Полный текст (1 522 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وَأَمَّا الرُّخَصُ فَأَرْبَعَةٌ نَوْعَانِ مِنْ الْحَقِيقَةِ أَحَدُهُمَا أَحَقُّ مِنْ الْآخَرِ وَنَوْعَانِ مِنْ الْمَجَازِ أَحَدُهُمَا أَتَمُّ مِنْ الْآخَرِ أَمَّا أَحَقُّ نَوْعَيْ الْحَقِيقَةِ فَمَا اُسْتُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَقِيَامُ حُكْمِهِ جَمِيعًا فَهُوَ الْكَامِلُ فِي الرُّخْصَةِ مِثْلُ الْمُكْرَهِ عَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ إجْرَاؤُهَا وَالْعَزِيمَةُ فِي الصَّبْرِ حَتَّى يُقْتَلَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ قَائِمَةٌ لِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِيمَانِ لَكِنَّهُ رُخِّصَ لِعُذْرٍ، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ يَفُوتُ بِالْقَتْلِ صُورَةً وَمَعْنًى وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَفُوتُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بَاقٍ وَلَا يَفُوتُ صُورَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ قَدْ صَحَّ، وَلَيْسَ التَّكْرَارُ رُكْنًا لَكِنْ فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ هَتْكٌ لِحَقِّهِ ظَاهِرًا فَكَانَ لَهُ تَقْدِيمُ حَقِّ نَفْسِهِ كَرَامَةً مِنْ اللَّهِ، وَإِنْ شَاءَ بَذَلَ نَفْسَهُ حِسْبَةً فِي دِينِهِ لِإِقَامَةِ حَقِّهِ فَهَذَا مَشْرُوعٌ قُرْبَةً فَبَقِيَ عَزِيمَةً وَصَارَ بِهَا مُجَاهِدًا
ــ
[كشف الأسرار]
بِبَعْضِ الْمَالِ لَزِمَهُ أَنْ لَا يُبْطِلَهُ بِالرُّجُوعِ فَكَذَا إذَا أَتَى بِبَعْضِ الْعَمَلِ وَصَارَ مُسْلَمًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَزِمَهُ أَنْ لَا يُبْطِلَهُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الْبَاقِي، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَدْرَ الْمَوْجُودَ مِنْ الصَّدَقَةِ يَبْقَى صَدَقَةً بِدُونِ مَا لَمْ يُوجَدْ، وَالْقَدْرُ الْمَوْجُودُ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا يَبْقَى قُرْبَةً بِدُونِ الْبَاقِي فَيَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ هَاهُنَا، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الصَّدَقَةِ.
فَأَمَّا إبَاحَةُ الْإِفْطَارِ بِعُذْرِ الضِّيَافَةِ فَرَخَّصَهُ مَعَ بَقَاءِ الْحَظْرِ وَلِذَا كَانَ الِامْتِنَاعُ أَفْضَلَ وَذَلِكَ كَمَنْ صَلَّى الْفَرْضَ وَرَأَى بِقُرْبِهِ صَبِيًّا كَادَ يَحْتَرِقُ أَوْ يَغْرَقُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِنْقَاذِ أُبِيحَ لَهُ قَطْعُ الْفَرْضِ وَاسْتِنْقَاذُ الصَّبِيِّ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلصَّبِيِّ عَنْ الْهَلَاكِ، وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يُرَخَّصُ لَهُ الْإِفْطَارُ احْتِرَازًا عَنْ أَذَى الْمُسْلِمِ، وَصِحَّةُ الْخَلْوَةِ مَمْنُوعَةٌ أَيْضًا بَلْ هِيَ فَاسِدَةٌ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ فِي طَرِيقَتِهِ.
وَأَمَّا الشُّرُوعُ فِي النَّفْلِ قَائِمًا، وَإِتْمَامُهُ قَاعِدًا أَوْ نِيَّةُ الْأَرْبَعِ مَعَ التَّسْلِيمِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَفَارَقَا النَّذْرَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَا وَرَاءَ الرَّكْعَتَيْنِ وَصِفَةُ الْقِيَامِ لَيْسَا بِشَرْطَيْنِ لِبَقَاءِ الْمُؤَدَّى عِبَادَةً وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّ وُجُوبَ الْبَاقِي لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ صِيَانَةُ الْمُؤَدَّى لَا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ، وَإِبَاحَةَ الْإِفْطَارِ بِعُذْرِ الضِّيَافَةِ وَاقْتِدَاءَهُ بِالْمُتَنَفِّلِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ نَفْلٌ.
وَأَمَّا فَضْلُ الْمَظْنُونِ فَالْقِيَاسُ فِيهِ مَا قَالَهُ زُفَرُ ﵀؛ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى انْعَقَدَ عِبَادَةً فَيَجِبُ صِيَانَتُهَا بِالْمُضِيِّ فِيهِ إلَّا عُلَمَاءَنَا اسْتَحْسَنُوا وَقَالُوا إنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الشُّرُوعُ صَادَفَ الْوَاجِبَ فَيَلْغُو؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَتَكَرَّرُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ ظُهْرُ الْيَوْمِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا عِنْدَهُ لَا بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ عِنْدَهُ أَنَّهُ شَرَعَ فِي الْوَاجِبِ فَكَانَ كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ أَوْ صَوْمِ الْقَضَاءِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَا يَجِبُ بِهَذَا الشُّرُوعِ وَالْإِفْسَادِ شَيْءٌ فَكَذَا هَذَا. وَنَحْنُ لَا نَقُولُ إنَّ جَمِيعَ الْقُرَبِ يَلْزَمُ حِفْظُهَا وَيَضْمَنُ بِإِفْسَادِهَا بَلْ يَجِبُ عِبَادَةُ نَفْلٍ الْتَزَمَهَا وَحَصَّلَهَا بِاخْتِيَارِهِ، وَهَذِهِ الْقُرْبَةُ حَصَلَتْ لَهُ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَإِذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا لِلْعُهْدَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ صِيَانَتُهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ فِعْلُهُ عِبَادَةً أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي قَصَدَ إلَيْهِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَالنَّفَلُ لَا يَنْعَقِدُ قُرْبَةً بِدُونِ الْقَصْدِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ نَفْلًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِ نَظَرًا لَهُ فَجَعَلَهُ مُنْعَقِدًا فِيمَا لَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَتَمَّهُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلثَّوَابِ، وَلَا يُجْعَلُ مُنْعَقِدًا فِيمَا لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ وُجُوبُ الصِّيَانَةِ عَلَيْهِ. وَهُوَ كَالْقُرَبِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لَمَّا شُرِعَتْ نَظَرًا لَهُ تُجْعَلُ مَشْرُوعَةً فِيمَا لَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ الصِّحَّةُ بَعْدَ الْأَدَاءِ، وَلَمْ تُجْعَلْ مَشْرُوعَةً فِيمَا لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ الْوُجُوبُ. وَالسُّنَنُ كَثِيرَةٌ يَعْنِي لَا احْتِيَاجَ إلَى إيرَادِ النَّظَائِرِ فَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ فِي بَابِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّهَارَةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهَا كُتُبُ الْفُرُوعِ.
[أَقْسَام الرُّخَصُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الرُّخَصُ) ، وَلَمَّا إذَا كَانَتْ الرُّخَصُ مَبْنِيَّةً عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ، وَأَعْذَارُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُ الرُّخَصِ فَانْقَسَمَتْ عَلَى أَنْوَاعٍ أَرْبَعَةٍ. أَحَقُّ مِنْ الْآخَرِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ مِنْ حَقِّ الشَّيْءِ إذَا ثَبَتَ أَيْ أَحَدُهُمَا فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقَّ لَك أَنْ تَفْعَلَ كَذَا أَيْ أَنْتَ خَلِيقٌ بِهِ يَعْنِي فِي إطْلَاقِ اسْمِ الرُّخْصَةِ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. أَتَمُّ مِنْ الْآخَرِ أَيْ أَكْمَلُ فِي كَوْنِهِ مَجَازًا. فَمَا اُسْتُبِيحَ أَيْ سَقَطَتْ
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُؤَاخَذَةُ بِهِ مَعَ الْقِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَقِيَامِ حُكْمِهِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَمَّا كَانَتْ قَائِمَةً مَعَ سَبَبِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ شُرِعَ لِلْمُكَلَّفِ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُؤَاخَذَةٍ بِنَاءً عَلَى عُذْرِهِ كَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الرُّخَصِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الرُّخْصَةِ بِكَمَالِ الْعَزِيمَةِ فَلَمَّا كَانَتْ الْعَزِيمَةُ حَقِيقَةً كَامِلَةً ثَابِتَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَتْ الرُّخْصَةُ فِي مُقَابَلَتِهَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَذَلِكَ مِثْلُ التَّرَخُّصِ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ فِيهِ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ التَّامِّ مَعَ اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ، وَلَكِنَّ الْعَزِيمَةَ فِي الصَّبْرِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ ثَابِتَةٌ مُصَمَّتَةٌ لَا تَنْكَشِفُ بِحَالٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ قَائِمٌ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ وَهُوَ وَحْدَانِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّيَّةُ صِفَاتِهِ وَجَمِيعِ مَا أَوْجَبَ الْإِيمَانَ بِهِ لَا يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ الْعَبْدَ رُخِّصَ لَهُ الْإِجْرَاءُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي نَفْسِهِ أَيْ فِي ذَاتِهِ يَفُوتُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ صُورَةً بِتَخْرِيبِ الْبَيِّنَةِ، وَمَعْنًى بِزُهُوقِ الرُّوحِ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَفُوتُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ الَّذِي هُوَ الرُّكْنُ الْأَصْلِيُّ بَاقٍ، وَلَا تَفُوتُ صُورَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ مَرَّةً وَصُدِّقَ بِقَلْبِهِ حَتَّى صُحِّحَ إيمَانُهُ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ ثَانِيَةً إذْ التَّكْرَارُ فِي الْإِقْرَارِ لَيْسَ بِرُكْنٍ فِي الْإِيمَانِ، وَلَمَّا صَارَ حَقُّهُ مُؤَدًّى لَمْ يَفُتْ حَقُّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ بُطْلَانُ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ فِي حَالِ الْبَقَاءِ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ فِي الصُّورَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَلِهَذَا كَانَ التَّقْدِيمُ حَقَّ نَفْسِهِ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ تَرَخُّصًا، وَإِنْ شَاءَ بَذَلَ نَفْسَهُ فِي دِينِ اللَّهِ لِإِقَامَةِ حَقِّهِ حِسْبَةً أَيْ طَلَبًا لِلثَّوَابِ وَعَدَالَةً فِيمَا يُدَّخَرُ لِلْآخِرَةِ فَهَذَا أَيْ الْبَذْلُ مَشْرُوعٌ قُرْبَةً كَالْجِهَادِ أَنَّهُ لَمَّا بَذَلَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَهْتِكْ حُرْمَةَ دِينِهِ كَانَ فِيهِ إعْلَاءُ دِينِ اللَّهِ ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْجِهَادِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ أَخَذَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولٌ فَقَالَ لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ فَقَتَلَهُ وَقَالَ لِلْآخَرِ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ أَتَاهُ اللَّهُ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَدْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ» فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ حَتَّى قُتِلَ كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُ إظْهَارٌ لِلصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ.
وَمَا رُوِيَ مِنْ قِصَّةِ عَمَّارٍ وَخُبَيْبٍ ﵄ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوا عَمَّارًا فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَمَا وَرَاك يَا عَمَّارُ قَالَ شَرٌّ مَا تَرَكُونِي حَتَّى نِلْت مِنْك وَذَكَرْت آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ قَالَ كَيْفَ وَجَدْت قَلْبَك قَالَ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ قَالَ فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» أَيْ فَإِنْ عَادُوا إلَى الْإِكْرَاهِ فَعُدْ إلَى التَّرَخُّصِ.
أَوْ فَإِنْ عَادُوا إلَى الْإِكْرَاهِ فَعُدْ إلَى طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَنَّهُ يَأْمُرُ أَحَدًا بِالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَفِي عَيْنِ الْمَعَانِي لَوْ عَادُوا لَك فَعُدْ لَهُمْ لِمَا قُلْت فَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُجْرِيَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ مُكْرَهًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ.، وَأَخَذُوا خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ وَبَاعُوهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يُعَاقِبُونَهُ عَلَى أَنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ وَيَسُبَّ مُحَمَّدًا، وَهُوَ يَسُبُّ آلِهَتَهُمْ وَيَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ بِخَيْرِ فَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ قَاتِلُوهُ سَأَلَهُمْ أَنْ يَدَعُوهُ لِيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأَجَابُوهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَوْجَزَ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَوْجَزْت كَيْ لَا تَظُنُّوا أَنِّي أَخَافُ الْقَتْلَ ثُمَّ سَأَلَهُمْ أَنْ يُلْقُوهُ عَلَى وَجْهِهِ لِيَكُونَ هُوَ سَاجِدٌ لِلَّهِ تَعَالَى حِينَ يَقْتُلُونَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إنِّي لَا أَرَى هَاهُنَا إلَّا وَجْهَ عَدُوٍّ فَأَقْرِئْ
стр. 633
وَكَذَلِكَ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ رُخِّصَ لَهُ فِي التَّرْكِ لِمَا قُلْنَا مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّهِ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُرْمَةِ الْمُنْكَرِ بَاقٍ فِي بَذْلِ نَفْسِهِ إقَامَةً لِلْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إذَا قُتِلَ تَفَرَّقَ جَمْعُ الْفَسَقَةِ، وَمَا كَانَ غَرَضُهُ إلَّا تَفْرِيقَ جَمْعِهِمْ فَبَذَلَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ فَصَارَ مُجَاهِدًا بِخِلَافِ الْغَازِي إذَا بَارَزَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْكِيَ فِيهِمْ؛ لِأَنَّ جَمْعَهُمْ لَا يَتَفَرَّقُ بِسَبَبِهِ فَيَصِيرُ مُضَيِّعًا لِدَمِهِ لَا مُحْتَسِبًا مُجَاهِدًا. وَكَذَلِكَ فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ رُخِّصَ لَهُ لِرُجْحَانِ حَقِّهِ فِي النَّفْسِ فَإِذَا صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا لِقِيَامِ الْحُرْمَةِ، وَهُوَ حَقُّ الْعَبْدِ وَكَذَلِكَ إذَا أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ فَصَبَرَ عَنْ مَالِ غَيْرِهِ حَتَّى مَاتَ وَكَذَلِكَ صَائِمٌ أُكْرِهَ عَلَى الْفِطْرِ وَمُحْرِمٌ أُكْرِهَ عَلَى جِنَايَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْحُقُوقِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ.
ــ
[كشف الأسرار]
رَسُولَك مِنِّي السَّلَامَ اللَّهُمَّ أَحْصِ هَؤُلَاءِ عَدَدًا وَاجْعَلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فَلَمَّا قَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ تَحَوَّلَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ «وَجَاءَ جِبْرِيلُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵉ يُقْرِئُ سَلَامَ خُبَيْبٍ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ هُوَ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ وَالْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (قَوْلُهُ) ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ أَيْ، وَكَالْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ مَنْ يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَ بِالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فِي أَنَّهُ إذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] .
