Полный текст (1 522 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» لَمَّا اسْتَحَالَ ظَاهِرُهُ كَانَ الْحُكْمُ مُضْمَرًا مَحْذُوفًا حَتَّى إذَا ظَهَرَ الْمُضْمَرُ انْتَقَلَ الْفِعْلُ عَنْ الظَّاهِرِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَلَمْ يَسْقُطْ عُمُومُ الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ الِاقْتِضَاءِ لَكِنْ لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ عَلَى مَا مَرَّ
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْله تَعَالَى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أَيْ فَضَرَبَ فَانْشَقَّ الْحَجَرُ فَانْفَجَرَتْ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى﴾ [يوسف: ١٩] أَيْ فَنَزَعَ فَرَأَى غُلَامًا مُتَعَلِّقًا بِالْحَبْلِ فَقَالَ: يَا بُشْرَى وَفِي نَظَائِرِهِ كَثْرَةٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ قُلْنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعَلَامَةِ فِي جَانِبِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ التَّقَرُّرُ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِهِ لَازِمٌ وَذَلِكَ فِي جَانِبِ الْمَحْذُوفِ غَيْرُ لَازِمٍ فَإِنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِهِ وَقَدْ يَتَقَرَّرُ وَقَدْ لَا يَتَقَرَّرُ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَبِلُزُومِهِ فِي الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ لُزُومِهِ فِي الْمَحْذُوفِ يَتَحَقَّقُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ ضَعْفٌ سَنُبَيِّنُهُ وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ أَمْرٌ لُغَوِيٌّ وَالْمُقْتَضِي أَمْرٌ شَرْعِيٌّ قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْمَحْذُوفِ يَعْنِي مِنْ نَظَائِرِهِ أَوْ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» لَمَّا اسْتَحَالَ ظَاهِرُهُ أَيْ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ وَإِجْرَاؤُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي رَفْعَهَا بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ لِكَوْنِ الْأُمَّةِ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﵇ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَوْنِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ لِلْمَاهِيَّةِ أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ إذْ لَا عَهْدَ بِالْإِجْمَاعِ وَالْعَمَلُ بِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْكَذِبِ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِهَا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ يُمْكِنُ إضَافَةُ الرَّفْعِ إلَيْهِ تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ وَهُوَ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذَا الْكَلَامُ لِأَنَّ تَصَرُّفَ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي الْأَحْكَامِ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ الْمُقَدَّرُ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضِي لِتَغَيُّرِ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّصْرِيحِ بِهِ مِنْ انْتِقَالِ الْفِعْلِ وَهُوَ الرَّفْعُ عَنْ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْخَطَأُ وَاخْتَارَهُ إلَيْهِ وَمَعْنَى جَمْعِ الشَّيْخِ بَيْنَ الْمُضْمَرِ وَالْمَحْذُوفِ فِي قَوْلِهِ كَانَ الْحُكْمُ مُضْمَرًا مَحْذُوفًا مَعَ تَحَقُّقِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ الْمُضْمَرَ مَا لَهُ أَثَرٌ فِي الْكَلَامِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩] وَالْمَحْذُوفُ لَا أَثَرَ لَهُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] هُوَ أَنَّ بَعْضَ الْأُصُولِيِّينَ سَمَّوْا هَذَا النَّوْعَ مُضْمَرًا وَقَدْ سَمَّاهُ الشَّيْخُ مَحْذُوفًا فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ ذَلِكَ النَّوْعَ لَا غَيْرَهُ وَإِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ أَيْ وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَوْ وَمِثْلُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ ﵇ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فِي أَنَّ الْمُقَدَّرَ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضِي وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِظَاهِرِهِ لَمَّا اقْتَضَى أَنْ لَا يُوجَدَ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ لِدُخُولِ اللَّامِ الْمُسْتَغْرِقِ لِلْجِنْسِ فِي الْأَعْمَالِ ثُمَّ الْحُكْمُ بِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ لِتَأْدِيَتِهِ إلَى الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ ﵇ لِتَحَقُّقِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْمَالِ بِدُونِ النِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إدْرَاجِ شَيْءٍ يَصِحُّ بِهِ الْكَلَامُ وَيُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ وَهُوَ الْحُكْمُ أَوْ الِاعْتِبَارُ وَعَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ لِأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ هُوَ الْمُبْتَدَأُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَيَرْتَفِعُ بِالِابْتِدَاءِ وَيَنْجَرُّ لَفْظُ الْأَعْمَالِ الَّذِي كَانَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ وَمَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ لَا مِنْ
стр. 562
وَمَا حُذِفَ اخْتِصَارًا وَهُوَ ثَابِتٌ لُغَةً كَانَ عَامًّا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الِاخْتِصَارَ أَحَدُ طَرِيقَيْ اللُّغَةِ فَأَمَّا الِاقْتِضَاءُ فَأَمْرٌ شَرْعِيٌّ ضَرُورِيٌّ مِثْلُ تَحْلِيلِ الْمَيْتَةِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا
ــ
[كشف الأسرار]
قَبِيلِ الْمُقْتَضِي.
وَلَمَّا سَلَكَ الشَّيْخُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَزِمَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بِعُمُومِ الْمُقَدَّرِ وَهُوَ الْحُكْمُ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ لُغَةً لَا اقْتِضَاءً فَكَانَ مِثْلَ الْمُصَرَّحِ بِهِ وَلَوْ صُرِّحَ بِهِ لَوَجَبَ الْقَوْلُ بِعُمُومِهِ أَوْ بِإِطْلَاقِهِ فَكَذَا هَذَا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ وَقَدْ اتَّفَقَ مَشَايِخُنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِعُمُومِهِ لَا يَجُوزُ فَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ إذْ لَيْسَ مَانِعٌ مِنْ الْعُمُومِ غَيْرَهُ فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: سُقُوطُ عُمُومِهِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِ الِاقْتِضَاءِ وَلَكِنَّهُ مِنْ قِبَلِ الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ لَا يَقْبَلُ الْعُمُومَ أَيْضًا كَالْمُقْتَضِي عِنْدَنَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ عُمُومِهِ كَوْنُهُ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ فِي بَابِ مَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُقْتَضِي وَالْمَحْذُوفِ وَأَمَّا مَا حُذِفَ اخْتِصَارًا كَانَ عَامًّا أَيْ يَقْبَلُ الْعُمُومَ لِأَنَّ الِاخْتِصَارَ أَحَدُ طَرِيقَيْ اللُّغَةِ فَكَانَ الْمُخْتَصَرُ ثَابِتًا لَفْظًا وَالْعُمُومُ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ بِخِلَافِ الْمُقْتَضِي فَإِنَّهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ ثَبَتَ ضَرُورَةً وَإِنَّهَا تَنْدَفِعُ بِالْخَاصِّ فَلَا يُصَارُ إلَى الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الشَّيْءِ بِلَا دَلِيلٍ هَذَا بَيَانُ الطَّرِيقَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الشَّيْخُ هَاهُنَا وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَدْ اخْتَارَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ طَرِيقَةَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي التَّقْوِيمِ.
وَمَنْ سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنْ يَقُولَ: الْعَلَامَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا لَا يَصْلُحُ فَارِقَةً بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُقْتَضِي قَدْ يَتَغَيَّرُ أَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي يَتَغَيَّرُ بِالتَّصْرِيحِ بِالْمُقْتَضِي وَهُوَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الْعَبْدُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مِلْكًا لِلْمَأْمُورِ بَلْ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْأَمْرِ وَصَارَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدِي عَنِّي وَهَذَا تَغْيِيرٌ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ إنْ اغْتَسَلَ اللَّيْلَةَ فِي الدَّارِ فَكَذَا يَتَغَيَّرُ الْفِعْلُ وَالْمُسْنَدُ إلَيْهِ بِتَصْرِيحِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الْفَاعِلُ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ اقْتِضَاءً عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ.
وَفِي الْمَحْذُوفِ قَدْ لَا يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ بَعْدَ إظْهَارِهِ كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وَأَمْثَالِهِ وَكَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ خَرَجْت فَعَبْدِي حُرٌّ فَإِنَّ الْمَصْدَرَ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ حَتَّى صَحَّ فِيهِ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْكَلَامُ بِتَصْرِيحِهِ وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْجَوَابِ لَا يُغْنِي شَيْئًا لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ كَلَامٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إضْمَارٍ وَلَا يَتَغَيَّرُ الْكَلَامُ بِتَصْرِيحِهِ لَا يُعْرَفُ بِلُزُومِ تَقَرُّرِ الْكَلَامِ فِي الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ لُزُومِهِ فِي الْمَحْذُوفِ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ أَيِّ الْقِسْمَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّقَرُّرِ وَإِنْ امْتَازَ أَحَدُهُمَا لِجَوَازِ التَّغَيُّرِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُجْعَلُ الْكُلُّ بَابًا وَاحِدًا وَكَذَا الْمُقَدَّرُ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ الَّذِي بَيَّنْتُمُوهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِدُونِهِ مُفِيدٌ لِلْمَعْنَى لُغَةً وَلِهَذَا لَوْ صَدَرَ مِثْلُهُ عَنْ غَيْرِ الرَّسُولِ لَمَا قُدِّرَ فِيهِ شَيْءٌ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَعَلَى الْكَذِبِ وَإِنَّمَا قَدَّرَ فِيهِمَا مَا ذَكَرْنَا ضَرُورَةَ صِدْقِ الرَّسُولِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ اللُّغَةِ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ مَعَ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ.
وَقَوْلُكُمْ الْمُقْتَضِي لِتَصْحِيحِ الْمُقْتَضَى وَتَقْرِيرِهِ فَلَا يَصْلُحُ مُغَيِّرًا لَهُ مُسَلَّمًا وَلَكِنَّ الْمُقْتَضِي لِتَصْحِيحِ
стр. 563
وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِهِ الثَّلَاثَ: إنَّ نِيَّتَهُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ نَعْتُ الْمَرْأَةِ وَالطَّلَاقَ الْوَاقِعَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ اقْتِضَاءً لَكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَا عُمُومَ لَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
مَجْمُوعِ الْكَلَامِ وَتَقْوِيمِ مَعْنَاهُ لَا لِإِفْرَادِ كَلِمَاتِهِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ مَعَ التَّغَيُّرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لَهُ بَلْ يَكُونُ مُقَرِّرًا وَمُصَحِّحًا وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الَّتِي صَحَّتْ فِيهَا نِيَّةُ الْعُمُومِ وَهِيَ الَّتِي حَمَلَتْكُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَصْدَرَ فِي قَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك مَثَلًا لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَلَا غَيْرَ مَذْكُورٍ بَلْ مَعْنَاهُ افْعَلِي فِعْلَ التَّطْلِيقِ وَالْكَلَامَانِ يُنْبِئَانِ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَوْجَزُ مِثْلُ الْأَسَدِ وَالْغَضَنْفَرِ فَكَانَ الْمَصْدَرُ مَذْكُورًا فَيَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَحْذُوفَ عِنْدَ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ ﵀ لَمَّا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضِي عُرِّفَ الْمُقْتَضَى بِتَعْرِيفٍ دَخَلَ فِيهِ الْمَحْذُوفُ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَوَافَقَهُ الشَّيْخُ فِي التَّعْرِيفِ وَلَكِنْ لَمَّا خَالَفَهُ فِي الْمَحْذُوفِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْرِيفِ قَيْدًا يَنْفَصِلُ بِهِ الْمُقْتَضِي مِنْ الْمَحْذُوفِ لِيَصِيرَ بِهِ الْحَدُّ مَانِعًا بِأَنْ يَقُولَ: وَأَمَّا الْمُقْتَضَى فَزِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ ثَبَتَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ شَرْعًا أَوْ نَحْوِهِ وَإِلَّا فَلَمْ يَسْتَقِمْ الْحَدُّ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ الْمُقْتَضَى عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةٍ ثَبَتَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْمُقْتَضَى أَمْرٌ شَرْعِيٌّ ضَرُورِيٌّ قُلْنَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُك وَنَوَى بِهِ الثَّلَاثَ بَطَلَتْ نِيَّتُهُ وَلَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ كَمَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُعْمِلُ نِيَّتَهُ وَيَقَعُ مَا نَوَى لِأَنَّ قَوْلَهُ طَالِقٌ يَقْتَضِي طَلَاقًا وَالْمُقْتَضَى بِمَنْزِلَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلتَّعْمِيمِ فَيَعْمَلُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ وَنَوَى الثَّلَاثَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّعْمِيمَ أَنَّهُ لَوْ أَلْحَقَ الثَّلَاثَ بِهِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا صَحَّ ذَلِكَ وَكَانَ ثَلَاثًا مُنْتَصِبًا عَلَى التَّفْسِيرِ وَالتَّفْسِيرُ إنَّمَا يَقَعُ بِبَيَانٍ مُحْتَمَلِ اللَّفْظِ لَا بِغَيْرِهِ.
وَكَذَا إذَا قِيلَ: فُلَانٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ صَحَّ الِاسْتِفْسَارُ عَنْ الْعَدَدِ فَيُقَالُ: كَمْ طَلَّقَهَا وَلَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْعَدَدَ لَمَا اسْتَقَامَ الِاسْتِفْسَارُ وَلَنَا أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَلَغَتْ نِيَّتُهُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: زُورِي أَبَاك أَوْ حُجِّي وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَذْكُورَ وَهُوَ طَالِقٌ نَعْتُ الْمَرْأَةِ لَا اسْمُ الطَّلَاقِ وَهُوَ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَالتَّعْمِيمَ لِأَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ وَالْفَرْدُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ بِوَجْهٍ لَا يُقَالُ لِلْمَثْنَى وَلِلثَّلَاثِ طَالِقٌ بَلْ يُقَالُ طَالِقَانِ وَطَوَالِقُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَإِنَّ عِنْدَ الْخَصْمِ عَمَلَ النِّيَّةِ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ طَالِقٌ لَا فِي طَالِقٍ وَلَكِنَّ ذَلِكَ الطَّلَاقَ ثَبَتَ مُقْتَضًى لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ صَادِقًا فِي هَذَا الْوَصْفِ إلَّا بِوُقُوعِ طَلَاقٍ عَلَيْهَا سَابِقٍ لِيَصِحَّ الْوَصْفُ بِنَاءً عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إيقَاعًا مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ وَفِي تَصَرُّفِهِ ذَلِكَ فَأَثْبَتْنَاهُ لِيَتَحَقَّقَ هَذَا الْوَصْفُ مِنْهُ صِدْقًا وَإِذَا كَانَ ثَابِتًا اقْتِضَاءً كَانَ فِيمَا وَرَاءَهُ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْمَلْفُوظِ فَلَا تَعْمَلُ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ فِيهِ لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ إلَّا فِي الْمَلْفُوظِ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ نَعْتُ الْمَرْأَةِ أَيْ الْمَذْكُورَ وَصْفُهَا الَّذِي هُوَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلنِّيَّةِ لَا الطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ
стр. 564
لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هِيَ الْمَرْأَةُ بِأَوْصَافِهَا وَقَدْ نَوَى عُمُومَ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ وَالْعِلْمُ مِنْ أَوْصَافِ النَّظْمِ وَلَمْ يَكُنْ الْمَصْدَرُ هَهُنَا ثَابِتًا لُغَةً لِأَنَّ النَّعْتَ يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ الثَّابِتِ بِالْمَوْصُوفِ لُغَةً لِيَصِيرَ الْوَصْفُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِنَاءً عَلَيْهِ فَأَمَّا أَنْ يَصِيرَ الْوَصْفُ ثَابِتًا بِالْوَاصِفِ بِحَقِيقَتِهِ تَصْحِيحًا لِوَصْفِهِ فَأَمْرٌ شَرْعِيٌّ لَيْسَ بِلُغَوِيٍّ وَكَذَلِكَ ضَرَبْت بِنَاءً عَلَى مَصْدَرٍ مَاضٍ وَطَلَّقْتُك يُوجِبُ مَصْدَرًا مِنْ قِبَلِ الْمُتَكَلِّمِ فَكَانَ شَرْعِيًّا
ــ
[كشف الأسرار]
النِّيَّةِ وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ بِهَذَا الْكَلَامِ ثَابِتٌ شَرْعًا مُقَدَّمًا عَلَى الْمَذْكُورِ اقْتِضَاءً لَا لُغَةً لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هِيَ الْمَرْأَةُ بِأَوْصَافِهَا أَيْ بِوَصْفِهَا لَا الطَّلَاقُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَرْأَةِ وَطَالِقٌ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَصْفِ وَالْمَرْأَةُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِهَا لَيْسَتْ بِاسْمٍ لِلطَّلَاقِ وَلَا لِفِعْلِ الْإِيقَاعِ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ الزَّوْجِ وَلَا لِأَثَرِ الْفِعْلِ وَهُوَ الْوُقُوعُ فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا ثَابِتًا لُغَةً لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ الِاقْتِضَاءَ يَعْنِي الْمُقْتَضَى أَوْ لَكِنَّ الطَّلَاقَ الْوَاقِعَ ضَرُورِيٌّ لَا عُمُومَ لَهُ لِمَا مَرَّ فَلَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ ثَابِتًا فِي حَقِّ نِيَّةِ الثَّلَاثِ فَكَانَ نَاوِيًا عُمُومَ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ وَقَدْ عَرَفْت بِهَذَا أَنَّ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَتَرْتِيبُهُ وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ الِاقْتِضَاءُ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هِيَ الْمَرْأَةُ بِأَوْصَافِهَا لَا الطَّلَاقُ لَكِنَّ الِاقْتِضَاءَ ضَرُورِيٌّ لَا عُمُومَ لَهُ وَأَنَّهُ قَدْ نَوَى عُمُومَ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فَلَمْ يَصِحَّ.
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ الْمَصْدَرُ هَاهُنَا أَيْ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَابِتًا لُغَةً جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلَاقَ ثَابِتٌ اقْتِضَاءً بَلْ هُوَ ثَابِتٌ لُغَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَقٍّ اسْمًا كَانَ أَوْ فِعْلًا دَالٌّ عَلَى الْمَصْدَرِ لُغَةً فَكَانَ ثُبُوتُ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَيَصِحُّ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ فِيهِ فَأَجَابَ وَقَالَ: نَعَمْ الْأَمْرُ كَمَا قُلْت إلَّا أَنَّ دَلَالَتَهُ لُغَةً عَلَى مَصْدَرٍ قَائِمٍ بِالْمَوْصُوفِ لِيَصِحَّ بِنَاءُ الْوَصْفِ عَلَيْهِ كَضَارِبٍ وَقَائِمٍ وَجَالِسٍ يَدُلُّ عَلَى الضَّرْبِ وَالْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ فِي الذَّوَاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِهَا لَا عَلَى الْمَصْدَرِ قَائِمٍ بِالْوَاصِفِ وَهَاهُنَا وَصَفَ الْمَرْأَةَ بِالطَّالِقِيَّةِ فَتَدُلُّ لُغَةً عَلَى طَلَاقٍ قَائِمٍ بِهَا هُوَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِك طَلَّقْت الْمَرْأَةَ طَلَاقًا لَا عَلَى طَلَاقٍ قَائِمٍ بِالزَّوْجِ هُوَ بِمَعْنَى التَّطْلِيقِ وَإِنَّمَا ثَبَّتَ ذَلِكَ ضَرُورَةُ ثُبُوتِ الطَّلَاقِ فِي الْمَرْأَةِ فَكَانَ أَمْرًا شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا وَلِأَنَّ النَّعْتَ لُغَةً يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْوَصْفِ وَلَكِنْ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إيجَادِهِ فَإِنَّ قَوْلَك ضَارِبٌ أَوْ جَالِسٌ مَثَلًا يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ الضَّرْبِ وَالْجُلُوسِ بِالْمَوْصُوفِ وَلَكِنْ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إثْبَاتِ الضَّرْبِ وَالْجُلُوسِ أَصْلًا بَلْ كَانَا ثَابِتَيْنِ كَانَ الْكَلَامُ صِدْقًا وَإِلَّا وَقَعَ كَذِبًا وَلَغْوًا وَهَاهُنَا يَثْبُتُ بِهَذَا الْكَلَامِ الطَّلَاقُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا أَصْلًا تَصْحِيحًا لَهُ فَكَانَ شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا.
وَلَا يُقَالُ: أَنْتِ طَالِقٌ جُعِلَ إنْشَاءً فِي الشَّرْعِ وَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ إخْبَارًا وَصَارَ مَعْنَاهُ أُنْشِئُ الطَّلَاقَ فَلَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ الطَّلَاقِ بِهِ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ لِأَنَّا نَقُولُ مَعْنَى صَيْرُورَتِهِ إنْشَاءً هُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ ثُبُوتِ الطَّلَاقِ اقْتِضَاءً لَا غَيْرُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا وَثَبَتَ بِهِ سُمِّيَ إنْشَاءً وَلَكِنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِهِ مَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْنَى الْإِخْبَارِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلِهَذَا كَانَ جَعْلُهُ إنْشَاءً ضَرُورِيًّا حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِكَوْنِهِ إخْبَارًا لَمْ يُجْعَلْ إنْشَاءً بِأَنْ قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ: أَحَدَيْكُمَا طَالِقٌ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فَعَرَفْنَا أَنَّ كَوْنَهُ إنْشَاءً مَبْنِيٌّ عَلَى الِاقْتِضَاءِ.
وَكَذَلِكَ ضَرَبْت بِنَاءً عَلَى مَصْدَرٍ مَاضٍ يَعْنِي وَكَمَا أَنَّ النَّعْتَ يَدُلُّ عَلَى مَصْدَرٍ قَائِمٍ بِالْمَوْصُوفِ لَا بِالْوَاصِفِ كَذَا قَوْلُك ضَرَبْت يَدُلُّ عَلَى مَصْدَرٍ مَاضٍ لَا عَلَى مَصْدَرٍ ثَابِتٍ فِي الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ طَلَّقْتُك مَوْضُوعٌ عَلَى
стр. 565
وَأَمَّا الْبَائِنُ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فَمِثْلُ طَالِقٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَعْتٌ مُقْتَضٍ لِلْوَاقِعِ غَيْرَ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ يَتَّصِلُ بِالْمَرْأَةِ لِلْحَالِ وَلِاتِّصَالِهَا وَجْهَانِ انْقِطَاعٌ يَرْجِعُ إلَى الْمِلْكِ وَانْقِطَاعٌ يَرْجِعُ إلَى الْحِلِّ فَتَعَدُّدُ الْمُقْتَضَى بِتَعَدُّدِ الْمُقْتَضِي عَلَى الِاحْتِمَالِ فَصَحَّ تَعْيِينُهُ وَأَمَّا طَالِقٌ لَا يَتَّصِلُ بِالْمَرْأَةِ لِلْحَالِ لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي الْمِلْكِ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ وَحُكْمَهُ فِي الْحِلِّ مُعَلَّقٌ بِكَمَالِ الْعَدَدِ وَإِنَّمَا حُكْمُهُ لِلْحَالِ انْعِقَادُ الْعِلَّةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ فَلَمْ يَتَنَوَّعْ الْمُقْتَضَى إلَّا بِوَاسِطَةِ الْعَدَدِ فَيَصِيرُ الْعَدَدُ أَصْلًا
ــ
[كشف الأسرار]
مِثَالِهِ فَبُدِّلَ عَلَى مَصْدَرٍ مَاضٍ لُغَةً لَا عَلَى مَصْدَرٍ فِي الْحَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْغُوَ لِأَنَّ التَّطْلِيقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي لِيَصِحَّ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ جُعِلَ إنْشَاءً شَرْعًا تَصْحِيحًا لَهُ وَأَوْجَبَ مَصْدَرًا مِنْ قِبَلِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْحَالِ فَكَانَ الْمَصْدَرُ الثَّابِتُ شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا فَلَمْ تَصِحَّ فِيهِ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ لِثُبُوتِهِ اقْتِضَاءً
١ -
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْبَائِنُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّ الْبَائِنَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ نَعْتٌ مِثْلُ طَالِقٍ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَيَدُلُّ لُغَةً عَلَى قِيَامِ الْبَيْنُونَةِ بِالْمَوْصُوفِ لِيَصِحَّ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَهِيَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّكَلُّمِ وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ شَرْعًا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ تَصْحِيحًا لَهُ ثُمَّ صَحَّتْ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ فِيهَا عِنْدَكُمْ حَتَّى لَوْ نَوَى الثَّلَاثَ يَقَعُ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ فِي طَالِقٍ أَيْضًا لِأَنَّ الصَّرِيحَ أَقْوَى مِنْ الْكِنَايَةِ فَقَالَ: قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْبَائِنَ وَمَا؛ يُشْبِهُهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ كَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِّيَّةِ مِثْلُ طَالِقٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَعْتٌ فَرْدٌ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْعَدَدِ وَإِنَّ ثُبُوتَ الْبَيْنُونَةِ بِهِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ مِثْلُ ثُبُوتِ الطَّلَاقِ فِي طَالِقٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ مُقْتَضٍ لِلْوَاقِعِ.
إلَّا أَنَّهُمَا افْتَرَقَا مِنْ حَيْثُ الْبَيْنُونَةُ الثَّابِتَةُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً بِالِاقْتِضَاءِ تَتَّصِلُ بِالْمَرْأَةِ لِلْحَالِ أَيْ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْحَالِ حَتَّى حُرِّمَ الْوَطْءُ وَالدَّوَاعِي عَلَى الزَّوْجِ وَلِاتِّصَالِهَا وَجْهَانِ أَيْ وَلِثُبُوتِ الْبَيْنُونَةِ فِي الْمَحَلِّ اقْتِضَاءً طَرِيقَانِ ثُبُوتُ بَيْنُونَةٍ تَقْطَعُ الْمِلْكَ أَيْ الْحِلَّ الثَّابِتَ لِلزَّوْجِ فِي الْحَالِ وَثُبُوتُ بَيْنُونَةٍ تَقْطَعُ الْحِلَّ أَيْ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ بِأَنْ لَا تَبْقَى الْمَرْأَةُ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ فِي حَقِّهِ فَكَانَ الثَّابِتُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ مُتَنَوِّعًا فِي نَفْسِهِ فَتَعَدَّدَ الْمُقْتَضِي حُكْمًا وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ بَائِنٌ بِوَاسِطَةِ تَعَدُّدِ الْمُقْتَضَى وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ يَعْنِي صَارَ قَوْلُهُ أَنْتِ بَائِنٌ مُحْتَمِلًا لِلْبَيْنُونَتَيْنِ بِسَبَبِ انْقِسَامِ الْبَيْنُونَةِ إلَى كَامِلَةٍ وَنَاقِصَةٍ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْكَامِلَةُ كَانَتْ هِيَ الثَّابِتَةُ اقْتِضَاءً دُونَ الثَّانِيَةِ وَمِنْ شَرْطِهَا وُقُوعُ الثَّلَاثِ وَإِلَيْهِ إثْبَاتُهُ فَتَضَمَّنَتْ شَرْطَهَا فَوَقَعَ الثَّلَاثُ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ النَّاقِصَةُ فَهِيَ تَثْبُتُ اقْتِضَاءً دُونَ الْأُولَى وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى الِاحْتِمَالِ فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ مُقْتَضًى لِلَّفْظِ وَمُحْتَمَلًا لَهُ فَإِذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَقَدْ عَيَّنَ أَحَدَ مُحْتَمَلَيْهِ فَصَحَّ تَعْيِينُهُ وَإِذَا نَوَى مُطْلَقَ الْبَيْنُونَةِ تَعَيَّنَ الْأَدْنَى لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ بِهِ وَأَمَّا طَالِقٌ فَلَا يَتَّصِلُ بِالْمَرْأَةِ لِلْحَالِ أَيْ فِي الْحَالِ وَاللَّامُ لِلْوَقْتِ أَيْ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ وَأَثَرُهُ فِي الْحَالِ لِبَقَاءِ جَمِيعِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ مِنْ حِلِّ الْوَطْءِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى.
لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي الْمِلْكِ أَيْ فِي إزَالَتِهِ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ وَهُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ أَوْ جَعْلُهُ بَائِنًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَحُكْمُهُ فِي الْحِلِّ أَيْ فِي إزَالَةِ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ مُعَلَّقٌ بِكَمَالِ الْعَدَدِ وَهُوَ إيقَاعُ الطَّلْقَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ وَإِنَّمَا حُكْمُهُ لِلْحَالِ أَيْ الثَّابِتِ فِي الْحَالِ وَلَفْظُ الْحُكْمِ تَوَسَّعَ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ أَيْ انْعِقَادَ عِلَّةٍ تُوجِبُ الْحُكْمَ فِي أَوَانِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهَا زَوَالُ الْمِلْكِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَوَالُ الْحِلِّ بِانْضِمَامِ مِثْلَيْهَا إلَيْهَا وَهَذَا الِانْعِقَادُ فِي ذَاتِهِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ النِّيَّةُ وَلَوْ تَنَوَّعَ إنَّمَا يَتَنَوَّعُ بِوَاسِطَةِ الْعَدَدِ أَيْ إذَا أَرَدْت أَنْ تُقَسِّمَهُ عَلَى نَوْعَيْنِ لَا يُمْكِنُك ذَلِكَ إلَّا بِالْتِحَاقِ
стр. 566
إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك صَحَّتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ هَهُنَا ثَابِتٌ لُغَةً لِأَنَّ الْأَمْرَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ لِطَلَبِ الْفِعْلِ فَكَانَ مُخْتَصَرًا مِنْ الْكَلَامِ عَلَى سَائِرِ الْأَفْعَالِ فَصَارَ مَذْكُورًا لُغَةً فَاحْتَمَلَ الْكُلَّ وَالْأَقَلَّ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَأَمَّا طَلَّقْت فَنَفْسُ الْفِعْلِ وَنَفْسُ الْفِعْلِ فِي حَالِ وُجُودِهِ لَا يَتَعَدَّدُ بِالْعَزِيمَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ إنْ خَرَجْت فَعَبْدِي حُرٌّ أَنَّهُ تَصِحُّ نِيَّةُ السَّفَرِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْفِعْلِ لُغَةً ذِكْرُ الْمَصْدَرِ فَأَمَّا الْمَكَانُ فَثَابِتٌ اقْتِضَاءً فَفَسَدَتْ نِيَّةُ مَكَان دُونَ مَكَان
ــ
[كشف الأسرار]
الْعَدَدِ بِهِ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ نَفْسُ الطَّلَاقِ مُؤَثِّرًا فِي إزَالَةِ الْمِلْكِ وَالطَّلَاقُ الثَّلَاثُ مُؤَثِّرًا فِي إزَالَةِ الْحِلِّ مِثْلُ الْبَيْنُونَةِ الْخَفِيفَةِ وَالْغَلِيظَةِ وَإِذَا لَمْ يَنْقَسِمْ إلَّا بِوَاسِطَةٍ الْعَدَدِ صَارَ الْعَدَدُ فِي التَّنْوِيعِ وَإِزَالَةِ الْحِلِّ فَلَمْ يَثْبُتْ مُقْتَضًى لِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذْ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْعَدَدِ بِخِلَافِ الْبَيْنُونَةِ لِأَنَّهَا مُتَنَوِّعَةٌ بِنَفْسِهَا فَيَصْلُحُ كُلُّ نَوْعٍ مُقْتَضًى لِقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ.
وَذَكَرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ وَلَا يَلْزَمُ إذَا قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَعْتًا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ مُتَنَوِّعَةً إلَى خَفِيفَةٍ وَغَلِيظَةٍ وَهَذَا النَّعْتُ يَثْبُتُ بِإِحْدَى الْبَيْنُونَتَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَحَدَيْهِمَا فَإِذَا عَيَّنَ ثَبَتَ ذَلِكَ الْوَجْهُ اقْتِضَاءً وَصَارَ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ الْغَلِيظَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِسَبَبِهَا وَهُوَ التَّطْلِيقَاتُ الثَّلَاثُ فَثَبَتَ الثَّلَاثُ اقْتِضَاءً أَيْضًا فَأَمَّا النَّعْتُ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالطَّلَاقِ وَالطَّلَاقُ الْوَاحِدُ يُثْبِتُ هَذَا الْوَصْفَ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ ضَمُّ عَدَدٍ آخَرَ إلَيْهِ فَيَكُونُ تَعْمِيمُ الْمُقْتَضَى وَفِي الْبَائِنِ مَا أَثْبَتْنَا عُمُومَ الْبَيْنُونَةِ لِأَنَّا لَا نَجْمَعُ بَيْنَ الْبَيْنُونَةِ الْخَفِيفَةِ وَالْغَلِيظَةِ بَلْ تَثَبُّتُ أَحَدَيْهِمَا لِإِثْبَاتِ النَّعْتِ اقْتِضَاءً إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْمُقْتَضَى لَا يَثْبُتُ إلَّا بِسَبَبِهِ فَيَثْبُتُ بِسَبَبِهِ اقْتِضَاءً قَوْلُهُ (وَلِذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ مِثَالًا لِعُمُومِ الْمَحْذُوفِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بَيَانًا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ طَلَّقْتُك وَالْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ يَعْنِي قَوْلَهُ طَلِّقِي نَفْسَك يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ حَيْثُ صَحَّتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهِ دُونَهَا لِأَنَّ الْمَصْدَرَ هَاهُنَا ثَابِتٌ لُغَةً لَا اقْتِضَاءً لِأَنَّ الْأَمْرَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ لِطَلَبِ الْفِعْلِ أَيْ الْمَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى وُجُودِ الْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِ وُجُودِهِ فِيهِ وَهُوَ ثَابِتٌ فَصَحَّ الْأَمْرُ لُغَةً وَإِذَا صَحَّ كَانَ الْمَصْدَرُ ثَابِتًا لُغَةً لِأَنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِهِ افْعَلِي التَّطْلِيقَ عَلَى مِثَالِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ أَيْ الْأَمْرِ بِهَا فَإِنَّ قَوْلَهُمْ اُكْتُبْ وَاضْرِبْ وَاجْلِسْ وَنَحْوَهَا مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ افْعَلْ الْكِتَابَةَ وَافْعَلْ الضَّرْبَ وَافْعَلْ الْجُلُوسَ.
وَكَذَا ضَرَبْت وَيَضْرِبُ مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ فَعَلَ الضَّرْبَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَيَفْعَلُ الضَّرْبَ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ وَإِذَا كَانَ الْمَصْدَرُ ثَابِتًا لُغَةً احْتَمَلَ الْكُلَّ وَالْأَقَلَّ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك طَلَاقًا وَكَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَأَمَّا طَلَّقْت فَنَفْسُ الْفِعْلِ أَيْ إخْبَارٌ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ وَوُجُودِهِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَنَفْسُ الْفِعْلِ فِي حَالِ وُجُودِهِ لَا يَتَعَدَّدُ بِالْعَزِيمَةِ أَوْ مَعْنَاهُ طَلَّقْتُ ذَاتُهُ نَفْسَ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ جُعِلَ إنْشَاءً وَتَطْلِيقًا فِي الشَّرْعِ لَا أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ طَلَاقٍ مَوْجُودٍ قَبْلَهُ فَصَارَ قَوْلُهُ طَلَّقْت كَسَائِرِ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ وَالْفِعْلُ حَالَ وُجُودِهِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَعَدَّدَ بِالْعَزِيمَةِ كَالْخُطْوَةِ لَا يَصِيرُ خُطْوَتَيْنِ بِالْعَزِيمَةِ فَلِهَذَا لَا يَعْمَلُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهِ.
وَذَلِكَ أَيْ قَوْلُهُ طَلِّقِي نَفْسَك فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَصْدَرِ
стр. 567
وَلَا يَلْزَمُ إذَا حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَنَوَى السُّكْنَى فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَصِحُّ وَالْمَكَانُ ثَابِتٌ اقْتَضَاهُ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمَكَانِ لَغْوٌ حَتَّى لَا تَصِحَّ نِيَّتُهُ لَوْ نَوَى بَيْتًا بِعَيْنِهِ لَكِنَّ نِيَّةَ جَمْلِ الْبُيُوتِ تَصِحُّ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى تَكْمِيلِ فِعْلِ الْمُسَاكَنَةِ لِأَنَّهَا مُفَاعَلَةٌ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَلَى الْكَمَالِ إذَا جَمَعَهُمَا بَيْتٌ وَاحِدٌ لَكِنَّ الْيَمِينَ وَقَعَتْ عَلَى الدَّارِ وَهَذَا قَاصِرٌ عَادَةً فَصَحَّ نِيَّةُ الْكَامِلِ وَالْمُسَاكَنَةُ ثَابِتَةٌ لُغَةً فَصَحَّ تَكْمِيلٌ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ رَجُلٌ قَالَ لِصَغِيرٍ: هَذَا وَلَدِي فَجَاءَتْ أُمُّ الصَّغِيرِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ وَصَدَّقَتْهُ وَهِيَ أُمٌّ مَعْرُوفَةٌ أَنَّهَا تَأْخُذُ الْمِيرَاثَ وَمَا ثَبَتَ الْفِرَاشُ إلَّا مُقْتَضَى لِأَنَّ النِّكَاحَ ثَبَّتَ بَيْنَهُمَا مُقْتَضَى النَّسَبِ فَكَانَ مِثْلَ ثُبُوتِ الْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَكِنَّ الْمُقْتَضَى غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ فَيَصِيرُ فِي حَالِ بَقَائِهِ مِثْلَ النِّكَاحِ الْمَقْعُودِ قَصْدًا.
ــ
[كشف الأسرار]
لُغَةً مِثْلُ قَوْلِهِ إنْ خَرَجْت فَعَبْدِي حُرٌّ فِي دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ خَرَجْت فَعَبْدِي حُرٌّ وَعَنَى بِهِ السَّفَرَ خَاصَّةً صُدِّقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي الْحُكْمِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو هَيْثَمٍ مِنْ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ: لَا يُصَدَّقُ دِيَانَةً أَيْضًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْفِعْلَ وَأَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ فَلَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ كَمَا فِي الِاغْتِسَالِ قَالَ: وَجَوَابُ الْكِتَابِ أَيْ الْجَامِعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَالَ: إنْ خَرَجْت خُرُوجًا وَهَكَذَا كَانَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ.
وَلَكِنَّ جَوَابَ الظَّاهِرِ مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ ذِكْرَ الْفِعْلِ ذِكْرٌ لِلْمَصْدَرِ لُغَةً وَالْمَصْدَرُ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَصَارَ عَامًّا بِصِفَاتِهِ وَمِنْ صِفَاتِهِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَدِيدًا وَمِثْلُ الْخُرُوجِ إلَى السَّفَرِ وَقَدْ يَكُونُ قَصِيرًا مِثْلَ الْخُرُوجِ إلَى السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ وَيُعْرَفُ اخْتِلَافُهُمَا بِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالسَّفَرِ أَحْكَامٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ فَصَحَّ التَّخْصِيصُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْقَاضِي لِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَلَّقْتُك لِأَنَّ صِيغَتَهُ تَدُلُّ عَلَى مَصْدَرٍ مَاضٍ وَلَا مَصْدَرَ فِي الْمَاضِي إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا وَهَذَا مُسْتَقْبَلٌ لِدُخُولِ حَرْفِ الشَّرْطِ فِيهِ فَكَانَ مِثْلَ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك فَيَقْبَلُ التَّعْمِيمَ فَيَصِحُّ تَخْصِيصُهُ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ) إلَى آخِرِهِ إذَا حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَالْيَمِينُ وَاقِعَةٌ عَلَى الدَّارِ وَالْبَيْتِ لِأَنَّ الْمُسَاكَنَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ السُّكْنَى وَهِيَ الْمُكْثُ فِي مَكَان عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْرَارِ وَالدَّوَامِ فَيَكُونُ الْمُسَاكَنَةُ بِوُجُودِ هَذَا الْفِعْلِ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُخَالَطَةِ وَالْمُقَارَنَةِ وَذَلِكَ إذَا سَكَنَا بَيْتًا أَوْ سَكَنَا فِي دَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَيْتٍ مِنْهَا لِأَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ فَإِنْ نَوَى حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يُسَاكِنَهُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَلَمْ يَحْنَثْ بِالْمُسَاكَنَةِ فِي الدَّارِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْغُوَ نِيَّتَهُ لِأَنَّ الْمَسْكَنَ غَيْرُ مَلْفُوظٍ وَإِنَّمَا ثَبَتَ اقْتِضَاءً وَنِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيمَا لَا لَفْظَ لَهُ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنَّهَا صَحَّتْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ بِأَنَّ الْمُسَاكَنَةَ فِعْلٌ يَقُومُ بِهِمَا وَذَلِكَ فِي أَنْ يَتَّصِلَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِفِعْلِ صَاحِبِهِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ عَلَى الْكَمَالِ وَأَمَّا فِي الدَّارِ فَيَحْصُلُ الِاتِّصَالُ فِي تَوَابِعِ السُّكْنَى مِنْ إرَاقَةِ الْمَاءِ وَغُسْلِ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِمَا لَا أَصْلِ السُّكْنَى فَإِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا يَحْنَثُ بِمَجَازِ السُّكْنَى لِأَنَّ السُّكْنَى فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ تُسَمَّى مُسَاكَنَةً عُرْفًا وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ سَاكِنًا فِي بَيْتٍ وَفِي الْبَيْتِ الْوَاحِدِ يَحْنَثُ حِينَئِذٍ بِعُمُومِ الْمَجَازِ وَإِذَا نَوَى الْبَيْتَ الْوَاحِدَ فَقَدْ نَوَى نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْمُسَاكَنَةِ فَيَصِحُّ لَكِنَّ نِيَّةَ جَمْلِ الْبُيُوتِ يَصِحُّ يَعْنِي نِيَّةَ جُمْلَةِ الْبُيُوتِ أَيْ مُطْلَقِ الْبُيُوتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيَّنَ وَاحِدٌ مِنْهَا تَصِحُّ مَنْ أَجْمَلَ فِي الْكَلَامِ إذَا أَبْهَمَ عَادَةً مُتَّصِلٌ بِالدَّارِ وَقَوْلُهُ وَهُوَ قَاصِرٌ مُعْتَرَضٌ يَعْنِي الْيَمِينَ وَاقِعَةً عَلَى الْمُسَاكَنَةِ فِي الدَّارِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْمُسَاكَنَةِ فِيهَا قَاصِرًا بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ فَإِنَّ الْمُسَاكَنَةَ فِيهَا تُسَمَّى مُسَاكَنَةً فِي الْعُرْفِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ)
стр. 568
وَ الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَيْضًا لِأَنَّ مَعْنَى النَّصِّ إذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ عِلَّةً لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ عِلَّةٍ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِإِشَارَةِ النَّصِّ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا يَخُصُّ
ــ
[كشف الأسرار]
أَيْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لَا يَقْبَلُ الْعُمُومَ وَأَنَّهُ فِيمَا وَرَاءَ تَصْحِيحِ الْكَلَامِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنَّ الْفِرَاشَ فِيهَا ثَبَتَ مُقْتَضًى لِلنَّسَبِ وَقَدْ ظَهَرَ ثُبُوتُهُ فِيمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْإِرْثُ فَقَالَ قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ ثَبَتَ مُقْتَضًى إلَّا أَنَّ النِّكَاحَ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ لَا يُقَالُ نِكَاحٌ يُوجِبُ الْإِرْثَ وَنِكَاحٌ لَا يُوجِبُهُ بَلْ الْإِرْثُ مِنْ لَوَازِمِ النِّكَاحِ وَأَحْكَامُهُ كَالْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ فَإِذَا ثَبَتَ النِّكَاحُ مُقْتَضًى ثَبَتَ حُكْمُهُ وَهُوَ الْإِرْثُ مِثْلُ النِّكَاحِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَصْدًا.
أَلَا تَرَى أَنَّ بُطْلَانَ النِّكَاحِ لَمَّا كَانَ مِنْ لَوَازِمِ الْمِلْكِ يَثْبُتُ بِالْبَيْعِ الثَّابِتِ مُقْتَضًى أَيْضًا كَالْمَالِكِ مِثْلُ مَا إذَا قَالَتْ امْرَأَةٌ لِمَوْلَى زَوْجِهَا: أَعْتِقْ عَبْدَك هَذَا عَنِّي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ قَالَ رَجُلٌ لِمَوْلَى مَنْكُوحَتِهِ: أَعْتِقْ أَمَتَك هَذِهِ عَنِّي بِأَلْفٍ فَفَعَلَ يَثْبُتُ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ النِّكَاحُ أَيْضًا لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ فَكَذَا هَذَا.
وَلَا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِرْثَ مِنْ لَوَازِمِ النِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِهِ كَنِكَاحِ الْكَافِرَةِ وَالْأَمَةِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا امْتَنَعَ الْإِرْثُ هُنَاكَ بِعَارِضِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ كَمَا يَمْتَنِعُ الْحِلُّ بِعَارِضِ الظِّهَارِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَيْضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ بِأَنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ كَانَ الْإِرْثُ ثَابِتًا بِذَلِكَ النِّكَاحِ مِثْلَ ثُبُوتِ الْحِلِّ بِزَوَالِ تِلْكَ الْعَوَارِضِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْإِرْثِ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَثْبُتْ الْإِرْثُ بِهِ عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ ثُبُوتَ النِّكَاحِ هَاهُنَا بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِمُقْتَضَاهُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ وَلَدٌ فِينَا إلَّا بِوَالِدٍ وَوَالِدَةٍ فَكَانَ التَّنْصِيصُ عَلَى الْوَلَدِ تَنْصِيصًا عَلَى الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ دَلَالَةً كَالتَّنْصِيصِ عَلَى الْأَخِ يَكُونُ تَنْصِيصًا عَلَى أَخٍ آخَرَ إذْ الْأُخُوَّةُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بَيْنَ شَخْصَيْنِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الثَّابِتَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ يَكُونُ ثَابِتًا بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً لَا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ مَعَ أَنَّ اقْتِضَاءَ النِّكَاحِ هَاهُنَا كَاقْتِضَاءِ الْمِلْكِ فِي قَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى أَلْفٍ وَبَعْدَمَا ثَبَتَ الْعَقْدُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ يَكُونُ بَاقِيًا لَا بِاعْتِبَارِ دَلِيلٍ مُسْبَقٍ بَلْ لِانْعِدَامِ دَلِيلٍ مُزَيَّلٍ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مُنْتَهٍ بَيْنَهُمَا بِالْوَفَاةِ وَانْتِهَاءُ النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ فَيَصِيرُ فِي حَالِ بَقَائِهِ مِثْلَ النِّكَاحِ الْمَعْقُودِ قَصْدًا.
[الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ]
قَوْلُهُ (وَالثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَيْضًا) يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ الْعُمُومَ فَكَذَا الثَّابِتُ بِالدَّلَالَةِ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ أَيْضًا لِأَنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ بَيَانٌ أَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالدَّلَالَةِ ثَابِتٌ بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً وَبَعْدَمَا كَانَ مَعْنَى النَّصِّ مُتَنَاوِلًا لَهُ لُغَةً لَا يَبْقَى احْتِمَالُ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَنَاوِلٍ وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ إخْرَاجَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِيهِ بِدَلِيلٍ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَكُونُ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا وَأَمَّا الثَّابِتُ بِإِشَارَةِ النَّفْسِ فَعِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ ﵏ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَيْضًا لِأَنَّ مَعْنَى الْعُمُومِ مِمَّا يَكُونُ سِيَاقُ الْكَلَامِ لِأَجْلِهِ فَأَمَّا مَا يَقَعُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سِيَاقُ الْكَلَامِ لَهُ فَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالنَّصِّ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَسَعُ فِيهِ
стр. 569
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ بِالنُّصُوصِ بِوُجُوهٍ أُخَرَ هِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ النَّصَّ عَلَى الشَّيْءِ بِاسْمِهِ الْعَلَمَ يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ قَالُوا: وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَهِمَ الْأَنْصَارُ ﵃ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِالْإِكْسَالِ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَقُلْنَا نَحْنُ: هَذَا بَاطِلٌ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وَالظُّلْمُ حَرَامٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ
ــ
[كشف الأسرار]
مَعْنَى الْعُمُومِ حَتَّى يَكُونَ مُحْتَمِلًا لِلتَّخْصِيصِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: الْإِشَارَةُ زِيَادَةُ مَعْنًى عَلَى مَعْنَى النَّصِّ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِإِيجَابِ النَّصِّ إيَّاهُ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ وَبَيَانُ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِإِشَارَةِ النَّصِّ كَالثَّابِتِ بِالْعِبَارَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ ثَابِتٌ بِصِيغَةِ الْكَلَامِ فَكَمَا أَنَّ الثَّابِتَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فَكَذَا الثَّابِتُ بِإِشَارَتِهِ وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ صُورَتَهُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ لِأَنَّهُ حَيٌّ حُكْمًا ثَبَتَ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وَالْآيَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ عُلُوِّ دَرَجَاتِهِمْ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلَاةً» .
فَأَجَابَ بِأَنَّ تِلْكَ الْإِشَارَةَ خُصَّتْ فِي حَقِّهِ أَوْ هُوَ خُصَّ مِنْ عُمُومِ تِلْكَ الْإِشَارَةِ فَبَقِيَتْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى الْعُمُومِ وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ فِي النُّصُوصِ) أَيْ اسْتَدَلَّ بِهَا بِوُجُوهٍ أُخَرَ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا وَهِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَنَا وَاعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَسَّمُوا دَلَالَةَ اللَّفْظِ إلَى مَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ وَقَالُوا: دَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَجَعَلُوا مَا سَمَّيْنَاهُ عِبَارَةً وَإِشَارَةً وَاقْتِضَاءً مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَقَالُوا: دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ ثُمَّ قَسَّمُوا الْمَفْهُومَ إلَى مَفْهُومِ مُوَافَقَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُوَافِقًا فِي الْحُكْمِ لِلْمَنْطُوقِ بِهِ وَيُسَمُّونَهُ فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ دَلَالَةَ النَّصِّ وَإِلَى مَفْهُومِ مُخَالَفَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُخَالِفًا لِلْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْحُكْمِ وَيُسَمُّونَهُ دَلِيلَ الْخِطَابِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عِنْدَنَا بِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ ثُمَّ قَسَّمُوا هَذَا الْقِسْمَ مِنْ الْمَفْهُومِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ فَمِنْهَا مَا بَدَأَ الشَّيْخُ بِذِكْرِهِ فِي التَّمَسُّكَاتِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ النَّصَّ عَلَى الشَّيْءِ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ أَيْ بِالِاسْمِ الَّذِي لَيْسَ بِصِفَةٍ سَوَاءٌ كَانَ اسْمَ جِنْسٍ كَالْمَاءِ فِي حَدِيثِ الْغُسْلِ وَالْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فِي حَدِيثِ الرِّبَا أَوْ اسْمًا عَلَمًا كَقَوْلِك زَيْدٌ قَامَ أَوْ قَائِمٌ.
يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ أَيْ عَلَى تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَقَطْعِ الْمُشَارَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ عِنْدَ قَوْمٍ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَيُسَمَّى هَذَا مَفْهُومُ اللَّقَبِ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ وَنَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَوْ لَمْ يُوجِبْ التَّخْصِيصَ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ سَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ صَاحِبِ الشَّرْعِ غَيْرَ مُفِيدٍ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ لَيْسَتْ أُمِّي بِزَانِيَةٍ وَلَا أُخْتِي زَنَتْ تَبَادَرَ إلَى الْفَهْمِ نِسْبَةُ الزِّنَا إلَى أُمِّ خَصْمِهِ وَأُخْتِهِ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى الْقَائِلِ بَعْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا لَمَا تَبَادَرَ إلَى الْفَهْمِ ذَلِكَ إذْ لَا مُوجِبَ لِلتَّبَادُرِ إلَى الْفَهْمِ إلَّا الدَّلَالَةُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵇ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَإِنَّ الْأَنْصَارَ ﵃ فَهِمُوا التَّخْصِيصَ مِنْهُ حَتَّى اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ
стр. 570
وَلِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إنْ أَرَدْت أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي غَيْرِ الْمُسَمَّى بِالنَّصِّ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا لِأَنَّ حُكْمَ النَّصِّ فِي غَيْرِهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ بَلْ بِعِلَّةِ النَّصِّ وَإِنْ عَنَى لَا يَثْبُتُ فِيهِ يَكُونُ النَّصُّ مَانِعًا فَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ فَكَيْفَ يُمْنَعُ وَلِأَنَّهُ لَا يُجَابُ الْحُكْمُ فِي الْمُسَمَّى فَكَيْفَ يُوجِبُ النَّفْيَ وَهُوَ ضِدُّهُ
ــ
[كشف الأسرار]
الِاغْتِسَالِ بِالْإِكْسَالِ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَفُصَحَاءِ الْعَرَبِ وَمَنْ أَوْجَبَ الْغُسْلَ بِالْإِكْسَالِ لَمْ يَمْنَعُوا الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا بِنَسْخِ مَفْهُومِهِ بِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى اتِّفَاقِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ فِي الْحَدِيثِ الْمَاءُ الطَّهُورُ وَبِالثَّانِي الْمَنِيُّ وَكَلِمَةُ مَنْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لِأَجْلِ الِاغْتِسَالِ وَاجِبٌ بِسَبَبِ الْمَنِيِّ.
وَالْإِكْسَالُ أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ ثُمَّ يَفْتُرُ ذَكَرُهُ بَعْدَ الْإِيلَاجِ بِلَا إنْزَالٍ يُقَالُ أَكْسَلَ الْفَحْلُ أَيْ صَارَ ذَا كَسَلٍ كَذَا فِي الْفَائِقِ وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] أَيْ فِي الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ الْحُرُمِ وَهِيَ رَجَبٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى إبَاحَةِ الظُّلْمِ فِي غَيْرِهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] أَيْ إلَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى تَخْصِيصِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْغَدِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْقَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» ثُمَّ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّخْصِيصِ بِالْجَنَابَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ أَسْبَابِ الِاغْتِسَالِ وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَقُلْنَا نَحْنُ هَذَا أَيْ مَا قَالُوا: إنَّ التَّنْصِيصَ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ بَاطِلٌ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّنْصِيصَ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ بِدُونِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخُصُوصِ كَثِيرٌ وَلِأَنَّهُ يُقَالُ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ النَّصُّ مَتَى أَوْجَبَ حُكْمًا مُقَيَّدًا بِاسْمٍ يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِهِ فِي ذَلِكَ الْمُسَمَّى وَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ فَلَا يَصِيرُ النَّصُّ بِذَلِكَ الِاسْمِ مَانِعًا ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي سَائِرِ الْمَحَالِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ سَائِرَ الْمَحَالِّ فِي إيجَابِ ذَلِكَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّهُ وُضِعَ لِلْإِيجَابِ فَلَأَنْ لَا يَتَنَاوَلُ سَائِرَ الْمَحَالِّ لِنَفْيِ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلنَّفْيِ أَوْلَى فَكَيْفَ يُوجِبُ النَّفْيَ وَهُوَ ضِدُّهُ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ الثُّبُوتَ مَعَ الِانْتِفَاءِ ضِدَّانِ وَلِهَذَا يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فَمَا يُوجِبُ السَّوَادَ لَا يُوجِبُ الْبَيَاضَ وَإِنْ كَانَا فِي مَحَلَّيْنِ فَكَذَلِكَ الثُّبُوتُ وَالِانْتِفَاءُ لَا يَصْلُحَانِ مُوجِبَيْنِ لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَحَلُّ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَحَلِّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ مِنْ شَرَائِطِ التَّنَافِي اتِّحَادُ الْمَحَلِّ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ يُوجِبُ الْحِلَّ فِي حَقِّ الزَّوْجِ وَالْحُرْمَةَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَكَذَا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْمُبَاحِ يُوجِبُ الْحِلَّ فِي حَقِّ الْمُسْتَوْلِي وَالْحُرْمَةَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَكَذَا الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ إيجَابٌ فِي حَقِّهِ وَنَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَكَذَا النَّصُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُثْبِتًا لِلْحُكْمِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَنَافِيًا عَنْ غَيْرِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَمْ نَدَّعِ اسْتِحَالَةَ اجْتِمَاعِهِمَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ مَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي إثْبَاتِ شَيْءٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي إثْبَاتِ ضِدِّهِ وَالْحُرْمَةُ عَلَى الْغَيْرِ فِيمَا ذَكَرْتُمْ لَمْ يَثْبُتْ بِالنِّكَاحِ
стр. 571
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ وَلَوْ كَانَ لِخُصُوصِ الِاسْمِ أَثَرٌ بِالْمَنْعِ فِي غَيْرِهِ لَصَارَ التَّعْلِيلُ عَلَى مُضَادَّةِ النَّصِّ وَهُوَ بَاطِلٌ وَأَمَّا «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ مِنْهُمْ كَانَ فَاللَّامُ الْمَعْرِفَةِ وَهِيَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَتَعْرِيفِهِ وَعِنْدَنَا هُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَاءِ غَيْرَ أَنَّ الْمَاءَ يَثْبُتُ عِيَانًا مَرَّةً وَتَارَةً دَلَالَةً.
