← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قَالَ زُفَرُ: وَلَمَّا بَطَلَ الْإِيجَابُ لَمْ يُشْتَرَطْ قِيَامُ الْمَحَلِّ لِبَقَائِهِ فَإِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَبْطُلْ الْيَمِينُ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَإِنَّمَا شَرْطُ قِيَامِ الْمِلْكِ لِأَنَّ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ مُتَرَدِّدٌ فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْحَالِ فَإِذَا وَقَعَ التَّرْجِيحُ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ صَارَ زَوَالُ الْحِلِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُنَافِي وُجُودَهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا مَحَالَةَ وَزَوَالُ الْمِلْكِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ سَوَاءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالنِّكَاحِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْحِلُّ لِلْحَالِّ مَعْدُومًا فَلَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ يَتَّصِلُ بِالْمَحَلِّ لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِنِكَاحِهَا ــ [كشف الأسرار] بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالْمُسْتَحَقُّ هُوَ مَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ صَيْرُورَةُ الثَّوْبِ مَخِيطًا أَوْ مَقْصُورًا. فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَوَاجِبَةٌ بِطَرِيقِ الْعِبَادَةِ وَنَفْسُ الْمَالِ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ إنَّمَا الْعِبَادَةُ فِعْلٌ يُبَاشِرُهُ الْعَبْدُ بِخِلَافِ هَوَى النَّفْسِ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي هَذَا الْمَالُ وَالْبَدَنُ سَوَاءٌ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْفِعْلُ هُوَ الْمَطْلُوبُ لَمْ يَتَأَدَّبَا بِالنَّائِبِ كَالصَّلَاةِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَقْصُودُ وَهُوَ حُصُولُ الْمَشَقَّةِ بِقَطْعِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَالِ يَحْصُلُ بِالنَّائِبِ وَالْإِنَابَةُ فِعْلٌ مِنْهُ فَاكْتُفِيَ بِهِ عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ إتْعَابُ النَّفْسِ بِالْقِيَامِ لِلْخِدْمَةِ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَأَدَّ بِفِعْلِهِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلُ وَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يُوجِبُ الْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ جَوَّزْنَا نِكَاحَ الْأَمَةِ حَالَ طَوْلِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاحَ الْأَمَةِ حَالَ عَدَمِ الطَّوْلِ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: ٢٥] الْآيَةُ وَلَمْ يُحَرِّمْ حَالَ وُجُودِهِ بَلْ لَمْ يَذْكُرْهُ وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودٍ فَيُجْعَلُ الْحِلُّ ثَابِتًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِالْآيَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْحِلِّ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلَ عَبْدِي الدَّارَ فَأُعْتِقُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَالَ لَهُ أَوَّلًا: أَعْتِقْ عَبْدِي ثُمَّ قَالَ: أَعْتِقْهُ إنْ دَخَلَ الدَّارَ جَازَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَلَا يُجْعَلُ الثَّانِي نَهْيًا عَنْ الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ عَزَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَقِيَ لَهُ الْآخَرُ فَإِنْ قِيلَ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطِ يَثْبُتُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا هَاهُنَا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ وَمُتَعَلِّقًا بِشَرْطٍ مُنْتَظَرٍ. قُلْنَا: حِلُّ الْوَطْءِ لَيْسَ بِثَابِتٍ قَبْلَ النِّكَاحِ وَلَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِشَرْطِ النِّكَاحِ فِي الْآيَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هَذَا الشَّرْطُ الزَّائِدُ وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ وَبِهَذَا الشَّرْطِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَا ادَّعَى مِنْ التَّضَادِّ فِيمَا هُوَ مَوْجُودٌ فَأَمَّا فِيمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ فَلَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِشَرْطٍ وَذَلِكَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِشَرْطٍ آخَرَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ ١ - أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا جَاءَ الْخَمِيسُ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ: إذَا جَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ الثَّانِي صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ مَجِيءُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ يَوْمِ الْخَمِيسِ حَتَّى لَوْ أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ فَجَاءَ يَوْمُ الْخَمِيسِ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى مِلْكِهِ فَجَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يُعْتِقُ بِاعْتِبَارِ التَّعْلِيقِ الثَّانِي فَإِنْ قِيلَ مَعَ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ كَمَالَ الشَّرْطِ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ وَهُوَ بَعْضُ الشَّرْطِ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَيْضًا وَمَا قُلْتُمْ يُؤَدِّي إلَى هَذَا فَإِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ كَمَالُ الشَّرْطِ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ وَهُوَ بَعْضُ الشَّرْطِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إذَا قُلْتُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً عِنْدَ وُجُودِ هَذَا الشَّرْطِ قُلْنَا: إنَّمَا لَا يَجُوزُ هَذَا بِنَصٍّ وَاحِدٍ فَأَمَّا بِنَصَّيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ أَكَلْت ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ أَكَلْت وَشَرِبْت صَحَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَكُونُ الْأَكْلُ كَمَالَ الشَّرْطِ فِي التَّعْلِيقِ الثَّانِي حَتَّى بَاعَهُ فَأَكَلَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَشَرِبَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ لِتَمَامِ الشَّرْطِ بِالتَّعْلِيقِ الْأَوَّلِ وَبَعْضِ الشَّرْطِ فِي التَّعْلِيقِ الثَّانِي وَهُوَ مِلْكُهُ قَوْلُهُ. (قَالَ زُفَرُ ﵀) إلَى آخِرِهِ يَعْنِي بَنَى زُفَرُ مَذْهَبَهُ فِي أَنَّ تَنْجِيزَ الثَّلَاثِ لَا يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ سَوَاءٌ كَانَ الثَّلَاثُ مُعَلَّقًا أَوْ دُونَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَقَالَ: لَمَّا بَطَلَ الْإِيجَابُ أَيْ بِالتَّعْلِيقِ يَعْنِي لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا فِي الْحَالِ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إلَى الْمَحَلِّ لَمْ يُشْتَرَطْ قِيَامُ الْمَحَلِّ أَيْ بَقَاؤُهُ

стр. 597

وَطَرِيقُ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ لِلْمُعَلَّقِ ضَرْبُ اتِّصَالٍ بِمَحَلِّهِ لِيُشْتَرَطَ قِيَامُ مَحَلِّهِ وَأَمَّا قِيَامُ هَذَا الْمِلْكِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ ــ [كشف الأسرار] لِبَقَائِهِ أَيْ بَقَاءِ الْإِيجَابِ الْمُعَلَّقِ يَعْنِي التَّعْلِيقَ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ لِتَمَامِ السَّبَبِ وَثُبُوتُ الْحُكْمِ عِنْدَ الْوُصُولِ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْمِلْكِ فَكَمَا لَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ بِأَنْ بَاعَ الْعَبْدُ الْمَحْلُوفُ بِعِتْقِهِ أَوْ أَبَانَ الْمَرْأَةَ الْمَحْلُوفَ بِطَلَاقِهَا لِتَوَهُّمِ الْوُجُودِ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا يَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمَحَلِّيَّةِ أَيْضًا لِتَوَهُّمِ حُدُوثِهَا عِنْدَ الشَّرْطِ بِأَنْ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ أَيْ وَكَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ فِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالتَّنْجِيزِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ أَعْتَقَهَا قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ لَمْ يَبْطُلْ التَّعْلِيقُ حَتَّى لَوْ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَتْ وَمَلَكَهَا الْحَالِفُ ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ عَتَقَتْ عِنْدَهُ وَلَمْ تَعْتِقْ عِنْدَنَا. وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا شَرْطُ الْمِلْكِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ الْمِلْكُ وَالْمَحَلُّ حَالَ بَقَاءِ التَّعْلِيقِ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْإِيجَابِ سَبَبًا فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي حَالِ الِابْتِدَاءِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ يَشْمَلُ الْحَالَيْنِ فَيَصِحُّ قَوْلُهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْمَحَلِّ فَبِفَوَاتِهِ يَبْطُلُ فَقَالَ: إنَّمَا شُرِطَ الْمِلْكُ فِي الِابْتِدَاءِ لِانْعِقَادِ هَذَا الْكَلَامِ يَمِينًا لَا لِحَاجَةِ الْإِيجَابِ إلَى الْمَحَلِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ تَأْكِيدُ الْبِرِّ بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ فِي مُقَابَلَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ أَوْ مُتَحَقِّقَهُ عِنْدَ فَوَاتِ الْبِرِّ لِيَحْمِلَهُ خَوْفُ نُزُولِهِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْبِرِّ وَذَلِكَ لِقِيَامِ الْمِلْكِ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَتِلْكَ الْحَالَةُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا الْمِلْكُ فَيَتَحَقَّقُ الْجَزَاءُ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْيَمِينِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يُوجَدَ فِيهَا الْمِلْكُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ فَتَخْلُوا الْيَمِينُ عَنْ الْفَائِدَةِ فَشَرْطُ الْمِلْكِ فِي الِابْتِدَاءِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ وُجُودِ الْمِلْكِ عَلَى عَدَمِهِ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ ثَابِتٍ بَقَاؤُهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَيَنْعَقِدُ الْيَمِينُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْمِلْكِ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ لَا لِحَاجَةِ الْإِيجَابِ إلَى الْمَحَلِّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمِلْكُ مُتَيَقِّنَ الْوُجُودِ عِنْدَ نُزُولِ الْجَزَاءِ لَا يُشْتَرَطُ الْمِلْكُ وَلَا الْحِلُّ فِي الْحَالِ أَيْضًا بِأَنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ وَانْعَقَدَ الْيَمِينُ. فَإِنْ وَقَعَ التَّرْجِيحُ أَيْ جُعِلَ بِوُجُودِهِ فِي الْحَالِ حَصَلَ وَثَبَتَ رُجْحَانُ وُجُودِ الْمِلْكِ عَلَى عَدَمِهِ حَالَ فَوَاتِ الْبِرِّ وَانْعَقَدَ الْيَمِينُ صَارَ زَوَالُ الْحِلِّ فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ وَزَوَالُ الْمِلْكِ بِالْإِبَانَةِ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ زَوَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُنَافِي وُجُودَهُ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا مَحَالَةَ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْدُثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِذَا بَقِيَتْ الْيَمِينُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ تَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْحِلِّ بِنَاءً عَلَيْهِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِتَعْلِيلِ بُطْلَانِ الْإِيجَابِ يَعْنِي بُطْلَانَهُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ اتِّصَالِهِ بِالْمَحَلِّ فِي الْحَالِ فَلَا يُشْتَرَطُ الْمَحَلُّ لِبَقَائِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اتِّصَالِهِ بِالْمَحَلِّ صِحَّةُ تَعْلِيقِ طَلَاقِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِنِكَاحِهَا وَلَوْ كَانَ لِلتَّعْلِيقِ اتِّصَالٌ بِالْمَحَلِّ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّعْلِيقُ لِبُطْلَانِ الْمَحَلِّيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ قَوْلُهُ (وَطَرِيقُ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ) إلَى آخِرِهِ لِعُلَمَائِنَا ﵏ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَتَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ تَبْطُلُ بِفَوَاتِ الْجَزَاءِ كَمَا تَبْطُلُ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ بِأَنْ جُعِلَتْ الدَّارُ بُسْتَانًا أَوْ حَمَّامًا فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِهِمَا بَلْ افْتِقَارُهَا إلَى الْجَزَاءِ أَكْثَرُ مِنْ افْتِقَارِهَا إلَى الشَّرْطِ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بِالْجَزَاءِ لَا بِالشَّرْطِ وَلَمَّا بَطَلَتْ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ فَلَأَنْ تَبْطُلَ بِفَوَاتِ

стр. 598

لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الطَّلَاقِ لِيَصِحَّ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ ــ [كشف الأسرار] الْجَزَاءِ كَانَ أَوْلَى وَهَاهُنَا قَدْ فَاتَ الْجَزَاءُ لِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ إنَّمَا صَحَّتْ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ الْقَائِمِ وَلَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ إلَّا ثَلَاثَةُ تَطْلِيقَاتٍ وَقَدْ اسْتَوْفَاهَا كُلَّهَا فَبَطَلَ الْجَزَاءُ ضَرُورَةً فَبَطَلَتْ الْيَمِينُ وَبِهَذَا عَلَّلَ مُحَمَّدٌ ﵀ فَقَالَ: لَمَّا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ ذَهَبَ طَلَاقُ ذَلِكَ الْمِلْكِ كُلِّهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَيْنِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَيْثُ لَا تَبْطُلُ بِهِ الْيَمِينُ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَوْفِ الْجَزَاءَ بِتَمَامِهِ كَانَ الْبَاقِي مَمْلُوكًا لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِهِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ فَبَقِيَتْ الْيَمِينُ بِبَقَائِهِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّنْفِيذِ لَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ كَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ الْحَامِلِ وَاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ الْبِضْعِ حَالَةَ الْحَيْضِ وَكَالصَّبِيِّ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَاتِ وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ ثَابِتًا لَهُ وَالثَّانِي أَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ تَبْطُلُ لِأَنَّ مَحَلِّيَّةَ الطَّلَاقِ بِمَحَلِّيَّةِ النِّكَاحِ وَقَدْ فَاتَتْ بِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ وَإِذَا بَطَلَتْ مَحَلِّيَّةُ الطَّلَاقِ لَمْ تَبْقَ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ بِبُطْلَانِ مَحَلِّهَا كَمَا إذَا فَاتَتْ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ يَعْرِضُ أَنْ يَصِيرَ طَلَاقًا وَالْعَرَضِيَّةُ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ الْحِلِّ وَالْمِلْكِ فِي الْحَالِ فَإِذَا بَطَلَ الْحِلُّ بَطَلَتْ الْعَرَضِيَّةُ فَلَمْ تَبْقَ الْيَمِينُ فَحَاصِلُ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ تَعْيِينُ طَلْقَاتِ هَذَا الْمِلْكِ لِلْجَزَاءِ وَبِنَاءُ بُطْلَانِ الْيَمِينِ عَلَى فَوَاتِهَا. وَخُلَاصَةُ الطَّرِيقِ الثَّانِي اشْتِرَاطُ الْمَحَلِّيَّةِ لِلْيَمِينِ انْعِقَادًا وَبَقَاءً وَبِنَاءً بُطْلَانُ الْيَمِينِ عَلَى زَوَالِهَا وَلَمَّا كَانَ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ مُنْتَقِضًا بِمَا إذَا عَلَّقَ الثَّلَاثَ بِالشَّرْطِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَوَجَدَتْ الشَّرْطَ تَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَوْ تَعَيَّنَ طَلَقَاتُ ذَلِكَ الْمِلْكِ يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ مِنْ الْجَزَاءِ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ فَقَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ فَأَعْتَقَ عَبْدَيْنِ مِنْهُمْ وَاشْتَرَى آخَرَيْنِ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ لَا يَعْتِقُ إلَّا الْعَبْدَ الَّذِي كَانَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْيَمِينِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَنْ يَثْبُتَ لِلْمُعَلَّقِ نَوْعُ اتِّصَالٍ بِالْمَحَلِّ بَنَى الشَّيْخُ ﵀ الْكَلَامَ عَلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي وَبَيَّنَ وَجْهَ تَصْحِيحِهِ وَرَدَّ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ فَقَالَ: وَطَرِيقُ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ يَعْنِي الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي جَمِيعًا إلَّا أَنْ يَثْبُتَ لِلْمُعَلَّقِ نَوْعُ اتِّصَالٍ بِمَحَلِّهِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الطَّرِيقُ الثَّانِي وَبَعْدَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمَحَلِّ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ يَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ كَالْمَحْرَمِيَّةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى فَسَادِ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَبَيَّنَ وَجْهَهُ فَقَالَ: فَأَمَّا طَلَاقُ هَذَا الْمِلْكِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَيْ لِلْجَزَاءِ وَصِحَّةِ التَّعْلِيقِ بَلْ الْجَزَاءُ طَلَاقٌ مَمْلُوكٌ لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ سَوَاءٌ كَانَ طَلَاقَ هَذَا الْمِلْكِ أَوْ مِلْكٍ حَادِثٍ بَعْدُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ أَيْ الْمُعَلَّقُ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الطَّلَاقِ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِيقَاعُ وَلَا مِنْ حَيْثُ انْعِقَادُهُ سَبَبًا لِيَصِحَّ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ أَيْ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ هَذِهِ الطَّلْقَاتِ دُونَ غَيْرِهَا وَالتَّعْلِيلُ دَاخِلٌ فِي النَّفْيِ وَلِهَذَا صَحَّ التَّعْلِيقُ بِالْمِلْكِ. وَإِلَى هَذَا الطَّرِيقِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَيْضًا فَقَالَ: إنَّمَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ بِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ صِحَّةَ التَّعْلِيقِ بِاعْتِبَارِ الْمَحْلُوفِ بِهِ وَهُوَ مَا يَصِيرُ طَلَاقًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا تَصَوُّرَ لِذَلِكَ بِدُونِ الْمَحَلِّ وَبِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ تَحَقَّقَ فَوَاتُ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلطَّلَاقِ إزَالَةُ صِفَةِ الْحِلِّ عَنْ الْمَحَلِّ وَلَا تَصَوُّرَ لِذَلِكَ بَعْدَ حُرْمَةِ الْمَحَلِّ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ فَلِانْعِدَامِ الْمَحْلُوفِ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ لَا لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطِ

стр. 599

وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ لَهُ شَبَهٌ بِالْإِيجَابِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْيَمِينَ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْبِرِّ مَضْمُونًا لِيَصِيرَ وَاجِبَ الرِّعَايَةِ فَإِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ كَانَ الْبِرُّ هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالطَّلَاقِ كَالْمَغْصُوبِ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ وَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ فَيَثْبُتُ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا تَثْبُتُ شُبْهَةُ وُجُوبِ الطَّلَاقِ وَقَدْرُ مَا يَجِبُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مَحَلِّهِ فَأَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ فَتَعْلِيقٌ بِمَا هُوَ عِلَّةُ مِلْكِ الطَّلَاقِ ــ [كشف الأسرار] تَطْلِيقَاتُ ذَلِكَ الْمِلْكِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَأَمَّا قِيَامُ هَذَا الْمِلْكِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ إلَى آخِرِهِ وَمَعْنَاهُ تَحَقُّقُ الْفَرْقِ بَيْنَ زَوَالِ الْحِلِّ وَبَيْنَ زَوَالِ الْمِلْكِ فَإِنَّ الْيَمِينَ بِالْأَوَّلِ يَبْطُلُ وَلَا يَبْطُلُ بِالثَّانِي لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْمُعَلَّقِ ضَرْبُ اتِّصَالٍ وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا حَقِيقَةً لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ الْمَحَلِّ وَذَلِكَ بِبَقَاءِ حِلِّ النِّكَاحِ فَأَمَّا قِيَامُ هَذَا الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ أَيْ الْمِلْكِ الْقَائِمِ حَالَةَ التَّعْلِيقِ فِيهِ فَلَمْ يَتَعَيَّنُ أَيْ لَمْ يُشْتَرَطْ لِبَقَاءِ التَّعْلِيقِ صَحِيحًا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الطَّلَاقِ بِالْإِيقَاعِ وَلَا الْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ هُوَ الطَّلَاقُ الْمَمْلُوكُ حَتَّى يُشْتَرَطَ الْمِلْكُ لِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ الْمِلْكُ إلَّا حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَرَدُّدِ حَالِ وُجُودِ الشَّرْطِ إلَى آخِرِهِ وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي إثْبَاتِ اتِّصَالِ الْإِيجَابِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَحَلِّ وَافْتِقَارِهِ إلَيْهِ أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ لَهُ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ أَيْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا حَقِيقَةً لَهُ شُبْهَةُ كَوْنِهِ سَبَبًا لِأَنَّ الْيَمِينَ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ وَلَا بُدَّ لِلْبِرِّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِلُزُومِ الْجَزَاءِ عِنْدَ الْفَوَاتِ تَحْقِيقًا لِلْمَقْصُودِ وَهُوَ تَأْكِيدُ جَانِبِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَإِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ كَانَ الْبِرُّ هُوَ الْأَصْلُ أَيْ مُوجِبَهُ الْأَصْلِيَّ لِأَنَّهُ هُوَ الْغَرَضُ مِنْ عَقْدِ الْيَمِينِ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْفَوَاتِ وَإِذَا كَانَ مَضْمُونًا بِهِ يَثْبُتُ لِلْمُعَلَّقِ فِي الْحَالِ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ كَالْمَغْصُوبِ لَمَّا لَزِمَ الْغَاصِبَ رَدُّهُ وَصَارَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْفَوَاتِ ثَبَتَ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ حَالَ قِيَامِ الْمَغْصُوبِ حَتَّى صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَالرَّهْنُ وَالْكَفَالَةُ بِالْمَغْصُوبِ وَحَتَّى لَمْ يَجِبْ عَلَى الْغَاصِبِ زَكَاةٌ قَدْرَ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ فِي مَالِهِ حَالَ قِيَامِهِ كَذَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ. وَكَذَا لَوْ أَدَّى الضَّمَانَ بِتَمَلُّكِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لَثَبَتَ الْمِلْكُ مِنْ وَقْتِ الضَّمَانِ لَا مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ هَذَا الْأَلْفَ فِي يَدِي غَصْبٌ غَصَبْتُهُ مِنْك يَقُولُ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا بَلْ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ قَدْ قَبَضْتُهُ فَإِنَّهُ يُقْتَضَى عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِ الْأَلْفِ دَيْنًا وَاخْتَلَفَا فِي سَبَبِهِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَقَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَدَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْغَصْبَ يُوجِبُ الضَّمَانَ بِنَفْسِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا الْأَلْفُ وَدِيعَةٌ لَك عِنْدِي فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا وَلَكِنْ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ فَأَنْكَرَ الْمُقِرُّ ذَلِكَ لَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ ضَمَانِ الدَّيْنِ وَبَيْنَ مِلْكِ الْعَيْنِ مُوَافَقَةٌ بِوَجْهٍ فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ لِلضَّمَانِ شُبْهَةَ الثُّبُوتِ قَبْلَ فَوَاتِ الْمَضْمُونِ صَارَ لِلْجَزَاءِ هَاهُنَا وَهُوَ الطَّلَاقُ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ وَشُبْهَةُ الشَّيْءِ لَا تَسْتَغْنِي عَنْ الْمَحَلِّ كَحَقِيقَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ شُبْهَةَ النِّكَاحِ لَا تَثْبُتُ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ وَشُبْهَةَ الْبَيْعِ لَا تَثْبُتُ فِي غَيْرِ الْمَالِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ دَلَالَةُ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَدْلُولِ مَعَ تَخَلُّفِ الْمَدْلُولِ لِمَانِعٍ وَقَطُّ لَا يَدُلُّ دَلِيلٌ عَلَى مَدْلُولٍ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَلَالَةُ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الطَّلَاقِ فِي الْبَهِيمَةِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ فَإِذَا بَطَلَ الْمَحَلُّ بَطَلَ الْيَمِينُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ فَالِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي إثْبَاتِ شُبْهَةِ الثُّبُوتِ لِلْجَزَاءِ أَنَّ الْبِرَّ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَكِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الِاسْمِ أَوْ التَّحَرُّزُ عَنْ لُزُومِ الْجَزَاءِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَاجِبٌ

стр. 600

فَيَصِيرُ قَدْرُ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ الشُّبْهَةِ مُسْتَحَقًّا بِهِ ــ [كشف الأسرار] ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْوُجُودِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ ثَبَتَ لَهُ عَرَضِيَّةُ الْعَدَمِ وَالْجَزَاءُ حُكْمٌ يَلْزَمُ عِنْدَ فَوَاتِ الْبِرِّ فَإِذَا ثَبَتَ لِهَذَا الْبِرِّ عَرَضِيَّةُ الْعَدَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ثَبَتَ بِقَدْرِهِ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ لِلْجَزَاءِ وَإِذَا ثَبَتَتْ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ لِلْجَزَاءِ ثَبَتَتْ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ لِسَبَبِهِ حَتَّى يَكُونَ الْمُسَبَّبُ ثَابِتًا عَلَى قَدْرِ السَّبَبِ وَعَرَضِيَّةُ السَّبَبِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ تَبْقَى فِيهِ كَمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ تَنْعَقِدُ فِيهِ لِأَنَّ شُبْهَةَ الشَّيْءِ لَا تَثْبُتُ فِيمَا لَا تَثْبُتُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَشُبْهَةِ النِّكَاحِ لَا تَثْبُتُ فِي الْمَحَارِمِ عِنْدَهُمَا وَإِنَّمَا لَا نَشْتَرِطُ الْمِلْكَ لِلْبَقَاءِ كَمَا شَرَطْنَا الْحِلَّ أَنَّ الْمِلْكَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا عِنْدَ الْفِعْلِ وَقَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ عَدِمَ الْفِعْلُ فَلِهَذَا لَمْ نَشْتَرِطْ الْمِلْكَ وَفِي الِابْتِدَاءِ شَرَطْنَاهُ لِمَا ذَكَرْنَا. ثُمَّ لَزِمَ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ ثُبُوتِ شُبْهَةِ الْإِيجَابِ فِي التَّعْلِيقِ وَاشْتِرَاطِ الْمَحَلِّيَّةِ لَهَا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: فَأَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ فَتَعْلِيقٌ بِمَا هُوَ عِلَّةُ مِلْكِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ مِلْكَ الطَّلَاقِ يُسْتَفَادُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ فَكَانَ النِّكَاحُ لِلطَّلَاقِ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةِ الْعِلَّةِ فَكَانَ لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَّةِ وَالْإِيجَابِ مَتَى عُلِّقَ بِحَقِيقَةِ الْعِلَّةِ يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ وَالْإِيجَابُ بِأَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَعْتَقْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَالْإِيجَابُ إذَا عُلِّقَ بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ يَبْطُلُ بِهِ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ اعْتِبَارًا لِلشُّبْهَةِ بِالْحَقِيقَةِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ أَصْلُ التَّعْلِيقِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ بِحَقِيقَةِ الْعِلَّةِ وَالشُّبْهَةُ لَا تُمَاثِلُ الْحَقِيقَةَ وَنَظِيرُهُ ثُبُوتُ حُرْمَةِ حَقِيقَةِ الْفَضْلِ بِحَقِيقَةِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْكَيْلُ وَالْجِنْسُ وَثُبُوتُ حُرْمَةِ شُبْهَةِ الْفَضْلِ وَهِيَ النَّسِيئَةُ بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ وَهِيَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ وَعَدَمُ ثُبُوتِ حُرْمَةِ الْفَضْلِ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ لِأَنَّ بِالشُّبْهَةِ لَا تَثْبُتُ الْحَقِيقَةُ وَإِذَا بَطَلَتْ شُبْهَةُ الْإِيجَابِ وَلَمْ يَبْطُلْ أَصْلُ التَّعْلِيقِ كَانَ التَّعْلِيقُ يَمِينًا مُجَرَّدَةً فَتَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ الْحَالِفِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا قِيَامُ مَحَلِّ الطَّلَاقِ وَلَا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعْلِيقَ الشَّيْءِ بِعِلَّتِهِ يُوجِبُ بُطْلَانَهُ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً يَقَعُ ثِنْتَانِ مَعَ أَنَّ التَّطْلِيقَ عِلَّةٌ لِلطَّلَاقِ لِأَنَّا نَقُولُ: الطَّلَاقُ مُتَعَدِّدٌ وَالتَّطْلِيقُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْجَمِيعِ وَإِنَّمَا هُوَ عِلَّةٌ لِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالتَّطْلِيقِ تَعْلِيقُ الشَّيْءِ بِعِلَّتِهِ فَيَصِحُّ حَتَّى لَوْ نَوَى بِالتَّعْلِيقِ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ هَذَا التَّطْلِيقَ كَانَ التَّعْلِيقُ بَاطِلًا أَيْضًا وَلَمْ يَقَعْ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكِنْ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي بِخِلَافِ تَعْلِيقِ الْحُرِّيَّةِ بِالْإِعْتَاقِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمُتَعَدِّدَةٍ. وَبِخِلَافِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّ النِّكَاحَ عِلَّةٌ لِمِلْكِ جَمِيعِ الطَّلْقَاتِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِالْعِلَّةِ أَوْ بِشُبْهَتِهَا لَا مَحَالَةَ فَيَصِيرُ قَدْرُ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ الشُّبْهَةِ أَيْ شُبْهَةِ الثُّبُوتِ مُسْتَحَقًّا بِهِ أَيْ سَاقِطًا بِالتَّعْلِيقِ بِالنِّكَاحِ أَوْ مُعَارِضًا بِهِ وَكَأَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً نَظَرًا إلَى أَصْلِ التَّعْلِيقِ فَاسْتَحَقَّهَا التَّعْلِيقُ بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ فَلَمْ تَبْقَ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ أَيْ بِمُعَارَضَةِ كَوْنِ التَّعْلِيقِ تَعْلِيقًا بِشُبْهَةِ الْعِلَّةِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّا قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِي التَّعْلِيقِ شُبْهَةَ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ وَأَنَّ الشُّبْهَةَ لِيُفْتَقَرَ إلَى الْمَحَلِّ كَالْحَقِيقَةِ وَأَنَّ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ يَبْطُلُ هَذِهِ الشُّبْهَةُ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِي بُطْلَانِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ يَبْطُلُ أَصْلُ التَّعْلِيقِ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمِينٌ لَهُ تَعْلِيقٌ بِذِمَّةِ الْحَالِفِ وَهِيَ مَحَلُّهُ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْوُقُوعِ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَرْأَةِ فَإِذَا بَطَلَتْ الشُّبْهَةُ بِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بَقِيَ أَصْلُ التَّعْلِيقِ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ وَهُوَ ذِمَّةُ الْحَالِفِ كَمَا قُلْتُمْ