وَأَنَّهُ إنْ فَعَلَ فَقُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فَرْضٌ مُطْلَقٌ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ عَزِيمَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] . وَإِذَا تَمَسَّكَ بِالْعَزِيمَةِ كَانَ مَأْجُورًا. وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَكَذَا الْعَكْسُ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُرْمَةِ الْمُنْكَرِ بَاقٍ. لِمَا قُلْنَا مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَقْدَمَ يَفُوتُ حَقُّهُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَلَوْ تُرِكَ يَفُوتُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى صُورَةً بِمُبَاشَرَةِ الْمَحْظُورِ وَتَرْكِ الْمَنْعِ عَنْهُ لَا مَعْنَى؛ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْقَلْبِ وَاعْتِقَادَ الْحُرْمَةِ بَاقٍ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْغَازِي إذَا بَارَزَ) ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَمَلَ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ وَحْدَهُ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ أَوْ يَنْكَأُ فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ النَّيْلَ مِنْ الْعَدُوِّ بِصُنْعِهِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَبَشَّرَ بَعْضَهُمْ بِالشَّهَادَةِ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى يَوْمَ أُحُدٍ كَتِيبَةً مِنْ الْكُفَّارِ فَقَالَ مَنْ لِهَذِهِ الْكَتِيبَةِ فَقَالَ وَهْبٌ أَنَا لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى فَرَّقَهُمْ ثُمَّ رَأَى كَتِيبَةً أُخْرَى وَقَالَ مَنْ لِهَذِهِ الْكَتِيبَةِ فَقَالَ وَهْبٌ أَنَا لَهَا فَقَالَ أَنْتَ لَهَا، وَأَبْشِرْ بِالشَّهَادَةِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى فَرَّقَهُمْ وَقُتِلَ هُوَ» ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطْمَعْ فِي نِكَايَةٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ هَذَا الصَّنِيعُ؛ لِأَنَّهُ يُتْلِفُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نِكَايَةٍ فِي الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ، وَلَا يَكُونُ عَامِلًا لِرَبِّهِ فِي إعْزَازِ الدِّينِ.
وَفِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْمَ يَقْتُلُونَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّقُ جَمْعُهُمْ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَاكَ مُسْلِمُونَ مُعْتَقِدُونَ لِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُنْكِئَ فِعْلُهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ، وَهَاهُنَا الْقَوْمُ كُفَّارٌ لَا يَعْتَقِدُونَ حَقِّيَّةَ الْإِسْلَامِ وَقَتْلُهُ لَا يُنْكِئُ فِي بَاطِنِهِمْ فَيُشْتَرَطُ النِّكَايَةُ ظَاهِرًا لِإِبَاحَةِ الْإِقْدَامِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي نِكَايَةٍ، وَلَكِنَّهُ يُجَرِّئَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَظْهَرَ بِفِعْلِهِمْ النِّكَايَةُ فِي الْعَدُوِّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ النِّكَايَةِ لِفِعْلِهِ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ فَكَذَا إذَا كَانَ يَطْمَعُ النِّكَايَةَ فِيهِمْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَطْمَعُ النِّكَايَةَ فِي إرْهَابِ الْعَدُوِّ، وَإِدْخَالِ الْوَهْنِ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ وُجُوهِ النِّكَايَةِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ أَحَدٍ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ. وَفِي الْمُغْرِبِ يُقَالُ نَكَأَتْ الْقُرْحَةُ قِشْرَتَهَا وَنَكَأْت فِي الْعَدُوِّ وَنَكَأَ إذَا قَتَلْت فِيهِمْ أَوْ جَرَحْت وَقَالَ اللَّيْث وَلُغَةٌ أُخْرَى نَكَيْت فِي الْعَدُوِّ نِكَايَةً
стр. 634
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَمَا يُسْتَبَاحُ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ مُوجِبًا لِحُكْمِهِ غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَرَاخٍ مِثْلُ الْمُسَافِرِ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِنَاءً عَلَى سَبَبِ تَرَاخِي حُكْمِهِ، فَكَانَ دُونَ مَا اعْتَرَضَ عَلَى سَبَبِ حِلِّ حُكْمِهِ وَإِنَّمَا يُكْمِلَ الرُّخْصَةَ بِكَمَالِ الْعَزِيمَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَعَنْ أَبِي عُمَرَ وَنَكَيْت فِي الْعَدُوِّ لَا غَيْرُ. وَعَنْ الْكِسَائِيّ كَذَلِكَ، وَلَمْ أَجِدْهُ مُعَدًّى بِنَفْسِهِ إلَّا فِي جَامِعِ الْغُورِيِّ قَالَ يَعْقُوبُ نَكَيْت الْعَدُوَّ إذَا قَتَلْت فِيهِمْ وَجَرَحْت قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
إذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ بِوُدِّكَ أَهْلَهُ ... وَلَمْ تَنْكَ بِالْبُوسَى عَدُوَّك فَابْعُدْ
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ هَذَا) أَيْ، وَكَثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ ثُبُوتُهُ فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِهِ مَالَ غَيْرِهِ بِالْقَتْلِ رُخِّصَ لَهُ ذَلِكَ لِرُجْحَانِ حَقِّهِ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَفُوتُ فِي النَّفْسِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَحَقُّ غَيْرِهِ لَا يَفُوتُ مَعْنًى لِانْجِبَارِهِ بِالضَّمَانِ فَإِذَا صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُرْمَةِ، وَهُوَ الْمِلْكُ وَحُكْمُهُ، وَهُوَ حُرْمَةُ التَّعَرُّضِ قَائِمَانِ فَإِنَّ حُرْمَةَ إتْلَافِ مَالِهِ لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ وَاحْتِرَامِهِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلُّ بِالْإِكْرَاهِ فَكَانَ فِي الصَّبْرِ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ مُقِيمًا فَرْضَ الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسَهُ صِيَانَةً لِحَقِّ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي مَالِهِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَيَكُونُ مُثَابًا كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْعَلَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا إنْ شَاءَ اللَّهُ قَيَّدَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِثْنَاءَ فِيمَا سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهَا نَصًّا بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِفْطَارِ، وَإِفْسَادِ الصَّلَاةِ، وَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَنَحْوِهَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَى تِلْكَ الْمَسَائِلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْإِتْلَافِ هَاهُنَا لَا يَرْجِعُ إلَى إعْزَازِ الدِّينِ فَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ صَائِمٌ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ بِمَخْمَصَةٍ يُرَخِّصُهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي نَفْسِهِ يَفُوتُ أَصْلًا وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَفُوتُ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْقَضَاءُ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ حَقَّ نَفْسِهِ. وَإِنْ صَبَرَ، وَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى قُتِلَ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ كَانَ مَأْجُورًا؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْوُجُوبِ لَمْ يَسْقُطْ فَكَانَ لَهُ بَذْلُ نَفْسِهِ لِإِقَامَةِ حَقِّ اللَّهِ ، وَفِيهِ إظْهَارُ الصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ، وَإِعْزَازِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى قُتِلَ كَانَ آثِمًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَهُمَا الْإِفْطَارَ بِقَوْلِهِ. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . فَعِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ رَمَضَانُ فِي حَقِّهِمَا كَشَعْبَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا فَيَكُونُ آثِمًا بِالِامْتِنَاعِ حَتَّى يَمُوتَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضْطَرِّ فِي فَصْلِ الْمَيْتَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَالْحُقُوقِ الْمُحْتَرَمَةِ مِثْلُ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ أَوْ مَالِ إنْسَانٍ رُخِّصَ لَهُ الدَّلَالَةُ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الدَّفْعَ عَنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ وَذَلِكَ عَزِيمَةٌ قَالَ ﵇ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» .
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) ، وَهُوَ الَّذِي دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً فَمَا يُسْتَبَاحُ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ أَيْ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ مُوجِبًا لِحِكْمَةٍ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ. إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ مُتَرَاخٍ عَنْهُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ قَائِمٌ كَانَتْ الرُّخْصَةُ حَقِيقَةً، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ مُتَرَاخٍ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَالِ كَانَ هَذَا الْقِسْمُ دُونَ الْأَوَّلِ فَإِنَّ كَمَالَ الرُّخْصَةِ بِكَمَالِ الْعَزِيمَةِ فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا مَعَ السَّبَبِ فَهُوَ أَقْوَى مِمَّا تَرَاخَى حُكْمُهُ عَنْهُ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ مَعَ الْبَيْعِ الْبَاتِّ وَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ مَعَ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ حَالٍّ فَإِنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ الْمِلْكُ فِي الْبَيْعِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ ثَابِتٌ فِي الْبَاتِّ مُتَرَاخٍ عَنْ السَّبَبِ الْمَقْرُونِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَالْأَجَلِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - مِثْلُ الْمُسَافِرِ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ مَعَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلصَّوْمِ الْمُحَرِّمِ لِلْفِطْرِ، وَهُوَ شُهُودُ الشَّهِيدِ وَتَوَجَّهَ الْخِطَابُ الْعَامُّ
стр. 635
لَكِنَّ السَّبَبَ لَمَّا تَرَاخَى حُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ كَانَ الْقَوْلُ بِالتَّرَاخِي بَعْدَ تَمَامِ السَّبَبِ رُخْصَةً فَأُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ
ــ
[كشف الأسرار]
نَحْوَهُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وَلِهَذَا لَوْ أَدَّى كَانَ فَرْضًا إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ حُرْمَةُ الْإِفْطَارِ وَتَرْكُ الصَّوْمِ تَرَاخَى فِي حَقِّهِ إلَى إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ أَدْنَى حَالًا مِنْهَا فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْإِفْطَارِ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَاكَ، وَهُوَ حُرْمَةُ الْإِفْطَارِ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ السَّبَبِ فَلَا جَرَمَ كَانَتْ الرُّخْصَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الْعَزِيمَةِ أَدْنَى حَالًا مِنْ الرُّخْصَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعَزِيمَةِ بِالْأَدْنَى؛ لِأَنَّ كَمَالَهَا وَانْتِقَاصَهَا بِكَمَالِ الْعَزِيمَةِ وَانْتِقَاصِهَا فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخَذَتْ شَبَهًا بِالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ، وَهُوَ الْوُجُوبُ وَحُرْمَةُ الْإِفْطَارِ لَمَّا تَرَاخَى لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي الْحَالِ فَلَمْ يُعَارِضْ الرُّخْصَةَ، وَهِيَ إبَاحَةُ الْإِفْطَارِ وَتَرْكُ الصَّوْمِ حُرْمَةٌ فَكَانَتْ شَبِيهًا بِالْإِفْطَارِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَكُنْ رُخْصَةً مَحْضَةً حَقِيقَةً.
لَكِنَّ السَّبَبَ لَمَّا تَرَاخَى حُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إنَّ حُكْمَ السَّبَبِ تَرَاخَى عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ إذْ لَوْ كَانَ مُعَلَّقًا لَمَا جَازَ الْأَدَاءُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَلَكَانَ السَّبَبُ غَيْرَ تَامٍّ فِي الْحَالِ لِمَا مَرَّ. كَانَ الْقَوْلُ بِتَرَاخِي الْوُجُوبِ وَحِلِّ الْإِفْطَارِ بَعْدَمَا تَمَّ السَّبَبُ رُخْصَةً حَقِيقَةً فَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْقِسْمُ دُونَ الْأَوَّلِ إذْ لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ مَدْخَلٌ لِلْمَجَازِ يُوَجَّهُ، وَفِي الثَّانِي لِلْمَجَازِ مَدْخَلٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَى تَرَاخِي الْحُكْمِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ، وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا لَلَزِمَهُ الْأَمْرُ بِالْفِدْيَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ بِعُذْرٍ يَرْفَعُ الْإِثْمَ، وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ الْحَلِفُ كَالْمُكْرَهِ عَلَى الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ، وَمَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ زَمَانِ الْقَضَاءِ يَلْزَمُهُ الْأَمْرُ بِالْفِدْيَةِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ بِثَابِتٍ فِي الْحَالِ.
ثُمَّ الشَّيْخُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ إلَى نَفْيِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ مِنْهُمْ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَجُوزُ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَ إدْرَاكِ الْعِدَّةِ سَوَاءٌ صَامَ فِي السَّفَرِ أَوْ لَمْ يَصُمْ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃. قَالُوا إنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَّقَ الْوُجُوبَ فِي حَقِّهِ بِإِدْرَاكِ الْعِدَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَلَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ قَبْلَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْمُقِيمِ قَبْلَ رَمَضَانَ وَقَدْ قَالَ ﵇. «الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ» . وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَوْ صَامَ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْمُسَافِرَ وَالْمُقِيمَ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] . لِبَيَانِ التَّرْخِيصِ بِالْفِطْرِ فَيَنْتَفِي بِهِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ لَا جَوَازُهُ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْجَوَازِ كَثْرَةٌ.
وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ حَتَّى خِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ عَلَى مَا عُرِفَ تَمَامُهُ فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ (وَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ أَوْلَى أَيْ) الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَوْلَى مِنْ الْإِفْطَارِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ، وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ بِكَمَالِهِ لَمَّا كَانَ قَائِمًا وَتَأَخَّرَ الْحُكْمُ بِالْأَجَلِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ التَّعْجِيلِ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ كَانَ الْمُؤَدِّي لِلصَّوْمِ عَامِلًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ وَالْمُتَرَخِّصُ بِالْفِطْرِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى التَّرَفُّهِ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى. وَلِتَرَدُّدٍ فِي الرُّخْصَةِ يَعْنِي الْيُسْرَ لَمْ يَتَعَيَّنْ
стр. 636
وَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ أَوْلَى عِنْدَنَا لِكَمَالِ سَبَبِهِ وَلَتَرَدَّدَ فِي الرُّخْصَةِ حَتَّى صَارَتْ الْعَزِيمَةُ تُؤَدِّي مَعْنَى الرُّخْصَةِ مِنْ وَجْهٍ فَلِذَلِكَ تَمَّتْ الْعَزِيمَةُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ أَعْرَضَ الشَّافِعِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَجَعَلَ الرُّخْصَةَ أَوْلَى اعْتِبَارًا لِظَاهِرِ تَرَاخِي الْعَزِيمَةِ إلَّا أَنْ يُضْعِفَهُ الصَّوْمُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ لِإِقَامَةِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَتِيلًا بِالصَّوْمِ فَيَصِيرُ قَاتِلًا نَفْسَهُ بِمَا صَارَ بِهِ مُجَاهِدًا وَفِي ذَلِكَ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ فَلَمْ يَكُنْ نَظِيرُ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِقَتْلِ الظَّالِمِ حَتَّى أَقَامَ الصَّوْمَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ مُضَافٌ إلَى الظَّالِمِ فَلَمْ يَصِرْ الصَّابِرُ مُغَيِّرًا لِلْمَشْرُوعِ فَصَارَ مُجَاهِدًا، وَأَمَّا أَتَمُّ نَوْعَيْ الْمَجَازِ فَمَا وُضِعَ عَنَّا مِنْ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى رُخْصَةً مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَاقِطٌ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا فَلَمْ يَكُنْ رُخْصَةً إلَّا مَجَازًا مِنْ حَيْثُ هُوَ نَسْخٌ تَمَحَّضَ تَخْفِيفًا
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْفِطْرِ بَلْ فِي الْعَزِيمَةِ نَوْعُ يُسْرٍ أَيْضًا فَإِنَّ الصَّوْمَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَيْسَرُ مِنْ التَّفَرُّدِ بِهِ وَبَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ بِخِلَافِ قَصْرِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ. فَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ تُؤَدِّي أَيْ تُحَصِّلُ مَعْنَى الرُّخْصَةِ وَتُفْضِي إلَيْهِ، وَهُوَ الْيُسْرُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. فَلِذَلِكَ أَيْ لِتَأْدِيَتِهَا مَعْنَى الرُّخْصَةِ تَمَّتْ الْعَزِيمَةُ أَيْ كَمُلَتْ بِحُصُولِ مَعْنَى الرُّخْصَةِ مَعَ تَحَقُّقِ مَعْنَى الْعَزِيمَةِ، وَهُوَ إقَامَةُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْعَزِيمَةَ كَانَتْ نَاقِصَةً بِاعْتِبَارِ تَأَخُّرِ حُكْمِهَا إلَى زَمَانِ الْإِقَامَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ أَوْلَى كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إلَّا أَنَّ هَذَا التَّأَخُّرَ ثَبَتَ رِفْقًا بِالْمُسَافِرِ وَتَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَيْهِ، وَفِي الصَّوْمِ نَوْعُ يُسْرٍ أَيْضًا فَانْجَبَرَ ذَلِكَ النُّقْصَانُ بِهَذَا الْيُسْرِ فَتَمَّتْ، وَكَمُلَتْ فَكَانَ الْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ أَعْرَضَ الشَّافِعِيُّ عَنْ ذَلِكَ أَيْ عَنْ تَرْجِيحِ الْعَزِيمَةِ، وَجَعَلَ الرُّخْصَةَ أَيْ الْعَمَلَ بِهَا أَوْلَى فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ اعْتِبَارًا لِظَاهِرِ تَرَاخِي الْعَزِيمَةِ أَيْ تَرَاخِي حُكْمِهَا فَإِنَّ وُجُوبَ أَدَاءِ الصَّوْمِ لَمَّا تَأَخَّرَ إلَى إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اقْتَضَى أَنْ لَا يَجُوزَ الْأَدَاءُ قَبْلَهُ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ إلَّا أَنَّهُ تُرِكَ فِي حَقِّ عَدَمِ الْجَوَازِ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ فَبَقِيَ مُعْتَبَرًا فِي أَفْضَلِيَّةِ الْفِطْرِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ أَدَاءُ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَتَقَرَّرُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَالْأَدَاءُ قَبْلَهُ يَكُونُ أَدَاءً قَبْلَ الْوُجُوبِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ فِي حَقِّ عَدَمِ الْجَوَازِ بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مُعْتَبَرًا فِي أَفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵇: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. ثُمَّ الْأَفْضَلُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ الْقَصْرُ فَكَذَا الْفِطْرُ فِي الصَّوْمِ يَكُونُ أَفْضَلَ.
وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا، وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسَافِرِ يَتَرَخَّصُ بِالْفِطْرِ، وَإِنْ صَامَ فَهُوَ أَفْضَلُ لَهُ «وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّوْمِ حَتَّى شَكَا النَّاسُ إلَيْهِ ثُمَّ أَفْطَرَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَالصَّوْمُ أَحَبُّ مِنْ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ لِتَبْرِئَةِ الذِّمَّةِ إلَّا إذَا كَانَ يَتَضَرَّرُ بِهِ. وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَفْضَلِ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ أَفْضَلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِثْلُ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ الصَّوْمُ أَفْضَلُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ مَا هُوَ الْأَيْسَرُ مِنْهُمَا قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يُضْعِفَهُ الصَّوْمُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ أَوْلَى يَعْنِي إذَا أَضْعَفَهُ الصَّوْمُ فَحِينَئِذٍ كَانَ الْفِطْرُ أَوْلَى، وَلَوْ صَبَرَ حَتَّى مَاتَ كَانَ آثِمًا؛ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ لَزِمَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَوْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِإِقَامَةِ الصَّوْمِ صَارَ قَتِيلًا بِالصَّوْمِ، وَهُوَ الْمُبَاشِرُ لِفِعْلِ الصَّوْمِ فَيَصِيرُ قَاتِلًا نَفْسَهُ بِمَا صَارَ بِهِ مُجَاهِدًا، وَهُوَ الصَّوْمُ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ إقَامَةُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ عَنْهُ، وَهُوَ حَرَامٌ كَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِالسَّيْفِ الَّذِي يُجَاهِدُ بِهِ مَعَ الْكُفَّارِ كَانَ حَرَامًا.، وَفِي ذَلِكَ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهِ إمَّا التَّأْخِيرُ أَوْ جَوَازُ التَّعْجِيلِ عَلَى
стр. 637
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَمَا سَقَطَ عَنْ الْعِبَادَةِ مَعَ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا فِي الْجُمْلَةِ فَمِنْ حَيْثُ سَقَطَ أَصْلًا كَانَ مَجَازًا وَمِنْ حَيْثُ بَقِيَ مَشْرُوعًا فِي الْجُمْلَةِ كَانَ شَبِيهًا بِحَقِيقَةِ الرُّخْصَةِ فَكَانَ دُونَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِثَالُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ رَخَّصَ فِي السَّلَمِ» وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ أَنْ يُلَاقِيَ عَيْنًا، وَهَذَا حُكْمٌ بَاقٍ مَشْرُوعٌ لَكِنَّهُ سَقَطَ فِي بَابِ السَّلَمِ أَصْلًا تَخْفِيفًا حَتَّى لَمْ يَبْقَ تَعْيِينُهُ فِي السَّلَمِ مَشْرُوعًا وَلَا عَزِيمَةً؛ وَهَذَا لِأَنَّ دَلِيلَ الْيُسْرِ مُتَعَيِّنٌ لِوُقُوعِ الْعَجْزِ عَنْ التَّعْيِينِ فَوُضِعَ عَنْهُ أَصْلًا
ــ
[كشف الأسرار]
وَجْهٍ يُضْمَنُ يَسِيرًا فَأَمَّا التَّعْجِيلُ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فَكَانَ فِعْلُهُ تَغْيِيرًا لِلْمَشْرُوعِ.
أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ شُرِعَ لِتَرْتَاضَ النَّفْسُ لِخِدْمَةِ خَالِقِهَا عَلَى مَا مَرَّ فِي أَبْوَابِ الْأَمْرِ فَإِذَا أَدَّى إلَى الْهَلَاكِ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ الِارْتِيَاضُ لِلْخِدْمَةِ فَكَانَ خِلَافَ الْمَشْرُوعِ. فَلَمْ يَكُنْ نَظِيرُ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ بِقَتْلِ الظَّالِمِ أَيْ لَا يَكُونُ الْمُسَافِرُ فِيمَا ذُكِرَ مِثْلَ الْمُقِيمِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْفِطْرِ بِالْقَتْلِ الصَّابِرِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يُقْتَلَ إقَامَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ هُنَاكَ صَدَرَ مِنْ الْمُكْرَهِ وَأُضِيفَ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ الصَّابِرُ مُغَيِّرًا لِلْمَشْرُوعِ بِفِعْلِهِ بَلْ هُوَ فِي الصَّبْرِ مُسْتَدِيمٌ لِلْعِبَادَةِ مُظْهِرٌ لِلطَّاعَةِ وَذَلِكَ عَمَلُ الْمُجَاهِدِينَ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ إذَا لَمْ يُفْطِرْ فِي السَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ حَتَّى مَاتَ كَانَ آثِمًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْسَنَ إلَيْهِ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ وَبِالتَّعْجِيلِ مَعَ الْهَلَاكِ صَارَ رَادًّا عَفْوًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَمُبْتَدِئًا مِنْ نَفْسِهِ بِالْإِحْسَانِ لَا مُقِيمًا حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لَا يَحْسُنُ شَرْعًا وَعَقْلًا. وَذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ الْمُسَافِرَ أَوْ الْمَرِيضَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ فَامْتَنَعَ حَتَّى قُتِلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ آثِمًا بَلْ يَكُونُ شَهِيدًا لِكَوْنِهِ مُقِيمًا حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى إذْ حَقُّهُ لَمْ يَسْقُطْ وَلِهَذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَلَوْ سَقَطَ حَقُّهُ أَصْلًا لَمَا وَجَبَ الْبَذْلُ إلَّا أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ نُصُوصٌ عَلَى إلْحَاقِ الْوَعِيدِ بِهِمَا بِتَرْكِ الْإِفْطَارِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» . وَقَوْلِهِ ﵇ «الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ» . وَالْمُرَادُ حَالَةَ خَوْفِ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ فِي إبَاحَةِ الِامْتِنَاعِ، وَفِعْلُ الصَّوْمِ فِي حَالِ عَدَمِ خَوْفِ التَّلَفِ فَدَلَّتْ عَلَى إبَاحَةِ الْإِفْطَارِ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَكُونُ الْأَدَاءُ وَاجِبًا، وَلَا يَكُونُ مُقِيمًا حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الِامْتِنَاعِ فَيَكُونُ آثِمًا وَالْإِكْرَاهُ فِي حَالَةِ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ نَظِيرُ خَوْفِ التَّلَفِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيُلْحَقُ بِهِ تَسْمِيَةُ مَا حُطَّ عَنَّا مِنْ الْأَسْرَارِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا رُخْصَةً مَجَازًا؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا، وَلَا عَلَى غَيْرِنَا لَا يُسَمَّى رُخْصَةً أَصْلًا، وَهِيَ لَمَّا وَجَبَتْ عَلَى غَيْرِنَا فَإِذَا قَابَلْنَا أَنْفُسَنَا بِهِمْ كَانَ السُّقُوطُ فِي حَقِّنَا تَوْسِعَةً وَتَخْفِيفًا فَحَسُنَ إطْلَاقُ اسْمِ الرُّخْصَةِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ تَجَوُّزًا لَا تَحْقِيقًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُرْمَةِ مَعَ الْحُكْمِ مَعْدُومٌ أَصْلًا بِالرَّفْعِ وَالنَّسْخِ، وَالْإِيجَابُ عَلَى غَيْرِنَا لَا يَكُونُ تَضْيِيقًا فِي حَقِّنَا، وَالرُّخْصَةُ فُسْحَةٌ فِي مُقَابَلَةِ التَّضْيِيقِ.
وَالْإِصْرُ الْأَعْمَالُ الشَّاقَّةُ وَالْأَحْكَامُ الْمُغَلَّظَةُ كَقَتْلِ النَّفْسِ فِي التَّوْبَةِ وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ الْخَاطِئَةِ. وَالْأَغْلَالُ الْمَوَاثِيقُ اللَّازِمَةُ لُزُومَ الْغُلِّ كَذَا فِي غَيْرِ الْمَعَانِي. وَفِي الْكَشَّافِ: الْإِصْرُ الثِّقَلُ الَّذِي يَأْصِرُ صَاحِبَهُ أَيْ يَحْبِسُهُ لِثِقَلِهِ، وَهُوَ مُثْقِلٌ لِثِقَلِ تَكْلِيفِهِمْ وَصُعُوبَتِهِ نَحْوُ اشْتِرَاطِ قَتْلِ النَّفْسِ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ.، وَكَذَلِكَ الْأَغْلَالُ مِثْلُ لَمَّا كَانَ فِي شَرَائِعِهِمْ مِنْ الْأَشْيَاءِ الشَّاقَّةِ نَحْوِ بَتِّ الْقَضَاءِ بِالْقِصَاصِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً مِنْ غَيْرِ شَرْعِ الدِّيَةِ وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ الْخَاطِئَةِ، وَقَرْضِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْجِلْدِ وَالثَّوْبِ، وَإِحْرَاقِ الْغَنَائِمِ وَتَحْرِيمِ الْعُرُوقِ فِي اللَّحْمِ وَتَحْرِيمِ السَّبْتِ.
وَعَنْ عَطَاءٍ كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إذَا قَامَتْ تُصَلِّي لَبِسُوا الْمُسُوحَ وَغَلُّوا أَيْدِيَهُمْ إلَى أَعْنَاقِهِمْ وَرُبَّمَا ثَقَبَ الرَّجُلُ تَرْقُوَتَهُ وَجَعَلَ فِيهَا طَرَفَ السَّلْسَلَةِ، وَأَوْثَقَهَا إلَى السَّارِيَةِ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ) وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَخِيرُ مِنْ أَنْوَاعِ الرُّخَصِ فَمَا سَقَطَ عَنْ الْعِبَادِ بِإِخْرَاجِ السَّبَبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الرُّخْصَةِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ السَّاقِطِ
стр. 638
وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ الْمَيْتَةِ أَوْ الْمُضْطَرُّ إلَيْهِمَا رُخْصَةً مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ سَاقِطَةٌ حَتَّى إذَا صَبَرَ صَارَ آثِمًا
ــ
[كشف الأسرار]
مَشْرُوعًا فِي الْجُمْلَةِ فَمِنْ حَيْثُ سَقَطَ فِي مَحَلِّ الرُّخْصَةِ أَصْلًا كَانَ نَظِيرَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَكَانَ مَجَازًا إذْ لَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهِ عَزِيمَةٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَقِيَ السَّبَبُ وَالْحُكْمُ مَشْرُوعًا فِي الْجُمْلَةِ أَخَذَ شَبَهًا بِالْحَقِيقَةِ فَضَعُفَ وَجْهُ الْمَجَازِ فَكَانَ دُونَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَلَكِنَّ جِهَةَ الْمَجَازِ غَالِبَةٌ عَلَى شَبَهِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْمَجَازِ بِالنَّظَرِ إلَى مَحَلِّ الرُّخْصَةِ وَشَبَهَ الْحَقِيقَةِ بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا فَكَانَ جِهَةُ الْمَجَازِ أَقْوَى.
رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» . كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَبِيعُونَ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يَمْلِكُونَهُ ثُمَّ يَشْتَرُونَهُ بِثَمَنٍ رَخِيصٍ وَيُسَلِّمُونَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَالنَّبِيُّ ﵇ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ لِلْحَاجَةِ فَشُرِطَتْ الْعَيْنِيَّةُ فِي عَامَّةِ الْبِيَاعَاتِ لِتَثْبُتَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ ثُمَّ سَقَطَ هَذَا الشَّرْطُ فِي السَّلَمِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا حَتَّى كَانَتْ الْعَيْنِيَّةُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ مُفْسِدَةً لِلْعَقْدِ لَا مُصَحِّحَةً لَهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ هَذَا الشَّرْطِ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ لِيَتَوَصَّلُوا إلَى مَقَاصِدِهِمْ مِنْ الْأَثْمَانِ قَبْلَ إدْرَاكِ غَلَّاتِهِمْ مَعَ تَوَصُّلِ صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ إلَى مَقْصُودِهِ مِنْ الرِّبْحِ فَكَانَتْ رُخْصَةً مَجَازًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَيْنِيَّةَ سَقَطَ أَصْلًا فِيهِ لِلتَّخْفِيفِ، وَلَمْ تَبْقَ مَشْرُوعَةً كَالْأَصْرَارِ وَالْأَغْلَالِ، وَلَكِنْ لَهَا شَبَهٌ بِالْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَيْنِيَّةَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَذَلِكَ أَيْ كَوْنُ السَّلَمِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَوْ تَسْمِيَتُهُ رُخْصَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ أَنْ يُلَاقِيَ عَيْنًا لِمَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ ﵇ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» «وَلِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» .
