنَّهُ حَلَّ ذِكْرُهُ أَضَافَ الْإِطْعَامَ إلَى الْمَسَاكِينِ وَالْمَسْكَنَةُ هِيَ الْحَاجَةُ وَحَاجَةُ الْمِسْكِينِ إلَى الطَّعَامِ فِي أَكْلِهِ دُونَ تَمَلُّكِهِ فَكَانَ إضَافَةُ الْإِطْعَامِ إلَى الْمَسَاكِينِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي يَصِيرُ الْمِسْكِينُ بِهِ طَاعِمًا دُونَ التَّمْلِيكِ وَكَذَا التَّمْلِيكُ أَقْرَبُ إلَى دَفْعِ الْجُوعِ وَسَدِّ الْمَسْكَنَةِ مِنْ تَمْلِيكِ حِنْطَةٍ لَا يَصِلُ إلَيْهَا، إلَّا بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ وَتَحَمُّلِ الْمُؤْنَةِ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّمْلِيكُ كَمَا ذَهَبَ حَمْدَانُ بْنُ سَهْلٍ وَدَاوُد بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِطْعَامَ لَازَمَهُ الطُّعْمُ وَهُوَ الْأَكْلُ دُونَ الْمِلْكِ وَفِي التَّمْلِيكِ لَا يُوجَدُ حَقِيقَةُ الْإِطْعَامِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يُطْعِمَهُ الْمِسْكِينُ وَإِنَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي التَّمْكِينِ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ، إلَّا بِأَنْ يُطْعِمَ الْمِسْكِينَ وَالْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ. إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَا التَّمْلِيكَ لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ خُلَّةِ الْمِسْكِينِ وَالْإِطْعَامُ قَضَاءُ حَاجَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ حَاجَةُ الْأَكْلِ وَلَهُ حَوَائِجُ كَثِيرَةٌ وَالْمِلْكُ سَبَبٌ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَهِيَ أَمْرٌ بَاطِنٌ فَأُقِيمَ الْمِلْكُ مَقَامَ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ فَكَانَ التَّمْلِيكُ بِمَنْزِلَةِ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ كُلِّهَا تَقْدِيرًا. أَلَا تَرَى أَنَّ التَّمْلِيكَ إلَى الْفَقِيرِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ قَامَ مَقَامَ دَفْعِ حَوَائِجِهِ لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ دَفْعِ الْقِيَمِ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِبَاحَةَ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ مِنْ التَّمْلِيكِ فَكَانَ الْجَوَازُ فِيهِ ثَابِتًا بِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التَّمْلِيكُ سَبَبٌ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ جُمْلَةً أَمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ. فَإِنْ أَرَدْت الْأَوَّلَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَمْلِيكَ مَنَوَيْنِ مِنْ الْبُرِّ سَبَبٌ لِقَضَاءِ جَمِيعِ الْحَوَائِجِ. وَإِنْ أَرَدْت الثَّانِيَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ جُزْءٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى حَاجَةٍ لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهَا فَكَيْفَ يَكُونُ شَامِلًا لِدَفْعِ حَاجَةِ الْأَكْلِ. وَذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ التَّمْلِيكَ إنَّمَا جَازَ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى التَّطَعُّمِ وَالْأَكْلِ

стр. 532

فَاسْتَقَامَ تَعْدِيَتُهُ إلَى الْكُلِّ الَّذِي هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى هَذَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ عَمَلًا بِعَيْنِهِ فِي الْمَعْنَى وَهَذَا بِخِلَافِ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ هُنَاكَ تَنَاوَلَ التَّمْلِيكَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْفِعْلَ فِي الْأَوَّلِ كَفَّارَةً وَهُوَ الْإِطْعَامُ وَجَعَلَ الْعَيْنَ فِي الثَّانِي كَفَّارَةً وَهُوَ الثَّوْبُ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ بِكَسْرِ الْكَافِ اسْمٌ لِلثَّوْبِ وَبِفَتْحِ الْكَافِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ الْعَيْنَ كَفَّارَةً لَا الْمَنْفَعَةُ وَإِنَّمَا يَصِيرُ كَذَلِكَ بِالتَّمْلِيكِ دُونَ الْإِعَارَةِ فَصَارَ النَّصُّ هُنَا وَاقِعًا عَلَى التَّمْلِيكِ الَّذِي هُوَ قَضَاءٌ لِكُلِّ الْحَوَائِجِ فِي الْمَعْنَى فَلَمْ يَسْتَقِمْ التَّعْدِيَةُ إلَى مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ فِي الثِّيَابِ مُنْقَضِيَةٌ قَبْلَ الْكَمَالِ وَالْإِبَاحَةُ فِي الطَّعَامِ لَازِمَةٌ لَا مَرَدَّ لِفِعْلِ الْأَكْلِ فِيهَا فَهُمَا فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ مَعَ التَّفَاوُتِ الَّذِي بَيَّنَّا وَكَانَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي قِيَاسِ الطَّعَامِ بِالْكِسْوَةِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ مَعًا غَلَطًا ــ [كشف الأسرار] وَتَمْكِينٌ لِذَلِكَ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ. وَالضَّمِيرُ فِي مَقَامِهَا وَعَنْهَا رَاجِعٌ إلَى قَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَالتَّأْنِيثُ لِتَأْنِيثِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَاسْتَقَامَ تَعْدِيَتُهُ أَيْ تَعْدِيَةُ حُكْمِ النَّصِّ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى هَذَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَغَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةِ الدَّيْنِ وَأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ وَشِرَاءِ الثَّوْبِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ قِيلَ: التَّمْلِيكُ مُرَادٌ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَجَازٌ فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَنَحَّى الْحَقِيقَةُ. قُلْنَا: إنَّمَا جَوَّزْنَا التَّمْلِيكَ بِدَلِيلِ النَّصِّ لَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِطْعَامِ رَدُّ الْجَوْعَةِ وَهُوَ بِالتَّمْلِيكِ أَتَمُّ؛ لِأَنَّهُ بِرَدِّهَا مَتَى شَاءَ وَالْعَمَلُ بِدَلِيلِ النَّصِّ لَا يَمْنَعُ حَقِيقَتَهُ كَحُرْمَةِ الشَّتْمِ الثَّابِتَةِ بِدَلِيلِ النَّصِّ لَا يَمْنَعُ التَّأْفِيفَ. قَوْلُهُ (الْكِسْوَةُ كَذَا) ذُكِرَ فِي الْمُغْرِبِ الْكِسْوَةُ اللِّبَاسُ. وَفِي الصِّحَاحِ الْكِسْوَةُ وَاحِدَةُ الْكُسَى. وَإِذَا كَانَ الْكِسْوَةُ اسْمًا لِلثَّوْبِ وَنَفْسُ الثَّوْبِ لَا يَكُونُ كَفَّارَةً لِأَنَّهَا اسْمٌ لِنَوْعِ عِبَادَةٍ وَهِيَ اسْمٌ لِفِعْلِ الْعَبْدِ احْتَجْنَا إلَى زِيَادَةِ فِعْلٍ يَصِيرُ الثَّوْبُ بِهِ كَفَّارَةً كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّ الشَّاةَ لَا تَكُونُ عِبَادَةً بِنَفْسِهَا فَزِدْنَا فِعْلًا صَارَتْ الشَّاةُ بِهِ عِبَادَةً وَصَدَقَةً وَهُوَ الْإِيتَاءُ، ثُمَّ الْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ تَمْلِيكًا، وَقَدْ يَكُونُ إتْلَافًا بِلَا تَمْلِيكٍ كَالتَّحْرِيرِ وَالْكِسْوَةِ لَا تَصِيرُ كَفَّارَةً بِالْإِتْلَافِ لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى بَعْدَهُ كِسْوَةً وَاَللَّهُ تَعَالَى سَمَّى الْكِسْوَةَ وَهِيَ ثِيَابٌ يُكْتَسَى فَلَمْ يَبْقَ، إلَّا التَّمْلِيكُ. وَإِذَا أَعَارَهُمْ الثَّوْبَ فَمَا فِيهَا تَمْلِيكُ ثَوْبٍ وَلَا إتْلَافُهُ فَلَا يَصِيرُ الْمَحَلُّ كَفَّارَةً بَلْ فِيهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ الْمَنَافِعَ كَفَّارَةً إنَّمَا جَعَلَ الثَّوْبَ كَفَّارَةً فَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَإِتْلَافٌ لِلطَّعَامِ بِالْأَكْلِ فَيَصِيرُ الطَّعَامُ بِالْإِطْعَامِ خَارِجًا عَنْ مِلْكِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّلَفِ بِالْفَقِيرِ وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ الْفِعْلِ يَصْلُحُ فِعْلَ تَكْفِيرٍ كَالتَّحْرِيرِ فَلَمْ يُضْطَرَّ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَأَمَّا إذَا قَالَ: أَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ فَإِنَّمَا يَجْعَلُهُ هِبَةً مَجَازًا بِدَلَالَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّا مَتَى جَعَلْنَاهُ حَقِيقَةً كَانَ كَاذِبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَطْعَمًا، إلَّا بِأَنْ يَصِيرَ الطَّعَامُ مَأْكُولًا وَأَنَّهُ جَعَلَ الطَّعَامَ مَفْعُولَ إطْعَامِهِ فَمَتَى كَانَ الطَّعَامُ قَائِمًا لَا يَكُونُ مَفْعُولَ الْأَكْلِ وَيَصْلُحُ مَفْعُولَ التَّمْلِيكِ مَعَ قِيَامِهِ فَجُعِلَ كِنَايَةً عَنْهُ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْإِطْعَامَ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ وَتَأْثِيرُهُ فِي الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ يَجْعَلُهُ طَاعِمَا كَمَا بَيَّنَّا وَفِي الْمَفْعُولِ الثَّانِي إذَا كَانَ يُطْعِمُ عَيْنَهُ يَجْعَلُهُ مَمْلُوكًا لِلطَّاعِمِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي الْعَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ تَصَرُّفًا فِيهَا يَجْعَلُهَا مَطْعُومَةً لِلطَّاعِمِ؛ لِأَنَّ الطَّعْمَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ مِنْهُ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَثْبُتَ بِالْإِطْعَامِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ فَيُجْعَلَ تَصَرُّفًا فِيهَا بِالتَّمْلِيكِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الطُّعْمِ وَمُفْضٍ إلَيْهِ وَلَمْ تُجْعَلْ إبَاحَةً وَإِنْ صَلُحَتْ سَبَبًا لِلطَّعْمِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَصَرُّفٍ فِي الْعَيْنِ وَلِأَنَّهَا قَدْ حَصَلَتْ بِجَعْلِ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ طَاعِمًا إذْ أَدْنَى طُرُقُهُ الْإِبَاحَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ تَأْثِيرٍ لَهُ فِي الثَّانِي وَذَلِكَ بِالتَّمْلِيكِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ كِلَا مَفْعُولَيْهِ كَانَ دَالًّا عَلَى التَّمْلِيكِ فَأَمَّا إذَا حُذِفَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي مِنْهُ فَقَدْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَصَارَ كَأَنْ لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ: فُلَانٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ، فِي عِلْمِ الْمَعَانِي فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يُجْعَلَ تَمْلِيكًا لِعَدَمِ مَحِلِّهِ بَلْ يَكُونُ مَعْنَاهُ جَعْلُ الْغَيْرِ طَاعِمًا لَا غَيْرَ لِاقْتِصَارِ عَمَلِهِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْإِبَاحَةِ فَفِي النُّصُوصِ حَذْفُ الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ الْمَسَاكِينِ لَا ذِكْرَ مَا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ فَلَا يَدُلُّ الْإِطْعَامُ فِيهَا عَلَى التَّمْلِيكِ فَجُعِلَ إبَاحَةً فَأَمَّا فِي قَوْلِك أَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ فَكِلَا مَفْعُولَيْهِ مَذْكُورٌ فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ بِمَعْنَى التَّمْلِيكِ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ هِبَةً. فَإِنْ قِيلَ: الْكِسْوَةُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ أَيْضًا يُقَالُ كَسَاهُ كِسْوَةً بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ

стр. 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] الْكَشَّافِ وَالنَّظِيرِيِّ. وَفِي تَاجِ الْمَصَادِرِ الْكِسْوَةُ بوشانيدن. وَذُكِرَ فِي التَّيْسِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِلْبَاسُ وَهِيَ مَصْدَرٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْفِعْلُ هَهُنَا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ أَيْضًا وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَأَدَّ بِالْإِعَارَةِ فَكَذَا فِي الطَّعَامِ لَا يَتَأَدَّى بِالْإِبَاحَةِ. قُلْنَا: إنْ ثَبَتَ هَذَا كَانَ هَذَا اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْإِلْبَاسِ وَاللِّبَاسِ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ اللِّبَاسِ مُرَادًا مِنْهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا التَّمْلِيكُ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ دَفْعُ الْحَاجَةِ وَزَوَالُ مِلْكِ الْمُكَفِّرِ لَا يَحْصُلُ بِالْإِعَارَةِ بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَهَذَا أَيْ الْإِطْعَامُ يُخَالِفُ الْكِسْوَةَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى مَا مَعَ ذَلِكَ أَيْ مَعَ كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ الْجُمْلَةِ قَاصِرٌ عَنْ دَفْعِ حَاجَةِ الْمِسْكِينِ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ مُنْقَضِيَةٌ أَيْ مُنْتَهِيَةٌ تَامَّةٌ قَبْلَ الْكَمَالِ أَيْ قَبْلَ كَمَالِ دَفْعِ الْحَاجَةِ وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ دَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَرَدَّهُ بَعْدَمَا لَبِسَهُ الْمِسْكِينُ يَوْمًا مَثَلًا كَانَتْ الْإِعَارَةُ مُنْتَهِيَةً مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ فَلَا يَجُوزُ تَعْدِيَةُ الْجَوَازَ مِنْ التَّمْلِيكِ إلَيْهَا فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَامِلَةً فِي دَفْعِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ التَّعْدِيَةُ لِكَوْنِهَا جُزْءًا مِنْ الْكُلِّ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ قَاصِرَةً. بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ فِي الطَّعَامِ لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ، إلَّا بِالْأَكْلِ الَّذِي بِهِ يَتِمُّ دَفْعُ الْحَاجَةِ وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِوَجْهٍ. فَهُمَا فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ، أَيْ الْإِعَارَةُ فِي الثَّوْبِ وَالْإِبَاحَةُ فِي الطَّعَامِ لَوْ كَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ لَكَانَتَا مُتَنَاقِضَتَيْنِ أَيْ مُخَالِفَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِبَاحَةَ فِي الطَّعَامِ كُلُّ الْمَنْصُوصِ وَالْإِعَارَةَ فِي الثَّوْبِ جُزْءُ الْمَنْصُوصِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي أَحَدِهِمَا عَدَمُهُ فِي الْآخَرِ فَكَيْفَ إذَا كَانَتَا مُتَفَاوِتَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَمَالِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فِي الْإِبَاحَةِ وَقُصُورِهِ فِي الْإِعَارَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إلَى الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ أَيْ الْكِسْوَةِ تُخَالِفُ الْإِطْعَامَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْكِسْوَةِ الْعَيْنُ وَفِي الْإِطْعَامِ الْفِعْلُ أَوْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُمْكِنُ إلْحَاقُ التَّمْلِيكِ بِالْإِبَاحَةِ فِي الْإِطْعَامِ وَلَا يُمْكِنُ عَكْسُهُ فِي الْكِسْوَةِ مَعَ التَّفَاوُتِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا يُؤَدِّي مَعْنَى التَّمْلِيكِ هَهُنَا وَالتَّمْلِيكُ يُؤَدِّي مَعْنَى الْإِبَاحَةِ هُنَاكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْإِبَاحَةِ وَالتَّمْلِيكِ فِي الْكِسْوَةِ أَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفٌ لِلْآخَرِ لَا مُوَافِقٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ كُلٌّ وَالْآخَرُ جُزْءٌ مَعَ التَّفَاوُتِ الَّذِي بَيَّنَّا مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالتَّمْلِيكِ دُونَ الْإِعَارَةِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ لِأَنَّهُمَا فِيهِ مُتَوَافِقَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ مَعًا غَلَطًا. أَمَّا فِي الْفَرْعِ فَلِأَنَّهُ قَاسَ فِي الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى خِلَافِ مَا اقْتَضَاهُ النَّصُّ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ الْفَرْعُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْكِسْوَةُ فَلِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِيهِ الْعَيْنُ دُونَ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ تَمْلِيكٌ وَإِنَّمَا ثَبَتَ التَّمْلِيكُ ضَرُورَةَ صَيْرُورَةِ الْعَيْنِ كَفَّارَةً وَتَعْدِيَةَ مَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ إلَى الْفَرْعِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ فَكَانَ غَلَطًا، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِبَاحَةِ أَكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ مِمَّا يَكُونُ مُعْتَادًا فِي كُلِّ مَوْضِعِ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ أَوْ الْغَدَاءَانِ أَوْ الْعَشَاءَانِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَاجَةُ الْيَوْمِ وَذَلِكَ بِالْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ عَادَةً. وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . وَالْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ هُوَ

стр. 534

وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَسَاكِينَ صَارُوا مَصَارِفَ بِحَوَائِجِهِمْ فَكَانَ الْوَاجِبُ قَضَاءَ الْحَوَائِجِ لِأَعْيَانِ الْمَسَاكِينِ ثَبَتَتْ هَذِهِ الْإِشَارَةُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ الطَّاعِمِ الْغَنِيَّ لَا يَتَحَقَّقُ كَتَمْلِيكِ الْمَالِكِ لَا يَتَحَقَّقُ وَمِنْ قَضِيَّةِ الْإِطْعَامِ الْحَاجَةُ إلَى الطُّعْمِ وَثَبَتَتْ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ اسْمَهُمْ يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إطْعَامَ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي عَشَرَةِ أَيَّامَ مِثْلُ إطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ فِي سَاعَةٍ لِوُجُودِ عَدَدِ الْحَوَائِجِ كَامِلَةً فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَا يُوجَدُ فِي كِسْوَةِ مِسْكِينٍ عَشَرَةُ أَثْوَابَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامَ، وَقَدْ جَوَّزْتُمْ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَّا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي تَقُولُ حَاجَةُ اللَّبُوسِ وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ النَّصَّ تَنَاوَلَ التَّمْلِيكَ عَلَى مَا قُلْنَا، وَقَدْ أَقَمْنَا التَّمْلِيكَ مَقَامَ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ كُلِّهَا وَالثَّوْبُ قَائِمٌ إذَا اُعْتُبِرَتْ اللَّبُوسُ، وَإِذَا اُعْتُبِرَتْ جُمْلَةُ الْحَوَائِجِ صَارَ مَالِكًا فِي التَّقْدِيرِ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ الْأَدَاءُ عَلَى هَذَا مُتَوَاتِرًا، غَيْرَ أَنَّ الْحَاجَاتِ إذَا قُضِيَتْ لَمْ تَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَجَدُّدِهَا وَلَا تَجَدُّدَ إلَّا بِالزَّمَانِ وَادُنَى ذَلِكَ يَوْمٌ لِجُمْلَةِ الْحَوَائِجِ ــ [كشف الأسرار] الْوَسَطُ مِنْ حَيْثُ الْمَرَّةُ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ هُوَ الْمَرَّةُ الَّتِي تُسَمَّى وَجْبَةً وَهِيَ فِي ذَلِكَ وَقْتُ الزَّوَالِ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي وَالْأَكْثَرُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ غَدَاءً وَعَشَاءً وَنِصْفَ النَّهَارِ فَكَانَ الْوَسَطُ مَا ذَكَرْنَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ طَعَامَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِذَلِكَ فَقَالَ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] قَوْلُهُ (وَفِيهِ) أَيْ وَفِي هَذَا النَّصِّ إشَارَةٌ إلَى كَذَا إذَا صُرِفَ الطَّعَامُ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ جَازَ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَالْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ بِتَجَدُّدِ الْأَيَّامِ وَالْحَاجَةِ لَا يَصِيرُ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ كَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لَا يَصِيرُ شَاهِدَيْنِ بِتَكْرَارِ الْأَدَاءِ. وَقُلْنَا نَحْنُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَازِ كَمَا قَرَّرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ صَارُوا مَصَارِفَ بِحَوَائِجِهِمْ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَتْ بِهَتْكِ حُرْمَتِهِ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَكُنْ الْفَقِيرُ مُسْتَحِقًّا لَهَا بِحَالٍ وَإِنَّمَا يَأْخُذُهَا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِرِزْقِهِ لِحَاجَتِهِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ صَارُوا مَصَارِفَ صَالِحَةً لِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ. ثَبَتَتْ هَذِهِ الْإِشَارَةُ بِالْفِعْلِ أَيْ بِإِيجَابِ الْفِعْلِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ الطَّاعِمِ الْغَنِيَّ أَيْ إطْعَامَ مَنْ قَدْ طَعِمَ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْأَكْلِ لَا يَتَحَقَّقُ إذْ لَا بُدَّ لِلْإِطْعَامِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْأَكْلِ فَثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ إطْعَامُ الْجَائِعِ لَمَّا كَانَ إطْعَامُ الشَّبْعَانِ مُتَعَذِّرًا وَإِنْ صُرِفَ الطَّعَامُ إلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ لَا لِأَعْيَانِهِمْ وَإِنْ ذُكِرَ الْعَدَدُ لِبَيَانِ عَدَدِ الْحَوَائِجِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْحَقِيقَةِ قَضَاءُ عَشْرِ حَاجَاتٍ. وَثَبَتَ أَيْضًا أَيْ وَثَبَتَ أَنَّهُمْ صَارُوا مَصَارِفَ لِحَوَائِجِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَسَاكِينِ أَيْ بِإِضَافَةِ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ إلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهُ نَصٌّ عَلَى صِفَةٍ تُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ فِي الْمَصْرُوفِ إلَيْهِ وَهِيَ الْمَسْكَنَةُ. فَدَلَّ ذَلِكَ أَيْ دَلَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ الْحَوَائِجِ لَا أَعْيَانُ الْمَسَاكِينِ عَلَى كَذَا. وَذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالدَّفْعِ إلَى عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الَّذِي ارْتَكَبَ بِأَسْرَعِ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي يَوْمٍ رُبَّمَا عَجَلَتُهُ مُنْيَتُهُ فَيَبْقَى ذَنْبُهُ غَيْرَ مُكَفَّرٍ لَا أَنَّ ذَلِكَ يُفَوِّتُ الْمَعْنَى الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّكْفِيرُ أَوْ يُوجِبُ خَلَلًا فِيهِ فَلَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ إلَى مِسْكِينٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ هَذَا دَفَعَ إلَى عَشَرَةِ مَسَاكِينَ؛ لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِتَجَدُّدِ الْحَاجَةِ كَالرَّأْسِ الْوَاحِدِ وَالنِّصَابُ الْوَاحِدُ يَصِيرُ مُتَعَدِّدًا بِتَجَدُّدِ الْمُؤْنَةِ وَالنَّمَاءِ. وَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُفَارِقٌ لِلشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَحْصُلُ بِالْعَدَدِ وَهُوَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ وَتَقْلِيلُ تُهْمَةِ الْكَذِبِ لَا يَحْصُلُ بِتَكْرَارِ الْوَاحِدِ شَهَادَتَهُ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ. يُوَضَّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَرْبَعَةَ أُمَنَاءَ مِنْ شَعِيرٍ لَمَا صَلُحَتْ أَنْ يَصِيرَ أَرْبَعِينَ مَنًّا تَقْدِيرًا بِأَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَى الْفَقِيرِ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّهَا مِنْهُ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ، ثُمَّ يُؤَدِّيهَا إلَى فَقِيرٍ آخَرَ، ثُمَّ هَكَذَا إلَى أَنْ تَتِمَّ الْكَفَّارَةُ جَازَ أَيْضًا أَنْ يَصِيرَ الْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِسْكِينًا آخَرَ حُكْمًا لِمَا عُرِفَ أَنَّ لِتَجَدُّدِ الْوَصْفِ تَأْثِيرًا فِي تَبَدُّلِ الْعَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا أَيْ عَدَدُ الْحَوَائِجِ كَامِلَةً فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَا يُوجَدُ فِي كِسْوَةِ مِسْكِينٍ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ إلَى آخِرِهِ. أَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحَاجَةِ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا فَسَقَطَ