стр. 601

فَتَسْقُطُ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ وَمَسْأَلَةُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ بَعْدَ الثُّلُثِ مَنْصُوصَةٌ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا نَصٌّ فِي نَظِيرِهِ وَهُوَ الْعَتَاقُ. ــ [كشف الأسرار] فِي التَّعْلِيقِ بِالنِّكَاحِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بَلْ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ ابْتِدَاءً بِدُونِ تَعَلُّقٍ لَهُ بِالْمَرْأَةِ لَأَنْ يَبْقَى بِدُونِ ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى وَأَجَابَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ ﵀ عَنْهُ فَقَالَ: صِحَّةُ الْيَمِينِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ إلَى حِلٍّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي الْمَرْأَةِ الْمُحَلَّلَةِ وَذَلِكَ لَمْ يَفُتْ بَلْ هُوَ بِعَرَضِ الْوُجُودِ فَصَحَّتْ الْيَمِينُ فَأَمَّا هَاهُنَا فَصِحَّةُ الْيَمِينِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحِلِّ الْقَائِمِ فِي الْحَالِّ وَقَدْ بَطَلَ. وَهَذَا لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ لَمَّا لَمْ تُوجِدْ تَعْيِينَ الْحِلِّ الْقَائِمِ لِلْحَالِّ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْإِيجَابَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا لِلْحَالِّ وَلَكِنَّهُ بِعَرَضِ أَنْ يَصِيرَ طَلَاقًا وَعَرَضِيَّةُ الطَّلَاقِ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ الْمِلْكِ وَالْحِلِّ فِي الْحَالِّ فَإِذَا بَطَلَ الْحِلُّ بَطَلَتْ الْعَرَضِيَّةُ فَتَبْطُلُ الْيَمِينُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّا إنَّمَا أَثْبَتْنَا شُبْهَةَ ثُبُوتِ الْجَزَاءِ فِي الْحَالِّ تَأْكِيدًا لِكَوْنِ الْبِرِّ مَضْمُونًا وَذَلِكَ لِأَنَّ ضَمَانَ الْبِرِّ بِوُقُوعِ الْجَزَاءِ حَالَةَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَمَّا كَانَ بِالِاسْتِصْحَابِ لَا بِالتَّيَقُّنِ احْتَاجَ إلَى تَأْكِيدٍ لِيَلْتَحِقَ بِالْمُتَيَقَّنِ بِهِ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ وَاقِعٌ فِي الْحَالِّ وَفِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّأْكِيدِ لِلتَّيَقُّنِ بِوُجُودِ الْجَزَاءِ حَالَةَ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ تَعْلِيقًا بِمَا هُوَ عِلَّةُ مِلْكِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ الْجَزَاءُ مَوْجُودًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا مَحَالَةَ فَيَصِيرُ قَدْرُ مَا ادَّعَيْنَا مِنْ الشُّبْهَةِ مُسْتَحَقًّا بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّعْلِيقِ أَيْ سَاقِطًا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فَتَسْقُطُ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ أَيْ بِمُعَارَضَةِ كَوْنِ الْبِرِّ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ يَقِينًا لِكَوْنِهِ تَعْلِيقًا بِمَا لَهُ حُكْمُ الْعِلَّةِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فَأَمَّا تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالْمِلْكِ فَصَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ وَالْمِلْكُ فِي الْحَالِّ مَوْجُودَيْنِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِعِلَّةِ مِلْكِ الطَّلَاقِ يَحْصُلُ فَائِدَةُ الْيَمِينِ وَهِيَ الْمَنْعُ لِكَوْنِ الْبِرِّ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ لَا مَحَالَةَ فَصَارَ مِثْلَ التَّعْلِيقِ بِغَيْرِ عِلَّةِ مِلْكِ الطَّلَاقِ حَالَ قِيَامِ الْحِلِّ وَالْمِلْكِ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِأَنَّ فِي حَالِ قِيَامِ الْمِلْكِ يَكُونُ الْبِرُّ مَضْمُونًا ظَاهِرًا غَالِبًا وَكَوْنُ الْبِرِّ مَضْمُونًا هَاهُنَا جَزْمِيٌّ فَكَانَ أَحَقَّ بِالصِّحَّةِ فَعَلَى هَذَا تَسْقُطُ الشُّبْهَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي التَّنَازُعِ فِيهِ وَهُوَ شُبْهَةُ ثُبُوتِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ يَلْزَمُ سُقُوطُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ لِاسْتِحَالَةِ حَقِيقَةِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ وَالشُّبْهَةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ إمْكَانِ الْحَقِيقَةِ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الشُّبْهَةِ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَحَقِيقَةُ التَّطْلِيقِ بِهِ مُمْكِنُ وَعَدِمَتْ الْحَقِيقَةُ بِالدَّلِيلِ فَتُعْتَبَرُ الشُّبْهَةُ وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ فَتَسْقُطُ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ يَعْنِي تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ يُوجِبُ سُقُوطَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ أَنَّ لِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ شَبَهًا بِالْإِيجَابِ فَصَارَ هَذَا مُعَارِضًا لِلشُّبْهَةِ السَّابِقَةِ عَلَى الشَّرْطِ فَتَسْقُطُ وَقَوْلُهُ فَيَصِيرُ قَدْر مَا ادَّعَيْنَا مِنْ الشُّبْهَةِ مُسْتَحَقًّا بِهِ يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْبِرَّ مَضْمُونٌ جَزْمًا فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ سَابِقَةً عَلَى الشَّرْطِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا بِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِالظِّهَارِ أَوْ بِالْإِيلَاءِ فَقَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَا يَبْطُلُ ذَلِكَ التَّعْلِيقُ حَتَّى لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَوُجِدَ الشَّرْطُ يُنْجِزُ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ فَأَجَابَ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ ﵀ عَنْهُ بِأَنَّ مَحَلَّ عَمَلِ الظِّهَارِ الرَّجُلُ فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ مَنْعُهُ عَنْ الْوَطْءِ وَالْمَحَلُّ بِحَالِهِ كَمَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ فَإِذَا كَانَ مَحَلُّ نُزُولِ حُكْمِ الظِّهَارِ قَائِمًا مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدٍ نَزَلَ وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الظِّهَارَ لَا يُعْقَدُ لِإِبْطَالِ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ حَتَّى إذَا فَاتَ الْمَحَلُّ لَا يَبْقَى الظِّهَارُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَإِنَّمَا أَثَرُهُ فِي مَنْعِ الزَّوْجِ عَنْ الْوَطْءِ

стр. 602

وَأَبْعَدُهُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: مَنْ حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا مَعَ ذَلِكَ ــ [كشف الأسرار] الْحَلَالِ إلَى وَقْتِ التَّكْفِيرِ فَلَمَّا كَانَ حُكْمُهُ الْمَنْعَ وَبَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ يَثْبُتُ الْمَنْعُ بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ الْمَحَلِّ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ فَيَبْقَى الظِّهَارُ إلَّا أَنَّ ابْتِدَاءَ الظِّهَارِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يُتَصَوَّرُ وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ مُتَصَوَّرًا لِأَنَّ الظِّهَارَ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَفِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فَأَمَّا الطَّلَاقُ فَعِلْمُهُ فِي إبْطَالِ الْحِلِّ وَقَطْعِ الْمِلْكِ وَبَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ فَاتَ مَحَلُّ الْحُكْمِ فَلَا تَبْقَى الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ فَأَمَّا الْإِيلَاءُ الْمُعَلَّقُ فَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُحَلَّلَةً فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَلَا يَبْطُلُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَالْإِيلَاءُ الْمُنَجَّزُ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَقَدْ عُلِّقَ طَلَاقُهَا بِالشَّرْطِ فَإِنَّ الْيَمِينَ لَا تَبْطُلُ وَقَدْ بَطَلَ حِلُّ الْمَحَلِّيَّةِ وَبِأَنَّ الْأَمَةَ إذَا اُسْتُوْلِدَتْ حَتَّى تَعَلَّقَ عِتْقُهَا بِمَوْتِ السَّيِّدِ فَأَعْتَقَهَا الْمَوْلَى ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَسُبِيَتْ وَعَادَتْ إلَى الْمَوْلَى اسْتَحَقَّتْ الْعِتْقَ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ لَا تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ حَتَّى بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَعَ طَلَاقُهَا وَلَوْ ارْتَدَّا جَمِيعًا لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ لِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا وَلَمَّا بَقِيَتْ الْمَحَلِّيَّةُ بَقِيَتْ الْيَمِينُ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْعِتْقَ حِينَ وَقَعَ بَطَلَ التَّعْلِيقُ بِالْمَوْتِ وَبِالْمِلْكِ ثَانِيًا لَا يَعُودُ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ عِتْقٌ آخَرُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ لَهُ وَهُوَ قِيَامُ نَسَبِ الْوَلَدِ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ اسْتَوْلَدَهَا بِنِكَاحٍ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَإِنْ مَلَكَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ الْآنَ لِقِيَامِ النَّسَبِ فِي الْحَالِ وَمَسْأَلَةُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ إلَى آخِرِهِ إنَّمَا ذُكِرَ هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا لَمَّا عَجَزُوا عَنْ الْجَوَابِ حِينَ أُورِدَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَقْضًا أَنْكَرُوا صِحَّةَ التَّعْلِيقِ فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا وَجْهَ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَنْصُوصَةٌ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَفِي إيمَانِ الْجَامِعِ نُصَّ فِي نَظِيرِهِ أَيْ نَظِيرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَا إذَا قَالَ لِحُرَّةٍ إنْ ارْتَدَدْتِ فَسُبِيَتْ فَمَلَكْتُكِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ كَانَ كَذَلِكَ فَمَلَكَهَا عَتَقَتْ قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ: قَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏: إنَّ إيجَابَ التَّحْرِيرِ بِالْيَمِينِ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَدْ صَحَّ اسْتِئْنَافُهُ هَاهُنَا عِنْدَ عَدَمِهِ وَهَذَا نَصٌّ قَدْ ذَكَرْنَا نَظِيرَهُ قَبْلَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ إذَا عَلَّقَهُ بِالنِّكَاحِ وَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَوْضَحُ نَصٍّ فِي هَذَا كَذَا فِي أَيْمَانِ الْجَامِعِ فِي بَابِ الْحِنْثِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ. [مَنْ حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ] قَوْلُهُ (وَأَبْعَدُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ) إلَى آخِرِهِ يَعْنِي حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَبْعَدُ مِنْ الصَّوَابِ مِنْ الْجُمْلَةِ الَّتِي سَبَقَ تَقْرِيرُهَا لِأَنَّ فِيهِ إضَافَةَ النَّفْيِ إلَى النَّصِّ الْمُوجِبِ وَإِبْطَالَ الْإِطْلَاقِ بِمَا هُوَ سَاكِتٌ فَكَانَ الْخَطَأُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَفِيمَا سَبَقَ الْخَطَأُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إضَافَةُ النَّفْيِ إلَى الْمُوجِبِ فَلِهَذَا كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الصَّوَابِ وَالْمُطْلَقُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُعْتَرِضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ وَالْمُقَيَّدُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مَدْلُولِ الْمُطْلَقِ بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ وَقِيلَ: الْمُطْلَقُ لَفْظٌ دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ مِثْلُ رَجُلٍ وَرَقَبَةٍ فَيَخْرُجُ عَنْ التَّعْرِيفِ الْمَعَارِفُ لِكَوْنِهَا غَيْرَ شَائِعَةٍ لِتَعَيُّنِهَا بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّ أَنْتَ مَثَلًا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا مُعَيَّنٌ بِخِلَافِ رَجُلٍ فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ مُعَيَّنٌ وَيَخْرُجُ مِنْهُ أَيْضًا النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالنَّكِرَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ مِثْلُ كُلِّ رَجُلٍ وَنَحْوِهِ لِاسْتِغْرَاقِهَا إذْ الْمُسْتَغْرَقُ لَا يَكُونُ شَائِعًا فِي جِنْسِهِ وَالْمُقَيَّدُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مَدْلُولٍ مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ وَهَذَا

стр. 603

وَالْمُطْلَقُ سَاكِتٌ وَالْمُقَيَّدُ نَاطِقٌ فَكَانَ أَوْلَى كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» ــ [كشف الأسرار] الرَّجُلِ وَأَنْتَ وَذُكِرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِلْإِمَامِ الرَّازِيّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ مَاهِيَّةٌ وَحَقِيقَةٌ وَكُلَّ أَمْرٍ لَا يَكُونُ الْمَفْهُومُ مِنْهُ عَيْنَ الْمَفْهُومِ مِنْ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ كَانَ مُغَايِرًا لَهَا سَوَاءٌ كَانَ لَازِمًا لَهَا أَوْ مُفَارِقًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنْسَانٌ فَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا الْإِنْسَانَ وَاحِدًا أَوْ لَا وَاحِدًا فَهُمَا قَيْدَانِ مُغَايِرَانِ لِكَوْنِهِ إنْسَانًا وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَوْنِهِ إنْسَانًا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا هِيَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ قُيُودِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُطْلَقُ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ الْمُطْلَقُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ سَهْوٌ لِأَنَّ الْوَحْدَةَ وَعَدَمَ التَّعَيُّنِ قَيْدَانِ زَائِدَانِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ. ثُمَّ وُرُودُ الْمُطْلَقِ مَعَ الْمُقَيَّدِ عَلَى وُجُوهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ وُرُودُهُمَا فِي سَبَبِ حُكْمٍ فِي حَادِثَةٍ أَوْ شَرْطِهِ مِثْلُ نَصِّي صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي أَوْ فِي حُكْمِ وَاحِدٍ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ إثْبَاتًا كَمَا لَوْ قِيلَ فِي الظِّهَارِ أَعْتَقَ رَقَبَةً ثُمَّ قِيلَ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَوْ نَفْيًا كَمَا لَوْ قِيلَ لَا تَعْتِقْ مُدَبَّرًا لَا تَعْتِقْ مُدَبَّرًا كَافِرًا وَفِي حُكْمَيْنِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ مِثْلُ تَقَيُّدِ صَوْمِ الظِّهَارِ بِأَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَإِطْلَاقُ إطْعَامِهِ عَنْ ذَلِكَ. أَوْ فِي حُكْمَيْنِ فِي حَادِثَتَيْنِ كَتَقْيِيدِ الصِّيَامِ بِالتَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَإِطْلَاقِ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَوْ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي حَادِثَتَيْنِ كَإِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَتَقْيِيدِهَا بِالْأَيْمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ وَاتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَمْلَ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْحَمْلَ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى وُجُوبِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ فَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَجَمِيعِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْحَمْلُ وَاجِبٌ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى قِيَاسٍ وَنَحْوِهِ وَعِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا لَا حَمْلَ فِيهِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ عَلَى أَنْ لَا يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِيهِ وَعِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ الْحَمْلُ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِمُوجِبِ اللُّغَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى قِيَاسٍ وَدَلِيلٍ وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي سَبَقَ إلَى الْفَهْمِ مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وَقَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنْهُمْ: إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِقِيَاسٍ مُسْتَجْمِعٍ لِشَرَائِطِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ. هَذَا حَاصِلُ مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اسْتِبْعَادِ الشَّيْخِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ مَا إذَا كَانَ الْقَيْدُ وَالْإِطْلَاقُ فِي السَّبَبِ أَوْ الشَّرْطِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِيهِمَا دُونَ الْحُكْمِ لِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِيهِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الْحَمْلَ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ كَانَ الْقَيْدُ وَالْإِطْلَاقُ فِي السَّبَبِ وَالشَّرْطِ أَوْ فِي الْحُكْمِ بِأَنَّ الْحَادِثَةَ إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً كَانَ الْإِطْلَاقُ وَالْقَيْدُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ إذَا لَمْ يَكُونَا فِي حُكْمَيْنِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا لِلتَّنَافِي فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا وَيُبْنَى الْآخَرُ عَلَيْهِ وَالْمُطْلَقُ سَاكِتٌ عَنْ الْقَيْدِ أَيْ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا يَنْفِيهِ وَالْمُقَيَّدُ نَاطِقٌ بِهِ أَيْ يُوجِبُ الْجَوَازَ عِنْدَ وُجُودِهِ وَيَنْفِيهِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَكَانَ أَوْلَى بِأَنْ

стр. 604

وَكَمَا قِيلَ فِي نُصُوصِ الْعَدَالَةِ وَإِذَا كَانَا فِي حَادِثَتَيْنِ مِثْلَ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ قَيْدَ الْإِيمَانِ زِيَادَةُ وَصْفٍ يَجْرِي مَجْرَى التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ فَيُوجِبُ النَّفْيَ عِنْدَ عَدَمِهِ فِي الْمَنْصُوصِ وَفِي نَظِيرِهِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ لِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الصَّوْمِ فِي الْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالطَّعَامُ فِي الْيَمِينِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْقَتْلِ وَكَذَلِكَ إعْدَادُ الرَّكَعَاتِ وَوَظَائِفُ الطِّهَارَاتِ وَأَرْكَانُهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ ثَابِتٌ بِاسْمِ الْعِلْمِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ إلَّا الْوُجُودَ ــ [كشف الأسرار] يُجْعَلَ أَصْلًا وَيُبْنَى الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ مُحْتَمَلٌ وَالْمُقَيَّدَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْكَمِ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمَلُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْمُقَيَّدُ بَيَانًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ لَا نَسْخًا فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ مُقَيَّدًا بِهِمَا كَمَا قِيلَ فِي نُصُوصِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ عَنْ السَّوْمِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِصِفَةِ السَّوْمِ بِالِاتِّفَاقِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ» . وَكَمَا قِيلَ فِي نُصُوصِ الْعَدَالَةِ فَإِنَّ النُّصُوصَ الْمُطْلَقَةَ عَنْ صِفَةِ الْعَدَالَةِ فِي الشَّهَادَاتِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وَقَوْلِهِ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» مَحْمُولَةٌ عَلَى النُّصُوصِ الْمُقَيَّدَةِ بِهَا بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَوْلِهِ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَحَاصِلُ هَذَا الدَّلِيلِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِذَا كَانَا أَيْ الْإِطْلَاقُ وَالْقَيْدُ فِي حَادِثَتَيْنِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَإِنَّ الرَّقَبَةَ فِيهَا مُقَيَّدَةٌ بِصِفَةِ الْإِيمَانِ وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّ الرَّقَبَةَ فِيهَا مُطْلَقَةٌ فَكَذَلِكَ أَيْضًا أَيْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ فِيهَا عَلَى الْمُقَيَّدِ أَيْضًا لَكِنْ بِقِيَاسٍ صَحِيحٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَبِدُونِهِ عِنْدَ آخَرِينَ وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الْحَمْلَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى قِيَاسٍ بِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَتْرُكُونَ التَّقْيِيدَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ اكْتِفَاءً بِذِكْرِهِ فِي مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] أَيْ وَالْحَافِظَاتِهَا وَالذَّاكِرَاتِهِ كَثِيرًا وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَك رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفٌ أَيْ نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا رَاضُونَ وَبِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ فِي وُجُوبِ بِنَاءِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَإِذَا نَصَّ عَلَى الْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَزِمَ فِي الظِّهَارِ كَانَ الْقَيْدُ مُتَّصِلًا بِهِ أَيْضًا وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ كَلَامٍ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ عَنْهُ مَانِعٌ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَرْكُ ظَاهِرِ الْإِطْلَاقِ إلَى التَّقْيِيدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَدَلِيلٍ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ وَالتَّشَهِّي كَمَا لَا يَجُوزُ عَكْسُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحَدِهِمَا الْإِطْلَاقَ وَفِي الْآخَرِ التَّقْيِيدَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْقُرْآنُ كُلُّهُ بِمَنْزِلَةِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَذَلِكَ فِي أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا اخْتِلَافَ فَأَمَّا فِي دَلَالَةِ عِبَارَاتِهِ عَلَى الْمَعْنَى فَلَا لِأَنَّهَا مُتَعَدِّدَةٌ وَدَلَالَاتُهَا مُخْتَلِفَةٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَلَالَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ دَلَالَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَثُبُوتُ الْقَيْدِ فِي الْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرَاتِ وَالشِّعْرِ لِلْعَطْفِ وَعَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ الْحَمْلَ بِالْقِيَاسِ فَبَنَى كَلَامَهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ ﵀ فِي الْكِتَابِ فَقَالَ: التَّقْيِيدُ بِالْوَصْفِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ وَإِنَّهُ يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ كَمَا يُوجِبُ الْوُجُودَ عِنْدَ الْوُجُودِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فَلَمَّا كَانَ النَّفْيُ حُكْمَ النَّصِّ الْمُقَيَّدِ كَالْإِثْبَاتِ يَتَعَدَّى إلَى نَظِيرِهِ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ كَمَا إذَا كَانَ النَّفْيُ مَنْصُوصًا وَكَمَا يَتَعَدَّى الْإِثْبَاتُ وَالرَّقَبَةُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ مُقَيَّدَةٌ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ فَأَوْجَبَ عَدَمَ الْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَيَتَعَدَّى هَذَا الْحُكْمُ إلَى نَظَائِرِهَا مِنْ الْكَفَّارَاتِ كَمَا تَعَدَّى تَقْيِيدُ الْأَيْدِي بِالْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ إلَى نَظِيرِهِ وَهُوَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَهَارَةٌ وَلَا يُقَالُ هَذَا تَعْدِيَةٌ إلَى مَا فِيهِ نَصٌّ بِالْإِبْطَالِ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُطْلَقَ سَاكِتٌ عَنْ الْقَيْدِ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ

стр. 605

وَعِنْدَنَا لَا يُحْمَلُ مُطْلَقٌ عَلَى مُقَيَّدٍ أَبَدًا ــ [كشف الأسرار] لَهُ بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ فَصَارَ الْمَحَلُّ فِي حَقِّ الْوَصْفِ خَالِيًا عَنْ النَّصِّ فَيَجُوزُ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْوَصْفِ إلَيْهِ بِالْقِيَاسِ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ حَمْلُ الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ نَاطِقٌ وَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْمُطْلَقِ بِالْقِيَاسِ وَبِدُونِهِ إبْطَالُ الْقَيْدِ الْمَنْطُوقِ بِهِ فَلَا يَجُوزُ. ثُمَّ أَجَابَ عَمَّا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى الشَّافِعِيِّ فَقَالَ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الصَّوْمِ فِي الْقَتْلِ يَعْنِي صَوْمُ الْقَتْلِ زَائِدٌ عَلَى صَوْمِ الْيَمِينِ ثُمَّ لَمْ يُثْبِتْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ فِي صَوْمِ الْيَمِينِ حَمْلًا لِهَذَا الصَّوْمِ الْمُطْلَقِ عَنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ عَلَى الصَّوْمِ الْمُقَيَّدِ بِهَا بِالْقِيَاسِ حَتَّى لَمْ يَجِبْ عَلَى الْحَانِثِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مَعَ أَنَّ الْكُلَّ جِنْسٌ وَاحِدٌ. وَكَذَا الطَّعَامُ الثَّابِتُ فِي الْيَمِينِ لَمْ يَثْبُت فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ حَمْلًا لَهَا عَلَى الْيَمِينِ بِالْقِيَاسِ بِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَخَصَّ الشَّيْخُ طَعَامَ الْيَمِينِ لِأَنَّ طَعَامَ الظِّهَارِ ثَابِتٌ فِي الْقَتْلِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ يُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الظِّهَارِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ: وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمُقَيَّدَ وَالْمُطْلَقَ فِي حَادِثَتَيْنِ يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَكَذَلِكَ أَعْدَادُ الرَّكَعَاتِ يَعْنِي لَمْ نُثْبِتْ زِيَادَةَ الرَّكَعَاتِ الثَّابِتَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِهَا بِالْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ الْكُلَّ صَلَاةُ وَظَائِفِ الطِّهَارَاتِ يَعْنِي وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَوَظِيفَةُ الْغُسْلِ تَطْهِيرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ ثُمَّ لَمْ تَثْبُتْ الزِّيَادَةُ الثَّابِتَةُ فِي الْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ بِالْحَمْلِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْكُلَّ طَهَارَةٌ حَتَّى لَمْ يَجِبْ غُسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ فِي الْحَدَثِ. وَكَذَا لَمْ يَثْبُتْ الزِّيَادَةُ الثَّابِتَةُ فِي الْوُضُوءِ وَهِيَ تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي التَّيَمُّمِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُضُوءِ حَتَّى لَمْ يَجِبْ مَسْحُ الرَّأْسِ وَالْقَدَمَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ بِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَأَرْكَانُهَا يَعْنِي الْوُضُوءَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ وَالْغُسْلُ زَائِدٌ عَلَى الْمَسْحِ لِأَنَّهُ إسَالَةٌ وَالْمَسْحُ إصَابَةٌ ثُمَّ لَمْ يَثْبُتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ فَبِالْمَسْحِ حَتَّى لَمْ يَجِبْ غَسْلُ الرَّأْسِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ نَظَرًا إلَى الرُّكْنِيَّةِ فِي الْوُضُوءِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ كَالْحُدُودِ فَإِنْ جَلْدَ الْمِائَةِ الثَّابِتِ فِي الزِّنَا لَمْ يَثْبُتْ فِي الْقَذْفِ بِطَرِيقِ الْحَمْلِ وَكَاشْتِرَاطِ الْأَرْبَعَةِ فِي شُهُودِ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ بِطَرِيقِ الْحَمْلِ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ ثَابِتٌ بِاسْمِ الْعَلَمِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ إلَّا الْوُجُودَ يَعْنِي التَّفَاوُتَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ثَابِتٌ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ وَهُوَ اسْمُ الشَّهْرَيْنِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَاسْمُ الرَّكْعَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ وَاسْمُ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ وَالتَّنْصِيصُ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ يُوجِبُ الْوُجُودَ عِنْدَ الْوُجُودِ وَلَا يُوجِبُ الْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْعَدَمُ بِهِ فِي الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ لَا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ تَعْدِيَةَ الْمَعْدُومِ مُحَالٌ قَوْلُهُ (وَعِنْدَنَا لَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَبَدًا) يَعْنِي لَا فِي حَادِثَتَيْنِ وَلَا فِي حَادِثَةٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَا حُكْمَيْنِ وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا تَوَهَّمَ الْبَعْضُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ نَفْيُ الْحَمْلِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْقَيْدُ وَالْإِطْلَاقُ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَاتِ أَجْمَعَ فَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَنَا فِي الْمُطْلَقِ أَنَّهُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ فِي الْحَادِثَةِ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَا حُكْمَيْنِ. وَذُكِرَ فِي الْأَسْرَارِ فَإِنْ قِيلَ: إنَّك لَا تَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ قُلْنَا: نَعَمْ إذَا كَانَا غَيْرَيْنِ حُكْمَيْنِ أَوْ شَرْطَيْنِ أَوْ عِلَّتَيْنِ فَأَمَّا الْوَاحِدُ إذَا ثَبَتَ بِوَصْفٍ فَدُونَهُ لَا يَكُونُ ثَابِتًا لَا مَحَالَةَ ضَرُورَةً وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّوْمِ إنَّمَا لَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ

стр. 606

لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فَنَبَّهَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْإِطْلَاقِ وَاجِبٌ ــ [كشف الأسرار] عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَنَا إذَا وُجِدَ الْقَيْدُ وَالْإِطْلَاقُ فِي سَبَبِ الْحُكْمِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَوْ فِي نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ حُكْمِ السَّبَبِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَإِنَّهُ ذُكِرَ الْإِعْتَاقُ وَالصَّوْمُ فِيهَا مُقَيَّدَيْنِ بِالْقَبْلِيَّةِ عَلَى الْمَسِيسِ وَالْإِطْعَامِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُحْمَلْ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَأَمَّا إذَا وَرَدَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ حُكْمِ السَّبَبِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا فِي حَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: صُمْ شَهْرَيْنِ وَهَذَا لِأَنَّ الْحُكْمَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي شَرْحِ كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي أَثْنَاءِ مَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهُمَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي اشْتِرَاطِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَهَاهُنَا الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ كَفَّارَةً وَبَيْنَ التَّتَابُعِ وَالتَّفَرُّقِ مُنَافَاةٌ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ صِفَةِ التَّتَابُعِ أَنْ لَا يَبْقَى مُطْلَقًا ١ - وَذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ وَاخْتَلَفَ عِنْدَنَا يَعْنِي فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ قَالَ بَعْضُهُمْ بِحَمْلٍ إذَا كَانَ السَّبَبُ وَاحِدًا وَالْحَادِثَةُ وَاحِدَةً فَأَمَّا فِي حَادِثَتَيْنِ فَلَا يُحْمَلُ وَقَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا يُحْمَلُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْحَادِثَةُ وَاحِدَةً أَوْ لَا إلَّا إذَا كَانَ حُكْمًا وَاحِدًا وَالسَّبَبُ وَاحِدًا وَذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ فِي تَفْسِيرٍ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] أَنَّ الْحَادِثَةَ إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً وَوَرَدَ فِيهَا نَصَّانِ مُقَيَّدٌ وَمُطْلَقٌ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَاجِبِ أَنَّ الْمُطْلَقَ يُقَيَّدُ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ التَّارِيخُ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَتَى أَوْجَبَ الْحُكْمَ بِوَصْفٍ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْوَصْفِ فَيَكُونُ بَيَانًا لِلْمُطْلَقِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْمُقَيَّدُ وَأَمَّا إذَا كَانَا مِنْ بَابِ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَكِنْ يُعْمَلُ بِهِمَا لِعَدَمِ التَّنَافِي وَرَأَيْت فِي التَّلْخِيصِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إذَا أُطْلِقَ الْحُكْمُ ثُمَّ وَرَدَ بِعَيْنِهِ مُقَيَّدًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بِتَقْيِيدِهِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ زِيَادَةٌ لَا يُفِيدُهَا الْإِطْلَاقُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] . وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ نُسَخِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْقَوَاطِعِ وَالْمُسْتَصْفَى وَالْمَحْصُولِ وَغَيْرِهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَمْلَ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ حَادِثَةً وَاحِدَةً وَاجِبٌ وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَبَدًا مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الْآيَةُ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وَالْمَعْطُوفَةُ عَلَيْهَا وَهُمَا قَوْلُهُ ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] صِفَةٌ لِأَشْيَاءَ. وَالْمَعْنَى لَا تُكْثِرُوا مَسْأَلَةَ رَسُولِ اللَّهِ عَنْ تَكَالِيفَ شَاقَّةٍ عَلَيْكُمْ إنْ أَفْتَاكُمْ بِهَا وَكَلَّفَهَا إيَّاكُمْ تَغُمَّكُمْ وَتَشُقُّ عَلَيْكُمْ فَتَنْدَمُوا عَنْ السُّؤَالِ عَنْهَا وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ هَذِهِ التَّكَالِيفِ الصَّعْبَةِ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ وَهُوَ مَا دَامَ الرَّسُولُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ يُوحَى إلَيْهِ تُبْدَ لَكُمْ تِلْكَ التَّكَالِيفُ الَّتِي تَسُؤْكُمْ وَتُؤْمَرُوا بِتَحَمُّلِهَا فَتُعَرِّضُونَ أَنْفُسَكُمْ لِغَضَبِ اللَّهِ بِالتَّفْرِيطِ فِيهَا وَقَالَ إمَامُ الْهُدَى: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَهْيًا عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَاجَةٌ إلَيْهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِبَانَةِ وَالِاسْتِيضَاحِ فَنُهُوا عَنْهُ حَتَّى تَمَسَّ الْحَاجَةُ إذَا مَسَّتْ الْحَاجَةُ فَقَدْ أُطْلِقَ لَهُمْ السُّؤَالُ