وَقَوْلُهُ، وَلَا عَزِيمَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ مَشْرُوعًا تَأْكِيدًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ عَدَمَ بَقَائِهِ مَشْرُوعًا بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ أَوْ تَقْدِيرُهُ لَمْ يَبْقَ عَزِيمَةً، وَلَا مَشْرُوعًا.، وَهَذَا أَيْ سُقُوطُ الْعَيْنِيَّةِ فِي بَابِ السَّلَمِ بِاعْتِبَارِ تَعَيُّنِ الْيُسْرِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ التَّعْيِينِ مُتَحَقِّقٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِطَرِيقِ السَّلَمِ دَلِيلُ الْعَجْزِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا لَمَا بَاعَ بِأَوْكَسِ الْأَثْمَانِ، وَلَبَاعَهُ مُسَاوَمَةً لَا سَلَمًا فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْقَ التَّعْيِينُ مَشْرُوعًا أَصْلًا كَشَرْطِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ) ، وَمِثْلُ السَّلَمِ الْمُكْرَهُ أَيْ فِعْلُ الْمُكْرَهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ رُخْصَةٌ مَجَازًا بِطَرِيقِ حَذْفِ الْمُضَافِ، وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ أَوْ كَذَلِكَ الْمُكْرَهُ أَوْ الْمُضْطَرُّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ مُرَخَّصٌ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَصْدَرِ عَلَى مَفْعُولٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهَا فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ أَنَّهَا تَصِيرُ مُبَاحَةً أَوْ تَبْقَى عَلَى الْحُرْمَةِ وَيَرْتَفِعُ الْإِثْمُ. فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا لَا تَحِلُّ، وَلَكِنْ يُرَخَّصُ الْفِعْلُ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ إبْقَاءً لِلْمُهْجَةِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ، وَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ تَرْتَفِعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا صَبَرَ حَتَّى مَاتَ لَا يَكُونُ آثِمًا عِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ آثِمًا عِنْدَنَا. وَفِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَرَامًا فَتَنَاوَلَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ يَحْنَثُ عِنْدَهُمْ، وَلَا يَحْنَثُ عِنْدَنَا. تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] .
стр. 639
لِأَنَّ حُرْمَتَهُ مَا ثَبَتَتْ إلَّا صِيَانَةً لِعَقْلِهِ وَدِينِهِ عَنْ فَسَادِ الْخَمْرِ وَنَفْسِهِ عَنْ الْمَيْتَةِ فَإِذَا خَافَ بِهِ فَوَاتَ نَفْسِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ صِيَانَةُ الْبَعْضِ بِفَوَاتِ الْكُلِّ فَسَقَطَ الْمُحَرَّمُ وَكَانَ إسْقَاطًا لِحُرْمَتِهِ فَإِذَا صَبَرَ لَمْ يَصِرْ مُؤَدِّيًا حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ مُضَيِّعًا دَمه إلَّا أَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَيْ فَمَنْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَى تَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَجَاعَةٍ غَيْرِ مَائِلٍ إلَى مَا يَؤُمُّهُ، وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ فَوْقَ سَدِّ الرَّمَقِ تَلَذُّذًا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يَغْفِرُ لَهُ مَا أَكَلَ مِمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ حِينَ اُضْطُرَّ إلَيْهِ. رَحِيمٌ بِأَوْلِيَائِهِ فِي الرُّخْصَةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَدَلَّ إطْلَاقُ الْمَغْفِرَةِ عَلَى قِيَامِ الْحُرْمَةِ إلَّا أَنَّهُ تَعَالَى رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ رَحْمَةً عَلَى عِبَادَةِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ. وَبِأَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِنَاءٌ عَلَى صِفَاتٍ فِيهَا مِنْ الْخَبَثِ وَالضَّرَرِ، وَلَا تَنْعَدِمُ تِلْكَ الصِّفَاتُ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَبَقِيَتْ مُحَرَّمَةً كَمَا كَانَتْ وَرُخِّصَ الْفِعْلُ بِسَبَبِ الضَّرُورَةِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
فَاسْتَثْنَى حَالَةَ الضَّرُورَةِ، وَالْكَلَامُ الْمُقَيَّدُ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى فَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَقَدْ كَانَتْ مُبَاحَةً قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَبَقِيَتْ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ عَلَى مَا كَانَتْ.
وَهَذَا عَلَى مَذْهَبُ مَنْ جَعَلَ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةَ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ لَا يُعْرَفَانِ إلَّا شَرْعًا فَيُقَالُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْحَظْرِ إبَاحَةٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُحَرَّمَةٌ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ مُبَاحَةٌ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ فَتَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ بِالنَّصِّ أَيْضًا. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِثْنَاءُ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦] . فَإِنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى إبَاحَتِهِ.؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْحَظْرِ لِيَدُلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْغَضَبِ إذْ التَّقْدِيرُ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ فَيَنْتَفِي الْغَضَبُ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا يَدُلُّ انْتِفَاؤُهُ عَلَى ثُبُوتِ الْحِلِّ. وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ أَنَّ حُرْمَتَهُ أَيْ حُرْمَةَ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَنَحْوَهُمَا. مَا ثَبَتَتْ إلَّا صِيَانَةً لِعَقْلِهِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ وَدِينِهِ عَنْ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِيهِ بِسَبَبِ الْخَمْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٩١] . وَنَفْسِهِ أَيْ بَدَنِهِ عَنْ تَعَدِّي خَبَثِ الْمَيْتَةِ وَنَظَائِرِهَا إلَيْهِ كَمَا أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فَإِذَا خَافَ بِهِ أَيْ بِالِامْتِنَاعِ فَوَاتَ نَفْسِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ صِيَانَةُ الْبَعْضِ بِفَوَاتِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ فِي فَوَاتِ الْكُلِّ فَوَاتَ الْبَعْضِ ضَرُورَةً.
فَسَقَطَ الْمُحَرَّمُ أَيْ مَعْنَى الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ صِيَانَةُ الْعَقْلِ وَالنَّفْسِ. فَكَانَ هَذَا أَيْ إطْلَاقُ الْفِعْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إسْقَاطًا لِحُرْمَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. فَإِذَا صَبَرَ لَمْ يَصِرْ مُؤَدِّيًا حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ بَلْ صَارَ مُضَيِّعًا دَمَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحُرْمَةِ فَكَانَ آثِمًا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِ مَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَيْتَةٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ دَخَلَ النَّارَ. إلَّا أَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الرُّخْصَةُ مِثْلَ سُقُوطِ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ بَلْ كَانَتْ دُونَهُ فِي الْمَجَازِيَّةِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ سَاقِطَةٌ أَوْ بِقَوْلِهِ فَسَقَطَ الْمُحَرَّمُ، وَهُوَ بِمَعْنَى لَكِنْ. وَأَمَّا إطْلَاقُ الْمَغْفِرَةِ مَعَ الْإِبَاحَةِ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ الِاضْطِرَارَ الْمُرَخِّصَ لِلتَّنَاوُلِ يَكُونُ بِالِاجْتِهَادِ وَعَسَى يَقَعُ التَّنَاوُلُ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ سَدُّ الرَّمَقِ وَبَقَاءُ الْمُهْجَةِ إذْ مِثْلُ مَنْ اُبْتُلِيَ بِهَذِهِ الْمَخْمَصَةِ يَعْسُرُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ هَذَا الِاضْطِرَارِ الْمُرَخِّصِ، وَالتَّنَاوُلُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَاَللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْمَغْفِرَةَ لِهَذَا التَّفَاوُتِ، وَفِي التَّيْسِيرِ
стр. 640
وَمِنْ ذَلِكَ مَا قُلْنَا فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ بِالسَّفَرِ أَنَّهُ رُخِّصَ إسْقَاطًا حَتَّى لَا يَصِحَّ أَدَاؤُهُ مِنْ الْمُسَافِرِ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهَا إسْقَاطًا اسْتِدْلَالًا بِدَلِيلِ الرُّخْصَةِ وَمَعْنَاهَا أَمَّا الدَّلِيلُ فَمَا رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ \انقصر وَنَحْنُ آمِنُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ إنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» سَمَّاهُ صَدَقَةً وَالتَّصَدُّقُ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ مَنْ لَا يَلْزَمُ طَاعَتُهُ كَوَلِيِّ الْقِصَاصِ إذَا عَفَا فَمَنْ تَلْزَمُ طَاعَتُهُ أَوْلَى، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الرُّخْصَةَ لِلْيُسْرِ
ــ
[كشف الأسرار]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] أَيْ غَفُورٌ لِمَنْ تَابَ مِنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَاسْتِحْلَالِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ. رَحِيمٌ بِشَرْعِ التَّوْبَةِ. وَقِيلَ غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ الْكِبَارِ فَكَيْفَ يُؤَاخِذُ بِتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ. رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ فِيمَا يَتَعَبَّدُهُمْ بِهِ.
وَقِيلَ غَفُورٌ بِالْعَفْوِ عَمَّنْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. رَحِيمٌ بِرَفْعِ الْإِثْمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَفِي عَيْنِ الْمَعَانِي فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ بِإِزَاحَةِ الْمَغْفِرَةِ عِنْدَ الْمَضَرَّةِ رَحِيمٌ بِإِبَاحَةِ الْمَحْظُورِ لِلْمَعْذُورِ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ، وَمِنْ وَقْتِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ مَا قُلْنَا فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ بِالسَّفَرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الْقَصْرُ رُخْصَةٌ حَقِيقَةٌ وَالْعَزِيمَةُ هِيَ الْأَرْبَعُ حَتَّى لَوْ فَاتَ الْوَقْتُ يَقْضِي أَرْبَعًا سَوَاءٌ قَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَوْ فِي الْحَضَرِ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] . شُرِعَ بِلَفْظِ لَا جُنَاحَ، وَأَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ دُونَ الْإِيجَابِ.
وَبِأَنَّ الْوَقْتَ سَبَبُ الْأَرْبَعِ وَالسَّفَرُ سَبَبٌ لِلْقَصْرِ لَا عَلَى رَفْعِ الْأَوَّلِ وَتَغْيِيرِهِ فَإِنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِمُقِيمٍ صَحَّ وَيَلْزَمُهُ الْأَرْبَعُ، وَلَوْ ارْتَفَعَ لِمَا لَزِمَهُ كَمُصَلِّي الْفَجْرِ إذَا اقْتَدَى بِمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ فَيَعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ إلَّا أَنَّ الْقَصْرَ سَبَبٌ عَارِضٌ فَمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ لَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَهَذَا كَالْعَبْدِ إذَا أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ بِالْجُمُعَةِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا فَكَذَا الْمُسَافِرُ يَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.
وَكَذَا الْمُسَافِرُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَّرَ، وَإِنْ شَاءَ عَجَّلَ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ أَصْلُ الْفَرْضِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَقْتِ إلَّا أَنْ يَتَرَخَّصَ بِالتَّرْكِ وَالتَّأْخِيرِ. وَعِنْدَنَا الْقَصْرُ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ أَيْ الْقَصْرُ لَيْسَ بِرُخْصَةٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ إسْقَاطٌ لِلْعَزِيمَةِ، وَهِيَ الْأَرْبَعُ.
حَتَّى لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهُ مِنْ الْمُسَافِرِ أَيْ أَدَاءُ مَا سَقَطَ عَنْهُ كَمَا لَوْ صَلَّى الْفَجْرَ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ لَمْ يَبْقَ مُوجِبًا إلَّا رَكْعَتَيْنِ فَكَانَتْ الْأُخْرَيَانِ نَفْلًا لِمَا بَيَّنَّا وَخَلْطُ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ قَصْدًا لَا يَحِلُّ، وَأَدَاءُ النَّفْلِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ مُفْسِدٌ لِلْفَرْضِ فَإِذَا صَلَّى أَرْبَعًا، وَلَمْ يَقْعُدْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهَا أَيْ هَذِهِ الرُّخْصَةَ إسْقَاطًا لِلْعَزِيمَةِ اسْتِدْلَالًا بِدَلِيلِ الرُّخْصَةِ أَيْ بِدَلِيلٍ يُثْبِتُ الرُّخْصَةَ وَاسْتِدْلَالًا بِمَعْنَى هَذِهِ الرُّخْصَةِ. أَمَّا الدَّلِيلُ فَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيِّ قَالَ سَأَلْت عُمَرَ ﵁ مَا بَالُنَا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَا نَخَافُ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَقَالَ أَشْكَلَ عَلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْك فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﵇ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إنَّهَا صَدَقَةٌ. وَالضَّمِيرُ أَوْ اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى الصَّلَاةِ الْمَقْصُورَةِ أَوْ إلَى الْقَصْرِ، وَالتَّأْنِيثُ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر: ٤٩] . أَوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالرُّخْصَةِ أَيْ هَذِهِ الرُّخْصَةُ صَدَقَةٌ.
فَالشَّافِعِيُّ ﵀ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﵇ أَنَّ الْقَصْرَ صَدَقَةٌ وَالصَّدَقَةُ لَا تَثْبُتُ، وَلَا تَتِمُّ إلَّا بِقَبُولِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ فَاقْبَلُوا فَقَبْلَ الْقَبُولِ بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ.