ــ
[كشف الأسرار]
نَفْسِهِ وَلَا بِالِاسْتِيلَاءِ وَلَكِنْ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَقْبَلُ إلَّا حِلًّا وَاحِدًا فَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ وَالْمُسْتَوْلِي انْتَفَى عَنْ غَيْرِهِمَا ضَرُورَةً فَكَانَ الْمُثْبِتُ لِلْحُرْمَةِ عَلَى الْغَيْرِ ثُبُوتَ الْحِلِّ.
وَكَذَا الْأَمْرُ لَمَّا وَجَبَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْإِتْيَانِ بِهِ تَرْكُ ضِدِّهِ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِضِدِّهِ يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِهِ ثَبَتَ حُرْمَةُ الضِّدِّ أَوْ كَرَاهَتُهُ بِوُجُوبِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا بِالْأَمْرِ نَفْسِهِ وَلَكِنَّ الْحُرْمَةَ عَلَى الْغَيْرِ وَحُرْمَةَ الضِّدِّ أُضِيفَتْ إلَى النِّكَاحِ وَالْأَمْرُ لِإِضَافَتِهِمَا إلَيْهَا فَأَمَّا ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ فَقَدْ يَسْتَغْنِي عَنْ النَّفْيِ عَنْ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ النَّفْيُ بِلَا ضَرُورَةٍ إلَى الْمُثْبِتِ وَهُوَ النَّصُّ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ بَاطِلٌ إذْ لَوْ كَانَ لِخُصُوصِ الِاسْمِ أَثَرٌ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ لَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْعِلَّةِ لَا يَتَعَدَّى مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ وَلَا مَانِعَ أَقْوَى مِنْ النَّصِّ إذْ التَّعْلِيلُ فِي مُقَابَلَتِهِ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِمَفْهُومِهِ لَا بِصَرِيحِهِ وَالْمَفْهُومُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُفْضِي الْقَوْلُ بِهِ إلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ بَلْ إلَى التَّعَارُضِ وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ مُسَاوَاةَ الْفَرْعِ الْأَصْلَ فِي الْمَصْلَحَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْحُكْمِ وَمِنْ شَرْطِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عَدَمُ مُسَاوَاةِ الْمَسْكُوتِ الْمَنْطُوقَ فِي تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ إذْ لَوْ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ لَكَانَ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ فَإِذَا أَمْكَنَ قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عَلَى الْمَنْطُوقِ ثَبَتَ أَنْ لَا مَفْهُومَ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ وَتَخْصِيصُ الشَّيْخِ الْفُقَهَاءَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ لَا يُوهِمَنَّكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ جَوَازِ الْقِيَاسِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ نُفَاتُهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ التَّخْصِيصِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الشَّيْءِ بِالِاسْمِ وَأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْقِيَاسِ بِنَاءٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يُجَوِّزُوهُ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَوَابًا وَخَطَأً لَا لِنَصٍّ يَمْنَعُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ فَإِنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِخَبَرِهِ لِضَعْفٍ فِي سَنَدِهِ لَا لِنَصٍّ مَانِعٍ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ عَلَى الْخَصْمِ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِمْ لَا بِقَوْلِ نُفَاةِ الْقِيَاسِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَوْ كَانَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ حُجَّةً لَكَانَ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ زَيْدٌ مَوْجُودٌ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كُفْرُ الْقَائِلِ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي بِظَاهِرِهِ إلَى أَنَّ غَيْرَ زَيْدٍ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَفِيهِ إنْكَارُ وُجُودِ الصَّانِعِ ﷻ وَأَنَّ غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﵇ لَيْسَ بِرَسُولٍ وَفِيهِ إنْكَارُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ فَكَذَا مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ.
ثُمَّ أَجَابَ الشَّيْخُ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مِنْ الْأَنْصَارِ ﵃ عَلَى انْحِصَارِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَاءِ لَمْ يَكُنْ لِمَا تَوَهَّمَ الْخَصْمُ مِنْ دَلَالَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى التَّخْصِيصِ بَلْ فَاللَّامُ الْمَعْرِفَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ لِلْجِنْسِ الْمُعَرِّفَةِ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَعْهُودِ الْمُوجِبَةِ لِلِانْحِصَارِ أَوْ مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «لَا مَاءَ إلَّا مِنْ الْمَاءِ» وَفِي بَعْضِهَا «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْحَصْرَ وَالتَّخْصِيصَ بِالِاتِّفَاقِ وَعِنْدَنَا هُوَ كَذَلِكَ أَيْ هَذَا الْكَلَامُ مُوجِبٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالِانْحِصَارِ كَمَا قَالَتْ الْأَنْصَارُ وَمَعْنَاهُ وُجُوبُ جَمِيعِ الِاغْتِسَالَاتِ مِنْ الْمَنِيِّ أَيْ بِسَبَبِهِ لَكِنْ لَمَّا دَلَّ
стр. 572
وَمِنْ ذَلِكَ مَا حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا أُضِيفَ إلَى مُسَمًّى بِوَصْفٍ خَاصٍّ كَانَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ وَعِنْدَنَا هَذَا بَاطِلٌ أَيْضًا
ــ
[كشف الأسرار]
الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَيْضًا نُفِيَ الِانْحِصَارُ فِيمَا وَرَاء ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَنِيِّ وَصَارَ مَعْنَاهُ جَمِيعُ الِاغْتِسَالَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ مُنْحَصِرٌ فِي الْمَنِيِّ لَا يَثْبُتُ بِغَيْرِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاءِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الِاغْتِسَالُ بِالْإِكْسَالِ لِعَدَمِ الْمَاءِ لَكِنَّ الْمَاءَ فِيهِ ثَابِتٌ تَقْدِيرًا لِأَنَّ الْمَاءَ يَثْبُتُ عِيَانًا مَرَّةً وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَرَّةً دَلَالَةً فَإِنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ وَتَوَارِي الْحَشَفَةِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الْمَاءِ كَانَ دَلِيلًا عَلَيْهِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ كَالنَّوْمِ أُقِيمَ مَقَامَ الْحَدَثِ وَالسَّفَرِ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ فَثَبَتَ أَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ فِي الْإِكْسَالِ مُضَافٌ إلَى الْمَاءِ أَيْضًا فَكَانَ هَذَا مِنَّا قَوْلًا بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ وَأَمَّا فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ عِنْدَنَا فَهِيَ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْمُسْتَنْبِطُونَ فِي عِلَّةِ النَّصِّ فَيُثْبِتُونَ الْحُكْمَ بِهَا فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ مِنْ الْمَوَاضِعِ لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الْمُسْتَنْبِطِينَ وَثَوَابَهُمْ وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إذَا وَرَدَ النَّصُّ عَامًّا مَتْنًا وَلَا لِلْجِنْسِ.
[الْحُكْمَ إذَا أُضِيفَ إلَى مُسَمًّى بِوَصْفٍ خَاصٍّ كَانَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ]
كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْعَمَلِ بِالْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا أُضِيفَ إلَى مُسَمًّى بِوَصْفٍ خَاصٍّ يَعْنِي إذَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِاسْمٍ عَامٍّ مُقَيَّدٍ بِوَصْفٍ كَقَوْلِهِ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» فَإِنَّ اسْمَ الْغَنَمِ عَامٌّ فِي جِنْسِهِ وَوَصْفَ السَّوْمِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِهِ لَا بِكُلِّهِ بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] فَإِنَّهُ وَصْفٌ يَعُمُّ النَّبِيِّينَ أَجْمَعَ وَقَوْلُهُ ﵇ «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» فَإِنَّ وَصْفَ رُطُوبَةِ الْكَبِدِ يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ أَيْ نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ وَيُسَمَّى هَذَا مَفْهُومَ الصِّفَةِ.
وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ صِفَتَانِ فَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا يُخَالِفُهُ فِي الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] وَقَوْلِهِ ﵇ «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ. مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرَةً فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ» فَتَخْصِيصُ الْعَمْدِ وَالسَّوْمِ وَالتَّأْبِيرِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَأَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَعِنْدَنَا لَا يَدُلُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْغَزَالِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِمَا رُوِيَ أَنْ أَبَا عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ حَكَى عَنْ الْعَرَبِ اسْتِعْمَالَهُمْ الْمَفْهُومَ وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ» أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَيَّ مَنْ لَيْسَ بِوَاجِدٍ أَيْ مَطْلَ مَنْ لَيْسَ يَعْنِي لَا يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ أَيْ مِنْ جِنْسِهِ وَعِرْضَهُ أَيْ مُطَالَبَتَهُ وَبِأَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا أَسْوَدَ يُفْهَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْأَبْيَضِ وَإِذَا قَالَ: اضْرِبْهُ إذَا قَامَ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَنْعُ إذَا لَمْ يَقُمْ وَبِأَنَّ تَخْصِيصَ الْوَصْفِ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَوَتْ الْعَلُوفَةُ وَالسَّائِمَةُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ لَمْ تَبْقَ لِذِكْرِ السَّائِمَةِ فَائِدَةٌ وَتَخْصِيصُ آحَادِ الْفُقَهَاءِ وَالْبُلَغَاءِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ مُمْتَنِعٌ فَتَخْصِيصُ الشَّارِعِ أَوْلَى وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ لَا يُفْهَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ إلَّا بِنَقْلٍ مُتَوَاتِرٍ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوْ جَارٍ مَجْرَى التَّوَاتُرِ
стр. 573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
كَعِلْمِنَا بِأَنَّ قَوْلَهُمْ ضَرُوبٌ وَقَتُولٌ وَأَمْثَالُهُمَا لِلتَّكْثِيرِ وَأَنَّ قَوْلَهُمْ عَلِيمٌ وَأَعْلَمُ وَقَدِيرٌ وَأَقْدَرُ لِلْمُبَالَغَةِ وَنَقْلُ الْآحَادِ لَا يَكْفِي إذْ الْحُكْمُ عَلَى لُغَةٍ يَنْزِلُ عَلَيْهَا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِ الْآحَادِ مَعَ جَوَازِ الْغَلَطِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَلَا يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ فَإِنَّ مَنْ قَالَ: إنْ ضَرَبَك زَيْدٌ عَامِدًا فَاضْرِبْهُ حَسَنٌ أَنْ يُقَالَ إنْ ضَرَبَنِي خَاطِئًا هَلْ أَضْرِبُهُ وَإِذَا قَالَ: أَخْرِجْ الزَّكَاةَ مِنْ مَاشِيَتِك السَّائِمَةِ حَسَنٌ أَنْ يُقَالَ: هَلْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْعَلُوفَةِ فَحُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ ذَلِكَ فِي الْمَنْطُوقِ وَلَا يُقَالُ: إنَّمَا حَسُنَ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ النَّفْيُ مَجَازًا لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يُرَدُّ إلَى الْمَجَازِ لِضَرُورَةِ دَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ وَبِأَنَّ الْخَبَرَ عَنْ ذِي الصِّفَةِ لَا يَبْقَى غَيْرُ الْمَوْصُوفِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ: قَامَ أَسْوَدُ أَوْ خَرَجَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ الْأَبْيَضِ بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْ الْأَبْيَضِ فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ.
وَبِمَفْهُومِ الِاسْمِ وَاللَّقَبِ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ مَوْضُوعَةٌ لِتَمْيِيزِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَشْخَاصِ كَالْإِنْسَانِ فَرِيدٌ وَالصِّفَاتُ مَوْضُوعَةٌ لِتَمْيِيزِ النُّعُوتِ وَالْأَحْوَالِ كَطَوِيلٍ وَقَصِيرٍ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ فَإِذَا كَانَ تَقْيِيدُ الْخِطَابِ بِالِاسْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ فِي الْإِبِلِ الزَّكَاةُ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى نَفْيِهَا عَنْ الْبَقَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالصِّفَاتِ بِمَثَابَتِهِ وَبِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ فَرَّقُوا بَيْنَ الْعَطْفِ وَبَيْنَ النَّقْضِ وَقَدْ قَالُوا: اضْرِبْ الرِّجَالَ الطِّوَالَ وَالْقِصَارَ عَطْفٌ وَلَيْسَ بِنَقْضٍ وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ اضْرِبْ الرِّجَالَ الطِّوَالَ بَدَلًا عَلَى نَفْيِ ضَرْبِ الْقُصَّرِ لَكَانَ قَوْلُهُ وَالْقِصَارَ نَقْضًا لَا عَطْفًا وَقَوْلُهُمْ لَوْ لَمْ يَدُلَّ تَخْصِيصُ الْوَصْفِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فَائِدَةٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ إذْ الْبَاعِثُ عَلَى التَّخْصِيصِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ لِأَنَّ فِي الْبَوَاعِثِ عَلَيْهِ كَثْرَةً فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ بَاعِثٌ سِوَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ لَعَرَفْنَاهُ مَعَ كَثْرَةِ خَوْضِنَا فِي طَلَبِهِ وَتَوَفُّرِ دَوَاعِينَا عَلَى طَلَبِ الْحَقِّ قُلْنَا: وَلَوْ قُلْتُمْ إنَّ كُلَّ فَائِدَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لَكُمْ فَلَعَلَّهَا حَاصِلَةٌ وَلَمْ تَعْثِرُوا عَلَيْهَا فَكَأَنَّكُمْ جَعَلْتُمْ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْفَائِدَةِ عِلْمًا بِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَهُوَ خَطَأٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالِاسْمِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى النَّفْيِ حَتَّى عَمَّ الْحُكْمُ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَطْعُومَاتِ فِي حَدِيثِ الرِّبَا وَقَدْ اخْتَصَّ بِالْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ لَا يَخْلُو عَنْ الْفَائِدَةِ وَإِذَا طُلِبَتْ الْفَائِدَةُ قِيلَ: لَعَلَّ الدَّاعِيَ إلَيْهِ سُؤَالٌ أَوْ حَاجَةٌ أَوْ سَبَبٌ لَمْ نَعْرِفْهُ فَلْيَكُنْ فِي التَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ كَذَلِكَ ثُمَّ نَقُولُ لِلتَّخْصِيصِ فَوَائِدُ الْأَوَّلُ مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ مَحَلِّ الْحُكْمِ لَمْ يَبْقَ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالٌ فَفِي التَّخْصِيصِ بِبَعْضِ الْأَلْقَابِ وَالْأَوْصَافِ بِالذِّكْرِ تَعْرِيضٌ لِلْمُجْتَهِدِينَ لِلثَّوَابِ الْجَزِيلِ الَّذِي فِي الِاجْتِهَادِ لِيَتَوَفَّرَ دَوَاعِيهِمْ عَلَى الْعِلْمِ وَيَدُومُ الْعِلْمُ مَحْفُوظًا بِإِقْبَالِهِمْ وَنَشَاطِهِمْ فِي الْفِكْرِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَلَوْلَا هَذَا لَذُكِرَ لِكُلِّ حُكْمٍ رَابِطَةٌ عَامَّةٌ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ مَجَازِي الْحُكْمِ لَا يَبْقَى لِلْقِيَاسِ مَجَالٌ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ وَلَمْ تُخَصَّصْ السَّائِمَةُ لَجَازَ لِلْمُجْتَهِدِ إخْرَاجُ
стр. 574
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] أَنَّ وَصْفَ كَوْنِ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِنَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَثْبُتَ عِنْدَ عَدَمِهِ وَذَلِكَ فِي الزِّنَا وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ» وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ عَلَى مَذْهَبِهِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ عِنْدَهُ يُوجِبُ الْوُجُودَ عِنْدَ وُجُودِهِ وَالْعَدَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ وَالْوَصْفُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ بَيَانُهُ أَنَّ الشَّرْطَ لَمَّا دَخَلَ عَلَى مَا هُوَ مُوجِبٌ لَوْلَا هُوَ صَارَ الشَّرْطُ مُؤَخَّرًا وَنَافِيًا حُكْمَ الْإِيجَابِ وَالْوَصْفُ لَوْلَا هُوَ لَكَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِمُطْلَقِ الِاسْمِ أَيْضًا فَصَارَ لِلْوَصْفِ أَثَرُ الِاعْتِرَاضِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فَأُلْحِقَ بِهِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ لِأَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْإِيجَابِ لَا لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى مَا يُوجِبُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ الْعَلَمِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُودُ وَلَمْ يُوجَبْ الْعَدَمُ عِنْدَ عَدَمِهَا
ــ
[كشف الأسرار]
السَّائِمَةِ عَنْ الْعُمُومِ بِالِاجْتِهَادِ فَخَصَّ السَّائِمَةَ لِقِيَاسِ الْعَلُوفَةِ عَلَيْهَا إنْ رَأَى أَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا أَوْ لَا يَلْحَقُ بِهَا فَيَبْقَى السَّائِمَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ الثَّالِثَةُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ عَلَى التَّخْصِيصِ عُمُومُ وُقُوعٍ أَوْ اتِّفَاقُ مُعَامَلَةٍ خَاصَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابٍ لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهَا فَعَدَمُ عِلْمِنَا بِذَلِكَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ عِلْمِنَا بِعَدَمِ ذَلِكَ بَلْ نَقُولُ لَعَلَّ إلَيْهِ دَاعِيًا لَمْ نَعْرِفْهُ وَمَا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ مِنْ تَخْصِيصَاتٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خَالَفَ الْمَوْصُوفُ فِيهَا غَيْرَ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ فَالْجَوَابُ عَنْهَا أَنَّ ذَلِكَ إمَّا لِبَقَائِهَا عَلَى الْأَصْلِ أَوْ مَعْرِفَتِهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ أَوْ بِقَرِينَةٍ مَعَ أَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِتَخْصِيصَاتٍ لَا أَثَرَ لَهَا فِي نَقِيضِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ إذْ يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الْخَاطِئِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَالْحِلُّ ثَابِتٌ فِي اللَّاتِي لَمْ يُهَاجِرْنَ مَعَهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] لِي أَمْثَالٌ لَهَا لَا تُحْصَى وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الْفِقْهِ وَلِلْفَرِيقَيْنِ كَلَامٌ طَوِيلٌ يُؤَدِّي ذِكْرُهُ إلَى الْإِطْنَابِ فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى) أَيْ نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] عَلَّقَ حُرْمَةَ الرَّبِيبَةِ بِالدُّخُولِ بِامْرَأَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِأَنْ تَكُونَ مُضَافَةً إلَيْنَا فَوَجَبَ أَنْ لَا تَثْبُتَ هَذِهِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ عَدَمِ هَذَا الْوَصْفِ وَذَلِكَ فِي الزِّنَا أَيْ عَدَمُ الْوَصْفِ يَتَحَقَّقُ فِي الزِّنَا فَلَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْمُدَّعِي أَيْ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِثْلُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ دَلَّ عَدَمُ الْوَصْفِ وَهُوَ السَّوْمُ فِيهِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ إذْ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى النَّفْيِ لَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي الْعَوَامِلِ بِالْخَبَرِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ثُمَّ أَلْحَقَ الشَّيْخُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَجَعَلَهَا مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ وَبَيَّنَ وَجْهَ الْبِنَاءِ فَقَالَ: الْوَصْفُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى مَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ فِي الْحَالِ لَوْلَا دُخُولُهُ عَلَيْهِ فَكَانَ الشَّرْطُ مُؤَخِّرًا حُكْمَ الْإِيجَابِ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَنَافِيًا لَهُ فِي الْحَالِ فَكَذَا النَّصُّ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ لَوْلَا الْوَصْفُ فَإِذَا قَيَّدَ بِهِ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ الْمُسَمَّى إلَى زَمَانِ وُجُودِهِ فَكَانَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا يَكُونُ مُوجِبًا وُقُوعَ الطَّلَاقِ مَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَبِدُونِهِ كَانَ مُوجِبًا فِي الْحَالِ فَكَذَا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ رَاكِبَةً لَا يَكُونُ مُوجِبًا مَا لَمْ يُوجَدْ الرُّكُوبُ مَعَ الدُّخُولِ وَقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يُوجِبُ النَّفْيَ عِنْدَ عَدَمِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُؤَخِّرٌ فَكَذَا التَّقْيِيدُ بِالْوَصْفِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْعِلَّةِ أَيْ الشَّرْطِ
стр. 575
وَلَنَا أَنَّ أَقْصَى دَرَجَاتِ الْوَصْفِ إذَا كَانَ مُوَثِّرًا أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ الْحُكْمِ مِثْلَ السَّارِقِ وَالزَّانِي وَلَا أَثَرَ لِلْعِلَّةِ فِي النَّفْيِ وَمِثَالُ هَذَا أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] فَهَذَا لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ نِكَاحِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ عِنْدَنَا لِمَا قُلْنَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى فِي أَمَةٍ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ فَادَّعَى الْمَوْلَى نَسَبَ الْأَكْبَرِ أَنَّ نَسَبَ مَنْ بَعْدَهُ لَا يَثْبُتُ فَجَعَلَ تَخْصِيصَهُ نَفْيًا لَوْلَا ذَلِكَ لَثَبَتَ لِأَنَّهُمَا وَلَدُ أُمِّ وَلَدِهِ وَقَالَ فِي الشَّهَادَاتِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَوْ الْوَصْفِ يُخَالِفُ الْعِلَّةَ فِي أَنَّهَا لَا تُوجِبُ الْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْحُكْمَ ابْتِدَاءً لَا أَنَّهُ وُجِدَ مُوجِبٌ قَبْلَهَا ثُمَّ صَارَتْ هِيَ مُؤَخِّرَةً حُكْمَ ذَلِكَ الْمُوجِبِ إلَى حِينِ وُجُودِهَا فَتُوجِبُ الْوُجُودَ عِنْدَ الْمَوْجُودِ وَالْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ بَلْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ التَّخْصِيصِ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجِبْ النَّفْيَ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْحُكْمَ ابْتِدَاءً إذْ لَمْ يَسْبِقْهُ مُوجِبٌ قَبْلَهُ حَتَّى صَارَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ مُؤَخَّرًا إلَى حِينِ وُجُودِهِ فَلِذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يُوجِبُ النَّفْيَ إذَا تَمَّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» إذْ لَوْ سَقَطَتْ السَّائِمَةُ لَمَا اخْتَلَّ الْكَلَامُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ فَإِنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ الْغَنَمَ لَاخْتَلَّ الْكَلَامُ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِدُونِهِ فَلَا يَكُونُ التَّخْصِيصُ بِهِ مُؤَخَّرًا نَافِيًا وَلَنَا أَنَّ أَقْصَى دَرَجَاتِ الْوَصْفِ أَيْ أَعْلَاهَا إذَا كَانَ مُؤَثِّرًا احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ قَوْلِ الرَّاوِي «نَهَى النَّبِيُّ ﵇ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ نَسِيئَةً» فَإِنَّ وَصْفَ الْحَيَاةِ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ فِي حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا الْمُؤَثِّرُ وَصْفُ النَّسِيئَةِ وَمِثَالُ هَذَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ أَيْضًا رَفْعُ إبْهَامٍ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا أَثَرَ لِلْعِلَّةِ فِي النَّفْيِ فَرَفَعَ ذَلِكَ الْإِبْهَامَ بِقَوْلِهِ أَيْضًا وَبَيَّنَ أَنَّهُ نَظِيرُ التَّعْلِيقِ بِالْوَصْفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ مَا حُكْمُهُ مَعَ أَنَّ النِّزَاعَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ حُكْمُ الشَّرْطِ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي النَّفْيِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ حُكْمُ مَا أُلْحِقَ بِهِ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْوَصْفِ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَمَةٌ وَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا فَقَالَ الْمَوْلَى الْأَكْبَرُ وَلَدِي لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْآخَرِينَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمَّا خَصَّ الْأَكْبَرَ بِالدَّعْوَى صَارَ كَأَنَّهُ نَفَى نَسَبَ الْآخَرِينَ وَقَالَ: هُوَ وَلَدِي دُونَهُمَا وَلَوْلَا التَّخْصِيصُ لَثَبَتَ نَسَبُهُمَا أَيْضًا لِأَنَّهُمَا وَلَدَا أُمِّ الْوَلَدِ وَلِهَذَا قَالَ زُفَرُ ﵀: يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلتَّخْصِيصِ فِي النَّفْيِ وَقَدْ تَبَيَّنَ بِثُبُوتِ نَسَبِ الْأَكْبَرِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَنَّهَا وَلَدَتْهُمَا عَلَى فِرَاشِهِ وَنَسَبُ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ يَثْبُتُ مِنْ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ وَلَمْ يُوجَدْ وَقَالَ فِي الشَّهَادَاتِ عَطْفٌ عَلَى قَالَ الْأَوَّلُ أَيْ وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا مَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كَذَا أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ مَسْأَلَةُ الدَّعْوَى فَلَمْ يَثْبُتْ النَّفْيُ بِالْخُصُوصِ أَيْ بِالتَّقْيِيدِ بِالْوَصْفِ فَإِنَّهُ لَوْ أَشَارَ إلَى الْأَكْبَرِ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ فَقَالَ: هَذَا وَلَدِي أَوْ فُلَانٌ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْآخَرِينَ أَيْضًا مَعَ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْعَيْنِ أَوْ الِاسْمِ الْعَلَمِ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الْمُشَارِ وَالْمُسَمَّى بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَلَكِنْ
стр. 576
وَالدَّعْوَى إذَا قَالَ شُهُودُ الْمِيرَاثِ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا فِي أَرْضِ كَذَا أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَجَعْلُ النَّفْيِ فِي مَكَانِ كَذَا إثْبَاتًا فِي غَيْرِهِ أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَثْبُتْ النَّفْيُ بِالْخُصُوصِ لَكِنْ لِأَنَّ الْتِزَامَ النَّسَبِ عِنْدَ ظُهُورِ دَلِيلِهِ وَاجِبٌ شَرْعًا وَالتَّبَرِّي عِنْدَ ظُهُورِ دَلِيلِهِ وَاجِبٌ أَيْضًا وَالِالْتِزَامُ بِالْبَيَانِ فَرْضُ صِيَانَةً عَنْ النَّفْيِ فَصَارَ السُّكُوتُ عِنْدَ لُزُومِ الْبَيَانِ لَوْ كَانَ ثَابِتًا نَفْيًا حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ حَتَّى لَا يَصِيرَ تَارِكًا لِلْفَرْضِ وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَاتِ زَادَ الشُّهُودُ مَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَفِيهِ شُبْهَةٌ وَبِالشُّبْهَةِ تُرَدُّ الشَّهَادَاتُ وَبِمِثْلِهَا لَا يَصِحُّ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: هَذَا سُكُوتٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَكَانِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَذِكْرَ الْمَكَانِ يَحْتَمِلُ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْمُجَازَفَةِ.