стр. 607

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ وَاتَّبِعُوا مَا بَيَّنَ اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَلِأَنَّ الْمُقَيَّدَ أَوْجَبَ الْحُكْمَ ابْتِدَاءً فَلَمْ يَجُزْ الْمُطْلَقُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَا لِأَنَّ النَّصَّ نَفَاهُ لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْإِثْبَاتَ لَا يُوجِبُ نَفْيًا صِيغَةً وَلَا دَلَالَةً وَلَا اقْتِضَاءً فَيَصِيرُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ احْتِجَاجًا بِلَا دَلِيلٍ وَمَا قُلْنَا عَمَلٌ بِمُقْتَضَى كُلِّ نَصٍّ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ الْإِطْلَاقُ مِنْ الْمُطْلِقِ مَعْنَى مُتَعَيِّنٌ مَعْلُومٌ وَيُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ مِثْلُ التَّقْيِيدِ فَتَرْكُ الدَّلِيلِ إلَى غَيْرِ الدَّلِيلِ بَاطِلٌ مُسْتَحِيلٌ ــ [كشف الأسرار] لِقَوْلِهِ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا الْآيَةُ فَجَعَلَ الثَّانِيَةَ مُسْتَأْنَفَةً لَا صِفَةً لِأَشْيَاءَ ثُمَّ ظَاهِرُ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْإِطْلَاقِ وَاجِبٌ لِأَنَّ الْوَصْفَ فِي الْمُطْلَقِ مَسْكُوتٌ عَنْهُ وَالسُّؤَالَ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مَنْهِيٌّ بِهَذَا النَّصِّ فَكَانَ بِالظَّاهِرِ وَهُوَ الْإِطْلَاقُ وَاجِبًا فِي الرُّجُوعِ إلَى الْمُقَيَّدِ لِنَعْرِفَ حُكْمَ الْمُطْلَقِ إقْدَامٌ عَلَى هَذَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْإِبْهَامِ فِيمَا أَبْهَمَ اللَّهُ كَمَا أَنَّ فِي السُّؤَالِ ذَلِكَ يُوَضِّحُهُ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ عَنْ السُّؤَالِ عَنْ الْمُجْمَلِ وَالْمُشْكِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ وَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ عَمَّا هُوَ مُفَسَّرٌ أَوْ مُحْكَمٌ فَعُلِمَ أَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ السُّؤَالِ عَمَّا هُوَ مُمْكِنٌ الْعَمَلُ بِهِ مَعَ نَوْعِ إبْهَامٍ إذْ السُّؤَالُ حِينَئِذٍ يَكُونُ تَعَمُّقًا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ «اُتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ أَيْ أَطْلِقُوا مَا أَطْلَقَ اللَّهُ وَلَا تُقَيِّدُوا الْحُرْمَةَ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ بِالدُّخُولِ بِالْبَنَاتِ يُقَالُ فَرَسٌ بَهِيمٌ إذَا كَانَ مُطْلَقَ اللَّوْنِ أَيْ لَهُ لَوْنٌ وَاحِدٌ وَاتَّبِعُوا مَا بَيَّنَ اللَّهُ مِنْ تَقْيِيدِ حُرْمَةِ الرَّبَائِبِ بِالدُّخُولِ بِالْأُمَّهَاتِ وَهُوَ أَيْ الْعَمَلُ بِالْإِطْلَاقِ قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ لِوُرُودِهَا مُطَلَّقَةً فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قَالَ عُمَرُ ﵁: أُمُّ الْمَرْأَةِ مُبْهَمَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَأَبْهِمُوهَا أَيْ حَالَ تَحْرِيمِهَا عَنْ قَيْدِ الدُّخُولِ الثَّابِتِ فِي الرَّبِيبَةِ فَأَطْلِقُوهَا وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ مَنْ بَعْدِهِمْ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَغَيْرِهِ مِنْ شَرْطِ الدُّخُولِ بِالْبِنْتِ لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ فِي الْأُمِّ فَذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْحَمْلِ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ الْعَطْفِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْخَبَرِ وَلِأَنَّ الْمُقَيَّدَ أَوْجَبَ الْحُكْمَ ابْتِدَاءً يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُقَيَّدَ يُوجِبُ النَّفْيَ عِنْدَ عَدَمِ الْقَيْدِ بِدَلِيلِ انْتِفَاءِ الْجَوَازِ لِفَوَاتِهِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ بَلْ الْمُقَيَّدُ أَوْجَبَ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لَهُ بِالنَّفْيِ عِنْدَ الْعَدَمِ. وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ الْمُطْلَقِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ فَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الْمُقَيَّدِ لَا لِأَنَّ النَّصَّ أَيْ الْمُقَيَّدَ نَفَاهُ فَإِنَّ الرَّقَبَةَ الْكَافِرَةَ إنَّمَا لَمْ تَجُزْ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ كَفَّارَةً كَمَا لَمْ يَجُزْ تَحْرِيمُ النِّصْفِ وَذَبْحُ الشَّاةِ لَا لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ نَفْيُ جَوَازِهِ أَوْ الْكَفَّارَةُ فِي نَفْسِهَا وَقَدْرِهَا لَا تُعْرَفُ إلَّا شَرْعًا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الشَّرْعِ لِانْعِدَامِ كَفَّارَةٍ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ صِيغَةً يَعْنِي عِبَارَةً وَإِشَارَةً وَلَا دَلَالَةَ لِأَنَّ النَّفْيَ ضِدُّ الْإِثْبَاتِ فَلَا يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ ضِدُّ مُوجَبِ النَّصِّ وَلَا اقْتِضَاءً لِأَنَّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ بِوَصْفٍ مُسْتَغْنٍ عَنْ النَّفْيِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ فَإِنَّهُ لَوْ صُرِّحَ بِالْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ لَا يَخْتَلُّ الْكَلَامُ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا فَيَصِيرُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَيْ بِأَنَّ الْإِثْبَاتَ مُوجِبٌ لِلنَّفْيِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ احْتِجَاجًا بِلَا دَلِيلٍ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ وَالْعَدَمُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ أَوْ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ بِالنَّصِّ مُقْتَصِرٌ عَلَى هَذِهِ الطُّرُقِ الْأَرْبَعَةِ فَمَا وَرَاءَهُ يَكُونُ احْتِجَاجًا بِلَا دَلِيلٍ بِمُقْتَضَى كُلِّ نَصٍّ أَيْ بِمُوجِبِهِ الْإِطْلَاقُ مِنْ الْمُطْلَقِ مَعْنًى مُتَعَيِّنٌ مَعْلُومٌ أَيْ الْإِطْلَاقُ لَيْسَ بِمَعْنَى الْإِجْمَالِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ وَهُوَ نَفْيٌ لِمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُطْلَقُ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ لِاحْتِمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ تَرَجُّحٍ لِلْبَعْضِ فَكَانَ كَالْمُشْتَرَكِ الَّذِي انْسَدَّ فِيهِ بَابُ التَّرْجِيحِ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ لَا بِالْبَيَانِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْبَقَرَةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِإِطْلَاقِهَا إلَّا بَعْدَ

стр. 608

وَلَا نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّ الْقَيْدَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] مُعَرَّفٌ بِالْإِضَافَةِ فَلَا يَكُونُ الْقَيْدُ مُعَرَّفًا لِيُجْعَلَ شَرْطًا وَلِأَنَّا قُلْنَا: إنَّ الشَّرْطَ لَا يُوجِبُ نَفْيًا بَلْ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ ابْتِدَاءً فَأَمَّا الْعَدَمُ فَلَيْسَ بِشَرْعٍ وَلِأَنَّا إنْ سَلَّمْنَا لَهُ النَّفْيَ ثَابِتًا بِهَذَا الْقَيْدِ لَمْ يَسْتَقِمْ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا إذَا صَحَّتْ الْمُمَاثَلَةُ وَقَدْ جَاءَتْ الْمُفَارَقَةُ فِي السَّبَبِ وَهُوَ الْقَتْلُ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ وَفِي الْحُكْمِ صُورَةٌ وَمَعْنًى حَتَّى وَجَبَ فِي الْيَمِينِ التَّخْيِيرُ وَدَخَلَ الطَّعَامُ فِي الْإِظْهَارِ دُونَ الْقَتْلِ فَبَطَل الِاسْتِدْلَال ــ [كشف الأسرار] الْبَيَانِ وَارْتِفَاعِ الِاشْتِبَاهِ فَقَالَ: الْإِطْلَاقُ مَعْنًى مَعْلُومٌ وَلَهُ حُكْمٌ مَعْلُومٌ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ الْمُقَيَّدُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِهِ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُتْرَكُ الْإِطْلَاقُ الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ إلَى غَيْرِ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْمَفْهُومِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَرْكُ التَّقْيِيدِ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْإِطْلَاقِ بِالِاتِّفَاقِ. وَقَوْلُهُ وَلَا نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّ الْقَيْدَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ الْقَيْدُ جَارٍ مَجْرَى الشَّرْطِ فَيُوجِبُ النَّفْيَ عِنْدَ الْعَدَمِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي إيجَابِ النَّفْيِ عِنْدَ الْعَدَمِ هُوَ الشَّرْطُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ ثُمَّ إنَّهُ أَلْحَقَ الْوَصْفَ بِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَجَعَلَهُ نَافِيًا لِلْحُكْمِ عِنْدَ الْعَدَمِ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الشَّرْطِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فَالشَّيْخُ ﵀ مَنَعَ أَوَّلًا كَوْنَ الْقَيْدِ بِمَعْنَى الشَّرْطِ مُطْلَقًا فَقَالَ: لَا نُسَلِّمُ لَهُ أَيْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَيْدَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ فَإِنَّ الْقَيْدَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] لَيْسَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّ النِّسَاءَ مُعَرَّفَةٌ بِالْإِضَافَةِ إلَيْنَا فَلَا يَكُونُ الْقَيْدُ مُعَرَّفًا لِيُجْعَلَ شَرْطًا إذْ الْقَيْدُ إنَّمَا جُعِلَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ إذَا كَانَ مَا قُيِّدَ بِهِ مُنْكَرًا لَفْظًا وَمَعْنًى كَمَا فِي قَوْلِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ لِحُصُولِ التَّعْرِيفِ بِهِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ مُعَرَّفًا كَقَوْلِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَلَيْسَ الْقَيْدُ فِيهِ بِمَعْنَى الشَّرْطِ بَلْ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْقَيْدَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مِثْلُ قَيْدِ الْإِيمَانِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَلِأَنَّا قُلْنَا يَعْنِي وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّرْطَ يُوجِبُ نَفْيًا أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا بَلْ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ ابْتِدَاءً يَعْنِي الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ ابْتِدَاءً لَا عَدَمُ شَيْءٍ يَتَحَقَّقُ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ شَيْءٍ آخَرَ لِأَنَّ الْعَدَمَ لَيْسَ بِشَرْعٍ لِتَحَقُّقِهِ قَبْلَ الشَّرْعِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَدَمُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَمْ يُمْكِنْ تَعْدِيَتِهِ إلَى الْغَيْرِ وَلِأَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَأَنَّهُ يُوجِبُ النَّفْيَ فِي مَحَلِّهِ وَأَنَّهُ يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهُ لَا نُسَلِّمُ لَهُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَثْبُتُ النَّفْيُ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ اسْتِدْلَالًا بِهِ إذَا ثَبَتَ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بَلْ الْمُفَارَقَةُ تَثْبُتُ فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ صُورَةً وَمَعْنًى أَمَّا الْمُفَارَقَةُ فِي السَّبَبِ صُورَةً فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْيَمِينَ غَيْرُ الْقَتْلِ صُورَةً. وَكَذَا مَعْنًى لِأَنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْجِنَايَةِ كَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَلَا يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَتْلَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ الْقَتْلُ خَطَأً أَعْظَمُ جِنَايَةً مِنْ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّ عِنْدَ الْخَصْمِ الْكَفَّارَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ بِالْعَمْدِ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالْخَطَأِ وَبِالْيَمِينِ الْغَمُوسِ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَعْقُودَةِ وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ أَعْظَمُ مِنْ الْغَمُوسِ وَلَمَّا ثَبَتَ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا تَثْبُتُ بَيْنَ الْقَتْلِ الْخَطَأِ وَالْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ أَيْضًا. وَأَمَّا الْمُفَارَقَةُ فِي الْحُكْمِ صُورَةً فَلِأَنَّ حُكْمَ الْقَتْلِ وُجُوبُ التَّحْرِيرِ وَالصَّوْمُ عَلَى التَّرْتِيبِ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِمَا وَحُكْمُ الظِّهَارِ وُجُوبُ التَّحْرِيرِ وَالصَّوْمُ وَالْإِطْعَامُ وَهَذَا مُفَارِقٌ لِلْأَوَّلِ وَكَذَا حُكْمُ الْيَمِينِ وُجُوبُ الْبِرِّ ثُمَّ الْكَفَّارَةُ بِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ مُفَارِقٌ لِحُكْمِ الْقَتْلِ أَيْضًا وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ فِي هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ ضَرْبَ تَيْسِيرٍ فَإِنَّ لِلطَّعَامِ مَدْخَلًا فِي الظِّهَارِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَالتَّخْيِيرُ ثَابِتٌ فِي الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي الْيَمِينِ مَعَ النَّقْلِ إلَى صَوْمِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَلَيْسَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّيْسِيرِ فِي الْقَتْلِ وَإِذَا ثَبَتَتْ الْمُفَارَقَةُ بَيْنَهُمَا

стр. 609

فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُعَدِّي الْقَيْدَ الزَّائِدَ ثُمَّ النَّفْيُ يَثْبُتُ بِهِ قِيلَ لَهُ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّحْرِيمِ بِالْكَافِرَةِ لِمَا قُلْنَا لَكِنْ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ وَقَدْ شُرِعَ فِي الْمُطْلَقِ لَمَّا أُطْلِقَ ــ [كشف الأسرار] لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ وَذُكِرَ فِي الْأَسْرَارِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ وُجُوهٍ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَلَا قِيَاسَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَلِأَنَّ الْحُكْمَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى إثْبَاتِ قَدْرِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ الْوَصْفَ زِيَادَةٌ مَعْنًى كَالْقَدْرِ وَكَمَا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ زِيَادَةِ الْقَدْرِ بِالْقِيَاسِ كَذَلِكَ الْوَصْفُ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَصَارَتْ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ مِقْدَارًا عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَاتِ وَإِنْ اتَّفَقَتْ اسْمًا فَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْجِنْسِ حُكْمًا لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ مِنْ يَمِينٍ وَظِهَارٍ وَقَتْلٍ وَإِفْطَارٍ وَالْحُكْمُ يَخْتَلِفُ جِنْسُهُ بِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ وَإِذَا اخْتَلَفَ لَمْ يَكُنْ الْوَاجِبُ بِهَا سَوَاءً فَلَمْ يَجُزْ رَدُّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ كَمَا لَمْ يُرَدَّ إلَى الْكَفَّارَةِ النَّذْرُ. فَالْمَقَايِيسُ بَاطِلَةٌ بِمَا ذَكَرْنَا وَالِاسْتِدْلَالُ بَاطِلٌ بِهَذَا الْوَجْهِ الْخَاصِّ وَهُوَ أَنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ حُكْمًا وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ الِاخْتِلَافِ فِي الْإِطْعَامِ وَقَدْرُ الصِّيَامِ عَلَى أَنَّ بَابَ الْقَتْلِ مُغَلِّظٌ قَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَفِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ وَهَذَا مُخَفَّفٌ وَلَمْ يَجُزْ قِيَاسُ مَا خُفِّفَ فِيهِ عَلَى مَا غُلِّظَ لِإِثْبَاتِ التَّغْلِيظِ وَلَوْ احْتَمَلَ الْقِيَاسُ لَكَانَ الْيَدُ لَنَا لِأَنَّ التَّحْرِيرَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَخَفَّ مِنْ الْقَتْلِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِهِ وَكَانَ أَخْذُ حُكْمِ الْيَمِينِ مِنْ حُكْمِ الْيَمِينِ أَوْلَى مِنْ أَخْذِهِ مِنْ الْقَتْلِ وَقَالَ: هَذَا إنْ سَلَّمْنَا لَهُمْ أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَعِنْدَنَا لَا يُحْمَلُ بَلْ كُلٌّ يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَا حُكْمَيْنِ قَوْلُهُ (فَإِنْ قَالَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ أَمَّا الْعَدَمُ فَلَيْسَ بِشَرْعٍ يَعْنِي لَوْ قَالَ: أَنَا لَا أُعَدِّي الْعَدَمَ الَّذِي زَعَمْت أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ أُعَدِّي الْقَيْدَ الزَّائِدَ عَلَى الْمُطْلَقِ وَهُوَ قَيْدُ الْإِيمَانِ ثُمَّ النَّفْيُ يَثْبُتُ بِهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَمَا ثَبَتَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يُقَالُ لَهُ إنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ هَذِهِ التَّعَدِّيَةِ وَثُبُوتِ الْقَيْدِ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ تَحْرِيرِ الْكَافِرَةِ هَاهُنَا أَيْضًا لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَعْنِي كَفَّارَةَ الْقَتْلِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ مَنْعِ الْقَيْدِ عَنْ الْجَوَازِ لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْمُقَيَّدَ يُوجِبُ الْحُكْمَ ابْتِدَاءً غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلنَّفْيِ لَكِنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لِعَدَمِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَاهُنَا الشَّرْعِيَّةُ ثَابِتَةٌ بِدَلَالَةِ وُرُودِ الْمُطْلَقِ فَكَانَ الْجَوَازُ ثَابِتًا فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لَيْسَ إلَّا نَصٌّ مُقَيَّدٌ فَيَثْبُتُ مُوجِبُهُ وَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى الْعَدَمِ وَهَاهُنَا بَعْدَ التَّعْدِيَةِ يَجْتَمِعُ نَصَّانِ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ تَقْدِيرًا لِأَنَّ تَعْدِيَةَ الْقَيْدِ إنْ سُلِّمَتْ لَا تَصْلُحُ لِإِبْطَالِ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ الرَّأْيَ لَا يَصْلُحُ مُبْطِلًا لِلنَّصِّ بِوَجْهٍ فَصَارَ بَعْدَ التَّعْدِيَةِ كَأَنَّهُ اجْتَمَعَ مِنْهُ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ فَيَثْبُتُ مُوجِبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَجُوزُ تَحْرِيرُ الْكَافِرَةِ بِالنَّصِّ الْمُطْلَقِ وَتَحْرِيرُ الْمُؤْمِنَةِ بِهِ وَبِالنَّصِّ الْمُقَيَّدِ أَيْضًا. وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ ﵀ وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ اجْتِمَاعُ الْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْحَمْلِ لَا مَحَالَةَ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَنُبَيِّنُ بَعْدُ فَكَانَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ وَالتَّعْدِيَةَ فَاسِدَةٌ لِلْمُفَارَقَةِ وَلِلْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَسْرَارِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ تَسَامَحَ فِيهِ لِأَنَّ التَّعْدِيَةَ لَمَّا فَسَدَتْ لَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ فِي التَّحْقِيقِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ظَاهِرًا عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَتَسَاهَلَ فِي جَوَابِهِ فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّيْخِ عَدَمَ جَوَازِ الْحَمْلِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْضًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ هَذَا الْجَوَابُ. وَقَوْلُهُ أَبَدًا قُلْنَا مَنَعَ مِنْ هَذَا الِاحْتِمَالِ قَوْلُهُ

стр. 610

فَصَارَتْ التَّعْدِيَةُ لِمَعْدُومٍ لَا يَصْلُحُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَكَانَ هَذَا أَبْعَدَ مِمَّا سَبَقَ وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ فَأَمَّا قَيْدُ الْإِسَامَةِ فَلَمْ يُوجِبُ نَفْيًا عِنْدَنَا لَكِنَّ السُّنَّةَ الْمَعْرُوفَةَ فِي إبْطَالِ الزَّكَاةِ عَنْ الْعَوَامِلِ أَوْجَبَتْ نَسْخَ الْإِطْلَاقِ وَكَذَلِكَ قَيْدُ الْعَدَالَةِ لَمْ يُوجِبْ النَّفْيَ لَكِنَّ نَصَّ الْأَمْرِ بِالتَّثَبُّتِ فِي نَبَأِ الْفَاسِقِ أَوْجَبَ نَسْخَ الْإِطْلَاقِ وَكَذَلِكَ قَيْدُ التَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارَةِ لَمْ يُوجِبْ نَفْيًا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَلْ يَثْبُتُ زِيَادَةٌ عَلَى الْمُطْلَقِ بِحَدِيثٍ مَشْهُورٍ وَهُوَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا قُلْنَا فِي صَدَقَةِ ــ [كشف الأسرار] فِيمَا بَعْدُ بِخُطُوطٍ وَالْحُكْمُ الْوَاحِدُ لَا يَقْبَلُ وَصْفَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فَإِذَا ثَبَتَ تَقْيِيدُهُ بَطَلَ إطْلَاقُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاجْتِمَاعِ لَا يُوجِبُ الْحَمْلَ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِهِ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الدَّرَجَةِ وَلَمْ يُوجَدْ أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَا تَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِاسْتِلْزَامِهِ إبْطَالَ الْإِطْلَاقِ الْقَطْعِيِّ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ إبْطَالُهُ بِالْقَيْدِ الثَّابِتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ بِالْقَيْدِ الثَّابِتِ بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ دُونَهُ كَانَ أَوْلَى فَصَارَتْ التَّعْدِيَةُ لِمَعْدُومٍ وَهَذِهِ اللَّامُ تَتَعَلَّقُ بِالتَّعْدِيَةِ وَهِيَ فِي: لِإِبْطَالِ الْعَاقِبَةِ. وَقَوْلُهُ لِإِبْطَالِ مَعَ مُتَعَلِّقِهِ خَبَرُ صَارَ أَيْ صَارَتْ تَعْدِيَةُ الشَّافِعِيِّ عَدَمَ الْجَوَازِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ حُكْمًا شَرْعِيًّا مِنْ الْمُقَيِّدِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إلَى الْمُطْلَقِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينُ تَعْدِيَةٌ لِأَجْلِ إبْطَالِ مَوْجُودٍ يَصْلُحُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَهُوَ الْإِطْلَاقُ أَوْ جَوَازُ التَّحْرِيرِ لِلْكَافِرَةِ يَعْنِي أَدَّى تِلْكَ التَّعْدِيَةُ إلَى الْإِبْطَالِ وَآلَ عَاقِبَتُهَا إلَيْهِ. أَوْ اللَّامُ فِي الْمَعْدُومِ هِيَ الدَّالَّةُ عَلَى الْغَرَضِ أَيْ صَارَتْ تَعْدِيَةُ الشَّافِعِيِّ وَصْفَ الْإِيمَانِ مِنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إلَى غَيْرِهَا تَعْدِيَةً لِأَجْلِ مَعْدُومٍ لَا يَصْلُحُ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَيْ الْغَرَضُ مِنْ التَّعْدِيَةِ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْمَعْدُومِ لِإِبْطَالِ الْمَوْجُودِ وَهُوَ وَصْفُ الْإِطْلَاقِ لَا إثْبَاتُ الْمُعَدَّى وَهُوَ جَوَازُ الْمُؤْمِنَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِدُونِ التَّعْدِيَةِ فَكَانَ هَذَا أَبْعَدَ عَنْ الصَّوَابِ مِمَّا سَبَقَ وَهُوَ إضَافَةُ عَدَمِ الْحُكْمِ إلَى عَدَمِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَصْفِ لِأَنَّ فِيمَا سَبَقَ إنْ وُجِدَ الْعَمَلُ بِالْمَسْكُوتِ الَّذِي لَيْسَ بِدَلِيلٍ فَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حُكْمٍ مَوْجُودٍ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ وُجِدَ الْأَمْرَانِ وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ أَيْ اعْتِبَارُ مَا لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَتَعْدِيَتُهُ لِإِبْطَالِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَمْرٌ مُتَنَاقِضٌ لِأَنَّ فِيهِ اعْتِبَارَ مَا وَجَبَ إسْقَاطُهُ وَإِهْدَارُهُ وَإِهْدَارُ مَا وَجَبَ اعْتِبَارُهُ وَالسُّنَّةُ الْمَعْرُوفَةُ قَوْلُهُ ﵇ «لَيْسَ فِي الْعَوَامِلِ وَالْحَوَامِلِ وَلَا فِي الْبَقَرِ الْمُثِيرَةِ صَدَقَةٌ» وَمَا رَوَى عَلِيٌّ ﵁ «وَفِي الْبَقَرِ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ وَفِي الْأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيْءٌ» ١ - قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ قَيْدُ التَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ لَمْ يُوجِبْ نَفْيًا) أَيْ نَفْيًا لِلْجَوَازِ بِدُونِهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ يَعْنِي لَمْ يَثْبُتْ اشْتِرَاطُ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ الْيَمِينِ بِحَمْلِهِ عَلَى صَوْمِ الظِّهَارَةِ وَالْقَتْلِ بَلْ ثَبَتَ زِيَادَةً عَلَى الْمُطْلِقِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ كَمَا ثَبَتَ زِيَادَةُ اشْتِرَاطِ الْوَطْءِ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] بِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ وَقِرَاءَتُهُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا بَقِيَتْ خَبَرًا مُسْنَدًا لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَنْقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالزِّيَادَةَ بِالْخَبَرِ الْمُسْنَدِ صَحِيحَةٌ إذَا كَانَ مُشْتَهِرًا وَقِرَاءَتُهُ كَانَتْ مُشْتَهِرَةً فِي السَّلَفِ حَتَّى كَانَتْ تُتَعَلَّمُ فِي الْمَكَاتِبِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إنْ نَقَلَهُ مِنْ الْقُرْآنِ فَهُوَ خَطَأٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الرَّسُولِ تَبْلِيغُ الْقُرْآنِ إلَى جَمَاعَةٍ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ وَكَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ مُنَاجَاةُ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْهُ مِنْ الْقُرْآنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لَهُ لِدَلِيلٍ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ وَاحْتَمَلَ الْخَبَرُ وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا أَوْ لَا يَكُونَ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا يُصَرِّحُ الرَّاوِي بِسَمَاعِهِ قُلْت: هَذَا كَلَامٌ وَاهٍ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ نَقَلَهُ وَحْيًا مَتْلُوًّا مَسْمُوعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ وَحْيًا مَتْلُوًّا لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ التَّوَاتُرُ يَبْقَى كَلَامًا مَسْمُوعًا مِنْ الرَّسُولِ ﵇ مَنْقُولًا عَنْهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ خَبَرٍ رَوَاهُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ وَجَبَ عَلَى الرَّسُولِ التَّبْلِيغُ إلَى جَمَاعَةٍ تَقُومُ الْحُجَّةُ