стр. 535

حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَجُوزُ الْأَدَاءُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا فِي عَشْرَةِ سَاعَاتٍ لِمَا قُلْنَا إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَكَانَ الْيَوْمُ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ فِي حُكْمِ التَّمْلِيكِ مِثْلُ الثَّوْبِ وَالْإِبَاحَةِ لَا يَصِحُّ، إلَّا فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَا يَلْزَمُ إذَا قَبَضَ الْمِسْكِينُ كِسْوَتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فَصَاعِدًا جُمْلَةً أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ فِي غَيْرِهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِالتَّفْرِيقِ. وَأَمَّا دَلَالَةُ النَّصِّ فَمَا ثَبَتَ بِمَعْنَى النَّظَرِ لُغَةً ــ [كشف الأسرار] اعْتِبَارُهَا وَوَجَبَ إقَامَةُ سَبَبٍ ظَاهِرٍ مَقَامَهَا، وَقَدْ وَجَدْنَا فِي الطَّعَامِ سَبَبًا ظَاهِرًا لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ وَهُوَ تَجَدُّدُ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِتَجَدُّدِ الْحَاجَةِ إلَى الطَّعَامِ غَالِبًا فَأَقَمْنَاهُ مَقَامَهُ وَفِي الْكِسْوَةِ لَا يَتَجَدَّدُ الْحَاجَةُ بِمُضِيِّ الْيَوْمِ وَنَحْوِهِ، إلَّا أَنَّ قَدْرَ مَا يَتَجَدَّدُ بِهِ الْحَاجَةُ إلَيْهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ وَلَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ يُقَامُ مَقَامَ تَجَدُّدِ الْحَاجَةِ فَأَقَمْنَا تَجَدُّدَ الْيَوْمِ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ أُقِيمَ فِي نَظِيرِهِ وَهُوَ الطَّعَامُ مَقَامَ تَجَدُّدِ الْحَاجَةِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ فِي الْكِسْوَةِ أَيْضًا وَأَنْ يُوجَدْ فِي الْكِسْوَةِ مَا يُوجَدُ فِي الطَّعَامِ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀: وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مُدَّةُ تَجَدُّدِ الْحَاجَةِ إلَى الْكِسْوَةِ مَعْلُومَةً شُرِطَ نَفْسُ التَّفْرِيقِ بِأَقَلَّ مَا تُيَسِّرُ الْعِبَادَةُ عَنْهُ وَذَلِكَ بِالْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا سَاعَاتٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ. حَتَّى قَالَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ صَارَ هَالِكًا وَكَذَا قَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا رَاجِعٌ إلَيْهِ أَيْضًا لِلْعَشَرَةِ أَيْ لِلْأَثْوَابِ الْعَشَرَةِ، إلَّا أَنَّهُ أَيْ الزَّمَانَ الَّذِي اعْتَبَرُوهُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّهَا أَيْ السَّاعَاتِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ أَيْ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ، وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ فِي حُكْمِ التَّمْلِيكِ مِثْلُ الثَّوْبِ فَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي عَشْرِ سَاعَاتٍ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَعْضِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ: وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْ مُحَمَّدٌ مَا لَوْ فَرَّقَ الْفِعْلَ أَيْ الْإِطْعَامَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَا إشْكَالَ فِي طَعَامِ الْإِبَاحَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، إلَّا بِتَجَدُّدِ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُسْتَوْفَى فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ طَعَامُ عَشَرَةٍ فَأَمَّا فِي التَّمْلِيكِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ أُقِيمَ مَقَامَ حَقِيقَةِ الْإِطْعَامِ وَالْحَاجَةُ بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ لَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ فَإِذَا فَرَّقَ الدَّفَعَاتِ جَازَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا يَجُوزُ فِي الْأَيَّامِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا بِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَنَّهُ لَوْ كَسَا مِسْكِينًا وَاحِدًا فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ كِسْوَةَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَجْزَأَهُ لِتَفَرُّقِ الْفِعْلِ وَإِنْ انْعَدَمَ تَجَدُّدُ الْحَاجَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ. وَأَكْثَرُهُمْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ سَدُّ الْخُلَّةِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى الْغَنِيِّ لِأَنَّهُ طَاعِمٌ يَمْلِكُهُ وَإِطْعَامُ الطَّاعِمِ لَا يَتَحَقَّقُ. وَبَعْدَمَا اسْتَوْفَى فِي وَظِيفَتِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَا يَحْصُلُ سَدُّ خُلَّتِهِ بِصَرْفِ وَظِيفَةٍ أُخْرَى فِي هَذَا الْيَوْمِ إلَيْهِ بِخِلَافِ كَفَّارَةٍ أُخْرَى لِمَا سَنَذْكُرُ. وَبِخِلَافِ الثَّوْبِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَجَدُّدَ الْأَيَّامِ فِيهِ أُقِيمَ مَقَامَ تَجَدُّدِ الْحَاجَةِ تَيْسِيرًا. وَلَا يَلْزَمُ إلَى آخَرَ تَقْرِيرُ السُّؤَالِ أَنَّهُ إذَا قَبَضَ كِسْوَتَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَجُوزُ عَنْ الْكِسْوَتَيْنِ؛ لِأَنَّ تَمَلُّكَ أَحَدِهِمَا حَصَلَ قَضَاءُ حَوَائِجِهِ فَلَمْ يَجُزْ الْآخَرُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا إذَا قَبَضَ كِسْوَتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ. فَقَالَ أَوْ آكِلٌ وَاحِدٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ فِي حَقِّهِ فَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْمُؤَدِّي، إلَّا كِسْوَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ كُلًّا مُكَلَّفٌ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ. فَلَمْ يُؤْخَذْ بِالتَّفْرِيقِ أَيْ لَمْ يُكَلَّفْ الْمُؤَدِّي بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ بِأَنْ يُعْطِيَهُ فِي حَالٍ لَا يُعْطِيَهُ غَيْرَهُ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُهُ فَيُكَلَّفُ بِالتَّفْرِيقِ. [دَلَالَةُ النَّصِّ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا دَلَالَةُ النَّصِّ) أَيْ الثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَمَا ثَبَتَ بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً. قَالَ الشَّيْخُ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَلَا نَعْنِي بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُهُ ظَاهِرُ النَّظْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْعِبَارَةِ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي أَدَّى إلَيْهِ الْكَلَامُ كَالْإِيلَامِ مِنْ الضَّرْبِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ اسْمِ الضَّرْبِ لُغَةً لَا شَرْعًا بِدَلِيلِ

стр. 536

وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهَذَا مَا ظَهَرَ وَمِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ لُغَةً وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِظَاهِرِ اللُّغَةِ مِثْلُ الضَّرْبِ اسْمٌ لِفِعْلٍ بِصُورَةٍ مَعْقُولَةٍ وَمَعْنَى مَقْصُودٍ وَهُوَ الْإِيلَامُ وَالتَّأْفِيفُ اسْمٌ لِفِعْلٍ بِصُورَةٍ مَعْقُولَةٍ وَمَعْنَى مَقْصُودٍ وَهُوَ الْأَذَى وَالثَّابِتُ بِهَذَا الْقِسْمِ مِثْلُ الثَّابِتِ بِالْإِشَارَةِ وَالْعِبَارَةِ، إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ التَّعَارُضِ دُونَ الْإِشَارَةِ حَتَّى صَحَّ إثْبَاتُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ بِدَلَالَاتِ النُّصُوصِ ــ [كشف الأسرار] أَنَّ كُلَّ لُغَوِيٍّ يَعْرِفُ ذَلِكَ الْمَعْنَى ثَابِتًا بِالضَّرْبِ لُغَةً. وَذَكَرَ أَيْضًا فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ دَلَالَةُ النَّصِّ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَعَانِي اللُّغَةِ مَجَازِهَا وَحَقِيقَتِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَعْرِيفَ دَلَالَةِ النَّصِّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَلَا نُعِيدُهُ. وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهَذَا أَيْ بِمَعْنَى النَّظْمِ مَا ظَهَرَ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ كَلِمَةُ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ لَا لِلْبَيَانِ أَيْ تَبَيَّنَ وَفَهِمَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِلْكَلَامِ لَا مِنْ اللَّفْظِ نَفْسِهِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى مَا وَلُغَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَقْصُودِ لَا بِظَاهِرِهِ أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ يَكُونُ مَقْصُودًا لُغَةً بِظَاهِرِ الْكَلَامِ وَإِنْ لَمْ يُوضَعْ لَهُ الْكَلَامُ مِثْلُ الضَّرْبِ اسْمٌ لِفِعْلٍ بِصُورَةٍ مَعْقُولَةٍ أَيْ مَعْلُومَةٍ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ آلَةِ التَّأْدِيبِ فِي مَحَلٍّ صَالِحٍ لِلتَّأْدِيبِ وَمَعْنَى مَقْصُودٌ وَهُوَ الْإِيلَامُ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ لَيْسَ إلَّا الْإِيلَامُ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ فُلَانًا فَضَرَبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَحْنَثُ لِفَوَاتِ مَعْنَى الْإِيلَامِ هُوَ الْمَقْصُودُ، ثُمَّ اسْتِعْمَالُ آلَةِ التَّأْدِيبِ هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِالْوَضْعِ وَمَعْنَى الْإِيلَامِ هُوَ الْمَفْهُومُ لُغَةً مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَا مِنْ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلْإِيلَامِ فَالثَّابِتُ بِمَعْنَى الْإِيلَامِ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَكَذَا التَّأْفِيفُ اسْمٌ لِفِعْلٍ بِصُورَةٍ مَعْلُومَةٍ وَهُوَ إظْهَارُ التَّبَرُّمِ وَالسَّآمَةِ بِالتَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ أُفٍّ. وَمَعْنَى مَقْصُودٍ وَهُوَ الْإِيذَاءُ فَإِظْهَارُ التَّبَرُّمِ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ وَالْإِيذَاءُ هُوَ الْمَعْنَى الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ فَالثَّابِتُ بِهِ هُوَ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، ثُمَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحُرْمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِيذَاءِ لَا بِصُورَةِ التَّأْفِيفِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَالْإِيذَاءُ فِي الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَالْقَتْلِ فَوْقَ الْإِيذَاءِ فِي التَّأْفِيفِ فَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِيهَا بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً وَكَانَ النَّصُّ بِمَعْنَاهُ دَالًّا عَلَى تَحْرِيمِهَا وَلِذَلِكَ سُمِّيَ دَلَالَةَ النَّصِّ لَا عَيْنَ النَّصِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا لَفْظًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ ثَابِتًا بِالنَّصِّ لُغَةً كَانَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِهِ مُضَافًا إلَى النَّصِّ كَأَنَّ النَّصَّ تَنَاوَلَهُ، إلَّا أَنَّهُ أَيْ هَذَا الْقِسْمَ وَهُوَ الدَّلَالَةُ عِنْدَ التَّعَارُضِ دُونَ الْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْإِشَارَةِ وُجِدَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَفِي الدَّلَالَةِ لَمْ يُوجَدْ، إلَّا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ فَتَقَابَلَ الْمَعْنَيَانِ وَبَقِيَ النَّظْمُ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارَضَةِ فِي الْإِشَارَةِ فَتَرَجَّحَتْ بِذَلِكَ. ١ - وَمِثَالُ تَعَارُضِ الدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ لِلْجِنَايَةِ مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] الْآيَةَ؛ لَأَنْ تَجِبُ بِالْعَمْدِ وَلَا عُذْرَ فِيهِ كَانَ أَوْلَى وَيُعَارِضُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] فَإِنَّهُ يُشِيرُ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ كُلَّ جَزَائِهِ جَهَنَّمَ إذْ الْجَزَاءُ اسْمٌ لِلْكَامِلِ التَّامِّ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فَلَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ مَعَهُ كَانَ الْمَذْكُورُ بَعْضَ الْجَزَاءِ فَلَمْ يَكُنْ كَامِلًا تَامًّا أَلَا تَرَى أَنَّ فِي جَانِبِ الْخَطَأِ لَمَّا وَجَبَتْ الدِّيَةُ مَعَ الْكَفَّارَةِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فَعَرَفْنَا بِلَفْظِ الْجَزَاءِ أَنَّ مِنْ مُوجِبِ النَّصِّ انْتِفَاءَ الْكَفَّارَةِ فَرَجَّحْنَا الْإِشَارَةَ عَلَى الدَّلَالَةِ، حَتَّى صَحَّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مِثْلُ النَّابِتِ بِالْإِشَارَةِ وَالْعِبَارَةُ الِاسْتِثْنَاءُ مُعْتَرِضٌ. وَمِثَالُ إثْبَاتِ الْحُدُودِ بِهَا إيجَابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ عَلَى الرَّدْءِ؛ لِأَنَّ

стр. 537

وَلَمْ يَجُزْ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِمَعْنًى مُسْتَنْبَطٍ بِالرَّأْيِ نَظَرًا لَا لُغَةً حَتَّى اخْتَصَّ بِالْقِيَاسِ الْفُقَهَاءُ وَاسْتَوَى أَهْلُ اللُّغَةِ كُلُّهُمْ فِي دَلَالَاتِ الْكَلَامِ مِثَالُهُ أَنَّا أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ دُونَ الْقِيَاسِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ سُؤَالَ السَّائِلِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَاقَعْت امْرَأَتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقَعَ عَنْ الْجِنَايَةِ وَالْمُوَاقَعَةُ عَيْنُهَا لَيْسَتْ بِجِنَايَةٍ بَلْ هُوَ اسْمٌ لِفِعْلٍ وَاقِعٍ عَلَى مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ، إلَّا أَنَّ مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ لُغَةً مِنْ هَذَا الْمَسَائِلِ هُوَ الْفِطْرُ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ وَإِنَّمَا أَجَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ عَنْ حُكْمِ الْجِنَايَةِ فَكَانَ بِنَاءً عَلَى مَعْنَى الْجِنَايَةِ مِنْ ذَلِكَ الِاسْمِ وَالْمُوَاقَعَةُ آلَةُ الْجِنَايَةِ فَأَثْبَتْنَا الْحُكْمَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فِي الْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ فِي الْجِنَايَةِ لِأَنَّ الصَّبْرَ عَنْهُ أَشَدُّ وَالدَّعْوَةُ إلَيْهِ أَكْثَرُ فَكَانَ أَقْوَى فِي الْجِنَايَةِ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا فِي الشَّتْمِ مَعَ التَّأْفِيفِ، فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ ثَابِتٌ بِمَعْنَى النَّصِّ لَا بِظَاهِرِهِ لَمْ نُسَمِّهِ عِبَارَةً وَلَا إشَارَةً وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ ثَابِتٌ بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً لَا رَأْيًا سَمَّيْنَاهُ دَلَالَةً لَا قِيَاسًا ــ [كشف الأسرار] عِبَارَةَ النَّصِّ الْمُحَارَبَةُ وَصُورَةُ ذَلِكَ بِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ وَمَعْنَاهَا لُغَةً قَهْرُ الْعَدُوِّ وَالتَّخْوِيفُ عَلَى وَجْهٍ يَنْقَطِعُ بِهِ الطَّرِيقُ وَهَذَا مَعْنًى مَعْلُومٌ بِالْمُحَارَبَةِ لُغَةً وَالرَّدْءُ مُبَاشِرٌ لِذَلِكَ كَالْمُقَاتِلِ وَلِهَذَا اشْتَرَكُوا فِي الْغَنِيمَةِ فَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الرِّدْءِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ. وَإِيجَابُ الرَّجْمِ عَلَى غَيْرِ مَاعِزٍ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ فَرُجِمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرْجَمْ لِأَنَّهُ مَاعِزٌ وَصَحَابِيٌّ بَلْ لِأَنَّهُ زَنَى فِي حَالَةِ الْإِحْصَانِ فَيَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ. قَوْلُهُ (وَلَمْ يَجُزْ بِالْقِيَاسِ) إثْبَاتُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ دَلَائِلِ الشَّرْعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ كَمَا يَثْبُتُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَلِأَنَّ الدَّلَائِلَ الَّتِي قَامَتْ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ لَا تَفْصِلُ بَيْنَ مَوْضِعٍ وَمَوْضِعٍ فَصَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَى أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ وَلَمْ يُوجَدْ. وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَاتِ شُرِعَتْ مَاحِيَةً لِلْآثَامِ الْحَاصِلَةِ بِارْتِكَابِ أَسْبَابِهَا وَفِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ أَيْضًا لِمَا عُرِفَ، وَكَذَا الْحُدُودُ شُرِعَتْ عُقُوبَةً وَجَزَاءً عَلَى الْجِنَايَاتِ الَّتِي هِيَ أَسْبَابُهَا وَفِيهَا مَعْنَى الطُّهْرَةِ أَيْضًا بِشَهَادَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِ الْأَجْرَامِ وَآثَامِهَا وَمَعْرِفَةُ مَا يَحْصُلُ بِهِ إزَالَةُ آثَامِهَا وَمَعْرِفَةُ مَا يَصْلُحُ جَزَاءً لَهَا وَزَاجِرًا عَنْهَا وَمَقَادِيرُ ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ الَّذِي مَبْنَاهُ عَلَى الرَّأْيِ. بِخِلَافِ الِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي تَضَمَّنَهُ النَّصُّ لُغَةً فَيَكُونُ مُضَافًا إلَى الشَّرْعِ. وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ الَّذِي فِيهِ شُبْهَةٌ بِخِلَافِ الِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ لَمَّا صَارَ مُضَافًا إلَى الشَّرْعِ انْتَفَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ فَيَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِهِ. وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالشُّبْهَةِ الْمَانِعَةِ اخْتِلَالُ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ فِي نَفْسِهِ لَا الشُّبْهَةُ الْوَاقِعَةُ فِي طَرِيقِ دَلِيلِ الثُّبُوتِ لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ لِاتِّفَاقِ أَكْثَرِ النَّاسِ عَلَى التَّعَلُّقِ بِإِخْبَارِ الْأُحَادِ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى صِحَّةِ إثْبَاتِ أَسْبَابِ الْحُدُودِ فِي مَجَالِسِ الْحُكَّامِ بِالْبَيِّنَاتِ وَإِنْ صَدَرَتْ عَمَّنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ وَالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. قَوْلُهُ (مِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُ الثَّابِتِ بِالدَّلَالَةِ. وَقَوْلُهُ دُونَ الْقِيَاسِ رَدٌّ لِمَا ادَّعَى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَيْنَا وَقَالُوا: إنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ صِحَّةَ الْمُقَايَسَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ، ثُمَّ أَثْبَتُّمْ الْكَفَّارَةَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوَاقِعِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْكُمْ مُنَاقَضَةً قَالَ مَا أَثْبَتْنَاهُ بِالْقِيَاسِ بَلْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ. وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ مَا رُوِيَ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَقُولُ: هَلَكْت وَأَهْلَكْت. فَقَالَ: مَاذَا صَنَعْت؟ فَقَالَ: وَاقَعْت أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً؛ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَفْحَةِ عُنُقِهِ وَقَالَ: لَا أَمْلِكُ، إلَّا رَقَبَتِي هَذِهِ؛ فَقَالَ ﵇ صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؛ فَقَالَ هَلْ أَتَيْت مَا أَتَيْت، إلَّا مِنْ الصَّوْمِ، فَقَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَقَالَ: لَا أَجِدُ فَقَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ فَأُتِيَ بِصَدَقَاتِ بَنِي زُرَيْقٍ فَقَالَ: خُذْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَقَالَ: أَعْلَى أَهْلِ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهَا مِنِّي وَمِنْ عِيَالِي، وَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَحْوَجُ إلَيْهَا مِنِّي وَمِنْ عِيَالِي فَقَالَ ﵇ كُلْهَا أَنْتَ وَعِيَالُك» . وَزِيدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «يُجْزِيك وَلَا يَجْزِي أَحَدًا بَعْدَك» . بَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالدَّلَالَةِ

стр. 538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] لَا بِالْقِيَاسِ أَنَّ سُؤَالَ الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ وَاقَعْت امْرَأَتِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَقَعَ عَنْ الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هَلَكْت وَأَهْلَكْت، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُوَاقَعَةَ عَيْنًا لَمْ تَكُنْ جِنَايَةً؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى مُوَاقَعَةِ امْرَأَتِهِ لَكِنَّهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تُؤَدِّي إلَى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْجِنَايَةُ عَلَى الصَّوْمِ يُفْهَمُ هَذَا مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اُشْتُهِرَ فَرِيضَةُ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ وَاشْتُهِرَ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ عَرَفَ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ أَنَّ الْمُوَاقَعَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ جِنَايَةٌ عَلَى الصَّوْمِ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ السُّؤَالِ حُكْمُ الْجِنَايَةِ فَكَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ وَاقَعْت فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لُغَةً الْإِفْطَارُ كَمَا أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] الْمَنْعُ عَنْ الْإِيذَاءِ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجَابَ عَنْ السُّؤَالِ فَكَانَ جَوَابُهُ بَيَانًا لِحُكْمِ الْجِنَايَةِ الَّذِي هُوَ الْغَرَضُ مِنْ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى السُّؤَالِ خُصُوصًا عَنْ أَفْصَحِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ لَا بَيَانِ نَفْسِ الْوِقَاعِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ هُوَ آلَةٌ لِلْجِنَايَةِ. ، ثُمَّ مَعْنَى الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْوِقَاعِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِمَا بِذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ اسْمٌ لِفِعْلٍ لَهُ صُورَةٌ وَمَعْنًى. أَمَّا الصُّورَةُ فَهِيَ الْإِمْسَاكُ عَنْ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ. وَأَمَّا الْمَعْنَى فَقَهْرُ عَدُوِّ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْعِهِ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَمَنْعِهِ مِنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ أَشَدُّ قَهْرًا لَهُ مِنْ مَنْعِهِ عَنْ شَهْوَةِ الْفَرْجِ؛ لِأَنَّ دُعَاءَهُ إلَيْهَا أَكْثَرُ وَشَهْوَةُ الْفَرْجِ تَابِعَةٌ لَهَا، وَلِهَذَا شُرِعَ الصَّوْمُ فِي النَّهَارِ الَّتِي هِيَ وَقْتُ اقْتِضَاءِ هَذِهِ الشَّهْوَةِ غَالِبًا فَكَانَ الِامْتِنَاعُ عَنْ هَذِهِ الشَّهْوَةِ هُوَ الْأَصْلُ فِي الصَّوْمِ وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الْأُخْرَى بِمَنْزِلَةِ التَّبَعِ وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الصَّوْمِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَفْحَشُ لِوُرُودِهَا عَلَى مَعْنًى هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ فِي الْبَابِ مِنْ الْجِنَايَةِ بِالْوِقَاعِ لِوُرُودِهَا عَلَى مَعْنًى هُوَ جَارٍ مَجْرَى التَّبَعِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى التَّبَعِ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ أَوْلَى لِكَوْنِهَا أَقْوَى بِمَنْزِلَةِ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ مِنْ التَّأْفِيفِ فَتَبَيَّنَ أَنَّا أَثْبَتْنَا الْكَفَّارَةَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالدَّلَالَةِ لَا بِالْقِيَاسِ. فَإِنْ قِيلَ: الثَّابِتُ بِالدَّلَالَةِ هُوَ الَّذِي يَصِيرُ مَعْلُومًا بِمَعْنَى اللُّغَةِ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ فَيَكُونُ الْفَقِيهُ فِي إصَابَتِهِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، ثُمَّ هَهُنَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ مِمَّا يَشْتَبِهُ عَلَى الْفَقِيهِ الْمُبَرَّزِ الْعَالِمِ بِطُرُقِ الْفِقْهِ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ؟ قُلْنَا: الشَّرْطُ فِي الدَّلَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ ثَابِتًا لُغَةً بِحَيْثُ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللِّسَانِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّابِتُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعِ النَّصِّ مِمَّا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللِّسَانِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الْجِنَايَةِ فِي سُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ ثَابِتٌ لُغَةً مَفْهُومٌ لِأَهْلِ اللِّسَانِ بِلَا شَكٍّ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ، إلَّا أَنَّ الثَّابِتَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعِ النَّصِّ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى الْبَعْضِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِنَفْسِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ أَمْ بِالْجِنَايَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالْآلَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَهِيَ الْوِقَاعُ لَا لِخَفَاءِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ. فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الثَّابِتَ بِالدَّلَالَةِ قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا كَحُرْمَةِ الضَّرْبِ الثَّابِتَةِ بِنَصِّ التَّأْفِيفِ، وَقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا كَثُبُوتِ الْكَفَّارَةِ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْإِشَارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] وَخَفِيًّا فَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَإِلَّا كَانَ قِيَاسًا لَا دَلَالَةً. فَإِنْ قِيلَ: لَا يُمْكِنُ إلْحَاقُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْجِمَاعِ بِالدَّلَالَةِ إلَّا بِإِثْبَاتِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ إذْ لَا بُدَّ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ مِثْلُهُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ فَوْقَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ لِلْوِقَاعِ مَزِيَّةً فِي مَعْنَى الْجِنَايَةِ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ حُرْمَةَ الْفِعْلِ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ احْتِرَامِ الْمَحَلِّ فَإِنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ أَشَدُّ حُرْمَةً مِنْ إتْلَافِ الْمَالِ الْمَعْصُومِ لِكَوْنِ الْآدَمِيِّ أَشَدَّ احْتِرَامًا مِنْ الْمَالِ وَلِمَنَافِعِ الْبُضْعِ حُرْمَةُ الْآدَمِيِّ لِكَوْنِهَا سَبَبًا لِحُصُولِهِ وَلِهَذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا مُوجِبَةً قَتْلَ النَّفْسِ لِذِي الْإِحْصَانِ وَالْأَلَمَ الشَّدِيدَ عِنْدَ عَدَمِهِ فَكَانَتْ الْجِنَايَةُ بِالْوِقَاعِ أَشَدَّ حُرْمَةً مِنْ الْجِنَايَةِ بِالْأَكْلِ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْجِنَايَةَ بِالْجِمَاعِ وَارِدَةٌ عَلَى الصَّوْمِ وَالْجِنَايَةُ بِالْأَكْلِ غَيْرُ وَارِدَةٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مَحْظُورُ الصَّوْمِ وَالْأَكْلُ نَقِيضُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الصَّوْمِ هُوَ الِامْتِنَاعُ عَنْ مُعْتَادِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَأَمَّا الِامْتِنَاعُ عَنْ الْجِمَاعِ فَتَابِعٌ عَلَى مَا مَرَّ فَصَارَ الرُّكْنُ فِي الْبَابِ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَصَارَ ذَلِكَ نَقِيضًا لَهُ فَأَمَّا الِامْتِنَاعُ عَنْ الْجِمَاعِ فَمَحْظُورٌ إذْ الصَّوْمُ لَيْسَ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ مَعْنًى كَمَا فِي الِاعْتِكَافِ الْخُرُوجُ عَنْ الْمَسْجِدِ نَقِيضُهُ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلُّبْثِ وَالْجِمَاعُ مَحْظُورُهُ غَيْرَ أَنَّ الصَّوْمَ يَفْسُدُ بِالْمَحْظُورِ كَمَا يَفْسُدُ بِالْمُنَاقِضِ، ثُمَّ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ بِالْمَحْظُورِ فَوْقَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِالنَّقِيضِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِالْمَحْظُورِ تُرَدُّ عَلَى الْعِبَادَةِ فَإِنَّهَا تَبْقَى عِنْدَ وُرُودِ الْمَحْظُورِ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْمُضَادَّةِ فَيُرَدُّ عَلَيْهَا الْجِنَايَةُ، ثُمَّ تَبْطُلُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمَّا وُرُودُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بِالنَّقِيضِ فَغَيْرُ مُتَصَوَّرٍ؛ لِأَنَّ النَّقِيضَ لَا يُرَدُّ عَلَى الْعِبَادَةِ فَإِنَّ وُجُودَ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْآخَرِ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا عِنْدَ وُجُودِ النَّقِيضِ فَتَنْعَدِمُ الْعِبَادَةُ سَابِقَةً عَلَى وُجُودِ النَّقِيضِ، ثُمَّ يُوجَدُ النَّقِيضُ وَلِهَذَا قُلْت مَنْ أَصْبَحَ مُجَامِعًا لِأَهْلِهِ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ لَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الصَّوْمِ لِكَوْنِهِ مَحْظُورًا فِيهِ لَا نَقِيضًا فَيَنْعَقِدُ، ثُمَّ يَنْعَدِمُ بَعْدَ وُجُودِهِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا لِأَهْلِهِ فَصَارَ فِي التَّحْقِيقِ طَارِيًا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُقَارِنًا لَهُ فِي الصُّورَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجِنَايَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى الْعِبَادَةِ الْمُوجِبَةِ لِإِبْطَالِهَا فَوْقَ الْجِنَايَةِ الَّتِي لَمْ تُصَادِفْ الْعِبَادَةَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْجِمَاعَ فِعْلٌ يُوجِبُ فَسَادَ صَوْمَيْنِ صَوْمِ الرَّجُلِ وَصَوْمِ الْمَرْأَةِ لَوْ كَانَتْ صَائِمَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: هَلَكْت وَأَهْلَكْت وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ لَا يُوجِبُ إلَّا فَسَادَ صَوْمِ وَاحِدٍ فَكَانَ الْجِمَاعُ أَقْوَى وَرَابِعًا: أَنَّ فِي الْجِمَاعِ دَاعِيَيْنِ طَبْعُ الرَّجُلِ وَطَبْعُ الْمَرْأَةِ وَفِي الْأَكْلِ دَاعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ طَبْعُ الْأَكْلِ فَشَرْعُ الزَّاجِرِ فِيمَا لَهُ دَاعِيَانِ لَا يَكُونُ شَرْعًا فِيمَا لَهُ دَاعٍ وَاحِدٍ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: فِي اللِّوَاطَةِ مَعَ الزِّنَا. وَخَامِسُهَا: أَنَّ غَلَبَةَ الْجُوعِ مَتَى تَنَاهَتْ أَبَاحَتْ الْإِفْطَارَ فَبِوُجُودِ بَعْضِهَا وُجِدَ بَعْضُ الْمُبِيحِ فَيُورِثُ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ فَلَا يَصْلُحُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ وَفِي الْجِمَاعِ لَوْ تَنَاهَى الشَّبَقُ لَا يُوجِبُ الْإِبَاحَةَ فَوُجُودُ بَعْضِهِ لَا يُورِثُ شُبْهَةً فَصَلُحَ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ. أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ أَشَدُّ احْتِرَامًا مِنْ الطَّعَامِ وَلَكِنَّ الْحُرْمَةَ الَّتِي شُرِعَتْ الْكَفَّارَةُ لَهَا هِيَ حُرْمَةُ إفْسَادِ الصَّوْمِ لَا حُرْمَةُ