ــ
[كشف الأسرار]
إنَّمَا لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا لِأَنَّ السُّكُوتَ عَنْ الْبَيَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بَيَانٌ وَهَذَا لِأَنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمَلٌ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَجُوزُ إهْدَارُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ إلَّا أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِقَدْرِ الدَّلِيلِ أَلَا تَرَى أَنَّ سُكُوتَ الشَّفِيعِ وَالْبِكْرِ حُمِلَ عَلَى الرِّضَاءِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَجَبَ أَنْ يُرَجَّحَ وَتَرْجِيحُهُ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُ الْأَوَّلِ لَا غَيْرُ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ الِامْتِنَاعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِنَسَبِهِ بَلْ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ دَعْوَةُ النَّسَبِ فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ نَفْيًا لَبَقِيَ فِي عُهْدَةِ الْفَرْضِ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ نَفْيًا لِسُكُوتٍ مُحْتَمِلٍ تَضَرَّرَ الصَّبِيُّ بِهِ وَضَرَرُ الْمَوْلَى فَوْقَ ضَرَرِ الصَّبِيِّ فَرَجَّحْنَا جَانِبَهُ لِئَلَّا يَبْقَى تَحْتَ عُهْدَةِ الْخِطَابِ وَإِنَّمَا لَا يَبْقَى تَحْتَ عُهْدَتِهِ بِانْتِفَاءِ نَسَبِ الْآخَرِينَ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِنَا أَنَّهُ مَحَلُّ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ فَإِنَّ الْمَوْلَى مُحْتَاجٌ إلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ ذِمَّتِهِ وَمُحْتَاجٌ إلَى أَنْ لَا يَلْتَحِقَ بِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ وَالْوَلَدَ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ إلَّا أَنَّ حَاجَةَ الْمَوْلَى فَوْقَ حَاجَةِ الصَّبِيِّ فَتَرَجَّحَتْ عَلَيْهَا.
وَإِذَا تَقَرَّرَ بِمَا ذَكَرْنَا تَحَقُّقُ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ كَانَ سُكُوتُهُ عَنْ دَعْوَةِ نَسَبِ الْآخَرِينَ دَلِيلَ النَّفْيِ لَا تَخْصِيصَهُ الْأَكْبَرَ بِالدَّعْوَةِ وَدَلِيلُ النَّفْيِ كَصَرِيحِ النَّفْيِ وَنَسَبُ أُمِّ الْوَلَدِ يَنْتَفِي بِالنَّفْيِ فَكَذَا بِدَلِيلِ النَّفْيِ وَهَذَا نَظِيرُ مَا قِيلَ إنَّ سُكُوتَ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَنْ الْبَيَانِ بَعْدَ وُقُوعِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِالسُّؤَالِ دَلِيلُ النَّفْيِ لِأَنَّ الْبَيَانَ وَجَبَ عِنْدَ السُّؤَالِ فَكَانَ تَرْكُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ دَلِيلَ النَّفْيِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَلَا يُقَالُ لَا حَاجَةَ إلَى الدَّعْوَةِ لِأَنَّهُمَا وَلَدَا أُمِّ وَلَدِهِ لِأَنَّ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ يَثْبُتُ بِدَعْوَةِ الْأَكْبَرِ فَيَكُونُ مَا هُوَ دَلِيلُ النَّفْيِ مُقَارِنًا لِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ فَلَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا أَنَّ الْفِرَاشَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا مِنْ وَقْتِ الدَّعْوَةِ فَكَانَ انْفِصَالُ الْوَلَدَيْنِ الْآخَرَيْنِ قَبْلَ ظُهُورِ الْفِرَاشِ فِيهِمَا فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا إلَّا بِالدَّعْوَةِ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَإِنَّمَا تُرَدُّ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ التَّخْصِيصَ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْحُكْمَ فِي مُخَالِفِهِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُوَرِّثَ تُهْمَةً وَشُبْهَةً فَكَانَ فِي تَخْصِيصِ الشُّهُودِ مَكَانَ إبْهَامٍ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَتَحَرَّزُوا بِهَذَا التَّخْصِيصِ عَنْ الْكَذِبِ فَيُوَرِّثُ تُهْمَةً وَالشَّهَادَةُ تُرَدُّ بِالتُّهْمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ لَا يُقْضَى بِشَهَادَتِهِمْ فَكَذَا هَذَا فَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَلَا يَصِحُّ إثْبَاتُهَا وَنَفْيُهَا بِالشُّبْهَةِ بَلْ بِالْحُجَّةِ الْمَعْلُومَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: هَذَا أَيْ تَخْصِيصُهُمْ مَكَانًا وَسُكُوتُهُمْ عَنْ سَائِرِ الْأَمْكِنَةِ لَيْسَ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَكَانِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَإِنَّهُمْ لَوْ سَكَتُوا عَنْهُ وَاكْتَفَوْا بِقَوْلِهِمْ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا يَرِثُهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بِالِاتِّفَاقِ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى وُجُودِ وَارِثٍ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَكَمَا يَحْتَمِلُ تَخْصِيصُهُمْ الْمَكَانَ عِلْمَهُمْ بِالْوَارِثِ يَحْتَمِلُ الْمُبَالَغَةَ فِي نَفْيِ الْوَارِثِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَلِدَهُ كَذَا مَوْلِدُهُ وَمَسْقَطُ رَأْسِهِ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ
стр. 577
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِثْلُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] : إنَّ الْقُرْآنَ يُوجِبُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الصَّبِيِّ الزَّكَاةُ وَقَالُوا: لِأَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ الشَّرِكَةَ وَاعْتَبَرُوا بِالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ وَقُلْنَا نَحْنُ: إنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي اللُّغَةِ لَا يُوجِبُ الشَّرِكَةَ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ بَيْنَهُمَا لِافْتِقَارِ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ إلَى مَا تَتِمُّ بِهِ فَإِذَا تَمَّ بِنَفْسِهِ لَمْ تَجِبْ الشَّرِكَةُ إلَّا فِيمَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ وَهَذَا أَكْثَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُحْصَى
ــ
[كشف الأسرار]
فِيهَا بَعْدَ تَفَحُّصٍ وَإِتْقَانٍ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ فِي مَكَان آخَرَ وَيَحْتَمِلُ التَّحَرُّزَ وَالتَّوَرُّعَ عَنْ الْمُجَازَفَةِ أَيْ أَنَّا تَفَحَّصْنَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ دُونَ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ فَنُخْبِرُ عَمَّا تَحَقَّقْنَا وَلَا نُخْبِرُ مُجَازَفَةً عَنْ سَائِرِ الْأَمْكِنَةِ لِأَنَّا لَمْ نَتَفَحَّصْ فِيهَا فَعَارَضَ هَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ فَلَا يُمْنَعُ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِمْ بِمِثْلِ هَذِهِ التُّهْمَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ الثَّابِتَ بْنَ الدَّحْدَاحِ لَمَّا مَاتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ قَبِيلَتِهِ هَلْ يَعْرِفُونَ لَهُ فِيكُمْ نَسَبًا قَالُوا: لَا إلَّا ابْنَ أُخْتٍ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَهُ لِابْنِ أُخْتِهِ إلَى لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ» فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِيهِمْ نَسَبًا وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَعَمِلَ بِشَهَادَتِهِمْ كَذَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ.
[الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْعَمَلِ بِالْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ مَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ إنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ وَصُورَتَهُ أَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ مَتَى دَخَلَ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ فَالْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفَةُ تُشَارِكُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهَا فِي الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا عِنْدَهُمْ خِلَافًا لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَعْطُوفَ إذَا كَانَ نَاقِصًا يُشَارِكُ الْجُمْلَةَ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهَا فِي خَبَرِهِ وَحُكْمِهِ جَمِيعًا وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْقِرَانَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ بِوَاوِ النَّظْمِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] يُوجِبُ سُقُوطَ الزَّكَاةِ عَنْ الصَّبِيِّ كَسُقُوطِ الصَّلَاةِ عَنْهُ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ فِي الْحُكْمِ وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ فِي اللُّغَةِ وَلِهَذَا يُسَمَّى وَاوُ الْعَطْفِ عِنْدَهُمْ وَمُوجِبُ الْعَطْفِ هُوَ الِاشْتِرَاكُ وَمُطْلَقُ الِاشْتِرَاكِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَلِهَذَا إذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ مُتَعَرِّيًا عَنْ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ يُشَارِكُ الْأَوَّلَ فِي خَبَرِهِ وَحُكْمِهِ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِالشَّرِكَةِ فِي الْحُكْمِ إذَا كَانَا كَلَامَيْنِ تَامَّيْنِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَاعْتَبِرُوا بِالْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي كَلَامِ النَّاسِ يُوجِبُ الْقِرَانُ الِاشْتِرَاكَ فَإِنَّ قَوْلَهُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ يُوجِبُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ وَالْحُرِّيَّةِ جَمِيعًا بِالشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَلَامَيْنِ تَامًّا مُفِيدًا بِنَفْسِهِ فَكَذَا فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَقُلْنَا نَحْنُ إنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي اللُّغَةِ لَا يُوجِبُ الشَّرِكَةَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ كَلَامٍ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِنَفْسِهِ وَيَنْفَرِدَ بِحُكْمِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ كَلَامٌ آخَرُ كَقَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ وَذَهَبَ عَمْرٌو لِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الشَّرِكَةِ جَعْلَ الْكَلَامَيْنِ كَلَامًا وَاحِدًا وَهُوَ خِلَافُ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ فَإِنَّهَا لَمَّا احْتَاجَتْ إلَى الْخَبَرِ أَوْجَبَ عَطْفُهَا عَلَى الْكَامِلَةِ الشَّرِكَةَ فِي الْخَبَرِ ضَرُورَةَ الْإِفَادَةِ وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ عُدِمَتْ فِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ عَلَى مِثْلِهَا فَلَمْ يَثْبُتْ الشَّرِكَةُ.
وَهَذَا أَيْ عَطْفُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ بِدُونِ الشَّرِكَةِ كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 578
وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ: إنَّ الْعِتْقَ بِالشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ تَامًّا لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التَّعْلِيقِ قَاصِرٌ
ــ
[كشف الأسرار]
مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] .
وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ﴾ [الحج: ٥] وَقَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥] وَقَوْلُهُ ﷻ ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦] وَغَيْرُ ذَلِكَ فَهَذِهِ جُمَلٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَمْ تُشَارِكْ مَا تَقَدَّمَهَا فِي الْإِعْرَابِ فَأَنَّى تُشَارِكُهَا فِي الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَثْبُتُ لِلِافْتِقَارِ قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّ الْعِتْقَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ كَالطَّلَاقِ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَبْدِي حُرٌّ وَإِنْ كَانَ تَامًّا إيقَاعًا لَكِنَّهُ قَاصِرٌ تَعْلِيقًا أَيْ نَاقِصٌ لِأَنَّهُ عُرِفَ بِدَلَالَةِ الْحَالِ أَنَّ غَرَضَهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالشَّرْطِ لَا التَّنْجِيزُ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ شَرْطًا عَلَى حِدَةٍ فَصَارَ نَاقِصًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْغَرَضُ وَقَدْ عَطَفَهُ عَلَى الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ فَيَثْبُتُ الشَّرِكَةُ لِلِافْتِقَارِ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ طَالِقٌ لَا يَتَعَلَّقُ طَلَاقُ عَمْرَةَ بِالشَّرْطِ بَلْ يُتَنَجَّزُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَرَضُهُ التَّعْلِيقَ لَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَعَمْرَةُ لِأَنَّ خَبَرَ الْأَوَّلِ يَصْلُحُ خَبَرًا لَهُ فَيَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بِالْعَطْفِ وَحَيْثُ لَمْ يَقْتَصِرْ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ التَّنْجِيزُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ خَبَرَ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ خَبَرًا لِلثَّانِي وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَزَيْنَبُ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَعَمْرَةُ طَالِقٌ أَنَّ طَلَاقَ عَمْرَةَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ أَيْضًا لِأَنَّ غَرَضَهُ تَعْلِيقُ الثَّلَاثِ فِي حَقِّ زَيْنَبَ وَتَعْلِيقُ نَفْسِ الطَّلَاقِ فِي حَقِّ عَمْرَةَ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِعَادَةِ الْخَبَرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ عَبْدِي حُرٌّ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ فِي قَوَانِينِ عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ رِعَايَةَ التَّنَاسُبِ شَرْطٌ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَدَرَجَاتُ الْحَمْلِ ثَلَثُونِ وَكُمُّ الْخَلِيفَةِ فِي غَايَةِ الطُّولِ وَفِي عَيْنِ الذُّبَابِ جُحُوظٌ وَكَانَ جَالِينُوسُ مَاهِرًا فِي الطِّبِّ وَالْخَتْمُ فِي التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ وَالْقِرْدُ شَبِيهٌ بِالْآدَمِيِّ سُجِّلَ عَلَيْهِ بِكَمَالِ السَّخَافَةِ أَوْ عُدَّ مَسْخَرَةً مِنْ الْمَسَاخِرِ فَدَلَّ أَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ.
قُلْنَا لَا نُنْكِرُ أَنَّ التَّنَاسُبَ مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْكَلَامِ وَلَكِنَّا نُنْكِرُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِهِ فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَبِالْمُحْتَمَلِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ وَهَذَا كَالْمَفْهُومِ فَإِنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ الْكَلَامِ وَعَلَيْهِ بُنِيَ عِلْمُ الْمَعَانِي وَلَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُثْبِتًا لِلْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى أَنَّ افْتِقَارَ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ فِي أَمْرٍ يُوجِبُ الشَّرِكَةَ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي تَامًّا بِنَفْسِهِ قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى إلَى آخِرِهِ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَاخْتُلِفَ فِي طَرِيقِ الرَّدِّ فَعِنْدَنَا لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ تَتْمِيمًا لِلْحَدِّ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَقْبَلُ لِلْفِسْقِ فَإِنَّهُ بِالْقَذْفِ بِلَا شُهُودٍ هَتَكَ سِتْرَ الْعِفَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَصَارَ بِهِ فَاسِقًا وَلِهَذَا لَزِمَهُ الْحَدُّ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِارْتِكَابِ جَرِيمَةٍ مُوجِبَةٍ لِلْفِسْقِ وَإِذَا ثَبَتَ فِسْقُهُ بِالْقَذْفِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْحَدِّ أَيْضًا لِوُجُودِ الْفِسْقِ وَيَقْبَلُ إذَا تَابَ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ بَعْدَهُ لِزَوَالِ الْفِسْقِ بِالتَّوْبَةِ كَسَائِرِ الْفَسَقَةِ إذَا تَابُوا وَعِنْدَنَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ تَتْمِيمًا لِلْحَدِّ وَسَبَبُهُ الْقَذْفُ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ إتْيَانِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ لَا نَفْسَ
стр. 579
وَعَلَى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] : إنَّ قَوْلَهُ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] جَزَاءٌ وَقَوْلَهُ لَا تَقْبَلُوا وَإِنْ كَانَ تَامًّا وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصْلُحُ جَزَاءً وَاحِدًا مُفْتَقِرًا إلَى الشَّرْطِ فَجُعِلَ مُلْحَقًا بِالْأَوَّلِ أَلَا تَرَى أَنَّ جُرْحَ الشَّهَادَةِ إيلَامٌ كَالضَّرْبِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْقَذْفِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُتَمَيِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ.
وَرُبَّمَا يَكُونُ حِسْبَةً مِنْ الْقَاذِفِ إذْ عَلِمَ إصْرَارَهُ وَوَجَدَ أَرْبَعَةً مِنْ الشُّهُودِ فَإِذَا عَجَزَ لَمْ يَكُنْ قَذْفُهُ حِسْبَةً وَإِقَامَةً لِحَقِّ الشَّرْعِ بَلْ كَانَ هَتْكًا لِلسِّتْرِ لَا غَيْرَ وَأَنَّهُ حَرَامٌ شَرْعًا فَصَارَ سَبَبًا لِلْحَدِّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّا نَسْمَعُ بَيِّنَةَ الْقَاذِفِ عَلَى إثْبَاتِ مَا قَذَفَ وَلَوْ كَانَ قَذْفُهُ كَبِيرَةً بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا وَلَا مَعْمُولًا بِحُكْمِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ كَبِيرَةً بِالْعَجْزِ فَإِذَا عَجَزَ وَصَارَ الْقَذْفُ حِينَئِذٍ فِسْقًا لَزِمَ الْقَاضِي إقَامَةُ الْحَدِّ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِظُهُورِ فِسْقِهِ وَلَكِنَّهَا بَعْدَ الْقَذْفِ فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ مَقْبُولَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْسُقْ بَعْدُ وَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يُقْبَلُ بَعْدُ وَإِنْ تَابَ لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ وَأَصْلَ الْحَدِّ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ فَمَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ لَا يَسْقُطُ أَيْضًا وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ تَمَسَّكُوا فِي إثْبَاتِ مَذْهَبِهِمْ بِظَاهِرِ الْآيَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] جَزَاءٌ لَهُ وَلِهَذَا دَخَلَ فِيهِ الْفَاءُ أَيْ مَنْ رَمَى مُحْصَنَةً فَاجْلِدُوهُ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ الْأُولَى لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ كَلَامٍ تَامٍّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا بِنَفْسِهِ وَالْوَاوُ لِلنَّظْمِ فَلَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ وَقَوْلَهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] جُمْلَةٌ تَامَّةٌ أَيْضًا وَلَكِنَّهَا فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهَا أَيْ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا لِأَنَّهُمْ فَاسِقُونَ بِذَلِكَ الرَّمْيِ فَكَانَتْ مُتَّصِلَةً بِمَا تَقَدَّمَهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ اللَّاحِقِ بِهَا يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلَيْهِمَا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إلَّا الَّذِينَ تَابُوا فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ الْجَمْلِ الْمَعْطُوفَةِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ مُنْصَرِفٌ إلَى الْكُلِّ عَلَى مَا عُرِفَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْقِطَ الْكُلَّ بِالتَّوْبَةِ رَدَّ الشَّهَادَةِ لِزَوَالِ الْفِسْقِ وَالْجَلْدَ لِزَوَالِ الْقَذْفِ بِإِكْذَابِ النَّفْسِ إلَّا أَنَّ الْجَلْدَ حَقُّ الْمَقْذُوفِ فَتَوْبَتُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْتَعْفِيَهُ فَلَا جُرْمَ إذَا اسْتَعْفَاهُ فَعَفَا عَنْهُ سَقَطَ الْحَدُّ أَيْضًا.
وَأَصْحَابُنَا ﵏ قَالُوا: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ كَمَا قَالَ: وَلَكِنَّ نَفْسَ الرَّمْيِ لَا يَصْلُحُ لِإِيجَابِ الْحَدِّ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَالْجِنَايَةِ وَلَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْجِنَايَةِ إلَّا بِالْعَجْزِ عَنْ الْإِتْيَانِ بِالشُّهُودِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا لِتَرَجُّحِ جَانِبِهَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى الشَّرْطِ فَكَانَ الْكُلُّ شَرْطًا لِلْجَزَاءِ الْمَذْكُورِ كَمَا لَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ الَّتِي تَدْخُلُ مِنْكُنَّ: الدَّارَ ثُمَّ تُكَلِّمُ زَيْدًا فَهِيَ طَالِقٌ كَانَ دُخُولُ الدَّارِ مَعَ كَلَامِ زَيْدٍ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَإِنَّمَا عَطَفَ بِكَلِمَةِ ثُمَّ لِأَنَّ إقَامَةَ الشُّهُودِ تَتَرَاخَى عَنْ الْقَذْفِ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ وَلَا تُقَامُ عَقِيبَ الرَّمْيِ مُتَّصِلًا بِهِ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ بِقَوْلِهِ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] فَتَعَلَّقَ الْجَلْدُ بِهِ وَصَارَ مِنْ حُكْمِهِ مِثْلَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] فَشَارَكَهُ فِي كَوْنِهِ جَزَاءً وَاحِدًا لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ تَامًّا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَصْمُ
стр. 580
وَأَلَا تَرَى أَنَّهُ فُوِّضَ إلَى الْأَئِمَّةِ فَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فَلَا يَصْلُحُ جَزَاءً لِأَنَّ الْجَزَاءَ مَا يُقَامُ ابْتِدَاءً بِوِلَايَةِ الْإِمَامِ فَأَمَّا الْحِكَايَةُ عَنْ حَالٍ قَائِمَةٍ فَلَا فَاعْتُبِرَ تَمَامُهَا بِصِيغَتِهَا فَكَانَتْ فِي حَقِّ الْجَزَاءِ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ الْمُبْتَدَأَةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥] ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥] وَالشَّافِعِيُّ ﵀ قَطَعَ قَوْلَهُ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الِاتِّصَالِ وَكُلُّ ذَلِكَ غَلَطٌ وَقُلْنَا نَحْنُ بِصِيغَةِ الْكَلَامِ أَنَّ الْقَذْفَ سَبَبٌ وَالْعَجْزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ شَرْطٌ بِصِفَةِ التَّرَاخِي وَالرَّدَّ حَدٌّ مُشَارِكٌ لِلْجَلْدِ لِأَنَّهُ عَطْفٌ بِالْوَاوِ وَالْعَجْزَ عَطْفٌ بِثُمَّ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصْلُحُ جَزَاءً وَاحِدًا مُفْتَقِرٌ إلَى الشَّرْطِ كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ وَيَصِيرُ الْكُلُّ حَدًّا لِلْقَذْفِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَتَغْرِيبُ عَامٍ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْبِكْرِ لِلْعَطْفِ وَلَكِنَّا لَمْ نَجْعَلْ التَّقْرِيبَ حَدًّا لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَلِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَدًّا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِغْرَاءِ عَلَى ارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ دُونَ الزَّجْرِ فَأَمَّا رَدُّ الشَّهَادَةِ فَثَابِتٌ بِالْكِتَابِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْجَلْدِ وَأَنَّهُ صَالِحٌ لِتَتْمِيمِ الْحَدِّ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ تُقَامُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْمَقْذُوفِ عَلَى مَا عُرِفَ وَحَقُّهُ فِي زَوَالِ مَا لِحَقِّهِ مِنْ الْعَارِ بِتُهْمَةِ الزِّنَا وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِأَنْ يَصِيرَ الْقَاذِفُ مُكَذِّبُ الشَّهَادَةِ مَرْدُودَ الْكَلَامِ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَأَلَّمُ بِرَدِّ الشَّهَادَةِ وَإِبْطَالِ كَلَامِهِ فَوْقَ مَا يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ فَيَصْلُحُ عُقُوبَةً فَيَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ ثُمَّ جَرِيمَةُ الْقَاذِفِ بِاللِّسَانِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ حَدٌّ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْجَرِيمَةُ فَكَانَ جَزَاءً وِفَاقًا كَشَرْعِيَّةِ حَدِّ السَّرِقَةِ فِي الْيَدِ الَّتِي هِيَ آلَةُ الْأَخْذِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِّ وَهُوَ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ فِي إهْدَارِ قَوْلِهِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي إقَامَةِ الْجَلْدِ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَا رَدَّ الشَّهَادَةِ مُتَمِّمًا لِلْحَدِّ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ لِأَنَّهُ إيلَامٌ بَاطِنًا كَالْقَذْفِ إلَّا أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَتَأَلَّمُ بِهِ وَلَا يَنْزَجِرُ بِهِ عَنْ الْقَذْفِ فَضَمَّ إلَيْهِ الْإِيلَامَ الْحِسِّيَّ لِيَشْمَلَ الزَّاجِرُ الْجَمِيعَ وَيَحْصُلَ الِانْزِجَارُ عَامًّا وَجُعِلَ الرَّدُّ تَتْمِيمًا لَهُ لِيَكُونَ جَزَاءً وِفَاقًا.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] شَهَادَةٌ يُقِيمُهَا الْقَاذِفُ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ بِدَلِيلِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ يَعْنِي إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ لَا تَقْبَلُوا لِأَجْلِهِمْ شَهَادَةً عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِمْ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فَإِنَّ الْقَاذِفَ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْتُمْ لَقِيلَ وَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ قُلْنَا: الْمُرَادُ شَهَادَتُهُ فِي الْحَوَادِثِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِمَنْ حُدَّ حَدَّ الْقَذْفِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا قَامَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الشُّهُودِ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ تُقْبَلُ وَيَصِيرُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ وقَوْله تَعَالَى لَهُمْ شَهَادَةٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ شَهَادَتُهُمْ كَمَا يُقَالُ هَذِهِ دَارُك وَهَذِهِ دَارٌ لَك وَالدَّالُّ عَلَيْهِ أَنَّ شَهَادَةً نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي النَّفْيِ فَيُوجِبُ الْعُمُومَ وَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ لَا يُمْكِنُ تَعْمِيمُهَا لِأَنَّ شَهَادَةً تُقِيمُهَا عَلَى سَائِرِ حُقُوقِهِ مَقْبُولَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى فَإِنْ قِيلَ: وَلَا تَقْبَلُوا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ لِأَنَّهُ تَحْرِيمُ الْقَبُولِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ حَدًّا لِأَنَّ الْحَدَّ فِعْلٌ يَلْزَمُ لِلْإِمَامِ إقَامَتُهُ لَا حُرْمَةُ فِعْلٍ وَلَيْسَ فِيهَا فِعْلٌ وَلِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَصَوُّرِهِ وَأَنْتُمْ أَبْطَلْتُمْ وَالْإِبْطَالُ فَوْقَ النَّهْيِ. قُلْنَا قَوْلُكُمْ النَّهْيُ لَا يَصْلُحُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ مُسَلَّمٌ غَيْرَ أَنَّ النَّهْيَ الْمُحَرِّمَ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ دَلَّنَا عَلَى بُطْلَانِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالْحَدِّ الَّذِي أُمْضِيَ عَلَى الْقَاذِفِ
стр. 581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْجَلْدِ دَلَّنَا عَلَى الْوُجُوبِ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الْأَمْرِ وَهُوَ الْقَذْفُ إذْ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِإِقَامَةِ مَا وَجَبَ مِنْ فِعْلٍ أَوْ كَفٍّ بِسَبَبٍ وَإِذَا دَلَّ النَّهْيُ عَنْ الْقَبُولِ عَلَى سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ أَبْطَلَتْهَا وَقَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْقَذْفَ غَيْرُ مُبْطِلٍ بِنَفْسِهِ عُلِمَ أَنَّهُ بَطَلَ حَدًّا كَأَنَّهُ قَالَ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] مُؤْلِمَةً مُحَرِّمَةً لِقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ أَوْ مُبْطِلَةً لِأَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ وَقَوْلُكُمْ النَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى تَصَوُّرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
قُلْنَا: الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ شَهَادَةٌ تَحَرَّمَ قَبُولُهَا حَتَّى انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِحُضُورِهِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ الْعَبْدِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فَجُمْلَةٌ تَامَّةٌ بِنَفْسِهَا مُنْقَطِعَةٌ عَمَّا تَقَدَّمَهَا لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَهَا جُمْلَتَانِ فِعْلِيَّتَانِ أَمْرٌ بِفِعْلٍ وَنَهْيٌ عَنْ آخَرَ خُوطِبَ بِهِمَا الْأَئِمَّةُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ إخْبَارٌ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ بِالْقَاذِفِينَ وَبَيَانٌ لِجَرِيمَتِهِمْ فَلَا يَصْلُحُ جَزَاءً عَلَى الْقَذْفِ حَتَّى يَكُونَ مُتَمِّمًا لِلْحَدِّ بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ إزَالَةُ إشْكَالٍ عَسَى يَقَعُ وَهُوَ أَنَّ الْقَذْفَ خَبَرٌ مُتَمَيِّلٌ وَرُبَّمَا يَكُونُ حِسْبَةً إذَا كَانَ الرَّامِي صَادِقًا لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ الشُّهُودِ وَالزَّانِي مُصِرًّا فَكَانَ يَقَعُ الْإِشْكَالُ أَنَّهُ لِمَاذَا كَانَ سَبَبًا لِوُجُوبِ عُقُوبَةٍ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَأَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْإِشْكَالَ بِقَوْلِهِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] أَيْ الْعَاصُونَ بِهَتْكِ سِتْرِ الْعِفَّةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ حِينَ عَجَزُوا عَنْ إقَامَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ عَطْفُهُ عَلَى الْأَوَّلِ بَقِيَ كَلَامًا مُبْتَدَأً وَكَانَتْ الْوَاوُ لِلنَّظْمِ وَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْصَرِفًا إلَيْهِ لَا غَيْرَ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَ الْكَلَامُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضِ صُورَةً وَمَعْنًى وَهَاهُنَا قَدْ انْقَطَعَ هَذَا الْكَلَامُ عَمَّا تَقَدَّمَهُ فَاقْتَصَرَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ فَإِذَا تَابَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ أَبَدًا وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ: إنَّهُ مَذْكُورٌ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيلِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] بِالْفَاءِ فَلَمَّا قِيلَ بِالْوَاوِ عُلِمَ أَنَّهُ إخْبَارٌ لَا تَعْلِيلٌ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ كَانَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِسَبَبِ الْفِسْقِ لَكَانَ فِي الْآيَةِ عَطْفُ الْعِلَّةِ عَلَى الْحُكْمِ وَذَلِكَ لَا يَحْسُنُ فِي الْبَيَانِ وَلِهَذَا الْأَصْلِ قُلْنَا بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ وَأَوَانُهُ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ وَذُكِرَ فِي طَرِيقَةِ الْإِمَامِ الْبُرْغَرِيِّ وَغَيْرِهَا أَنَّ شَهَادَتَهُ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ إتْيَانِ الشُّهُودِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ مَرْدُودَةٌ وَلَكِنْ بِسَبَبِ الْفِسْقِ لَا بِطَرِيقِ الْحَدِّ إذَا تَابَ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ يَقْبَلُ لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْعَجْزِ تَحَقُّقُ فِسْقِهِ وَلَكِنْ تَوَقَّفَ بُطْلَانُهَا حَدًّا عَلَى الْجَلْدِ لِأَنَّ الْحَدَّ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ وَإِنْ وَجَبَا بَعْدَ الْعَجْزِ وَلَكِنَّ بُطْلَانَ الشَّهَادَةِ حُكْمُ الْإِبْطَالِ لَا حُكْمُ وُجُوبِ الْإِبْطَالِ كَمَا أَنَّ الْأَلَمَ الَّذِي يَلْحَقُهُ حُكْمُ الْجَلْدِ لَا حُكْمُ وُجُوبِ إيقَاعِهِ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مَا يُقَامُ ابْتِدَاءً بِوِلَايَةِ الْإِمَامِ أَيْ الْجَزَاءُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلٍ يَحْدُثُ بِوِلَايَةِ الْإِمَامِ لَا بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ بِالْجَانِي أَحْدَثَهَا بِنَفْسِهِ.