стр. 611

الْفِطْرِ: إنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مُطْلَقًا» وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَعَمَلُنَا نَحْنُ بِهِمَا بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّا لَمْ نَجْمَعْ بَيْنَ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ الْقُرَّاءِ الْمَعْرُوفَةِ لِيَجُوزَ الْأَمْرَانِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّصَّيْنِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَرَدَا فِي الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ هُوَ الصَّوْمُ فِي وُجُوهٍ لَا يَقْبَلُ وَصْفَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فَإِذَا ثَبَتَ تَقْيِيدُهُ بَطَلَ إطْلَاقُهُ وَفِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ دَخَلَ النَّصَّانِ عَلَى السَّبَبِ وَلَا مُزَاحَمَةَ فِي الْأَسْبَابِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ ــ [كشف الأسرار] بِقَوْلِهِمْ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لِمَ قُلْت: إنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْ بَلْ بَلَّغَ وَلَكِنْ أَنْسَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْقُلُوبِ نَسْخًا لِتِلَاوَتِهِ سِوَى قَلْبِ ابْنِ مَسْعُودٍ إبْقَاءً لِحُكْمِهِ كَمَا قُلْنَا جَمِيعًا بِنَسْخِ تِلَاوَةِ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إذَا زَانَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَبَقَاءُ حُكْمِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَإِنَّكُمْ قَدْ قَبِلْتُمْ خَبَرَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مُحَرِّمَاتٌ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ وَكَانَ مِمَّا يُتْلَى مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ نَسِيَتْ النَّظْمَ أَيْضًا فَخَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَعَ حِفْظِهِ النَّظْمَ كَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ. وَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ نَقْلٌ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ إذْ لَا يُظَنُّ بِأَحَدٍ مِنْ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ يَزِيدُ حَرْفًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُظَنُّ ذَلِكَ بِمَنْ هُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَأَجِلَّائِهِمْ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ سُقُوطِ الْإِطْلَاقِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَدَمُ سُقُوطِهِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّا عَمِلْنَا بِالْحَدِيثَيْنِ فِيهَا فَأَوْجَبْنَاهَا بِسَبَبِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ وَلَمْ نَعْمَلْ بِالْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْيَمِينِ بَلْ عَمِلْنَا بِالْمُقَيِّدَةِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَمْلًا لِلْمُطَلَّقَةِ عَلَيْهَا لِأَنَّ النَّصَّيْنِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَرَدَا فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ بِالْيَمِينِ وَهُوَ فِي وُجُودِهِ أَعْنِي وُجُوبَهُ فِي نَفْسِهِ لَا يَقْبَلُ وَصْفَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ وَالْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ ضِدَّانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَلَوْ عَمِلْنَا بِالنَّصَّيْنِ يَلْزَمُ صَوْمُ سِتَّةِ أَيَّامٍ ثَلَاثَةٍ بِالْمُطْلَقِ وَثَلَاثَةٍ بِالْمُقَيَّدِ وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُقَيَّدَ انْصَرَفَ مَا انْصَرَفَ إلَيْهِ الْآخَرُ وَأَوْجَبَ تَقْيِيدَ ذَلِكَ الصَّوْمِ بِعَيْنِهِ فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ الصَّوْمُ مُقَيَّدًا لَمْ يَبْقَ مُطْلَقًا ضَرُورَةً فَأَمَّا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَأَحَدُ النَّصَّيْنِ جَعَلَ الرَّأْسَ الْمُطْلَقَ سَبَبًا وَالْآخَرُ جَعَلَ رَأْسَ الْمُسْلِمِ سَبَبًا وَلَا مُزَاحَمَةَ أَيْ لَا تَنَافِي فِي الْأَسْبَابِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ شَرْعًا وَحِسًّا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ كَالْمِلْكِ وَالْمَوْتِ وَإِذَا انْتَفَتْ الْمُزَاحَمَةُ وَجَبَ الْجَمْعُ فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ التَّتَابُعَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ كَمَا أَوْجَبَ الْبَعْضُ بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] مُتَتَابِعَةٌ مَعَ أَنَّ التَّقْيِيدَ وَالْإِطْلَاقَ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ. قُلْنَا: قِرَاءَتُهُ شَاذَّةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ وَبِمِثْلِهَا لَا تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ فَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَدْ كَانَتْ مَشْهُورَةً إلَى زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى كَانَ الْأَعْمَشُ يَقْرَأُ خَتْمًا عَلَى حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَخَتْمًا مِنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵄ وَالزِّيَادَةُ عِنْدَنَا يَثْبُتُ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَدَّى إلَى إلْغَاءِ الْمُقَيَّدِ فَإِنَّ حُكْمَهُ يُفْهَمُ مِنْ الْمُطْلَقِ أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ يُسْتَفَادُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْعَبْدِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ كَمَا يُسْتَفَادُ حُكْمُ الْكَافِرِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فِي ذِكْرِ الْمُقَيَّدِ فَائِدَةٌ قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ: وُرُودُ الْمُقَيَّدِ يُعْمَلُ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُطْلَقٌ وَبَعْدَ وُرُودِهِ يُعْمَلُ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُقَيَّدٌ وَفِيهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَيَّدُ دَلِيلًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْفَضْلِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ عَزِيمَةٌ وَالْمُطْلَقَ رُخْصَةٌ وَيَجُوزُ ذَلِكَ مَتَى أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا جَمِيعًا وَاحْتِمَالُ الْفَائِدَةِ قَائِمٌ لَا يُجْعَلُ النَّصَّانِ نَصًّا وَاحِدًا كَيْفَ وَالْحَمْلُ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَبْقَ مَعْمُولًا وَعَدَمُ الْحَمْلِ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ شَيْءٍ فَكَانَ أَوْلَى إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمِيزَانِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّكُمْ قَدْ حَمَلْتُمْ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيِّدِ فِي قَوْلِهِ

стр. 612

وَهَذَا نَظِيرُ مَا سَبَقَ أَنَّا قُلْنَا: إنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يُوجِبُ النَّفْيَ فَصَارَ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ مُعَلَّقًا وَمَرَّ سَلَفًا مِثْلُ نِكَاحِ الْأَمَةِ تَعَلَّقَ بِعَدَمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ بِالنَّصِّ وَبَقِيَ مُرْسَلًا مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ وَالتَّعْلِيقَ يَتَنَافَيَانِ وُجُودًا فَأَمَّا قَبْلَ ابْتِدَاءِ وُجُودِهِ فَهُوَ مُعَلَّقٌ أَيْ مَعْدُومٌ وَيَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ وُجُودُهُ وَمُرْسَلٌ عَنْ الشَّرْطِ أَيْ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُودِ قَبْلَهُ وَالْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ وَلَمْ يَتَبَدَّلْ الْعَدَمُ فَصَارَ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ بِطَرِيقَتَيْنِ ــ [كشف الأسرار] ﵇ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» وَقَوْلِهِ ﷺ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» حَيْثُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجْرِي التَّحَالُفُ حَالَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ مَعَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ وَالْقَيْدَ فِي السَّبَبِ أَوْ الشَّرْطِ دُونَ الْحُكْمِ قُلْنَا: مَا حَمَلْنَا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَكِنْ فَهِمْنَا بِإِشَارَةِ النَّصِّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُطْلَقِ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُقَيَّدِ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَتَرَادَّا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَدَارَ مِنْهُ إيجَابُ التَّحَالُفِ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ لِأَنَّ التَّرَادَّ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي حَالِ قِيَامِهَا وَقَدْ تَرَكَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَصْلَهُ هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: يَجْرِي التَّحَالُفُ حَالَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ كَمَا يَجْرِي حَالَ قِيَامِهَا وَلَمْ يَحْمِلْ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيِّدِ مُعْتَذِرًا بِأَنَّ التَّحَالُفَ وَجَبَ لِبَيَانِ الثَّمَنِ وَالِاشْتِبَاهُ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ أَقَلُّ مِنْ الِاشْتِبَاهِ حَالَ هَلَاكِهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَعَرُّفُ الثَّمَنِ مِنْ الْقِيمَةِ إذْ بِيَاعَاتُ النَّاسِ تَكُونُ بِالْقِيمَةِ فِي الْأَغْلَبِ فَإِيجَابُ التَّحَالُفِ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ مَعَ قِلَّةِ الِاشْتِبَاهِ يَكُونُ إيجَابًا لَهُ حَالَ هَلَاكِهَا دَلَالَةً. وَلَكِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: هَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبِيَاعَاتِ بِالْقِيمَةِ فِي الْأَغْلَبِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَبِيعُ مَالَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ وَيَشْتَرِي بِأَكْثَرَ مِنْهَا لِلْحَاجَةِ وَلِهَذَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْقِيمَةِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِالْقِيمَةِ غَالِبًا لَرَجَعَ إلَيْهَا بَلْ التَّحَالُفُ مُوجِبٌ لِلْفَسْخِ وَالْعَقْدُ إنَّمَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ دُونَ هَلَاكِهَا فَإِيجَابُ مَا يُؤَدِّي إلَى الْفَسْخِ حَالَ قَبُولِ الْعَقْدِ إيَّاهُ لَا يَكُونُ إيجَابًا لَهُ فِي حَالٍ لَا يَقْبَلُهُ كَذَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَبِي الْيُسْرِ قَوْلُهُ (وَهَذَا نَظِيرُ مَا سَبَقَ) أَدْرَجَ الشَّيْخُ ﵀ فِي هَذَا الْكَلَامِ جَوَابَ سُؤَالٍ يَرُدُّ عَلَى مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ نِكَاحِ الْأَمَةِ بِعَدَمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَاكَ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا عَلَّقَ حِلَّ الْأَمَةِ بِشَرْطِ عَدَمِ الطَّوْلِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ الْحِلُّ بِعَيْنِهِ ثَابِتًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا وَمُعَلَّقًا كَالْقِنْدِيلِ إذَا عُلِّقَ لَا يَبْقَى مَوْضُوعًا فِي الْمَكَانِ فَقَالَ: وَهَذَا أَيْ الْعَمَلُ بِالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ الْوَارِدَيْنِ فِي السَّبَبِ وَعَدَمُ حَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ نَظِيرُ مَا سَبَقَ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَمَّا لَمْ يُوجِبْ النَّفْيَ عِنْدَ عَدَمِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ قَبْلَ وُجُودِهِ مُعَلَّقًا وَمُرْسَلًا مِثْلُ نِكَاحِ الْأَمَةِ تَعَلَّقَ بِطَوْلِ الْحُرَّةِ أَيْ بِعَدَمِ طَوْلِهَا بَقِيَ مُرْسَلًا أَيْ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ مَعَ ذَلِكَ أَيْ مَعَ تَعَلُّقِهِ بِالشَّرْطِ يَعْنِي جَوَازُ نِكَاحِهَا قَبْلَ وُجُودِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّرْطِ وَغَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِهِ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ وَالتَّعْلِيقَ يَتَنَافَيَانِ وُجُودًا يَعْنِي وُجُودُ الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْإِرْسَالِ وَالتَّعْلِيقِ جَمِيعًا كَالْمِلْكِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ جَمِيعًا لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِعِلَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ. فَأَمَّا قَبْلَ ثُبُوتِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَكَذَا مَا عُلِّقَ بِالشَّرْطِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وُجُودِهِ مُعَلَّقًا أَيْ مَعْدُومًا يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِالشَّرْطِ وَمُرْسَلًا أَيْ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ قَبْلَ الشَّرْطِ بِسَبَبٍ آخَرَ كَالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِالشَّرْطِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَحَقَّقَ وُجُودُهَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُوجَدَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِالتَّنْجِيزِ. وَكَذَا الْعِتْقُ فَكَذَا جَوَازُ نِكَاحِ الْأَمَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَدَمَ الْأَصْلِيَّ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ بِطَرِيقِ الْإِرْسَالِ قَبْلَ التَّعْلِيقِ وَبَعْدَ التَّعْلِيقِ لَمْ يَتَبَدَّلْ ذَلِكَ الْعَدَمُ فَيَبْقَى مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ بِطَرِيقَيْنِ

стр. 613

وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي كُلِّ حُكْمِ قَبْلِ وُجُودِهِ بِطَرِيقَيْنِ وَطُرُقِ كَثِيرَة وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنَّ صَوْمَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ غَيْرُ مُتَتَابِعٍ، وَلَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ فَإِنْ قَالَ: إنَّ الْأَصْلَ مُتَعَارِضٌ؛ لِأَنِّي وَجَدْتُ صَوْمَ الْمُتْعَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا مُتَفَرِّقًا قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ صَوْمَ السَّبْعَةِ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ لَا لِأَنَّ التَّفْرِيقَ وَاجِبٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أُضِيفَ إلَى وَقْتٍ بِكَلِمَةِ إذَا فَكَانَ كَالظُّهْرِ لَمَّا أُضِيفَ إلَى وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا قَبْلَهُ وَذَلِكَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ وَأَحْكَامُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ إلَى الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ وَهَذَا ــ [كشف الأسرار] وَهُمَا الْإِرْسَالُ وَالتَّعْلِيقُ كَمَا كَانَ وَذَلِكَ أَيْ احْتِمَالُ الْوُجُودِ جَائِزٌ أَيْ ثَابِتُ كُلِّ حُكْمٍ قَبْلَ ثُبُوتِهِ بِطَرِيقَتَيْنِ وَأَكْثَرَ كَالْمِلْكِ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا قَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ) ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ صَوْمُ الْيَمِينِ غَيْرُ مُتَتَابِعٍ فِي قَوْلٍ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى صَوْمِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ الْمُقَيَّدَيْنِ بِالتَّتَابُعِ كَمَا حَمَلَ الرَّقَبَةَ الْمُطْلَقَةِ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْإِيمَانِ فِي الْقَتْلِ وَهَذَا مِنْهُ تَنَاقُضٌ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِوُجُوبِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيِّدِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ وَاعْتَذَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ وَاحِدٌ فِي الْمُقَيَّدَاتِ وَكَانَ مِثْلَهُ فِي الْقُوَّةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ أَصْلَانِ مُتَعَارِضَانِ فِي التَّقْيِيدِ فَلَا لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ وَهَاهُنَا الصَّوْمُ الْمُطْلَقُ وَقَعَ بَيْنَ صَوْمَيْنِ مُقَيَّدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ. أَحَدُهُمَا صَوْمُ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّتَابُعِ وَالْآخَرُ صَوْمُ التَّمَتُّعِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّفْرِيقِ فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَبَقِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَجَازَ التَّفْرِيقُ وَالتَّتَابُعُ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ أَيْضًا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِفَوَاتِ الِاسْتِوَاءِ فِي الدَّرَجَةِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا خَبَرٌ وَاحِدٌ أَوْ خَبَرٌ مَشْهُورٌ وَالْآخَرُ نَصٌّ قَاطِعٌ فَرَدَّ الشَّيْخُ اعْتِذَارَهُ وَقَالَ: لَيْسَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى صَوْمٌ مُقَيَّدٌ بِالتَّفْرِيقِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ صَوْمَ الْمُتْعَةِ مُتَفَرِّقٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَامَ الْعَشَرَةَ بَعْدَ الرُّجُوعِ جُمْلَةً جَازَ عِنْدَهُ وَلَوْ صَامَهَا مُتَفَرِّقَةً قَبْلَ الرُّجُوعِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالتَّفْرِيقِ إلَّا أَنَّهُ أَعْنِي صَوْمَ الْمُتْعَةِ صَوْمَانِ مُطْلَقَانِ مُؤَقَّتَانِ أَحَدُهُمَا وَقْتُهُ وَقْتُ الْحَجِّ وَالْآخَرُ وَقْتُهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ فَإِنَّ صَوْمَ السَّبْعَةِ أُضِيفَ إلَى وَقْتٍ بِكَلِمَةِ إذَا وَأَنَّهَا لِلْوَقْتِ فَلَمْ يَجُزْ الْأَدَاءُ قَبْلَهُ لِعَدَمِ شَرْعِيَّتِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ صَوْمُ رَمَضَانَ قَبْلَ الشَّهْرِ وَأَدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا لِوُجُوبِ التَّفْرِيقِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ بِالتَّفْرِيقِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُطْلَقِ إلَّا أَصْلٌ وَاحِدٌ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ فَلَزِمَ التَّنَاقُضُ عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ صَوْمَ التَّمَتُّعِ مُقَيَّدٌ بِالتَّفْرِيقِ فَكَلَامُهُ سَاقِطٌ أَيْضًا لِأَنَّ صَوْمَ الْمُتْعَةِ لَا يَصْلُحُ مُقَيِّدًا لِصَوْمِ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَّارَاتِ لِيَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَيْهِ بَلْ الْمُطْلَقُ فِي الْكَفَّارَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِيهَا لِإِمْكَانِ الْمُقَايَسَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْجِنْسِيَّةِ وَلَيْسَ فِي الْكَفَّارَةِ صَوْمٌ مُقَيَّدٌ بِالتَّفَرُّقِ فَلَمْ يَثْبُتْ تَعَارُضُ الْأَصْلَيْنِ وَوَجَبَ الْحَمْلُ وَإِذَا لَمْ يُحْمَلْ كَانَ مُتَنَاقِضًا. وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ أَصْلَانِ يُحْمَلُ عَلَى الْأَحْوَطِ لِيَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ فَأَوْجَبَ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ وَذَلِكَ أَيْ عَدَمُ شَرْعِيَّةِ صَوْمِ السَّبْعَةِ أَوْ عَدَمُ جَوَازِهِ قَبْلَ الرُّجُوعِ أَوْ وُقُوعُ التَّفْرِيقِ فِيهِ لِمَعْنًى ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: صَوْمُ الْمُتْعَةِ لَمْ يُشْرَعْ مُتَفَرِّقًا وَإِنَّمَا جَاءَ التَّفَرُّقُ ضَرُورَةَ تَخَلُّلِ أَيَّامٍ لَا صَوْمَ فِيهَا وَهِيَ أَيَّامُ النَّحْرِ بِمَنْزِلَةِ تَخَلُّلِ اللَّيَالِي وَتَخَلُّلِ أَيَّامِ الْحَيْضِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ أَوْ الْقَتْلِ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الشَّارِعَ شَرَعَهُ مُتَفَرِّقًا مَعَ إمْكَانِ أَنْ يَشْرَعَهُ جُمْلَةً قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهَا فَدَلَّ أَنَّهُ شُرِعَ مُتَفَرِّقًا لَا أَنَّهُ وَقَعَ ضَرُورَةً قُلْنَا: الصَّوْمُ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ وَجَبَ بَدَلًا وَالْبَدَلُ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْمُبْدَلُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِبْدَالِ إلَّا أَنَّ وَقْتَ الْأَصْلِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ

стр. 614

(بَابُ الْعَزِيمَةِ) (وَالرُّخْصَةِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ ــ [كشف الأسرار] وَصَوْمُ الْعَشَرَةِ لَا يُتَصَوَّرُ أَدَاؤُهُ فِيهِ فَلِضَرُورَةِ عَدَمِ الْإِمْكَانِ جَعَلَهُ الشَّرْعُ مُتَفَرِّقًا فَلَمْ يَجْعَلْ الْكُلَّ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لِيَكُونَ جُمْلَةً بَلْ جَعَلَ الْبَعْضَ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ مُتَّصِلًا بِأَيَّامِ النَّحْرِ وَالْبَعْضَ بَعْدَهَا لِيَكُونَ مُتَّصِلًا بِطَرَفَيْ أَيَّامِ النَّحْرِ لَمَّا تَعَذَّرَ الْأَدَاءُ فِيهَا فَيَكُونُ التَّفْرِيقُ ضَرُورَةَ الِاتِّصَالِ بِطَرَفَيْ وَقْتِ النَّحْرِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ وَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ ضِيَافَةِ اللَّهِ عِبَادَهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَدَاءُ السَّبْعَةِ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ قَبْلَ الرُّجُوعِ بِلَا فَصْلٍ غَيْرَ أَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَهُ بِالرُّجُوعِ لِعُذْرِ السَّفَرِ نَظَرًا لَهُ وَمَرْحَمَةً عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ خَمْسَةٌ وَبَعْدَهُ خَمْسَةٌ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا مَعْقُولٌ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَفُوِّضَ إلَى الشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ] وَلَمَّا فَرَغَ الشَّيْخُ مِنْ بَيَانٍ أَقْسَامِ الْكِتَابِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ أَقْسَامِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِهَا فَقَالَ (بَابُ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ) اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْأُصُولِيِّينَ فِي تَفْسِيرِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلُوا الْأَحْكَامَ مُنْحَصِرَةً عَلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَبَعْضَهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهَا كَذَلِكَ. فَبَعْضُ مَنْ حَصَرَهَا عَلَيْهِمَا قَالَ الْعَزِيمَةُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةُ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. وَالرُّخْصَةُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِجَوَازِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْحُرَّةِ عَدَمُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا. وَبِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ثَابِتٌ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ إذْ الْأَصْلُ حُرْمَةُ التَّعَرُّضِ فِي مَالِ الْغَيْرِ وَنَفْسِهِ وَلَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهَا رُخْصَةً. وَقِيلَ الْعَزِيمَةُ مَا سَلِمَ دَلِيلُهُ عَنْ الْمَانِعِ، وَالرُّخْصَةُ مَا لَمْ يَسْلَمْ عَنْهُ. وَبَعْضُ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ الِانْحِصَارَ قَالَ الْعَزِيمَةُ مُلْزِمُ الْعِبَادِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ وَنَحْوِهَا وَالرُّخْصَةُ مَا وَسِعَ لِلْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ لِعُذْرٍ فِيهِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ. فَاخْتَصَّتْ الْعَزِيمَةُ بِالْوَاجِبَاتِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، وَخَرَجَ النَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ عَنْ الْعَزِيمَةِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فِي الرُّخْصَةِ فَلَمْ يَنْحَصِرْ الْأَحْكَامُ فِي الْقِسْمَيْنِ. وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ الْعَزِيمَةُ مَا لَزِمْنَاهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ أَصْلًا بِحَقِّ أَنَّهُ إلَهُنَا وَنَحْنُ عَبِيدُهُ فَابْتَلَانَا بِمَا شَاءَ. وَالرُّخْصَةُ إطْلَاقٌ بَعْدَ حَظْرٍ بِعُذْرٍ تَيْسِيرًا. ثُمَّ أَوَّلُ كَلَامِ الشَّيْخِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ اعْتَبَرَ الِانْحِصَارَ حَيْثُ قَالَ، وَأَحْكَامُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِبَاحَةَ وَالْكَرَاهَةَ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ كَوُجُوبِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَتَدْخُلَانِ فِي الْقِسْمَيْنِ، وَكَذَا تَفْسِيرُهُ الْعَزِيمَةَ وَالرُّخْصَةَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا فَإِنَّ حَاصِلَ مَعْنَاهُمَا عَلَى مَا ذُكِرَ الْعَزِيمَةُ مَا هُوَ أَصْلٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالرُّخْصَةُ مَا لَيْسَ بِأَصْلٍ. أَوْ الْعَزِيمَةُ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَوَارِضِ وَالرُّخْصَةُ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ الْأَحْكَامِ فِيهِمَا كَمَا تَرَى لَكِنَّ آخِرَ كَلَامِهِ، وَهُوَ تَقْسِيمُهُ الْعَزِيمَةَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَمْ تُذْكَرْ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ، وَلَا فِي تَقْسِيمِ الرُّخْصَةِ فَكَانَ مُشْتَبَهًا. إلَّا أَنْ يُقَالَ الْأَحْكَامُ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْقِسْمَيْنِ عِنْدَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوَّلُ كَلَامِهِ، وَالْإِبَاحَةُ دَاخِلَةٌ فِي الْعَزِيمَةِ لِوَكَادَةِ شَرْعِيَّتِهَا كَالنَّفْلِ إذْ لَيْسَ إلَى الْعِبَادِ رَفْعُهَا لَا أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي تَقْسِيمِ الْعَزِيمَةِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ بَيَانُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الثَّوَابُ مِنْ الْعَزَائِمِ وَذَلِكَ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ

стр. 615

الْعَزِيمَةُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ اسْمٌ لِمَا هُوَ أَصْلٌ مِنْهَا غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْعَوَارِضِ سُمِّيَتْ عَزِيمَةً؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ أُصُولًا كَانَتْ فِي نِهَايَةِ التَّوْكِيدِ حَقًّا لِصَاحِبِ الشَّرْعِ، وَهُوَ نَافِذُ الْأَمْرِ وَاجِبُ الطَّاعَةِ وَالرُّخْصَةُ اسْمٌ لِمَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ وَهُوَ مَا يُسْتَبَاحُ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَالِاسْمَانِ مَعًا دَلِيلَانِ عَلَى الْمُرَادِ. أَمَّا الْعَزْمُ فَهُوَ الْقَصْدُ الْمُتَنَاهِي فِي التَّوْكِيدِ ــ [كشف الأسرار] الدُّنْيَا. وَقَوْلُهُ الْعَزِيمَةُ اسْمٌ لِمَا هُوَ أَصْلٌ مِنْهَا أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ تَمَامُ التَّعْرِيفِ. وَقَوْلُهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْعَوَارِضِ تَفْسِيرٌ لِأَصَالَتِهَا لَا تَقْيِيدٌ. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ كَالْعِبَادَاتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْكِ كَالْحُرُمَاتِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ بَعْدَ تَقْسِيمِ الْأَحْكَامِ إلَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّفَلِ وَالْمُبَاحِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْعَزِيمَةَ اسْمٌ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّفَلِ وَنَحْوِهَا لَا لِعَارِضٍ سُمِّيَتْ أَيْ الْأَحْكَامُ الْأَصْلِيَّةُ عَزِيمَةً.؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ أُصُولًا أَيْ مَشْرُوعَةً ابْتِدَاءً. حَقًّا لِصَاحِبِ الشَّرْعِ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ كَانَتْ فِي نِهَايَةِ التَّوْكِيدِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا كَانَتْ أُصُولًا لِأَجْلِ أَنَّهَا حَقٌّ لَهُ أَوْ هُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ. وَهُوَ نَافِذُ الْأَمْرِ وَاجِبُ الطَّاعَةِ فَكَانَ أَمْرُهُ مُفْتَرَضَ الِامْتِثَالِ وَشَرْعُهُ وَاجِبَ الْقَبُولِ فَكَانَ مُؤَكِّدًا. وَقَوْلُهُ وَالرُّخْصَةُ اسْمٌ لِمَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ تَعْرِيفُ الرُّخْصَةِ. وَقَوْلُهُ، وَهُوَ مَا يُسْتَبَاحُ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ تَفْسِيرٌ لَهُ يَعْنِي أُرِيدَ بِقَوْلِهِ مَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ مَا يُسْتَبَاحُ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ. فَقَوْلُهُ مَا يُسْتَبَاحُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ. وَقَوْلُهُ لِعُذْرٍ احْتِرَازٌ عَمَّا أُبِيحَ لَا لِعُذْرٍ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ الصِّيَامِ عِنْدَ فَقْدِ الرَّقَبَةِ فِي الظِّهَارِ إذْ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ فَقْدِ الرَّقَبَةِ مَعَ اسْتِحَالَةِ التَّكْلِيفِ بِإِعْتَاقِهَا حِينَئِذٍ بَلْ الظِّهَارُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْإِعْتَاقِ فِي حَالَةٍ وَلِوُجُوبِ الصِّيَامِ فِي حَالَةٍ أُخْرَى. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِبَاحَةِ الْإِبَاحَةُ بِدُونِ الْحُرْمَةِ فَهُوَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْمُحَرَّمِ بِدُونِ حُكْمِهِ لِمَانِعِ تَخْصِيصٍ لَهُ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْإِبَاحَةُ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ. وَلَا يُفِيدُ تَغْيِيرُ الْعِبَارَةِ بِأَنَّ الرُّخْصَةَ هِيَ مَا رُخِّصَ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ التَّرْخِيصَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْإِبَاحَةِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْأَوَّلِ وَزِيَادَةً، وَهِيَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ رُخِّصَ فِي حَدِّ الرُّخْصَةِ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَأْوِيلُهُ بِاللُّغَوِيِّ دُونَ الِاصْطِلَاحِيِّ؛ لِأَنَّ أَقَلَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمُبْهَمِ فِي التَّعْرِيفِ، وَهُوَ قَبِيحٌ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ يُسْتَبَاحُ يُعَامَلُ بِهِ مُعَامَلَةَ الْمُبَاحِ لَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُبَاحًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْحُرْمَةِ قَائِمٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِتِلْكَ الْحُرْمَةِ بِالنَّصِّ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ سُقُوطِ الْمُؤَاخَذَةِ انْتِفَاءُ الْحُرْمَةِ فَإِنَّ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِهَا لَا تُسَمَّى مُبَاحَةً فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ الْمُؤَاخِذِ. وَلِهَذَا ذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ الرُّخْصَةُ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْفِعْلِ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ لِلْفِعْلِ وَحُرْمَةُ الْفِعْلِ وَتَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِتَرْكِ الْفِعْلِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفِعْلِ، وَكَوْنِ الْفِعْلِ وَاجِبًا. وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ الرُّخْصَةُ اسْمٌ لِمَا تَغَيَّرَ عَنْ الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ إلَى تَخْفِيفٍ وَيُسْرٍ تَرْفِيهًا وَتَوْسِعَةً عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: الرُّخْصَةُ مَا وُسِّعَ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ بِعُذْرٍ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا فِي حَقِّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ أَوْ وُسِّعَ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ مَعَ قِيَامِ الْوُجُوبِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ. وَسَوَّى بَيْنَ الرُّخَصِ كُلِّهَا، وَقَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ حَرَامَ التَّحْصِيلِ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى بِرُخَصِهِ كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى بِعَزَائِمِهِ» «وَقَالَ ﵇ لِعَمَّارٍ حِينَ أَجْرَى كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ بِالْإِكْرَاهِ. فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» .