فَالشَّيْخُ أَدْرَجَ فِي تَقْرِيرِهِ رَدَّ هَذَا الْكَلَامِ وَقَالَ سَمَّاهُ أَيْ الْقَصْرُ صَدَقَةٌ وَالتَّصْدِيقُ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ الْعَبْدِ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ فَاعْمَلُوا بِهَا وَاعْتَقَدُوهَا كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ قَبِلَ الشَّرَائِعَ
стр. 641
وَقَدْ تَعَيَّنَ الْيُسْرُ فِي الْقَصْرِ بِيَقِينٍ فَلَا يَبْقَى الْإِكْمَالُ إلَّا مُؤْنَةً مَحْضَةً لَيْسَ فِيهَا فَضْلُ ثَوَابٍ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ فَالْقَصْرُ مَعَ مُؤْنَةِ السَّفَرِ مِثْلُ الْإِكْمَالِ كَقَصْرِ الْجُمُعَةِ مَعَ إكْمَالِ الظُّهْرِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ أَصْلًا
ــ
[كشف الأسرار]
أَيْ اعْتَقَدَهَا. وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَمَّا مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ وَجْهٍ فَالتَّصَدُّقُ بِهِ. وَتَمْلِيكُهُ لَا يَكُونُ إسْقَاطًا مَحْضًا حَتَّى لَوْ قَالَ لِمَدْيُونِهِ تَصَدَّقْتُ بِالدَّيْنِ عَلَيْك أَوْ مَلَّكْتُكَهُ فَإِنَّهُ لَوْ قَبِلَ أَوْ سَكَتَ يَسْقُطُ الدَّيْنُ، وَإِنْ قَالَ لَا أَقْبَلَ يَرْتَدُّ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ مِنْ الْمَدْيُونِ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ التَّصَدُّقُ بِهِ إسْقَاطًا مَحْضًا بَلْ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ تَعَلُّقُهُ بِالْحَظْرِ كَتَمْلِيكِ الْعَيْنِ فَيُرَدُّ بِالرَّدِّ. وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ التَّصَدُّقَ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ أَحَدُ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ وَالتَّمْلِيكُ الْمُضَافُ إلَى مَحَلٍّ يَقْبَلُهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِآخَرَ، وَهَبْتُ هَذَا الْعَبْدَ لَك أَوْ مَلَّكْتُكَهُ أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك إذَا صَدَرَ مِنْ الْعِبَادِ قَدْ يَقْبَلُ الرَّدَّ حَتَّى لَوْ قَالَ الْآخَرُ لَا أَقْبَلُ لَا يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَإِذَا صَدَرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ لَا يُمْكِنُ رَدُّ مَا أَوْجَبَهُ، وَأَثْبَتَهُ سَوَاءٌ كَانَ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا مِثْلُ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الْوَارِثِ فَإِذَا قَالَ لَا أَقْبَلُ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ.
وَالتَّمْلِيكُ الْمُضَافُ إلَى مَحَلٍّ لَا يَقْبَلُهُ إذَا صَدَرَ مِنْ الْعِبَادِ لَا يَقْبَلُ الرَّدَّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ، وَهَبْت مِلْكَ الطَّلَاقِ أَوْ النِّكَاحِ مِنْك أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك أَوْ يَقُولُ وَلِيُّ الْقِصَاصِ لِمَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَهَبْت الْقِصَاصَ لَك أَوْ مَلَّكْتُكَهُ أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك فَتَطْلُقُ الْمَرْأَةُ وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ، وَلَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْإِسْقَاطُ وَالسَّاقِطُ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ فَالتَّصَدُّقُ الصَّادِرُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ، وَهُوَ شَطْرُ الصَّلَاةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَحْتَمِلَ الرَّدَّ، وَلَا يَتَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَنَّ التَّصْدِيقَ الْإِسْقَاطُ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْإِسْقَاطَ تَصَدُّقًا فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
١ -
وَمِنْ الدَّلِيلِ مَا رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ ﵁ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ تَامٌّ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ، وَمَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ فَقَدْ كَفَرَ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ. وَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَالْآخَرُ يَقْصُرُ عَنْ حَالِهِمَا فَقَالَ لِلَّذِي قَصَرَ أَنْتَ أَكْمَلْت وَقَالَ لِلْآخَرِ أَنْتَ قَصَرْت كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ كَالْمُقْصِرِ فِي الْحَضْرَةِ» . كَذَا أَوْرَدَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَأَسْنَدَهُ وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ قَصْرُ الْأَحْوَالِ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ فَأَمَّا قَصْرُ الذَّاتِ فَثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ (قَوْلُهُ) وَقَدْ تَعَيَّنَ الْيُسْرُ فِي الْقَصْرِ بِيَقِينٍ.
إذَا ثَبَتَتْ الرُّخْصَةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي شَيْءٍ لِلْعَبْدِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الرُّخْصَةِ وَبَيْنَ الْإِتْيَانِ بِالْعَزِيمَةِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ، وَإِنْ تَضَمَّنَتْ يُسْرًا فَالْعَزِيمَةُ إمَّا إنْ تَضَمَّنَتْ فَضْلَ ثَوَابٍ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ تَضَمَّنَتْ ثَوَابَ الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا إنْ تَضَمَّنَتْ يُسْرًا آخَرَ لَيْسَ ذَلِكَ فِي الرُّخْصَةِ كَالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ تَضَمَّنَ يُسْرَ مُوَافَقَةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلُ ثَوَابٍ، وَلَا نَوْعُ يُسْرٍ فَسَقَطَتْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالرُّخْصَةِ وَتَعَيَّنَ الْيُسْرُ فِيهَا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَعَيَّنَ الْيُسْرُ فِي الْقَصْرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ
стр. 642
وَالثَّانِي أَنَّ التَّخْيِيرَ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ رِفْقًا كَانَ رُبُوبِيَّةً، وَإِنَّمَا لِلْعِبَادِ اخْتِيَارُ الْأَرْفَقِ فَإِذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ رِفْقًا كَانَ رُبُوبِيَّةً، وَلَا شَرِكَةَ لَهُ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ تَوَلَّى وَضْعَ الشَّرَائِعِ جَبْرًا بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ فِي أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ يَخْتَارُ الْأَرْفَقَ عِنْدَهُ وَلِهَذَا لَمْ نَجْعَلْ رُخْصَةَ الصَّوْمِ إسْقَاطًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ بِالتَّأْخِيرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] لَا بِالصَّدَقَةِ بِالصَّوْمِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَا يَتَضَمَّنُ إلَّا كَمَالَ فَضْلِ ثَوَابٍ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الثَّوَابِ فِي فِعْلِ الْعَبْدِ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِ لَا فِي أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] . اعْتَبَرَ حُسْنَ الْعَمَلِ لَا كَثْرَتَهُ وَقَالَ ﵇ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ» . أَيْ طَاقَتُهُ فَجَعَلَ جُهْدَهُ أَفْضَلَ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا دِرْهَمًا وَتَصَدَّقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ ثُمَّ الْمُسَافِرُ قَدْ أَتَى بِجَمِيعِ مَا عَلَيْهِ كَالْمُقِيمِ فَكَانَ كَالْجُمُعَةِ وَالْفَجْرِ مَعَ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ لَا فَضْلَ لِظُهْرِ الْمُقِيمِ عَلَى فَجْرِهِ، وَلَا لِظُهْرِ الْعَبْدِ عَلَى جُمُعَةِ الْحُرِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ قَوْلُهُ (وَالثَّانِي أَنَّ التَّخْيِيرَ) كَذَا ذَكَرَ الْخَصْمُ أَنَّ ثُبُوتَ الْقَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ.
فَإِنْ اخْتَارَ الْقَصْرَ كَانَ فَرْضُهُ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ ذَلِكَ كَانَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا.، وَفِيهِ فَسَادٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا تَخْيِيرٌ لَمْ يَتَضَمَّنْ رِفْقًا بِالْعَبْدِ وَالِاخْتِيَارُ الْخَالِي عَنْ الرِّفْقِ لَيْسَ إلَّا لِلَّهِ ﷻ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ أَوْ مَضَرَّةٍ تَنْدَفِعُ عَنْهُ فَإِثْبَاتُ مِثْلِ هَذَا التَّخْيِيرِ لِلْعَبْدِ يَنْزِعُ إلَى الشَّرِكَةِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ فَيَكُونُ فَاسِدًا وَثَانِيهِمَا أَنَّ هَذَا التَّخْيِيرَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَصْبُ شَرِيعَةٍ وَحُكْمٍ مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِ الْعَبْدِ، وَمُعَلَّقًا بِهِ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ شَرْعِيَّةُ الْقَصْرِ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّكُمْ إنْ اخْتَرْتُمْ ذَلِكَ وَذَلِكَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهَا مَتَى عُلِّقَتْ بِرَأْيِهِمْ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا فِي الْحَالِ كَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَشِيئَةِ، وَإِذَا شَاءَ الْعَبْدُ كَانَ الثُّبُوتُ مُضَافًا إلَى الْمَشِيئَةِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَشِيئَةِ، وَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ نَصْبِ الشَّرِيعَةِ إلَّا إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى الرُّسُلِ فَإِضَافَتُهُ إلَى غَيْرِهِمْ تُؤَدِّي إلَى الشَّرِكَةِ فِي خَاصَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ أَوْ الرِّسَالَةِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ أَدْرَجَ فِي كَلَامِهِ الْمَعْنَيَيْنِ فَقَالَ التَّخْيِيرُ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ رِفْقًا بِالْعَبْدِ كَانَ رُبُوبِيَّةً؛ لِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتًا قَبْلَ اخْتِيَارِهِ كَانَ هَذَا تَخْيِيرًا لَهُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ جَرِّ نَفْعٍ وَدَفْعِ ضُرٍّ، وَمِثْلُ هَذَا الِاخْتِيَارِ لَا يَلِيقُ بِالْعَبْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتًا بَلْ الثَّابِتُ أَحَدُهُمَا وَثُبُوتُ الْآخَرِ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتِيَارِهِ كَانَ هَذَا تَعْلِيقًا لِلشَّرْعِ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْزِعُ إلَى الشَّرِكَةِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ ثُمَّ اسْتَوْضَحَ الْمَعْنَى الْأَخِيرَ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ أَيْ الشَّارِعَ تَوَلَّى وَضْعَ الشَّرَائِعِ جَبْرًا حَتَّى نَفَّذَ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْرَ مَا أُرِيدَ مِنْهَا مِنْ إبَاحَةٍ وَنَدْبٍ أَوْ وُجُوبٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْعِبَادِ اخْتِيَارٌ فِي ذَلِكَ فَلَوْ عَلَّقَ الْقَصْرَ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ أَدَّى إلَى الشَّرِكَةِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ الْمَشْرُوعُ بِالسَّفَرِ تَعَلُّقُ الْقَصْرِ بِقَوْلِ الْعَبْدِ، وَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِنَفْسِهِ. قُلْنَا إنَّ الْمَشْرُوعَ الَّذِي اُبْتُلِينَا بِفِعْلِهِ هُوَ الصَّلَاةُ لَا الْقَصْرُ فَإِنَّهُ سُقُوطٌ وَالْعِبْرَةُ لِمَا هُوَ الْأَصْلُ فَلَا يَكُونُ صَيْرُورَةُ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا إلَيْنَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ إلَيْنَا الْأَدَاءُ لَا غَيْرُ هَذَا أَصْلُ الشَّرْعِ، وَإِلَى الْعَبْدِ مُبَاشَرَةُ الْعِلَلِ مِنْ سَفَرٍ أَوْ إقَامَةٍ دُونَ إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ ثُمَّ الْأَدَاءُ بَعْد ثُبُوتَ الْأَحْكَامِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَلَا تَرَى ابْتِدَاءَ كَلَامٍ رَدًّا لِمَا عَلَّقَ الْخَصْمُ السُّقُوطَ بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ فِي أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ أَيْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَنَحْوُهَا مِثْلُ التَّخْيِيرِ الثَّابِتِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] . الْآيَةَ وَالتَّخْيِيرُ الثَّابِتُ فِي الْحَلْقِ بِعُذْرٍ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] . فَإِنَّهُ أَيْ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ التَّخْيِيرُ. وَلِهَذَا أَيْ؛ وَلِأَنَّ لَفْظَةَ التَّصَدُّقِ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَى الْإِسْقَاطِ فِي الْقَصْرِ لَمْ نَجْعَلْ رُخْصَةَ الصَّوْمِ إسْقَاطًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ فِيهِ بِلَفْظِ التَّأْخِيرِ لَا بِالصَّدَقَةِ بِالصَّوْمِ
стр. 643
وَإِنَّمَا إسْقَاطُ الْبَعْضِ مِنْ هَذَا نَظِيرُ التَّأْخِيرِ وَالْحُكْمُ هُوَ التَّأْخِيرُ، وَالْيُسْرُ فِيهِ مُتَعَارِضٌ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ يَشُقُّ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ لِسَبَبِ السَّفَرِ وَيَخِفُّ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ بِشَرِكَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ مِنْ أَسْبَابِ الْيُسْرِ وَالتَّأْخِيرُ إلَى أَيَّامِ الْإِقَامَةِ يَتَعَذَّرُ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ الِانْفِرَادُ وَيَخِفُّ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ الرِّفْقُ بِمَرَافِقِ الْإِقَامَةِ، وَالنَّاسُ فِي الِاخْتِيَارِ مُتَفَاوِتُونَ فَصَارَ التَّخْيِيرُ لِطَلَبِ الرِّفْقِ فَصَارَ الِاخْتِيَارُ ضَرُورِيًّا وَلِلْعَبْدِ اخْتِيَارٌ ضَرُورِيٌّ فَأَمَّا مُطْلَقُ الِاخْتِيَارِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ إلَهِيٌّ وَصَارَ الصَّوْمُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ وَقَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الرُّخْصَةِ لِمَا قُلْنَا، وَهُوَ الَّذِي وُعِدْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ، وَإِنَّمَا تَمَسَّكَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَعَلَيَّ صِيَامُ سَنَةٍ فَفَعَلَ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ بِظَاهِرِ الْعَزِيمَةِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي دَرْكِ حُدُودِ الْفِقْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَإِنَّمَا إسْقَاطُ الْبَعْضِ فِي هَذَا أَيْ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ نَظِيرُ التَّأْخِيرِ فِي الصَّوْمِ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِلَا مَشِيئَةٍ مِنَّا، وَلَا رَأْيٍ فَكَذَا الْقَصْرُ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ إلَّا أَنَّ السَّبَبَ لَمَّا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ السَّبَبِيَّةِ وَبَقِيَ مُوجَبًا كَمَا كَانَ حَتَّى لَزِمَهُ الْقَضَاءُ إذَا أَدْرَكَ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ جَازَ التَّعْجِيلُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَجَّلَ مِمَّا يَقْبَلُ التَّعْجِيلَ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحُلُولِ؛ وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ ثَبَتَ لِلتَّيْسِيرِ، وَالْيُسْرُ مُتَعَارِضٌ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْكِتَابِ. وَهِيَ مِنْ أَسْبَابِ الْيُسْرِ؛ لِأَنَّ الْبَلِيَّةَ إذَا عَمَّتْ طَابَتْ. فَصَارَ الِاخْتِيَارُ ضَرُورِيًّا أَيْ ثَبَتَ ضَرُورَةُ طَلَبِ الرِّفْقِ وَالْعَبْدُ أَهْلٌ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاخْتِيَارِ. فَأَمَّا مُطْلَقُ الِاخْتِيَارِ مِنْ غَيْرِ رِفْقٍ فَلَا أَيْ لَا يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ إلَهِيٌّ كَمَا بَيَّنَّا.
وَصَارَ الصَّوْمُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ بِاعْتِبَارِ قِيَامِ السَّبَبِ وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَعْنَى الرُّخْصَةِ أَيْضًا.، وَإِنَّمَا تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ بَابِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ بِظَاهِرِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ فَقَالَ الْعَزِيمَةُ فِي الصَّوْمِ مُتَأَخِّرَةٌ إلَى عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطَالَبٍ بِالصَّوْمِ إلَّا بَعْدَ إدْرَاكِهَا فَلَمْ يَكُنْ الصَّوْمُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ فَكَانَ الْفِطْرُ أَوْلَى، وَفِي الصَّلَاةِ لَمْ يَتَأَخَّرْ الْحُكْمُ إلَى زَمَانِ الْإِقَامَةِ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ فِي الْحَالِ وَالْقَصْرُ رُخْصَةٌ فَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ أَوْلَى.