стр. 540

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّصَّ فِي عُذْرِ النَّاسِي وَرَدَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي الْوَطْءِ دَلَالَةً؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ فِعْلٌ مَعْلُومٌ بِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ إمَّا صُورَتُهُ فَظَاهِرَةٌ وَأَمَّا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَدْفُوعٌ إلَيْهِ خِلْقَةً وَطَبِيعَةً وَكَانَ ذَلِكَ سَمَاوِيًّا مَحْضًا فَأُضِيفَ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ فَصَارَ عَفْوًا، هَذَا مَعْنَى النِّسْيَانِ لُغَةً وَهُوَ كَوْنُهُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ فَعَلِمْنَا بِهَذَا الْمَعْنَى فِي نَظِيرِهِ فَإِنْ قِيلَ هُمَا مُتَفَاوِتَانِ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ يَغْلِبُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُحْوِجُهُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يُحْوِجُهُ إلَى الْوَاقِعَةِ بَلْ يُضَعِّفُهُ عَنْهَا فَصَارَ كَالنِّسْيَانِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ قُلْنَا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَزِيَّةٌ فِي أَسْبَابِ الدَّعْوَةِ وَفِيهِ قُصُورٌ فِي حَالَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ الْبَشَرَ وَأَمَّا الْمُوَاقَعَةُ فَقَاصِرَةٌ فِي أَسْبَابِ الدَّعْوَةِ وَلَكِنَّهَا كَامِلَةٌ فِي حَالِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهْوَةَ تَغْلِبُ الْبَشَرَ فَصَارَ سَوَاءً فَصَحَّ الِاسْتِدْلَال، وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ ــ [كشف الأسرار] إتْلَافِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ مَنَافِعِ بُضْعِ مَمْلُوكَةٍ لِلرَّجُلِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ هُوَ إفْسَادُ الصَّوْمِ وَلَوْ كَانَتْ الْمَنَافِعُ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ بِأَنْ زَنَى لَا يَنْمَحِي حُرْمَةُ إتْلَافِهَا بِالْكَفَّارَةِ وَلَوْ زَنَى نَاسِيًا لِلصَّوْمِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْمَنَافِعِ وَإِنْ وُجِدَ فَإِفْسَادُ الصَّوْمِ لَمْ يُوجَدْ وَفِي الطَّعَامِ إيجَابُهَا عِنْدَنَا لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ أَيْضًا لَا لِحُرْمَةِ إتْلَافِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَوْ أَكَلَ طَعَامَ نَفْسِهِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ وَلَوْ أَكَلَ طَعَامَ غَيْرِهِ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ لَا يَجِبُ الْكَفَّارَةُ مَعَ حُرْمَةِ التَّنَاوُلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي مَعْنَى الْجِنَايَةِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى مَمْنُوعَةٌ بَلْ الْجِمَاعُ نَقِيضُ الصَّوْمِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ جَمِيعًا لِإِبَاحَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْكُلَّ بِاللَّيْلِ وَأَمْرُهُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْكُلِّ فِي النَّهَارِ فَيَفُوتُ الصَّوْمُ بِوُجُودِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ وَكَوْنِ الِامْتِنَاعِ عَنْ قَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ أَصْلًا لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِوَائِهِمَا فِي تَفْوِيتِ الصَّوْمِ وَإِفْسَادِهِ لِمَا بَيَّنَّا وَالْمَأْثَمُ إفْسَادِ الصَّوْم، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْإِفْسَادِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الْمَأْثَمِ. وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِالْجِمَاعِ بِفِعْلِهِ وَفِعْلُهُ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إلَّا فَسَادُ صَوْمِهِ وَإِنَّمَا فَسَدَ صَوْمُهَا بِفِعْلِهَا وَهُوَ قَضَاءُ شَهْوَتِهَا وَلِهَذَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ أَيْضًا كَمَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ بِالتَّمْكِينِ فِي بَابِ الزِّنَى أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً أَوْ كَانَتْ نَاسِيَةً لِلصَّوْمِ فَجَامَعَهَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَالْجِمَاعُ هَهُنَا لَمْ يُوجِبْ إلَّا فَسَادَ صَوْمِ وَاحِدٍ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِإِفْسَادِ صَوْمِ وَاحِدٍ لَا بِإِفْسَادِ صَوْمَيْنِ. وَعَنْ الرَّابِعِ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ تَكُونُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ كَمَا فَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: فِي مَسْأَلَةِ اللِّوَاطَةِ مَعَ الزِّنَا فَأَمَّا جِهَةُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَمُخْتَلِفَةٌ وَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا عِبْرَةَ فِيهِ لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ فِيهِ لِلْغَلَبَةِ أَوْ الْقُوَّةِ وَهُمَا جَمِيعًا لِقَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ دُونَ قَضَاءِ شَهْوَةِ الْفَرْجِ فَإِنَّهَا تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ عَادَةً وَبَقِيَتْ مَا دَامَ الرُّوحُ فِي الْبَدَنِ وَشَهْوَةُ الْفَرْجِ لَا تَتَجَدَّدُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَتَنْقَطِعُ بِاسْتِيلَاءِ الْكِبْرِ، وَكَذَا الْإِنْسَانُ يَصْبِرُ عَنْ الْوِقَاعِ دَهْرًا طَوِيلًا وَلَا يَصْبِرُ عَنْ الْأَكْلِ، إلَّا قَلِيلًا فَكَانَتْ شَهْوَةُ الْبَطْنِ أَغْلَبُ وَأَقْوَى فَكَانَتْ أَوْلَى بِشَرْعِ الزَّاجِرِ، عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ إذَا كَانَ قِيَامُهُ بِاثْنَيْنِ كَانَ حُصُولُهُ أَقَلَّ مِمَّا إذَا كَانَ قِيَامُهُ بِوَاحِدٍ خُصُوصًا إذَا كَانَ الْفِعْلُ مَعْصِيَةً فَإِنَّ أَحَدَهُمَا إنْ قَصَدَ الْعِصْيَانَ فَالْآخَرُ لَا يُسَاعِدُهُ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَا هَيَجَانُ الشَّهْوَةِ الَّذِي لَا يَقَعُ الْجِمَاعُ إلَّا بِهِ مِنْ الشَّخْصَيْنِ فِي وَقْتٍ مَعَ وُجُودِ الْحُرْمَةِ شَرْعًا قَلَّ مَا يَتَّفِقُ. ١ - وَعَنْ الْخَامِسِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَنَاهِيَ الْجُوعِ مُبِيحٌ بَلْ الْمُبِيحُ خَوْفُ التَّلَفِ وَكَيْفَ يَكُونَ الْجُوعُ مُبِيحًا لِلْإِفْطَارِ وَالصَّوْمُ مَا شُرِعَ، إلَّا لِحِكْمَةِ الْجُوعِ بَقِيَ أَنَّ خَوْفَ التَّلَفِ شَرْطُهُ تَنَاهِي الْجُوعِ وَلَكِنْ بَعْضُ الْعِلَّةِ لَا عِبْرَةَ بِهِ أَصْلًا فَبَعْضُ الشَّرْطِ مَعَ عَدَمِ الْعِلَّةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عِبْرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَذَا فِي طَرِيقَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْمُعِينِ وَغَيْرِهَا قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الثَّابِتِ بِالدَّلَالَةِ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي كَذَا يَعْنِي مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أَكَلْت وَشَرِبْت فِي نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ أَطْعَمَك وَسَقَاك فَتِمَّ عَلَى صَوْمِك» . لِأَنَّ النِّسْيَانَ فِعْلٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارِيًّا كَالسُّقُوطِ وَنَحْوِهِ وَلِهَذَا يُقَالُ نَسِيَ يَنْسَى. مَعْلُومٌ بِصُورَتِهِ وَهِيَ الْغَفْلَةُ

стр. 541

«لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَأَرَادَ بِهِ الضَّرْبَ بِالسَّيْفِ وَلِهَذَا الْفِعْلِ مَعْنًى مَقْصُودٌ وَهُوَ الْجِنَايَةُ بِالْجُرْحِ وَمَا يُشْبِهُهُ ــ [كشف الأسرار] عَنْ الشَّيْءِ بَعْدَمَا كَانَ حَاضِرًا فِي الذِّهْنِ، وَصُورَةُ كُلِّ شَيْءٍ تَنَاسُبُهُ. وَمَعْنَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ أَيْ النَّاسِيَ مَدْفُوعٌ إلَيْهِ خِلْقَةً أَيْ وَاقِعٌ فِيهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَفْظَ الصُّورَةِ. فَقَالَ: النِّسْيَانُ مَعْنًى مَعْلُومٌ لُغَةً وَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ طَبْعًا عَلَى وَجْهٍ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ. فَكَانَ ذَلِكَ أَيْ عُذْرُ النِّسْيَانِ، فَأُضِيفَ أَيْ الْفِعْلُ وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِسَبَبِ هَذَا الْعُذْرِ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ فَصَارَ عَفْوًا. هَذَا مَعْنَى النِّسْيَانِ لُغَةً وَهُوَ كَوْنُهُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ يَعْنِي كَوْنَ النَّاسِي مَطْبُوعًا عَلَى النِّسْيَانِ يُفْهَمُ لُغَةً مِنْ النِّسْيَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا لَهُ كَالْإِيذَاءِ مِنْ التَّأْفِيفِ إذْ لَا حَاجَةَ فِي فَهْمِهِ إلَى اجْتِهَادٍ وَاسْتِنْبَاطٍ بَلْ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَعَمِلْنَا بِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهُ مَدْفُوعٌ إلَيْهِ طَبْعًا فِي نَظِيرِهِ أَيْ نَظِيرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْجِمَاعُ فَكَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِيهِ بِالدَّلَالَةِ لَا بِالْقِيَاسِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْمَعْدُولَ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀: الْجِمَاعُ بِمَنْزِلَةِ الْأَكْلِ فِي مُنَافَاةِ رُكْنِ الصَّوْمِ أَوْ دُونِهِ فَلَا يَبْقَى مُنَافِيًا مَعَ النِّسْيَانِ اسْتِدْلَالًا بِالْأَكْلِ. فَإِنْ قِيلَ هُمَا مُتَفَاوِتَانِ أَيْ الْمَنْصُوصُ وَالْجِمَاعُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُحْوِجُهُ إلَى ذَلِكَ أَيْ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ شُرِعَ فِي وَقْتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَوَقْتُ الْأَسْبَابِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْأَكْلِ وَالصَّوْمُ يَزِيدُ فِي شَهْوَتِهِ فَيُبْتَلَى الْإِنْسَانُ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ غَالِبًا وَلَا يَحُوجُهُ إلَى الْمُوَاقَعَةِ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْجِمَاعِ عَادَةً وَلِلصَّوْمِ أَثَرٌ فِي إزَالَةِ هَذِهِ الشَّهْوَةِ فَإِنَّ الصَّوْمَ وِجَاءٌ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . فَكَانَ النِّسْيَانُ فِيهِ مِنْ النَّوَادِرِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ. وَصَارَ أَيْ الْجِمَاعُ نَاسِيًا فِي الصَّوْمِ كَالنِّسْيَانِ فِي الصَّلَاةِ أَيْ مِثْلُ الْأَكْلِ نَاسِيًا فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ عَفْوًا؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ فَكَذَا هَذَا. وَبِمَا ذَكَرْنَا تَمَسَّكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀: فَجَعَلَ النِّسْيَانَ عُذْرًا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالنَّصِّ وَلَمْ يَجْعَلْهُ عُذْرًا فِي الْجِمَاعِ. وَالْجَوَابُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَهِيَ أَنَّ لِلْأَكْلِ غَلَبَةَ الْوُجُودِ مِنْ حَيْثُ عُمُومُ السَّبَبِ وَلِلْجِمَاعِ غَلَبَةَ الْوُجُودِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ إذَا غَلَبَتْ لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ عَنْ الْجِمَاعِ لِوُجُودِ الدَّاعِي فِي الْفَاعِلِ وَالْمَحَلِّ فَثَبَتَ أَنَّ لِلْجِمَاعِ غَلَبَةَ الْوُجُودِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ وَلِلْأَكْلِ مِنْ حَيْثُ أَسْبَابِهِ فَلَا يَكُونُ عَيْنُ الْأَكْلِ غَالِبًا فِي ذَاتِهِ فَالْغَلَبَةُ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ الذَّاتِ فَوْقَ مَا تَنْشَأُ مِنْ السَّبَبِ فَلَمَّا عُفِيَ عَنْهُ فَلَأَنْ يُعْفَى عَنْ الْجِمَاعِ كَانَ أَوْلَى. وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ فِي حُكْمِ الصَّوْمِ فَإِذَا وَرَدَ نَصٌّ فِي أَحَدِهِمَا كَانَ وَارِدًا فِي الْآخَرِ كَمِنْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: اجْعَلْ زَيْدًا وَعَمْرًا فِي الْعَطِيَّةِ سَوَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا كَانَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلَى أَنَّهُ يُعْطِي عَمْرًا أَيْضًا دِرْهَمًا وَقَوْلُهُ ﵇. «لَا قَوَدَ، إلَّا بِالسَّيْفِ» . يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا قَوَدَ يُسْتَوْفَى إلَّا بِالسَّيْفِ. وَالثَّانِي: لَا قَوَدَ يَجِبُ إلَّا بِالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ لِلْقِصَاصِ طَرَفَيْنِ طَرَفُ الِاسْتِيفَاءِ وَطَرَفُ

стр. 542

وَالْحُكْمُ جَزَاءٌ يَبْتَنِي عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فِي الْجِنَايَةِ وَكَانَ ثَابِتًا بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَاخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْجُرْحُ الَّذِي يَنْقُضُ الْبِنْيَةَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: مَعْنَاهُ مَا لَا تُطِيقُ الْبِنْيَةُ احْتِمَالَهُ فَتَهْلِكُ جُرْحًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى قَالَا: يَجِبُ الْقَوَدُ بِالْقَتْلِ بِالْحَجَرِ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ عُقُوبَةً وَزَجْرًا عَنْ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ النَّفْسِ وَصِيَانَةَ حَيَاتِهَا وَانْتِهَاكَ حُرْمَتِهَا بِمَا لَا تُطِيقُ حَمْلَهُ وَلَا تَبْقَى ــ [كشف الأسرار] الْوُجُوبِ. فَإِنْ أُرِيدَ نَفْيُ الِاسْتِيفَاءِ يَكُونُ حُجَّةً لَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ لَا يُفْعَلُ بِالْقَاتِلِ مِثْلُ مَا فَعَلَ بِالْمَقْتُولِ مِنْ الْخَرْقِ وَالْغَرَقِ وَالرَّضْحِ بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا. وَإِنْ أُرِيدَ نَفْيُ الْوُجُوبِ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْمُوَالَاةِ. وَرَجَّحَ الْإِمَامُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ فَقَالَ: الْقَوَدُ اسْمٌ لِقَتْلٍ هُوَ جَزَاءُ الْقَتْلِ كَالْقِصَاصِ، إلَّا أَنَّ الْقَوَدَ خَاصٌّ فِي جَزَاءِ الْقَتْلِ وَالْقِصَاصُ عَامٌّ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا قَتْلَ قِصَاصًا، إلَّا بِالسَّيْفِ. فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَا قَوَدَ يَجِبُ، إلَّا بِالسَّيْفِ. قُلْنَا: الْقَوَدُ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الْقَتْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَازَاةِ دُونَ مَا يَجِبُ شَرْعًا وَإِنْ حُمِلَ عَلَيْهِ كَانَ مَجَازًا كَنَفْسِ الْقَتْلِ عِبَارَةٌ عَنْ الْفِعْلِ حَقِيقَةً لَا عَنْ الْوَاجِبِ. وَلِأَنَّ الْقَوَدَ قَدْ يَجِبُ بِغَيْرِ السَّيْفِ وَإِنَّمَا السَّيْفُ مَخْصُوصُ الِاسْتِيفَاءِ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ خَرَّجَ الشَّيْخُ مَسْأَلَةَ الْمُثَقَّلِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» هُوَ الضَّرْبُ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ فِي الْآلَةِ اقْتَضَتْ فِعْلًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَجِبُ بِأَخْذِ السَّيْفِ وَقَبْضِهِ فَكَانَ الضَّرْبُ هُوَ الْمُرَادُ. وَلِهَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ الضَّرْبُ بِالسَّيْفِ مَعْنًى مَقْصُودٌ يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً وَهُوَ الْجِنَايَةُ بِالْجُرْحِ وَمَا يُشْبِهُهُ كَالتَّأْفِيفِ لَهُ مَعْنًى مَقْصُودٌ وَهُوَ الْإِيذَاءُ بِإِظْهَارِ التَّضَجُّرِ وَمَا يُشْبِهُهُ مِنْ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ، ثُمَّ مَا يُشْبِهُ الْجُرْحَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ اسْتِعْمَالُ آلَةِ الْجُرْحِ مِثْلُ سِنْجَاتِ الْمِيزَانِ عَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الثِّقَلِ وَعِنْدَهُمَا اسْتِعْمَالُ مَا لَا يُطِيقُ الْبَدَنُ احْتِمَالَهُ مِثْلُ الْحَجَرِ الْعَظِيمِ وَالْعَصَا الْكَبِيرَةِ. وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْقَوَدُ جَزَاءٌ يَبْتَنِي عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فِي الْجِنَايَةِ يَعْنِي شُرِعَ الْحُكْمُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ مُمَاثِلًا لِلْجِنَايَةِ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يُنْبِئُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ. وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الْآيَةَ يُشِيرَانِ إلَى الْمُسَاوَاةِ أَيْضًا وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ تَأْسِيسُ الْجَوَابِ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: عَنْ كَلَامِهِمَا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. فَكَانَ أَيْ الْحُكْمُ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَوَدِ ثَابِتًا بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ مُتَعَلِّقًا بِهِ دُونَ صُورَةِ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ كَتَعَلُّقِ حُرْمَةِ التَّأْفِيفِ بِمَعْنَاهُ لَا بِصُورَتِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَفْهُومُ بِذِكْرِ السَّيْفِ لُغَةً هُوَ الْجُرْحُ الَّذِي يَنْقُضُ الْبِنْيَةَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَعْنَاهُ أَيْ الْمَعْنَى الْمَفْهُومُ مِنْ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ لُغَةً مَا لَا تُطِيقُ الْبِنْيَةُ احْتِمَالَهُ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ وَيَكُونُ ثَابِتًا بِدَلَالَةِ النَّصِّ. فَإِنْ قِيلَ: الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ مَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِمَعْنًى مُخْتَلِفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ كَيْفَ يُعَدُّ هَذَا مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ. قُلْنَا: لَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي أَنَّ الْقَوَدَ فِي قَوْلِهِ ﵇. «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» ثَابِتٌ بِمَعْنَى الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَإِنَّ هَذَا مَعْنًى فُهِمَ مِنْهُ لُغَةً إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مُجَرَّدُ مَعْنَى الْجِنَايَةِ أَوْ الْجِنَايَةُ الْمُنْتَهِيَةُ فِي الْكَمَالِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الْفِقْهِ لَكِنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ ثَابِتًا بِالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ مَفْهُومٌ لُغَةً، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا قُتِلَ إنْسَانًا مَعْصُومًا بِالْحَجَرِ الْعَظِيمِ أَوْ الْخَشَبِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا تُطِيقُ الْبِنْيَةُ احْتِمَالَهُ لَا يَجِبُ

стр. 543

مَعَهُ. فَأَمَّا الْجُرْحُ عَلَى الْبَدَنِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ إنَّمَا الْبَدَنُ وَسِيلَةٌ فَمَا يَقُومُ بِغَيْرِ الْوَسِيلَةِ كَانَ أَكْمَلَ وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَنْ هَذَا أَنَّ مَعْنَى الْجِنَايَةِ هُوَ مَا لَا تُطِيقُ النَّفْسُ احْتِمَالَهُ لَكِنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ فِعْلٍ الْكَمَالُ وَالنُّقْصَانُ بِالْعَوَارِضِ فَلَا يَجِبُ النَّاقِصُ أَصْلًا بَلْ الْكَامِلُ يُجْعَلُ أَصْلًا، ثُمَّ تَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى النَّاقِصِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ، فَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ النَّاقِصُ أَصْلًا خُصُوصًا فِيمَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا ــ [كشف الأسرار] الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏: يَجِبُ الْقِصَاصُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَجْرَحْ فَإِنْ جَرَحَ الْحَجَرُ أَوْ الْخَشَبُ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ بِالِاتِّفَاقِ. وَفِي الْحَدِيدِ يَجِبُ الْقَوَدُ جَرَحَ أَوْ لَمْ يَجْرَحْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا قَتَلَهُ جَرْحًا يَجِبُ الْقَوَدُ بِأَيِّ آلَةٍ كَانَتْ وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ بِأَيِّ آلَةٍ كَانَتْ. قَالُوا: إنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ عُقُوبَةً يَعْنِي بَعْدَمَا ارْتَكَبَ الْجِنَايَةَ وَزَجْرًا عَنْ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ النَّفْسِ وَصِيَانَةَ حَيَاتِهَا يَعْنِي قَبْلَ ارْتِكَابِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ شَرْعَهُ زَاجِرٌ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وَانْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ تَنَاوُلُهَا بِمَا لَا يَحِلُّ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ. وَانْتِهَاكُ حُرْمَتِهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِمَا لَا تُطِيقُ النَّفْسُ احْتِمَالَهُ وَلَا تَبْقَى مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا إذَا تَلِفَتْ بِذَلِكَ فَقَدْ اُنْتُهِكَتْ حُرْمَتُهَا. فَأَمَّا الْجُرْحُ عَلَى الْبَدَنِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ يَعْنِي فِي تَعَلُّقِ الْعُقُوبَةِ، إنَّمَا الْبَدَنُ أَيْ الْجُرْحُ عَلَى الْبَدَنِ وَسِيلَةٌ إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِهَا بِاعْتِبَارِ السِّرَايَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشِرْ إلَى النَّفْسِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا يَكُونُ بِغَيْرِ وَسِيلَةٍ كَانَ أَكْمَلَ فَمَا يَكُونُ جِنَايَةً عَلَى النَّفْسِ بِغَيْرِ وَسِيلَةٍ وَهُوَ الْقَتْلُ بِحَجَرِ الرَّحَى وَالْأُسْطُوَانَة الْعَظِيمَةِ مَثَلًا كَانَ أَكْمَلَ فِي الْجِنَايَةِ مِنْ الْجُرْحِ لِأَنَّ مَا لَا يَلْبَثُ وَلَا تُطِيقُ النَّفْسُ احْتِمَالَهُ مُزْهِقٌ لِلرُّوحِ بِنَفْسِهِ وَالْفِعْلُ الْجَارِحُ مُزْهِقٌ لَهُ بِوَاسِطَةِ الْجِرَاحَةِ فَالْجُرْحُ وَسِيلَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى إزْهَاقِ الرُّوحِ وَمَا يَكُونُ عَامِلًا بِنَفْسِهِ أَبْلَغُ مِمَّا يَكُونُ عَامِلًا بِوَاسِطَةِ السِّرَايَةِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا أَتَمَّ فِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ عَدَمُ احْتِمَالِ الْبِنْيَةِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالدَّلَالَةِ كَمَا فِي الضَّرْبِ مَعَ التَّأْفِيفِ وَكَمَا يَثْبُتُ فِي الْقَتْلِ بِالرُّمْحِ وَالسِّكِّينِ وَالنُّشَّابَةِ بِالدَّلَالَةِ. يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ هُنَاكَ قَدْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِفِعْلٍ لَا يَكُونُ قَتْلًا لَا مَحَالَةَ، كَقَطْعِ الْأُصْبُعِ وَالْغَرْزِ بِالْإِبْرَةِ وَالضَّرْبِ بِسِنْجَاتِ الْمِيزَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ فَلَمَّا وَجَبَ الْقِصَاصُ بِهَذَا الْفِعْلِ وَأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِهِ الْقَتْلُ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ فَلَأَنْ يَجِبَ بِإِلْقَاءِ حَجَرِ الرَّحَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى مَعَهُ الْحَيَاةُ أَصْلًا. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ لَوْ قَتَلُوا بِالْحَدِيدِ وَبِالْحَجَرِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ وَلَا شَكَّ أَنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ كَالْقِصَاصِ، ثُمَّ لَمْ يَقَعْ الْفَرْقُ فِيهِ بَيْنَ الْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ الْجُرْحِ وَالدَّقِّ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا، كَذَا فِي طَرِيقَةِ الْإِمَامِ الْبُرْغَرِيِّ. وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَاهُ أَنَّا قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ مَعْنَى الْجِنَايَةِ هُوَ مَا لَا تُطِيقُ النَّفْسُ احْتِمَالَهُ. لَكِنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ فِعْلٍ الْكَمَالُ يَعْنِي إذَا صَارَ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى شَيْءٍ فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ لِلْكَامِلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ لِلنَّاقِصِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مِنْ جِنْسِ مَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ يَلْحَقُ النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا يَثْبُتُ فِي الْكَامِلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَلْحَقُ النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْعَدَمِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ مَا لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ. فَالْأَصْلُ فِي الزِّنَا وُقُوعُهُ فِي مَحَلٍّ مُحْتَرَمٍ خَالٍ عَنْ الْمِلْكِ وَعَنْ شُبْهَةِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْكَامِلُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحِلِّ، ثُمَّ تَعَدَّى أَحَدُ حُكْمَيْهِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ إلَى مَا هُوَ نَاقِصٌ فِي مَعْنَى الْجِنَايَةِ وَهُوَ مَوَاضِعُ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَلَمْ يَتَعَدَّ الْحُكْمُ الْآخَرُ وَهُوَ وُجُوبُ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّبَهِ. وَكَذَا الْأَصْلُ فِي ثُبُوتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ مَعْنَى الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ

стр. 544

وَهُنَا الْكَامِلُ فِيمَا قُلْنَا مَا يَنْقُضُ الْبِنْيَةَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا هُوَ الْكَامِلُ فِي النَّقْضِ عَلَى مُقَابَلَةِ كَمَالِ الْوُجُودِ قَوْلُهُمَا: إنَّ الْبَدَنَ وَسِيلَةٌ وَهْمٌ وَغَلَطٌ؛ لِأَنَّا نَعْنِي بِهَذَا الْجِنَايَةَ عَلَى الْجِسْمِ لَكِنَّا نَعْنِي بِهِ الْجِنَايَةَ عَلَى النَّفْسِ الَّتِي هِيَ مَعْنَى الْإِنْسَانِ خِلْقَةً فَالْقِصَاصُ مُقَابِلٌ بِذَلِكَ أَمَّا الْجِسْمُ فَفَرْعٌ وَأَمَّا الرُّوحُ فَلَا يَقْبَلُ الْجِنَايَةَ وَمَعْنَى الْإِنْسَانُ خِلْقَةٌ بِدَمِهِ وَطَبَائِعِهِ فَلَا يَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، إلَّا بِجُرْحٍ يُرِيقُ دَمًا وَيَقَعُ عَلَى مَعْنَاهُ قَصْدًا فَصَارَ هَذَا أَوْلَى خُصُوصًا فِي الْعُقُوبَاتِ ــ [كشف الأسرار] لِأَنَّهُ هُوَ الْكَامِلُ فِي الْبَابِ، ثُمَّ تَعَدَّى إلَى النَّاقِصِ وَهُوَ التَّقْبِيلُ وَالْمَسُّ لِمَا ذَكَرْنَا. وَكَذَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ ثَبَتَ فِي الْكَامِلِ مِنْهُ وَهُوَ مَا يَنْقُضُ الْبِنْيَةَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِدَلِيلِ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ. تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] عَلَى مَا عُرِفَ فِي التَّفْسِيرِ فَجُعِلَ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ، ثُمَّ تَعَدَّى إلَى النَّاقِصِ مِنْهُ وَهُوَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَالدِّيَةَ مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ. وَهُنَا الْكَامِلُ مِمَّا قُلْنَا أَيْ مِنْ مَعْنَى الْجِنَايَةِ مَا يَنْقُضُ الْبِنْيَةَ ظَاهِرًا بِتَخْرِيبِ الْجُثَّةِ وَبَاطِنًا بِإِرَاقَةِ الدَّمِ وَإِفْسَادِ طَبَائِعِهِ الْأَرْبَعِ. هَذَا هُوَ الْكَامِلُ فِي النَّقْضِ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْآدَمِيِّ بِاعْتِدَالِ الْبِنْيَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَكَانَ التَّفْوِيتُ الْكَامِلُ بِإِفْسَادِ الْبِنْيَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَيُجْعَلُ هَذَا الْكَامِلُ أَصْلًا فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ بِالنَّصِّ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ صِفَةِ الْكَمَالِ فِيهِ، فَأَمَّا اعْتِبَارُ مُجَرَّدِ عَدَمِ احْتِمَالِ الْبِنْيَةِ إيَّاهُ مَعَ سَلَامَةِ الْبِنْيَةِ ظَاهِرًا وَجَعْلُهُ أَصْلًا فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ؛ لِأَنَّهُ نَاقِضٌ لِكَوْنِهِ قَتْلًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَدَلِيلُ النُّقْصَانِ حُكْمُ الذَّكْوَةِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَا يَنْقُضُ الْبِنْيَةَ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مُجَرَّدُ عَدَمِ احْتِمَالِ الْبِنْيَةِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ بِالْمُثَقَّلِ لَا يَحِلُّ وَلَوْ جَرَحَهُ يَحِلُّ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ. وَقَوْلُهُمَا الْبَدَنُ وَسِيلَةٌ وَهْمٌ وَغَلَطٌ؛ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِهَذَا أَيْ بِفِعْلِ الْقَتْلِ أَوْ بِاشْتِرَاطِ الْجُرْحِ الْجِنَايَةَ عَلَى الْجِسْمِ أَيْ عَلَى الْبَدَنِ لِيَنْدَفِعَ بِقَوْلِكُمْ: الْجُرْحُ وَسِيلَةٌ وَتَبَعٌ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْوَسِيلَةِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِغَيْرِهَا، بَلْ نَعْنِي الْجِنَايَةَ عَلَى النَّفْسِ الَّتِي هِيَ مَعْنَى الْإِنْسَانِ وَهِيَ دَمُهُ وَطَبَائِعُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَالْقِصَاصُ مُقَابَلٌ بِذَلِكَ أَيْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] أَمَّا الْجِسْمُ فَفَرْعٌ يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَا نُرِيدُ أَنَّ الْبَدَنَ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي مَعْنَى الْإِنْسَانِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ. وَأَمَّا الرُّوحُ فَلَا يَقْبَلُ الْجِنَايَةَ يَعْنِي مِنْ الْعِبَادِ لَكِنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ الطَّبَائِعُ الْأَرْبَعُ لَا يَتَكَامَلُ، إلَّا بِجُرْحٍ يُخَرِّبُ الْبِنْيَةَ وَيُرِيقُ الدَّمَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَاقَ الدَّمَ فَقَدْ اتَّصَلَ أَثَرُ فِعْلِهِ بِهِ قَصْدٌ أَوْ الْمَجْمُوعُ يَبْطُلُ بِبُطْلَانِ بَعْضِهِ فَيَكُونُ مُبْطِلًا مَعْنَى الْإِنْسَانِ بِالْإِرَاقَةِ قَصْدًا فَيَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ. وَلِهَذَا كَانَ الْغَرْزُ بِالْإِبْرَةِ فِي الْمَقْتَلِ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ مُسِيلٌ لِلدَّمِ مُؤَثِّرٌ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا الْحِلَّ فِي الذَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَاكَ تَسْيِيلُ جَمِيعِ الدَّمِ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ الطَّاهِرُ مِنْ النَّجَسِ وَلِهَذَا اُخْتُصَّ بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ وَالْحُلْقُومِ عِنْدَ التَّيَسُّرِ. فَصَارَ هَذَا أَيْ اعْتِبَارُ الْكَمَالِ فِي مَعْنَى الْجِنَايَةِ. أَوْلَى مِمَّا قَالَاهُ. خُصُوصًا فِي الْعُقُوبَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْنَا مَا ذَكَرُوا مِنْ مَسْأَلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ مَا وَجَبَ قِصَاصًا وَإِنَّمَا وَجَبَ جَزَاءً عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَيِّ قَتْلٍ كَانَ وَلِهَذَا لَوْ قَتَلُوا بِالسَّوْطِ يَجِبُ أَيْضًا فَأَمَّا الْقَتْلُ قِصَاصًا فَقَدْ وَجَبَ جَزَاءً عَلَى فِعْلٍ كَامِلٍ بِصِفَةِ الْعَمْدِيَّةِ وَفِي الْعَمْدِيَّةِ خَلَلٌ وَقُصُورٌ. قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ سَلَامَةَ الظَّاهِرِ شُبْهَةً

стр. 545

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا أَوْجَبَا حَدَّ الزِّنَا بِاللِّوَاطَةِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ الزِّنَا اسْمٌ لِفِعْلٍ مَعْلُومٍ وَمَعْنَاهُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِسَفْحِ الْمَاءِ فِي مَحَلٍّ مُحَرَّمٍ مُشْتَهًى وَهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي اللِّوَاطَةِ وَزِيَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحُرْمَةِ فَوْقَهُ وَفِي سَفْحِ الْمَاءِ فَوْقَهُ وَفِي الشَّهْوَةِ مِثْلُهُ وَهَذَا مَعْنَى الزِّنَا لُغَةً. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْكَامِلَ أَصْلٌ فِي كُلِّ بَابٍ خُصُوصًا فِي الْحُدُودِ وَالْكَامِلُ فِي سَفْحِ الْمَاءِ مَا يُهْلِكُ الْبَشَرَ حُكْمًا وَهُوَ الزِّنَا؛ لِأَنَّ وَلَدَ الزِّنَا هَالِكٌ حُكْمًا لِعَدَمِ مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِ ــ [كشف الأسرار] فَلَمْ يُوجِبْ مَعَهَا الْقِصَاصَ وَهَذَا مِنْهُ اسْتِقْصَاءٌ فِي الِاحْتِيَالِ لِلدَّرْءِ أَوْ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ فِي تَفْسِيرِ عَمْدِ الْقَتْلِ عِنْدَ النَّاسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا ثَبَتَ بِالدَّلَالَةِ وُجُوبُ حَدِّ الزِّنَا فِي اللِّوَاطَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا. وَالْبَاءُ الْأُولَى لِلسَّبَبِيَّةِ وَالثَّانِيَةُ لِلِاسْتِعَانَةِ يَعْنِي أَوْجَبَا بِدَلَالَةِ النَّصِّ حَدَّ الزِّنَا بِسَبَبِ اللِّوَاطَةِ فَقَالَا اللِّوَاطَةُ وَإِتْيَانُ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ مِنْهَا يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَا عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَيُرْجَمَانِ إنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ وَيُجْلَدَانِ إنْ لَمْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَا يَجِبُ فِيهَا الْحَدُّ وَلَكِنْ يَجِبُ فِيهَا أَشَدُّ التَّعْزِيرِ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ إنْ اعْتَادَ ذَلِكَ، كَذَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ ﵀ فِي فَتَاوَاهُ نَاقِلًا عَنْ الرَّوْضَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْغُلَامِ أَمَّا فِي وَطْءِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ فَيُوجِبُ الْحَدَّ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ وَمَنْكُوحَتِهِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقْتَضٍ إطْلَاقَ الِانْتِفَاعِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً فِي الْفِعْلِ. تَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الزِّنَا شَرْعًا وَلُغَةً اسْمٌ لِفِعْلٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ إيلَاجُ الْفَرْجِ فِي مَحَلٍّ مُشْتَهًى يُسَمَّى قُبُلًا عَلَى سَبِيلِ الْحُرْمَةِ. وَمَعْنَاهُ أَيْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ اقْتِضَاءُ شَهْوَةِ الْفَرْجِ بِسَفْحِ الْمَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ لَا لِقَصْدِ الْوَلَدِ؛ وَلِذَلِكَ يُسَمَّى سِفَاحًا. وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْ مَعْنَى الزِّنَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي اللِّوَاطَةِ وَزِيَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَيْ لِأَنَّ فِعْلَ اللِّوَاطَةِ فِي الْحُرْمَةِ فَوْقَ الزِّنَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْكَشِفُ بِحَالٍ فَصَارَ نَظِيرَ الزِّنَا بِالْأُمِّ فَإِنَّهُ أَفْحَشُ مِنْ الزِّنَا بِالْأَجْنَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لَا تَنْكَشِفُ بِوَجْهٍ. وَفِي سَفْحِ الْمَاءِ فَوْقَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النَّسْلِ فِي الزِّنَا مَعْدُومٌ قَصْدًا وَفِي اللِّوَاطَةِ مَعْدُومٌ قَصْدًا أَوْ زِيَادَةً؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَصْلُحُ لِلنَّسْلِ فَيَكُونُ أَشَدَّ تَضْيِيعًا لِلْمَاءِ فَإِنَّهُ بَذْرٌ وَإِلْقَاءُ الْبَذْرِ فِي مَحَلٍّ لَا يَنْبُتُ يَكُونُ أَشَدَّ تَضْيِيعًا لَهُ مِنْ إلْقَائِهِ فِي مَحَلٍّ يَنْبُتُ عَلَى قَصْدِ أَنْ لَا يَنْبُتَ لِمَانِعٍ مِنْ الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الشَّهْوَةِ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ مَعَانِيَ الِاشْتِهَاءِ مِنْ الْحَرَارَةِ وَاللِّينِ وَغَيْرِهِمَا مَحْسُوسَةٌ فِي هَذَا الْمَحِلِّ كَمَا هِيَ مَحْسُوسَةٌ فِي مَحَلِّ الْحَرْثِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِالطَّبْعِ دُونَ الشَّرْعِ لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ وَأَنَّ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ يَجِبُ فِيهَا بِنَفْسِ الْإِيلَاجِ فِي الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَبْتَنِي عَلَى الْفِطْرِ بِاقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ وَهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ. وَفِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لَا يَتَحَقَّقُ الْفِطْرُ حَتَّى يُنْزِلَ؛ لِأَنَّهُ دُونَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ فِي اللِّوَاطَةِ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْإِيلَاجِ كَمَا فِي الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي اسْتِجْلَابِ الْمَنِيِّ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْغُسْلِ وَفِي جِمَاعِ الْبَهِيمَةِ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْإِنْزَالِ فَثَبَتَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي اقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ، إلَّا أَنَّهُ تَبَدَّلَ الِاسْمُ مِنْ الزِّنَا إلَى اللِّوَاطَةِ بِاعْتِبَارِ تَبَدُّلِ الْمَحِلِّ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ كَتَبَدُّلِ اسْمِ الطِّرَارِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِ السَّارِقِ فِي حَقِّهِ بَعْدَ وُجُودِ كَمَالِ الْعِلَّةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ الرَّجْمِ تَعَدَّى مِنْ مَاعِزٍ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ يُفَارِقُهُ بِاسْمِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. وَهَذَا مَعْنَى الزِّنَا لُغَةً أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعْنَى الزِّنَا ثَابِتٌ لُغَةً لَا اجْتِهَادًا إذْ يَعْرِفُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَكَانَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِهِ ثَابِتًا بِالدَّلَالَةِ لَا بِالْقِيَاسِ. وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: عَنْ هَذَا أَيْ عَمَّا ذَكَرْنَا فِي جَانِبِهِمَا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ

стр. 546

فَأَمَّا تَضْيِيعُ الْمَاءِ فَقَاصِرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِالْعَزْلِ وَلَا تَفْسُدُ الْفِرَاشُ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا كَامِلٌ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ الْوُجُودِ بِالشَّهْوَةِ الدَّاعِيَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَأَمَّا هَذَا الْفِعْلُ فَقَاصِرٌ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَيْهِ شَهْوَةُ الْفَاعِلِ فَأَمَّا صَاحِبُهُ فَلَيْسَ فِي طَبْعِهِ دَاعٍ إلَيْهِ بَلْ الطَّبْعُ مَانِعٌ فَفَسَدَ الِاسْتِدْلَال بِالْكَامِلِ عَلَى الْقَاصِرِ فِي حُكْمٍ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَالتَّرْجِيحُ بِالْحُرْمَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ الْمُجَرَّدَةَ بِدُونِ هَذِهِ الْمَعَانِي غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِإِيجَابِ الْحَدِّ أَلَا تَرَى أَنَّ شُرْبَ الْبَوْلِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ كَمَالِ الْحُرْمَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ ــ [كشف الأسرار] الْمَحِلَّيْنِ فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ قَاصِرٌ عَنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ فِي الزِّنَا إنَّمَا تَعَلَّقَ بِسَفْحِ الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الْفِرَاشِ وَإِهْلَاكِ الْبَشَرِ حُكْمًا لَا بِمُجَرَّدِ السَّفْحِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ مِنْ مَاءِ الزِّنَا وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ تَرْبِيَتِهِ عَلَى الزَّانِي لِعَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ وَلَا عَلَى الْأُمِّ لِعَجْزِهَا عَنْ الْكَسْبِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، فَيَهْلِكُ؛ وَلِذَا سَمَّى تَرْبِيَتَهُ إحْيَاءً قَالَ ﵇ «مَنْ أَخَذَ لَقِيطًا فَقَدْ أَحْيَاهُ» وَلِهَذَا لَوْ أَكْرَهَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِالْقَتْلِ عَلَى الزِّنَاءِ لَا يُرَخَّصُ لَهُ الْإِقْدَامُ حَتَّى لَوْ أَقْدَمَ يَأْثَمُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ إنْسَانٍ، وَفِي اللِّوَاطَةِ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَعْنَى وَإِنَّمَا وُجِدَ مُجَرَّدُ تَضْيِيعِ الْمَاءِ وَأَنَّهُ قَدْ يَحِلُّ بِالْعَزْلِ فِي الْأَمَةِ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَفِي الْمَنْكُوحَةِ الْحُرَّةِ بِإِذْنِهَا وَالْمَنْكُوحَةِ الْأَمَةِ بِإِذْنِهَا أَوْ بِإِذْنِ مَوْلَاهَا. وَلَيْسَ فِيهِ إفْسَادُ الْفِرَاشِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِاشْتِبَاهِ النَّسَبِ وَلَا تَصَوُّرَ لِذَلِكَ فِي الرَّجُلِ إذْ الرَّجُلُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِرَاشًا فَكَانَ قَاصِرًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ هَذَا النُّقْصَانُ بِزِيَادَةِ الْحُرْمَةِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قَالَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مُقَايَسَةً وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْحُدُودِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِمَا ذَكَرْتُمْ فَإِنَّهُ لَوْ زَنَى بِعَجُوزٍ أَوْ بِعَقِيمٍ لَا زَوْجَ لَهَا يَجِبُ الْحَدُّ وَلَمْ يُوجَدْ إفْسَادُ الْفِرَاشِ وَلَا إهْلَاكُ الْوَلَدِ. وَكَذَا زِنَاءُ الْخَصِيِّ يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَا مَاءَ لَهُ لِيُؤَدِّيَ إلَى فَسَادِ الْفِرَاشِ وَإِهْلَاكِ الْوَلَدِ. قُلْنَا: الْمُعْتَبَرُ وَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْجِنْسُ لَا الْإِفْرَادُ وَجِنْسُ الزِّنَا لَا يَخْلُو عَنْ إفْسَادِ الْفِرَاشِ وَإِهْلَاكِ الْوَلَدِ بَلْ هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ عَلَى أَنَّ مَحَلِّيَّةَ الْمَاءِ لَا يَنْعَدِمُ أَصْلًا فِي الْعَجُوزِ وَالْعَقِيمِ فَإِنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ بِوَطْئِهِمَا وَكَذَا الْخَصِيُّ لَا يَنْعَدِمُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْمَاءِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ وَلَوْ انْعَدَمَ الْمَاءُ أَصْلًا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ كَمَا فِي الصَّبِيِّ. وَالثَّانِي: أَنَّ الزِّنَا كَامِلٌ بِحَالٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ. وَتَقْرِيرُهُ بِعِبَارَةِ الْإِمَامِ الْبُرْغَرِيِّ أَنَّ الْحُدُودَ شُرِعَتْ زَوَاجِرُ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْجِنَايَاتِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى الزَّاجِرِ الشَّرْعِيِّ فِيمَا يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ، فَأَمَّا فِيمَا يَنْزَجِرُ الْإِنْسَانُ عَنْهُ بِطَبْعِهِ فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الزَّاجِرِ الشَّرْعِيِّ كَشُرْبِ الْبَوْلِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْحَاجَةُ إلَى الزَّاجِرِ فِي اللِّوَاطَةِ لَيْسَتْ كَالْحَاجَةِ إلَى الزَّاجِرِ فِي الزِّنَا. أَمَّا فِي جَانِبِ الْمَفْعُولِ فَلِأَنَّ الْحَدَّ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَجِبُ اسْتِدْلَالًا بِالزِّنَا وَالزَّانِيَةُ إنَّمَا تَحْمِلُهَا الشَّهْوَةُ عَلَى الزِّنَا فَأَمَّا الْمَفْعُولُ بِهِ هَهُنَا فَيَمْتَنِعُ بِطَبْعِهِ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ أَشَدُّ الِامْتِنَاعِ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْلُ الْجِبِلَّةِ السَّلِيمَةِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الزَّاجِرِ الشَّرْعِيِّ فَشَرْعُ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى شَرْعِ الْحَدِّ عَلَى هَذَا، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي جَانِبِ الْفَاعِلِ لِأَنَّ طَبْعَهُ وَإِنْ كَانَ يَمِيلُ إلَى هَذَا الْفِعْلِ وَلَكِنَّ الْفِعْلَ لَا يَقُومُ بِهِ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا يَقُومُ بِهِ وَبِآخَرَ لَا يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَيْهِ وَفِي الزِّنَا يَقُومُ بِاثْنَيْنِ طَبْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائِلٌ إلَيْهِ فَكَانَ أَغْلَبَ وُجُودًا أَوْ أَسْرَعَ حُصُولًا فَكَانَ أَحْوَجَ إلَى الزَّاجِرِ فَشَرْعُ الزَّاجِرِ فِيهِ لَا يَدُلُّ عَلَى شَرْعِهِ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ الْمُجَرَّدَةَ يَعْنِي فِي الزِّنَا بِدُونِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَهِيَ أَنْ يَكُونَ غَالِبُ الْوُجُودِ وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ إهْلَاكُ الْبَشَرِ حُكْمًا

стр. 547

قَالَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِالنَّصِّ فِي الْخَطَأِ مِنْ الْقَتْلِ مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ وَهُوَ الْخَطَأُ فَكَانَ دَلَالَةً عَلَى وُجُوبِهَا بِالْعَمْدِ لِعَدَمِ الْعُذْرِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ عُذْرٌ مُسْقِطٌ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ إذَا صَارَتْ كَاذِبَةً فَلَأَنْ يَجِبَ فِي الْغَمُوسِ وَهِيَ كَاذِبَةٌ مِنْ الْأَصْلِ أَوْلَى فَصَارَتْ دَلَالَةً عَلَيْهِ لِقِيَامِ مَعْنَى النَّصِّ لَكِنْ قُلْنَا: هَذَا الِاسْتِدْلَال غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ فِيهَا شَبَهٌ بِالْعُقُوبَاتِ لَا تَخْلُو الْكَفَّارَةُ عَنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِسَبَبٍ دَائِرٍ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ. وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ كَبِيرَةٌ بِمَنْزِلَةِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ فَلَمْ يَصِحَّ سَبَبًا كَالْمُبَاحِ الْمَحْضِ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا مَعَ رُجْحَانِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَكَذَلِكَ الْكَذِبُ حَرَامٌ مَحْضٌ ــ [كشف الأسرار] وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ إفْسَادُ الْفِرَاشِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِإِيجَابِ حَدِّ الزِّنَا. يَعْنِي هِيَ لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ لِلْحَدِّ حَتَّى تُرَجِّحُوا اللِّوَاطَةَ عَلَيْهِ بِالْحُرْمَةِ فَتُوجِبُوا فِيهِ الْحَدَّ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى بَلْ الْمُعْتَبَرَةُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعَانِي وَهِيَ فِي اللِّوَاطَةِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ الْمُجَرَّدَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ أَنَّ شُرْبَ الْبَوْلِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ كَمَالِ الْحُرْمَةِ أَيْ مَعَ كَوْنِهِ آكَدُ فِي الْحُرْمَةِ مِنْ الْخَمْرِ فَإِنَّ حُرْمَتَهُ لَا يَنْكَشِفُ بِحَالٍ وَشُرْبُ الْخَمْرِ يُوجِبُهُ مَعَ أَنَّ حُرْمَتَهَا تَزُولُ بِالتَّخْلِيلِ وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً فِي الْمِلَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِوُجُودِ دُعَاءِ الطَّبْعِ فِي الْخَمْرِ وَعَدَمِهِ فِي الْبَوْلِ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الثَّابِتِ بِالدَّلَالَةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ اسْتِدْلَالًا بِالْقَتْلِ الْخَطَإِ وَالْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ فَقَالَ: الْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْخَطَإِ لِارْتِكَابِ الْجِنَايَةِ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ كَفَّارَةً أَيْ سِتَارَةٌ لِلذَّنْبِ لَا لِلْخَطَأِ فَإِنَّهُ عُذْرٌ مُسْقِطٌ لِلْحُقُوقِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْوُجُوبِ وَلَمَّا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ الْمُسْقِطِ بِمَعْنَى الْجِنَايَةِ وَهُوَ قَتْلُ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ فَلَأَنْ يَجِبَ فِي الْعَمْدِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْجِنَايَةِ أَقْوَى كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ازْدِيَادَ سَبَبِ الْوُجُوبِ لَا يُسْقِطُ الْوَاجِبَ بَلْ يُؤَكِّدُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ خَطَأً فِي الْإِحْرَامِ لَمَّا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ أَوْجَبَهَا الْعَمْدُ لِازْدِيَادِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَتْ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ وَهِيَ الَّتِي عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَعْنَى الْجِنَايَةِ وَهُوَ صَيْرُورَتُهَا كَاذِبَةً بِاعْتِبَارِ الْحِنْثِ، وَإِذَا وَجَبَتْ بِاعْتِبَارِ صَيْرُورَتِهَا كَذْبَةً مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي الْأَصْلِ كَذَلِكَ فَلَأَنْ تَجِبَ فِي الْغَمُوسِ وَهِيَ كَاذِبَةٌ مِنْ الْأَصْلِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حَظْرَ الْغَمُوسِ مِنْ جِنْسِ حَظْرِ الْمَعْقُودَةِ إذَا حَنِثَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ حَظْرٌ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِشْهَادِ بِاَللَّهِ كَاذِبًا، إلَّا أَنَّهُ فِي الْغَمُوسِ آكَدُ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْيَمِينَ نَوْعَانِ يَمِينٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَمِينٌ بِالطَّلَاقِ وَنَحْوُهُ، ثُمَّ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ بِشَرْطٍ مَاضٍ عَلَى الْكَذِبِ تُوجِبُ مَا تُوجِبُهُ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ بِشَرْطٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَوُجِدَ الشَّرْطُ فَكَذَا الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى تُوجِبُ مَا تُوجِبُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إذَا تَحَقَّقَ الْكَذِبُ فِيهَا. وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى ثَابِتٌ لُغَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ يَعْرِفُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ الْإِثْمِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْجِنَايَةِ. وَعِنْدَنَا لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْعَمْدِ سَوَاءٌ وَجَبَ الْقَوَدُ بِهِ أَوْ لَمْ يَجِبْ كَقَتْلِ الْأَبِ وَلَدَهُ عَمْدًا وَقَتْلِ الْمَوْلَى عَبْدَهُ عَمْدًا وَقَتْلِ الْمُسْلِمِ مُسْلِمًا لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ عَمْدًا وَكَذَا فِي الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ وَكَذَا الْغَمُوسُ مَحْظُورٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: عِبَادَاتٌ مَحْضَةٌ: وَأَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابٍ مَحْظُورَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ حُكْمُهَا الثَّوَابُ وَنَيْلُ الدَّرَجَاتِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَصِيرَ الْجَنَابَةُ سَبَبًا لِذَلِكَ وَأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابٍ مُبَاحَةٍ كَالنِّصَابِ لِلزَّكَاةِ وَالْوَقْتِ لِلصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَعُقُوبَاتٌ مَحْضَةٌ: وَأَنَّهُمَا تَتَعَلَّقُ بِمَحْظُورَاتٍ مَحْضَةٍ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ شُرِعَتْ زَاجِرَةً مَحْضَةً وَإِنَّمَا يَجِبُ الزَّجْرُ عَنْ الْمَعَاصِي لَا عَنْ الْمُبَاحِ. وَكَفَّارَاتٌ وَهِيَ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ عِبَادَةٍ وَعُقُوبَةٍ. أَمَّا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ فِيهَا فَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ الْإِجْزَاءُ كَالْحُدُودِ وَالْعِبَادَاتُ تَجِبُ