стр. 616

حَتَّى صَارَ الْعَزْمُ يَمِينًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ مُؤَكَّدٌ فِي الْعِصْيَانِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَتُنْبِئُ عَنْ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةُ يُقَالُ رَخُصَ السِّعْرُ إذَا تَيَسَّرَتْ الْإِصَابَةُ لِكَثْرَةِ الْأَشْكَالِ وَقِلَّةِ الرَّغَائِبِ. وَالْعَزِيمَةُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فَرِيضَةٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ وَنَفْلٌ فَهَذِهِ أُصُولُ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً فِي أَنْفُسِهَا أَمَّا الْفَرْضُ فَمَعْنَاهُ التَّقْدِيرُ وَالْقَطْعُ فِي اللُّغَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] أَيْ قَدَّرْنَاهَا وَقَطَعْنَا الْأَحْكَامَ فِيهَا قَطْعًا، وَالْفَرَائِضُ فِي الشَّرْعِ مُقَدَّرَةٌ لَا تَحْتَمِلُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانًا أَيْ مَقْطُوعَةً ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ مِثْلُ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَسُمِّيَتْ مَكْتُوبَةً وَهَذَا الِاسْمُ يُشِيرُ إلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّخْفِيفِ فَفِي التَّقْدِيرِ وَالتَّنَاهِي يُسْرٌ، وَيُشِيرُ إلَى شِدَّةِ الْمُحَافَظَةِ وَالرِّعَايَةِ. ــ [كشف الأسرار] كَيْفَ وَفِي بَعْضِ الرُّخَصِ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ كَمَا فِي تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ وَالْمَخْمَصَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَصْحَابنَا هَذَا فَإِنَّ مَعْنَى الرُّخْصَةِ السُّهُولَةُ وَالْيُسْرُ وَذَلِكَ فِي سُقُوطِ الْحَظْرِ وَالْعُقُوبَةِ جَمِيعًا. وَالِاسْمَانِ مَعًا دَلِيلَانِ عَلَى الْمُرَادِ أَيْ يَدُلَّانِ لُغَةً عَلَى الْوَكَادَةِ وَالْيُسْرِ الْمُرَادَيْنِ فِي الشَّرْعِ مِنْهُمَا فَكَانَا اسْمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ مُرَاعًى فِيهِمَا مَعْنَى اللُّغَةِ. حَتَّى كَانَ الْعَزْمُ يَمِينًا. وَلَوْ قَالَ أَعْزِمُ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا كَانَ يَمِينًا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاَللَّهِ، وَلَا بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ الْعَزْمُ لُغَةً أَقْصَى مَا يُرَادُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالتَّوْكِيدِ، وَالْإِنْسَانُ يُؤَكِّدُ كَلَامَهُ بِالْيَمِينِ. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عَزَمْتُ عَلَيْك أَنْ لَا تَصُومِي الْيَوْمَ الَّذِي مِتَّ فِيهِ فَأَفْطَرَتْ وَقَالَتْ مَا كُنْت لِأُتْبِعَهُ حِنْثًا فَعَرَّفْت الْعَزْمَ يَمِينًا فَإِنْ عَرَّفْته لُغَةً فَقَوْلُهَا حُجَّةٌ، وَإِنْ عَرَّفْته شَرْعًا فَكَذَلِكَ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. وَفِي الصِّحَاحِ عَزَمْت عَلَيْهِ أَيْ اقْتَسَمْت عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] . أَيْ فَاصْبِرْ عَلَى أَذَى قَوْمِك كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْحَزْمِ وَالرَّأْيِ الصَّوَابِ مِنْ الرُّسُلِ عَلَى بَلَايَا اُبْتُلُوا بِهَا تَظْفَرُ بِالثَّوَابِ كَمَا ظَفِرُوا بِهِ ثُمَّ أَنَّهُمْ خَصُّوا مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ عَلَى الْحَقِّ لِانْتِفَاءِ الْوَهْنِ وَشُبْهَتِهِ فِي طَلَبِهِمْ لِلْحَقِّ وَزِيَادَةِ ثَبَاتِهِمْ عَلَيْهِ عِنْدَ تَوَجُّهِ الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ إلَيْهِمْ وَقُوَّةِ صَبْرِهِمْ عَلَيْهِ فِيهَا. وَقِيلَ هُمْ سِتَّةٌ. نُوحٌ فَإِنَّهُ صَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً.، وَإِبْرَاهِيمُ صَبَرَ عَلَى النَّارِ وَذَبْحِ الْوَلَدِ.، وَإِسْحَاقُ عَلَى الذَّبْحِ. وَيَعْقُوبُ عَلَى فَقْدِ الْوَلَدِ وَذَهَابِ الْبَصَرِ. وَيُوسُفُ عَلَى الْجُبِّ وَالسِّجْنِ. وَأَيُّوبُ عَلَى الضُّرِّ. وَقِيلَ هُمْ أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ نُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٌ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ. وَقِيلَ الرُّسُلُ كُلُّهُمْ أُولُوا الْعَزْمِ، وَلَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ رَسُولًا إلَّا كَانَ ذَا عَزْمٍ وَحَزْمٍ وَرَأْيٍ، وَكَمَالِ عَقْلٍ، وَمِنْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِلتَّبْيِينِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي التَّيْسِيرِ وَغَيْرِهِ. [أَقْسَام الْعَزِيمَةُ] وَالْعَزِيمَةُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ الْفَرْضُ إلَى آخِرِهِ. يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ فَإِنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَرْضٌ. إنْ كَانَ الدَّلِيلُ مَقْطُوعًا بِهِ كَتَرْكِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ. وَوَاجِبٌ إنْ دَخَلَ فِيهِ شُبْهَةٌ كَتَرْكِ أَكْلِ الضَّبِّ وَاللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ. وَسُنَّةٌ أَوْ نَفْلٌ إنْ كَانَ دُونَهُ كَتَرْكِ مَا قِيلَ فِيهِ لَا بَأْسَ بِهِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْوَاجِبُ مَا يَكُونُ لَازِمُ الْأَدَاءِ شَرْعًا أَوْ وَاجِبَ التَّرْكِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ. ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأُصُولِ لِأَصْحَابِنَا الْفِعْلُ الصَّادِرُ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْأَدَاءِ فِيهِ أَوْ جَانِبُ التَّرْكِ أَوْ لَا هَذَا، وَلَا ذَلِكَ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكْفُرَ جَاحِدُهُ وَيُضَلَّلَ، وَهُوَ الْفَرْضُ. أَوْ لَا يَكْفُرُ وَذَلِكَ أَمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ الْعِقَابُ بِتَرْكِهِ، وَهُوَ الْوَاجِبُ. أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ وَذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵇، وَهُوَ السُّنَّةُ الْمَشْهُورَةُ أَوْ لَا يَكُونُ، وَهُوَ النَّفَلُ وَالتَّطَوُّعُ وَالْمَنْدُوبُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ الْعِقَابُ بِالْإِتْيَانِ بِهِ، وَهُوَ الْحَرَامُ. أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ، وَهُوَ الْمَكْرُوهُ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ الْمُبَاحُ إذْ لَيْسَ فِي أَدَائِهِ ثَوَابٌ، وَلَا فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْعَزِيمَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَكْفُرَ جَاحِدُهَا أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْفَرْضُ. وَالثَّانِي لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ

стр. 617

وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ الْوُجُوبِ، وَهُوَ السُّقُوطُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] وَمَعْنَى السُّقُوطِ أَنَّهُ سَاقِطٌ عِلْمًا هُوَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ فَسُمِّيَ بِهِ أَوْ لَمَّا لَمْ يُفِدْ الْعِلْمُ صَارَ كَالسَّاقِطِ عَلَيْهِ لَا كَمَا يُحْمَلُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْوَجْبَةِ، وَهُوَ الِاضْطِرَابُ سُمِّيَ بِهِ لِاضْطِرَابِهِ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا لَزِمَنَا بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ مِثْلُ تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ وَتَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ وَالطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ وَصَدَقَةِ ــ [كشف الأسرار] يُعَاقَبَ بِتَرْكِهِ أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَاجِبُ. وَالثَّانِي لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِتَرْكِ الْمُلَازَمَةِ أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ هُوَ السُّنَّةُ وَالثَّانِي النَّفَلُ. وَيَدْخُلُ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ الْمُبَاحُ إنْ جَعَلَ الْمُبَاحَ مِنْ الْعَزَائِمِ. فَهَذِهِ أُصُولُ الشَّرْعِ أَيْ هَذِهِ أَحْكَامٌ شُرِعَتْ ابْتِدَاءً فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ فَكَانَتْ مِنْ الْعَزَائِمِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً فِي أَنْفُسِهَا. وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ النَّوَافِلَ لَيْسَتْ مِنْ الْعَزَائِمِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ فِي أَدَاءِ مَا هُوَ عَزِيمَةٌ مِنْ الْفَرَائِضِ أَوْ قَطْعًا لِطَمَعِ الشَّيْطَانِ فِي مَنْعِ الْعِبَادِ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ لَمَّا رَغِبُوا فِي أَدَاءِ النَّوَافِلِ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ دَلِيلُ رَغْبَتِهِمْ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. فَقَالَ هَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ سَوَاءٌ فِي أَنَّهَا شُرِعَتْ ابْتِدَاءً لَا بِنَاءً عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ فَكَانَتْ عَزَائِمَ لِوَكَادَةِ شَرْعِيَّتِهَا، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ فِي ذَوَاتِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ النَّفَلَ مَشْرُوعٌ ابْتِدَاءً لَا يَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ بِعَارِضٍ يَكُونُ مِنْ الْعِبَادِ فَكَانَ عَزِيمَةً كَالْفَرْضِ، وَمَا ذَكَرُوا مَقْصُودَ الْأَدَاءِ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ وَالْفَرَائِضُ أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ فِي الشَّرْعِ مُقَدَّرَةٌ يَعْنِي رُوعِيَ فِيهَا كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ فَهِيَ مُقَدَّرَةٌ لَا تَحْتَمِلُ زِيَادَةً، وَلَا نُقْصَانًا. مَقْطُوعَةٌ عَمَّا يُغَايِرُهَا مِنْ جِنْسِهَا الْمَشْرُوعِ كَذَا فِي الْمِيزَانِ. أَوْ مَقْطُوعَةٌ عَنْ احْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ ثَابِتَةً؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِدَلِيلٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ. فَصَارَ الْفَرْضُ اسْمًا لِمُقَدَّرٍ ثَابِتٍ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ مِثْلِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ مُقَدَّرٌ بِتَصْدِيقِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَتَّى لَوْ نَقَضَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ زَادَ لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ أَنَا أُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا. وَسُمِّيَتْ مَكْتُوبَةً؛ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَهَذَا الِاسْمُ أَيْ اسْمُ الْفَرْضِ يُشِيرُ إلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ التَّقْدِيرِ، وَفِيهِ يُسْرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِشَغْلِ جَمِيعِ الْعُمْرِ بِخِدْمَتِهِ بِحُكْمِ الْمِلْكِيَّةِ فَتَرْكُ ذَلِكَ إلَى مُقَدَّرٍ قَلِيلٍ يَكُونُ دَلَالَةَ التَّخْفِيفِ وَالْيُسْرِ، وَكَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا جَعَلَهُ مُقَدَّرًا لِئَلَّا يَصْعُبَ عَلَيْنَا أَدَاؤُهُ وَيَصِيرُ مُؤَدًّى لَا مَحَالَةَ فَكَانَ التَّقْدِيرُ فِيهِ لِشِدَّةِ الْمُحَافَظَةِ وَالْمُلَازَمَةِ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى كَيْفَ أَعْقَبَ قَوْلَهُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] . بِقَوْلِهِ جَلَّ اسْمُهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] . مِنْهَا عَلَى التَّخْفِيفِ بِإِيرَادِ جَمْعَيْ الْقِلَّةِ، وَهُمَا الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ كَأَنَّهُ قِيلَ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ أَيَّامًا قَلَائِلَ لِيَتَيَسَّرَ عَلَيْكُمْ الْأَدَاءُ وَيَسْهُلَ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّقْدِيرِ التَّيْسِيرُ وَالْمَقْصُودُ مِنْ التَّيْسِيرِ شِدَّةُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَدَاءِ. قَوْلُهُ (أُخِذَ مِنْ الْوُجُوبِ، وَهُوَ السُّقُوطُ) فَسَّرَ الشَّيْخُ الْوُجُوبَ بِالسُّقُوطِ وَالْوَجْبَةَ بِالِاضْطِرَابِ وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ اللُّزُومُ وَالْوَجْبَةَ هُوَ السُّقُوطُ مَعَ الْهَدَّةِ وَالْوَجْبَ الِاضْطِرَابُ. وَمَعْنَى السُّقُوطِ أَنَّهُ سَاقِطٌ عِلْمًا أَيْ فِي إثْبَاتِ الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ هُوَ سَاقِطٌ فِي نَفْسِهِ مُلْحَقٌ بِالْمَعْدُومِ، وَإِنْ كَانَ فِي إيجَابِ الْعَمَلِ ثَابِتًا مَوْجُودًا. هُوَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ أَيْ كَوْنُ الْوَاجِبِ سَاقِطًا فِي حَقِّ الْعِلْمِ وَصْفٌ مُخْتَصٌّ بِهِ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ يَعْنِي سَقَطَ عَنْهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا تَعَلَّقَ بِالْفَرْضِ، وَهُوَ الْعِلْمُ وَبَقِيَ الْعِلْمُ لَازِمًا بِهِ فَسُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ لِيَقَعَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْضِ. أَوْ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُفِدْ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ صَارَ كَالسَّاقِطِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ. لَا كَمَا يُحْمَلُ أَيْ يُتَحَمَّلُ يَعْنِي لَا يَكُونُ مِثْلَ الَّذِي

стр. 618

الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَالْوِتْرِ وَالسُّنَّةُ مَعْنَاهَا الطَّرِيقُ وَالسَّنَنُ الطَّرِيقُ وَيُقَالُ سَنَّ الْمَاءَ إذَا صَبَّهُ، وَهُوَ مَعْرُوفُ الِاشْتِقَاقِ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِلطَّرِيقِ الْمَسْلُوكِ فِي الدِّينِ. وَالنَّفَلُ اسْمٌ لِلزِّيَادَةِ فِي اللُّغَةِ حَتَّى سُمِّيَتْ الْغَنِيمَةُ نَفْلًا لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بَلْ زِيَادَةٌ عَلَى مَا شُرِعَ لَهُ الْجِهَادُ وَسُمِّيَ وَلَدُ الْوَلَدِ نَافِلَةً لِذَلِكَ ــ [كشف الأسرار] يُتَحَمَّلُ وَيُرْفَعُ بِاخْتِيَارٍ، وَهُوَ الْفَرْضُ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ ثَابِتًا قَطْعًا يُتَحَمَّلُ اخْتِيَارٌ وَشَرْحُ صَدْرٍ. قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ مَوْلَانَا حَمِيدُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ ﵀: وَنَظِيرُهُ أَنَّ أَمِيرًا أَمَرَ وَاحِدًا مِنْ غِلْمَانِهِ بِحَمْلِ شَيْءٍ إلَى مَوْضِعٍ فَتَحَمَّلَهُ فَلَمَّا غَابَ عَنْ بَصَرِهِ، وَأَخَذَ فِي الطَّرِيقِ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ أَنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَمَرَ بِحَمْلِ هَذَا الشَّيْءِ الْآخَرِ أَيْضًا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ لَهُ بِإِخْبَارِهِ فَتَحَمَّلَهُ أَيْضًا كَانَ الْمَأْمُورُ فِي تَحَمُّلِ الْأَوَّلِ مُخْتَارًا طَائِعًا، وَفِي تَحَمُّلِ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ كَأَنَّهُ سَقَطَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَاخْتِيَارِهِ. قَوْلُهُ (وَالسُّنَّةُ) كَذَا السُّنَّةُ لُغَةً الطَّرِيقَةُ مَرْضِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ وَسَنَنُ الطَّرِيقِ مُعْظَمُهُ وَوَسْطَتُهُ وَالسَّنُّ الصَّبُّ بِرِفْقٍ مِنْ بَابِ طَلَبَ فَإِنْ أُخِذَتْ السُّنَّةُ مِنْهُ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَارَّ يُنْصِتُ وَيَجْرِي فِيهَا جَرَيَانَ الْمَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الْأَبَاطِحُ وَهُوَ أَيْ لَفْظُ السُّنَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ اسْمٌ لِلطَّرِيقِ الْمَسْلُوكِ فِي الدِّينِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ، وَلَا وُجُوبٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ سَوَاءٌ سَلَكَهُ الرَّسُولُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَمٌ فِي الدِّينِ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ اللَّفْظَ السُّنَّةُ إذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ أَوْ إلَيْهَا، وَإِلَى سُنَّةِ الصَّحَابِيِّ عَلَى مَا تَبَيَّنَ بَعْدُ بَلْ زِيَادَةٌ عَلَى مَا شُرِعَ لَهُ الْجِهَادُ، وَهُوَ إعْلَاءُ دِينِ اللَّهِ، وَكَبْتُ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَتَحْصِيلُ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. وَفِي الْمُغْرِبِ النَّفَلُ مَا يُنَفَّلُهُ الْغَازِي أَيْ يُعْطَاهُ زَائِدًا عَلَى سَهْمِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَوْ قَالَ لِلسَّرِيَّةِ مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ أَوْ رُبْعُهُ أَوْ نِصْفُهُ، وَلَا يُخَمَّسُ وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ وَسُمِّيَ وَلَدُ الْوَلَدِ نَافِلَةَ ذَلِكَ أَيْ لِكَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى مَقْصُودِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ شُرِعَ لِتَحْصِيلِ الْوَلَدِ مِنْ صُلْبِهِ وَالْحَافِدُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ فَكَذَا النَّافِلَةُ اسْمٌ لِمَا شُرِعَ زِيَادَةً عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ. ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ فِي حُدُودِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَقِيلَ الْفَرْضُ هُوَ مَا يُعَاقَبُ الْمُكَلَّفُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُثَابُ عَلَى تَحْصِيلِهِ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّهَا تَقَعُ فَرْضًا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَبِصَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فَرْضًا، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. وَبِأَنَّ تَارِكَ الْفَرْضِ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ وَلَا يُعَاقَبُ، وَلَا يَخْرُجُ الْفَرْضُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ فَرْضًا. وَقِيلَ هُوَ مَا يَخَافُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى تَرْكِهِ. وَقِيلَ هُوَ مَا فِيهِ وَعِيدٌ لِتَارِكِهِ. وَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِمَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَتَرْكِ صَوْمِ السَّفَرِ أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ مَا قِيلَ الْفَرْضُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَاسْتَحْقَقَ الذَّمَّ عَلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. فَقَوْلُهُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يَتَنَاوَلُ الْمَنْدُوبَ وَالْمُبَاحَ إذْ قَدْ يَثْبُتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] . وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ عَلَى تَرْكِهِ عَنْهُمَا. وَبِقَوْلِهِ مُطْلَقًا عَمَّنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى عَزْمِ الْأَدَاءِ فِي آخِرِهِ وَعَنْ تَرْكِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ إلَى خَلَفِهِ، وَهُوَ الْقَضَاءُ وَأَمْثَالُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَرْكٍ مُطْلَقًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ بِهِ. وَبِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عَنْ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إذَا تَرَكَا الصَّوْمَ، وَمَاتَا قَبْلَ الْإِقَامَةِ وَالصِّحَّةِ فَإِنَّهُمَا لَا يَسْتَحِقَّانِ الذَّمَّ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُمَا بِعُذْرٍ. وَإِذَا بَدَّلَ لَفْظَ الْقَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ فَهُوَ حَدُّ الْوَاجِبِ. وَحَدُّ السُّنَّةِ هُوَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ، وَلَا وُجُوبٍ. وَأَمَّا حَدُّ النَّفْلِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَنْدُوبِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالتَّطَوُّعِ

стр. 619

أَمَّا الْفَرْضُ فَحُكْمُهُ اللُّزُومُ عِلْمًا وَتَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَعَمَلًا بِالْبَدَنِ، وَهُوَ مِنْ أَرْكَانِ الشَّرَائِعِ وَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَيُفَسَّقُ تَارِكُهُ بِلَا عُذْرٍ، وَأَمَّا حُكْمُ الْوُجُوبِ فَلُزُومُهُ عَمَلًا بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ لَا عِلْمًا عَلَى الْيَقِينِ لِمَا فِي دَلِيلِهِ مِنْ الشُّبْهَةِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ جَاحِدُهُ وَيُفَسَّقَ تَارِكُهُ إذَا اسْتَخِفَّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فَأَمَّا مُتَأَوِّلًا فَلَا، وَأَنْكَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ هَذَا الْقِسْمَ، وَأَلْحَقَهُ بِالْفَرَائِضِ فَقُلْنَا أَنْكَرَ الِاسْمَ فَلَا مَعْنَى لَهُ بَعْدَ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ اسْمَ الْفَرِيضَةِ، وَأَنْكَرَ الْحُكْمَ بَطَلَ إنْكَارُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ نَوْعَانِ مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُنْكَرُ، وَإِذَا تَفَاوَتَ الدَّلِيلُ لَمْ يُنْكَرْ تَفَاوُتُ الْحُكْمِ ــ [كشف الأسرار] فَقِيلَ مَا فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ فِي الشَّرْعِ. وَقِيلَ هُوَ مَا يُمْدَحُ الْمُكَلَّفُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ. وَقِيلَ هُوَ الْمَطْلُوبُ فِعْلُهُ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ عَلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ عَلَى تَرْكِهِ عَنْ الْوَاجِبِ الْمُضَيَّقِ. وَبِقَوْلِهِ مُطْلَقًا عَنْ الْمُوَسَّعِ وَالْمُخَيَّرِ وَالْكِفَايَةِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْفَرْضُ فَحُكْمُهُ اللُّزُومُ عِلْمًا وَتَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ) أَيْ يَجِبُ الِاعْتِقَادُ بِحَقِّيَّتِهِ قَطْعًا وَيَقِينًا لِكَوْنِهِ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ. وَهُوَ الْإِسْلَامُ أَيْ الِاعْتِقَادُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَكُونُ إسْلَامًا حَتَّى لَوْ تَبَدَّلَ بِضِدِّهِ يَكُونُ كُفْرًا. وَعَمَلًا بِالْبَدَنِ أَيْ يَجِبُ إقَامَتُهُ بِالْبَدَنِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ غَيْرَ مُسْتَخِفٍّ بِهِ يَكُونُ عَاصِيًا، وَفَاسِقًا إذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ مَا هُوَ مِنْ أَرْكَانِ الشَّرَائِعِ لَا مَا هُوَ أَصْلُ الدِّينِ لِبَقَاءِ الِاعْتِقَادِ عَلَى حَالِهِ. وَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ أَيْ يُنْسَبُ إلَى الْكُفْرِ مَنْ أَكْفَرَهُ إذَا ادَّعَاهُ كَافِرًا، وَمِنْهُ لَا تُكَفِّرْ أَهْلَ قِبْلَتِك، وَأَمَّا لَا تُكَفِّرُوا أَهْلَ قِبْلَتِكُمْ فَغَيْرُ ثَبْتٍ رِوَايَةً، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لُغَةً قَالَ الْكُمَيْتُ يُخَاطِبُ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَكَانَ شِيعِيًّا: وَطَائِفَةٌ قَدْ كَفَّرُونِي بِحُبِّكُمْ ... وَطَائِفَةٌ قَالُوا مُسِيءٌ وَمُذْنِبُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ. وَأَمَّا حُكْمُ الْوُجُوبِ أَيْ الْوَاجِبِ فَلُزُومُهُ عَمَلًا لَا عِلْمًا أَيْ يَجِبُ إقَامَتُهُ بِالْبَدَنِ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ اعْتِقَادُ لُزُومِهِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ وَلُزُومُ الِاعْتِقَادِ مَبْنِيٌّ عَلَى الدَّلِيلِ الْيَقِينِيِّ. وَيُفَسَّقُ تَارِكُهُ إذَا اسْتَخَفَّ. إذَا تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَمَّا إنْ تَرَكَهُ مُسْتَخِفًّا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ بِأَنْ لَا يَرَى الْعَمَلَ بِهَا وَاجِبًا أَوْ تَرَكَهُ مُتَأَوِّلًا لَهَا أَوْ تَرَكَهُ غَيْرَ مُسْتَخِفٍّ، وَلَا مُتَأَوِّلٍ. فَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَجِبُ تَضْلِيلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ؛ لِأَنَّهُ رَادٌّ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ بِدْعَةٌ. وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي لَا يَجِبُ التَّضْلِيلُ، وَلَا التَّفْسِيقُ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ سِيرَةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي النُّصُوصِ عِنْدَ التَّعَارُضِ. وَفِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ يُفَسَّقُ، وَلَا يُضَلَّلُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ لَمَّا وَجَبَ كَانَ الْأَدَاءُ طَاعَةً وَالتَّرْكُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ عِصْيَانًا، وَفِسْقًا هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَيْضًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ تَرْكَهُ لَا يُوجِبُ التَّضْلِيلَ أَصْلًا وَيُوجِبُ التَّفْسِيقَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا، وَلَا يُوجِبُهُ إذَا كَانَ مُتَأَوِّلًا، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّفْسِيقِ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ بَلْ هُوَ سَاكِتٌ عَنْهُ وَالْمَذْكُورُ بَعْدَهُ بِخُطُوطٍ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ التَّضْلِيلِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ مَعْنَى مَا ذُكِرَ هُنَا وَيُفَسَّقُ تَارِكُهُ وَيُضَلَّلُ إذَا اسْتَخَفَّ. وَالْمَذْكُورُ فِي التَّقْوِيمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَضْلِيلَ فِيهِ أَصْلًا، وَلَا تَفْسِيقَ إلَّا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الْوَاجِبَ كَالْمَكْتُوبَةِ فِي لُزُومِ الْعَمَلِ وَالنَّافِلَةِ فِي حَقِّ الِاعْتِقَادِ حَتَّى لَا يَجِبَ تَكْفِيرُ جَاحِدِهِ، وَلَا تَضْلِيلُهُ وَحُكْمُهُ أَنْ لَا يُكَفَّرَ الْمُخَالِفُ بِتَكْذِيبِهِ، وَلَا يُفَسَّقُ بِتَرْكِهِ عَمَلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فَيُفَسِّقُهُ قَوْلُهُ (وَأَنْكَرَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْقِسْمَ) أَيْ أَنْكَرَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَقَالَ هُمَا مُتَرَادِفَانِ وَيَنْطَلِقَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الَّذِي يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيُلَامُ شَرْعًا بِوَجْهٍ سَوَاءٌ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ. قَالَ: وَاخْتِلَافُ طَرِيقِ الثُّبُوتِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنَّ اخْتِلَافَ طُرُقِ النَّوَافِلِ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ حَقَائِقِهَا، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ طُرُقِ الْحَرَامِ بِالْقَطْعِ وَالظَّنِّ غَيْرُ مُوجِبٍ اخْتِلَافَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ الْحَرَامُ. قَالَ وَتَخْصِيصُ اسْمِ الْفَرْضِ بِالْمَقْطُوعِ وَالَوْا جِبْ بِالْمَظْنُونِ تَحَكُّمٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لُغَةً هُوَ التَّقْدِيرُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَقْطُوعًا أَوْ مَظْنُونًا بِهِ. وَكَذَا الْوَاجِبُ هُوَ السَّاقِطُ سَوَاءٌ كَانَ مَظْنُونًا بِهِ مَقْطُوعًا بِهِ فَكَانَ

стр. 620

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ النَّصَّ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ أَوْجَبَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَفِيهِ شُبْهَةٌ تُعَيِّنُ الْفَاتِحَةَ فَلَمْ يَجُزْ تَغَيُّرُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ تَكْمِيلٌ لِحُكْمِ الْأَوَّلِ مَعَ قَرَارِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا وَكَذَلِكَ الْكِتَابُ أَوْجَبَ الرُّكُوعَ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ أَوْجَبَ التَّعْدِيلَ، وَكَذَلِكَ الطَّوَافُ مَعَ الطَّهَارَةِ فَمَنْ رَدَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَمَنْ سَوَّاهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي رَفْعِهِ عَنْ مَنْزِلَتِهِ وَوَضْعِ الْأَعْلَى عَنْ مَنْزِلَتِهِ، وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ مَا قُلْنَا وَكَذَلِكَ السَّعْيُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ــ [كشف الأسرار] تَخْصِيصُ كُلِّ وَاحِدٍ بِقِسْمٍ تَحَكُّمًا. وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّهُ إنْ أَنْكَرَ الِاسْمَ أَيْ أَنْكَرَ كَوْنَهُمَا مُتَبَايِنَيْنِ لُغَةً فَلَا مَعْنَى لَهُ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ مَعْنَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَمُبَايَنَةُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ أَيْ أَنْكَرَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا حُكْمًا بِأَنْ قَالَ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي لُزُومِ الْعَمَلِ بَطَلَ إنْكَارُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ ظَاهِرَةٌ، إذْ ثُبُوتُ الْمَدْلُولِ عَلَى حَسَبِ الدَّلِيلِ فَمَتَى كَانَ التَّفَاوُتُ ثَابِتًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِ بَيْنَ الْمَدْلُولَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ تَخْصِيصُ كُلِّ لَفْظٍ بِقِسْمٍ تَحَكُّمٌ فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَخُصُّ الْفَرْضَ بِقِسْمٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقَطْعِ وَنَخُصُّ الْوَاجِبَ بِقِسْمٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى السُّقُوطِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا، وَلَا يُوجَدُ مَعْنَى الْقَطْعِ فِي الْوَاجِبِ، وَلَا مَعْنَى السُّقُوطِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي الْفَرْضِ فَأَنَّى يَلْزَمُ التَّحَكُّمُ، وَسَائِرُ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَدْ اصْطَلَحُوا عَلَى تَخْصِيصِ اسْمِ الْفَرْضِ بِمَا يُقْطَعُ بِوُجُوبِهِ وَتَخْصِيصُ اسْمِ الْوَاجِبِ بِمَا ثَبَتَ ظَنًّا وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ انْقِسَامَ الْوَاجِبِ إلَى مَقْطُوعٍ وَمَظْنُونٍ، وَلَا حَجْرَ فِي اصْطِلَاحَاتٍ بَعْدَ تَفَهُّمِ الْمَعَانِي. فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ فِي الْوَاجِبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ وُجُوبِ الْعَمَلِ فِي الْفَرْضِ وَالتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي ثُبُوتِ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ وَعِنْدَنَا التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ أَيْضًا حَتَّى كَانَ وُجُوبُ الْعَمَلِ فِي الْفَرْضِ أَقْوَى مِنْ وُجُوبِهِ فِي الْوَاجِبِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَيْ بَيَانُ التَّفَاوُتِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ النَّصَّ الْمَقْطُوعَ بِهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] . أَوْجَبَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ إذْ الْمُرَادُ مِنْهُ الْقُرْآنُ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ. وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] . وَكَانَ قِيَامُ ثُلُثِ اللَّيْلِ فَرْضًا فَانْتَسَخَ أَصْلُهُ فِي قَوْلِهِ أَوْ تَقْدِيرُهُ فِي قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] أَيْ فِي كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَوْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي. وَبِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ، وَلَا وُجُوبَ خَارِجِ الصَّلَاةِ فَيَتَعَيَّنُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا النَّصُّ بِإِطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْفَاتِحَةَ وَغَيْرَهَا فَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ كَمَا يَخْرُجُ بِقِرَاءَتِهَا. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» أَوْجَبَ الْفَاتِحَةَ عَلَيْنَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَغْيِيرُ مُوجِبِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا لِيَتَقَرَّرَ الْكِتَابُ عَلَى حَالِهِ وَيَحْصُلُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلَيْنِ عَلَى مَرْتَبَتِهِمَا. وَلَا يُقَالُ قَدْ خُصَّ مِنْ النَّصِّ مَا دُونَ الْآيَةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ قُرْآنٌ حَتَّى لَوْ أَنْكَرَهُ يَكْفُرُ فَيُخَصُّ مَا دُونَ الْفَاتِحَةِ بِالْخَبَرِ أَيْضًا.؛ لِأَنَّا نَقُولُ عَدَمُ جَوَازِ مَا دُونَ الْآيَةِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ التَّخْصِيصِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى قِرَاءَةً عُرْفًا فَلَا يَدْخُلُ إطْلَاقُ قَوْله تَعَالَى فَاقْرَءُوا. وَلِهَذَا لَا يَحْرُمُ قِرَاءَةُ مَا دُونَ الْآيَةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى قِرَاءَةً عُرْفًا كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ، وَلَكِنْ مَا دُونَ الْآيَةِ مِنْ الْقُرْآنِ حَقِيقَةً فَإِنْكَارُهُ يَكُونُ كُفْرًا كَإِنْكَارِ كَلِمَةٍ أَوْ حَرْفٍ. فَمَنْ رَدَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ كَمَا رَدَّهُ الرَّافِضَةُ وَغَيْرُهُمْ فَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ أَيْ عَنْ وَسَطِهِ، وَمَنْ سَوَّاهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