فَاعْتُبِرَ تَمَامُهَا أَيْ تَمَامُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِصِيغَتِهَا أَيْ بِنَفْسِهَا فَإِنَّهَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ لَهَا بِالْأُولَى فَكَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي حَقِّ الْجَزَاءِ أَيْ فِي كَوْنِهَا جَزَاءً فِي حُكْمِ الْمُبْتَدَأِ أَيْ الْكَلَامِ الْمُسْتَأْنَفِ الْمُنْقَطِعِ عَمَّا سَبَقَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ اسْمَ الْإِشَارَةِ وَالضَّمِيرَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُتَعَلِّقٍ سَابِقٍ فَلَا يُجْعَلُ فِي هَذَا مُبْتَدَأً وَالشَّافِعِيُّ قَطَعَ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقْبَلُوا عَمَّا سَبَقَ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الِاتِّصَالِ وَهُوَ كَوْنُهُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً صَالِحَةً لِلْجَزَاءِ مُفَوَّضَةً إلَى الْأَئِمَّةِ مِثْلُ الْأُولَى بِمَا قَبْلَهُ
стр. 582
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ الْعَامَّ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ وَهَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ لِأَنَّ النَّصَّ سَاكِتٌ عَنْ سَبَبِهِ وَالسُّكُوتَ لَا يَكُونُ حُجَّةً أَلَا تَرَى أَنَّ عَامَّةَ الْحَوَادِثِ مِثْلُ الظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَرَدَتْ مُقَيَّدَةً بِأَسْبَابٍ وَلَمْ تَخْتَصَّ بِهَا وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ عِنْدَنَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَزَاءِ فَيَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ وَالثَّانِي مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَالثَّالِثُ مَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ وَاحْتَمَلَ الِابْتِدَاءَ وَالرَّابِعُ مَا زِيدَ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ فَكَانَ ابْتِدَاءً يَحْتَمِلُ الْبِنَاءَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ سَهَا فَسَجَدَ» وَرُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا زَنَى فَرُجِمَ وَالْفَاءُ لِلْجَزَاءِ فَتَعَلَّقَ الْأَوَّلُ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقْبَلُوا مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الِانْفِصَالِ وَهُوَ كَوْنُهُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلْجَزَاءِ أَوْ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلتَّعْلِيلِ وَقُلْنَا نَحْنُ بِصِيغَةِ الْكَلَامِ أَيْ عَمِلْنَا بِمَا هُوَ مُوجَبُ الْكَلَامِ وَهُوَ أَنَّ الْقَذْفَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالْعَجْزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ شَرْطٌ لَهُ بِصِفَةِ التَّرَاخِي يَعْنِي لَيْسَ الشَّرْطُ هُوَ الْعَجْزُ الْمُتَّصِلُ بِالْقَذْفِ فِي الْحَالِ لَكِنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْعَجْزُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ الْمُؤَقَّتَةِ إلَى آخِرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إلَى مَا يَرَاهُ الْقَاضِي كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى فَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ ذَلِكَ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَصَارَ الْقَذْفُ حِينَئِذٍ فِسْقًا مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ لَا أَنَّهُ ظَهَرَ كَوْنُهُ جِنَايَةً مِنْ الْأَصْلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَذْفُ حِسْبَةٍ بِأَنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا لِمَوْتِهِمْ فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ أَوْ لِغَيْبَتِهِمْ أَوْ لِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلِذَلِكَ يَقْتَصِرُ عَلَى حَالَةِ الْعَجْزِ وَالرَّدُّ حَدٌّ مُشَارِكٌ لِلْجَلْدِ فَيَثْبُتُ الرَّدُّ مُقَارِنًا لِلْجَلْدِ لِأَنَّهُ عَطْفٌ بِالْوَاوِ عَلَى الْجَلْدِ فَلَا يَثْبُتُ قَبْلَهُ لَكِنَّهُ يَثْبُتُ مُقَارِنًا لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّرَاخِي وَالْعَجْزَ عَطْفٌ بِثُمَّ وَهِيَ تُوجِبُ التَّرَاخِي.
[الْعَامَّ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ) إلَى آخِرِهِ اللَّفْظُ الْعَامُّ إذَا وَرَدَ بِنَاءً عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ السَّبَبُ سُؤَالَ سَائِلٍ أَوْ وُقُوعَ حَادِثَةٍ وَمَعْنَى الْوُرُودِ عَلَى سَبَبِ صُدُورِهِ عِنْدَ أَمْرٍ دَعَاهُ إلَى ذِكْرِهِ وَمَعْنَى الِاخْتِصَاصِ بِالسَّبَبِ اقْتِصَارُهُ عَلَيْهِ وَعَدَمُ تَعَدِّيهِ عَنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ وَالْقَفَّالِ وَأَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو الْفَرَجِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ السَّبَبَ إنْ كَانَ سُؤَالَ سَائِلٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَإِنْ كَانَ وُقُوعَ حَادِثَةٍ لَا يَخْتَصُّ بِهِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالتَّخْصِيصِ مُطْلَقًا بِأَنَّ السَّبَبَ لَمَّا كَانَ هُوَ الَّذِي أَثَارَ الْحُكْمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَهُ تَعَلَّقَ بِهِ تَعَلُّقَ الْمَعْلُولِ بِالْعِلَّةِ فَيَخْتَصُّ بِهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامًّا لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِ السَّبَبِ فَائِدَةٌ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ إلَّا اقْتِصَارُ الْخِطَابِ عَلَيْهِ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى نَقْلِهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامًّا لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ وَإِخْرَاجُهُ عَنْ الْعُمُومِ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ غَيْرِهِ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْعُمُومِ إلَى جَمِيعِ الصُّوَرِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ مُتَسَاوِيَةٌ وَبِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُطَابِقًا بِالْمُسَاوَاةِ وَإِذَا أَجْرَيْنَاهُ عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يَبْقَ مُطَابِقًا بَلْ يَصِيرُ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ وَاحْتَجَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وُرُودِهِ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ حَادِثَةٍ وَبَيْنَ وُرُودِهِ بِنَاءً عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ بِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا ابْتَدَأَ بَيَانَ الْحُكْمِ فِي حَادِثَةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا سُئِلَ عَنْهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُورِدْ الْكَلَامَ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِيَكُونَ جَوَابًا عَنْ السُّؤَالِ وَكَوْنُهُ جَوَابًا عَنْهُ يَقْتَضِي قَصْرَهُ عَلَيْهِ وَحُجَّةُ الْعَامَّةِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلَّفْظِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ دُونَ السَّبَبِ وَاللَّفْظَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِإِطْلَاقِهِ فَيَجِبُ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ مَانِعٌ وَالسَّبَبُ لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي عُمُومَهُ وَالْمَانِعُ هُوَ الْمُنَافِي يُبَيِّنُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَانِعًا لَكَانَ تَصْرِيحُ الشَّارِعِ بِإِجْرَائِهِ عَلَى الْعُمُومِ إثْبَاتَ الْعُمُومِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعُمُومِ وَهُوَ فَاسِدًا وَإِبْطَالَ الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَلِأَنَّ النَّصَّ وَهُوَ الْعَامُّ سَاكِتٌ عَنْ سَبَبِهِ أَيْ عَنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى سَبَبِهِ وَالسُّكُوتَ لَا يَكُونُ حُجَّةً يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ عَلَى إجْرَاءِ
стр. 583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
النُّصُوصِ الْعَامَّةِ الْوَارِدَةِ مُقَيَّدَةً بِأَسْبَابٍ عَلَى عُمُومِهَا فَإِنَّ آيَةَ الظِّهَارِ نَزَلَتْ فِي خَوْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَآيَةَ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ لِشَرِيكٍ ابْنِ سَحْمَاءَ أَوْ فِي عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ وَآيَةَ الْقَذْفِ نَزَلَتْ فِي قَذَفَةِ عَائِشَةَ ﵂ وَآيَةَ السَّرِقَةِ فِي سَرِقَةِ رِدَاءِ صَفْوَانَ أَوْ سَرِقَةِ الْمِجَنِّ وَقَوْلَهُ ﵇ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ وَلَمْ يَخُصُّوا هَذِهِ الْعُمُومَاتِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَامَّ لَا يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ أَمَّا قَوْلُهُمْ السَّبَبُ مُؤَثِّرٌ لِلْحُكْمِ فَصَارَ كَالْمَعْلُولِ مَعَ الْعِلَّةِ فَنَقُولُ: لَيْسَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا السَّبَبِ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّبَبُ الْمَنْقُولُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ كَانَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُمْ إنَّ مِنْ شَرْطِ الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ قُلْنَا: إنْ أَرَدْتُمْ بِاشْتِرَاطِ الْمُطَابَقَةِ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُسَاوِيًا لِلسُّؤَالِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَادَةً وَشَرِيعَةً أَمَّا عَادَةً فَلِأَنَّ الْمُجِيبَ قَدْ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا شَرِيعَةً فَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا سَأَلَ مُوسَى ﵇ عَمَّا فِي يَمِينِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] زَادَ مُوسَى ﵇ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ فَقَالَ ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] «وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ قَالَ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَأَجَابَ وَزَادَ وَإِنْ زَادَ بِاشْتِرَاطِهَا الْكَشْفَ عَنْ السُّؤَالِ وَبَيَانَ حُكْمِهِ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ لِأَنَّهُ طَابَقَ وَزَادَ فَإِنْ قِيلَ الْأَوْلَى تَرْكُ الزِّيَادَةِ فِي الْجَوَابِ رِعَايَةً لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَهُمَا قُلْنَا: بِأَنَّ إفَادَةَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الْأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ وَقَوْلَهُمْ لَوْ كَانَ عَامًّا لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ بِالِاجْتِهَادِ قُلْنَا: إنَّمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْخِطَابِ قَطْعًا إذْ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَمْ بَيَانٌ لَهُ خَاصَّةً فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَيُجِيبَ عَنْ غَيْرِهِ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ عَامًّا لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِ السَّبَبِ فَائِدَةٌ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ وَالسِّيَرِ وَالْقَصَصِ وَاتِّسَاعِ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَأَيْضًا امْتِنَاعِ إخْرَاجِ السَّبَبِ بِحُكْمِ التَّخْصِيصِ بِالِاجْتِهَادِ قَوْلُهُ (وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ) وَلَمَّا بَيَّنَ الشَّيْخُ الْخِلَافَ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالسَّبَبِ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ سَبَبُ الْوُجُوبِ أَوْ سَبَبُ الْوُرُودِ وَأَنَّ الْمُرَادَ لَوْ كَانَ سَبَبُ الْوُرُودِ أُرِيدَ بِهِ السَّبَبُ الْخَاصُّ أَوْ الْعَامُّ وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ ذَلِكَ لِيَتَّضِحَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ شَرَعَ فِيهِ فَقَالَ: وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْ جُمْلَةُ مَا يَخْتَصُّ بِالسَّبَبِ وَمَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبَ وُجُوبٍ أَوْ سَبَبَ وُرُودٍ وَسَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا أَوْ خَاصًّا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ مَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَزَاءِ لِمَا تَقَدَّمَهُ فَيَخْتَصُّ بِهِ لِأَنَّهُ جُعِلَ جَزَاءً لِمَا تَقَدَّمَهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ سَبَبُ وُجُوبِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لَمَّا أُخْرِجَا مَخْرَجَ الْجَزَاءِ لِقَوْلِهِ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] .
وَقَوْلِهِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] كَانَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ سَبَبَيْ وُجُوبِهِمَا وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَهُ سَبَبُ وُجُوبِهِ يَخْتَصُّ بِهِ أَيْ يَرْتَبِطُ بِهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَمَا لَا يَثْبُتُ بِدُونِ عِلَّتِهِ لَا يَبْقَى بِدُونِ الْعِلَّةِ مُضَافًا إلَيْهَا بَلْ الْبَقَاءُ بِدُونِهَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَالثَّانِي مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ أَيْ لَا يُفْهَمُ بِدُونِ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ السَّبَبِ فَيَخْتَصُّ بِهِ أَيْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ مَا لَمْ يَرْتَبِطْ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ السَّبَبِ صَارَ كَبَعْضِ الْكَلَامِ مِنْ جُمْلَتِهِ فَلَا يَجُوزُ فَضْلَةٌ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالثَّالِثُ مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ وَهُوَ غَيْرُ
стр. 584
وَأَمَّا الثَّانِي فَمِثْلُ الرَّجُلِ يَقُولُ لِآخَرَ: لَيْسَ لِي عَلَيْك كَذَا فَيَقُولُ: بَلَى أَوْ يَقُولُ: كَانَ كَذَا فَيَقُولُ: نَعَمْ يُجْعَلُ إقْرَارًا وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَجَلْ هَذَا أَصْلُ بَلَى وَنَعَمْ أَنْ يَكُونَ بَلَى بِنَاءً عَلَى النَّفْيِ فِي الِابْتِدَاءِ مَعَ الِاسْتِفْهَامِ وَنَعَمْ لِمَحْضِ الِاسْتِفْهَامِ وَأَجَلْ يَجْمَعُهُمَا وَقَدْ يُسْتَعْمَلَانِ فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى إدْرَاجِ الِاسْتِفْهَامِ أَوْ مُسْتَعَارٌ لِذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي نَعَمْ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْضًا
ــ
[كشف الأسرار]
زَائِدٍ عَلَى مِقْدَارِ الْجَوَابِ فَهَذَا يَتَقَيَّدُ بِمَا سَبَقَ وَيَصِيرُ مَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ لِاسْتِقْلَالِهِ فَإِذَا نَوَاهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً وَالرَّابِعُ مَا يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ فَهَذَا مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأُصُولِ بِهَذَا التَّرْتِيبِ وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ دُونَ السُّؤَالِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَالثَّانِي تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ أَمَّا فِي عُمُومِهِ فَمِثْلُ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ فَلَا إذَنْ» فَالسُّؤَالُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِأَحَدٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ عَمَّ الْكُلَّ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا فِي خُصُوصِهِ فَكَمَا لَوْ سَأَلَهُ سَائِلٌ أَيُجْزِئُنِي التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ.
وَالْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلسُّؤَالِ أَوْ أَخَصَّ أَوْ أَعَمَّ فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا فَالْحُكْمُ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ عِنْدَ كَوْنِ السُّؤَالِ عَامًّا كَمَا «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّنْ يَرْكَبُ الْبَحْرَ أَيَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ ﵇ الْبَحْرُ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» أَوْ خَاصًّا كَمَا سَأَلَهُ الْأَعْرَابِيُّ عَنْ وَطْئِهِ امْرَأَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ أَعْتِقْ رَقَبَةً كَالْحُكْمِ فِي غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ حَتَّى عَمَّ جَوَابُ الْأَوَّلِ لِلْكُلِّ وَيَخْتَصُّ جَوَابُ الثَّانِي بِالْأَعْرَابِيِّ وَإِنْ كَانَ أَخَصَّ كَمَا لَوْ سُئِلَ عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَنَقُولُ يَجُوزُ لَك فَالْجَوَابُ يَخْتَصُّ بِالسَّائِلِ وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ نَحْوِهِمَا إذْ اللَّفْظُ لَا عُمُومَ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ مِنْ السُّؤَالِ أَوْ الْحَادِثَةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ فِي حُكْمٍ آخَرَ أَوْ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَمَا «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلِّ مَيْتَتُهُ» فَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِهِ فِي الْحُكْمِ الْآخَرِ وَهُوَ حِلُّ مَيْتَتِهِ فِي الْمِثَالِ لِأَنَّهُ عَامٌّ مُبْتَدَأٌ بِهِ لَا فِي مَعْرَضِ الْجَوَابِ إذْ هُوَ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَقَوْلِهِ ﵇ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ لِمَنْ قَالَ أَيُجْزِئُنِي التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الْبَحْرِ» «وَكَقَوْلِهِ ﵇ لَمَّا مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ كَانَتْ لِمَيْمُونَةَ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ السَّبَبِ سَبَبُ الْوُرُودِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ أَخَصَّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامًّا أَيْضًا عَمَّ الْحُكْمُ بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ لِعُمُومِ اللَّفْظِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَلِعُمُومِ السَّبَبِ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْقَذْفِ أَنَّ الْجَزَاءَ مُفْتَقِرٌ إلَى الشَّرْطِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا الثَّانِي) فَكَذَا اعْلَمْ أَنَّ نَعَمْ وَبَلَى وَأَجَلْ مِنْ حُرُوفِ التَّصْدِيقِ فَأَمَّا نَعَمْ فَمُوجَبُهُ تَصْدِيقُ مَا قَبْلَهُ مِنْ كَلَامٍ مَنْفِيٍّ أَوْ مُثْبَتٍ كَمَا إذَا قِيلَ لَك قَامَ زَيْدٌ فَقُلْت نَعَمْ كَانَ الْمَعْنَى قَامَ أَوْ قِيلَ لَك لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقُلْت نَعَمْ كَانَ الْمَعْنَى لَمْ يَقُمْ وَكَذَلِكَ إذَا وَقَعَ الْكَلَامَانِ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِذَا قِيلَ أَقَامَ زَيْدٌ أَوْ أَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقَدْ حَقَقْت مَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَأَمَّا بَلَى فَالْإِيجَابُ مَا بَعْدَ النَّفْيِ اسْتِفْهَامًا كَانَ أَوْ خَبَرًا فَإِذَا قِيلَ: لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ أَوْ أَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقُلْت بَلَى كَانَ مَعْنَاهُ قَدْ قَامَ وَأَمَّا أَجَلْ فَلَا يُصَدَّقُ بِهِ إلَّا فِي الْخَبَرِ خَاصَّةً نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا يَقُولُ الْقَائِلُ: قَدْ أَتَاك زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَأْتِك فَتَقُولُ أَجَلْ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ
هَذَا هُوَ
стр. 585
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ النَّحْوِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَازِمٌ فِيمَا وَقَعَ بَلَى أَوْ نَعَمْ جَوَابًا لَهُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ وَأَنَّ أَجَلْ يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِفْهَامِ أَيْضًا فَإِذَا قَالَ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: بَلَى يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَصْدِيقًا لِمَا بَعْدَ النَّفْيِ كَانَ مَعْنَاهُ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ إقْرَارًا لِأَنَّهُ تَصْدِيقٌ لِمَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ فِي الِاسْتِفْهَامِ فَكَانَ مَعْنَاهُ لَيْسَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ وَلَوْ قَالَ: أَكَانَ لِي عَلَيْك كَذَا فَقَالَ: نَعَمْ يَكُونُ إقْرَارًا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ قَالَ: بَلَى يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ إقْرَارًا لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّفْيِ وَذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ بَيَانِ حَقَائِقِ الْحُرُوفِ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِآخَرَ: اقْضِ الدِّرْهَمَ الَّذِي لِي عَلَيْك فَقَالَ: نَعَمْ فَقَدْ أَقَرَّ بِهِ لِأَنَّهُ صَدَّقَهُ فِيمَا قَالَ وَإِذَا قَالَ: بَلَى لَا يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّ بَلَى لَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إلَّا بَعْدَ نَفْيٍ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ هَاهُنَا نَفْيٌ وَإِنْ قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَقْرَضْتَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ الطَّالِبُ بَلَى فَجَحَدَ الْمُقِرُّ لَزِمَهُ الْمَالُ لِأَنَّ هَذَا اسْتِفْهَامٌ فِيهِ مَعْنَى التَّقْرِيرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] .
وَمَعْنَى التَّقْرِيرِ أَنَّك قَدْ أَقْرَضْتَنِي وَقَوْلِ الطَّالِبِ بَلَى تَصْدِيقٌ لَهُ فِي الْإِقْرَارِ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ لَا يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّهُ صَدَّقَهُ فِي النَّفْيِ وَكَذَا إذَا قَالَ: مَالَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ فَقَالَ: نَعَمْ يَكُونُ تَصْدِيقًا وَلَوْ قَالَ: بَلَى يَكُونُ رَدًّا قَالَ: وَهَذَا حَقِيقَةُ الْعَرَبِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُجَوِّزُونَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ بَلَى فِي مَوْضِعِ نَعَمْ وَنَعَمْ فِي مَوْضِعِ بَلَى وَلَا يُفَرِّقُونَ فِي الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَيْنَهُمَا قَالَ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: أَطَلَّقْت امْرَأَتَك فَقَالَ (ن ع م) أَوْ قَالَ (ب ل ى) قَالَ: هِيَ طَالِقٌ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَعَمْ وَبَلَى وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَوَابُهَا نَعَمْ أَوْ لَا، لَا بَلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا نَفْيٌ هَذَا أَصْلُ بَلَى وَنَعَمْ أَيْ مَا ذَكَرْنَا هُوَ الْمُوجَبُ الْأَصْلِيُّ لِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَلَى جَوَابًا لِلنَّفْيِ مَعَ الِاسْتِفْهَامِ وَنَعَمْ لِمَحْضِ الِاسْتِفْهَامِ نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا بِشَرْطِ الِاسْتِفْهَامِ فِيهِمَا وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِهَا فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَأَجَلْ يَجْمَعُهُمَا أَيْ يَشْمَلُ الْمَعْنَيَيْنِ فَيُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ بَلَى وَفِي مَوْضِعِ نَعَمْ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ هَذَا خِلَافٌ مَوْضُوعُهُ فِي اللُّغَةِ وَلَكِنَّهُمْ اعْتَبَرُوا فِي اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْعُرْفَ فَبَنَوْا الْأَحْكَامَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ أَجَلْ جَوَابٌ مِثْلُ نَعَمْ قَالَ الْأَخْفَشُ: إلَّا أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ نَعَمْ فِي التَّصْدِيقِ وَنَعَمْ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي الِاسْتِفْهَامِ فَإِذَا قَالَ: أَنْتَ سَوْفَ تَذْهَبُ؟ قُلْت: أَجَلْ وَكَانَ أَحْسَنَ مِنْ نَعَمْ وَإِذَا قَالَ: أَتَذْهَبُ؟ قُلْت: نَعَمْ وَكَانَ أَحْسَنَ مِنْ أَجَلْ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ أَنَّ أَجَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ.
وَقَدْ يُسْتَعْمَلَانِ أَيْ نَعَمْ وَبَلَى فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ اسْتِعْمَالِهِمَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ عَلَى إدْرَاجِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ إضْمَارِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ فِي الْكَلَامِ أَوْ مُسْتَعَارًا لِذَلِكَ أَيْ يُسْتَعَارُ هَذَا الْكَلَامُ الْخَالِي عَنْ الِاسْتِفْهَامِ لِلِاسْتِفْهَامِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِمَا كَلَامَيْنِ خَبَرِيَّيْنِ لِأَصْلِ الْوَضْعِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مُسَاوَاتِهِمَا فِي الصُّورَةِ كَمَا إذَا قَالَ: عَلَيْك لِي أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ: نَعَمْ يُجْعَلُ إقْرَارًا أَوْ يُضْمَرُ حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَعَلَيْكَ لِي أَلْفُ دِرْهَمٍ كَمَا أُضْمِرَ فِي قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَيْ أَتِلْكَ أَوْ يُجْعَلُ قَوْلُهُ عَلَيْك لِي أَلْفٌ مُسْتَعَارًا لِقَوْلِك أَعَلَيْكَ لِي أَلْفٌ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَيْ
стр. 586
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَمِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِرَجُلٍ تَغَدَّ مَعِي فَيَقُولُ الْآخَرُ: إنْ تَغَدَّيْت فَعَبْدِي حُرٌّ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: إنَّك تَغْتَسِلُ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ جَنَابَةٍ فَقَالَ: إنْ اغْتَسَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ هَذَا خَرَجَ جَوَابًا فَتَضَمَّنَ إعَادَةَ السُّؤَالِ الَّذِي سَبَقَ وَقَدْ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ وَلَوْ قَالَ: إنْ اغْتَسَلْتُ اللَّيْلَةَ أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَعَبْدِي حُرٌّ صَارَ مُبْتَدَأً احْتِرَازًا عَنْ إلْغَاءِ الزِّيَادَةِ فَإِنْ عَنَى بِهِ الْجَوَابَ صَدَقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِيرُ الزِّيَادَةُ تَوْكِيدًا وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ
ــ
[كشف الأسرار]
الِاسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي كَلِمَةِ نَعَمْ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ صَرِيحًا وَمِنْ غَيْرِ احْتِمَالِ الِاسْتِفْهَامِ إدْرَاجًا فَقَالَ: إذَا قَالَ لِآخَرَ: اقْضِ الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْك فَقَالَ: نَعَمْ يُجْعَلُ إقْرَارًا.
وَكَذَا إذَا قَالَ الطَّالِبُ لِرَجُلٍ: أَخْبِرْ فُلَانًا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْك كَذَا أَوْ أَعْلِمْهُ أَوْ بَشِّرْهُ أَوْ قُلْ لَهُ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ نَعَمْ يَكُونُ إقْرَارًا وَلَا يُمْكِنُ هَاهُنَا إضْمَارُ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَمَحَلُّ الِاسْتِفْهَامِ الْخَبَرُ فَكَانَ هَذَا طَرِيقًا آخَرَ اخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ بِنَاءً عَلَى الْعُرْفِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بَلَى وَنَعَمْ فِي جَوَابِ مَا لَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ عَلَى أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ أَوْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ اللُّغَةِ فَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مَسَائِلَ بَنَاهَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ فِي السُّؤَالِ أَوْ احْتِمَالِ اسْتِفْهَامٍ وَجَعَلَهَا إقْرَارًا صَحِيحًا بِطَرِيقِ الْجَوَابِ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ اعْتِبَارَ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ فِيهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى إدْرَاجِ الِاسْتِفْهَامِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ أَوْ مُسْتَعَارًا لِلِاسْتِفْهَامِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَيْ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخِيرَ مُحَمَّدٌ فِي كَلِمَةِ نَعَمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ صَرِيحًا وَمِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ الِاسْتِفْهَامَ إضْمَارًا فَكَانَ مُسْتَعَارًا كَقَوْلِهِ اقْضِ الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْك لَمَّا لَمْ يَحْتَمِلْ الِاسْتِفْهَامَ يُجْعَلُ مُسْتَعَارًا لِلِاسْتِفْهَامِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْخَبَرِ وَصَلَاحِيَّةُ الْخَبَرِ لِلِاسْتِفْهَامِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَالَ: قَضَاءُ الْأَلْفِ وَاجِبٌ لِي عَلَيْك فَاقْضِهَا ثُمَّ يُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَتَقْضِي الْأَلْفَ.