стр. 548

وَأَمَّا الْخَطَأُ فَدَائِرٌ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ وَالْيَمِينُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ وَالْكَذِبُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ ــ [كشف الأسرار] ابْتِدَاءً تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى أَمَّا مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا فَلِأَنَّهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَمَا شُرِعَ الصَّوْمُ خَالِيًا عَنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَلِأَنَّهَا تُكَفِّرُ الذَّنْبَ وَتَمْحُوهُ وَلَنْ يَقَعَ التَّكْفِيرُ إلَّا بِمَا هُوَ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ وَلِهَذَا كَانَتْ النِّيَّةُ فِيهَا شَرْطًا وَفُوِّضَ أَدَاؤُهَا إلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِيُؤَدِّيَهَا بِاخْتِيَارِهِ وَالْعُقُوبَاتُ تُقَامُ كُرْهًا وَجَبْرًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى صِفَتَيْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لِيَكُونَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ مُضَافًا إلَى صِفَةِ الْإِبَاحَةِ وَمَعْنَى الْعُقُوبَةِ مُضَافًا إلَى صِفَةِ الْحَظْرِ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ أَبَدًا يَكُونُ عَلَى وَفْقِ الْمُؤَثِّرِ وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ مَحْظُورٌ مَحْضٌ. وَكَذَا الْغَمُوسُ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ بِدُونِ الِاسْتِشْهَادِ بِاَللَّهِ حَرَامٌ لَيْسَ فِيهِ إبَاحَةٌ فَمَعَ الِاسْتِشْهَادِ بِاَللَّهِ أَوْلَى فَكَانَ الْعَمْدُ وَالْغَمُوسُ بِمَنْزِلَةِ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا فَلَا يَصْلُحَانِ سَبَبَيْنِ لِلْكَفَّارَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُبَاحَ الْمَحْضَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ مِثْلُ الْقَتْلِ بِحَقٍّ وَالْيَمِينُ الْمَعْقُودَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ مَعَ أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا رَاجِحٌ سِوَى كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فَلَأَنْ لَا يَصْلُحَ الْمَحْظُورُ الْمَحْضُ كَانَ أَوْلَى. وَأَمَّا الْخَطَأُ فَدَائِرٌ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ أَيْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ رَمْيٌ إلَى الصَّيْدِ أَوْ إلَى كَافِرٍ وَهُوَ مُبَاحٌ. وَبِاعْتِبَارِ تَرْكِ التَّثَبُّتِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَحِلِّ هُوَ مَحْظُورٌ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ آدَمِيًّا مُحْتَرَمًا مَعْصُومًا فَيَصْلُحُ سَبَبًا لَهَا. وَكَذَا اجْتَمَعَ فِي الْمَعْقُودَةِ صِفَتَا الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَلِهَذَا شُرِعَتْ فِي بَيْعَةِ نُصْرَةِ الْحَقِّ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَحْلِفُونَ فِي الْبَيْعَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ وَلَا يُؤْثِرُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ. وَعَلِيٌّ ﵁ كَانَ يَحْلِفُ فِي الْمُبَايَعَةِ لِلْبَعْضِ وَهِيَ أَيْضًا مَنْهِيٌّ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أَيْ بَذْلُهُ فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَقَوْلُهُ ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أَيْ امْتَنِعُوا عَنْ الْيَمِينِ وَاحْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْهَا وَالثَّانِي أَنَّ الْيَمِينَ الصَّادِقَةَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ يُحْلَفُ بِهَا فِي الْخُصُومَاتِ وَتَلْزَمُنَا شَرْعًا فَكَانَتْ مُبَاحَةً، إلَّا أَنَّهَا تَأْخُذُ مَعْنَى الْحَظْرِ بِاعْتِبَارِ الْحِنْثِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَالْكَذِبُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَيْ الْحِنْثُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَكَانَتْ دَائِرَةً بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فَتَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ وَهَذَا الْوَجْهُ يُشِيرُ إلَى الْيَمِينِ مَعَ الْحِنْثِ سَبَبٌ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ نَفْسَ الْيَمِينِ سَبَبٌ وَالْحِنْثُ شَرْطٌ وَإِلَى كُلِّ وَاحِدٍ ذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَعْلِيقَ الْكَفَّارَةِ بِوَصْفِ الْجِنَايَةِ مُنْفَرِدًا غَلَطٌ وَأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا الْإِفْطَارُ سَبَبٌ فِي رَمَضَانَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ وَالزِّنَا لَيْسَا بِسَبَبَيْنِ لِلْكَفَّارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ لَا يَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ الْفِطْرُ وَأَنَّهُ جِنَايَةٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَنَاوُلُ شَيْءٍ يَحْصُلُ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ مَشْرُوعٌ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الصَّوْمَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْفِطْرِ مَحْظُورٌ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ عَلَى أَنَّ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ شَبَهُ الْعُقُوبَةِ رَاجِحٌ عَلَى مَا عُرِفَ فَجَازَ إيجَابُهَا بِمَا يَتَرَجَّحُ مَعْنَى الْحَظْرِ فِيهِ، كَذَا فِي طَرِيقَةِ الْإِمَامِ الْبُرْغَرِيِّ. وَرَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَمَّا الْفِطْرُ فَإِنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا أَمَّا الْإِبَاحَةُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ

стр. 549

وَلَا يَلْزَمُ إذَا قَتَلَ بِالْحَجَرِ الْعَظِيمِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْخَطَأِ وَهِيَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا فَتَثْبُتُ بِشُبْهَةِ السَّبَبِ كَمَا ثَبَتَ بِحَقِيقَتِهِ وَذَكَرَهُ الْجَصَّاصُ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ جَعَلَهُ فِي الْكِتَابِ شِبْهَ الْعَمْدِ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَكَانَ نَصًّا عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَإِذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا عَمْدًا لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي مَحَلِّ الْفِعْلِ ــ [كشف الأسرار] يُلَاقِي فِعْلَ نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَأَمَّا الْحَظْرُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْعِبَادَةِ وَبِهِ تَرْتَفِعُ النُّقُوضُ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَفْطَرَ بِالْخَمْرِ أَوْ بِالزِّنَا عَمْدًا فَإِنَّهُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ. وَفِي الْأَسْرَارِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ وَلَا تَلْزَمُ كَفَّارَةُ الْإِفْطَارِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ مَعَ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ إنَّمَا تَجِبُ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ فِي نَفْسِهِ مَحْظُورٍ بِصَوْمِهِ كَجِمَاعِ الْأَهْلِ وَأَكْلِ خُبْزِهِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ تَمَحُّضُ الْحَظْرِ لِحَقِّ الْفِطْرِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شُبْهَةُ إبَاحَةِ الْفِطْرِ لَا شُبْهَةُ إبَاحَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي نَفْسِهِ حَتَّى إذَا زَنَى فِي رَمَضَانَ وَذَلِكَ الزِّنَا حَرَامٌ فِي نَفْسِهِ لَا لِحَقِّ الصَّوْمِ وَحَرَامٌ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ وَجَبَ بِكَوْنِهِ حَرَامًا فِي نَفْسِهِ الْحَدُّ الَّذِي هُوَ عُقُوبَةٌ وَبِسَبَبِ الْمَعْنَى الْآخَرِ كَفَّارَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إلْغَاءِ حُرْمَةِ الْفِعْلِ فِي نَفْسِهِ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَإِلْحَاقِهِ بِالْحَلَالِ فِي نَفْسِهِ لَوْلَا الصَّوْمُ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالْإِفْطَارِ لَا بِالْجِمَاعِ نَفْسِهِ وَالْإِفْطَارُ بِاقْتِضَاءِ شَهْوَةِ بَطْنِهِ وَفَرْجِهِ وَالِاقْتِضَاءُ فِي نَفْسِهِ حَلَالٌ وَإِنَّمَا حُرِّمَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَمْ يَصِرْ حَرَامًا مُحْصَنًا لِمَا حَلَّ فِي نَفْسِهِ لِوُجُودِهِ فِي مَحَلِّهِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وُجُوبُ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ فَإِنَّهَا طَاعَةٌ مَحْضَةٌ، وَقَدْ وَجَبَتْ بِسَبَبِ الْكَبِيرَةِ الْمَحْضَةِ فَمَا هُوَ طَاعَةٌ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّهَا رُجُوعٌ عَنْ الْجِنَايَةِ وَنَقْضٌ لَهَا وَنَقْضُ الشَّيْءِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُكْمِهِ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ وَإِنَّمَا يُضَافُ وُجُوبُهَا إلَى دِيَانَتِهِ وَاعْتِقَادِهِ حُرْمَةَ مَا ارْتَكَبَهُ قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ إذَا قَتَلَ بِالْحَجَرِ الْعَظِيمِ) يَعْنِي وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا قُلْنَا الْقَتْلُ بِالْمُثَقَّلِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا مَحْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ أَيْ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ الْعَظِيمِ شُبْهَةُ الْخَطَإِ فَإِنَّهُ مِنْ خَطَإِ الْعَمْدِ عِنْدَهُ، وَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵇ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا» عَلَى مَا عُرِفَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُثَقَّلَ لَيْسَ بِآلَةِ الْقَتْلِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ آلَةُ التَّأْدِيبِ أَلَا تَرَى أَنَّ إجْرَاءَهُ لِلتَّأْدِيبِ بِهَا وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلتَّأْدِيبِ مُبَاحًا فَتَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ بِاعْتِبَارِ الْآلَةِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا خَطَأَ الْعَمْدِ أَيْ شِبْهُ الْعَمْدِ كَانَ مَحْظُورًا مِنْ حَيْثُ الْعَمْدِيَّةُ وَمِنْ حَيْثُ الْخَطَأُ لَا يَخْلُو عَنْ شُبْهَةِ إبَاحَةِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ. وَالْكَفَّارَةُ مِمَّا يُحْتَاطُ فِي إيجَابِهَا لِرُجْحَانِ جِهَةِ الْعِبَادَةِ فِيهَا فَيَثْبُتُ بِشُبْهَةِ الْخَطَأِ كَمَا يَثْبُتُ بِحَقِيقَتِهِ، وَقَدْ جَعَلَهُ أَيْ جَعَلَ مُحَمَّدٌ الْقَتْلَ بِالْمُثَقَّلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْكِتَابِ أَيْ فِي الْمَبْسُوطِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ حَيْثُ أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِيهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَكَانَ هَذَا تَنْصِيصًا عَلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ شَبَهَ الْعَمْدِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ. وَإِنَّمَا أَكَّدَ الشَّيْخُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالرِّوَايَةِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَالْجَصَّاصِ وَبِدَلَالَةِ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهِ لَا تَجِبُ فَقَدْ قَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ فِي الْإِيضَاحِ وُجِدَتْ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا لَا كَفَّارَةَ فِي شَبَهِ الْعَمْدِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنَّ الْإِثْمَ كَامِلٌ مُتَنَاهٍ وَتَنَاهِيهِ يَمْنَعُ شَرْعَ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ. ١ - قَوْلُهُ (وَإِذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا عَمْدًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ) يَعْنِي إذَا قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَكُونَ عَمْدًا بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ بِالْمُثَقَّلِ يَجِبُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ -

стр. 550

فَاعْتُبِرَتْ فِي الْقَوَدِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابَلُ بِالْمَحَلِّ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى نَافَى الدِّيَةَ فَأَمَّا الْفِعْلُ فَعَمْدٌ مَحْضٌ خَالِصٌ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ وَالْعُقُوبَةُ جَزَاءٌ لِلْفِعْلِ الْمَحْضِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْحَجَرِ الشُّبْهَةُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ فَعَمَّ الْقَوَدَ وَالْكَفَّارَةَ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا يَجِبُ بِالْعَمْدِ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ السَّهْوُ دَلِيلًا عَلَى الْعَمْدِ لِمَا قُلْنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا ــ [كشف الأسرار] وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَرُدُّ إشْكَالًا عَلَى الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا قَتَلَ مُسْتَأْمَنًا عَمْدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ يَلْزَمُهُ وَهُوَ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ عِمْرَانَ أُسْتَاذِ الطَّحَاوِيِّ عَنْ أَصْحَابِنَا وَرِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ الْمُبِيحَةَ تَنْتَفِي عَنْ الدَّمِ بِعَقْدِ الْأَمَانِ فَلَا جَرَمَ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُسْلِمِ جَمِيعًا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الشُّبْهَةَ الْمُبِيحَةَ بَقِيَتْ فِي ذِمَّةٍ فَإِنَّهُ حَرْبِيٌّ مُمَكَّنٌ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَجُعِلَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلِهَذَا يَرِثُ الْحَرْبِيُّ وَلَا يَرِثُ الذِّمِّيُّ وَإِنْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فِي الْعِصْمَةِ، وَالْقِصَاصُ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُسْلِمِ بِقَتْلِهِ وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعِصْمَةِ يَثْبُتُ التَّقَوُّمَ فِي نَفْسِهِ حِينَ اسْتَأْمَنَ كَمَا يُثْبِتُ التَّقَوُّمَ فِي مَالِهِ حَتَّى يَضْمَنَ بِالْإِتْلَافِ فَصَارَ حَالُهُ فِي قِيمَةِ نَفْسِهِ كَحَالِ الذِّمِّيِّ فَكَمَا يُسَوَّى بَيْنَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ عِنْدَنَا، فَكَذَلِكَ يُسَوَّى بَيْنَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ، ثُمَّ الشُّبْهَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْمُثَقَّلِ أَثَّرَتْ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ كَمَا أَثَّرَتْ فِي إسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَالشُّبْهَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَثَّرَتْ فِي إسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَلَمْ تُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ. فَأَجَابَ وَقَالَ: الشُّبْهَةُ هَاهُنَا فِي مَحَلِّ الْفِعْلِ لَا فِي الْفِعْلِ فَإِنَّ دَمَ الْمُسْتَأْمَنِ لَا يُمَاثِلُ دَمَ الْمُسْلِمِ فِي الْعِصْمَةِ حَتَّى لَوْ ثَبَتَ الْمُمَاثَلَةُ بِأَنْ قَتَلَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا مُسْتَأْمَنًا آخَرَ أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ، كَذَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ. فَاعْتُبِرَتْ فِي الْقَوَدِ أَيْ أَثَّرَتْ فِي إسْقَاطِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ مُقَابَلٌ بِالْمَحَلِّ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى امْتَنَعَ وُجُوبُ الدِّيَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلُ الْمَحَلِّ مَعَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْمَحِلِّ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ بَدَلَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقِصَاصُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ لَمَا امْتَنَعَ وُجُوبُ الدِّيَةِ مَعَهُ كَمَا لَمْ يَمْتَنِعْ مَعَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا لِإِنْسَانٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَقِيمَةُ الْمَقْتُولِ لِمَالِكِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا إذْ الْكَفَّارَةُ جَزَاءُ الْفِعْلِ وَالْقِيمَةُ بَدَلُ الْمَحِلِّ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقِصَاصُ مُقَابَلًا بِالْمَحَلِّ بِوَجْهٍ لَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ أَيْضًا. وَإِنَّمَا قَالَ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ عِنْدَنَا جَزَاءُ الْفِعْلِ حَتَّى يَثْبُتَ لِلْمَقْتُولِ حُكْمُ الشَّهَادَةِ وَيُقْتَلُ جَمَاعَةٌ بِوَاحِدٍ وَلَكِنْ فِيهِ شُبْهَةُ كَوْنِهِ بَدَلَ الْمَحَلِّ لِمَا ذَكَرْنَا وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الشُّبْهَةِ كَافٍ لِانْتِفَاءِ الْقِصَاصِ. فَأَمَّا الْفِعْلُ فَعَمْدٌ مَحْضٌ خَالِصٌ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ أَيْ لَا يَدُورُ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ بِوَجْهٍ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ إذْ الْكَفَّارَةُ جَزَاءُ الْفِعْلِ الْمَحْضِ لَيْسَ فِيهَا شُبْهَةُ الْبَدَلِيَّةِ عَنْ الْمَحِلِّ بِوَجْهٍ حَتَّى يُؤَثِّرَ فِيهَا الشُّبْهَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الْمَحَلِّ. وَفِي مَسْأَلَةِ الْحَجَرِ أَيْ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ الشُّبْهَةُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْآلَةَ لَيْسَتْ بِآلَةِ الْقَتْلِ خِلْقَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا وَوَضْعُ الْآلَةِ لِتَتْمِيمِ الْقُدْرَةِ النَّاقِصَةِ فَكَانَتْ دَاخِلَةً فِي فِعْلِ الْعَبْدِ فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي الْفِعْلِ. فَعَمَّتْ الْقَوَدَ وَالْكَفَّارَةَ أَيْ أَثَّرَتْ فِي إسْقَاطِ الْقَوَدِ وَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ جَمِيعًا. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ الْمَشْرُوعَةَ فِي الْخَطَإِ وَالْمَعْقُودَةَ لَا يَجِبُ فِي الْعَمْدِ وَالْغَمُوسِ قُلْنَا: السُّجُودُ الْمَشْرُوعُ فِي السَّهْوِ لَا يَجِبُ بِالْعَمْدِ أَيْ

стр. 551

وَقُلْنَا نَحْنُ: إنَّ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ وَجَبَتْ عَلَى الرَّجُلِ بِالْمُوَاقَعَةِ نَصًّا وَمَعْنَى الْفِطْرِ فِيهِ مَعْقُولٌ لُغَةً فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَيْضًا اسْتِدْلَالًا بِهِ. وَأَمَّا الْمُقْتَضِي فَزِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ ثَبَتَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لَمَّا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهُ وَجَبَ تَقْدِيمُهُ لِتَصْحِيحِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَقَدْ اقْتَضَاهُ النَّصُّ ــ [كشف الأسرار] بِتَرْكِ الْوَاجِبِ عَمْدًا. وَالْعَمْدُ لُغَةً مَا حَصَلَ مِنْ الْفِعْلِ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ مِنْ الْفَاعِلِ إلَيْهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجِبُ بِالْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ فِي السَّهْوِ لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ فِي صَلَاتِهِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْعَمْدِ وَزِيَادَةٌ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالدَّلَالَةِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ بِالنَّصِّ شَرْعًا هُوَ السَّهْوُ عَلَى مَا قَالَ ﵇ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالسَّهْوُ يَنْعَدِمُ إذَا كَانَ عَامِدًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ السَّهْوُ دَلِيلَ الْعَمْدِ أَيْ الْوُجُوبُ فِي السَّهْوِ دَلِيلَ الْوُجُوبِ فِي الْعَمْدِ؛ لِمَا قُلْنَا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَنَّ وُجُوبَهَا فِي الْخَطَإِ وَالْمَعْقُودَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْعَمْدِ وَالْغَمُوسِ وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّجْدَةَ عِبَادَةٌ شُرِعَتْ لِلَّهِ تَعَالَى جَبْرًا لِلْفَائِتِ فَلَا يَصْلُحُ الْمَحْظُورُ سَبَبًا لَهُ وَهُوَ تَأْخِيرُ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكُهُ عَمْدًا قَوْلُهُ (وَقُلْنَا نَحْنُ) إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْكَفَّارَةُ فِي قَوْلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ حُكْمَ الْكَفَّارَةِ فِي جَانِبِهِ لَا فِي جَانِبِهَا فَلَوْ لَزِمَتْهَا لَبَيَّنَ كَمَا بَيَّنَ الْحَدَّ فِي جَانِبِهَا فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ. وَلِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ الْمُوَاقَعَةُ الْمُعْدِمَةُ لِلصَّوْمِ وَالرَّجُلُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِذَلِكَ دُونَهَا إذْ هِيَ مَحَلُّ الْمُوَاقَعَةِ وَلَيْسَتْ بِمُبَاشِرَةٍ لَهَا فَكَانَ فِعْلُهَا دُونَ فِعْلِ الرَّجُلِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِخِلَافِ الْحَدِّ فَإِنَّ سَبَبَهُ الزِّنَا وَهِيَ مُبَاشِرَةٌ لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا زَانِيَةً. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ وَيَتَحَمَّلُ الزَّوْجُ عَنْهَا إذَا كَانَتْ مَالِيَّةً؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْمُوَاقَعَةِ إذَا كَانَ بَدَنِيًّا اشْتَرَكَا فِيهِ كَالِاغْتِسَالِ، وَإِذَا كَانَ مَالِيًّا تَحَمَّلَ الزَّوْجُ عَنْهَا كَثَمَنِ مَاءِ الِاغْتِسَالِ. فَقَالَ الشَّيْخُ: إنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الرَّجُلِ بِالْمُوَاقَعَةِ وَمَعْنَى الْفِطْرِ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ كَامِلَةٌ مَفْهُومٌ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْوِقَاعِ لُغَةً كَالْإِيذَاءِ مِنْ التَّأْفِيفِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَحَقَّقُ فِي جَانِبِهَا كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي جَانِبِهِ فَتَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ كَمَا لَا يَلْزَمُهَا الْحَدُّ بِسَبَبِ الزِّنَا إذْ تَمْكِينُهَا فِعْلٌ كَامِلٌ فَإِنَّ الْحَدَّ مَعَ النُّقْصَانِ وَبَيَانُ النَّبِيِّ ﵇ فِي جَانِبِهِ بَيَانٌ فِي جَانِبِهَا؛ لِأَنَّ كَفَّارَتَهُمَا وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْعَسِيفِ فَإِنَّ الْحَدَّ فِي جَانِبِهِ كَانَ الْجَلْدَ وَفِي جَانِبِهَا الرَّجْمَ وَلَا مَعْنَى لِلتَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً أَوْ عِبَادَةً وَبِسَبَبِ النِّكَاحِ لَا تَجْرِي التَّحَمُّلُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي مُؤَنِ الزَّوْجِيَّةِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. [دَلَالَة الْمُقْتَضِي] قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُقْتَضِي فَزِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ ثَبَتَ) أَيْ الْمُقْتَضِي أَوْ الزِّيَادَةُ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَزِيدِ فَكَانَتْ الْجُمْلَةُ صِفَةً لَهَا. وَانْتَصَبَ شَرْطًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ يَثْبُتُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ شَرْعًا. وَقَوْلُهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَغْنِ أَيْ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عَنْهُ مُتَعَلِّقٌ يَثْبُتُ شَرْطًا. وَقَوْلُهُ وَجَبَ تَقْدِيمُهُ مُسْتَأْنَفٌ. وَقَوْلُهُ فَقَدْ اقْتَضَاهُ النَّصُّ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لَهُ أَيْ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْمُقْتَضَى أَوْ تَقْدِيمُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ لِأَجْلِ تَصْحِيحِ الْمَنْصُوصِ شَرْعًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ اقْتَضَاهُ أَيْ طَلَبَهُ. أَوْ لَمَّا لَمْ يَسْتَغْنِ مُسْتَأْنَفٌ وَوَجَبَ تَقْدِيمُ جَوَابِهِ وَقَوْلُهُ فَقَدْ اقْتَضَاهُ النَّصُّ بَيَانُ تَسْمِيَتِهِ بِهَذَا الِاسْمِ يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَسْتَغْنِ النَّصُّ عَنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَجَبَ تَقْدِيمُهَا لِيَصِحَّ فَكَانَ النَّصُّ مُقْتَضِيًا إيَّاهَا فَسُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ وَهُوَ الْمُقْتَضَى. ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ بِهِ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ

стр. 552

فَصَارَ الْمُقْتَضِي بِحُكْمِهِ حُكْمًا لِلنَّصِّ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ أَوْجَبَ الْمِلْكَ وَالْمِلْكُ أَوْجَبَ الْعِتْقَ فِي الْقَرِيبِ فَصَارَ الْمِلْكُ بِحُكْمِهِ حُكْمًا لِلشِّرَاءِ فَصَارَ الثَّابِتُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِنَفْسِ النَّظْمِ دُونَ الْقِيَاسِ حَتَّى أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُعَارِضُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَالثَّابِتُ بِهَذَا يَعْدِلُ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ، إلَّا عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ بِهِ ــ [كشف الأسرار] فَقَالَ الِاقْتِضَاءُ الطَّلَبُ تَقُولُ اقْتَضَيْت الدَّيْنَ أَيْ طَلَبْته وَسُمِّيَ الْمُقْتَضَى مُقْتَضًى؛ لِأَنَّ النَّصَّ طَلَبَهُ. فَصَارَ الْمُقْتَضِي بِحُكْمِهِ أَيْ مَعَ حُكْمِهِ حُكْمَيْنِ لِلنَّصِّ أَيْ مُضَافَيْنِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُقْتَضِي تَابِعٌ لَهُ وَهُوَ تَابِعٌ لِلْمُقْتَضِي فَيَكُونُ الْمُقْتَضَى مُضَافًا إلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَحُكْمُهُ بِوَسَاطَتِهِ كَمَا إذَا وَقَعَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ جُمْلَةً مُرَكَّبَةً مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ كَانَ الْمُبْتَدَأُ الثَّانِي مَعَ خَبَرِهِ خَبَرًا لِلْأَوَّلِ كَقَوْلِك زَيْدٌ أَبُوهُ مُنْطَلِقٌ. وَلَا يُقَالُ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي هُوَ الْأَصْلُ وَتَوَقُّفُهُ عَلَى الْمُقْتَضِي وَافْتِقَارُهُ إلَيْهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُوَ تَبَعًا لِلْمُقْتَضِي وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِشَيْءٍ وَتَبَعًا لَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْمُقْتَضِي أَصْلًا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ الْمُقْتَضِي وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً قَصْدًا وَمِنْ تَبَعِيَّةِ الْمُقْتَضِي أَنَّهُ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَتَبَعًا لَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ تَبَعِيَّتُهُ لَهُ كَالصَّلَاةِ تَوَقَّفَتْ عَلَى الْوُضُوءِ وَهِيَ أَصْلٌ لَهُ وَلَيْسَتْ بِتَبَعٍ. فَإِنْ قِيلَ شَرْطِيَّةُ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ النَّصِّ تُوجِبُ تَقَدُّمَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ وَكَوْنُهُ حُكْمًا لَهُ يُوجِبُ تَأَخَّرَهُ عَنْهُ وَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. قُلْنَا: قَدْ قِيلَ فِي جَوَابِهِ: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا تَقْدِيرًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَرْطٌ وَمُتَأَخِّرًا تَقْدِيرًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُكْمٌ فَيُمْكِنُ الْقَوْلُ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ تَحْقِيقًا فَمَتَى كَانَ مُتَأَخِّرًا تَحْقِيقًا لَا يَصْلُحُ شَرْطًا لِمَا تَقَدَّمَهُ بِوَجْهٍ بَلْ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لِلنَّصِّ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ بِحُكْمِ اقْتِضَاءِ النَّصِّ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهِ وَإِنَّمَا يُضَافُ إلَى النَّصِّ لِإِضَافَةِ الِاقْتِضَاءِ إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ شَرْطٌ صِحَّةِ النَّصِّ أَيْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ فِي قَوْلِك أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ ثَبَتَ بِاقْتِضَاءِ هَذَا الْكَلَامِ فَكَانَ حُكْمًا لَهُ وَلَكِنَّهُ يَثْبُتُ لِأَجْلِ صِحَّةِ الْإِعْتَاقِ الْمَطْلُوبِ بِهَذَا الْكَلَامِ فَكَانَ شَرْطًا لَهُ لَا لِلِاقْتِضَاءِ الَّذِي أَوْجَبَهُ وَالِاقْتِضَاءُ غَيْرُ النَّصِّ فَكَانَ اجْتِمَاعُ الشَّرْطِيَّةِ وَالْحُكْمِيَّةِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَمْرَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ فَيَجُوزُ، فَصَارَ الثَّابِتُ بِهِ أَيْ بِالْمُقْتَضِي بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِهَا أَيْ بِالصِّيغَةِ أَوْ بِالْعِبَارَةِ بِنَفْسِ النَّظْمِ يَدُلُّ تَكْرِيرُ الْعَامِلِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ بِهَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَيْ الثَّابِتُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِنَفْسِ نَظْمِ النَّصِّ دُونَ مَعْنَاهُ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ حَتَّى أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُعَارِضُهُ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ. وَالثَّابِتُ بِهَذَا أَيْ بِالْمُقْتَضِي يَعْدِلُ أَيْ يُسَاوِي الثَّابِتَ بِالنَّصِّ، إلَّا عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ أَوْ إشَارَتُهُ أَوْ دَلَالَتُهُ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الثَّابِتِ بِالْمُقْتَضِي؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّظْمِ أَوْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَكَانَ ثَابِتًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْمُقْتَضِي لَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْكَلَامِ لُغَةً وَإِنَّمَا يَثْبُتُ شَرْعًا لِلْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ فَكَانَ ضَرُورِيًّا ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ إذْ هُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِيمَا وَرَاءَ ضَرُورَةِ تَصْحِيحِ الْكَلَامِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَقْوَى. وَمَا جَدَّتْ لِمُعَارَضَةِ الْمُقْتَضِي مَعَ الْأَقْسَامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ نَظِيرًا، وَقَدْ تَحَمَّلَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فِي إيرَادِ الْمِثَالِ فَقَالَ إذَا بَاعَ مِنْ آخَرَ عَبْدًا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِأَنَّ دَلَالَةَ النَّصِّ الَّذِي وَرَدَ فِي حَقِّ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِفَسَادِ شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ

стр. 553

وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْقِسْمِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: لَا عُمُومَ لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِيهِ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَكَانَ مِثْلَهُ، وَقُلْنَا: إنَّ الْعُمُومَ مِنْ صِفَاتِ النَّظْمِ وَالصِّيغَةِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا نَظْمَ لَهُ لَكِنَّا أَنْزَلْنَاهُ مَنْظُومًا شَرْطًا لِغَيْرِهِ فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ فِيمَا وَرَاءَ صِحَّةِ الْمَذْكُورِ ــ [كشف الأسرار] الثَّمَنِ تُوجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَالِاقْتِضَاءُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ فَتُرَجَّحُ الدَّلَالَةُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ دَلَالَةٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي حَقِّ غَيْرِ زَيْدٍ كَانَ بِمَعْنَى النَّصِّ لَا بِالنَّظْمِ كَثُبُوتِ الرَّجْمِ فِي حَقِّ غَيْرِ مَاعِزٍ. وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ الْمُعَارَضَةَ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا تَسَاوِي الْحُجَّتَيْنِ وَلَا تَسَاوِي؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ الَّذِي قَامَ الْمُقْتَضَى بِهِ كَلَامُ الْآمِرِ وَالدَّلَالَةُ ثَابِتَةٌ بِالنِّسْبَةِ فَأَنَّى يَتَعَارَضَانِ. وَلِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الصُّورَةِ إنْ ثَبَتَ لَيْسَ لِتَرَجُّحِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُقْتَضِي فَإِنَّهُمَا لَوْ صَرَّحَا بِالْبَيْعِ بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي بِعْت هَذَا الْعَبْدَ مِنْك بِأَلْفٍ وَقَالَ الْبَائِعُ قَبِلْت، لَا يَجُوزُ أَيْضًا بَلْ لِأَنَّ مُوجِبَ ذَلِكَ النَّصِّ عَدَمُ الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةِ نَصٍّ آخَرَ إيَّاهُ فَلَا يَكُونُ هَذَا نَظِيرَ مُعَارَضَةِ الدَّلَالَةِ الْمُقْتَضَى قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْقِسْمِ) يَعْنِي فِي عُمُومِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ لَا عُمُومَ لَهُ أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ صِفَةُ الْعُمُومِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَهُ عُمُومٌ أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ الْعُمُومُ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِي بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ حَتَّى كَانَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ فَيَجُوزُ فِيهِ الْعُمُومُ كَمَا يَجُوزُ فِي النَّصِّ. وَقُلْنَا: الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ النَّظْمِ وَهُوَ غَيْرُ مَنْظُومٍ حَقِيقَةً فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْعُمُومُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمُقْتَضَى لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ حَتَّى إذَا كَانَ الْمَنْصُوصُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ بِدُونِهِ لَا يَثْبُتُ الْمُقْتَضِي لُغَةً وَلَا شَرْعًا وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ صِفَةِ الْعُمُومِ لِلْمُقْتَضِي فَإِنَّ الْكَلَامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ فَبَقِيَ فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ صِحَّةُ الْكَلَامِ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ الْعَدَمُ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ الْعُمُومُ. وَهُوَ نَظِيرُ تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ لَمَّا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَهُوَ سَدُّ الرَّمَقِ وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْحَمْلِ وَالتَّمَوُّلِ وَالتَّنَاوُلِ إلَى الشِّبَعِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ النَّصِّ فَإِنَّهُ عَامِلٌ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ حِلِّ الزَّكِيَّةِ يَظْهَرُ فِي حُكْمِ التَّنَاوُلِ وَغَيْرِهِ مُطْلَقًا كَذَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى لَا عُمُومَ لِلْمُقْتَضِي وَإِنَّمَا الْعُمُومُ لِلْأَلْفَاظِ لَا لِلْمَعَانِي الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا ضَرُورَةُ الْأَلْفَاظِ. بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ ظَاهِرُهُ لِنَفْيِ صُورَةِ الصَّوْمِ حِسًّا لَكِنْ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحُكْمِ وَهُوَ نَفْيُ الْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مُجْمَلٌ. وَقِيلَ: إنَّهُ عَامٌّ لِنَفْيِ الْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالِ وَهُوَ غَلَطٌ نَعَمْ لَوْ قَالَ: لَا حُكْمَ لِصَوْمٍ بِغَيْرِ تَبْيِيتٍ لَكَانَ الْحُكْمُ لَفْظًا عَامًّا فِي الْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالِ أَمَّا إذَا قَالَ لَا صِيَامَ فَالْحُكْمُ غَيْرُ مَنْطُوقٍ بِهِ وَإِنَّمَا أَثْبَتَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» مَعْنَاهُ حُكْمُ الْخَطَأِ وَلَا عُمُومَ لَهُ وَلَوْ قَالَ لَا حُكْمَ لِلْخَطَأِ لَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ وَالْعَزْمُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْعُمُومِ. وَرَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَتَى دَلَّ الْعَقْلُ أَوْ الشَّرْعُ عَلَى إضْمَارِ شَيْءٍ فِي كَلَامٍ صِيَانَةً لَهُ عَنْ التَّكْذِيبِ وَنَحْوِهَا وَثَمَّةَ تَقْدِيرَاتٍ يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ بِأَيِّهَا كَانَ لَا يَجُوزُ إضْمَارُ الْكُلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا الْمُقْتَضِي لَا عُمُومَ لَهُ أَمَّا إذَا تَعَيَّنَ أَحَدُ تِلْكَ التَّقْدِيرَاتِ بِدَلِيلٍ كَانَ كَظُهُورِهِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَظْهَرُهُ عَامًّا كَانَ مُقَدَّرُهُ كَذَلِكَ

стр. 554

وَمِثَالُ هَذَا الْأَصْلِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْبَيْعُ مُقْتَضَى الْعِتْقِ وَشَرْطٌ لَهُ حَتَّى يَثْبُتَ بِشُرُوطِ الْعِتْقِ لَمَّا كَانَ تَابِعًا لَهُ وَلَوْ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَالَ الْخَصْمُ لَثَبَتَ بِشُرُوطِ نَفْسِهِ ــ [كشف الأسرار] وَكَذَا لَوْ كَانَ خَاصًّا. قَوْلُهُ (وَمِثَالُ الْأَصْلِ) أَيْ نَظِيرُ هَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ الْمُقْتَضَى. وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ الْأَصْلِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مِثَالُ الْعُمُومِ. أَوْ مَعْنَاهُ مِثَالُ الْمُقْتَضَى إذْ هُوَ الْأَصْلُ لِلْمُقْتَضَى قَوْلُ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ كَذَا. أَنَّهُ أَيْ هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْإِعْتَاقِ، يَتَضَمَّنُ الْبَيْعُ مُقْتَضَى الْعِتْقِ أَيْ ضَرُورَةُ صِحَّةِ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ عَلَى الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِتَعَيُّنِهِ سَبَبًا لَهُ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ عَلَى أَلْفٍ. وَشَرْطًا لَهُ يَعْنِي يَثْبُتُ الْبَيْعُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْإِعْتَاقِ عَلَيْهِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهَذَا الْمُقْتَضَى ثَبَتَ مُتَقَدِّمًا وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ فِي الْمَحِلِّ وَالْمَحَلُّ لِلتَّصَرُّفِ كَالشَّرْطِ فَكَذَا إمَّا يَكُونُ وَصْفًا لِلْمَحَلِّ وَلَمَّا كَانَ شَرْطًا كَانَ تَبَعًا إذْ الشُّرُوطُ اتِّبَاعٌ فَيَثْبُتُ بِشُرُوطِ الْعِتْقِ لَا بِشُرُوطِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا ثَبَتَ تَبَعًا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَرَائِطُ الْمَتْبُوعِ إظْهَارًا لِلتَّبَعِيَّةِ كَالْعَبْدِ يَصِيرُ مُقِيمًا وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ مِنْ الْمَوْلَى وَكَذَا الْجُنْدِيُّ بِنِيَّةِ السُّلْطَانِ وَالْمَرْأَةُ بِنِيَّةِ الزَّوْجِ فَيُعْتَبَرُ فِي الْآمِرِ أَهْلِيَّةُ الْإِعْتَاقِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ بِأَنْ كَانَ صَبَبًا عَاقِلًا قَدْ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ لَمْ يَثْبُتْ الْبَيْعُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ. وَلَوْ جُعِلَ أَيْ الْمُقْتَضَى بِمَنْزِلَةِ الْمَذْكُورِ صَرِيحًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَثَبَتَ بِشُرُوطِ نَفْسِهِ أَيْ اُعْتُبِرَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْبَيْعِ لَا غَيْرَ وَشُرِطَ فِيهِ الْقَبُولُ وَثَبَتَتْ فِيهِ الْخِيَارَانِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ الْمَأْمُورُ بِالْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنْ قَالَ بِعْته مِنْك بِالْأَلْفِ وَأَعْتَقْته لَمْ يَجُزْ عَنْ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ مَقْصُودًا وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِبَيْعٍ ثَابِتٍ ضَرُورَةَ الْعِتْقِ، فَإِذَا أَتَى بِهِ مَقْصُودًا لَمْ يَأْتِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ فَتَوَقَّفَ عَلَى الْقَبُولِ فَإِذَا أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَقَعْ عَنْ الْأَمْرِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُقْتَضَى لَيْسَ كَالْمَنْصُوصِ فِيمَا وَرَاءَ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ. وَفِي هَذَا الْمِثَالِ خِلَافُ زُفَرَ فَإِنَّهُ قَالَ: يَقَعُ الْعِتْقُ فِي قَوْلِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَنْ الْمَأْمُورِ فَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالْإِعْتَاقِ عَنْهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى عَبْدِ غَيْرِهِ وَعَبْدُ غَيْرِهِ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ بِحَالٍ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» وَلَا يَجُوزُ إضْمَارُ التَّمْلِيكِ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ لِتَصْحِيحِ الْمُصَرَّحِ بِهِ لَا لِإِبْطَالِهِ، وَإِذَا أَضْمَرَ التَّمْلِيكَ صَارَ مُعْتِقًا عَبْدَ الْآمِرِ لَا عَبْدَ نَفْسِهِ. وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَنْفُذْ فَلَأَنْ لَا يَنْفُذَ بِأَمْرِهِ أَوْلَى وَكَانَ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ لِآخَرَ: بِعْ عَبْدَك عَنِّي مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ آجِرْهُ عَنِّي مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا أَوْ كَاتِبْهُ بِكَذَا فَفَعَلَ لَا يَصِحُّ وَلَا يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ فَكَذَا هَهُنَا. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ صَحَّ هَذَا الْأَمْرُ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ إلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ أَيْضًا وَأَمْكَنَ إثْبَاتُ الْمَطْلُوبِ بِإِثْبَاتِ شَرْطِهِ فَوَجَبَ إثْبَاتُهُ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ كَمَا إذَا بَاعَ الْمُكَاتَبَ بِرِضَاهُ أَوْ بَاعَ شَيْئًا بِأَلْفٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ بِخَمْسِمِائَةٍ يَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ وَالْبَيْعُ الْأَوَّلُ تَصْحِيحًا لِلتَّصَرُّفِ الثَّانِي. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَحَلٌّ لِحُلُولِ الْعِتْقِ وَالْمِلْكُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ النَّفَاذِ وَصْفٌ لَهُ وَالْمُحَالُ بِصِفَاتِهَا شُرُوطٌ وَالشُّرُوطُ اتِّبَاعٌ وَكُلُّ مَتْبُوعٍ يَقْتَضِي تَبِعَةً لَا مَحَالَةَ كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَالنَّذْرِ بِهَا أَمْرٌ بِالطَّهَارَةِ وَنَذْرُهَا لِأَنَّهَا شَرْطٌ، وَكَذَا النَّذْرُ بِالِاعْتِكَافِ نَذْرٌ بِالصَّوْمِ وَكَذَا اسْتِئْجَارُ

стр. 555

وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إنَّهُ لَوْ قَالَ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِغَيْرِ شَيْءٍ أَنَّهُ يَصِحُّ عَنْ الْآمِرِ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ مُقْتَضًى بِالْعِتْقِ فَيَثْبُتُ بِشُرُوطِهِ فَيَسْتَغْنِي عَنْ التَّسْلِيمِ كَمَا اسْتَغْنَى الْبَيْعُ عَنْ الْقَبُولِ وَهُوَ الرُّكْنُ فِيهِ فَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْقَبْضِ وَهُوَ شَرْطٌ أَوْلَى، وَهَذَا كَمَا قَالَ: اعْتِقْ عَبْدَك هَذَا عَنِّي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَرِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُعْتَقُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ التَّسْلِيمُ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ مِثْلُ الْهِبَةِ لِمَا قُلْنَا. ــ [كشف الأسرار] الْأَرْضِ لِلزَّارِعَةِ يَقْتَضِي شُرْبَهَا؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ إمْكَانِ الزِّرَاعَةِ فَكَانَ طَلَبُ الْإِعْتَاقِ عَنْهُ طَلَبًا لِلتَّمْلِيكِ أَوْ لَا بِأَلْفٍ، ثُمَّ الْإِعْتَاقُ عَنْهُ وَكَانَتْ الْإِجَابَةُ مِنْ الْمَأْمُورِ تَمْلِيكًا مِنْهُ أَوْ لَأَثِمَ إعْتَاقًا مِنْهُ فَيَثْبُتُ تَمْلِيكٌ بِأَلْفٍ فِي ضِمْنِ الْإِعْتَاقِ كَأَنَّهُمَا عَقَدَا الْبَيْعَ، ثُمَّ حَصَلَ الْإِعْتَاقُ بَعْدَهُ كَمَنْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: أَدِّ عَنِّي زَكَاةَ مَالِي أَوْ كَفِّرْ عَنِّي فَفَعَلَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ أَدَاءُ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، إلَّا بِمَالِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ تَمْلِيكٌ أَوْ إقْرَاضٌ مِنْهُ أَوْ لَا اقْتِضَاءَ، ثُمَّ تَوَكَّلَ عَنْهُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْفَقِيرِ فَكَذَا هَذَا. وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَمَرَ بِإِعْتَاقِ مِلْكِ نَفْسِهِ لَا مِلْكِ غَيْرِهِ وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَبْدَك الْعَبْدُ الَّذِي هُوَ لَك لِلْحَالِ لَا عِنْدَ مُصَادَفَةِ الْعِتْقِ إيَّاهُ فَمَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا تَعْرِيفُ الْعَبْدِ لَا إضَافَتُهُ إلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِيمَا لَوْ قَالَ أَعْتِقْ هَذَا الْعَبْدَ عَنِّي. وَقَوْلُهُ لَوْ أَعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ لَا يَصِحُّ قُلْنَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَوْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ يَصِحُّ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُعْتِقُهُ. وَلَيْسَ هَذَا كَالْأَمْرِ بِالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ مَا أَمَرَ بِهِ بِتَقْدِيمِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّا إذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ وَجَعَلْنَا الْعَبْدَ مَمْلُوكًا لَهُ صَارَ هَذَا بَيْعَ الْعَبْدِ وَإِجَارَتَهُ وَكِتَابَتَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَكُلُّ ذَلِكَ فَاسِدٌ فَأَمَّا الْإِعْتَاقُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَجَائِزٌ فَأَمْكَنَ التَّصْحِيحُ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: تَزَوَّجِي، فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا أَثْبَتْنَا الْمُقْتَضَى لِتَصْحِيحِ الْمَلْفُوظِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ هَهُنَا؛ لِأَنَّا إذَا حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ لَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِالتَّزَوُّجِ فَإِنَّهَا تَتَزَوَّجُ بِمَالِكِيَّتِهَا أَمْرَ نَفْسِهَا لَا بِأَمْرِ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْأَمْرُ بِهِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ اقْتِضَاءً؛ وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ تَزَوُّجِهَا الْفَرَاغُ عَنْ الْأَوَّلِ لَا الطَّلَاقُ فَلَمْ يَصِرْ مُقْتَضِيًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الِاقْتِضَاءُ، إلَّا ضَرُورَةً قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يَثْبُتُ بِشُرُوطِ الْعِتْقِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ لَا بِشُرُوطِ نَفْسِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِغَيْرِ شَيْءٍ فَأَعْتَقَهُ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْأَمْرِ وَتَثْبُتُ الْهِبَةُ اقْتِضَاءً كَمَا يَثْبُتُ الْبَيْعُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ أَيْ لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ أَوْ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ بِالْإِعْتَاقِ فَيَثْبُتُ بِشُرُوطِ الْإِعْتَاقِ وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ شَرْطِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ مَقْصُودًا كَمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ رُكْنٌ فِي الْبَيْعِ وَالْقَبْضُ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ فَلَمَّا سَقَطَ اعْتِبَارُ مَا هُوَ الرُّكْنُ لِكَوْنِهِ ثَابِتًا بِاقْتِضَاءِ الْعِتْقِ فَلَأَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُ مَا هُوَ شَرْطٌ أَوْلَى، كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ تَرْكِيبِ الْكِتَابِ. وَلَمَّا ثَبَتَ بِشُرُوطِ الْعِتْقِ وَالْعِتْقُ يَثْبُتُ بِلَا قَبْضٍ فَكَذَا الْهِبَةُ الَّتِي فِي ضِمْنِهِ. وَهَذَا أَيْ ثُبُوتُ الْهِبَةِ بِلَا اشْتِرَاطِ قَبْضٍ مُقْتَضًى مِثْلُ ثُبُوتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِلَا اشْتِرَاطِ قَبْضٍ مُقْتَضًى فِيمَا إذَا قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ وَرِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ. وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: الْقَبْضُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى قَوْلٌ وَهُوَ دُونَ الْفِعْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ لِأَجْلِهِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ بِخِلَافِ الْقَبُولِ فَإِنَّهُ قَوْلٌ اُعْتُبِرَ شَرْعًا فَيَصِحُّ أَنْ يَسْقُطَ شَرْعًا تَصْحِيحًا لِكَلَامٍ آخَرَ فَقَالَ: قَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ أَيْضًا اقْتِضَاءً كَمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ مِثْلُ الْهِبَةِ أَيْ فِي تَوَقُّفِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ عَلَى الْقَبْضِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. لِمَا قُلْنَا

стр. 556

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ وَالتَّسْلِيمَ بِحُكْمِ الْهِبَةِ لَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ رَقَبَةَ الْعَبْدِ بِحُكْمِ الْعِتْقِ يُتْلِفُ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى فِي يَدِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُوضٍ لِلطَّالِبِ وَلَا لِلْعَبْدِ وَلَا هُوَ مُحْتَمِلٌ لَهُ وَقَوْلُهُ: إنَّ الْقَبْضَ يَسْقُطُ، بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمُقْتَضِي بِهَذَا الطَّرِيقِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِهِ مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَالْقَبْضُ وَالتَّسْلِيمُ فِي الْهِبَةِ شَرْطٌ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ وَدَلِيلُ السُّقُوطِ يَعْمَلُ فِي مَحِلِّهِ، وَأَمَّا الْقَبُولُ فِي الْبَيْعِ فَيَحْتَمِلُ السُّقُوطَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكُلَّ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَيَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي فَالشَّطْرُ أَوْلَى، وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ صَحَّ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ مَشْرُوعٌ مِثْلُ الصَّحِيحِ فَاحْتَمَلَ سُقُوطَ الْقَبْضِ عَنْهُ فَصَحَّ إسْقَاطُهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ ــ [كشف الأسرار] أَنَّ مَا يَثْبُتُ مُقْتَضًى يَثْبُتُ بِشُرُوطِ الْمُقْتَضِي لَا بِشُرُوطِ نَفْسِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْمَأْمُورِ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ الْعِتْقَ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَلَا صِحَّةَ لِلْعِتْقِ، إلَّا بِالْمِلْكِ صَارَ طَالِبًا لِلْهِبَةِ وَالْهِبَةُ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ، إلَّا بِالْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ إمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ وَإِمَّا تَقْدِيرًا فَلِأَنَّ رَقَبَةَ الْعَبْدِ أَيْ مَالِيَّتَهُ بِحُكْمِ الْإِعْتَاقِ تَتْلَفُ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي حَالَةِ الْعِتْقِ مِلْكَهُ وَالْإِعْتَاقُ إبْطَالٌ لِلْمِلْكِ وَالْمَالِيَّةُ فِي يَدِ نَفْسِهِ أَيْ فِي يَدِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ الْعَبْد؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ فِي ذَاتِهِ حَقِيقَةً وَلَهُ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا حَتَّى صَحَّ اشْتِرَاطُ الْعَمَلِ عَلَى عَبْدِ رَبِّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى وَلِأَنَّهُ اسْتِرْدَادُ مَا أَوْدَعَهُ الْعَبْدُ مِنْ الْمُودِعِ وَذَلِكَ أَيْ الْمُتْلَفُ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا لِلطَّالِبِ وَلَا لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ وَلَا هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْقَبْضِ لِأَنَّهُ هَالِكٌ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا هُوَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْآمِرِ لَمْ يَثْبُتْ الْعِتْقُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَوَقَعَ عَنْ الْمَأْمُورِ لِأَنَّهُ لَا مَرَدَّ لَهُ. وَانْدَرَجَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ الْقَبْضُ قَدْ وُجِدَ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ إلَيْهِ الْمَالِيَّةُ وَالْهِبَةُ تَقَعُ فِي تِلْكَ الْمَالِيَّةِ وَالْعَبْدُ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَيَقَعُ الْمِلْكُ مُسَلَّمًا إلَيْهِ لِقِيَامِ يَدِهِ فَصَارَ كَهِبَةِ الشَّيْءِ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ حَيْثُ يُكْتَفَى بِذَلِكَ الْقَبْضِ وَلَا يَجِبُ قَبْضُ جَدِيدٍ وَكَقَوْلِهِ لِآخَرَ أَطْعِمْ عَنِّي كَفَّارَتِي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ حَيْثُ يَجُوزُ وَيُجْعَلُ الْفَقِيرُ قَابِضًا نِيَابَةً عَنْ الْآمِرِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَمْلِكُ جِنْسَ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ فِيمَا إذَا قَالَ لِعَبْدٍ اشْتَرِ لِي نَفْسَك مِنْ مَوْلَاك فَفَعَلَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَلَمَّا بَاعَ صَارَ مُسَلَّمًا بِنَفْسِ الْبَيْعِ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ يَدُ الطَّالِبِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ فَكَذَا هَهُنَا. فَقَالَ: الْمَالِيَّةُ لَمْ تَصِلْ إلَى الْعَبْدِ بَلْ تَلِفَ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدٌ قَابِضًا لَهَا. بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ فَإِنَّ الْمِسْكِينَ يَقْبِضُ عَيْنَ الطَّعَامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَابِضًا لِلْآمِرِ أَوَّلًا، ثُمَّ لِنَفْسِهِ. وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ لَمْ يَتْلَفْ الْمِلْكُ وَالْمَالِيَّةُ بَلْ انْتَقَلَا إلَى الْمُشْتَرِي فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْعَبْدُ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ. وَقَوْلُهُ إنَّ الْقَبْضَ يَسْقُطُ بِالِاقْتِضَاءِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمُقْتَضَى بِهَذَا الطَّرِيقِ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ بِشُرُوطِ الْمُقْتَضِي وَيَسْقُطَ اعْتِبَارُ شُرُوطِهِ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ فَيُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ دُونَ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَالْقَبْضُ وَالتَّسْلِيمُ شَرْطٌ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فِي الْهِبَةِ بِحَالٍ إذْ لَمْ يُوجَدْ صُورَةٌ أَوْجَبَتْ الْهِبَةَ الْمِلْكَ بِدُونِ الْقَبْضِ وَدَلِيلُ السُّقُوطِ وَهُوَ الِاقْتِضَاءُ يَعْمَلُ فِي مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ دُونَ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ. وَأَمَّا الْقَبُولُ فِي الْبَيْعِ فَيَحْتَمِلُ السُّقُوطَ لِمَا ذُكِرَ فَيَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ بِالِاقْتِضَاءِ عَلَى أَنَّا لَا نَجْعَلُ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ بِعْهُ مِنِّي، ثُمَّ أَعْتِقْهُ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ بَلْ نَجْعَلُ تَقْدِيرَهُ كَأَنَّهُ قَالَ اشْتَرَيْته مِنْك فَأَعْتِقْهُ عَنِّي وَكَانَ الْمَأْمُورُ إذَا أَعْتَقَهُ قَالَ بِعْته مِنْك، ثُمَّ أُعْتِقُهُ عَنْك، كَذَا فِي طَرِيقَةِ الْإِمَامِ الْبُرْغَرِيِّ. وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَالْبَيْعِ الصَّحِيحِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ فَيُعْتَبَرُ بِهِ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا لِيُعْرَفَ حُكْمُهُ مِنْ نَفْسِهِ. فَاحْتَمَلَ أَيْ الْفَاسِدُ سُقُوطَ الْقَبْضِ عَنْهُ نَظَرًا إلَى أَصْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ بِالنَّظَرِ إلَى وَصْفِهِ فَصَحَّ إسْقَاطُهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ السُّقُوطِ فَيَعْمَلُ