стр. 621

وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ إلَى الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَاجِبٌ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِذَا صَلَّى فِي الطَّرِيقِ أُمِرَ بِالْإِعَادَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَمَلًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ سَقَطَتْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ إنَّمَا وَجَبَ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ وَقَدْ انْتَهَى وَقْتُ الْعِشَاءِ فَانْتَهَى الْعَمَلُ فَلَا يَبْقَى الْفَسَادُ مِنْ بَعْدُ إلَّا بِالْعِلْمِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُهُ وَلَا يُعَارِضُ حُكْمَ الْكِتَابِ فَلَا يُفْسِدُ الْعِشَاءَ ــ [كشف الأسرار] الْمُتَوَاتِرَةِ فِي إثْبَاتِ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا فَعَلَهُ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ حَتَّى كَانَ الثَّابِتُ بِهِ مِثْلَ الثَّابِتِ بِالْكِتَابِ فِي الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا فَقَدْ أَخْطَأَ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْخُصُوصِ. وَمَا ذَكَرُوا أَنَّ ثُبُوتَ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَعَدَمِ ثُبُوتِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدَةِ كَافٍ لِإِثْبَاتِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا لَا يُغْنِيهِمْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ الثَّابِتِ بِهِمَا لِتَفَاوُتِ الدَّلِيلَيْنِ فِي ذَاتَيْهِمَا ضَعْفًا وَقُوَّةً وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا حَيْثُ رَاعَيْنَا حَدَّ الْكِتَابِ الثَّابِتِ بِالْيَقِينِ بِأَنْ لَمْ يُلْحَقْ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِهِ زِيَادَةً عَلَيْهِ وَرَاعَيْنَا حَدَّ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِأَنْ أَوْجَبْنَا الْعَمَلَ بِهِ. وَكَذَا السَّعْيُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِالْجَرِّ يَعْنِي السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَاجِبٌ عِنْدَنَا، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ رَأْسًا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُجْبَرُ بِالدَّمِ وَيَتِمُّ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُوَ رُكْنٌ، وَلَا يَتِمُّ حَجٌّ، وَلَا عُمْرَةٌ إلَّا بِهِ «؛ لِأَنَّهُ ﵇ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ. إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» . وَلِقَوْلِهِ ﵇ «مَا أَتَمَّ اللَّهُ لِامْرِئٍ حَجَّةً، وَلَا عُمْرَةً لَا يَطُوفُ لَهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» . إلَّا أَنَّا تَمَسَّكْنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] .، وَمِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ يُوجِبُ الْإِبَاحَةَ لَا الْإِيجَابَ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا ظَاهِرَهُ فِي حُكْمِ الْإِيجَابِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعَمِلْنَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي إثْبَاتِ الْإِيجَابِ دُونَ الرُّكْنِيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَإِنْ قَرَأْت وَالْعُمْرَةُ بِالرَّفْعِ فَمَعْنَاهُ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ، وَلَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ هِيَ فَرِيضَةٌ مِثْلُ الْحَجِّ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْعُمْرَةُ فَرِيضَةٌ كَفَرِيضَةِ الْحَجِّ» . وَعِنْدَنَا لَمَّا ضَعُفَ الدَّلِيلُ عَنْ إثْبَاتِ الْفَرْضِيَّةِ لِكَوْنِهِ خَبَرًا لِوَاحِدٍ ثَبَتَ بِهِ الْوُجُوبُ. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَيْ الْمَذْكُورُ مِثْلُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَقِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمَّا ثَبَتَتْ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ كَانَتْ مِنْ الْوَاجِبَاتِ لَا مِنْ الْأَرْكَانِ. وَلَا يَلْزَمُ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِاتِّفَاقِ الْآثَارِ «إنَّهُ ﵇ مَا سَلَّمَ إلَّا بَعْدَ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ» كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.؛ وَلِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُوجِبَ لَهَا الْتَحَقَ بَيَانًا بِمُجْمَلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا عُرِفَ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ) أَيْ مِثْلُ وُجُوبِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ إلَى الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَاجِبٌ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵁ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّرِيقِ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ فَقَالَ الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَك» . وَمُرَادُهُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ إمَّا الْوَقْتُ أَوْ الْمَكَانُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِعْلُ الْمُصَلِّي، وَفِعْلُهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَمَامَهُ فَثَبَتَ أَنَّ التَّأْخِيرَ وَاجِبٌ. فَإِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ بِعَرَفَاتٍ أَوْ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵏ لَا يَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَكَانَ مُسِيئًا؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا فِي وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ إلَّا أَنَّ التَّأْخِيرَ سُنَّةٌ فَيَكُونُ مُسِيئًا بِتَرْكِهِ. وَلَهُمَا أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَمَكَانُ الْأَدَاءِ مُزْدَلِفَةُ بِالْحَدِيثِ فَإِذَا أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا أَوْ فِي غَيْرِ مَكَانِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَمَلًا بِالسُّنَّةِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إذَا أُدِّيَتْ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَكَالْجُمُعَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ إذَا أُدِّيَتَا فِي غَيْرِ الْمِصْرِ أَوْ فِنَائِهِ، وَكَالظُّهْرِ الْمُؤَدَّى فِي الْمَنْزِلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَيْ لَمْ يَعُدْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ سَقَطَتْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ

стр. 622

وَكَذَلِكَ التَّرْتِيبُ فِي الصَّلَوَاتِ وَاجِبٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَصَارَ مُعَارَضًا بِحُكْمِ الْكِتَابِ بِتَغَيُّرِ الْوَقْتِيَّةِ سَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ ــ [كشف الأسرار] إنَّمَا وَجَبَتْ لِيَحْصُلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ كَمَا يُوجِبُهُ الْحَدِيثُ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَانْتَهَى وَقْتُ الْجَمْعِ، وَهُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ سَقَطَتْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّا إنَّمَا أَوْجَبْنَاهَا بِالْخَبَرِ فَلَوْ أَوْجَبْنَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَحَكَمْنَا بِفَسَادِ مَا أَدَّى مُطْلَقًا وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَلَا يُعَارِضُ أَيْ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُقْتَضَى الْكِتَابِ، وَهُوَ جَوَازُ الْمَغْرِبِ الْمُؤَدَّاةِ فَلَا يَفْسُدُ الْعِشَاءُ أَيْ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْعِشَاءَ الْأُولَى، وَهِيَ الْمَغْرِبُ الْمُؤَدَّاةُ. أَوْ بِضَمِّهَا يَعْنِي لَا يُفْسِدُ تَذَكُّرُ الصَّلَاةِ الَّتِي وَجَبَتْ إعَادَتُهَا الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَائِتَةٍ بِيَقِينِ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ التَّرْتِيبُ فِي الصَّلَوَاتِ) . أَيْ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَالْوَقْتِيَّةِ وَاجِبٌ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» . وَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا، وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ» . وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يُعَارِضْ الْكِتَابَ وَالْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ فَعِنْدَ سَعَةِ الْوَقْتِ لَا مُعَارَضَةَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] . يُوجِبُ الْأَدَاءَ فِي مُطْلَقِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَفُوتُهُ عَنْهُ، وَلَا يُوجِبُ الْأَدَاءَ فِي وَقْتِ التَّذَكُّرِ لَا مَحَالَةَ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ تَقْدِيمَ الْفَائِتَةِ، وَأَدَائِهَا فِي وَقْتِ التَّذَكُّرِ، وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ. فَأَمَّا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ تَحَقَّقَ التَّعَارُضُ لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لِلْوَقْتِيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ وَاقْتِضَاءُ خَبَرِ الْوَاحِدِ تَقْدِيمَ الْفَائِتَةِ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَفْوِيتِهَا عَنْ الْوَقْتِ وَعَدَمِ جَوَازِهَا قَبْلَ الْفَائِتَةِ فَوَجَبَ تَرْجِيحُ الْكِتَابِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فَلِذَلِكَ سَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كَثْرَةِ الْفَوَائِتِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى ضِيقِ الْوَقْتِ لِتَأْدِيَةِ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِيهَا إلَى تَفْوِيتِ الْوَقْتِيَّةِ أَيْضًا. فَإِنْ قِيلَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ عِنْدَ سَعَةِ الْوَقْتِ إلَّا بَعْدَ رَفْعِ مُوجِبِ الْكِتَابِ أَيْضًا فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْأَدَاءَ فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي الْجَوَازَ أَوْ الْخُرُوجَ عَنْ الْعُهْدَةِ إذَا تَحَقَّقَ الْأَدَاءُ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يَنْفِي فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إبْطَالًا لَا لِمُوجِبِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَمَا قُلْتُمْ فِي خَبَرِ التَّعْيِينِ وَالتَّعْدِيلِ وَاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ. قُلْنَا هَذَا لَا يَلْزَمُ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْفَسَادِ الْمَوْقُوفِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ صَلَاةً ثُمَّ صَلَّى صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً مَعَ تَذَكُّرِهَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاءُ الْفَائِتَةِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْمُؤَدَّيَاتِ بَعْدَهَا لَمْ يَكُنْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ لِيَجِبَ قَضَاؤُهَا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا كَانَ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ عَمَلًا عِنْدَ كَثْرَةِ الصَّلَوَاتِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا قَضَاءُ الْمَتْرُوكَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْوَقْفِ لَا يُوجِبُ رَفْعَ الْجَوَازِ كَيْفَ وَمُخْتَارُ الشَّيْخِ أَنَّ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ الْوَقْتِ تَنْقَلِبُ الْوَقْتِيَّةُ الْمُؤَدَّاةُ صَحِيحَةً فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُحْتَجًّا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ حُكْمَ الْفَسَادِ لَيْسَ بِمُتَقَرِّرٍ فِيمَا أَدَّى بَلْ هُوَ شَيْءٌ يُفْتَى بِهِ فِي الْوَقْتِ حَتَّى يُعِيدَهُ ثَانِيًا فِي الْوَقْتِ لِيَكُونَ عَمَلًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَمَتَى مَضَى الْوَقْتُ لَوْ حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْوَقْتِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ تَرْكًا لِلْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِنَاءً عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَلْ يَجِبُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَلَا يُعْتَبَرُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مُقَابَلَتِهِ مُعَارِضًا لَهُ. قَالَ: وَإِلَى هَذَا

стр. 623

وَثَبَتَ الْحَطِيمُ مِنْ الْبَيْتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَجَعَلْنَا الطَّوَافَ وَاجِبًا لَا يُعَارِضُ الْأَصْلَ. ــ [كشف الأسرار] أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةِ الْحَاجِّ إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ فَإِذَا لَمْ يُعِدْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ أُخِّرَتْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ أُدِّيَتْ فِي وَقْتِهَا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَيَقُولَانِ إنَّ الْجَوَازَ، وَإِنْ ارْتَفَعَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَكِنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْجَوَازِ مِنْهُ مُبَاحٌ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مُخْتَارًا فَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ الْخَبَرُ أَوْلَى، وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ عَنْ الْوَقْتِ اخْتِيَارًا لَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّا مَا رَفَعْنَا الْجَوَازَ لَكِنْ أَخَّرْنَاهُ إلَى مَا بَعْدِ الْفَائِتَةِ، وَإِذَا لَمْ تُقَدَّمْ الْفَائِتَةُ لَمْ يَحْصُلْ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَصْلًا فَالْأَوَّلُ تَأْخِيرٌ وَالثَّانِي إبْطَالٌ. وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْهُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ كَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الْفَوَائِدِ أَنَّ كَثْرَةَ الْفَوَائِتِ لَمَّا الْتَحَقَتْ بِضِيقِ الْوَقْتِ فِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ كَانَ قِلَّتُهَا بِمَنْزِلَةِ سَعَةِ الْوَقْتِ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ عِنْدَ الْقِلَّةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ وُجُوبِهَا فِي الْوَقْتِ وَبِمَنْزِلَةِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ لِتَغْرُبَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْقِلَّةَ بِمَنْزِلَةِ سَعَةِ الْوَقْتِ فَكَانَ وَقْتُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بَاقِيًا تَقْدِيرًا. وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا الْفَرْقُ بَيْنَ وُجُوبِ تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ وَوُجُوبِ التَّعْدِيلِ وَاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ وَبَيْنَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فَإِنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا التَّعْيِينَ أَوْ التَّعْدِيلَ أَوْ الطَّهَارَةَ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ يَلْزَمُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ أَوْجَبْنَا التَّرْتِيبَ عِنْدَ سَعَةِ الْوَقْتِ عَلَى وَجْهٍ يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْوَقْتِيَّةِ لَا يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بَلْ يَكُونُ تَأْخِيرًا لِحِكْمَةٍ مَعَ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّأْخِيرِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ عَمَلًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. فَإِنْ قِيلَ لَمَّا تَعَيَّنَ آخِرُ الْوَقْتِ لِلْوَقْتِيَّةِ حَتَّى وَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْفَائِتَةِ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ قَدَّمَ الْوَقْتِيَّةَ عَلَى الْفَائِتَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ لِتَعَيُّنِهِ وَقْتًا لِلْفَائِتَةِ. قُلْنَا الْمَنْعُ عَنْ تَقْدِيمِ الْوَقْتِيَّةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَنَفَّلَ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا آخَرَ لَمْ يُمْنَعْ عَنْهُ فَيُوجِبُ الْفَسَادَ أَمَّا الْمَنْعُ عَنْ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَقَدْ ثَبَتَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْوِيتِ الْوَقْتِيَّةِ عَنْ الْوَقْتِ وَلِهَذَا يُكْرَهُ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالنَّافِلَةِ وَبِعَمَلٍ آخَرَ فَلَمْ يُوجِبْ الْفَسَادَ كَذَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِأَبِي نَصْرٍ الْبَغْدَادِيِّ ﵀ قَوْلُهُ (وَثَبَتَ الْحَطِيمُ مِنْ الْبَيْتِ) ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ مُتَّصِلٍ بِالْبَيْتِ مِنْ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فُرْجَةٌ. وَسُمِّيَ بِالْحَطِيمِ؛ لِأَنَّهُ حُطَمٌ مِنْ الْبَيْتِ أَيْ كَسْرٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالْقَتِيلِ وَالْجَرِيحِ. أَوْ؛ لِأَنَّ مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فِيهِ حَطَّمَهُ اللَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فَكَانَ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَالْعَلِيمِ. ثُمَّ يَجِبُ عَلَى الطَّائِفِ أَنْ يَطُوفَ وَرَاءَ الْحَطِيمِ مِنْ الْبَيْتِ وَلَا يَدْخُلَ تِلْكَ الْفُرْجَةَ فِي طَوَافِهِ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ نَذَرَتْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ إنْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى مَكَّةَ عَلَى رَسُولِهِ فَجَاءَ بِهَا النَّبِيُّ ﵇ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَيْلًا إلَى الْبَيْتِ فَصَدَّهَا خَزَنَةُ الْبَيْتِ وَقَالُوا إنَّا نُعَظِّمُ هَذَا الْبَيْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَمِنْ تَعْظِيمِهَا أَنْ لَا نَفْتَحَ بَابَهُ فِي اللَّيَالِي فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهَا، وَأَدْخَلَهَا فِي الْحَطِيمِ وَقَالَ: صَلِّي هَاهُنَا فَإِنَّ الْحَطِيمَ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا أَنَّ قَوْمَك قَصُرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْبَيْتِ، وَلَوْلَا حِدْثَانُ

стр. 624

وَحُكْمُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَالَبَ الْمَرْءُ بِإِقَامَتِهَا مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلَا وُجُوبٍ لِأَنَّهَا طَرِيقَةٌ أُمِرْنَا بِإِحْيَائِهَا فَيَسْتَحِقُّ اللَّائِمَةَ بِتَرْكِهَا إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَنَا قَدْ تَقَعُ عَلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ مُطْلَقُهَا طَرِيقَةُ النَّبِيِّ ﷺ ــ [كشف الأسرار] عَهْدِ قَوْمِك بِالْجَاهِلِيَّةِ لَنَقَضْت بِنَاءَ الْكَعْبَةِ، وَأَظْهَرْت قَوَاعِدَ الْخَلِيلِ، وَأَدْخَلْت الْحَطِيمَ فِي الْبَيْتِ، وَأَلْصَقْت الْعَتَبَةَ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْت لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَلَئِنْ عِشْت إلَى قَابِلٍ لَأَفْعَلَن ذَلِكَ» . فَجَعَلْنَا الطَّوَافَ بِهِ. أَيْ بِالْحَطِيمِ وَاجِبًا بِهَذَا الْخَبَرِ أَوْ جَعَلْنَا الطَّوَافَ عَلَى الْحَطِيمِ بِهِ أَيْ بِهَذَا الْخَبَرِ وَاجِبًا. لَا يُعَارِضُ الْأَصْلَ أَيْ لَا يُسَاوِيهِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الطَّوَافِ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ إعَادَتِهِ عَلَى الْحَطِيمِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ لِيَتَحَقَّقَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَلَوْ رَجَعَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ يُجْزِيهِ وَيُجْبَرُ بِالدَّمِ لِوُجُودِ أَصْلِ الْفَرْضِ، وَهُوَ الدَّوَرَانُ حَوْلَ الْبَيْتِ مَعَ تَمَكُّنِ النُّقْصَانِ فِيهِ بِتَرْكِ الطَّوَافِ عَلَى الْحَطِيمِ. وَلَوْ تَوَجَّهَ إلَى الْحَطِيمِ لَا يَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْبَيْتِ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ مَا ثَبَتَ فَرْضًا بِالْكِتَابِ، وَهُوَ التَّوَجُّهُ إلَى الْكَعْبَةِ. قَوْلُهُ (وَحُكْمُ السُّنَّةِ) كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ حُكْمُ السُّنَّةِ هُوَ الِاتِّبَاعُ فَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُتَّبَعٌ فِيمَا سَلَكَ مِنْ طَرِيقِ الدِّينِ، وَكَذَا الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ، وَهَذَا الِاتِّبَاعُ الثَّابِتُ بِمُطْلَقِ السُّنَّةِ خَالٍ عَنْ صِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ نَحْوُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ بَعْدُ وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكُلُّ نَفْلٍ وَاظَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَوَاتِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَحُكْمُهَا أَنَّهُ يُنْدَبُ إلَى تَحْصِيلِهَا وَيُلَامُ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ لُحُوقِ إثْمٍ يَسِيرٍ وَكُلُّ نَفْلٍ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلْ تَرَكَهُ فِي حَالَةٍ كَالطَّهَارَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتَكْرَارِ الْغُسْلِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَالتَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ إلَى تَحْصِيلِهِ، وَلَكِنْ لَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يُلْحَقُ بِتَرْكِهِ وِزْرٌ. وَأَمَّا التَّرَاوِيحُ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ سُنَّةُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلْ وَاظَبَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ، وَهَذَا مِمَّا يُنْدَبُ إلَى تَحْصِيلِهِ وَيُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَكِنَّهُ دُونَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ أَقْوَى مِنْ سُنَّةِ الصَّحَابَةِ.، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَقُولُونَ السُّنَّةُ نَفْلٌ وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵇ فَأَمَّا النَّفَلُ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِمْ مُسْتَقِيمٌ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ، أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ حُجَّةً فَلَا يَجْعَلُونَ أَفْعَالَهُمْ أَيْضًا سُنَّةً وَعِنْدَنَا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ فَيَكُونُ أَفْعَالُهُمْ سُنَّةً؛ لِأَنَّهَا طَرِيقَةٌ أُمِرْنَا بِإِحْيَائِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وَبِقَوْلِهِ ﵇ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ تَرَكَ سُنَّتِي لَمْ يَنَلْ شَفَاعَتِي» . وَالْإِحْيَاءُ فِي الْفِعْلِ فَتَرْكُ الْفِعْلِ يَسْتَوْجِبُ اللَّائِمَةَ أَيْ الْمَلَامَةَ فِي الدُّنْيَا وَحِرْمَانَ الشَّفَاعَةِ فِي الْعُقْبَى. إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَفْسِيرَ السُّنَّةِ وَحُكْمَهَا مَا ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ السُّنَّةِ يَقَعُ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ أَوْ يَحْتَمِلُ سُنَّتَهُ وَسُنَّةَ غَيْرِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا قَالَ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا فَعِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يُحْمَلُ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ ﵇، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَعِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ

стр. 625

قَالَ ذَلِكَ فِي أَرْشِ مَا دُونَ النَّفْسِ فِي النِّسَاءِ أَنَّهُ لَا يَنْتَصِفُ إلَى الثُّلُثِ لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ السُّنَّةُ ــ [كشف الأسرار] مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَالشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَكَذَا الْخِلَافُ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أُمِرْنَا بِكَذَا أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا. تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ لَفْظَ السُّنَّةِ يُطْلَقُ عَلَى طَرِيقَةِ غَيْرِ الرَّسُولِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ سَنُّوا أَحْكَامًا كَمَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁ «جَلَدَ الرَّسُولُ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ» وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ. وَقَدْ قَالَ ﵇ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» . أَطْلَقَ اسْمَ السُّنَّةِ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ. وَقَالَ ﵇ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا» . الْحَدِيثَ، وَقَدْ عَنَى بِذَلِكَ سُنَّةَ غَيْرِهِ. وَالسَّلَفُ كَانُوا يُطْلِقُونَ اسْمَ السُّنَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ إذَا قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَوْ السُّنَّةُ بِبَلَدِنَا كَذَا فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ سُنَّةَ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَكَانَ عَرِيفَ السُّوقِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى إطْلَاقِ لَفْظِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ ﵇ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِطَرِيقَتِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْمُقْتَدَى وَالْمُتَّبَعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَفْظُ السُّنَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا يُحْمَلُ إلَّا عَلَى سُنَنِهِ كَمَا لَوْ قِيلَ هَذَا الْفِعْلُ طَاعَةٌ لَا يُحْمَلُ إلَّا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَأَمَّا إضَافَتُهَا إلَى غَيْرِ الرَّسُولِ فَجَازَ لِاقْتِدَائِهِ فِيهَا بِسُنَّةِ الرَّسُولِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ.، وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْإِطْلَاقِ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّا لَا نُنْكِرُ جَوَازَ إطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى طَرِيقَةِ غَيْرِ الرَّسُولِ مَعَ التَّقْيِيدِ، وَإِنَّمَا نَمْنَعُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السُّنَّةِ غَيْرُ سُنَّةِ الرَّسُولِ كَذَا فِي الْمِيزَانِ وَالْمُعْتَمَدِ. وَقَوْلُهُمْ اللَّفْظُ مُطْلَقٌ فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ إمَّا بِطَرِيقَةِ الرَّسُولِ ﵇ أَوْ بِطَرِيقَةِ غَيْرِهِ فَتَقْيِيدُهُ بِالْأُولَى أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ (قَالَ ذَلِكَ فِي أَرْشِ مَا دُونَ النَّفْسِ) إلَى آخِرِهِ دِيَةُ الْمَرْأَةِ عِنْدَنَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ، وَمَا دُونَهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْمَرْأَةُ تُسَاوِي الرَّجُلَ إذَا كَانَ الْأَرْشُ بِقَدْرِ ثُلُثِ الدِّيَةِ أَوْ دُونَهُ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَحِينَئِذٍ حَالُهَا فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ لِمَا حُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مَا تَقُولُ فِيمَنْ قَطَعَ إصْبَعَ امْرَأَةٍ قَالَ عَلَيْهِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ قُلْت فَإِنْ قَطَعَ إصْبَعَيْنِ مِنْهَا قَالَ عَلَيْهِ عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ قُلْت فَإِنْ قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ قَالَ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ قُلْت فَإِنْ قَطَعَ أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ قَالَ عَلَيْهِ عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ قُلْت سُبْحَانَ اللَّهِ لَمَّا كَثُرَ أَلَمُهَا وَاشْتَدَّ مُصَابُهَا قَلَّ أَرْشُهَا قَالَ أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ قُلْتُ لَا بَلْ جَاهِلٌ مُسْتَرْشِدٌ أَوْ عَاقِلٌ مُسْتَثْبِتٌ فَقَالَ إنَّهُ السُّنَّةُ. وَهَذَا اللَّفْظُ إذَا أُطْلِقَ فَالْمُرَادُ بِهِ سُنَّةُ الرَّسُولِ ﵇، وَمَرَاسِيلُ سَعِيدٍ عِنْدَهُ مَقْبُولَةٌ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَدِيثٍ مُسْنَدٍ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ رَبِيعَةُ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِقَطْعِ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْهَا ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ مَا سَقَطَ بِقَطْعِ الْإِصْبَعِ الرَّابِعِ عَشَرَةٌ مِنْ الْوَاجِبِ لَا تَأْثِيرُ الْقَطْعِ فِي إيجَابِ الْأَرْشِ لَا فِي إسْقَاطِهِ فَهَذَا شَيْءٌ يُحِيلُهُ الْعَقْلُ وَقَوْلُ سَعِيدٍ إنَّهُ السُّنَّةُ مُحْتَمَلٌ يَجُوزُ أَنَّهُ أَرَادَ سُنَّةَ نَفْسِهِ أَوْ سَنَةَ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃؛ لِأَنَّ التَّأَمُّلَ فِي الدِّينِ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ اسْتِنْبَاطِ مَعْنًى طَرِيقَةٌ حَسَنَةٌ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السُّنَّةِ كَمَا يُقَالُ سُنَّةُ الْعُمَرَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا كَيْفَ وَقَدْ أَفْتَى كِبَارُ الصَّحَابَةِ مِثْلُ عَلِيٍّ وَعُمَرَ ﵄ بِخِلَافِهِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ إنَّ مَا رُوِيَ نَادِرٌ مِثْلُ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي يُحِيلُهُ عَقْلُ كُلِّ عَاقِلٍ