وَقَوْلُهُ نَعَمْ لَمَّا تَضَمَّنَ إعَادَةَ مَا سَبَقَ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: اقْضِ الْأَلْفَ الَّتِي لَك عَلَيَّ فَتَصْلُحُ جَوَابًا قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّالِثُ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ غَيْرَ زَائِدٍ عَلَيْهِ فَمِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ تَغَدَّ مَعِي فَقَالَ: إنْ تَغَدَّيْت فَعَبْدِي حُرٌّ انْصَرَفَ إلَى ذَلِكَ الْغَدَاءِ حَتَّى لَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلٍ فَتَغَدَّى أَوْ تَغَدَّى مَعَهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ لَمْ يَحْنَثْ وَقَالَ زُفَرُ ﵀: هُوَ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ غَدَاءٍ عَلَى الْأَبَدِ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْيَمِينَ بِهِ لَكِنَّا خَصَصْنَاهُ وَقَيَّدْنَاهُ بِالْفَوْرِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَهِيَ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ رَدًّا عَلَيْهِ وَهُوَ إنَّمَا دَعَاهُ إلَى ذَلِكَ الْغَدَاءِ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ تَغَدَّيْت الْغَدَاءَ الَّذِي دَعَوْتنِي إلَيْهِ وَهَذَا كَالشِّرَاءِ بِالدَّرَاهِمِ يَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ.
وَكَذَا إذَا قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إنَّكَ تَغْتَسِلُ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ جَنَابَةٍ فَقَالَ: إنْ اغْتَسَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ فَإِنَّ يَمِينَهُ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الِاغْتِسَالِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ كَلَامَهُ خَرَجَ جَوَابًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَاخْتَصَّ بِهِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ وَلَمْ يَزِدْ هُوَ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ لِأَنَّ جَوَابَ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْت فَعَبْدِي حُرٌّ.
وَقَوْلُهُ إنْ اغْتَسَلْتُ مِثْلُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ لَكِنَّهُ مُفَسِّرٌ وَالتَّفْسِيرُ يُؤَكِّدُ وَلَا يُغَيِّرُ قَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ: إنْ اغْتَسَلْت اللَّيْلَةَ أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَعَبْدِي حُرٌّ صَارَ مُبْتَدَأً) وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ الَّذِي هُوَ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ وَذَلِكَ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ كَانَ فِيهِ اعْتِبَارُ الْحَالِ وَإِلْغَاءُ الزِّيَادَةِ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مُبْتَدَأً كَانَ فِيهِ اعْتِبَارُ الزِّيَادَةِ وَإِلْغَاءُ الْحَالِ فَكَانَ هَذَا الْوَجْهُ أَوْلَى لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْكَلَامِ لَا بِالْحَالِ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ وَالْحَالُ أَمْرٌ مُبْطَنٌ فَيَكُونُ الْكَلَامُ صَرِيحًا فِي إفَادَةِ الْعُمُومِ وَالْحَالُ دَلَالَةٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالسَّبَبِ وَلَا قِوَامَ لَهَا مَعَ الصَّرِيحِ فَلِذَلِكَ رَجَّحْنَا اللَّفْظَ وَجَعَلْنَاهُ ابْتِدَاءً.
وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ هَذَا يُحْمَلُ عَلَى الْجَوَابِ أَيْضًا اعْتِبَارُ الْحَالِ لَكِنَّهُ عَمَلٌ بِالْمَسْكُوتِ وَتَرْكٌ لِلْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ فَإِنْ عَنَى بِهِ الْجَوَابَ صَدَقَ فِيمَا بَيْنَهُ
стр. 587
أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ جَعَلَ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مُوجِبٌ الْعَدَمَ وَعِنْدَنَا الْعَدَمُ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ بَلْ بَقِيَ الْمُعَلَّقُ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَنَا لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا وَإِنَّمَا الشَّرْطُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: هُوَ مُؤَخَّرٌ
ــ
[كشف الأسرار]
وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مَعَ الزِّيَادَةِ يَحْتَمِلُ الْجَوَابَ فَإِنَّهُ قَدْ يُزَادُ عَلَى الْجَوَابِ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا مَرَّتْ أَمْثِلَتُهُ وَلَكِنْ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ الْعُمُومَ فِي الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ ثَابِتٌ فَقَوْلُهُ فَرَجْمٌ عَامٌّ مِنْ حَيْثُ الْأَسْبَابُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَقَعَ لِرِدَّةٍ أَوْ قَتْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ أَوْ سِيَاسَةٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ فَعِنْدَ ذِكْرِ الزِّنَا تَخْصِيصٌ بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَسَجَدَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَقَعَ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ لِقَضَاءِ الْمَتْرُوكَةِ أَوْ لِشَرْعِ زِيَادَةٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لِلسَّهْوِ فَلَمَّا نُقِلَ السَّبَبُ مَعَهُ تَخَصَّصَ بِهِ وَكَذَلِكَ بَلَى أَوْ نَعَمْ عَامٌّ لِإِبْهَامِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصْلُحُ جَوَابًا لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْكَلَامِ فَعِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَعُمُومُ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ نَكِرَةٌ وَاقِعَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَمَحُّلٍ وَتَكَلُّفٍ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا أَظْهَرُ وَأَوْفَقُ لِعَامَّةِ الْكُتُبِ.
[التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ مُوجِبٌ الْعَدَمَ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِنْ الْعَمَلِ بِالْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ جَعَلَ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يُوجِبُ الْعَدَمَ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَكِنَّ هَذَا الْعَدَمَ عِنْدَنَا هُوَ الْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيقِ وَعِنْدَهُ هُوَ ثَابِتٌ بِالتَّعْلِيقِ فَفِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ عَدَمُ الطَّلَاقِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَكِنْ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيقِ وَاسْتَمَرَّ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَعِنْدَهُ هُوَ ثَابِتٌ بِالتَّعْلِيقِ مُضَافٌ إلَى عَدَمِ الشَّرْطِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَشْرُوطِ وَعَدَمَهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ أَجْمَعَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ الْمَفْهُومَ مِثْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَابْنِ شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ وَعِنْدَ عَامَّةِ مَنْ أَنْكَرَ الْمَفْهُومَ عَدَمُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ وَيُسَمَّى هَذَا مَفْهُومَ الشَّرْطِ تَمَسَّكَ الْقَائِلُونَ بِهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ دَخَلَ عَبْدِي الدَّارَ فَأَعْتِقْهُ يُفْهَمُ مِنْهُ لُغَةً وَلَا تَعْتِقْهُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ فَكَمَا أَنَّ الدُّخُولَ يُوجِبُ جَوَازَ الْإِعْتَاقِ فَعَدَمُهُ يَمْنَعُ عَنْهُ فَكَانَ الْعَدَمُ مُضَافًا إلَيْهِ وَبِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ مَعَ عَدَمِهِ لَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ شَرْطًا فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ دُخُولُ زَيْدٍ الدَّارَ شَرْطًا فِي كَوْنِ السَّمَاءِ فَوْقَ الْأَرْضِ وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الدُّخُولِ كَذَا ذُكِرَ فِي الْقَوَاطِعِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ قَالَ لِعُمَرَ ﵄: مَا بَالُنَا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَقَدْ أَمِنَّا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَقَالَ عُمَرُ ﵁: عَجِبْت مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» فَلَوْ لَمْ يَعْقَلْ مِنْ التَّعْلِيقِ نَفْيُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ لِتَعَجُّبِهِمَا مَعْنًى مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ وَفَرَّقَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَمَنْ وَاقَفَهُ مِنْ مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ بَيْنَ التَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ وَنَحْوِهَا وَبَيْنَ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ فَقَالُوا: التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ التَّقْيِيدَاتِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يَقْتَضِي إيقَافَ الْحُكْمِ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ وَإِذَا وُقِفَ عَلَيْهِ انْعَدَمَ بِعَدَمِهِ وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ التَّقْيِيدَاتِ إيقَافُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا فَيَبْقَى مَا وَرَاءَ الْمَذْكُورِ مَوْقُوفًا عَلَى حَسَبِ مَا يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَحُجَّةُ
стр. 588
وَلِذَلِكَ أُبْطِلَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ وَجُوِّزَ تَعْجِيلُ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ وَجُوِّزَ تَعْجِيلُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَقَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: ٢٥] : إنَّ تَعْلِيقَ الْجَوَازِ بِعَدَمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ يُوجِبُ الْفَسَادَ عِنْدَ وُجُودِهِ وَقَالَ: لِأَنَّ الْوُجُودَ يَثْبُتُ بِالْإِيجَابِ لَوْلَا الشَّرْطُ فَيَصِيرُ الشَّرْطُ مُعْدِمًا مَا وَجَبَ وُجُودُهُ لَوْلَا هُوَ فَيَكُونُ الشَّرْطُ مُؤَخِّرًا لَا مَانِعًا وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ تَعْجِيلَ الْبُدْنِ فِي الْكَفَّارَاتِ لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالسَّبَبِ حَاصِلٌ وَوُجُوبَ الْأَدَاءِ مُتَرَاخٍ بِالشَّرْطِ وَالْمَالُ يَحْتَمِلُ الْفَصْلَ بَيْنَ وُجُوبِهِ وَوُجُوبِ أَدَائِهِ وَأَمَّا الْبَدَنِيُّ فَلَا يَحْتَمِلُ الْفَصْلَ فَلَمَّا تَأَخَّرَ الْأَدَاءُ لَمْ يَبْقَ الْوُجُوبُ وَلَنَا أَنَّ الْإِيجَابَ لَا يُوجَدُ إلَّا بِرُكْنِهِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا فِي مَحَلِّهِ كَشَرْطِ الْبَيْعِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَبَيْعُ الْحُرِّ بَاطِلٌ أَيْضًا وَهَهُنَا الشَّرْطُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحَلِّ
ــ
[كشف الأسرار]
الْعَامَّةِ فِي مَفْهُومِ الشَّرْطِ مَا ذَكَرْنَا فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِأَنَّ مَرْجِعَ مَفْهُومِ الشَّرْطِ إلَى مَفْهُومِ الصِّفَةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مُفَصَّلًا فَلَا نَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهِ هَاهُنَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: الشَّرْطُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ فَقَطْ فَيَقْصُرُ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ بِأَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى وُجُودِهِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَأَمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَدَمِهِ عِنْدَ الْعَدَمِ فَلَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ كَمَا يَجُوزُ بِعِلَّتَيْنِ فَإِذَا قَالَ: اُحْكُمْ بِالْمَالِ لِلْمُدَّعِي إنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ هَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَالطَّرِيقُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ وَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يَمْنَعُ السَّبَبَ عَنْ الِانْعِقَادِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَإِنَّمَا أَثَرُهُ فِي تَأْخِيرِ الْحُكْمِ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ مَانِعًا مِنْ الِانْعِقَادِ كَانَ السَّبَبُ مَوْجُودًا مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي الْحَالِ لَكِنَّ التَّعْلِيقَ مَنَعَ وُجُودَ الْحُكْمِ وَأَخَّرَهُ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ فَكَانَ عَدَمُهُ مُضَافًا إلَى عَدَمِ الشَّرْطِ وَعِنْدَنَا الْمُعَلَّقُ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا وَإِنَّمَا الشَّرْطُ أَيْ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ عَنْ الِانْعِقَادِ فَلَا يَكُونُ السَّبَبُ مَوْجُودًا مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي الْحَالِ فَيَكُونُ عَدَمُ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيقِ لَا عَلَى عَدَمِ الشَّرْطِ هُوَ يَقُولُ: التَّعْلِيقُ يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ لَا يُؤَثِّرُ التَّعْلِيقُ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَإِنَّمَا يُوَثِّرُ فِي حُكْمِهِ بِمَنْعِهِ مِنْ الثُّبُوتِ فَإِنَّهُ لَوْلَا التَّعْلِيقُ لَكَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَابِتٌ مَعَ الشَّرْطِ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ بِدُونِ الشَّرْطِ وَهُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّ حُكْمَهُ لَا يَثْبُتُ لِمَكَانِ الشَّرْطِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ أَثَرَ التَّعْلِيقِ فِي مَنْعِ الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ وَالْإِضَافَةِ وَبِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ فَيُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ نَظِيرُ التَّعْلِيقِ الْحِسِّيِّ فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْقِنْدِيلِ لَا يُؤَثِّرُ فِي ثِقَلِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ السُّقُوطِ بِالْإِعْدَامِ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي حُكْمِهِ وَهُوَ السُّقُوطُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْعِلَّةِ فَإِنَّ عَدَمَهَا لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِ الْعِلَّةِ مُضَافًا إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعِلَّةَ نَفَتْ الْحُكْمَ قَبْلَ وُجُودِهَا بَلْ عُدِمَ لِعَدَمِ سَبَبِهِ فَأَمَّا الشَّرْطُ فَمُغَيِّرٌ لِلْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ فَكَانَ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِهِ مَعَ وُجُودِ الْمُوجِبِ كَمَا كَانَ مُثْبِتًا وُجُودَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّ أَثَرَ التَّعْلِيقِ فِي تَأْخِيرِ الْحُكْمِ لَا فِي مَنْعِ السَّبَبِ عَنْ الِانْعِقَادِ أَبْطَلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ بِأَنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ تَزَوَّجْتُك أَوْ نَكَحْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً أَوْ كُلَّمَا تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ وَقَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ: إنْ مَلَكْتُك أَوْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ هَذَا كُلُّهُ بَاطِلًا حَتَّى لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ بِهَذِهِ الْأَيْمَانِ بِحَالٍ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ التَّعْلِيقِ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمِلْكِ فَيُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ لِيَتَقَرَّرَ السَّبَبُ ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْحُكْمُ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ بِالتَّعْلِيقِ.
وَجُوِّزَ تَعْجِيلُ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ أَيْ الْمَنْذُورِ الْمَالِيِّ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ النَّذْرِ
стр. 589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ جَازَ عِنْدَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِعَشَرَةٍ سَبَبٌ تَامٌّ لِإِيجَابِ الْعَشَرَةِ فِي الْحَالِ غَيْرَ أَنَّ الشَّرْطَ أَخَّرَ وُجُوبَ الْأَدَاءِ إلَى زَمَانِ وُجُودِهِ فَإِذَا أَدَّى قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَانَ الْأَدَاءُ وَاقِعًا بَعْدَ وُجُوبِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ فَيَجُوزُ.
وَجُوِّزَ تَعْجِيلُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ يَعْنِي الْكَفَّارَةَ بِالْمَالِ بِأَنْ أَعْتَقَ قَبْلَ الْحِنْثِ رَقَبَةً عَنْ الْكَفَّارَةِ أَوْ أَطْعَمَ أَوْ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ جَازَ عِنْدَهُ وَيُخْرِجُ عَنْ عُهْدَةِ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْيَمِينَ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ وَلِهَذَا تُضَافُ الْكَفَّارَةُ إلَيْهَا فَيُقَالُ: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ إلَّا أَنَّ الْحِنْثَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَائِهَا فَكَانَ التَّعْلِيقُ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أَيْ حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ مُؤَخِّرًا لِلْحُكْمِ إلَى حِينِ وُجُودِهِ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ فَلَا يُمْنَعُ جَوَازُ التَّعْجِيلِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ بَعْدَ سَبَبٍ قَبْلَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ جَائِزٌ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] أَيْ وَمَنْ لَمْ يَمْلِكْ زِيَادَةً فِي الْمَالِ يَمْلِكُ بِهَا نِكَاحَ الْحُرَّةِ ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] أَيْ فَلْيَنْكِحْ مَمْلُوكَةً مِنْ الْإِمَاءِ الْمُسْلِمَاتِ وَالطَّوْلُ الْفَضْلُ وَالْفَتَاةُ الْأَمَةُ فَإِنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ عُلِّقَ بِعَدَمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ فَتَوَجَّبَ الْجَوَازُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِمَنْظُومِهِ وَالْفَسَادُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَهُوَ وُجُودُ الطَّوْلِ بِمَفْهُومِهِ وَكَذَلِكَ وُصِفَتْ الْفَتَيَاتُ بِالْمُؤْمِنَاتِ فَيُوجَبُ الْجَوَازُ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَالْعَدَمُ عِنْدَ عَدَمِهَا فَعِنْدَ وُجُودِ الطَّوْلِ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ أَصْلًا وَعِنْدَ عَدَمِهِ يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُؤْمِنَةِ دُونَ الْكَافِرَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الْأَمَةِ مُعَلَّقٌ بِشَرْطَيْنِ بِعَدَمِ الطَّوْلِ وَبِصِفَةِ الْإِيمَانِ فَيَثْبُتُ عِنْدَ وُجُودِهِمَا وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا وَرَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الْأَمَةِ عِنْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ سِوَى الشَّرْطِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْحُرَّةِ تَحْتَهُ وَهِيَ عَدَمُ الطَّوْلِ لِلْحُرَّةِ وَكَوْنُ الْأَمَةِ مُؤْمِنَةً.
وَخَشْيَةُ الْعَنَتِ وَهُوَ الزِّنَا وَأَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهُ أَمَةٌ أُخْرَى بِنِكَاحٍ أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ لِأَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الْأَمَةِ عِنْدَهُ ضَرُورِيٌّ وَهِيَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ حَيْثُ جَعَلَ طَوْلَ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ مَانِعًا مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ كَطَوْلِ الْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ طَوْلُ الْكِتَابِيَّةِ مَانِعًا إذْ لَوْ كَانَ مَانِعًا لَمَا كَانَ لِقَيْدِ الْإِيمَانِ فَائِدَةٌ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْعَمَلُ بِالْمَفْهُومِ إنَّمَا يَجِبُ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ آخَرُ وَقَدْ عَارَضَهُ هَاهُنَا فَإِنَّ صِيَانَةَ الْجُزْءِ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ وَقَدْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ مَعَ رِعَايَةِ وَصْفِ الْإِيمَانِ فِي الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمَفْهُومِ وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْوَاجِدَ لِطَوْلِ حُرَّةٍ ذِمِّيَّةٍ وَاجِدٌ لِطَوْلِ حُرَّةٍ مُؤْمِنَةٍ عِنْدَنَا فَلِذَلِكَ مَنَعْنَاهُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: إذَا وَجَدَ طَوْلَ ذِمِّيَّةٍ وَلَمْ يَجِدْ مُؤْمِنَةً تَرْضَى مِنْهُ بِذَلِكَ الطَّوْلِ كَانَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ قَالَ: وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَذَكَرَ فِي التَّهْذِيبِ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ كِتَابِيَّةٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] وَهَذَا غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى طَوْلِ حُرَّةٍ مُؤْمِنَةٍ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةً ذِمِّيَّةً لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَذَكَرَ فِي الْإِيمَانِ فِي الْمُحْصَنَاتِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ بَلْ ذَكَرَهُ تَشْرِيفًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الْآيَةُ ثُمَّ الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ وَهُوَ أَنْ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا إذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَإِنْ أُثْبِتَ الْحُكْمُ فِي الْمُؤْمِنَاتِ وَلَا يَلْزَمُ أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ جَوَازِ تَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ بِالْمَالِ وَالْمَنْذُورِ الْمَالِيِّ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ السَّبَبِ عَدَمُ جَوَازِ تَعْجِيلِ الْبَدَنِيِّ فِي الْكَفَّارَةِ أَوْ فِي النَّذْرِ حَتَّى لَوْ كَفَّرَ الْيَمِينَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ أَوْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْلَ انْزِهَاقِ الرُّوحِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ أَوْ نَذْرٍ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ أَوْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَتَى بِالْمَنْذُورِ قَبْلَ الشَّرْطِ لَا يَجُوزُ فِي هَذَا كُلِّهِ بِخِلَافِ تَعْجِيلِ الْمَالِيِّ حَيْثُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْحُقُوقَ الْمَالِيَّةَ يَنْفَصِلُ وُجُوبُ أَدَائِهَا عَنْ نَفْسِ الْوُجُوبِ لِأَنَّ الْمَالَ مَعَ الْفَصْلِ يَتَغَايَرَانِ فَجَازَ أَنْ يَتَّصِفَ الْمَالُ بِالْوُجُوبِ وَلَا يَثْبُتُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا إلَى شَهْرٍ يُثْبِتُ الْوُجُوبَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلَا يَثْبُتُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَلَا يَدُلُّ عَدَمُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.
فَأَمَّا الْبَدَنِيُّ فَلَا يَحْتَمِلُ الْفَصْلَ بَيْنَ وُجُوبِهِ وَوُجُوبِ أَدَائِهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ إلَّا أَفْعَالًا مَعْلُومَةً وَكَذَا الصَّوْمُ فَوُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا يَكُونُ إلَّا وُجُوبَ الْأَدَاءِ فَعَدَمُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِيهِ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ضَرُورَةً وَلَمَّا تَأَخَّرَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ هَاهُنَا بِالْإِجْمَاعِ انْتَفَى الْوُجُوبُ فَلَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الصَّوْمُ قَبْلَ الشَّهْرِ وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: تَأْثِيرُ التَّعْلِيقِ فِي مَنْعِ السَّبَبِ لَا فِي حُكْمِهِ فَكَانَ امْتِنَاعُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ سَبَبِهِ لَا لِمَنْعِ التَّعْلِيقِ إيَّاهُ قَصْدًا وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ دَخَلَ فِي السَّبَبِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مَثَلًا لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُورُ دُونَ غَيْرِهِ فَإِذَا قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَدْ عَلَّقَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَقَصَدَ التَّطْلِيقَ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ لَا فِي الْحَالِ فَلَمْ يَكُنْ السَّبَبُ مَوْجُودًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ جَزَاءً لِدُخُولِ الدَّارِ وَالْجَزَاءُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: إنْ تُكْرِمْنِي أُكْرِمْك كَانَ مُعَلِّقًا إكْرَامَهُ بِإِكْرَامِ صَاحِبِهِ إيَّاهُ وَكَانَ إكْرَامُهُ مَعْدُومًا قَبْلَ إكْرَامِ صَاحِبِهِ إيَّاهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَمَّا جَعَلَ التَّطْلِيقَ جَزَاءَ دُخُولِ الدَّارِ كَانَ التَّطْلِيقُ مَعْدُومًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا مُعْنِدَ لِقَوْلِهِمْ أَنْتِ طَالِقٌ قَدْ صَارَ مَوْجُودًا فَلَا وَجْهَ إلَى جَعْلِهِ مَعْدُومًا بِالتَّعْلِيقِ فَيُجْعَلُ التَّعَلُّقُ مَانِعًا لِحُكْمِهِ وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ كَشَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّا لَا نَجْعَلُ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ مَعْدُومًا وَلَكِنْ نَجْعَلُ التَّعْلِيقَ مَانِعًا مِنْ وُصُولِهِ إلَى الْمَحَلِّ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ انْعِقَادِهِ عِلَّةً لِأَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَصِيرُ عِلَّةً قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى مَحَلِّهَا كَمَا لَا يَصِيرُ عِلَّةً قَبْلَ تَمَامِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ شَطْرَ الْبَيْعِ كَمَا لَا يَكُونُ عِلَّةً لِعَدَمِ تَمَامِ الرُّكْنِ لَا يَكُونُ بَيْعُ الْحُرِّ سَبَبًا أَيْضًا لِعَدَمِ إضَافَتِهِ إلَى الْمَحَلِّ وَكَمَا لَا يَكُونُ قَوْلُهُ أَنْتِ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ قَبْلَ قَوْلُهُ طَالِقٌ فَكَذَا إذَا أُضِيفَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى مَيِّتَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ الْمَحَلِّ وَكَذَلِكَ بَعْضُ النِّصَابِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فَكَذَلِكَ النِّصَابُ لِكَمَالِهِ فِي مِلْكِ كَافِرٍ لَا يَكُونُ سَبَبًا أَيْضًا.
١ -
وَلَمَّا دَخَلَ التَّعْلِيقُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَنَعَهُ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَحَلِّ كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ لَا يَكُونُ وَاصِلًا إلَى الْأَرْضِ وَلِأَنَّ الِاتِّصَالَ الشَّرْعِيَّ يُعْرَفُ تَأْثِيرُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ فِيهَا فَكَيْفَ يَكُونُ وَاصِلًا وَاعْتُبِرَ هَذَا بِالِاتِّصَالِ الْحِسِّيِّ فَإِنَّ فِعْلَ النَّجَّارِ
стр. 591
فَبَقِيَ غَيْرَ مُضَافٍ إلَيْهِ وَبِدُونِ الِاتِّصَالِ بِالْمَحَلِّ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا أَلَا تَرَى أَنَّ السَّبَبَ مَا يَكُونُ طَرِيقًا وَالسَّبَبَ الْمُعَلَّقَ يَمِينٌ عُقِدَتْ عَلَى الْبِرِّ وَالْعَقْدُ عَلَى الْبِرِّ لَيْسَ بِطَرِيقٍ إلَى الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْحِنْثِ
ــ
[كشف الأسرار]
مَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ الْخَشَبُ لَا يَنْعَقِدُ نَجْرًا.
وَكَذَا الْكَسْرُ مَعَ الِانْكِسَارِ وَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ إلَى الْمَحَلِّ لَمْ يَصِرْ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ عِلَّةً وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْغُوَ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْمَحَلِّ كَقَوْلِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنَّ وُصُولَهُ إلَى الْمَحَلِّ لَمَّا كَانَ مَرْجُوًّا بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَانْحِلَالِ التَّعْلِيقِ جَعَلْنَاهُ كَلَامًا صَحِيحًا لَهُ عَرَضِيَّةٌ أَنْ يَصِيرَ سَبَبًا كَشَطْرِ الْبَيْعِ لَهُ عَرَضِيَّةٌ أَنْ يَصِيرَ سَبَبًا بِوُجُودِ الشَّطْرِ الْآخَرِ فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى لَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ لَا يُرْجَى وُجُودُهُ وَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ لَغَا أَيْضًا بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ مَانِعًا لِلْعِلَّةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَانِعًا لِلْحُكْمِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَهُوَ مَذْهَبٌ فَاسِدٌ وَنَظِيرُهُ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ الرَّمْيُ فَإِنَّ نَفْسَهُ لَيْسَ بِقَتْلٍ وَلَكِنَّهُ بِعَرَضٍ أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا إذَا اتَّصَلَ السَّهْمُ بِالْمَحَلِّ وَإِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّمْيِ تُرْسٌ مَنَعَ الرَّمْيُ مِنْ انْعِقَادِهِ عِلَّةً لِلْعَقْلِ لَا أَنَّهُ مَنَعَ الْقَتْلَ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ فَكَذَا التَّعْلِيقُ بِالشَّرْعِيَّاتِ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ يَصِيرُ كَالْمُنْجَزِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا وُجِدَ ارْتَفَعَ التَّعْلِيقُ فَصَارَ ذَلِكَ الْكَلَامُ تَنْجِيزًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنْ قِيلَ: الصَّحِيحُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ جُنَّ فَدَخَلَتْ الدَّارَ تَطْلُقُ وَلَوْ نَجَزَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَقَعْ.