стр. 557

وَمِثَالُهُ مَا قُلْنَا إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ: اعْتَدِّي وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِالِاعْتِدَادِ وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ وَلِهَذَا كَانَ رَجْعِيًّا وَمِثَالُ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ إنْ أَكَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ إنْ شَرِبْت وَنَوَى خُصُوصَ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ لَمْ يُصَدَّقْ عِنْدَنَا، وَمَنْ قَالَ إنْ خَرَجْت فَعَبْدِي حُرٌّ وَنَوَى مَكَانًا دُونَ مَكَان لَمْ يُصَدَّقْ عِنْدَنَا وَمَنْ قَالَ: إنْ اغْتَسَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ وَنَوَى تَخْصِيصَ الْأَسْبَابِ لَمْ يُصَدَّقْ عِنْدَنَا لِمَا قُلْنَا ــ [كشف الأسرار] فِيمَا يَحْتَمِلُهُ، وَقَدْ وَقَعَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ وَهُمَا كَذَلِكَ وَمِثْلُ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ زَائِدًا. وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ وَأَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَلَيْسَ الْقَبْضُ فِيهِ بِشَرْطٍ أَصْلِيٍّ فَإِنَّ الْجَائِزَ يَعْمَلُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَالْفَاسِدَ لَيْسَ بِأَصْلٍ بِنَفْسِهِ بَلْ هُوَ مُلْحَقٌ بِالْجَائِزِ لَكِنَّهُ لِضَعْفِهِ احْتَاجَ إلَى قَبْضٍ مُقَوٍّ، وَإِذَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ الْعِتْقِ تَقَوَّى بِهِ فَصَارَ مِثْلَ الْجَائِزِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَاسْتَغْنَى عَنْ الْقَبْضِ فَعَمِلَ عَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ سَاقِطٌ لَا عَلَى أَنَّهُ حَاصِلٌ فَأَمَّا الْهِبَةُ فَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُ الْقَبْضِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ أَصْلِيٌّ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْهِبَةَ الْجَائِزَةَ لَا تَعْمَلُ، إلَّا بِهِ. وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ أَنَّ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ وَإِنْ تَلِفَتْ بِالْإِعْتَاقِ وَلَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِ الْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْهَا وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَبْدَ يَنْتَفِعُ بِهَذَا الْإِعْتَاقِ يَنْدَرِجُ فِيهِ أَدْنَى قَبْضٍ وَذَلِكَ يَكْفِي فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ دُونَ الْهِبَةِ كَالْقَبْضِ مَعَ الشُّيُوعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَمَعَ الِاتِّصَالِ فِي الثِّمَارِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْجَارِ يَكْفِي لِوُقُوعِ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ دُونَ الْهِبَةِ، عَلَى أَنَّ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْمَأْمُورِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَقَعُ، إلَّا بِالْقَبْضِ وَلَمَّا يُوجَدْ كَمَا فِي الْهِبَةِ. ١ - قَوْلُهُ (وَمِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُهُ الْآخَرُ قَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا اعْتَدِّي نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ مُقْتَضِي الْأَمْرِ بِالِاعْتِدَادِ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الِاعْتِدَادِ عَنْ النِّكَاحِ تَقَدُّمُ الطَّلَاقِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْك الطَّلَاقُ فَاعْتَدِّي. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَهَا فِي الْعِدَّةِ اعْتَدِّي نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ حَيْثُ يَقَعُ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ؛ لِأَنَّ لِلْأَمْرِ صِحَّةٌ بِدُونِ تَقْدِيمِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ لِقِيَامِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ. لِأَنَّا نَقُولُ: لَا أَثَرَ لِقِيَامِ الْعِدَّةِ فِي تَصْحِيحِهِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهَا اعْتِدَادٌ لِهَذَا الْكَلَامِ أَثَرٌ فِي إيجَابِهِ وَوُجُوبُ هَذِهِ الْعِدَّةِ قَدْ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَهُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ، ثُمَّ لِتَصْحِيحِ هَذَا الْكَلَامِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدِّمَ الطَّلَاقَ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ أَنْ يُجْعَلَ مُسْتَعَارًا لِلطَّلَاقِ عَلَى مَا مَرَّ وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِتَقْدِيمِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ سِوَى تَتْمِيمِ تِلْكَ الْعِدَّةِ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا صَرِيحًا فَيُجْعَلُ مُسْتَعَارًا لِلطَّلَاقِ تَصْحِيحًا لَهُ وَاحْتِرَازًا عَنْ الْغَايَةِ. وَلِهَذَا أَيْ وَلِكَوْنِ الطَّلَاقِ ثَابِتًا اقْتِضَاءً لَمْ يَصِحَّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ بَائِنًا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِالْوَاحِدَةِ الرَّجْعِيَّةِ فَلَا يُصَارُ إلَى الثَّلَاثِ وَالْبَائِنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلُهُ (وَمِثَالُ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ) أَيْ مِثَالُ الْمُقْتَضِي الَّذِي يَجْرِي الْعُمُومُ فِيهِ عِنْدَهُ وَلَا يَجْرِي عِنْدَنَا قَوْلُهُ إنْ أَكَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ أَنْ شَرِبْت. وَنَوَى خُصُوصَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَيْ نَوَى طَعَامًا دُونَ طَعَامٍ أَوْ شَرَابًا دُونَ شَرَابٍ لَمْ يُصَدَّقْ أَصْلًا عِنْدَنَا لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ وَالْمَأْكُولَ مَحَلُّ الْفِعْلِ وَاسْمُ الْفِعْلِ لَا يَكُونُ اسْمًا لِلْمَحَلِّ وَلَا دَلِيلًا عَلَيْهِ لُغَةً، إلَّا أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَكُونُ بِدُونِ الْمَحَلِّ فَيَثْبُتُ الْمَحَلُّ مُقْتَضًى فَكَانَ ثَابِتًا فِي حَقِّ مَا يَلْفِظُ بِهِ مِنْ الْأَكْلِ دُونَ صِحَّةِ النِّيَّةِ إذْ هُوَ فِيمَا وَرَاءَ الْمَلْفُوظِ غَيْرُ ثَابِتٍ فَكَانَتْ النِّيَّةُ وَاقِعَةً فِي غَيْرِ الْمَلْفُوظِ فَتَلْغُو. ، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ إذَا نَوَى مَكَانًا دُونَ مَكَان بِأَنْ نَوَى الْخُرُوجَ إلَى بَغْدَادَ مَثَلًا لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ خَرَجْت وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْمَصْدَرِ لُغَةً لَا يَتَنَاوَلُ مَكَانًا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ مُقْتَضًى؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ

стр. 558

وَلَوْ قَالَ: إنْ اغْتَسَلَ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَعَبْدِي حُرٌّ فَلَمْ يُسَمِّ الْفَاعِلَ وَنَوَى تَخْصِيصَ الْفَاعِلِ لَمْ يُصَدَّقْ عِنْدَنَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ اغْتَسَلَ أَحَدٌ أَوْ إنْ اغْتَسَلْت غُسْلًا. ــ [كشف الأسرار] مَكَانًا لَا مَحَالَةَ فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِالنِّيَّةِ. وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الِاغْتِسَالِ إذَا نَوَى تَخْصِيصَ الْأَسْبَابِ بِأَنْ قَالَ: عَنَيْت الِاغْتِسَالَ عَنْ الْجَنَابَةِ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْمَصْدَرِ. وَلَنَا أَنَّهُ ذَكَرَ الْفِعْلَ وَلَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ وَإِنَّمَا ثَبَتَ السَّبَبُ مُقْتَضًى؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ يَقْتَضِي سَبَبًا وَلَا عُمُومَ لَهُ فَبَطَلَ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَصْدَرُ فِي ذِكْرِ الْفِعْلِ مَذْكُورٌ لُغَةً فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيَصِيرُ عَامًّا فَيَصِحُّ الْخُصُوصُ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْت خُرُوجًا وَنَوَى خُرُوجًا دُونَ خُرُوجٍ أَنَّهُ يَصْدُقُ دِيَانَةً وَكَمَا لَوْ قَالَ: إنْ اغْتَسَلْت غُسْلًا اللَّيْلَةَ فَعَبْدِي حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْجَنَابَةَ خَاصَّةً يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى قُلْنَا: نَعَمْ الْمَصْدَرُ وَهُوَ اغْتِسَالٌ مَذْكُورٌ لُغَةً لَا اقْتِضَاءً وَلَكِنَّهُ اسْمٌ يَرْجِعُ إلَى صِفَةِ الْفِعْلِ وَحَالِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُمُومٌ مِنْ قِبَلِ الْأَسْبَابِ وَالِاسْمُ الْمَوْضُوعُ لِلسَّبَبِ هُوَ الْغُسْلُ فَأَوْجَبَ الْعُمُومَ فِي الْأَسْبَابِ فَصَحَّ الْخُصُوصُ فِي ذَلِكَ وَفِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ نَوَى خُصُوصَ صِفَةِ الْفِعْلِ وَحَالَهُ فَلِذَلِكَ صَحَّ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: إنْ اغْتَسَلْت اغْتِسَالًا وَنَوَى الِاغْتِسَالَ عَنْ جَنَابَةٍ يَجِبُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ أَيْضًا وَلَوْ نَوَى اغْتِسَالًا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا يَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ، إلَّا أَنَّهُ ذُكِرَ فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْجَامِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ فَقِيلَ: وَلَا يُقَالُ: إنْ لَمْ يَصِحَّ يَعْنِي مَا نَوَى حَيْثُ إنَّهُ تَخْصِيصٌ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُتَنَوِّعٌ إلَى نَقْلٍ وَفَرْضٍ وَتَبَرُّدٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّهُ غَيْرُهُ مُتَنَوِّعٌ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ غُسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ لُغَةً وَتِلْكَ أَوْصَافٌ زَائِدَةٌ لَا يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ وَالنِّيَّةُ تَعْمَلُ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ لُغَةً لَا فِي غَيْرِهِ. وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ إذَا قَالَ: إنْ اغْتَسَلْت اغْتِسَالًا صَحَّتْ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَقُومُ مَقَامَ الِاسْمِ وَلِلِاسْمِ عُمُومٌ فَقَدْ نَوَى الْخُصُوصَ مِنْ الْعُمُومِ فَيَصِحُّ نِيَّتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ اغْتَسَلْت؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ فِيهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَلَا يَقُومُ مَقَامَ الِاسْمِ. وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مَذْكُورٌ مَعْنًى إنْ لَمْ يُذْكَرْ صَرِيحًا؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْفِعْلِ لَا فِي إقَامَتِهِ مَقَامَ الِاسْمِ فَصَارَ فِي حَقِّ إقَامَتِهِ مَقَامَ الِاسْمِ كَأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ. وَلَوْ قَالَ: إنْ اغْتَسَلَ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَكَذَا أَوْ نَوَى تَخْصِيصَ الْفَاعِلِ بِأَنْ قَالَ عَنَيْت فُلَانًا دُونَ غَيْرِهِ لَمْ يَصْدُقْ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ مَذْكُورٌ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ لَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ مَبْنِيَّةٌ لِلْمَفْعُولِ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الْفَاعِلِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ أَصْلًا فَبَطَلَ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ. وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا خِلَافُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ لِلْمُقْتَضِي عُمُومًا عِنْدَهُ فَيَقْبَلُ التَّخْصِيصَ. بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ اغْتَسَلَ أَحَدٌ فَإِنَّهُ إذَا نَوَى فِيهِ تَخْصِيصَ الْفَاعِلِ يَصْدُقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ مَذْكُورٌ وَهُوَ نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ فَعَمَّتْ فَقَبِلَتْ التَّخْصِيصَ. وَكَذَا إذَا قَالَ اغْتَسَلْت غُسْلًا وَنَوَى غُسْلَ الْجَنَابَةِ يَصْدُقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ وُضِعَ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَسْبَابِهِ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ

стр. 559

وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى السَّامِعِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُقْتَضِي وَبَيْنَ الْمَحْذُوفِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ وَهُوَ ثَابِتٌ لُغَةً وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا اقْتَضَى غَيْرَهُ ثَبَتَ عِنْدَ صِحَّةِ الِاقْتِضَاءِ وَإِذَا كَانَ مَحْذُوفًا فَقُدِّرَ مَذْكُورًا انْقَطَعَ عَنْ الْمَذْكُورِ ــ [كشف الأسرار] مُنْكَرًا فَصَحَّ الْقَوْلُ بِتَخْصِيصٍ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ إذْ الظَّاهِرُ لِلْعُمُومِ فَلَا يَصْدُقُ قَضَاءً. فَصَارَ أَصْلُ هَذَا الْفَصْلِ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ أَنَّ نِيَّةَ التَّخْصِيصِ فِي غَيْرِ الْمَلْفُوظِ لَغْوٌ فَإِذَا ذَكَرَ الْفِعْلَ وَنَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْمَفْعُولِ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ الْوَقْتَ كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَرَادَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. أَوْ الْحَالَ كَمَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ قَائِمٍ لَا أُكَلِّمُ هَذَا الرَّجُلَ وَأَرَادَ حَالَ قِيَامِهِ. أَوْ الصِّفَةَ كَمَا إذَا قَالَ لَا أَتَزَوَّجُ امْرَأَةً وَأَرَادَ امْرَأَةً كُوفِيَّةً أَوْ بَصْرِيَّةً كَانَتْ نِيَّتُهُ لَغْوًا. وَلَا يُقَالُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ: يَحْنَثُ بِكُلِّ طَعَامٍ وَكُلِّ شَرَابٍ وَكُلِّ مَكَان وَلَوْ كَانَ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ حَصَلَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ بِالْجَمْعِ وَهَذَا آيَةُ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْعُمُومِ بَلْ لِحُصُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ تَصَوَّرَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ بِدُونِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَكَانِ لَحَصَلَ الْحِنْثُ أَيْضًا وَهُوَ كَالْوَقْتِ وَالْحَالِ فَإِنَّهُ لَوْ أَكَلَ وَهُوَ خَارِجُ الدَّارِ أَوْ دَاخِلُهَا أَوْ رَاكِبٌ أَوْ رَاجِلٌ يَحْنَثُ لَا لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَكِنْ لِحُصُولِ الْمَلْفُوظِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فَكَذَا هَذَا. وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ مَسْأَلَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْخُرُوجِ مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضَى عَلَى قَوْلِ مَنْ شَرَطَ فِي الْمُقْتَضَى أَنْ يَكُونَ أَمْرًا شَرْعِيًّا كَمَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَيْهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْذُوفِ فَقَالَ: فَأَمَّا الِاقْتِضَاءُ فَأَمْرٌ شَرْعِيٌّ ضَرُورِيٌّ وَكَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَثُبُوتُ الْمُقْتَضَى شَرْعًا لَا لُغَةً مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ لِافْتِقَارِ الْأَكْلِ إلَى الطَّعَامِ وَالشُّرْبِ إلَى الشَّرَابِ وَالْخُرُوجُ إلَى الْمَكَانِ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ الشَّرْعِ بَلْ يَعْرِفُهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الشَّرْعَ أَصْلًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُقْتَضَى هُوَ الَّذِي ثَبَتَ ضَرُورَةً تَصْحِيحُ الْكَلَامِ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا لَا لُغَةً كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي مُصَنَّفِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُقْتَضَى هُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَا يَكُونُ مَنْطُوقًا بِهِ لَكِنْ يَكُونُ مِنْ ضَرُورَةِ اللَّفْظِ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْمَلْفُوظِ شَرْعًا، إلَّا بِهِ كَقَوْلِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي. أَوْ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ عَقْلًا بِدُونِهِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إضْمَارَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْوَطْءُ أَوْ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ بَلْ لَا يُعْقَلُ تَعَلُّقُهَا، إلَّا بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. أَوْ يَمْتَنِعُ كَوْنُ الْمُتَكَلِّمِ صَادِقًا، إلَّا بِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ لَكِنْ لَا يَتَحَقَّقُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُقْتَضَى وَالْمَحْذُوفِ إذْ ذَاكَ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ نَظَائِرِ الْمَحْذُوفِ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ أَيْضًا فَيَصِيرُ الْمُقْتَضَى وَالْمَحْذُوفُ قِسْمًا وَاحِدًا وَهُوَ خِلَافُ مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ عَلَى أَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ الِاقْتِضَاءِ مَمْنُوعٌ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أَيْضًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي تِلْكَ النُّسْخَةِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضَى؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُتَعَدِّي يَدُلُّ عَلَى الْمَفْعُولِ بِصِيغَتِهِ وَوَضْعِهِ لُغَةً فَأَمَّا الْمُقْتَضِي فَإِنَّمَا يُثْبِتُ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْكَلَامِ أَوْ ضَرُورَةَ وُجُودِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ (وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى السَّامِعِ) إلَى آخِرِهِ اعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ

стр. 560

مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَنَّ الْأَهْلَ مَحْذُوفٌ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ لُغَةً لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ الْأَهْلَ انْتَقَلَتْ الْإِضَافَةُ عَنْ الْقَرْيَةِ إلَى الْأَهْلِ وَالْمُقْتَضِي لِتَحْقِيقِ الْمُقْتَضَى لَا لِنَقْلِهِ ــ [كشف الأسرار] وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ جَعَلُوا الْمَحْذُوفَ مِنْ بَابِ الْمُقْتَضِي وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَهُمَا فَقَالُوا: هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ وَأَنَّهُ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي عُمُومِهِ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا جَمِيعًا إلَى انْتِفَاءِ الْعُمُومِ عَنْهُ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ إلَى الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَالْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ تَابَعَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَجَعَلَ الْكُلَّ قِسْمًا وَاحِدًا فَقَالَ: الْمُقْتَضَى زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى النَّصِّ بِدُونِهَا فَاقْتَضَاهَا النَّصُّ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَاهُ وَلَا يَلْغُو فَفِي تَعْرِيفِهِ هَذَا دَخَلَ الْمَحْذُوفُ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَهَا اقْتِضَاءً لِأَنَّ السُّؤَالَ لِلتَّبْيِينِ فَاقْتَضَى مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ مِنْ أَهْلِ الْبَيَانِ لِيُفِيدَ فَثَبَتَ الْأَهْلُ اقْتِضَاءً لِيُفِيدَ قَالَ: وَقَالَ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَعَيْنُهَا غَيْرُ مَرْفُوعٍ فَاقْتَضَى ضَرُورَةَ زِيَادَةٍ وَهُوَ الْحُكْمُ لِيَصِيرَ مُفِيدًا وَصَارَ الْمَرْفُوعُ حُكْمَهَا وَثَبَتَ رَفْعُ الْحُكْمِ عَامًّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْآخِرَةِ وَالصِّحَّةُ فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَنَا إنَّمَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْآخِرَةِ لَا غَيْرُ لِأَنَّ بِذَا الْقَدْرِ يَصِيرُ مُفِيدًا فَتَزُولُ الضَّرُورَةُ. قَالَ: وَقَالَ: ﵇ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَالْمُرَادُ حُكْمُ الْأَعْمَالِ فَإِنْ عَيَّنَهَا تَثْبُتُ بِلَا نِيَّةٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَعَلَّقُ كُلُّ حُكْمٍ بِالنِّيَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ وَعِنْدَنَا لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا حُكْمُ الْآخِرَةِ مِنْ الثَّوَابِ فَإِنَّهُ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَمَّا ثَبَتَ هَذَا مُرَادًا وَصَارَ الْكَلَامُ مُفِيدًا لَمْ يَتَعَدَّ إلَى مَا وَرَائِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: ثَوَابُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ ثُمَّ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ ﵀ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْعُمُومَ مُتَحَقِّقٌ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ هَذَا النَّوْعِ مِثْلُ قَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك وَإِنْ خَرَجْت فَعَبْدِي حُرٌّ عَلَى مَا ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا سَلَكَ طَرِيقَةً أُخْرَى وَفَصَلَ بَيْنَ مَا يَقْبَلُ الْعُمُومَ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ وَجَعَلَ مَا يَقْبَلُ الْعُمُومَ قِسْمًا آخَرَ غَيْرَ الْمُقْتَضَى وَسَمَّاهُ مَحْذُوفًا وَوَضَعَ عَلَامَةً تَمَيَّزَ بِهَا الْمَحْذُوفُ عَنْ الْمُقْتَضَى فَقَالَ وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى السَّامِعِ الْفَصْلُ أَيْ يَتَحَقَّقُ الِاشْتِبَاهُ عَلَيْهِ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُقْتَضَى وَبَيْنَ الْمَحْذُوفِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ أَيْ الشَّيْءِ الَّذِي حُذِفَ لِأَجْلِ الِاخْتِصَارِ وَلَكِنَّهُ ثَابِتٌ لُغَةً وَآيَةُ ذَلِكَ أَيْ عَلَامَةُ الْفَصْلِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي اقْتَضَى غَيْرَهُ وَهُوَ الَّذِي نُسَمِّيهِ مُقْتَضِيًا ثَبَتَ عِنْدَ صِحَّةِ الِاقْتِضَاءِ أَيْ تَقَرَّرَ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالْمُقْتَضَى وَإِذَا كَانَ مَحْذُوفًا أَيْ إذَا كَانَ الشَّيْءُ مَحْذُوفًا فَقُدِّرَ مَذْكُورًا انْقَطَعَ عَنْ الْمَذْكُورِ أَيْ انْقَطَعَ مَا أُضِيفَ إلَى الْمَذْكُورِ وَتَعَلَّقَ بِهِ عَنْهُ وَانْتَقَلَ أَيْ الْمُقَدَّرُ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ أَيْ لِعَدَمِ الِاشْتِبَاهِ وَالِالْتِبَاسِ يَعْنِي الْحَذْفُ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ فِي الْبَاقِي دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مُلْبِسًا وَلَيْسَ هُنَا الْتِبَاسٌ فَجَازَ الْحَذْفُ. ثُمَّ اسْتَوْضَحَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضِي وَأُدْرِجَ فِيهِ الدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ مَتَى ذُكِرَ الْأَهْلُ أَيْ صُرِّحَ بِهِ انْتَقَلَتْ الْإِضَافَةُ أَيْ إضَافَةُ السُّؤَالِ إلَى الْقَرْيَةِ عَنْهَا إلَى الْأَهْلِ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضِي لِأَنَّ الْمُقْتَضِي لِتَحْقِيقِ الْمُقْتَضَى وَتَقْرِيرِهِ لَا لِنَقْلِهِ أَيْ نَقْلِ الْمُقْتَضِي عَنْ الْمَذْكُورِ إلَى الْمَحْذُوفِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَتَقَرَّرُ الْكَلَامُ بَعْدَ إظْهَارِ الْمَحْذُوفِ أَيْضًا مِثْلُ تَقَرُّرِهِ فِي الِاقْتِضَاءِ كَمَا فِي

стр. 561

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» لَمَّا اسْتَحَالَ ظَاهِرُهُ كَانَ الْحُكْمُ مُضْمَرًا مَحْذُوفًا حَتَّى إذَا ظَهَرَ الْمُضْمَرُ انْتَقَلَ الْفِعْلُ عَنْ الظَّاهِرِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَلَمْ يَسْقُطْ عُمُومُ الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ الِاقْتِضَاءِ لَكِنْ لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ عَلَى مَا مَرَّ ــ [كشف الأسرار] قَوْله تَعَالَى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أَيْ فَضَرَبَ فَانْشَقَّ الْحَجَرُ فَانْفَجَرَتْ. وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى﴾ [يوسف: ١٩] أَيْ فَنَزَعَ فَرَأَى غُلَامًا مُتَعَلِّقًا بِالْحَبْلِ فَقَالَ: يَا بُشْرَى وَفِي نَظَائِرِهِ كَثْرَةٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ قُلْنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعَلَامَةِ فِي جَانِبِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ التَّقَرُّرُ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِهِ لَازِمٌ وَذَلِكَ فِي جَانِبِ الْمَحْذُوفِ غَيْرُ لَازِمٍ فَإِنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِهِ وَقَدْ يَتَقَرَّرُ وَقَدْ لَا يَتَقَرَّرُ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَبِلُزُومِهِ فِي الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ لُزُومِهِ فِي الْمَحْذُوفِ يَتَحَقَّقُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ ضَعْفٌ سَنُبَيِّنُهُ وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ أَمْرٌ لُغَوِيٌّ وَالْمُقْتَضِي أَمْرٌ شَرْعِيٌّ قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْمَحْذُوفِ يَعْنِي مِنْ نَظَائِرِهِ أَوْ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» لَمَّا اسْتَحَالَ ظَاهِرُهُ أَيْ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ وَإِجْرَاؤُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي رَفْعَهَا بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لِكَوْنِ الْأُمَّةِ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﵇ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَوْنِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ لِلْمَاهِيَّةِ أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ إذْ لَا عَهْدَ بِالْإِجْمَاعِ وَالْعَمَلُ بِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْكَذِبِ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِهَا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ يُمْكِنُ إضَافَةُ الرَّفْعِ إلَيْهِ تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ وَهُوَ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذَا الْكَلَامُ لِأَنَّ تَصَرُّفَ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي الْأَحْكَامِ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ الْمُقَدَّرُ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضِي لِتَغَيُّرِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّصْرِيحِ بِهِ مِنْ انْتِقَالِ الْفِعْلِ وَهُوَ الرَّفْعُ عَنْ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْخَطَأُ وَاخْتَارَهُ إلَيْهِ وَمَعْنَى جَمْعِ الشَّيْخِ بَيْنَ الْمُضْمَرِ وَالْمَحْذُوفِ فِي قَوْلِهِ كَانَ الْحُكْمُ مُضْمَرًا مَحْذُوفًا مَعَ تَحَقُّقِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ الْمُضْمَرَ مَا لَهُ أَثَرٌ فِي الْكَلَامِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩] وَالْمَحْذُوفُ لَا أَثَرَ لَهُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] هُوَ أَنَّ بَعْضَ الْأُصُولِيِّينَ سَمَّوْا هَذَا النَّوْعَ مُضْمَرًا وَقَدْ سَمَّاهُ الشَّيْخُ مَحْذُوفًا فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ ذَلِكَ النَّوْعَ لَا غَيْرَهُ وَإِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ أَيْ وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَوْ وَمِثْلُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ ﵇ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فِي أَنَّ الْمُقَدَّرَ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضِي وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِظَاهِرِهِ لَمَّا اقْتَضَى أَنْ لَا يُوجَدَ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ لِدُخُولِ اللَّامِ الْمُسْتَغْرِقِ لِلْجِنْسِ فِي الْأَعْمَالِ ثُمَّ الْحُكْمُ بِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ﵇ لِتَحَقُّقِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْمَالِ بِدُونِ النِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إدْرَاجِ شَيْءٍ يَصِحُّ بِهِ الْكَلَامُ وَيُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ وَهُوَ الْحُكْمُ أَوْ الِاعْتِبَارُ وَعَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ لِأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ هُوَ الْمُبْتَدَأُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَيَرْتَفِعُ بِالِابْتِدَاءِ وَيَنْجَرُّ لَفْظُ الْأَعْمَالِ الَّذِي كَانَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ وَمَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ لَا مِنْ