стр. 626

وَقَالَ فِي ذَلِكَ فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَعِنْدَنَا هِيَ مُطْلَقَةٌ لَا قَيْدَ فِيهَا فَلَا يُقَيَّدُ بِلَا دَلِيلٍ وَكَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ سُنَّةُ الْعُمَرَيْنِ وَالسُّنَنُ نَوْعَانِ سُنَّةُ الْهُدَى وَتَارِكُهَا يَسْتَوْجِبُ إسَاءَةً وَكَرَاهِيَةً وَالزَّوَائِدِ وَتَارِكُهَا لَا يَسْتَوْجِبُ إسَاءَةً كَسِيَرِ النَّبِيِّ ﵇ فِي لِبَاسِهِ وَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُ بَابِ الْأَذَانِ كِتَابُ الصَّلَاةِ اخْتَلَفَتْ فَقِيلَ مَرَّةً يُكْرَهُ وَمَرَّةً أَسَاءَ وَمَرَّةً لَا بَأْسَ بِهِ لِمَا قُلْنَا، وَإِذَا قِيلَ يُعِيدُ فَذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْوُجُوبِ ــ [كشف الأسرار] لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالشَّاذِّ النَّادِرِ. وَقَالَ ذَلِكَ فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ. يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يُقْتَلُ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ﵃ أَنَّهُمَا قَالَا مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَالسُّنَّةُ تُحْمَلُ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَقُلْنَا لَمَّا كَانَ هَذَا اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. وَمَنْ قَالَ مِنْ مَشَايِخِنَا: إنَّ مُطْلَقَ السُّنَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ ﵇ أَجَابَ. عَنْ قَوْلِ سَعِيدٍ بِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ طَرِيقَةُ الْغَيْرِ، وَقَدْ قَامَ هَاهُنَا فَإِنَّ أَهْلَ النَّفْلِ خَرَّجُوهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ كَذَا قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمَبْسُوطِ فَقِيلَ وَقَوْلُ سَعِيدٍ إنَّهُ السُّنَّةُ يَعْنِي سُنَّةَ زَيْدٍ. وَعَنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّيِّدِ إذَا قَتَلَ عَبْدَهُ فَقَدْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ ﵇. «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» . فَقَالَا ذَلِكَ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ مِنْهُمْ يُقْتَلُ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (سُنَّةُ الْهُدَى) يَعْنِي سُنَّةً أَخَذَهَا مِنْ تَكْمِيلِ الْهُدَى أَيْ الدِّينِ، وَهِيَ الَّتِي تَعَلَّقَ بِتَرْكِهَا كَرَاهِيَةٌ أَوْ إسَاءَةٌ. وَالْإِسَاءَةُ دُونَ الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ مِثْلُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ. وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي بَعْضِهَا إنَّهُ يَصِيرُ مُسِيئًا فِي بَعْضِهَا إنَّهُ يَأْثَمُ، وَفِي بَعْضِهَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَهِيَ سُنَّةُ الْفَجْرِ، وَلَكِنْ لَا يُعَاقَبُ بِتَرْكِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ، وَلَا وَاجِبَةٍ. وَالزَّوَائِدُ أَيْ وَالنَّوْعُ الثَّانِي الزَّوَائِدُ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهَا كَرَاهَةٌ، وَلَا إسَاءَةٌ نَحْوُ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَتَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرِ أَفْعَالِهِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي الصَّلَاةِ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَأَفْعَالِهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ مِنْ الْمَشْيِ وَاللُّبْسِ وَالْأَكْلِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يُطَالَبُ بِإِقَامَتِهَا، وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا، وَلَا يَصِيرُ مُسِيئًا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كَذَا فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ. وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ قَالَ مَكْحُولٌ: السُّنَّةُ سُنَّتَانِ سُنَّةٌ أَخْذُهَا هُدًى وَتَرْكُهَا لَا بَأْسَ بِهِ كَالسُّنَنِ الَّتِي لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَسُنَّةٌ أَخْذُهَا هُدًى وَتَرْكُهَا ضَلَالَةٌ كَالْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ. وَعَلَى هَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: إذَا أَصَرَّ أَهْلُ مِصْرٍ عَلَى تَرْكِ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ أُمِرُوا بِهِمَا فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا عَلَى ذَلِكَ بِالسِّلَاحِ كَمَا يُقَاتَلُونَ عِنْدَ الْإِصْرَارِ عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ الْمُقَاتَلَةُ بِالسِّلَاحِ عِنْدَ تَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ فَأَمَّا السُّنَنُ فَإِنَّمَا يُؤَدَّبُونَ عَلَى تَرْكِهَا، وَلَا يُقَاتَلُونَ عَلَى ذَلِكَ لِيَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ. وَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ مَا كَانَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ فَالْإِصْرَارُ عَلَى تَرْكِهِ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ فَيُقَاتَلُونَ عَلَى ذَلِكَ لِهَذَا. وَعَلَى هَذَا أَيْ عَلَى أَنَّ السُّنَنَ نَوْعَانِ اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ مَسَائِلِ بَابِ الْآذَانِ فَقِيلَ مَرَّةً يُكْرَهُ، وَمَرَّةً أَسَاءَ، وَمَرَّةً لَا بَأْسَ لِمَا قُلْنَا أَنَّ تَرْكَ مَا هُوَ مِنْ سُنَنِ الْهَدْيِ يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ وَالْإِسَاءَةَ، وَتَرْكُ مَا هُوَ مِنْ السُّنَنِ الزَّوَائِدِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْهُمَا. وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ الْآذَانُ قَاعِدًا لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَا أَنَّ الْمَلَكَ قَامَ عَلَى جِذْمِ حَائِطٍ أَيْ أَصْلِهِ. وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْآذَانِ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ. وَيُكْرَهُ تَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَإِنْ صَلَّى أَهْلُ الْمِصْرِ بِجَمَاعَةٍ بِغَيْرِ آذَانٍ، وَلَا إقَامَةٍ فَقَدْ أَسَاءُوا لِتَرْكِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ.، وَإِنْ صَلَّيْنَ يَعْنِي النِّسَاءَ بِآذَانٍ وَإِقَامَةٍ جَازَتْ صَلَاتُهُنَّ مَعَ الْإِسَاءَةِ فَالْإِسَاءَةُ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالتَّعْرِيضِ لِلْفِتْنَةِ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤَذِّنَ رَجُلٌ وَيُقِيمَ آخَرُ

стр. 627

وَأَمَّا النَّفَلُ فَمَا يُثَابُ الْمَرْءُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقَصْرِ مِنْ صَلَاةِ السَّفَرِ نَفْلٌ، وَالنَّفَلُ شَرْعٌ دَائِمًا فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ مِنْ الْعَزَائِمِ وَلِذَلِكَ صَحَّ قَاعِدًا وَرَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ مَا شُرِعَ بِلَازِمِ الْعَجْزِ لَا مَحَالَةَ فَلَازِمُ الْيُسْرِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ جِنْسِ الرُّخَصِ ــ [كشف الأسرار] لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَرَ مَقْصُودَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلٌ آخَرُ، وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَيُعَادُ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ، وَهُوَ إعْلَامُ النَّاسِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يَحْصُلْ وَيُعَادُ آذَانُ الْجُنُبِ، وَكَذَا آذَانُ الْمَرْأَةِ فَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمْثَالُهُ يُخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْلِ ١ - قَوْلُهُ (وَأَمَّا النَّفَلُ فَمَا يُثَابُ الْمَرْءُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ) عَرَّفَ النَّفَلَ بِبَيَانِ حُكْمِهِ إذْ الْمَذْكُورُ حُكْمُ النَّفْلِ وَلِهَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَحُكْمُ النَّفْلِ شَرْعًا أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ نَوَافِلُ الْعِبَادَاتِ هِيَ الَّتِي يَبْتَدِئُ بِهَا الْعَبْدُ زِيَادَةً عَلَى الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ، وَحُكْمُهَا أَنْ يُثَابَ الْعَبْدُ عَلَى فِعْلِهَا، وَلَا يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهَا؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ زِيَادَةً لَهُ لَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ السُّنَّةِ فَإِنَّهَا طَرِيقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنْ حَيْثُ سَبِيلُهَا الْإِحْيَاءُ كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا فَعُوتِبْنَا عَلَى تَرْكِهَا. وَلِذَلِكَ أَيْ، وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّفَلَ كَذَا قُلْنَا أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقَصْرِ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ، وَهُوَ الشَّفْعُ الثَّانِي نَفْلٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ رَأْسًا، وَأَصْلًا وَيُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ نَفْلٌ لَا يَصِحُّ خَلْطُهُ بِالْفَرْضِ كَمَا فِي الْفَجْرِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ صَوْمُ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ ثُمَّ إنَّهُ لَوْ أَدَّاهُ يَقَعُ فَرْضًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّرْكِ، وَهُوَ التَّرْكُ مُطْلَقًا وَصَوْمُ الْمُسَافِرِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ فِي الْجُمْلَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّوْمِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ فَلَمْ يَكُنْ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ نَفْلًا. وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْآيَةِ أَوْ الثَّلَاثِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ أَنَّهَا تَقَعُ فَرْضًا.؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا وَتَحَقُّقِهَا كَانَتْ فَرْضًا بَلْ هِيَ كَانَتْ نَفْلًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ الْإِتْيَانُ بِهَا، وَلِذَلِكَ اسْتَقَامَ عَلَيْهَا حَدُّ النَّفْلِ، وَلَكِنَّهَا انْقَلَبَتْ فَرْضًا بَعْدَ وُجُودِهَا لِدُخُولِهَا تَحْتَ مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَعُمُومِهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] . كَانْقِلَابِ الْيَمِينِ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ بَعْدَ فَوَاتِ الْبِرِّ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّافِلَةَ تَصِيرُ فَرْضًا بِالشُّرُوعِ حَتَّى لَوْ أَفْسَدَهَا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَكَذَا الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْضًا بَعْدَ الْوُجُودِ لِتَنَاوُلِ الْأَمْرِ إيَّاهَا فَإِنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْأَدْنَى، وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى مَا فَوْقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِقْدَارُهُ مَعْلُومًا فِي نَفْسِهِ فَإِذَا أَتَى بِهِ فَقَدْ صَارَ مِقْدَارًا مَعْلُومًا فَأَمْكَنَ صَرْفُ الْأَمْرِ إلَيْهِ كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ. فَأَمَّا الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ فَيَتَنَاوَلُ أَفْعَالًا مُقَدَّرَةً فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ بِحَالٍ فَلَا تَقَعُ فَرْضًا. وَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ مِنْ الْعَزَائِمِ أَيْ؛ وَلِأَنَّ النَّفَلَ شَرْعٌ دَائِمًا جَعَلْنَاهُ مِنْ الْعَزَائِمِ؛ لِأَنَّ دَوَامَ شَرْعِيَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى وَكَادَتِهِ وَأَصَالَتِهِ، إذْ لَوْ بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ لَشُرِعَ فِي وَقْتِ الْعُذْرِ لَا دَائِمًا. وَلَا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ شَرْعٌ دَائِمًا لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ.؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ مَشْرُوعٌ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَعَ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ حَتَّى لَوْ شُرِعَ فِيهِ، وَأَفْسَدَهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلِذَا صَحَّ قَاعِدًا أَيْ وَلِأَجْلِ أَنَّهُ شَرْعٌ دَائِمًا صَحَّ أَدَاؤُهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ. لَوْ رَاكِبًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ بِالْإِيمَاءِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي شُرِعَ، وَهُوَ وَصْفُ الدَّوَامِ يُلَازِمُ الْعَجْزَ وَالْحَرَجَ فَلَا يُمْكِنُ إقَامَتُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ قَائِمًا؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ الْحَوَادِثُ مِنْ الْمَرَضِ وَالضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ إلَى الرُّكُوبِ وَنَحْوِهَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ تُعْتَبَرُ هَذِهِ

стр. 628

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَمَّا شُرِعَ النَّفَلُ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ وَجَبَ أَنْ يَبْقَى كَذَلِكَ غَيْرَ لَازِمٍ وَقَدْ غَيَّرْتُمْ أَنْتُمْ وَقُلْتُ إنَّ مَا لَمْ يُفْعَلْ بَعْدُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ فَبَطَلَ الْمُؤَدَّى حُكِمَ لَهُ كَالْمَظْنُونِ ــ [كشف الأسرار] الْعَوَارِضُ فِي الْحَالِ إذْ لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ الْعَوَارِضُ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ فَلِذَلِكَ جَوَّزْنَا الْأَدَاءَ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ نَشِطَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاكِبًا. وَهَذَا الْقَدْرُ أَيْ شَرْعِيَّةُ الْأَدَاءِ قَاعِدًا أَوْ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ جِنْسِ الرُّخَصِ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ قُدِّرَ مَوْجُودًا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَكَانَ شَرْعِيَّتُهُ بِنَاءً عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ شُبْهَةٌ بِالرُّخْصَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَكَأَنَّهُ أَخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْ سَائِرِ أَقْسَامِ الْعَزَائِمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ عَزِيمَةً قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) إلَى آخِرِهِ إذَا شَرَعَ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ أَوْ فِي صَوْمِ النَّفْلِ يُؤَاخَذُ بِالْمُضِيِّ فِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَمْضِ يُؤَاخَذُ بِالْقَضَاءِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يُؤَاخَذُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ النَّفَلَ لِلشَّرْعِ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ، وَهُوَ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ حَتَّى يُثَابَ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ وَجَبَ أَنْ يَبْقَى كَذَلِكَ بَعْدَ الشُّرُوعِ. وَلَا يَصِيرُ لَازِمًا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ لَا يَتَغَيَّرُ بِالشُّرُوعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ نَفْلٌ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَلِهَذَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ النَّفْلِ، وَلَوْ أَتَمَّهُ كَانَ مُؤَدِّيًا لِلنَّفْلِ لَا مُسْقِطًا لِلْوَاجِبِ، وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ وَيُبَاحُ الْإِفْطَارُ بِعُذْرِ الضِّيَافَةِ، وَلَوْ صَارَ فَرْضًا لَمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ. وَإِذَا كَانَ نَفْلًا حَقِيقَةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا فِي الْبَاقِي كَمَا كَانَ مُخَيَّرًا فِي الِابْتِدَاءِ تَحْقِيقًا لِلنَّفْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ آخِرَهُ مِنْ جِنْسِ أَوَّلِهِ. وَقَدْ غَيَّرْتُمْ أَنْتُمْ حَيْثُ قُلْتُمْ بِاللُّزُومِ فِي الْبَاقِي. وَقُلْتُ أَنَا إنَّ مَا لَمْ نَفْعَلْ بَعْدُ أَيْ بَعْدَ مَا أَدَّى جُزْءًا مِنْهُ. وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ أَيْ فِيمَا لَمْ يُؤَدِّ؛ لِأَنَّهُ نَفْلٌ فَيَكُونُ عَلَى وَفْقِ الِابْتِدَاءِ فَمَنْ أَخْرَجَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لِلتَّصَدُّقِ نَفْلًا فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ وَسَلَّمَ كَانَ بِالْخِيَارِ فِي الْبَاقِي، وَكَذَا إذَا تَصَدَّقَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ كَانَ الْخِيَارُ فِي التَّسْلِيمِ فَكَذَا إذَا صَلَّى رَكْعَةً كَانَ بِالْخِيَارِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى. وَإِذَا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي وَحَلَّ لَهُ تَرْكُ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ يَبْطُلُ الْمُؤَدَّى ضِمْنًا لَهُ وَتَبَعًا لِتَرْكِ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ إبْطَالًا حُكْمًا كَمُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ لَا يَحِلُّ لَهُ إبْطَالُهَا لَكِنْ يَحِلُّ لَهُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ ثُمَّ الظُّهْرِ يَبْطُلُ حُكْمًا لِمَا جُعِلَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَحَلَّ لَهُ، وَكَمَنْ أَحْرَقَ حَصَائِدَ أَرْضِ نَفْسِهِ فَاحْتَرَقَ زَرْعُ جَارِهِ أَوْ سَقَى نَفْسَهُ فَنَزَّتْ أَرْضُ جَارِهِ لَا يُجْعَلُ ذَلِكَ إتْلَافًا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ تَبَعًا لِمَا هُوَ حَلَالٌ لَهُ. وَلَمَّا كَانَ بُطْلَانُ الْمُؤَدَّى أَمْرًا حُكْمِيًّا لَا بِصُنْعِهِ لَا يَضْمَنُ بِالْقَضَاءِ كَالْمَظْنُونِ، وَهُوَ مَا إذَا شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ يَصِيرُ شَارِعًا فِي النَّفْلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ أَفْسَدَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَدَاءِ، وَإِنَّ الْبُطْلَانَ ضِمْنِيٌّ فَكَذَا هَاهُنَا. وَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ بِالْقَوْلِ، وَلَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ فَإِذَا أَتَى بِكَلِمَةِ الِالْتِزَامِ لَزِمَهُ، وَأَمَّا الشُّرُوعُ فَلَيْسَ بِالْتِزَامٍ بَلْ هُوَ أَدَاءُ بَعْضِ الْعِبَادَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا بَقِيَ الْتِزَامٌ فَلَا يَلْزَمُهُ. وَنَظِيرُهُ الْكَفَالَةُ مَعَ الْفَرْضِ أَوْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْكَفِيلَ لَمَّا الْتَزَمَ بِالْقَوْلِ فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ فَأَمَّا الْمُقْرِضُ وَالْمُتَصَدِّقُ فَلَا يَلْتَزِمُ بِالْقَوْلِ، وَلَكِنْ شُرِعَ فِي الْإِعْطَاءِ فَبِقَدْرِ مَا أَدَّى يَصِحُّ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يُعْطِ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَوْ نَذَرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ شَرَعَ يَنْوِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَا يَلْزَمُهُ. وَلَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ قَائِمًا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ، وَلَوْ شَرَعَ قَائِمًا لَا يَلْزَمُهُ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ يَلْزَمُهُ عِنْدَكُمْ، وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ أَدَاءٌ بِالْفِعْلِ وَالنَّذْرُ إيجَابٌ فِي الذِّمَّةِ بِالْقَوْلِ ثُمَّ فِي النَّذْرِ يَلْزَمُهُ بِقَدْرِ مَا سَمَّى فَكَذَلِكَ بِالشُّرُوعِ يَلْزَمُهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَمَا لَمْ يُؤَدِّهِ لَا يَلْزَمُهُ كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يُسَمِّهِ بِالنَّذْرِ لَا يَلْزَمُهُ. فَبَطَلَ الْمُؤَدَّى يَعْنِي عِنْدَ الِامْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الْبَاقِي. حُكْمًا لَهُ أَيْ لِلِامْتِنَاعِ

стр. 629

وَقُلْنَا نَحْنُ إنَّ مَا أَدَّاهُ فَقَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ مُسْلَمًا إلَيْهِ وَحَقُّ غَيْرِهِ مُحْتَرَمٌ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إتْلَافُهُ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ إلَّا بِالْإِلْزَامِ الْبَاقِي، وَهُمَا أَمْرَانِ مُتَعَارِضَانِ أَعْنِي الْمُؤَدِّيَ وَغَيْرَ الْمُؤَدِّي فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ لِمَا قُلْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ ــ [كشف الأسرار] الثَّابِتِ بِالتَّخْيِيرِ قَوْلُهُ (وَقُلْنَا نَحْنُ إنْ أَدَّاهُ فَقَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ) يَعْنِي صَارَ عِبَادَةً لِلَّهِ تَعَالَى مُسْلِمًا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ، وَأَدَّى جُزْءًا مِنْهُ فَقَدْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَصَارَ الْعَمَلُ لِلَّهِ تَعَالَى حَقًّا لَهُ بِالنَّصِّ وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ كَانَ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ. وَحَقُّ غَيْرِهِ مُحْتَرَمٌ أَيْ حَرَامُ التَّعَرُّضِ بِالْإِفْسَادِ وَمَضْمُونٌ عَلَيْهِ إتْلَافُهُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَوَجَبَ صِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ احْتِرَازًا عَنْ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ وَوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ أَيْ إلَى حِفْظِهِ وَصِيَانَتِهِ أَوْ إلَى كَوْنِهِ مَضْمُونًا إلَّا بِإِلْزَامِ الْبَاقِي، وَهُمَا أَمْرَانِ مُتَعَارِضَانِ أَعْنِي الْمُؤَدَّى وَغَيْرَ الْمُؤَدَّى يَعْنِي لَوْ نَظَرَ إلَى الْمُؤَدَّى يَلْزَمُ إلْزَامُ الْبَاقِي صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْبُطْلَانِ، وَلَوْ نَظَرَ إلَى غَيْرِ الْمُؤَدَّى نَفْسِهِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَاتِهِ نَفْلٌ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ. فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ لِمَا قُلْنَا اللَّامُ لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ بَلْ هِيَ صِلَةُ التَّرْجِيحِ أَيْ وَجَبَ تَرْجِيحُ مَا قُلْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُؤَدَّى صَارَ عِبَادَةً لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا شَرَعَ فِيهِ عِبَادَةُ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ، وَهِيَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ فَلَا يَكُونُ الْمَوْجُودُ طَاعَةً إلَّا بِانْضِمَامِ الْبَاقِي إلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَاعَةً لَا يَحْرُمُ إبْطَالُهُ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهُ عِبَادَةً فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَدَاءَ الْبَاقِي شَرْطٌ لِبَقَائِهِ عِبَادَةً؛ لِأَنَّهُ عَرْضٌ يَسْتَحِيلُ بَقَاؤُهُ فَكَمَا وُجِدَ انْقَضَى وَعُدِمَ، وَلَا تَصَوُّرَ لِلْغَيْرِ بَعْدَ الْعَدَمِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُؤَدَّى بِاعْتِرَاضِ الْمَوْتِ لَا يُخْرَجُ عَنْ كَوْنِهِ عِبَادَةً حَتَّى يَنَالَ بِهِ الثَّوَابَ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَلَوْ كَانَ أَدَاءُ الْبَاقِي شَرْطًا لِبَقَائِهِ عِبَادَةً لَبَطَلَ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ أَدَاءَ الْبَاقِي لَوْ جُعِلَ شَرْطًا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْمُؤَدَّى عِبَادَةً أَوْ لِبَقَائِهِ عِبَادَةً فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ فَالِامْتِنَاعُ عَنْ مُبَاشَرَةِ شَرْطِ الِانْعِقَادِ لَا يُعَدُّ إبْطَالًا، وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي فَهُوَ خِلَافُ الْمَعْقُولِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْعَقَدَ عِبَادَةً بِدُونِ الْبَاقِي فَلَأَنْ يَبْقَى بِدُونِهِ كَانَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَ الْبَاقِي شَرْطٌ لِبَقَائِهِ عِبَادَةً فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ أَدَاءِ الْبَاقِي إبْطَالٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِبْطَالَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِمُصَادَفَةِ الْفِعْلِ وَذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ الْأَفْعَالِ مُحَالٌ، وَلَكِنَّهُ إذَا امْتَنَعَ فَاتَ وَصْفُ الْعِبَادَةِ عَنْ الْمُؤَدَّى فَلَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّظَائِرِ. قُلْنَا نَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ الْمُؤَدَّى صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ فِي الْحَالِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ هُوَ أَفْعَالُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَصِيرُ مَعَ غَيْرِهِ صَوْمًا تَامًّا شَرْعِيًّا فَكَانَ لَهُ عَرْضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً بِضَمِّ الْغَيْرِ إلَيْهِ فَيَكُونُ الْمُؤَدِّي مُتَقَرِّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْفِعْلِ فَيَكُونُ عِبَادَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جُزْءٌ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ لَا حُكْمَ لَهُ بِدُونِ الْأَجْزَاءِ الْأُخَرِ ضَرُورَةَ ثُبُوتِ الِاتِّحَادِ فَكَانَ كُلُّ جُزْءٍ عِبَادَةً مُتَعَلِّقَةً بِمَا قَبْلَهُ وَبِمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَجْزَاءِ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّعَلُّقِ لِضَرُورَةِ الِاتِّحَادِ فَجَعْلُ هَذَا الْجُزْءِ عِبَادَةً وَجَعْلُ كُلِّ جُزْءٍ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ شَرْطًا لِانْعِقَادِهِ عِبَادَةً وَكُلُّ جُزْءٍ يُوجَدُ بَعْدَهُ شَرْطٌ لِبَقَائِهِ عَلَى وَصْفِ الْعِبَادَةِ. فَانْعَقَدَ الْجُزْءُ الْمُتَقَدِّمُ عِبَادَةً وَجُعِلَ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْأَجْزَاءِ الَّتِي بَعْدَهُ عِبَادَةً وَانْعَقَدَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ عِبَادَةً وَجُعِلَ شَرْطًا لِبَقَاءِ الْأَجْزَاءِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ عَلَى وَصْفِ الْعِبَادَةِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمُتَوَسِّطَةِ انْعَقَدَ عِبَادَةً، وَكَانَ شَرْطًا لِبَقَاءِ مَا تَقَدَّمَهُ عَلَى وَصْفِ الْعِبَادَةِ وَشَرْطًا لِانْعِقَادِ مَا تَعَقَّبَهُ عِبَادَةً فَقُلْنَا هَكَذَا عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ بَعْدَ الْعَدَمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: ١٧] . وَقَالَ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] . وَلَا يُرَدُّ النَّهْيُ إلَّا عَمَّا يُتَصَوَّرُ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَيْضًا أَنَّ بِالرِّدَّةِ تَبْطُلُ الْأَعْمَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ لَهَا حُكْمُ التَّمَامِ وَالْفَرَاغِ، وَلَمَّا كَانَ الْخَتْمُ عَلَى الْإِيمَانِ شَرْطًا لِبَقَاءِ مَا مَضَى فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ

стр. 630

وَهُوَ كَالنَّذْرِ صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى تَسْمِيَةً لَا فِعْلًا ثُمَّ وَجَبَ لِصِيَانَتِهِ ابْتِدَاءً الْفِعْلُ فَلَأَنْ يَجِبَ لِصِيَانَةِ ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ بَقَاؤُهُ أَوْلَى وَالسُّنَنُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ــ [كشف الأسرار] الْجُزْءِ الْمُتَعَقِّبِ شَرْطًا لِبَقَاءِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى وَصْفِ الْعِبَادَةِ.، وَأَمَّا فِي اعْتِرَاضِ الْمَوْتِ فَجُعِلَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّ الْيَوْمَ فِي حَقِّهِ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا الْقَدْرُ، وَإِنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً إلَّا هَذَا الْقَدْرُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى هَكَذَا جَعَلَ فِي فَضْلِ الْمُهَاجِرِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْهِجْرَةِ مِنْ تَأَيُّدِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ وَالتَّقَوِّي عَلَى الذَّبِّ عَنْ الْجُوَرَةِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْتَ مِنْهُ لَا مُبْطِلَ عَلَى مَا عُرِفَ. وَقَوْلُهُمْ انْعَقَدَ عِبَادَةً بِدُونِ الْبَاقِي فَبَقِيَ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ يُنْتَقَضُ بِقَبْضِ بَدَلَيْ الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلْبَقَاءِ دُونَ الِابْتِدَاءِ. وَقَوْلُهُمْ الِامْتِنَاعُ عَنْ أَدَاءِ الْبَاقِي لَيْسَ بِإِبْطَالٍ قُلْنَا لَمَّا أَتَى بِمَا يُنَاقِضُ الْعِبَادَةَ فَسَدَتْ الْأَجْزَاءُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَلَمْ يُوجَدْ سِوَى فِعْلِهِ وَوَجْهُ الْفَسَادِ لَا مَحَالَةَ عِنْدَ هَذَا الْفِعْلِ فَجُعِلَ مُفْسِدًا؛ لِأَنَّ الْإِفْسَادَ فِعْلٌ يَحْصُلُ بِهِ الْفَسَادُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يُضَافَ الْمَحَلُّ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الْفَسَادُ كَمَنْ قَطَعَ حَبْلًا مَمْلُوكًا عَلَّقَ بِهِ قِنْدِيلَ غَيْرِهِ فَسَقَطَ الْقِنْدِيلُ وَانْكَسَرَ جُعِلَ مُتْلِفًا لَهُ حَقِيقَةً وَشَرْعًا، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ فِعْلُهُ الْقِنْدِيلَ. وَكَذَا شَقُّ زِقِّ نَفْسِهِ فِيهِ مَائِعٌ لِغَيْرِهِ. وَمَسْأَلَتُنَا إحْرَاقُ الْحَصَائِدِ وَسَقْيُ الْأَرْضِ لَا تَلْزَمَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى فِعْلِهِ بَلْ إلَى رَخَاوَةِ الْأَرْضِ، وَهُبُوبِ الرِّيحِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَصِلُ عَنْ فِعْلِهِ عَنْ الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ الْفَسَادُ لَا مَحَالَةَ بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ أَرْضُهُ أَوْ كَانَ الْإِحْرَاقُ فِي يَوْمِ رِيحٍ لَأُضِيفَ إلَيْهِ فَيَضْمَنُ مَا فَسَدَ مِنْ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ. وَأَمَّا مُصَلِّي الظُّهْرِ إذَا رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ فَنَقُولُ هُوَ مُبْطِلٌ لِصِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ وَنَقَضَ لِيُؤَدِّيَ أَحْسَنَ مِنْهُ وَالْهَادِمُ لِيَبْنِيَ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ لَا يُعَدُّ هَادِمًا كَهَادِمِ الْمَسْجِدِ لِيَبْنِيَ أَحْسَنَ مِنْهُ لَا يُعَدُّ سَاعِيًا فِي خَرَابِهِ. وَصَارَ حَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ مَا أَدَّى يُوجِبُ عَلَيْهِ حِفْظَ الْمُؤَدَّى، وَطَرِيقُ حِفْظِهِ أَدَاءُ الْبَاقِي فَصَارَ الشُّرُوعُ مُوجِبَ أَدَاءِ الْبَاقِي بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ وَكُلُّ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ يَجِبُ أَدَاؤُهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ إذَا فَسَدَ قَوْلُهُ (وَهُوَ كَالنَّذْرِ) . ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِالنَّذْرِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَقَالَ، وَهُوَ أَيْ الْجُزْءُ الْمُؤَدَّى بِمَنْزِلَةِ الْمَنْذُورِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى. أَمَّا الْمُؤَدَّى فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ وَقَعَ لِلَّهِ تَعَالَى مُسَلَّمًا إلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَنْذُورُ فَلِأَنَّهُ جُعِلَ لِلَّهِ تَعَالَى تَسْمِيَةً، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا وَقَعَ لِلَّهِ تَعَالَى فِعْلًا أَقْوَى مِمَّا صَارَ لَهُ تَسْمِيَةً؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَعْدِ، وَأَنَّ إيجَابَ ابْتِدَاءِ الْفِعْلِ أَقْوَى مِنْ إيجَابِ بَقَائِهِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ ثُمَّ وَجَبَ لِصِيَانَةِ أَدْنَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ التَّسْمِيَةُ مَا هُوَ أَقْوَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ فَلَأَنْ يَجِبَ لِصِيَانَةِ مَا هُوَ أَقْوَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ أَدْنَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ إيفَاءُ الْفِعْلِ، وَإِتْمَامُهُ كَانَ أَوْلَى. وَمَا ذَكَرَ الْخَصْمُ أَنَّ النَّذْرَ وَالشُّرُوعَ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ وَالْإِقْرَاضِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ، وَإِنْ كَانَتْ كَالنَّذْرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الْتَزَمَ فَالشُّرُوعُ لَيْسَ كَالْإِقْرَاضِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَاضَ أَوْ التَّصَدُّقَ تَبَرُّعٌ بِالْعَيْنِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ دَفْعُ حَاجَةِ الْمُسْتَقْرِضِ أَوْ الْفَقِيرِ فَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ قَبْلَ التَّسْلِيمِ نَظِيرَ الصَّلَاةِ فِي النِّيَّةِ وَالتَّطَهُّرِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. فَأَمَّا الْمَقْصُودُ فِي الْبَدَنِيَّاتِ فَعَمَلٌ يُسْتَوْفَى وَقَدْ حَصَلَ الْبَعْضُ مِنْهُ فَكَانَ كَبَعْضِ الْمَالِ الْمُسْلَمِ إلَى الْفَقِيرِ أَوْ الْمُسْتَقْرِضِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ مُسْلَمًا إلَيْهِ ثُمَّ إذَا تَصَدَّقَ