قُلْنَا: إنَّمَا يُصَيِّرُ ذَلِكَ الْكَلَامَ الْمُعَلَّقَ تَنْجِيزًا عَقْدُ وُجُودِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ الْكَلَامُ كَانَ صَحِيحًا مِنْهُ وَالتَّنْجِيزُ إنَّمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ لِأَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا فَإِذَا كَانَ هَذَا تَنْجِيزًا بِكَلَامٍ صَحِيحٍ شَرْعًا عَمِلَ فِي حَقِّهِ أَيْضًا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّنْجِيزِ يُرَاعَى لِلْوُقُوعِ وُجُودُ الْمَحَلِّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّكَلُّمَ مِنْ الْحَالِفِ يُوجَدُ عِنْدَ التَّعْلِيقِ فَيُرَاعَى أَهْلِيَّةُ التَّكَلُّمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْوُصُولُ إلَى الْمَحَلِّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَيُرَاعَى وُجُودُ الْمَحَلِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَذَا فِي جَامِعِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀.
فَإِنْ قِيلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ طَلَّقْت امْرَأَتِي فَأَنْتِ حُرٌّ ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ حَتَّى طَلُقَتْ لَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ وَلَوْ صَارَ مُطْلَقًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَلَزِمَ أَنْ يَعْتِقَ الْعَبْدُ قُلْنَا: إنَّمَا لَا يَعْتِقُ لِأَنَّهُ عُرِفَ بِدَلَالَةِ الْحَالِ أَنَّ غَرَضَهُ مِنْ قَوْلِهِ إنْ طَلَّقْت فَكَذَا مَنْعُ نَفْسِهِ عَنْ تَطْلِيقٍ بِكَلَامٍ مُسْتَأْنَفٍ بَعْدَ الْيَمِينِ يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْهُ وَالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ فَيَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا ثُمَّ قَالَ إنْ قَتَلْتُهُ فَعَبْدِي حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ مِنْ جُرْحِهِ لَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ وَصَارَ قَتْلًا بَعْدَ الْيَمِينِ لِأَنَّ غَرَضَهُ الْمَنْعُ عَنْ قَتْلٍ يُبَاشِرُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْهُ إنْ شَاءَ فَكَذَا هَذَا قَوْلُهُ (فَبَقِيَ غَيْرَ مُضَافٍ إلَيْهِ) أَيْ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِالْمَحَلِّ.
أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا يَعْنِي السَّبَبُ مَا يَكُونُ مُفْضِيًا إلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَمُتَقَرِّرًا عِنْدَ ثُبُوتِهِ وَالسَّبَبُ الْمُعَلَّقُ أَيْ الْكَلَامُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ الَّذِي يَصِيرُ سَبَبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَيْسَ بِمُفْضٍ إلَى الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ بَلْ الشَّرْطُ مَانِعٌ عَنْهُ فَكَيْفَ يُجْعَلُ سَبَبًا وَهَذَا لِأَنَّهُ جُعِلَ جَزَاءً لِلشَّرْطِ لِيَنْعَقِدَ يَمِينًا إذْ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ يَمِينٌ عَلَى مَا عُرِفَ وَقَصْدُهُ مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ تَحْقِيقُ مُوجَبِهِ وَهُوَ الْبِرُّ إلَّا أَنَّ الْبِرَّ لَا يَتَأَكَّدُ إلَّا بِضَمَانٍ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الْهَتْكِ فَجُعِلَ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ لِيَتَحَرَّزَ عَنْ الْهَتْكِ وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ تَحْقِيقَ الْبِرِّ وَفِي تَحْقِيقِهِ إعْدَامُ مُوجَبِ مَا عُلِّقَ بِالشَّرْطِ لَا وُجُودِهِ لَا يَكُونُ الْمُعَلَّقُ مُفْضِيًا إلَى وُجُودِ الْحُكْمِ بَلْ يَكُونُ مُوجِبًا عَدَمَهُ
стр. 592
وَهُوَ نَقْضُ الْعَقْدِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا تَنَافٍ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا وَتَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ لَيْسَ بِمَعْنَى الْأَجَلِ لِأَنَّ هَذَا دَاخِلٌ عَلَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ فَمَنَعَهُ عَنْ اتِّصَالِهِ بِمَحَلِّهِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ مِنِّي لَمْ يَتَّصِلْ بِقَوْلِهِ حُرٌّ لَمْ يَعْمَلْ فَصَارَ الْحُكْمُ مَعْدُومًا بَعْدَ الشَّرْطِ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْيَمِينِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَا يَكُونُ سَبَبًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَرُبَّمَا ذَكَرْنَا يَتَبَيَّنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَالتَّعْلِيقِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِالْإِيجَابِ فِي وَقْتِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ أَنْتَ حُرٌّ غَدًا لِوُقُوعِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ الْحُرِّيَّةَ فَيَتَحَقَّقُ السَّبَبُ لِوُجُودِهِ حَقِيقَةً وَعَدَمِ مَا يَمْنَعُهُ عَنْ السَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ الْغَدَ وَمَا يُشْبِهُهُ تَعْيِينُ زَمَانِ الْوُقُوعِ وَالزَّمَانُ مِنْ لَوَازِمِ الْوُقُوعِ كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ تَحْقِيقًا لِلسَّبَبِيَّةِ وَالتَّعْلِيقُ مَانِعًا عَنْهَا وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي نَوَادِرِ الصَّوْمِ مِنْ الْمَبْسُوطِ إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ غَدًا فَعَجَّلَ يَجُوزُ وَلَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ السَّبَبِ فِي الْإِضَافَةِ وَعَدَمِهِ فِي التَّعْلِيقِ.
وَالْعَقْدُ عَلَى الْبِرِّ لَيْسَ بِطَرِيقٍ إلَى الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالْحِنْثِ أَيْ عِنْدَ الْحِنْثِ وَالْيَمِينِ مَانِعَةٌ مِنْ الْحِنْثِ مُوجِبَةٌ لِضِدِّهِ وَهُوَ الْبِرُّ فَكَيْفَ يَكُونُ مُفْضِيَةً إلَى مَا هِيَ مَانِعَةٌ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ وَهُوَ نَقَضَ الْعَقْدَ أَيْ الْحِنْثُ نَقَضَ الْيَمِينَ دَلِيلٌ آخَرُ يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الْحِنْثِ لَا تَصْلُحُ سَبَبًا لَهَا أَيْضًا لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى مَعَ الْحِنْثِ لِأَنَّ الْحِنْثَ يُنَافِي الْيَمِينَ لِأَنَّهُ نَقْضُ الْيَمِينِ وَمَا يَنْقُضُ الْعَقْدَ يُنَافِيهِ لَا مَحَالَةَ وَإِذَا لَمْ يَبْقَ الْيَمِينُ عِنْدَ الْحِنْثِ الَّذِي تَعَلَّقَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِهِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لَهَا قَبْلَ الْحِنْثِ لِأَنَّ مِنْ أَوْصَافِ السَّبَبِ أَنْ يُتَصَوَّرَ تَقَرُّرُهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُسَبِّبِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا خِلَافُ النَّصِّ وَالْعُرْفِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ الْكَفَّارَةَ إلَى الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ يُقَالُ فِي الْعُرْفِ أَيْضًا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالْإِضَافَةُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّبِيَّ أَوْ الْمَجْنُونَ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ فَحَنِثَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ حَلَفَ مُخَاطِبٌ ثُمَّ جُنَّ فَحَنِثَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَكَذَا فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ فَلَمَّا شَرَطَتْ أَهْلِيَّتُهُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْيَمِينِ لَا عِنْدَ الْحِنْثِ عُلِمَ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْيَمِينُ وَقَوْلُكُمْ الْيَمِينُ لَا تَصْلُحُ طَرِيقًا إلَى الْكَفَّارَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ لَوْلَا الْيَمِينُ لَمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُتَوَصَّلُ بِوَاسِطَةِ الْحِنْثِ لَا بِنَفْسِ الْيَمِينِ وَهَذَا هُوَ حَدُّ السَّبَبِ وَهُوَ أَنْ يُوصَلَ إلَيْهِ بِوَاسِطَةٍ كَالْجُرْحِ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ بِوَاسِطَةِ السِّرَايَةِ.
قُلْنَا: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْيَمِينَ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ وَلَكِنْ نَقُولُ هِيَ سَبَبٌ لَهَا بَعْدَ الْحِنْثِ وَفَوَاتُ الْبِرِّ بِطَرِيقِ الِانْقِلَابِ وَالْكَفَّارَةُ مُضَافَةٌ إلَى تِلْكَ الْيَمِينِ لَا إلَى الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ كَذَا قَالَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ ﵀ وَنَظِيرُهُ الصَّوْمُ وَالْإِحْرَامُ فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورِهِمَا وَبَعْدَ الِارْتِكَابِ يَصِيرَانِ سَبَبَيْنِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِطَرِيقِ الِانْقِلَابِ وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ الْيَمِينَ فِيمَا مَضَى سَبَبٌ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَلَكِنْ خُلْفًا عَنْ الْبِرِّ لَا أَصْلًا وَالْخُلْفُ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ انْقِطَاعِ الْعِلَّةِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ عِلَّةٌ لِإِيجَابِ الْأَصْلِ لَا لِلْبَقَاءِ وَالْخُلْفُ يَخْلُفُهُ فِي الْبَقَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّ مِلْكَ الثَّمَنِ لَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ بَيْعٍ وَيَبْقَى بَعْدَ انْقِطَاعِ الْبَيْعِ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ أَوْ بَيْعِهِ مِنْ إنْسَانٍ آخَرَ وَكَذَا الْمَهْرُ يَبْقَى بَعْدَ انْقِطَاعِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْأَهْلِيَّةِ وَقْتَ الْيَمِينِ فَلَيْسَتْ لِكَوْنِهَا سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ أَوْ الطَّلَاقِ وَلَكِنْ لِكَوْنِهَا سَبَبًا لِلْبِرِّ وَالْأَسْبَابُ الْمُلْزِمَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ الْأَهْلِ فَأَمَّا الْعَاقِلُ إذَا حَلَفَ ثُمَّ جُنَّ فَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْكَفَّارَةِ بِوَاسِطَةِ الْحِنْثِ فَلَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ السَّبَبَ إذَا كَانَ يَصِيرُ سَبَبًا بِوَاسِطَةٍ
стр. 593
وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَمَّةَ دَاخِلٌ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَرَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ نَظَرًا فَلَوْ دَخَلَ عَلَى السَّبَبِ لِتَعَلُّقِهِ بِحُكْمِهِ لَا مَحَالَةَ وَلَوْ دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ لَنَزَلَ سَبَبُهُ وَهُوَ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَيَصْلُحُ التَّدَارُكُ بِهِ بِأَنْ يَصِيرَ غَيْرَ لَازِمٍ بِأَدْنَى الْمُخْطِرَيْنِ فَكَانَ أَوْلَى وَأَمَّا هَذَا فَيَحْتَمِلُ الْخَطَرَ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِكَمَالِ التَّعْلِيقِ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ حَنِثَ
ــ
[كشف الأسرار]
لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُفْضِيًا إلَى تِلْكَ الْوَاسِطَةِ مُوصِلًا إلَى الْحُكْمِ كَالْجُرْحِ يُفْضِي إلَى الْأَلَمِ وَالْأَلَمُ يُفْضِي إلَى تَلَفِ النَّفْسِ وَهَاهُنَا الْحِنْثُ مَمْنُوعٌ بِحُكْمِ الْيَمِينِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَكَيْفَ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ مُفْضِيَةً إلَى الْحُكْمِ كَذَا فِي طَرِيقَةِ الْإِمَامِ الْبُرْغَرِيِّ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ لَيْسَ بِمَعْنَى الْأَجَلِ يَعْنِي تَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ كَالتَّأْجِيلِ فَإِنَّ التَّأْجِيلَ لَا يَمْنَعُ وُصُولَ السَّبَبِ بِالْمَحَلِّ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ فِي الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ جَمِيعًا الْعَقْدُ وَمَحَلَّ الدَّيْنِ الذِّمَّةُ وَالتَّأْجِيلَ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ وَلَا ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ الْمُطَالَبَةَ وَالْأَجَلَ مِمَّا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَيَسْقُطُ بِالتَّعْجِيلِ وَيَتَحَقَّقُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَأَمَّا التَّعْلِيقُ فَيَمْنَعُ وُصُولَهُ إلَى الْمَحَلِّ وَقَبْلَ الْوُصُولِ لَا يَتِمُّ السَّبَبُ وَلَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ قَبْلَ تَمَامِ السَّبَبِ دَاخِلٌ عَلَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَصَارَ الْحُكْمُ مَعْدُومًا بَعْدَ الشَّرْطِ أَيْ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّرْطِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ أَيْ الْعَدَمِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ لَا لِمَانِعٍ يَمْنَعُ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْيَمِينِ فَإِنْ وُجِدَ الدَّلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ مَعَ قِيَامِ التَّعْلِيقِ يَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ كَمَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ وَإِلَّا فَلَا فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: ٢٥] الْآيَةُ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ بِدُونِ الشَّرْطِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ، ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ إذْ لَمْ يُعَارِضْهُ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ وَفِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ قَبْلَ وُجُودِ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَبَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَتْ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَأَخَوَاتِهِ بِالشَّرْطِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ الشَّرْطَ فِيهِ دَاخِلٌ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَرَ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِثْبَاتَاتِ وَهِيَ لَا تَحْتَمِلُ الْخَطَرَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْقِمَارِ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ وَفِي جَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّرْطِ خَطَرٌ تَامٌّ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ الْبَيْعُ مَعَ خِيَارِ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ ذَلِكَ ضَرُورَةَ دَفْعِ الْغَبْنِ فَكَانَ نَظِيرَ أَكْلِ الْمَيِّتَةِ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِجَعْلِهِ دَاخِلًا عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ دَاخِلًا عَلَى السَّبَبِ لِتَعَلُّقِ حُكْمِهِ أَيْضًا ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَ السَّبَبِ وَلَوْ جُعِلَ دَاخِلًا عَلَى الْحُكْمِ لَنَزَلَ سَبَبُهُ أَيْ انْعَقَدَ وَنَفَذَ فِي الْحَالِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالشَّرْطِ إلَّا أَنَّ حُكْمَهُ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَالْحُكْمُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّأَخُّرَ عَنْ السَّبَبِ فَكَانَ جَعْلُهُ دَاخِلًا عَلَى الْحُكْمِ أَوْلَى تَقْلِيلًا لِلْخَطَرِ وَفِيهِ تَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ أَيْضًا وَكَانَ قَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ السَّبَبُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ جَوَابُ سُؤَالٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ السَّبَبُ لَمَّا نَزَلَ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالشَّرْطِ لَا يُمْكِنُ فَسْخُهُ بِدُونِ رِضَاءِ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ لِصَاحِبِ الْخِيَارِ فَقَالَ: الْبَيْعُ مِمَّا يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَيُمْكِنُ تَدَارُكُ زَوَالِ السَّبَبِ أَوْ تَدَارُكُ دَفْعِ الْغَبْنِ بِأَنْ يُجْعَلَ غَيْرَ لَازِمٍ لِيُمْكِنَهُ فَسْخُهُ بِدُونِ رِضَاءِ صَاحِبِهِ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُهُ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي.
وَقَوْلُهُ بِأَنْ يُجْعَلَ بَدَلَ مَنْ بِهِ وَالْبَاءُ فِي بِأَدْنَى مُتَعَلِّقَةٌ بِيُجْعَلَ أَيْ يُمْكِنُ تَدَارُكُ دَفْعِ الْغَبْنِ بِإِدْخَالِ الشَّرْطِ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ بِأَنْ يُجْعَلَ السَّبَبُ وَهُوَ الْبَيْعُ غَيْرَ لَازِمٍ بِأَدْنَى الْخَطَرَيْنِ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ
стр. 594
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُطَلِّقُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِذَا بَطَلَتْ الْعُلْقَةُ صَارَ ذَلِكَ الْإِيجَابُ عِلَّةً كَائِنَةً ابْتِدَاءً وَلِهَذَا صَحَّ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمِلْكِ بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
دُونَ السَّبَبِ فَكَانَ هَذَا الطَّرِيقُ مِنْ تَعْلِيقِ السَّبَبِ.
فَأَمَّا هَذَا أَيْ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا فَيَحْتَمِلُ الْخَطَرَ أَيْ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْخَطَرُ الْإِشْرَافُ عَلَى الْهَلَاكِ وَمِنْهُ الْخَطَرُ لِمَا يُتَرَاهَنُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِكَمَالِ التَّعْلِيقِ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنْ يُجْعَلَ الشَّرْطُ دَاخِلًا عَلَى أَصْلِ السَّبَبِ إذْ لَوْ جُعِلَ دَاخِلًا عَلَى الْحُكْمِ كَانَ تَعْلِيقًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَالْأَصْلُ هُوَ الْكَمَالُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إذْ النُّقْصَانُ بِالْعَوَارِضِ وَقَدْ عَدِمَ الْعَارِضُ هَاهُنَا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِكَمَالِ التَّعْلِيقِ وَقِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ شَرْطِ الْخِيَارِ وَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ إنَّ ثُبُوتَ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ بِكَلِمَةٍ عَلَى أَنَّ إذْ هِيَ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيهِ فَيُقَالُ بِعْتُك عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ أَوْ عَلَى أَنَّكَ بِالْخِيَارِ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَإِنْ كَانَتْ لِلشَّرْطِ لَكِنَّ عَمَلَهَا عَلَى خِلَافِ عَمَلِ كَلِمَةِ التَّعْلِيقِ فَإِنَّك إذَا قُلْت أَزُورُك إنْ زُرْتنِي كُنْت مُعَلِّقًا زِيَارَتَك بِزِيَارَةِ صَاحِبِك وَإِذَا قُلْت أَزُورُك عَلَى أَنْ تَزُورَنِي كُنْت مُعَلِّقًا زِيَارَةَ صَاحِبِك بِزِيَارَتِك وَيَكُونُ زِيَارَتُك سَابِقَةً عَلَى زِيَارَتِهِ عَلَى هَذَا إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تُوجِبُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ تَعْلِيقَ نَفْسِ الْبَيْعِ بِهَذَا الشَّرْطِ بَلْ تُوجِبُ تَعْلِيقَ الْخِيَارِ بِالْبَيْعِ وَثُبُوتَهُ بِهِ فَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ سَابِقًا ثُمَّ يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَإِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ امْتَنَعَ اللُّزُومُ وَثُبُوتُ الْحُكْمِ وَهُوَ الْمِلْكُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِيَارُ الْحُكْمِ فِي الشَّرْعِ.
قَوْلُهُ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يُطَلِّقُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ) بِأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَحْنَثُ يَعْنِي قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْوَجِيزِ وَالتَّهْذِيبِ إذَا قَالَ: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى صِفَةٍ أَيْ شَرْطٍ وَوُجِدَتْ فَهُوَ تَطْلِيقٌ وَمُجَرَّدُ الصِّفَةِ لَيْسَ إيقَاعًا وَهُوَ وُقُوعٌ وَمُجَرَّدُ التَّعْلِيقِ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ وَلَا وُقُوعٍ وَذَكَرَ فِي الْمُلَخَّصِ أَيْضًا وَلَوْ عَلَّقَ بِالتَّطْلِيقِ ثُمَّ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ فَإِذَا دَخَلَتْ وَهِيَ مَمْسُوسَةٌ وَقَعَتْ حِينَئِذٍ تَطْلِيقَتَانِ فَثَبَتَ أَنَّ مَذْهَبَهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبَيْعِ فَلَا أَعْرِفُ مَذْهَبَهُ فِيهَا وَمَا ظَفِرْت بِهَا فِي كُتُبِهِمْ صَرِيحًا فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِنَا فَقَدْ صَحَّ الْفَرْقُ وَتَمَّ الْإِلْزَامُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْوَسِيطِ لِلْغَزَالِيِّ أَنَّ الثَّابِتَ يَشْتَرِطُ الْخِيَارُ جَوَازَ الْعَقْدِ وَاسْتِحْقَاقَ الْفَسْخِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي تَأْخِيرِ الْمِلْكِ فِي قَوْلِ بَلْ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَيْعَ سَبَبُ الْمِلْكِ وَلَا يُقْطَعُ الْحُكْمُ عَنْ سَبَبِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْخِيَارِ الْمَشْرُوعِ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَبْنِيَّةِ وَأَمْكَنَ تَحْصِيلُ هَذَا الْمَقْصُودِ بِنَفْيِ اللُّزُومِ فَلَا حَاجَةَ إلَى نَفْيِ الْمِلْكِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا فَالْمِلْكُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ مِثْلُ مَذْهَبِنَا وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَمْ يَتِمَّ الْإِلْزَامُ وَكَانَ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِذَا بَطَلَتْ الْعَلَقَةُ أَيْ التَّعْلِيقُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ صَارَ ذَلِكَ الْإِيجَابُ عِلَّةً كَأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ يَعْنِي يَصِيرُ عِلَّةً فِي الْحَالِ مُقْتَصِرَةً عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْمَشَايِخِ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ لِذَا الشَّرْطِ وَلِهَذَا شَرَطْنَا الْأَهْلِيَّةَ حَالَةَ التَّعْلِيقِ كَمَا بَيَّنَّا لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِيجَابَ لَمَّا صَارَ عِلَّةً يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا مِنْ الْأَهْلِ لِيَصِيرَ كَالْمَلْفُوظِ لِذَا الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُعَلَّقَ لَيْسَ بِسَبَبٍ صَحَّ تَعْلِيقُ
стр. 595
وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلٌ لِنَذْرِ الْمُعَلَّقِ وَتَعْجِيلُ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ كَالْكَفَّارَةِ بِالصَّوْمِ وَفَرْقُهُ بَاطِلٌ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ اللَّهِ فِي الْمَالِيِّ فِعْلُ الْأَدَاءِ لَا عَيْنُ الْمَالِ إنَّمَا يَقْصِدُ عَيْنَ الْمَالِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِعْلٌ لَا مَالٌ وَإِنَّمَا الْمَالُ آلَتُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ يَمِينٌ وَمَحَلُّ الِالْتِزَامِ بِالْيَمِينِ الذِّمَّةُ فَأَمَّا الْمِلْكُ فِي الْمَحَلِّ فَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِإِيجَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ بِإِيجَابٍ وَلَكِنَّهُ بِغَرَضِ أَنْ يَصِيرَ إيجَابًا فَإِنْ تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ حِينَ يَصِيرُ إيجَابًا بِوُصُولِهِ إلَى الْمَحَلِّ صَحَّحْنَا التَّعْلِيقَ بِاعْتِبَارِهِ وَإِنْ لَمْ نَتَيَقَّنْ بِذَلِكَ بِأَنْ كَانَ الشَّرْطُ مِمَّا لَا أَثَرَ لَهُ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ شَرَطْنَا الْمِلْكَ فِي الْحَالِ لِيَصِيرَ كَلَامُهُ إيجَابًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَلَكِنَّ هَذَا الظَّاهِرَ دُونَ الْمِلْكِ الَّذِي نَتَيَقَّنُ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَصِحَّةُ التَّعْلِيقِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْمِلْكِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمِلْكِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنْ قِيلَ جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُمْ يَبْطُلُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهَا إلَّا بِزِيَادَةِ صَدَاقٍ فَقَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» فَهَذَا كَلَامٌ مُفَسَّرٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ قُلْنَا: إنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى الزُّهْرِيِّ وَأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ أَوَّلَ قَوْلَهُ ﵇ «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ فَيَقُولُ: هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ فَقَالَ ﵇ لَا طَلَاقَ فَرَدُّهُ الْحَدِيثَ إلَى الْمُرْسَلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى صِحَّةَ الْمُعَلَّقِ بِالنِّكَاحِ وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَكْحُولٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ هَؤُلَاءِ الثِّقَاتُ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ لَا يُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ أَوْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ كَافَّتَهُمْ أَوْ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مَعَ ظُهُورِ الْفَتْوَى مِنْهُمْ بِخِلَافِهِ كَذَا ذُكِرَ فِي الْأَسْرَارِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ التَّعْلِيقَ مَانِعٌ لِلْإِيجَابِ عَنْ الِانْعِقَادِ لَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لَمَّا لَمْ يَصِلْ إلَى ذِمَّةٍ قَابِلَةٍ لِلْحُكْمِ وَالشَّرْطُ مَنْعُ وُصُولِهِ إلَى الْمَحَلِّ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا كَبَعْضِ النَّذْرِ وَالْأَدَاءُ قَبْلَ السَّبَبِ لَا يَجُوزُ.
وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ كَالْكَفَّارَةِ بِالصَّوْمِ لِأَنَّ الْيَمِينَ سَبَبُ الْوُجُوبِ بِشَرْطِ الْحِنْثِ وَالتَّقْدِيرُ إنْ حَنِثْت فَعَلَيَّ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ فَمَنَعَ الْيَمِينَ عَنْ كَوْنِهَا سَبَبًا فِي الْحَالِ وَلَكِنَّهَا بِعَرَضِيَّةٍ أَنْ تَصِيرَ سَبَبًا فَصَحَّتْ إضَافَةُ الْكَفَّارَةِ إلَيْهَا فَقَبْلَ أَنْ تَصِيرَ سَبَبًا بِالْحِنْثِ لَا يُتَصَوَّرُ الْأَدَاءُ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الْيَمِينِ وَكَمَا لَا يُتَصَوَّرُ تَعْجِيلُ الصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَفَرْقُهُ بَيْنَ الْمَالِيِّ وَالْبَدَنِيِّ بَاطِلٌ فَإِنَّ بَعْدَ تَمَامِ السَّبَبِ وُجُوبَ الْأَدَاءِ قَدْ يَنْفَصِلُ عَنْ نَفْسِ الْوُجُوبِ فِي الْبَدَنِيِّ أَيْضًا فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا صَامَ فِي رَمَضَانَ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ إلَى مَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ بِالْإِجْمَاعِ لِحُصُولِ أَصْلِ الْوُجُوبِ بِالسَّبَبِ وَهَذَا لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا يَعْنِي فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ فِعْلٌ هُوَ عِبَادَةٌ وَإِنَّمَا الْمَالُ وَمَنَافِعُ الْبَدَنِ آلَتَانِ يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِهِمَا فَكَمَا أَنَّ فِي الْبَدَنِيِّ مَعَ تَعَلُّقِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِالشَّرْطِ لَا يَكُونُ السَّبَبُ تَامًّا فَكَذَلِكَ فِي الْمَالِيِّ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ لِلْعَبْدِ مَالٌ لَا فِعْلٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْعَبْدُ أَوْ يَنْدَفِعُ عَنْهُ الْخُسْرَانُ بِهِ وَذَلِكَ بِالْمَالِ دُونَ الْفِعْلِ وَلِهَذَا إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ وَأَخَذَهُ تَمَّ الِاسْتِيفَاءُ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْفِعْلُ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَفِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وُجُوبُ الْفِعْلِ
стр. 596
قَالَ زُفَرُ: وَلَمَّا بَطَلَ الْإِيجَابُ لَمْ يُشْتَرَطْ قِيَامُ الْمَحَلِّ لِبَقَائِهِ فَإِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَبْطُلْ الْيَمِينُ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَإِنَّمَا شَرْطُ قِيَامِ الْمِلْكِ لِأَنَّ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ مُتَرَدِّدٌ فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْحَالِ فَإِذَا وَقَعَ التَّرْجِيحُ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ صَارَ زَوَالُ الْحِلِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُنَافِي وُجُودَهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا مَحَالَةَ وَزَوَالُ الْمِلْكِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ سَوَاءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالنِّكَاحِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْحِلُّ لِلْحَالِّ مَعْدُومًا فَلَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ يَتَّصِلُ بِالْمَحَلِّ لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِنِكَاحِهَا
ــ
[كشف الأسرار]
بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالْمُسْتَحَقُّ هُوَ مَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ صَيْرُورَةُ الثَّوْبِ مَخِيطًا أَوْ مَقْصُورًا.
فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَوَاجِبَةٌ بِطَرِيقِ الْعِبَادَةِ وَنَفْسُ الْمَالِ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ إنَّمَا الْعِبَادَةُ فِعْلٌ يُبَاشِرُهُ الْعَبْدُ بِخِلَافِ هَوَى النَّفْسِ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي هَذَا الْمَالُ وَالْبَدَنُ سَوَاءٌ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْفِعْلُ هُوَ الْمَطْلُوبُ لَمْ يَتَأَدَّبَا بِالنَّائِبِ كَالصَّلَاةِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَقْصُودُ وَهُوَ حُصُولُ الْمَشَقَّةِ بِقَطْعِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَالِ يَحْصُلُ بِالنَّائِبِ وَالْإِنَابَةُ فِعْلٌ مِنْهُ فَاكْتُفِيَ بِهِ عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ إتْعَابُ النَّفْسِ بِالْقِيَامِ لِلْخِدْمَةِ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَأَدَّ بِفِعْلِهِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلُ وَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يُوجِبُ الْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ جَوَّزْنَا نِكَاحَ الْأَمَةِ حَالَ طَوْلِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاحَ الْأَمَةِ حَالَ عَدَمِ الطَّوْلِ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: ٢٥] الْآيَةُ وَلَمْ يُحَرِّمْ حَالَ وُجُودِهِ بَلْ لَمْ يَذْكُرْهُ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودٍ فَيُجْعَلُ الْحِلُّ ثَابِتًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِالْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْحِلِّ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلَ عَبْدِي الدَّارَ فَأُعْتِقُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَالَ لَهُ أَوَّلًا: أَعْتِقْ عَبْدِي ثُمَّ قَالَ: أَعْتِقْهُ إنْ دَخَلَ الدَّارَ جَازَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَلَا يُجْعَلُ الثَّانِي نَهْيًا عَنْ الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ عَزَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَقِيَ لَهُ الْآخَرُ فَإِنْ قِيلَ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطِ يَثْبُتُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا هَاهُنَا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ وَمُتَعَلِّقًا بِشَرْطٍ مُنْتَظَرٍ.
قُلْنَا: حِلُّ الْوَطْءِ لَيْسَ بِثَابِتٍ قَبْلَ النِّكَاحِ وَلَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِشَرْطِ النِّكَاحِ فِي الْآيَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هَذَا الشَّرْطُ الزَّائِدُ وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ وَبِهَذَا الشَّرْطِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَا ادَّعَى مِنْ التَّضَادِّ فِيمَا هُوَ مَوْجُودٌ فَأَمَّا فِيمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ فَلَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِشَرْطٍ وَذَلِكَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِشَرْطٍ آخَرَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ
١ -
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا جَاءَ الْخَمِيسُ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ: إذَا جَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ الثَّانِي صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ مَجِيءُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ يَوْمِ الْخَمِيسِ حَتَّى لَوْ أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ فَجَاءَ يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى مِلْكِهِ فَجَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يُعْتِقُ بِاعْتِبَارِ التَّعْلِيقِ الثَّانِي فَإِنْ قِيلَ مَعَ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ كَمَالَ الشَّرْطِ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ وَهُوَ بَعْضُ الشَّرْطِ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَيْضًا وَمَا قُلْتُمْ يُؤَدِّي إلَى هَذَا فَإِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ كَمَالُ الشَّرْطِ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ وَهُوَ بَعْضُ الشَّرْطِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إذَا قُلْتُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً عِنْدَ وُجُودِ هَذَا الشَّرْطِ قُلْنَا: إنَّمَا لَا يَجُوزُ هَذَا بِنَصٍّ وَاحِدٍ فَأَمَّا بِنَصَّيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ أَكَلْت ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ أَكَلْت وَشَرِبْت صَحَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَكُونُ الْأَكْلُ كَمَالَ الشَّرْطِ فِي التَّعْلِيقِ الثَّانِي حَتَّى بَاعَهُ فَأَكَلَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَشَرِبَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ لِتَمَامِ الشَّرْطِ بِالتَّعْلِيقِ الْأَوَّلِ وَبَعْضِ الشَّرْطِ فِي التَّعْلِيقِ الثَّانِي وَهُوَ مِلْكُهُ قَوْلُهُ.
(قَالَ زُفَرُ ﵀) إلَى آخِرِهِ يَعْنِي بَنَى زُفَرُ مَذْهَبَهُ فِي أَنَّ تَنْجِيزَ الثَّلَاثِ لَا يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ سَوَاءٌ كَانَ الثَّلَاثُ مُعَلَّقًا أَوْ دُونَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَقَالَ: لَمَّا بَطَلَ الْإِيجَابُ أَيْ بِالتَّعْلِيقِ يَعْنِي لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا فِي الْحَالِ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إلَى الْمَحَلِّ لَمْ يُشْتَرَطْ قِيَامُ الْمَحَلِّ أَيْ بَقَاؤُهُ
стр. 597
وَطَرِيقُ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ لِلْمُعَلَّقِ ضَرْبُ اتِّصَالٍ بِمَحَلِّهِ لِيُشْتَرَطَ قِيَامُ مَحَلِّهِ وَأَمَّا قِيَامُ هَذَا الْمِلْكِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ
ــ
[كشف الأسرار]
لِبَقَائِهِ أَيْ بَقَاءِ الْإِيجَابِ الْمُعَلَّقِ يَعْنِي التَّعْلِيقَ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ لِتَمَامِ السَّبَبِ وَثُبُوتُ الْحُكْمِ عِنْدَ الْوُصُولِ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْمِلْكِ فَكَمَا لَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ بِأَنْ بَاعَ الْعَبْدُ الْمَحْلُوفُ بِعِتْقِهِ أَوْ أَبَانَ الْمَرْأَةَ الْمَحْلُوفَ بِطَلَاقِهَا لِتَوَهُّمِ الْوُجُودِ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا يَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمَحَلِّيَّةِ أَيْضًا لِتَوَهُّمِ حُدُوثِهَا عِنْدَ الشَّرْطِ بِأَنْ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ أَيْ وَكَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ فِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالتَّنْجِيزِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ أَعْتَقَهَا قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ لَمْ يَبْطُلْ التَّعْلِيقُ حَتَّى لَوْ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَتْ وَمَلَكَهَا الْحَالِفُ ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ عَتَقَتْ عِنْدَهُ وَلَمْ تَعْتِقْ عِنْدَنَا.
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا شَرْطُ الْمِلْكِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ الْمِلْكُ وَالْمَحَلُّ حَالَ بَقَاءِ التَّعْلِيقِ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْإِيجَابِ سَبَبًا فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي حَالِ الِابْتِدَاءِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ يَشْمَلُ الْحَالَيْنِ فَيَصِحُّ قَوْلُهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْمَحَلِّ فَبِفَوَاتِهِ يَبْطُلُ فَقَالَ: إنَّمَا شُرِطَ الْمِلْكُ فِي الِابْتِدَاءِ لِانْعِقَادِ هَذَا الْكَلَامِ يَمِينًا لَا لِحَاجَةِ الْإِيجَابِ إلَى الْمَحَلِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ تَأْكِيدُ الْبِرِّ بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ فِي مُقَابَلَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ أَوْ مُتَحَقِّقَهُ عِنْدَ فَوَاتِ الْبِرِّ لِيَحْمِلَهُ خَوْفُ نُزُولِهِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْبِرِّ وَذَلِكَ لِقِيَامِ الْمِلْكِ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَتِلْكَ الْحَالَةُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا الْمِلْكُ فَيَتَحَقَّقُ الْجَزَاءُ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْيَمِينِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يُوجَدَ فِيهَا الْمِلْكُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ فَتَخْلُوا الْيَمِينُ عَنْ الْفَائِدَةِ فَشَرْطُ الْمِلْكِ فِي الِابْتِدَاءِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ وُجُودِ الْمِلْكِ عَلَى عَدَمِهِ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ ثَابِتٍ بَقَاؤُهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَيَنْعَقِدُ الْيَمِينُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْمِلْكِ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ لَا لِحَاجَةِ الْإِيجَابِ إلَى الْمَحَلِّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمِلْكُ مُتَيَقِّنَ الْوُجُودِ عِنْدَ نُزُولِ الْجَزَاءِ لَا يُشْتَرَطُ الْمِلْكُ وَلَا الْحِلُّ فِي الْحَالِ أَيْضًا بِأَنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ وَانْعَقَدَ الْيَمِينُ.
فَإِنْ وَقَعَ التَّرْجِيحُ أَيْ جُعِلَ بِوُجُودِهِ فِي الْحَالِ حَصَلَ وَثَبَتَ رُجْحَانُ وُجُودِ الْمِلْكِ عَلَى عَدَمِهِ حَالَ فَوَاتِ الْبِرِّ وَانْعَقَدَ الْيَمِينُ صَارَ زَوَالُ الْحِلِّ فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ وَزَوَالُ الْمِلْكِ بِالْإِبَانَةِ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ زَوَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُنَافِي وُجُودَهُ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا مَحَالَةَ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْدُثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِذَا بَقِيَتْ الْيَمِينُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ تَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْحِلِّ بِنَاءً عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِتَعْلِيلِ بُطْلَانِ الْإِيجَابِ يَعْنِي بُطْلَانَهُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ اتِّصَالِهِ بِالْمَحَلِّ فِي الْحَالِ فَلَا يُشْتَرَطُ الْمَحَلُّ لِبَقَائِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اتِّصَالِهِ بِالْمَحَلِّ صِحَّةُ تَعْلِيقِ طَلَاقِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِنِكَاحِهَا وَلَوْ كَانَ لِلتَّعْلِيقِ اتِّصَالٌ بِالْمَحَلِّ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّعْلِيقُ لِبُطْلَانِ الْمَحَلِّيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ قَوْلُهُ (وَطَرِيقُ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ) إلَى آخِرِهِ لِعُلَمَائِنَا ﵏ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَتَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ تَبْطُلُ بِفَوَاتِ الْجَزَاءِ كَمَا تَبْطُلُ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ بِأَنْ جُعِلَتْ الدَّارُ بُسْتَانًا أَوْ حَمَّامًا فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِهِمَا بَلْ افْتِقَارُهَا إلَى الْجَزَاءِ أَكْثَرُ مِنْ افْتِقَارِهَا إلَى الشَّرْطِ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بِالْجَزَاءِ لَا بِالشَّرْطِ وَلَمَّا بَطَلَتْ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ فَلَأَنْ تَبْطُلَ بِفَوَاتِ
стр. 598
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الطَّلَاقِ لِيَصِحَّ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْجَزَاءِ كَانَ أَوْلَى وَهَاهُنَا قَدْ فَاتَ الْجَزَاءُ لِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ إنَّمَا صَحَّتْ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ الْقَائِمِ وَلَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ إلَّا ثَلَاثَةُ تَطْلِيقَاتٍ وَقَدْ اسْتَوْفَاهَا كُلَّهَا فَبَطَلَ الْجَزَاءُ ضَرُورَةً فَبَطَلَتْ الْيَمِينُ وَبِهَذَا عَلَّلَ مُحَمَّدٌ ﵀ فَقَالَ: لَمَّا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ ذَهَبَ طَلَاقُ ذَلِكَ الْمِلْكِ كُلِّهِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَيْنِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَيْثُ لَا تَبْطُلُ بِهِ الْيَمِينُ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَوْفِ الْجَزَاءَ بِتَمَامِهِ كَانَ الْبَاقِي مَمْلُوكًا لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِهِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ فَبَقِيَتْ الْيَمِينُ بِبَقَائِهِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّنْفِيذِ لَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ كَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ الْحَامِلِ وَاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ الْبِضْعِ حَالَةَ الْحَيْضِ وَكَالصَّبِيِّ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَاتِ وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ ثَابِتًا لَهُ وَالثَّانِي أَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ تَبْطُلُ لِأَنَّ مَحَلِّيَّةَ الطَّلَاقِ بِمَحَلِّيَّةِ النِّكَاحِ وَقَدْ فَاتَتْ بِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ وَإِذَا بَطَلَتْ مَحَلِّيَّةُ الطَّلَاقِ لَمْ تَبْقَ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ بِبُطْلَانِ مَحَلِّهَا كَمَا إذَا فَاتَتْ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ يَعْرِضُ أَنْ يَصِيرَ طَلَاقًا وَالْعَرَضِيَّةُ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ الْحِلِّ وَالْمِلْكِ فِي الْحَالِ فَإِذَا بَطَلَ الْحِلُّ بَطَلَتْ الْعَرَضِيَّةُ فَلَمْ تَبْقَ الْيَمِينُ فَحَاصِلُ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ تَعْيِينُ طَلْقَاتِ هَذَا الْمِلْكِ لِلْجَزَاءِ وَبِنَاءُ بُطْلَانِ الْيَمِينِ عَلَى فَوَاتِهَا.
وَخُلَاصَةُ الطَّرِيقِ الثَّانِي اشْتِرَاطُ الْمَحَلِّيَّةِ لِلْيَمِينِ انْعِقَادًا وَبَقَاءً وَبِنَاءً بُطْلَانُ الْيَمِينِ عَلَى زَوَالِهَا وَلَمَّا كَانَ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ مُنْتَقِضًا بِمَا إذَا عَلَّقَ الثَّلَاثَ بِالشَّرْطِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَوَجَدَتْ الشَّرْطَ تَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَوْ تَعَيَّنَ طَلَقَاتُ ذَلِكَ الْمِلْكِ يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ مِنْ الْجَزَاءِ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ فَقَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ فَأَعْتَقَ عَبْدَيْنِ مِنْهُمْ وَاشْتَرَى آخَرَيْنِ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ لَا يَعْتِقُ إلَّا الْعَبْدَ الَّذِي كَانَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْيَمِينِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَنْ يَثْبُتَ لِلْمُعَلَّقِ نَوْعُ اتِّصَالٍ بِالْمَحَلِّ بَنَى الشَّيْخُ ﵀ الْكَلَامَ عَلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي وَبَيَّنَ وَجْهَ تَصْحِيحِهِ وَرَدَّ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ فَقَالَ: وَطَرِيقُ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ يَعْنِي الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي جَمِيعًا إلَّا أَنْ يَثْبُتَ لِلْمُعَلَّقِ نَوْعُ اتِّصَالٍ بِمَحَلِّهِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الطَّرِيقُ الثَّانِي وَبَعْدَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمَحَلِّ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ يَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ كَالْمَحْرَمِيَّةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى فَسَادِ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَبَيَّنَ وَجْهَهُ فَقَالَ: فَأَمَّا طَلَاقُ هَذَا الْمِلْكِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَيْ لِلْجَزَاءِ وَصِحَّةِ التَّعْلِيقِ بَلْ الْجَزَاءُ طَلَاقٌ مَمْلُوكٌ لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ سَوَاءٌ كَانَ طَلَاقَ هَذَا الْمِلْكِ أَوْ مِلْكٍ حَادِثٍ بَعْدُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ أَيْ الْمُعَلَّقُ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الطَّلَاقِ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِيقَاعُ وَلَا مِنْ حَيْثُ انْعِقَادُهُ سَبَبًا لِيَصِحَّ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ أَيْ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ هَذِهِ الطَّلْقَاتِ دُونَ غَيْرِهَا وَالتَّعْلِيلُ دَاخِلٌ فِي النَّفْيِ وَلِهَذَا صَحَّ التَّعْلِيقُ بِالْمِلْكِ.
وَإِلَى هَذَا الطَّرِيقِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَيْضًا فَقَالَ: إنَّمَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ بِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ صِحَّةَ التَّعْلِيقِ بِاعْتِبَارِ الْمَحْلُوفِ بِهِ وَهُوَ مَا يَصِيرُ طَلَاقًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا تَصَوُّرَ لِذَلِكَ بِدُونِ الْمَحَلِّ وَبِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ تَحَقَّقَ فَوَاتُ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلطَّلَاقِ إزَالَةُ صِفَةِ الْحِلِّ عَنْ الْمَحَلِّ وَلَا تَصَوُّرَ لِذَلِكَ بَعْدَ حُرْمَةِ الْمَحَلِّ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ فَلِانْعِدَامِ الْمَحْلُوفِ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ لَا لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطِ
стр. 599
وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ لَهُ شَبَهٌ بِالْإِيجَابِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْيَمِينَ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْبِرِّ مَضْمُونًا لِيَصِيرَ وَاجِبَ الرِّعَايَةِ فَإِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ كَانَ الْبِرُّ هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالطَّلَاقِ كَالْمَغْصُوبِ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ وَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ فَيَثْبُتُ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا تَثْبُتُ شُبْهَةُ وُجُوبِ الطَّلَاقِ وَقَدْرُ مَا يَجِبُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مَحَلِّهِ فَأَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ فَتَعْلِيقٌ بِمَا هُوَ عِلَّةُ مِلْكِ الطَّلَاقِ
ــ
[كشف الأسرار]
تَطْلِيقَاتُ ذَلِكَ الْمِلْكِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَأَمَّا قِيَامُ هَذَا الْمِلْكِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ إلَى آخِرِهِ وَمَعْنَاهُ تَحَقُّقُ الْفَرْقِ بَيْنَ زَوَالِ الْحِلِّ وَبَيْنَ زَوَالِ الْمِلْكِ فَإِنَّ الْيَمِينَ بِالْأَوَّلِ يَبْطُلُ وَلَا يَبْطُلُ بِالثَّانِي لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْمُعَلَّقِ ضَرْبُ اتِّصَالٍ وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا حَقِيقَةً لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ الْمَحَلِّ وَذَلِكَ بِبَقَاءِ حِلِّ النِّكَاحِ فَأَمَّا قِيَامُ هَذَا الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ أَيْ الْمِلْكِ الْقَائِمِ حَالَةَ التَّعْلِيقِ فِيهِ فَلَمْ يَتَعَيَّنُ أَيْ لَمْ يُشْتَرَطْ لِبَقَاءِ التَّعْلِيقِ صَحِيحًا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الطَّلَاقِ بِالْإِيقَاعِ وَلَا الْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ هُوَ الطَّلَاقُ الْمَمْلُوكُ حَتَّى يُشْتَرَطَ الْمِلْكُ لِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ الْمِلْكُ إلَّا حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَرَدُّدِ حَالِ وُجُودِ الشَّرْطِ إلَى آخِرِهِ وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي إثْبَاتِ اتِّصَالِ الْإِيجَابِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَحَلِّ وَافْتِقَارِهِ إلَيْهِ أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ لَهُ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ أَيْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا حَقِيقَةً لَهُ شُبْهَةُ كَوْنِهِ سَبَبًا لِأَنَّ الْيَمِينَ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ وَلَا بُدَّ لِلْبِرِّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِلُزُومِ الْجَزَاءِ عِنْدَ الْفَوَاتِ تَحْقِيقًا لِلْمَقْصُودِ وَهُوَ تَأْكِيدُ جَانِبِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَإِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ كَانَ الْبِرُّ هُوَ الْأَصْلُ أَيْ مُوجِبَهُ الْأَصْلِيَّ لِأَنَّهُ هُوَ الْغَرَضُ مِنْ عَقْدِ الْيَمِينِ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْفَوَاتِ وَإِذَا كَانَ مَضْمُونًا بِهِ يَثْبُتُ لِلْمُعَلَّقِ فِي الْحَالِ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ كَالْمَغْصُوبِ لَمَّا لَزِمَ الْغَاصِبَ رَدُّهُ وَصَارَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْفَوَاتِ ثَبَتَ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ حَالَ قِيَامِ الْمَغْصُوبِ حَتَّى صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَالرَّهْنُ وَالْكَفَالَةُ بِالْمَغْصُوبِ وَحَتَّى لَمْ يَجِبْ عَلَى الْغَاصِبِ زَكَاةٌ قَدْرَ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ فِي مَالِهِ حَالَ قِيَامِهِ كَذَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ.
وَكَذَا لَوْ أَدَّى الضَّمَانَ بِتَمَلُّكِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لَثَبَتَ الْمِلْكُ مِنْ وَقْتِ الضَّمَانِ لَا مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الْأَلْفَ فِي يَدِي غَصْبٌ غَصَبْتُهُ مِنْك يَقُولُ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا بَلْ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ قَدْ قَبَضْتُهُ فَإِنَّهُ يُقْتَضَى عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِ الْأَلْفِ دَيْنًا وَاخْتَلَفَا فِي سَبَبِهِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَقَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَدَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْغَصْبَ يُوجِبُ الضَّمَانَ بِنَفْسِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا الْأَلْفُ وَدِيعَةٌ لَك عِنْدِي فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا وَلَكِنْ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ فَأَنْكَرَ الْمُقِرُّ ذَلِكَ لَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ ضَمَانِ الدَّيْنِ وَبَيْنَ مِلْكِ الْعَيْنِ مُوَافَقَةٌ بِوَجْهٍ فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ لِلضَّمَانِ شُبْهَةَ الثُّبُوتِ قَبْلَ فَوَاتِ الْمَضْمُونِ صَارَ لِلْجَزَاءِ هَاهُنَا وَهُوَ الطَّلَاقُ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ وَشُبْهَةُ الشَّيْءِ لَا تَسْتَغْنِي عَنْ الْمَحَلِّ كَحَقِيقَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ شُبْهَةَ النِّكَاحِ لَا تَثْبُتُ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ وَشُبْهَةَ الْبَيْعِ لَا تَثْبُتُ فِي غَيْرِ الْمَالِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ دَلَالَةُ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَدْلُولِ مَعَ تَخَلُّفِ الْمَدْلُولِ لِمَانِعٍ وَقَطُّ لَا يَدُلُّ دَلِيلٌ عَلَى مَدْلُولٍ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَلَالَةُ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الطَّلَاقِ فِي الْبَهِيمَةِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ فَإِذَا بَطَلَ الْمَحَلُّ بَطَلَ الْيَمِينُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ فَالِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي إثْبَاتِ شُبْهَةِ الثُّبُوتِ لِلْجَزَاءِ أَنَّ الْبِرَّ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَكِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الِاسْمِ أَوْ التَّحَرُّزُ عَنْ لُزُومِ الْجَزَاءِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَاجِبٌ
стр. 600
فَيَصِيرُ قَدْرُ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ الشُّبْهَةِ مُسْتَحَقًّا بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْوُجُودِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ ثَبَتَ لَهُ عَرَضِيَّةُ الْعَدَمِ وَالْجَزَاءُ حُكْمٌ يَلْزَمُ عِنْدَ فَوَاتِ الْبِرِّ فَإِذَا ثَبَتَ لِهَذَا الْبِرِّ عَرَضِيَّةُ الْعَدَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ثَبَتَ بِقَدْرِهِ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ لِلْجَزَاءِ وَإِذَا ثَبَتَتْ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ لِلْجَزَاءِ ثَبَتَتْ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ لِسَبَبِهِ حَتَّى يَكُونَ الْمُسَبَّبُ ثَابِتًا عَلَى قَدْرِ السَّبَبِ وَعَرَضِيَّةُ السَّبَبِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ تَبْقَى فِيهِ كَمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ تَنْعَقِدُ فِيهِ لِأَنَّ شُبْهَةَ الشَّيْءِ لَا تَثْبُتُ فِيمَا لَا تَثْبُتُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَشُبْهَةِ النِّكَاحِ لَا تَثْبُتُ فِي الْمَحَارِمِ عِنْدَهُمَا وَإِنَّمَا لَا نَشْتَرِطُ الْمِلْكَ لِلْبَقَاءِ كَمَا شَرَطْنَا الْحِلَّ أَنَّ الْمِلْكَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا عِنْدَ الْفِعْلِ وَقَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ عَدِمَ الْفِعْلُ فَلِهَذَا لَمْ نَشْتَرِطْ الْمِلْكَ وَفِي الِابْتِدَاءِ شَرَطْنَاهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
ثُمَّ لَزِمَ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ ثُبُوتِ شُبْهَةِ الْإِيجَابِ فِي التَّعْلِيقِ وَاشْتِرَاطِ الْمَحَلِّيَّةِ لَهَا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: فَأَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ فَتَعْلِيقٌ بِمَا هُوَ عِلَّةُ مِلْكِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ مِلْكَ الطَّلَاقِ يُسْتَفَادُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ فَكَانَ النِّكَاحُ لِلطَّلَاقِ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ فَكَانَ لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَّةِ وَالْإِيجَابِ مَتَى عُلِّقَ بِحَقِيقَةِ الْعِلَّةِ يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ وَالْإِيجَابُ بِأَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَعْتَقْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَالْإِيجَابُ إذَا عُلِّقَ بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ يَبْطُلُ بِهِ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ اعْتِبَارًا لِلشُّبْهَةِ بِالْحَقِيقَةِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ أَصْلُ التَّعْلِيقِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ بِحَقِيقَةِ الْعِلَّةِ وَالشُّبْهَةُ لَا تُمَاثِلُ الْحَقِيقَةَ وَنَظِيرُهُ ثُبُوتُ حُرْمَةِ حَقِيقَةِ الْفَضْلِ بِحَقِيقَةِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْكَيْلُ وَالْجِنْسُ وَثُبُوتُ حُرْمَةِ شُبْهَةِ الْفَضْلِ وَهِيَ النَّسِيئَةُ بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ وَهِيَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ وَعَدَمُ ثُبُوتِ حُرْمَةِ الْفَضْلِ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ لِأَنَّ بِالشُّبْهَةِ لَا تَثْبُتُ الْحَقِيقَةُ وَإِذَا بَطَلَتْ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ وَلَمْ يَبْطُلْ أَصْلُ التَّعْلِيقِ كَانَ التَّعْلِيقُ يَمِينًا مُجَرَّدَةً فَتَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ الْحَالِفِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا قِيَامُ مَحَلِّ الطَّلَاقِ وَلَا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعْلِيقَ الشَّيْءِ بِعِلَّتِهِ يُوجِبُ بُطْلَانَهُ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً يَقَعُ ثِنْتَانِ مَعَ أَنَّ التَّطْلِيقَ عِلَّةٌ لِلطَّلَاقِ لِأَنَّا نَقُولُ: الطَّلَاقُ مُتَعَدِّدٌ وَالتَّطْلِيقُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْجَمِيعِ وَإِنَّمَا هُوَ عِلَّةٌ لِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالتَّطْلِيقِ تَعْلِيقُ الشَّيْءِ بِعِلَّتِهِ فَيَصِحُّ حَتَّى لَوْ نَوَى بِالتَّعْلِيقِ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ هَذَا التَّطْلِيقَ كَانَ التَّعْلِيقُ بَاطِلًا أَيْضًا وَلَمْ يَقَعْ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكِنْ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي بِخِلَافِ تَعْلِيقِ الْحُرِّيَّةِ بِالْإِعْتَاقِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمُتَعَدِّدَةٍ.
وَبِخِلَافِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّ النِّكَاحَ عِلَّةٌ لِمِلْكِ جَمِيعِ الطَّلْقَاتِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِالْعِلَّةِ أَوْ بِشُبْهَتِهَا لَا مَحَالَةَ فَيَصِيرُ قَدْرُ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ الشُّبْهَةِ أَيْ شُبْهَةِ الثُّبُوتِ مُسْتَحَقًّا بِهِ أَيْ سَاقِطًا بِالتَّعْلِيقِ بِالنِّكَاحِ أَوْ مُعَارِضًا بِهِ وَكَأَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً نَظَرًا إلَى أَصْلِ التَّعْلِيقِ فَاسْتَحَقَّهَا التَّعْلِيقُ بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ فَلَمْ تَبْقَ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ أَيْ بِمُعَارَضَةِ كَوْنِ التَّعْلِيقِ تَعْلِيقًا بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّا قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِي التَّعْلِيقِ شُبْهَةَ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ وَأَنَّ الشُّبْهَةَ لِيُفْتَقَرَ إلَى الْمَحَلِّ كَالْحَقِيقَةِ وَأَنَّ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ يَبْطُلُ هَذِهِ الشُّبْهَةُ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِي بُطْلَانِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ يَبْطُلُ أَصْلُ التَّعْلِيقِ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمِينٌ لَهُ تَعْلِيقٌ بِذِمَّةِ الْحَالِفِ وَهِيَ مَحَلُّهُ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْوُقُوعِ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَرْأَةِ فَإِذَا بَطَلَتْ الشُّبْهَةُ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بَقِيَ أَصْلُ التَّعْلِيقِ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ وَهُوَ ذِمَّةُ الْحَالِفِ كَمَا قُلْتُمْ
следующие страницы →