ثُمَّ شَرَعَ فِي جَوَابِ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، فَقَالَ وَلَا يَلْزَمُ إذَا أُذِنَ الْعَبْدُ فِي الْجُمُعَةِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، وَهُوَ الظُّهْرُ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا الْجُمُعَةُ، وَهَذَا تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ عَيْنًا عِنْدَ الْإِذْنِ كَمَا فِي الْحُرِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ الْأَصْلُ حَتَّى لَوْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْإِذْنِ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْحُرِّ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّخْيِيرَ ثَابِتٌ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا أَيْ الظُّهْرَ وَالْجُمُعَةَ مُخْتَلِفَانِ فَيَصِحُّ التَّخْيِيرُ طَلَبًا لِلرِّفْقِ بِخِلَافِ ظُهْرِ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ؛ لِأَنَّهُمَا وَاحِدٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا أَنَّ أَدَاءَ أَحَدَيْهِمَا بِنِيَّةِ الْأُخْرَى لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مُصَلِّي الظُّهْرِ بِمُصَلِّي الْجُمُعَةِ وَعَكْسُهُ وَيُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ مَا لَا يُشْتَرَطُ لِلظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ إنْ شَاءَ تَحَمَّلَ زِيَادَةَ الْأَرْبَعِ، وَإِنْ شَاءَ تَحَمَّلَ زِيَادَةَ السَّعْيِ وَالْخُطْبَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ يَعْنِي كَمَا لَا يَلْزَمُ تَخْيِيرُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فِي الْجُمُعَةِ عَلَى مَا قُلْنَا لَا يَلْزَمُ تَخْيِيرُ مَنْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَلَيَّ صِيَامُ سَنَةٍ فَفَعَلَ، وَهُوَ مُعْسِرٌ يُخَيَّرُ بَيْنَ صَوْمِ سَنَةٍ وَبَيْنَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَيَّامٍ مَعَ أَنَّهُ تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَوْمُ السَّنَةِ وَالثَّلَاثَةِ مُخْتَلِفٌ فِي الْمَعْنَى أَيْ مُخْتَلِفَانِ مَعْنًى، وَإِنْ اتَّفَقَا صُورَةً؛ لِأَنَّ صَوْمَ السَّنَةِ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ مَعْنَى الزَّجْرِ وَالْعُقُوبَةِ، وَصَوْمَ الثَّلَاثِ كَفَّارَةٌ لِمَا لَحِقَهُ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ الْمُؤَكَّدِ بِالْيَمِينِ، وَفِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ فَصَحَّ التَّخْيِيرُ طَلَبًا لِلْأَرْفَقِ عِنْدَهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ لَا يُرِيدُ وُقُوعَهُ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمَنْعُ مِنْ الدُّخُولِ.
فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ إنْ قَدِمَ غَائِبِي فَعَلَيَّ كَذَا فَلَا تَخْيِيرَ بَلْ الْوَاجِبُ هُوَ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ لَا غَيْرُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَيْ مَسْأَلَةِ ظُهْرِ الْمُسَافِرِ هُمَا سَوَاءٌ أَيْ الْقَصْرُ وَالْإِكْمَالُ سَوَاءٌ بِدَلِيلِ
стр. 644
وَلَا يَلْزَمُ رَجُلٌ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْجُمُعَةِ أَنَّهُ إنْ شَاءَ صَلَّى أَرْبَعًا، وَهُوَ الظُّهْرُ، وَإِنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ الْأَصْلُ عِنْدَ الْإِذْنِ؛ وَلِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَاسْتَقَامَ طَلَبُ الرِّفْقِ مُعْسِرٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ سَنَةً أَوْ يُكَفِّرَ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀، وَهُوَ مَرْوِيٌّ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ فِي الْمَعْنَى أَحَدُهُمَا قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ وَالثَّانِي كَفَّارَةٌ فِي مَسْأَلَتِنَا هُمَا سَوَاءٌ فَصَارَ كَالْمُدَبَّرِ إذَا جَنَى لَزِمَ مَوْلَاهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْأَرْشِ وَمِنْ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرْعَى ثَمَانِي حِجَجٍ أَوْ عَشْرًا فِيمَا ضَمِنَ مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الثَّمَانِيَةَ كَانَتْ مَهْرًا لَازِمًا، وَالْفَضْلُ كَانَ بِرًّا مِنْهُ وَيَتَّصِلُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مَعْرِفَةُ حُكْمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي ضِدِّ مَا نُسِبَا إلَيْهِ، وَهَذَا تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي جِنْسِ الْأَحْكَامِ فَأَخَّرْنَاهُ.
﴿بَابُ حُكْمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي أَضْدَادِهِمَا﴾
ــ
[كشف الأسرار]
اتِّفَاقُ الِاسْمِ وَالشَّرْطِ. وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَفْهُومِ لَا إلَى الْمَذْكُورِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] . فَصَارَ أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعَيُّنِ الْقَصْرِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَتَخَيُّرِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فِي الْجُمُعَةِ نَظِيرَ تَعَيُّنِ لُزُومِ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَرْشِ وَالْقِيمَةِ عَلَى الْمَوَالِي فِي جِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ وَتَخَيُّرِهِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْمُدَبَّرَ إذَا جَنَى لَزِمَ الْمَوْلَى الْأَقَلُّ مِنْ الْأَرْشِ، وَمِنْ قِيمَتِهِ الْمُدَبَّرُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لَهُ فِي ذَلِكَ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ إذْ الْمَالِيَّةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ لَا غَيْرُ وَتَعَيَّنَ الرِّفْقُ فِي الْأَقَلِّ كَالْقَصْرِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ.
بِخِلَافِ الْعَبْدِ إذَا جَنَى حَيْثُ خُيِّرَ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ مَعَ الْفِدَاءِ مُخْتَلِفَانِ صُورَةً، وَمَعْنًى فَإِنَّ أَحَدَهُمَا مَالٌ وَالْآخَرَ رَقَبَةٌ فَاسْتَقَامَ التَّخْيِيرُ طَلَبًا لِلرِّفْقِ كَتَخْيِيرِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ بِالْجُمُعَةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الظُّهْرِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا تَخْيِيرُ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه فِي الرَّعْيِ بَيْنَ ثَمَانِي سِنِينَ وَعَشْرِ سِنِينَ عَلَى مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] .، وَأَنَّهُ تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّمَانِي كَانَتْ وَاجِبَةً بَلْ الْمَهْرُ هُوَ الرَّعْيُ ثَمَانِي سِنِينَ لَا غَيْرُ، وَالْفَضْلُ كَانَ بِرًّا مِنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] .
وَهَكَذَا نَقُولُ الْفَرْضُ فِي مَسْأَلَتِنَا رَكْعَتَانِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ نَفْلٌ مَشْرُوعٌ لِلْعَبْدِ يَتَبَرَّعُ مِنْ عِنْدِهِ إلَّا أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِأَدَاءِ النَّفْلِ قَبْلَ إكْمَالِ الْأَرْكَانِ مُفْسِدٌ لِلْفَرْضِ وَبَعْدَ إكْمَالِهَا قَبْلَ انْتِهَاءِ التَّحْرِيمَةِ مَكْرُوهٌ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَا ذُكِرَ فِي بَابِ النَّوَافِلِ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا ذُكِرَ فِي بَابِ الْآذَانِ، وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ، وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي الثَّانِيَةِ إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرِّفْقَ تَعَيَّنَ فِي الْقَلِيلِ بَلْ فِي الْكَثِيرِ زِيَادَةُ الثَّوَابِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْقَلِيلِ يُسْرُ الْأَدَاءِ فَكَانَ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا، وَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ يَخْرُجُ جَمِيعُ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (وَيَتَّصِلُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ) أَيْ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْسَامِ حُكْمُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي ضِدِّ مَا نُسِبَا إلَيْهِ يَعْنِي ضِدَّ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَإِنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ فِي قَوْلِك اضْرِبْ مَنْسُوبٌ إلَى الضَّرْبِ وَطَلَبَ الِامْتِنَاعِ فِي قَوْلِك لَا تَشْتُمْ مَنْسُوبٌ إلَى الشَّتْمِ. وَلَمْ يَقُلْ فِي ضِدِّهِمَا؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيُوهِمُ أَنَّ لِلْأَمْرِ أَثَرًا فِي ضِدِّ نَفْسِهِ، وَهُوَ انْتَهَى، وَكَذَا الْعَكْسُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى إذَنْ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُمَا فِي ضِدِّ أَنْفُسِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِقَوْلِك تَحَرَّكْ فِي لَا تَتَحَرَّك، وَلَا قَوْلِك لَا تَسْكُنْ فِي السَّكَنِ أَصْلًا بِالْإِجْمَاعِ. فَأَمَّا ضِدُّ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ الْحَرَكَةُ فَالسُّكُونُ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ السُّكُونُ هُوَ الْحَرَكَةُ فَهَلْ لِلْأَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَحَرَّكْ أَثَرٌ فِي الْمَنْعِ عَنْ السُّكُونِ حَتَّى كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَا تَسْكُنْ، وَهَلْ لِلنَّهْيِ، وَهُوَ قَوْلُهُ لَا تَسْكُنْ أَثَرٌ فِي طَلَبِ الْحَرَكَةِ حَتَّى كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ تَحَرَّكْ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِهِ.
[بَابُ حُكْمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي أَضْدَادِهِمَا]
أَيْ أَضْدَادِ مَا نُسِبَا إلَيْهِ. وَذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ مِنْ أَصْحَابِنَا
стр. 645
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ هَلْ لَهُ حُكْمٌ فِي ضِدِّهِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيث إلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ كَالْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ نَهْيٌ عَنْ الْكُفْرِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ كَالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ فَإِنَّ لَهُ أَضْدَادًا مِنْ الْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاضْطِجَاعِ وَنَحْوِهَا يَكُونُ الْأَمْرُ نَهْيًا عَنْ الْأَضْدَادِ كُلِّهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا غَيْرِ عَيْنٍ. وَفَصَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَمْرِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ فَقَالَ أَمْرُ الْإِيجَابِ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْ أَضْدَادِهِ لِكَوْنِهَا مَانِعَةً مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبِ، وَأَمْرُ النَّدْبِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَكَانَتْ أَضْدَادُ الْمَنْدُوبِ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهَا لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَلَا نَهْيَ تَنْزِيهٍ.
وَمَنْ لَمْ يَفْصِلْ جَعَلَ أَمْرَ النَّدْبِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ نَهْيَ نَدْبٍ حَتَّى يَكُونَ الِامْتِنَاعُ عَنْ ضِدِّهِ مَنْدُوبًا كَمَا يَكُونُ فِعْلُهُ مَنْدُوبًا.، وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ فَأَمْرٌ بِضِدِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ بِاتِّفَاقِهِمْ كَالنَّهْيِ عَنْ الْكُفْرِ يَكُونُ أَمْرًا بِالْإِيمَانِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْحَرَكَةِ يَكُونُ أَمْرًا بِالسُّكُونِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ فَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَكُونُ أَمْرًا بِالْأَضْدَادِ كُلِّهَا كَمَا فِي جَانِبِ الْأَمْرِ وَعِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَكُونُ أَمْرًا بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَضْدَادِ غَيْرِ عَيْنٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ ﵀ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضِدًّا وَاحِدًا حَقِيقَةً، وَهُوَ تَرْكُهُ فَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ تَرْكُهُ وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، وَهُوَ تَرْكُهُ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّ التَّرْكَ قَدْ يَكُونُ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ بِطَرِيقِ التَّعْيِينِ كَالتَّحَرُّكِ يَكُونُ تَرْكُهُ بِالسُّكُونِ وَقَدْ يَكُونُ بِأَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ كَتَرْكِ الْقِيَامِ يَكُونُ بِالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ وَالِاسْتِلْقَاءِ فَهَذَا بَيَانُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
فَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَيْنَ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ أَمْرًا بِضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَلْ يُوجِبُ حُكْمًا فِي ضِدِّ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ فَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ فِي ضِدِّهِ أَصْلًا بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْغَزَالِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنْهُمْ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ يُوجِبُ حُرْمَةَ ضِدِّهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ ضِدِّهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقْتَضِي حُرْمَةَ ضِدِّهِ هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ فِيهِ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَهَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ الضِّدِّ وَبَيَّنَ الدَّلَائِلَ ثُمَّ قَالَ وَالْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِيمَا إذَا وُجِدَ الْأَمْرُ وَحَكَمْنَا أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ ضِدِّهِ عَقِيبَ الْأَمْرِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ عَقِيبَ الْأَمْرِ، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّ الْأَمْرَ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا يُظْهِرُ الْمَسْأَلَةَ بِهَذِهِ الظُّهُورِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو الْيُسْرِ أَيْضًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ وَأَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: الْأَمْرُ إذَا أَوْجَبَ تَحْصِيلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْفَوْرِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ إلَى آخِرِهِ. وَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا.
وَقَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ إنَّمَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ مُضَيَّقَ الْوُجُوبِ بِلَا بَدَلٍ، وَلَا تَخْيِيرٍ كَالصَّوْمِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ كَالْكَفَّارَاتِ وَاحِدَةٌ مِنْهَا وَاجِبَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْ تَرْكِهَا لِجَوَازِ تَرْكِهَا إلَى غَيْرِهَا، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ فِي التَّبْصِرَةِ ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا مَعَ أَوَائِلِهِمْ يَعْنِي أَوَائِلَ الْمُعْتَزِلَةِ اتَّفَقُوا أَنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِهِ كَانَ تَرْكُهُ
стр. 646
إذَا لَمْ يُقْصَدْ ضِدُّهُ بِنَهْيٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا حُكْمَ فِيهِ أَصْلًا وَقَالَ الْجَصَّاصُ ﵀ يُوجِبُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ أَوْ أَضْدَادٌ كَثِيرَةٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُوجِبُ كَرَاهَةَ ضِدِّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ ضِدِّهِ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَنَا، وَأَمَّا بِالنَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ فَهَلْ لَهُ حُكْمٌ فِي ضِدِّهِ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا قَالَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ لَا حُكْمَ لَهُ فِيهِ وَقَالَ الْجَصَّاصُ ﵀ إنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ كَانَ أَمْرًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا بِشَيْءٍ مِنْهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ ضِدُّهُ فِي مَعْنَى سِتَّةٍ وَاجِبَةٍ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ احْتَجَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ سَاكِتٌ عَنْ غَيْرِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السُّكُوتَ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِمَا وُضِعَ لَهُ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ إلَّا بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ فَلِغَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
وَهُوَ فِعْلٌ يُضَادُّهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَكُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ تَرْكُهُ وَهُوَ فِعْلٌ يُضَادُّهُ مَأْمُورٌ بِهِ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرْكٌ مَخْصُوصٌ وَضِدٌّ مُتَعَيِّنٌ، وَكَذَا عِنْدَنَا فِي كُلِّ مَا لَهُ أَضْدَادٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا. وَعِنْدَهُمْ فِيمَا لَهُ أَضْدَادٌ تَقْسِيمٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ. غَيْرَ أَنَّ عِنْدَنَا كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَعَلَى الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَاحِدٌ، وَهُوَ بِنَفْسِهِ أَمْرٌ بِمَا أَمَرَ وَنَهْيٌ عَمَّا نَهَى فَكَانَ مَا هُوَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَعَلَى الْعَكْسِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الْعِبَارَاتُ وَلِلْأَمْرِ صِيغَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَكَذَا لِلنَّهْيِ فَلَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الْأَمْرِ نَهْيًا لَا كَوْنُ النَّهْيِ أَمْرًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ ضِدَّ الْمَأْمُورِ بِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَأْمُورٌ بِهِ فَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ وَالنَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِضِدِّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَكَذَا عَلَى الْقَلْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ مَا يَتَّفِقُ لَهُ مِنْ اللَّفْظِ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ لَفْظِ الدَّلَالَةِ، وَلَفْظِ الِاقْتِضَاءِ. ثُمَّ فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَتَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَلَامٌ طَوِيلٌ طَوَيْنَا ذِكْرَهُ، وَمَنْ طَلَبَهُ فِي مَظَانَّةِ ظَفِرَ بِهِ وَالْغَرَضُ بَيَانُ الْمَذَاهِبِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا اخْتَارَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ خِلَافُ اخْتِيَارِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَمُتَابِعِيهِمْ.
قَوْلُهُ (إذَا لَمْ يَقْصِدْ ضِدَّهُ بِنَهْيٍ) احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا قَصَدَ الضِّدَّ بِالنَّهْيِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . فَإِنَّ الضِّدَّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ ضِدِّهِ يَعْنِي إذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ يَقْتَضِي.
وَقَوْلُهُ يُوجِبُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْإِيجَابَ أَقْوَى مِنْ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْعِبَارَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ فَيُقَالُ النَّصُّ يُوجِبُ ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا كَانَ ثَابِتًا بِالِاقْتِضَاءِ فَلَا يُقَالُ يُوجِبُ بَلْ يُقَالُ يَقْتَضِي عَلَى مَا عَرَفْت. فِي مَعْنَى سُنَّةٍ وَاجِبَةٍ أَيْ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ قَرِيبَةٍ إلَى الْوَاجِبِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ أَيْ يَقْتَضِيَ كَوْنُ الضِّدِّ فِي مَعْنَى سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ يَعْنِي إذَا كَانَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ
١ -
قَوْلُهُ (وَقَدْ ذَكَرْنَا) يَعْنِي ذَكَرْنَا أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيقِ فَكَذَا الضِّدُّ هَاهُنَا مَسْكُوتٌ عَنْهُ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِمَا وُضِعَ لَهُ أَيْ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ وُضِعَ لِطَلَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَإِيجَابِهِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى ثُبُوتِ مُوجِبِهِ فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ إلَّا بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ فَلَأَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ كَانَ أَوْلَى. بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ» . أَيْ بِيعُوا الْحِنْطَةَ فَمُوجِبُهُ إيجَابُ التَّسْوِيَةِ كَيْلًا وَحُرْمَةُ الْفَضْلِ فِيمَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ، وَهُوَ الْأَشْيَاءُ السِّتَّةُ، وَلَا دَلَالَةَ فِي ثُبُوتِ مُوجِبِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَصْلًا إلَّا بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ فَلَمَّا لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا فِي غَيْرِ مَا تَنَاوَلَهُ لِمَا وُضِعَ لَهُ كَيْفَ يَصْلُحُ دَلِيلًا فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لِغَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ. فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ الذَّمُّ وَالْإِثْمُ عَلَى تَارِكِ الِائْتِمَارِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا أَمَرَ بِهِ لَا بِمُقَابَلَةِ فِعْلِ الْكَفِّ أَوْ الضِّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ عِنْدَهُمْ، وَكَذَا الْمَدْحُ وَالثَّوَابُ لِمَنْ لَمْ يَشْرَبْ الْخَمْرَ أَوْ لَمْ يُبَاشِرْ الزِّنَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْقَبِيحَ لَا بِمُقَابَلَةِ فِعْلِ الضِّدِّ أَيْضًا.
قَالُوا وَلِهَذَا يَذُمُّ الْعُقَلَاءُ تَارِكَ الصَّلَاةِ بِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ لَا بِالْقِيَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ
стр. 647
وَاحْتَجَّ الْجَصَّاصُ ﵀ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ وَضْعٌ لِوُجُودِهِ، وَلَا وُجُودَ لَهُ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِشَيْءٍ مِنْ أَضْدَادِهِ فَصَارَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَاتِ حُكْمِهِ، وَأَمَّا النَّهْيُ فَإِنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ فِعْلُ ضِدِّهِ إذَا كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فَأَمَّا إذَا تَعَدَّدَ الضِّدُّ فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْكَفِّ عَنْهُ إتْيَانُ كُلِّ أَضْدَادِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْقِيَامِ إذَا قَعَدَ أَوْ نَامَ أَوْ اضْطَجَعَ فَقَدْ فَوَّتَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْ الْقِيَامِ لَا يُفَوِّتُ حُكْمَ النَّهْيِ بِأَنْ يَقْعُدَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يَضْطَجِعَ.
قَالَ: وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ ﵏ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ كِتْمَانِ الْحَيْضِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا بِالْإِظْهَارِ؛ لِأَنَّ الْكِتْمَانَ ضِدُّهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْإِظْهَارُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَنَحْوِهَا مِمَّا يُضَادُّ الصَّلَاةَ وَيَمْدَحُونَ تَارِكَ شُرْبِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ الْخَمْرَ لَا بِاشْتِغَالِهِ بِمَا يُضَادُّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ. إلَّا أَنَّ هَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْهُ، وَهَذَا مِمَّا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يُعَاقَبُ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ كَيْفَ وَالْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ غَيْرُ مَقْدُورٍ أَصْلًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] . وَ ﴿يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] . وَنَحْوِهِمَا.
وَأَمَّا الْمَدْحُ فَلَيْسَ عَلَى الْعَدَمِ الَّذِي لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الِامْتِنَاعِ الَّذِي هُوَ مَقْدُورُهُ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] . فَإِنَّهُ رَتَّبَ الْعُقُوبَةَ عَلَى عَدَمِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَرْتِيبُ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْفِعْلِ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ تَكُ مِنْ الْمُعْتَقِدِينَ لَهَا وَتَرْكُ الِاعْتِقَادِ فِعْلِيٌّ، وَهُوَ كُفْرٌ فَكَانَتْ الْعُقُوبَةُ بِنَاءً عَلَى الْكُفْرِ قَوْلُهُ (وَاحْتَجَّ الْجَصَّاصُ) يَعْنِي فِي فَصْلِ الْأَمْرِ بِكَذَا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ بَنَى أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ مَذْهَبَهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يُوجِبُ الِائْتِمَارَ عَلَى الْفَوْرِ فَقَالَ مِنْ ضَرُورَةِ وُجُوبِ الِائْتِمَارِ عَلَى الْفَوْرِ حُرْمَةُ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ وَالْحُرْمَةُ حُكْمُ النَّهْيِ فَكَانَ مُوجِبًا النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ بِحُكْمِهِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ الْإِيجَادِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى أَبْلَغِ الْجِهَاتِ وَالِاشْتِغَالُ بِضِدِّهِ بِعَدَمِ مَا وَجَبَ بِالْأَمْرِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ فَكَانَ حَرَامًا مَنْهِيًّا عَنْهُ بِمُقْتَضَى حُكْمِ الْأَمْرِ. وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ مَا يَكُونُ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ، وَمَا يَكُونُ لَهُ أَضْدَادٌ؛ لِأَنَّهُ بِأَيِّ ضِدٍّ اشْتَغَلَ يَفُوتُ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ اُخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ سَوَاءٌ اشْتَغَلَ بِالْقُعُودِ فِيهَا أَوْ الِاضْطِجَاعِ أَوْ الْقِيَامِ يَفُوتُ مَا أَمَرَ بِهِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ.
وَأَمَّا النَّهْيُ فَإِنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ أَيْ النَّهْيُ لِإِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ، وَإِعْدَامُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ فَإِذَا كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ لَا يُمْكِنُ إعْدَامُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إلَّا بِإِتْيَانِ ضِدِّهِ فَيَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ أَمْرًا بِضِدِّهِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ لَا يُوجِبُ أَمْرًا يُوجَدُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالضِّدِّ إنَّمَا يُثْبِتُ هَاهُنَا ضَرُورَةَ النَّهْيِ، وَإِمَّا تَرْتَفِعُ بِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِضِدٍّ وَاحِدٍ فَلَا يُجْعَلُ أَمْرًا بِجَمِيعِ الْأَضْدَادِ ثُمَّ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْأَمْرِ بِضِدٍّ وَاحِدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَضْدَادِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ فَلَا يَثْبُتُ. بِخِلَافِ جَانِبِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ إتْيَانَ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِتَرْكِ جَمِيعِ الْأَضْدَادِ، وَتَرْكُ جَمِيعِ الْأَضْدَادِ مُتَصَوَّرٌ فَإِنَّ تَرْكَ أَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ مِنْ وَاحِدٍ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَصَوَّرٌ أَمَّا هَاهُنَا فَيُمْكِنُ تَحْقِيقُ حُكْمِ النَّهْيِ بِإِثْبَاتِ ضِدٍّ وَاحِدٍ فَإِنَّ السَّاعَةَ الْوَاحِدَةَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا إثْبَاتُ أَفْعَالٍ شَتَّى، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إثْبَاتُ فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ فَلَمْ نَجْعَلْهُ أَمْرًا بِهِ أَيْضًا. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ فِيمَا لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ لَا يَسْتَقِيمُ التَّصْرِيحُ بِالْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ نَهَيْتُك عَنْ التَّحَرُّكِ. وَأَبَحْت لَك السُّكُونَ أَوْ أَنْتَ مُخَيَّرٌ فِي السُّكُونِ كَانَ كَلَامًا مُخْتَلًّا؛ لِأَنَّ مُوجِبَ النَّهْيِ تَحْرِيمُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَذَلِكَ يُوجِبُ الِاشْتِغَالَ بِالضِّدِّ وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّخْيِيرُ يُنَافِيَانِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَضْدَادٌ فَيَسْتَقِيمُ التَّصْرِيحُ بِالْإِبَاحَةِ فِي جَمِيعِ الْأَضْدَادِ بِأَنْ يَقُولَ لَا تَسْكُنْ، وَأَبَحْت لَك التَّحَرُّكَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شِئْت أَوْ يَقُولُ لَا تَقُمْ، وَأَبَحْت لَك مَا شِئْت مِنْ الْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ، وَكَذَا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِهَذَا النَّهْيِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَضْدَادِ.
وَلَكِنْ مَنْ اخْتَارَ أَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَضْدَادِ غَيْرِ عَيْنٍ يَقُولُ لَمَّا كَانَ النَّهْيُ مُقْتَضِيًا أَمْرًا بِضِدِّهِ ضَرُورَةَ تَحْقِيقِ حُكْمِ النَّهْيِ، وَلَا يُمْكِنُهُ تَحْقِيقُهُ إلَّا بِتَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إلَى ضِدٍّ وَاحِدٍ يَثْبُتُ الْأَمْرُ بِضِدٍّ وَاحِدٍ غَيْرِ عَيْنٍ، وَالْأَمْرُ قَدْ يَثْبُتُ فِي الْمَجْهُولِ كَمَا فِي أَحَدِ أَنْوَاعِ
стр. 648
وَاتَّفَقُوا أَنَّ الْمُحْرِمَ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَلَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِلُبْسِ شَيْءٍ مُتَعَيِّنٍ مِنْ غَيْرِ الْمَخِيطِ، وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّالِثُ بِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ الْجَصَّاصُ ﵀ إلَّا أَنَّا أَثْبَتْنَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ أَدْنَى مَا يَثْبُتُ بِهِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ لِغَيْرِهِ ضَرُورَةً لَا يُسَاوِي الْمَقْصُودَ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فَبِنَاءٌ عَلَى هَذَا، وَهُوَ إنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ أَمْرًا ضَرُورِيًّا سَمَّيْنَاهُ اقْتِضَاءً
ــ
[كشف الأسرار]
الْكَفَّارَةِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْجَصَّاصُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ وَبَيْنَ مَا لَهُ أَضْدَادٌ فِي النَّهْيِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا قُرِّرَ فِي الْكِتَابِ. وقَوْله تَعَالَى. ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . أَيْ مِنْ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ بِالْإِظْهَارِ وَلِهَذَا وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهَا فِيمَا تُخْبِرُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِالْإِظْهَارِ. وَالْمُحْرِمُ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَبَاءَ، وَلَا الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ فَيَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» . وَلَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِلُبْسِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ غَيْرِ الْمَخِيطِ؛ لِأَنَّ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ الْمِخْيَطُ أَضْدَادًا.، وَلَا يُقَالُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْمَخِيطُ فَيَكُونُ ضِدُّهُ غَيْرَ الْمَخِيطِ، وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَصَارَ نَظِيرَ الْإِظْهَارِ مَعَ الْكِتْمَانِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ لِلْإِظْهَارِ وَالْكِتْمَانِ أَنْوَاعٌ بِخِلَافِ الْمَخِيطِ وَغَيْرِ الْمَخِيطِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْوَاعٌ، وَهُوَ كَالْقِيَامِ مَعَ تَرْكِ الْقِيَامِ فَإِنْ تَرَكَهُ لِمَا كَانَ يَحْصُلُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْفِعْلِ عَدَّ الْقِيَامِ مِمَّا لَهُ أَضْدَادٌ لَا مِمَّا لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ.
وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّالِثُ بِمَا احْتَجَّ بِهِ الْجَصَّاصُ إلَّا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ نَحْنُ نُثْبِتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ أَيْ النَّهْيِ الثَّابِتِ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ وَالْأَمْرِ الثَّابِتِ فِي ضِمْنِ النَّهْيِ. أَدْنَى أَيْ دُونَ مَا يَثْبُتُ بِهِ أَيْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إذَا وَرَدَ مَقْصُودًا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ ضَرُورَةَ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ مِثْلَ الثَّابِتِ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ فَكَانَ هَذَا النَّهْيُ بِمَنْزِلَةِ نَهْيٍ وَرَدَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَيَثْبُتُ بِهِ الْكَرَاهَةُ وَالْأَمْرُ بِمَنْزِلَةِ أَمْرٍ وَرَدَ لِحُسْنٍ فِي غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَثْبُتُ بِهِ كَوْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ سُنَّةً قَرِيبَةً إلَى الْوَاجِبِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ لَمَّا كَانَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ تَأْخِيرُ السَّعْيِ أَوْ فَوَاتُهُ اقْتَضَى كَرَاهَةَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا حُرْمَتَهُ حَتَّى بَقِيَ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فَاسِدًا فَكَذَا هَذَا النَّهْيُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ ضَرُورَةَ فَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَضَى الْفَائِتَةَ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ إلَّا لِلْوَقْتِيَّةِ يَجُوزُ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ مَعَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا أَنَّ النَّهْيَ لَمَّا ثَبَتَ ضَرُورَةَ فَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي نَفْسِهَا بِالتَّحْرِيمِ، وَأَوْجَبَ الْكَرَاهَةَ بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فَإِنَّهُ وَرَدَ قَصْدًا فَلِذَلِكَ أَثْبَتَ الْحُرْمَةَ فِي نَفْسِهِ.