стр. 631

وَأَمَّا الرُّخَصُ فَأَرْبَعَةٌ نَوْعَانِ مِنْ الْحَقِيقَةِ أَحَدُهُمَا أَحَقُّ مِنْ الْآخَرِ وَنَوْعَانِ مِنْ الْمَجَازِ أَحَدُهُمَا أَتَمُّ مِنْ الْآخَرِ أَمَّا أَحَقُّ نَوْعَيْ الْحَقِيقَةِ فَمَا اُسْتُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَقِيَامُ حُكْمِهِ جَمِيعًا فَهُوَ الْكَامِلُ فِي الرُّخْصَةِ مِثْلُ الْمُكْرَهِ عَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ إجْرَاؤُهَا وَالْعَزِيمَةُ فِي الصَّبْرِ حَتَّى يُقْتَلَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ قَائِمَةٌ لِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِيمَانِ لَكِنَّهُ رُخِّصَ لِعُذْرٍ، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ يَفُوتُ بِالْقَتْلِ صُورَةً وَمَعْنًى وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَفُوتُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بَاقٍ وَلَا يَفُوتُ صُورَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ قَدْ صَحَّ، وَلَيْسَ التَّكْرَارُ رُكْنًا لَكِنْ فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ هَتْكٌ لِحَقِّهِ ظَاهِرًا فَكَانَ لَهُ تَقْدِيمُ حَقِّ نَفْسِهِ كَرَامَةً مِنْ اللَّهِ، وَإِنْ شَاءَ بَذَلَ نَفْسَهُ حِسْبَةً فِي دِينِهِ لِإِقَامَةِ حَقِّهِ فَهَذَا مَشْرُوعٌ قُرْبَةً فَبَقِيَ عَزِيمَةً وَصَارَ بِهَا مُجَاهِدًا ــ [كشف الأسرار] بِبَعْضِ الْمَالِ لَزِمَهُ أَنْ لَا يُبْطِلَهُ بِالرُّجُوعِ فَكَذَا إذَا أَتَى بِبَعْضِ الْعَمَلِ وَصَارَ مُسْلَمًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَزِمَهُ أَنْ لَا يُبْطِلَهُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الْبَاقِي، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَدْرَ الْمَوْجُودَ مِنْ الصَّدَقَةِ يَبْقَى صَدَقَةً بِدُونِ مَا لَمْ يُوجَدْ، وَالْقَدْرُ الْمَوْجُودُ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا يَبْقَى قُرْبَةً بِدُونِ الْبَاقِي فَيَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ هَاهُنَا، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الصَّدَقَةِ. فَأَمَّا إبَاحَةُ الْإِفْطَارِ بِعُذْرِ الضِّيَافَةِ فَرَخَّصَهُ مَعَ بَقَاءِ الْحَظْرِ وَلِذَا كَانَ الِامْتِنَاعُ أَفْضَلَ وَذَلِكَ كَمَنْ صَلَّى الْفَرْضَ وَرَأَى بِقُرْبِهِ صَبِيًّا كَادَ يَحْتَرِقُ أَوْ يَغْرَقُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِنْقَاذِ أُبِيحَ لَهُ قَطْعُ الْفَرْضِ وَاسْتِنْقَاذُ الصَّبِيِّ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلصَّبِيِّ عَنْ الْهَلَاكِ، وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يُرَخَّصُ لَهُ الْإِفْطَارُ احْتِرَازًا عَنْ أَذَى الْمُسْلِمِ، وَصِحَّةُ الْخَلْوَةِ مَمْنُوعَةٌ أَيْضًا بَلْ هِيَ فَاسِدَةٌ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ فِي طَرِيقَتِهِ. وَأَمَّا الشُّرُوعُ فِي النَّفْلِ قَائِمًا، وَإِتْمَامُهُ قَاعِدًا أَوْ نِيَّةُ الْأَرْبَعِ مَعَ التَّسْلِيمِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَفَارَقَا النَّذْرَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَا وَرَاءَ الرَّكْعَتَيْنِ وَصِفَةُ الْقِيَامِ لَيْسَا بِشَرْطَيْنِ لِبَقَاءِ الْمُؤَدَّى عِبَادَةً وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّ وُجُوبَ الْبَاقِي لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ صِيَانَةُ الْمُؤَدَّى لَا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ، وَإِبَاحَةَ الْإِفْطَارِ بِعُذْرِ الضِّيَافَةِ وَاقْتِدَاءَهُ بِالْمُتَنَفِّلِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ نَفْلٌ. وَأَمَّا فَضْلُ الْمَظْنُونِ فَالْقِيَاسُ فِيهِ مَا قَالَهُ زُفَرُ ﵀؛ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى انْعَقَدَ عِبَادَةً فَيَجِبُ صِيَانَتُهَا بِالْمُضِيِّ فِيهِ إلَّا عُلَمَاءَنَا اسْتَحْسَنُوا وَقَالُوا إنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الشُّرُوعُ صَادَفَ الْوَاجِبَ فَيَلْغُو؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَتَكَرَّرُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ ظُهْرُ الْيَوْمِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا عِنْدَهُ لَا بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ عِنْدَهُ أَنَّهُ شَرَعَ فِي الْوَاجِبِ فَكَانَ كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ أَوْ صَوْمِ الْقَضَاءِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَا يَجِبُ بِهَذَا الشُّرُوعِ وَالْإِفْسَادِ شَيْءٌ فَكَذَا هَذَا. وَنَحْنُ لَا نَقُولُ إنَّ جَمِيعَ الْقُرَبِ يَلْزَمُ حِفْظُهَا وَيَضْمَنُ بِإِفْسَادِهَا بَلْ يَجِبُ عِبَادَةُ نَفْلٍ الْتَزَمَهَا وَحَصَّلَهَا بِاخْتِيَارِهِ، وَهَذِهِ الْقُرْبَةُ حَصَلَتْ لَهُ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَإِذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا لِلْعُهْدَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ صِيَانَتُهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ فِعْلُهُ عِبَادَةً أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي قَصَدَ إلَيْهِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَالنَّفَلُ لَا يَنْعَقِدُ قُرْبَةً بِدُونِ الْقَصْدِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ نَفْلًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِ نَظَرًا لَهُ فَجَعَلَهُ مُنْعَقِدًا فِيمَا لَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَتَمَّهُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلثَّوَابِ، وَلَا يُجْعَلُ مُنْعَقِدًا فِيمَا لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ وُجُوبُ الصِّيَانَةِ عَلَيْهِ. وَهُوَ كَالْقُرَبِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لَمَّا شُرِعَتْ نَظَرًا لَهُ تُجْعَلُ مَشْرُوعَةً فِيمَا لَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ الصِّحَّةُ بَعْدَ الْأَدَاءِ، وَلَمْ تُجْعَلْ مَشْرُوعَةً فِيمَا لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ الْوُجُوبُ. وَالسُّنَنُ كَثِيرَةٌ يَعْنِي لَا احْتِيَاجَ إلَى إيرَادِ النَّظَائِرِ فَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ فِي بَابِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّهَارَةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهَا كُتُبُ الْفُرُوعِ. [أَقْسَام الرُّخَصُ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا الرُّخَصُ) ، وَلَمَّا إذَا كَانَتْ الرُّخَصُ مَبْنِيَّةً عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ، وَأَعْذَارُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُ الرُّخَصِ فَانْقَسَمَتْ عَلَى أَنْوَاعٍ أَرْبَعَةٍ. أَحَقُّ مِنْ الْآخَرِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ مِنْ حَقِّ الشَّيْءِ إذَا ثَبَتَ أَيْ أَحَدُهُمَا فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقَّ لَك أَنْ تَفْعَلَ كَذَا أَيْ أَنْتَ خَلِيقٌ بِهِ يَعْنِي فِي إطْلَاقِ اسْمِ الرُّخْصَةِ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. أَتَمُّ مِنْ الْآخَرِ أَيْ أَكْمَلُ فِي كَوْنِهِ مَجَازًا. فَمَا اُسْتُبِيحَ أَيْ سَقَطَتْ

стр. 632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] الْمُؤَاخَذَةُ بِهِ مَعَ الْقِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَقِيَامِ حُكْمِهِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَمَّا كَانَتْ قَائِمَةً مَعَ سَبَبِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ شُرِعَ لِلْمُكَلَّفِ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُؤَاخَذَةٍ بِنَاءً عَلَى عُذْرِهِ كَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الرُّخَصِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الرُّخْصَةِ بِكَمَالِ الْعَزِيمَةِ فَلَمَّا كَانَتْ الْعَزِيمَةُ حَقِيقَةً كَامِلَةً ثَابِتَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَتْ الرُّخْصَةُ فِي مُقَابَلَتِهَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَذَلِكَ مِثْلُ التَّرَخُّصِ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ فِيهِ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ التَّامِّ مَعَ اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ، وَلَكِنَّ الْعَزِيمَةَ فِي الصَّبْرِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ ثَابِتَةٌ مُصَمَّتَةٌ لَا تَنْكَشِفُ بِحَالٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ قَائِمٌ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ وَهُوَ وَحْدَانِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّيَّةُ صِفَاتِهِ وَجَمِيعِ مَا أَوْجَبَ الْإِيمَانَ بِهِ لَا يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ الْعَبْدَ رُخِّصَ لَهُ الْإِجْرَاءُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي نَفْسِهِ أَيْ فِي ذَاتِهِ يَفُوتُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ صُورَةً بِتَخْرِيبِ الْبَيِّنَةِ، وَمَعْنًى بِزُهُوقِ الرُّوحِ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَفُوتُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ الَّذِي هُوَ الرُّكْنُ الْأَصْلِيُّ بَاقٍ، وَلَا تَفُوتُ صُورَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ مَرَّةً وَصُدِّقَ بِقَلْبِهِ حَتَّى صُحِّحَ إيمَانُهُ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ ثَانِيَةً إذْ التَّكْرَارُ فِي الْإِقْرَارِ لَيْسَ بِرُكْنٍ فِي الْإِيمَانِ، وَلَمَّا صَارَ حَقُّهُ مُؤَدًّى لَمْ يَفُتْ حَقُّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ بُطْلَانُ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ فِي الصُّورَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَلِهَذَا كَانَ التَّقْدِيمُ حَقَّ نَفْسِهِ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ تَرَخُّصًا، وَإِنْ شَاءَ بَذَلَ نَفْسَهُ فِي دِينِ اللَّهِ لِإِقَامَةِ حَقِّهِ حِسْبَةً أَيْ طَلَبًا لِلثَّوَابِ وَعَدَالَةً فِيمَا يُدَّخَرُ لِلْآخِرَةِ فَهَذَا أَيْ الْبَذْلُ مَشْرُوعٌ قُرْبَةً كَالْجِهَادِ أَنَّهُ لَمَّا بَذَلَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَهْتِكْ حُرْمَةَ دِينِهِ كَانَ فِيهِ إعْلَاءُ دِينِ اللَّهِ ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْجِهَادِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ أَخَذَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولٌ فَقَالَ لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ فَقَتَلَهُ وَقَالَ لِلْآخَرِ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ أَتَاهُ اللَّهُ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَدْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ» فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ حَتَّى قُتِلَ كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُ إظْهَارٌ لِلصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ. وَمَا رُوِيَ مِنْ قِصَّةِ عَمَّارٍ وَخُبَيْبٍ ﵄ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوا عَمَّارًا فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَمَا وَرَاك يَا عَمَّارُ قَالَ شَرٌّ مَا تَرَكُونِي حَتَّى نِلْت مِنْك وَذَكَرْت آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ قَالَ كَيْفَ وَجَدْت قَلْبَك قَالَ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ قَالَ فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» أَيْ فَإِنْ عَادُوا إلَى الْإِكْرَاهِ فَعُدْ إلَى التَّرَخُّصِ. أَوْ فَإِنْ عَادُوا إلَى الْإِكْرَاهِ فَعُدْ إلَى طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَنَّهُ يَأْمُرُ أَحَدًا بِالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَفِي عَيْنِ الْمَعَانِي لَوْ عَادُوا لَك فَعُدْ لَهُمْ لِمَا قُلْت فَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُجْرِيَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ مُكْرَهًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ.، وَأَخَذُوا خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ وَبَاعُوهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يُعَاقِبُونَهُ عَلَى أَنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ وَيَسُبَّ مُحَمَّدًا، وَهُوَ يَسُبُّ آلِهَتَهُمْ وَيَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ بِخَيْرِ فَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ قَاتِلُوهُ سَأَلَهُمْ أَنْ يَدَعُوهُ لِيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأَجَابُوهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَوْجَزَ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَوْجَزْت كَيْ لَا تَظُنُّوا أَنِّي أَخَافُ الْقَتْلَ ثُمَّ سَأَلَهُمْ أَنْ يُلْقُوهُ عَلَى وَجْهِهِ لِيَكُونَ هُوَ سَاجِدٌ لِلَّهِ تَعَالَى حِينَ يَقْتُلُونَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إنِّي لَا أَرَى هَاهُنَا إلَّا وَجْهَ عَدُوٍّ فَأَقْرِئْ

стр. 633

وَكَذَلِكَ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ رُخِّصَ لَهُ فِي التَّرْكِ لِمَا قُلْنَا مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّهِ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُرْمَةِ الْمُنْكَرِ بَاقٍ فِي بَذْلِ نَفْسِهِ إقَامَةً لِلْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إذَا قُتِلَ تَفَرَّقَ جَمْعُ الْفَسَقَةِ، وَمَا كَانَ غَرَضُهُ إلَّا تَفْرِيقَ جَمْعِهِمْ فَبَذَلَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ فَصَارَ مُجَاهِدًا بِخِلَافِ الْغَازِي إذَا بَارَزَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْكِيَ فِيهِمْ؛ لِأَنَّ جَمْعَهُمْ لَا يَتَفَرَّقُ بِسَبَبِهِ فَيَصِيرُ مُضَيِّعًا لِدَمِهِ لَا مُحْتَسِبًا مُجَاهِدًا. وَكَذَلِكَ فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ رُخِّصَ لَهُ لِرُجْحَانِ حَقِّهِ فِي النَّفْسِ فَإِذَا صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا لِقِيَامِ الْحُرْمَةِ، وَهُوَ حَقُّ الْعَبْدِ وَكَذَلِكَ إذَا أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ فَصَبَرَ عَنْ مَالِ غَيْرِهِ حَتَّى مَاتَ وَكَذَلِكَ صَائِمٌ أُكْرِهَ عَلَى الْفِطْرِ وَمُحْرِمٌ أُكْرِهَ عَلَى جِنَايَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْحُقُوقِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ. ــ [كشف الأسرار] رَسُولَك مِنِّي السَّلَامَ اللَّهُمَّ أَحْصِ هَؤُلَاءِ عَدَدًا وَاجْعَلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فَلَمَّا قَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ تَحَوَّلَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ «وَجَاءَ جِبْرِيلُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵉ يُقْرِئُ سَلَامَ خُبَيْبٍ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ هُوَ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ وَالْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (قَوْلُهُ) ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ أَيْ، وَكَالْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ مَنْ يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَ بِالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فِي أَنَّهُ إذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] . وَأَنَّهُ إنْ فَعَلَ فَقُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فَرْضٌ مُطْلَقٌ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ عَزِيمَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] . وَإِذَا تَمَسَّكَ بِالْعَزِيمَةِ كَانَ مَأْجُورًا. وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَكَذَا الْعَكْسُ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُرْمَةِ الْمُنْكَرِ بَاقٍ. لِمَا قُلْنَا مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَقْدَمَ يَفُوتُ حَقُّهُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَلَوْ تُرِكَ يَفُوتُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى صُورَةً بِمُبَاشَرَةِ الْمَحْظُورِ وَتَرْكِ الْمَنْعِ عَنْهُ لَا مَعْنَى؛ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ وَاعْتِقَادَ الْحُرْمَةِ بَاقٍ. قَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْغَازِي إذَا بَارَزَ) ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَمَلَ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ وَحْدَهُ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ أَوْ يَنْكَأُ فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ النَّيْلَ مِنْ الْعَدُوِّ بِصُنْعِهِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَبَشَّرَ بَعْضَهُمْ بِالشَّهَادَةِ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى يَوْمَ أُحُدٍ كَتِيبَةً مِنْ الْكُفَّارِ فَقَالَ مَنْ لِهَذِهِ الْكَتِيبَةِ فَقَالَ وَهْبٌ أَنَا لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى فَرَّقَهُمْ ثُمَّ رَأَى كَتِيبَةً أُخْرَى وَقَالَ مَنْ لِهَذِهِ الْكَتِيبَةِ فَقَالَ وَهْبٌ أَنَا لَهَا فَقَالَ أَنْتَ لَهَا، وَأَبْشِرْ بِالشَّهَادَةِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى فَرَّقَهُمْ وَقُتِلَ هُوَ» ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطْمَعْ فِي نِكَايَةٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ هَذَا الصَّنِيعُ؛ لِأَنَّهُ يُتْلِفُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نِكَايَةٍ فِي الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ، وَلَا يَكُونُ عَامِلًا لِرَبِّهِ فِي إعْزَازِ الدِّينِ. وَفِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْمَ يَقْتُلُونَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّقُ جَمْعُهُمْ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَاكَ مُسْلِمُونَ مُعْتَقِدُونَ لِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُنْكِئَ فِعْلُهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ، وَهَاهُنَا الْقَوْمُ كُفَّارٌ لَا يَعْتَقِدُونَ حَقِّيَّةَ الْإِسْلَامِ وَقَتْلُهُ لَا يُنْكِئُ فِي بَاطِنِهِمْ فَيُشْتَرَطُ النِّكَايَةُ ظَاهِرًا لِإِبَاحَةِ الْإِقْدَامِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي نِكَايَةٍ، وَلَكِنَّهُ يُجَرِّئَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَظْهَرَ بِفِعْلِهِمْ النِّكَايَةُ فِي الْعَدُوِّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ النِّكَايَةِ لِفِعْلِهِ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ فَكَذَا إذَا كَانَ يَطْمَعُ النِّكَايَةَ فِيهِمْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَطْمَعُ النِّكَايَةَ فِي إرْهَابِ الْعَدُوِّ، وَإِدْخَالِ الْوَهْنِ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ وُجُوهِ النِّكَايَةِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ أَحَدٍ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ. وَفِي الْمُغْرِبِ يُقَالُ نَكَأَتْ الْقُرْحَةُ قِشْرَتَهَا وَنَكَأْت فِي الْعَدُوِّ وَنَكَأَ إذَا قَتَلْت فِيهِمْ أَوْ جَرَحْت وَقَالَ اللَّيْث وَلُغَةٌ أُخْرَى نَكَيْت فِي الْعَدُوِّ نِكَايَةً

стр. 634

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَمَا يُسْتَبَاحُ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ مُوجِبًا لِحُكْمِهِ غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَرَاخٍ مِثْلُ الْمُسَافِرِ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِنَاءً عَلَى سَبَبِ تَرَاخِي حُكْمِهِ، فَكَانَ دُونَ مَا اعْتَرَضَ عَلَى سَبَبِ حِلِّ حُكْمِهِ وَإِنَّمَا يُكْمِلَ الرُّخْصَةَ بِكَمَالِ الْعَزِيمَةِ ــ [كشف الأسرار] وَعَنْ أَبِي عُمَرَ وَنَكَيْت فِي الْعَدُوِّ لَا غَيْرُ. وَعَنْ الْكِسَائِيّ كَذَلِكَ، وَلَمْ أَجِدْهُ مُعَدًّى بِنَفْسِهِ إلَّا فِي جَامِعِ الْغُورِيِّ قَالَ يَعْقُوبُ نَكَيْت الْعَدُوَّ إذَا قَتَلْت فِيهِمْ وَجَرَحْت قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: إذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ بِوُدِّكَ أَهْلَهُ ... وَلَمْ تَنْكَ بِالْبُوسَى عَدُوَّك فَابْعُدْ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ هَذَا) أَيْ، وَكَثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ ثُبُوتُهُ فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِهِ مَالَ غَيْرِهِ بِالْقَتْلِ رُخِّصَ لَهُ ذَلِكَ لِرُجْحَانِ حَقِّهِ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَفُوتُ فِي النَّفْسِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَحَقُّ غَيْرِهِ لَا يَفُوتُ مَعْنًى لِانْجِبَارِهِ بِالضَّمَانِ فَإِذَا صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُرْمَةِ، وَهُوَ الْمِلْكُ وَحُكْمُهُ، وَهُوَ حُرْمَةُ التَّعَرُّضِ قَائِمَانِ فَإِنَّ حُرْمَةَ إتْلَافِ مَالِهِ لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ وَاحْتِرَامِهِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلُّ بِالْإِكْرَاهِ فَكَانَ فِي الصَّبْرِ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ مُقِيمًا فَرْضَ الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسَهُ صِيَانَةً لِحَقِّ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي مَالِهِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَيَكُونُ مُثَابًا كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْعَلَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا إنْ شَاءَ اللَّهُ قَيَّدَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِثْنَاءَ فِيمَا سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهَا نَصًّا بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِفْطَارِ، وَإِفْسَادِ الصَّلَاةِ، وَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَنَحْوِهَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَى تِلْكَ الْمَسَائِلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْإِتْلَافِ هَاهُنَا لَا يَرْجِعُ إلَى إعْزَازِ الدِّينِ فَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ صَائِمٌ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ بِمَخْمَصَةٍ يُرَخِّصُهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي نَفْسِهِ يَفُوتُ أَصْلًا وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَفُوتُ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْقَضَاءُ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ حَقَّ نَفْسِهِ. وَإِنْ صَبَرَ، وَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى قُتِلَ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ كَانَ مَأْجُورًا؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْوُجُوبِ لَمْ يَسْقُطْ فَكَانَ لَهُ بَذْلُ نَفْسِهِ لِإِقَامَةِ حَقِّ اللَّهِ ، وَفِيهِ إظْهَارُ الصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ، وَإِعْزَازِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى قُتِلَ كَانَ آثِمًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَهُمَا الْإِفْطَارَ بِقَوْلِهِ. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . فَعِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ رَمَضَانُ فِي حَقِّهِمَا كَشَعْبَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا فَيَكُونُ آثِمًا بِالِامْتِنَاعِ حَتَّى يَمُوتَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضْطَرِّ فِي فَصْلِ الْمَيْتَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَالْحُقُوقِ الْمُحْتَرَمَةِ مِثْلُ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ أَوْ مَالِ إنْسَانٍ رُخِّصَ لَهُ الدَّلَالَةُ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الدَّفْعَ عَنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ وَذَلِكَ عَزِيمَةٌ قَالَ ﵇ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) ، وَهُوَ الَّذِي دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً فَمَا يُسْتَبَاحُ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ أَيْ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ مُوجِبًا لِحِكْمَةٍ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ. إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ مُتَرَاخٍ عَنْهُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ قَائِمٌ كَانَتْ الرُّخْصَةُ حَقِيقَةً، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ مُتَرَاخٍ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَالِ كَانَ هَذَا الْقِسْمُ دُونَ الْأَوَّلِ فَإِنَّ كَمَالَ الرُّخْصَةِ بِكَمَالِ الْعَزِيمَةِ فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا مَعَ السَّبَبِ فَهُوَ أَقْوَى مِمَّا تَرَاخَى حُكْمُهُ عَنْهُ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ مَعَ الْبَيْعِ الْبَاتِّ وَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ مَعَ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ حَالٍّ فَإِنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ الْمِلْكُ فِي الْبَيْعِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ ثَابِتٌ فِي الْبَاتِّ مُتَرَاخٍ عَنْ السَّبَبِ الْمَقْرُونِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَالْأَجَلِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - مِثْلُ الْمُسَافِرِ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ مَعَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلصَّوْمِ الْمُحَرِّمِ لِلْفِطْرِ، وَهُوَ شُهُودُ الشَّهِيدِ وَتَوَجَّهَ الْخِطَابُ الْعَامُّ

стр. 635

لَكِنَّ السَّبَبَ لَمَّا تَرَاخَى حُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ كَانَ الْقَوْلُ بِالتَّرَاخِي بَعْدَ تَمَامِ السَّبَبِ رُخْصَةً فَأُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ ــ [كشف الأسرار] نَحْوَهُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وَلِهَذَا لَوْ أَدَّى كَانَ فَرْضًا إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ حُرْمَةُ الْإِفْطَارِ وَتَرْكُ الصَّوْمِ تَرَاخَى فِي حَقِّهِ إلَى إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ أَدْنَى حَالًا مِنْهَا فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْإِفْطَارِ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَاكَ، وَهُوَ حُرْمَةُ الْإِفْطَارِ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ السَّبَبِ فَلَا جَرَمَ كَانَتْ الرُّخْصَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الْعَزِيمَةِ أَدْنَى حَالًا مِنْ الرُّخْصَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعَزِيمَةِ بِالْأَدْنَى؛ لِأَنَّ كَمَالَهَا وَانْتِقَاصَهَا بِكَمَالِ الْعَزِيمَةِ وَانْتِقَاصِهَا فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخَذَتْ شَبَهًا بِالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ الْوُجُوبُ وَحُرْمَةُ الْإِفْطَارِ لَمَّا تَرَاخَى لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي الْحَالِ فَلَمْ يُعَارِضْ الرُّخْصَةَ، وَهِيَ إبَاحَةُ الْإِفْطَارِ وَتَرْكُ الصَّوْمِ حُرْمَةٌ فَكَانَتْ شَبِيهًا بِالْإِفْطَارِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَكُنْ رُخْصَةً مَحْضَةً حَقِيقَةً. لَكِنَّ السَّبَبَ لَمَّا تَرَاخَى حُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إنَّ حُكْمَ السَّبَبِ تَرَاخَى عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ إذْ لَوْ كَانَ مُعَلَّقًا لَمَا جَازَ الْأَدَاءُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَلَكَانَ السَّبَبُ غَيْرَ تَامٍّ فِي الْحَالِ لِمَا مَرَّ. كَانَ الْقَوْلُ بِتَرَاخِي الْوُجُوبِ وَحِلِّ الْإِفْطَارِ بَعْدَمَا تَمَّ السَّبَبُ رُخْصَةً حَقِيقَةً فَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْقِسْمُ دُونَ الْأَوَّلِ إذْ لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ مَدْخَلٌ لِلْمَجَازِ يُوَجَّهُ، وَفِي الثَّانِي لِلْمَجَازِ مَدْخَلٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَى تَرَاخِي الْحُكْمِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ، وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا لَلَزِمَهُ الْأَمْرُ بِالْفِدْيَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ بِعُذْرٍ يَرْفَعُ الْإِثْمَ، وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ الْحَلِفُ كَالْمُكْرَهِ عَلَى الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ، وَمَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ زَمَانِ الْقَضَاءِ يَلْزَمُهُ الْأَمْرُ بِالْفِدْيَةِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي الْحَالِ. ثُمَّ الشَّيْخُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ إلَى نَفْيِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَجُوزُ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَ إدْرَاكِ الْعِدَّةِ سَوَاءٌ صَامَ فِي السَّفَرِ أَوْ لَمْ يَصُمْ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃. قَالُوا إنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَّقَ الْوُجُوبَ فِي حَقِّهِ بِإِدْرَاكِ الْعِدَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَلَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ قَبْلَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْمُقِيمِ قَبْلَ رَمَضَانَ وَقَدْ قَالَ ﵇. «الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ» . وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَوْ صَامَ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْمُسَافِرَ وَالْمُقِيمَ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] . لِبَيَانِ التَّرْخِيصِ بِالْفِطْرِ فَيَنْتَفِي بِهِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ لَا جَوَازُهُ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْجَوَازِ كَثْرَةٌ. وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ حَتَّى خِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ عَلَى مَا عُرِفَ تَمَامُهُ فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ (وَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ أَوْلَى أَيْ) الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَوْلَى مِنْ الْإِفْطَارِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ، وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ بِكَمَالِهِ لَمَّا كَانَ قَائِمًا وَتَأَخَّرَ الْحُكْمُ بِالْأَجَلِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ التَّعْجِيلِ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ كَانَ الْمُؤَدِّي لِلصَّوْمِ عَامِلًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ وَالْمُتَرَخِّصُ بِالْفِطْرِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى التَّرَفُّهِ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى. وَلِتَرَدُّدٍ فِي الرُّخْصَةِ يَعْنِي الْيُسْرَ لَمْ يَتَعَيَّنْ
следующие страницы →