стр. 562

وَمَا حُذِفَ اخْتِصَارًا وَهُوَ ثَابِتٌ لُغَةً كَانَ عَامًّا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الِاخْتِصَارَ أَحَدُ طَرِيقَيْ اللُّغَةِ فَأَمَّا الِاقْتِضَاءُ فَأَمْرٌ شَرْعِيٌّ ضَرُورِيٌّ مِثْلُ تَحْلِيلِ الْمَيْتَةِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا ــ [كشف الأسرار] قَبِيلِ الْمُقْتَضِي. وَلَمَّا سَلَكَ الشَّيْخُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَزِمَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بِعُمُومِ الْمُقَدَّرِ وَهُوَ الْحُكْمُ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ لُغَةً لَا اقْتِضَاءً فَكَانَ مِثْلَ الْمُصَرَّحِ بِهِ وَلَوْ صُرِّحَ بِهِ لَوَجَبَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ أَوْ بِإِطْلَاقِهِ فَكَذَا هَذَا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ وَقَدْ اتَّفَقَ مَشَايِخُنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِعُمُومِهِ لَا يَجُوزُ فَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ إذْ لَيْسَ مَانِعٌ مِنْ الْعُمُومِ غَيْرَهُ فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: سُقُوطُ عُمُومِهِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِ الِاقْتِضَاءِ وَلَكِنَّهُ مِنْ قِبَلِ الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ لَا يَقْبَلُ الْعُمُومَ أَيْضًا كَالْمُقْتَضِي عِنْدَنَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ عُمُومِهِ كَوْنُهُ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ فِي بَابِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُقْتَضِي وَالْمَحْذُوفِ وَأَمَّا مَا حُذِفَ اخْتِصَارًا كَانَ عَامًّا أَيْ يَقْبَلُ الْعُمُومَ لِأَنَّ الِاخْتِصَارَ أَحَدُ طَرِيقَيْ اللُّغَةِ فَكَانَ الْمُخْتَصَرُ ثَابِتًا لَفْظًا وَالْعُمُومُ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ بِخِلَافِ الْمُقْتَضِي فَإِنَّهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ ثَبَتَ ضَرُورَةً وَإِنَّهَا تَنْدَفِعُ بِالْخَاصِّ فَلَا يُصَارُ إلَى الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الشَّيْءِ بِلَا دَلِيلٍ هَذَا بَيَانُ الطَّرِيقَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الشَّيْخُ هَاهُنَا وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَدْ اخْتَارَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ طَرِيقَةَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي التَّقْوِيمِ. وَمَنْ سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنْ يَقُولَ: الْعَلَامَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا لَا يَصْلُحُ فَارِقَةً بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُقْتَضِي قَدْ يَتَغَيَّرُ أَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي يَتَغَيَّرُ بِالتَّصْرِيحِ بِالْمُقْتَضِي وَهُوَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الْعَبْدُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مِلْكًا لِلْمَأْمُورِ بَلْ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْأَمْرِ وَصَارَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدِي عَنِّي وَهَذَا تَغْيِيرٌ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ إنْ اغْتَسَلَ اللَّيْلَةَ فِي الدَّارِ فَكَذَا يَتَغَيَّرُ الْفِعْلُ وَالْمُسْنَدُ إلَيْهِ بِتَصْرِيحِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الْفَاعِلُ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ اقْتِضَاءً عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ. وَفِي الْمَحْذُوفِ قَدْ لَا يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ بَعْدَ إظْهَارِهِ كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وَأَمْثَالِهِ وَكَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ خَرَجْت فَعَبْدِي حُرٌّ فَإِنَّ الْمَصْدَرَ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ حَتَّى صَحَّ فِيهِ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْكَلَامُ بِتَصْرِيحِهِ وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْجَوَابِ لَا يُغْنِي شَيْئًا لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ كَلَامٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إضْمَارٍ وَلَا يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ بِتَصْرِيحِهِ لَا يُعْرَفُ بِلُزُومِ تَقَرُّرِ الْكَلَامِ فِي الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ لُزُومِهِ فِي الْمَحْذُوفِ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ أَيِّ الْقِسْمَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّقَرُّرِ وَإِنْ امْتَازَ أَحَدُهُمَا لِجَوَازِ التَّغَيُّرِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُجْعَلُ الْكُلُّ بَابًا وَاحِدًا وَكَذَا الْمُقَدَّرُ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ الَّذِي بَيَّنْتُمُوهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِدُونِهِ مُفِيدٌ لِلْمَعْنَى لُغَةً وَلِهَذَا لَوْ صَدَرَ مِثْلُهُ عَنْ غَيْرِ الرَّسُولِ لَمَا قُدِّرَ فِيهِ شَيْءٌ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَعَلَى الْكَذِبِ وَإِنَّمَا قَدَّرَ فِيهِمَا مَا ذَكَرْنَا ضَرُورَةَ صِدْقِ الرَّسُولِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ اللُّغَةِ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ مَعَ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ. وَقَوْلُكُمْ الْمُقْتَضِي لِتَصْحِيحِ الْمُقْتَضَى وَتَقْرِيرِهِ فَلَا يَصْلُحُ مُغَيِّرًا لَهُ مُسَلَّمًا وَلَكِنَّ الْمُقْتَضِي لِتَصْحِيحِ

стр. 563

وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِهِ الثَّلَاثَ: إنَّ نِيَّتَهُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ نَعْتُ الْمَرْأَةِ وَالطَّلَاقَ الْوَاقِعَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ اقْتِضَاءً لَكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَا عُمُومَ لَهُ ــ [كشف الأسرار] مَجْمُوعِ الْكَلَامِ وَتَقْوِيمِ مَعْنَاهُ لَا لِإِفْرَادِ كَلِمَاتِهِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ مَعَ التَّغَيُّرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لَهُ بَلْ يَكُونُ مُقَرِّرًا وَمُصَحِّحًا وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الَّتِي صَحَّتْ فِيهَا نِيَّةُ الْعُمُومِ وَهِيَ الَّتِي حَمَلَتْكُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَصْدَرَ فِي قَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك مَثَلًا لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَلَا غَيْرَ مَذْكُورٍ بَلْ مَعْنَاهُ افْعَلِي فِعْلَ التَّطْلِيقِ وَالْكَلَامَانِ يُنْبِئَانِ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَوْجَزُ مِثْلُ الْأَسَدِ وَالْغَضَنْفَرِ فَكَانَ الْمَصْدَرُ مَذْكُورًا فَيَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَحْذُوفَ عِنْدَ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ ﵀ لَمَّا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضِي عُرِّفَ الْمُقْتَضَى بِتَعْرِيفٍ دَخَلَ فِيهِ الْمَحْذُوفُ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَوَافَقَهُ الشَّيْخُ فِي التَّعْرِيفِ وَلَكِنْ لَمَّا خَالَفَهُ فِي الْمَحْذُوفِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْرِيفِ قَيْدًا يَنْفَصِلُ بِهِ الْمُقْتَضِي مِنْ الْمَحْذُوفِ لِيَصِيرَ بِهِ الْحَدُّ مَانِعًا بِأَنْ يَقُولَ: وَأَمَّا الْمُقْتَضَى فَزِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ ثَبَتَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ شَرْعًا أَوْ نَحْوِهِ وَإِلَّا فَلَمْ يَسْتَقِمْ الْحَدُّ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ الْمُقْتَضَى عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةٍ ثَبَتَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْمُقْتَضَى أَمْرٌ شَرْعِيٌّ ضَرُورِيٌّ قُلْنَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُك وَنَوَى بِهِ الثَّلَاثَ بَطَلَتْ نِيَّتُهُ وَلَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ كَمَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُعْمِلُ نِيَّتَهُ وَيَقَعُ مَا نَوَى لِأَنَّ قَوْلَهُ طَالِقٌ يَقْتَضِي طَلَاقًا وَالْمُقْتَضَى بِمَنْزِلَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلتَّعْمِيمِ فَيَعْمَلُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ وَنَوَى الثَّلَاثَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّعْمِيمَ أَنَّهُ لَوْ أَلْحَقَ الثَّلَاثَ بِهِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا صَحَّ ذَلِكَ وَكَانَ ثَلَاثًا مُنْتَصِبًا عَلَى التَّفْسِيرِ وَالتَّفْسِيرُ إنَّمَا يَقَعُ بِبَيَانٍ مُحْتَمَلِ اللَّفْظِ لَا بِغَيْرِهِ. وَكَذَا إذَا قِيلَ: فُلَانٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ صَحَّ الِاسْتِفْسَارُ عَنْ الْعَدَدِ فَيُقَالُ: كَمْ طَلَّقَهَا وَلَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْعَدَدَ لَمَا اسْتَقَامَ الِاسْتِفْسَارُ وَلَنَا أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَلَغَتْ نِيَّتُهُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: زُورِي أَبَاك أَوْ حُجِّي وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَذْكُورَ وَهُوَ طَالِقٌ نَعْتُ الْمَرْأَةِ لَا اسْمُ الطَّلَاقِ وَهُوَ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَالتَّعْمِيمَ لِأَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ وَالْفَرْدُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ بِوَجْهٍ لَا يُقَالُ لِلْمَثْنَى وَلِلثَّلَاثِ طَالِقٌ بَلْ يُقَالُ طَالِقَانِ وَطَوَالِقُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَإِنَّ عِنْدَ الْخَصْمِ عَمَلَ النِّيَّةِ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ طَالِقٌ لَا فِي طَالِقٍ وَلَكِنَّ ذَلِكَ الطَّلَاقَ ثَبَتَ مُقْتَضًى لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ صَادِقًا فِي هَذَا الْوَصْفِ إلَّا بِوُقُوعِ طَلَاقٍ عَلَيْهَا سَابِقٍ لِيَصِحَّ الْوَصْفُ بِنَاءً عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إيقَاعًا مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ وَفِي تَصَرُّفِهِ ذَلِكَ فَأَثْبَتْنَاهُ لِيَتَحَقَّقَ هَذَا الْوَصْفُ مِنْهُ صِدْقًا وَإِذَا كَانَ ثَابِتًا اقْتِضَاءً كَانَ فِيمَا وَرَاءَهُ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْمَلْفُوظِ فَلَا تَعْمَلُ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ فِيهِ لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ إلَّا فِي الْمَلْفُوظِ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ نَعْتُ الْمَرْأَةِ أَيْ الْمَذْكُورَ وَصْفُهَا الَّذِي هُوَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلنِّيَّةِ لَا الطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ

стр. 564

لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هِيَ الْمَرْأَةُ بِأَوْصَافِهَا وَقَدْ نَوَى عُمُومَ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ وَالْعِلْمُ مِنْ أَوْصَافِ النَّظْمِ وَلَمْ يَكُنْ الْمَصْدَرُ هَهُنَا ثَابِتًا لُغَةً لِأَنَّ النَّعْتَ يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ الثَّابِتِ بِالْمَوْصُوفِ لُغَةً لِيَصِيرَ الْوَصْفُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِنَاءً عَلَيْهِ فَأَمَّا أَنْ يَصِيرَ الْوَصْفُ ثَابِتًا بِالْوَاصِفِ بِحَقِيقَتِهِ تَصْحِيحًا لِوَصْفِهِ فَأَمْرٌ شَرْعِيٌّ لَيْسَ بِلُغَوِيٍّ وَكَذَلِكَ ضَرَبْت بِنَاءً عَلَى مَصْدَرٍ مَاضٍ وَطَلَّقْتُك يُوجِبُ مَصْدَرًا مِنْ قِبَلِ الْمُتَكَلِّمِ فَكَانَ شَرْعِيًّا ــ [كشف الأسرار] النِّيَّةِ وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ بِهَذَا الْكَلَامِ ثَابِتٌ شَرْعًا مُقَدَّمًا عَلَى الْمَذْكُورِ اقْتِضَاءً لَا لُغَةً لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هِيَ الْمَرْأَةُ بِأَوْصَافِهَا أَيْ بِوَصْفِهَا لَا الطَّلَاقُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَرْأَةِ وَطَالِقٌ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَصْفِ وَالْمَرْأَةُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِهَا لَيْسَتْ بِاسْمٍ لِلطَّلَاقِ وَلَا لِفِعْلِ الْإِيقَاعِ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ الزَّوْجِ وَلَا لِأَثَرِ الْفِعْلِ وَهُوَ الْوُقُوعُ فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا ثَابِتًا لُغَةً لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ الِاقْتِضَاءَ يَعْنِي الْمُقْتَضَى أَوْ لَكِنَّ الطَّلَاقَ الْوَاقِعَ ضَرُورِيٌّ لَا عُمُومَ لَهُ لِمَا مَرَّ فَلَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ ثَابِتًا فِي حَقِّ نِيَّةِ الثَّلَاثِ فَكَانَ نَاوِيًا عُمُومَ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ وَقَدْ عَرَفْت بِهَذَا أَنَّ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَتَرْتِيبُهُ وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ الِاقْتِضَاءُ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هِيَ الْمَرْأَةُ بِأَوْصَافِهَا لَا الطَّلَاقُ لَكِنَّ الِاقْتِضَاءَ ضَرُورِيٌّ لَا عُمُومَ لَهُ وَأَنَّهُ قَدْ نَوَى عُمُومَ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ. وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ الْمَصْدَرُ هَاهُنَا أَيْ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَابِتًا لُغَةً جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلَاقَ ثَابِتٌ اقْتِضَاءً بَلْ هُوَ ثَابِتٌ لُغَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَقٍّ اسْمًا كَانَ أَوْ فِعْلًا دَالٌّ عَلَى الْمَصْدَرِ لُغَةً فَكَانَ ثُبُوتُ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَيَصِحُّ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ فِيهِ فَأَجَابَ وَقَالَ: نَعَمْ الْأَمْرُ كَمَا قُلْت إلَّا أَنَّ دَلَالَتَهُ لُغَةً عَلَى مَصْدَرٍ قَائِمٍ بِالْمَوْصُوفِ لِيَصِحَّ بِنَاءُ الْوَصْفِ عَلَيْهِ كَضَارِبٍ وَقَائِمٍ وَجَالِسٍ يَدُلُّ عَلَى الضَّرْبِ وَالْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ فِي الذَّوَاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِهَا لَا عَلَى الْمَصْدَرِ قَائِمٍ بِالْوَاصِفِ وَهَاهُنَا وَصَفَ الْمَرْأَةَ بِالطَّالِقِيَّةِ فَتَدُلُّ لُغَةً عَلَى طَلَاقٍ قَائِمٍ بِهَا هُوَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِك طَلَّقْت الْمَرْأَةَ طَلَاقًا لَا عَلَى طَلَاقٍ قَائِمٍ بِالزَّوْجِ هُوَ بِمَعْنَى التَّطْلِيقِ وَإِنَّمَا ثَبَّتَ ذَلِكَ ضَرُورَةُ ثُبُوتِ الطَّلَاقِ فِي الْمَرْأَةِ فَكَانَ أَمْرًا شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا وَلِأَنَّ النَّعْتَ لُغَةً يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْوَصْفِ وَلَكِنْ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إيجَادِهِ فَإِنَّ قَوْلَك ضَارِبٌ أَوْ جَالِسٌ مَثَلًا يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ الضَّرْبِ وَالْجُلُوسِ بِالْمَوْصُوفِ وَلَكِنْ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إثْبَاتِ الضَّرْبِ وَالْجُلُوسِ أَصْلًا بَلْ كَانَا ثَابِتَيْنِ كَانَ الْكَلَامُ صِدْقًا وَإِلَّا وَقَعَ كَذِبًا وَلَغْوًا وَهَاهُنَا يَثْبُتُ بِهَذَا الْكَلَامِ الطَّلَاقُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا أَصْلًا تَصْحِيحًا لَهُ فَكَانَ شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا. وَلَا يُقَالُ: أَنْتِ طَالِقٌ جُعِلَ إنْشَاءً فِي الشَّرْعِ وَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ إخْبَارًا وَصَارَ مَعْنَاهُ أُنْشِئُ الطَّلَاقَ فَلَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ الطَّلَاقِ بِهِ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ لِأَنَّا نَقُولُ مَعْنَى صَيْرُورَتِهِ إنْشَاءً هُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ ثُبُوتِ الطَّلَاقِ اقْتِضَاءً لَا غَيْرُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا وَثَبَتَ بِهِ سُمِّيَ إنْشَاءً وَلَكِنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِهِ مَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْنَى الْإِخْبَارِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلِهَذَا كَانَ جَعْلُهُ إنْشَاءً ضَرُورِيًّا حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِكَوْنِهِ إخْبَارًا لَمْ يُجْعَلْ إنْشَاءً بِأَنْ قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ: أَحَدَيْكُمَا طَالِقٌ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فَعَرَفْنَا أَنَّ كَوْنَهُ إنْشَاءً مَبْنِيٌّ عَلَى الِاقْتِضَاءِ. وَكَذَلِكَ ضَرَبْت بِنَاءً عَلَى مَصْدَرٍ مَاضٍ يَعْنِي وَكَمَا أَنَّ النَّعْتَ يَدُلُّ عَلَى مَصْدَرٍ قَائِمٍ بِالْمَوْصُوفِ لَا بِالْوَاصِفِ كَذَا قَوْلُك ضَرَبْت يَدُلُّ عَلَى مَصْدَرٍ مَاضٍ لَا عَلَى مَصْدَرٍ ثَابِتٍ فِي الْحَالِ. وَقَوْلُهُ طَلَّقْتُك مَوْضُوعٌ عَلَى

стр. 565

وَأَمَّا الْبَائِنُ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فَمِثْلُ طَالِقٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَعْتٌ مُقْتَضٍ لِلْوَاقِعِ غَيْرَ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ يَتَّصِلُ بِالْمَرْأَةِ لِلْحَالِ وَلِاتِّصَالِهَا وَجْهَانِ انْقِطَاعٌ يَرْجِعُ إلَى الْمِلْكِ وَانْقِطَاعٌ يَرْجِعُ إلَى الْحِلِّ فَتَعَدُّدُ الْمُقْتَضَى بِتَعَدُّدِ الْمُقْتَضِي عَلَى الِاحْتِمَالِ فَصَحَّ تَعْيِينُهُ وَأَمَّا طَالِقٌ لَا يَتَّصِلُ بِالْمَرْأَةِ لِلْحَالِ لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي الْمِلْكِ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ وَحُكْمَهُ فِي الْحِلِّ مُعَلَّقٌ بِكَمَالِ الْعَدَدِ وَإِنَّمَا حُكْمُهُ لِلْحَالِ انْعِقَادُ الْعِلَّةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ فَلَمْ يَتَنَوَّعْ الْمُقْتَضَى إلَّا بِوَاسِطَةِ الْعَدَدِ فَيَصِيرُ الْعَدَدُ أَصْلًا ــ [كشف الأسرار] مِثَالِهِ فَبُدِّلَ عَلَى مَصْدَرٍ مَاضٍ لُغَةً لَا عَلَى مَصْدَرٍ فِي الْحَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْغُوَ لِأَنَّ التَّطْلِيقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي لِيَصِحَّ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ جُعِلَ إنْشَاءً شَرْعًا تَصْحِيحًا لَهُ وَأَوْجَبَ مَصْدَرًا مِنْ قِبَلِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْحَالِ فَكَانَ الْمَصْدَرُ الثَّابِتُ شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا فَلَمْ تَصِحَّ فِيهِ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ لِثُبُوتِهِ اقْتِضَاءً ١ - قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْبَائِنُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّ الْبَائِنَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ نَعْتٌ مِثْلُ طَالِقٍ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَيَدُلُّ لُغَةً عَلَى قِيَامِ الْبَيْنُونَةِ بِالْمَوْصُوفِ لِيَصِحَّ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَهِيَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّكَلُّمِ وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ شَرْعًا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ تَصْحِيحًا لَهُ ثُمَّ صَحَّتْ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ فِيهَا عِنْدَكُمْ حَتَّى لَوْ نَوَى الثَّلَاثَ يَقَعُ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ فِي طَالِقٍ أَيْضًا لِأَنَّ الصَّرِيحَ أَقْوَى مِنْ الْكِنَايَةِ فَقَالَ: قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْبَائِنَ وَمَا؛ يُشْبِهُهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ كَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِّيَّةِ مِثْلُ طَالِقٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَعْتٌ فَرْدٌ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْعَدَدِ وَإِنَّ ثُبُوتَ الْبَيْنُونَةِ بِهِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ مِثْلُ ثُبُوتِ الطَّلَاقِ فِي طَالِقٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ مُقْتَضٍ لِلْوَاقِعِ. إلَّا أَنَّهُمَا افْتَرَقَا مِنْ حَيْثُ الْبَيْنُونَةُ الثَّابِتَةُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً بِالِاقْتِضَاءِ تَتَّصِلُ بِالْمَرْأَةِ لِلْحَالِ أَيْ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْحَالِ حَتَّى حُرِّمَ الْوَطْءُ وَالدَّوَاعِي عَلَى الزَّوْجِ وَلِاتِّصَالِهَا وَجْهَانِ أَيْ وَلِثُبُوتِ الْبَيْنُونَةِ فِي الْمَحَلِّ اقْتِضَاءً طَرِيقَانِ ثُبُوتُ بَيْنُونَةٍ تَقْطَعُ الْمِلْكَ أَيْ الْحِلَّ الثَّابِتَ لِلزَّوْجِ فِي الْحَالِ وَثُبُوتُ بَيْنُونَةٍ تَقْطَعُ الْحِلَّ أَيْ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ بِأَنْ لَا تَبْقَى الْمَرْأَةُ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ فِي حَقِّهِ فَكَانَ الثَّابِتُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ مُتَنَوِّعًا فِي نَفْسِهِ فَتَعَدَّدَ الْمُقْتَضِي حُكْمًا وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ بَائِنٌ بِوَاسِطَةِ تَعَدُّدِ الْمُقْتَضَى وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ يَعْنِي صَارَ قَوْلُهُ أَنْتِ بَائِنٌ مُحْتَمِلًا لِلْبَيْنُونَتَيْنِ بِسَبَبِ انْقِسَامِ الْبَيْنُونَةِ إلَى كَامِلَةٍ وَنَاقِصَةٍ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْكَامِلَةُ كَانَتْ هِيَ الثَّابِتَةُ اقْتِضَاءً دُونَ الثَّانِيَةِ وَمِنْ شَرْطِهَا وُقُوعُ الثَّلَاثِ وَإِلَيْهِ إثْبَاتُهُ فَتَضَمَّنَتْ شَرْطَهَا فَوَقَعَ الثَّلَاثُ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ النَّاقِصَةُ فَهِيَ تَثْبُتُ اقْتِضَاءً دُونَ الْأُولَى وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى الِاحْتِمَالِ فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ مُقْتَضًى لِلَّفْظِ وَمُحْتَمَلًا لَهُ فَإِذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَقَدْ عَيَّنَ أَحَدَ مُحْتَمَلَيْهِ فَصَحَّ تَعْيِينُهُ وَإِذَا نَوَى مُطْلَقَ الْبَيْنُونَةِ تَعَيَّنَ الْأَدْنَى لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ بِهِ وَأَمَّا طَالِقٌ فَلَا يَتَّصِلُ بِالْمَرْأَةِ لِلْحَالِ أَيْ فِي الْحَالِ وَاللَّامُ لِلْوَقْتِ أَيْ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ وَأَثَرُهُ فِي الْحَالِ لِبَقَاءِ جَمِيعِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ مِنْ حِلِّ الْوَطْءِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى. لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي الْمِلْكِ أَيْ فِي إزَالَتِهِ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ وَهُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ أَوْ جَعْلُهُ بَائِنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَحُكْمُهُ فِي الْحِلِّ أَيْ فِي إزَالَةِ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ مُعَلَّقٌ بِكَمَالِ الْعَدَدِ وَهُوَ إيقَاعُ الطَّلْقَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ وَإِنَّمَا حُكْمُهُ لِلْحَالِ أَيْ الثَّابِتِ فِي الْحَالِ وَلَفْظُ الْحُكْمِ تَوَسَّعَ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ أَيْ انْعِقَادَ عِلَّةٍ تُوجِبُ الْحُكْمَ فِي أَوَانِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهَا زَوَالُ الْمِلْكِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَوَالُ الْحِلِّ بِانْضِمَامِ مِثْلَيْهَا إلَيْهَا وَهَذَا الِانْعِقَادُ فِي ذَاتِهِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ النِّيَّةُ وَلَوْ تَنَوَّعَ إنَّمَا يَتَنَوَّعُ بِوَاسِطَةِ الْعَدَدِ أَيْ إذَا أَرَدْت أَنْ تُقَسِّمَهُ عَلَى نَوْعَيْنِ لَا يُمْكِنُك ذَلِكَ إلَّا بِالْتِحَاقِ
следующие страницы →