وَأَوْجَبَ الْفَسَادَ قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي اخْتَرْنَاهُ) وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي كَرَاهَةً فَبِنَاءً عَلَى هَذَا أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَ الْفَرِيقُ الثَّالِثُ أَنَّ الثَّابِتَ بِغَيْرِهِ لَا يُسَاوِي الثَّابِتَ بِنَفْسِهِ، إلَّا أَنَّا نَقُولُ النَّهْيُ الثَّابِتُ بِالْأَمْرِ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ ضَرُورَةِ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْوُجُودِ بِالْأَمْرِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ ضِدِّهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَثْبُتَ الْحُرْمَةُ فِي الضِّدِّ بِاقْتِضَاءِ الْأَمْرِ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِإِثْبَاتِ الْكَرَاهَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فَلِذَلِكَ قُلْنَا بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الضِّدِّ لَا إنَّهُ يُوجِبُهَا أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالدَّلَالَةِ مِثْلُ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ يَقْتَضِي سُنِّيَّةَ الضِّدِّ إنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ عَلَى قِيَاسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ يَثْبُتُ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْمُقْتَضِي فِي أَيِّ أَضْدَادِهِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْمُخَاطَبُ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀. وَرَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَكَذَا إذَا كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ يُوجِبُ تَرْغِيبًا فِي وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَضْدَادِ غَيْرِ عَيْنٍ وَيَجُوزُ مِثْلُ
стр. 649
وَمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ هَهُنَا أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَصَارَ شَبِيهًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مُقْتَضَيَاتِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ
ــ
[كشف الأسرار]
هَذَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْأَمْرِ بِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ فِي الْكَفَّارَةِ.
وَمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ هَاهُنَا كَذَا يَعْنِي لَا نَعْنِي بِهِ الِاقْتِضَاءَ الَّذِي هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ إذْ لَا تَوَقُّفَ لِصِحَّةِ الْمَنْطُوقِ عَلَيْهِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ ضَرُورَةٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ كَمَا أَنَّ الْمُقْتَضَى ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ فَكَانَ شَبِيهًا بِمُقْتَضَيَاتِ الشَّرْعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ بِالضَّرُورَةِ فَلِذَلِكَ يَثْبُتُ مُوجِبُ النَّهْيِ وَالْأَمْرِ هَاهُنَا بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ، وَهُوَ الْكَرَاهَةُ وَالتَّرْغِيبُ كَمَا يُجْعَلُ الْمُقْتَضَى مَذْكُورًا بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ، وَهُوَ صِحَّةُ الْكَلَامِ.
وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ إنَّ الضِّدَّ مَسْكُوتٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ لَكِنَّهُ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنَّ الِاقْتِضَاءَ طَرِيقٌ صَحِيحٌ لِإِثْبَاتِ الْمُقْتَضَى، وَإِنْ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرَ التَّعْلِيقَاتِ فَإِنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْوُجُودِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ وُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ، وَلَكِنَّ عَدَمَهُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ وَالْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى دَلِيلٍ مَعْدُومٍ يُضَافُ إلَيْهِ فَلَا يُضَافُ إلَى التَّعْلِيقِ نَصًّا، وَلَا اقْتِضَاءً فَأَمَّا وُجُوبُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْإِيجَادِ فَيَقْتَضِي حُرْمَةَ التَّرْكِ وَالْحُرْمَةُ الثَّابِتَةُ بِمُقْتَضَى الشَّيْءِ يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَا قَدْرَ مَا يَثْبُتُ مِنْ الْحُرْمَةِ مُضَافًا إلَى أَمْرِ اقْتِضَاءٍ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ ﵀ فِي التَّبْصِرَةِ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِطَاعَةِ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَهْلِ دِيَارِنَا ذَكَرَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ ضِدِّهِ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ بَدَلٌ، وَلَسْت أَدْرِي مَا إذَا كَانَ رَأْيُهُ أَنَّ تَوَجُّهَ الْوَعِيدِ عَلَى تَارِكِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِارْتِكَابِهِ ضِدَّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ التَّرْكُ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جَمِيعِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَمْ لِانْعِدَامِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ ارْتَكَبَهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ فَإِنْ كَانَ الْوَعِيدُ مُتَوَجِّهًا لِانْعِدَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ فَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى إثْبَاتِ الْكَرَاهَةِ فِي الضِّدِّ، وَالْوَعِيدُ بِدُونِهِ مُتَوَجِّهٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ لَتَوَجَّهَ الْوَعِيدُ مِنْ فِعْلٍ مَحْظُورٍ يَرْتَكِبُهُ وَذَلِكَ فِعْلُ التَّرْكِ فَكَيْفَ يَزْعُمُ بِتَوَجُّهِ كُلِّ الْوَعِيدِ لِتَارِكِ الْفَرَائِضِ وَثُبُوتِ الْعُقُوبَةِ لَهُ لَوْ لَمْ يَتَغَمَّدْهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ لِمُبَاشَرَةِ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَلَا مَحْظُورٍ، وَهَذَا مِمَّا يَأْبَاهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ أَيْضًا فَقَالَ، وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ ضِدِّهِ خِلَافُ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ تَرْكَ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالِامْتِنَاعَ عَنْ تَحْصِيلِهَا حَرَامٌ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَالْمَكْرُوهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الضِّدَّ إنَّمَا يُجْعَلُ مَكْرُوهًا إذَا لَمْ يَكُنْ الِاشْتِغَالُ بِهِ مُفَوِّتًا لِلْمَأْمُورِ فَأَمَّا إذَا تَضَمَّنَ الِاشْتِغَالُ بِهِ تَفْوِيتَهُ لَا مَحَالَةَ فَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ بِالنَّظَرِ إلَى التَّفْوِيتِ، وَيَصِيرُ سَبَبًا لِتَوَجُّهِ الْوَعِيدِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَاتِهِ مُبَاحًا كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ حَرَامٌ وَسَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ بِاعْتِبَارِ تَرْكِ الْإِجَابَةِ، وَمُبَاحٌ بَلْ عِبَادَةٌ وَسَبَبٌ لِلثَّوَابِ بِاعْتِبَارِ قَهْرِ النَّفْسِ
стр. 650
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَلَيْسَ بِنَهْيٍ بَلْ نَسْخٌ لَهُ أَصْلًا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَلَا يَصِيرُ الْأَمْرُ ثَابِتًا بِالنَّهْيِ بَلْ لِأَنَّ الْكِتْمَانَ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا لِمَا تَعَلَّقَ بِإِظْهَارِهِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَصَارَ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ أَمْرًا، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَفَائِدَةُ هَذَا أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا بِالْأَمْرِ لَمْ يُعْتَبَرْ إلَّا مِنْ حَيْثُ يَفُوتُ الْأَمْرُ فَإِذَا لَمْ يَفُتْهُ كَانَ مَكْرُوهًا
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى مَا مَرَّ تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ النَّهْيِ.
وَكَوْنُهُ حَرَامًا لِغَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْعُقُوبَةِ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ قَوْلُهُ: (وَأَمَّا قَوْلُهُ) جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِ الْجَصَّاصُ بِالْإِجْمَاعِ فِي فَصْلِ النَّهْيِ أَيْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ. الْآيَةَ لَيْسَ بِنَهْيٍ كَمَا زَعَمَ الْجَصَّاصُ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْإِظْهَارِ ثَابِتًا بِهِ عَلَى مَا زَعَمَ بَلْ هُوَ نَسْخٌ لَهُ أَيْ رَفْعٌ لِجَوَازِ الْكِتْمَانِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ صِيغَةُ نَفْيٍ لَا نَهْيٍ. مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] . فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَهْيٍ لِلنَّبِيِّ ﵇ عَنْ التَّزَوُّجِ بَلْ هُوَ نَسْخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] .
وَلِلْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ الثَّابِتَةِ لِلنَّبِيِّ ﵇ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ لَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ التَّخْيِيرِ جَازَاهُنَّ مِنْ اللَّهِ بِقَصْرِ النَّبِيِّ ﵇ عَلَيْهِنَّ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] . أَيْ لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ سِوَى هَؤُلَاءِ اللَّاتِي اخْتَرْنَك مِنْ بَعْدَمَا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ «مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ» يَعْنِي أَنَّ الْآيَةَ قَدْ نُسِخَتْ. وَنَاسِخُهَا إمَّا السُّنَّةُ أَوْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] .
وَتَرْتِيبُ النُّزُولِ لَيْسَ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ كَذَا فِي الْمَطْلَعِ.
فَلَا يَصِيرُ الْأَمْرُ أَيْ الْأَمْرُ بِالْإِظْهَارِ. ثَابِتًا بِالنَّهْيِ أَيْ النَّهْيِ عَنْ الْكِتْمَانِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ يُنْهِي عَنْهُ. بَلْ؛ لِأَنَّ الْكِتْمَانَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا أَيْ بَلْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالْإِظْهَارِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كِتْمَانَ مَا فِي الْأَرْحَامِ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لِتَعَلُّقِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بِإِظْهَارِهِ مِنْ حَمْلِ الْقُرْبَانِ وَحُرْمَتِهِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِبَاحَةِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ وَغَيْرِهَا. فَصَارَ أَيْ هَذَا النَّصُّ بِوَاسِطَةِ عَدَمِ شَرْعِيَّةِ الْكِتْمَانِ أَمْرًا بِالْإِظْهَارِ إذْ لَا مَرْجِعَ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِي أَرْحَامِهِنَّ إلَّا إلَيْهِنَّ، وَلِذَلِكَ غَلَّظَ عَلَيْهِنَّ فِي الْإِظْهَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . أَيْ الْكِتْمَانُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنَاتِ لِكَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ، وَالْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَبِعِقَابِهِ مَانِعٌ مِنْ الِاجْتِرَاءِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ. وَهَذَا أَيْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» . فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْيٌ، وَلَيْسَ بِنَهْيٍ.
قَوْلُهُ (وَفَائِدَةُ هَذَا) الْأَصْلِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ ضِدِّهِ وَالنَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ضِدُّهُ فِي مَعْنَى سُنَّةٍ وَاجِبَةٍ أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا بِالْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يُوضَعْ لِلتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ ضَرُورَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا. لَمْ يُعْتَبَرْ أَيْ لَمْ يُجْعَلْ التَّحْرِيمُ فِي الضِّدِّ ثَابِتًا. إلَّا مِنْ حَيْثُ تَفْوِيتُ الْأَمْرِ أَيْ الْمَأْمُورِ بِهِ يَعْنِي إنَّمَا يُجْعَلُ التَّحْرِيمُ ثَابِتًا فِي الضِّدِّ إذَا أَدَّى الِاشْتِغَالُ بِهِ إلَى فَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْمَأْمُورِ بِهِ حَرَامٌ. فَإِذَا لَمْ يُفَوِّتْهُ أَيْ لَمْ يُفَوِّتْ الضِّدُّ الْمَأْمُورَ بِهِ كَانَ الضِّدُّ مَكْرُوهًا لَا حَرَامًا. ثُمَّ سِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ هَذَا يَنْزِعُ إلَى مَا قَالَ الْجَصَّاصُ فِي التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الْجَصَّاصَ بَنَى حُرْمَةَ الضِّدِّ عَلَى فَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَيْضًا كَمَا بَنَاهُ الشَّيْخُ فَلَا يَظْهَرُ الْخِلَافُ مَعَهُ إلَّا فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمُضَيَّقَ عَلَى الْفَوْرِ بِالِاتِّفَاقِ مِثْلُ الصَّوْمِ فَيَفُوتُ الْمَأْمُورُ بِهِ بِالِاشْتِغَالِ بِضِدِّهِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ حَصَلَ فَيَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ لِلتَّفْوِيتِ وَالْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ مِثْلُ الصَّلَاةِ عَلَى التَّرَاخِي بِالِاتِّفَاقِ فَلَا يَحْرُمُ الضِّدُّ إلَّا عِنْدَ تَضَيُّقِ الْوَقْتِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيتَ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَهُ. وَيَكُونُ مَكْرُوهًا عَلَى مَا اخْتَارَ الشَّيْخُ وَيَنْبَغِي
стр. 651
كَالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ لَيْسَ بِنَهْيٍ عَنْ الْقُعُودِ قَصْدًا حَتَّى إذَا قَعَدَ ثُمَّ قَامَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ بِنَفْسِ الْقُعُودِ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمُحْرِمَ لَمَّا نُهِيَ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ كَانَ مِنْ السُّنَّةِ لُبْسُ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْعِدَّةَ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهَا النَّهْيَ عَنْ التَّزَوُّجِ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ بِالْكَفِّ مَقْصُودًا حَتَّى انْقَضَتْ الْأَعْدَادُ مِنْهَا بِزَمَانٍ وَاحِدٍ
ــ
[كشف الأسرار]
أَنْ لَا يَكُونَ مَكْرُوهًا إذَا لَمْ يَكُنْ التَّأْخِيرُ مَكْرُوهًا لِعَدَمِ تَأْدِيَتِهِ إلَى أَمْرٍ حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ.
وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَنَا كَالْمُوَسَّعِ وَعَلَى الْفَوْرِ عِنْدَهُ كَالْمُضَيَّقِ فَلَا يَحْرُمُ الضِّدُّ عِنْدَنَا لِعَدَمِ التَّفْوِيتِ وَيُكْرَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ عَلَى تَقْدِيرِ كَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ كَمَا قُلْنَا وَعِنْدَهُ يَحْرُمُ الضِّدُّ لِفَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ. فَالْخِلَافُ فِي التَّحْقِيقِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ عَلَى التَّرَاخِي أَمْ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَمْ يَنْكَشِفْ لِي سِرُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. كَالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ بِنَهْيٍ عَنْ الْقُعُودِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالْقَصْدِ. فَإِذَا قَعَدَ ثُمَّ قَامَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاةٌ بِنَفْسِ الْقُعُودِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ بِهِ مَا هُوَ الْوَاجِبُ بِالْأَمْرِ، وَلَكِنَّهُ أَيْ الْقُعُودَ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ اقْتَضَى كَرَاهَتَهُ.
وَلِهَذَا أَيْ؛ وَلِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي سُنِّيَّةَ الضِّدِّ. وَلِهَذَا أَيْ، وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الضِّدِّ أَمْرٌ بِهِ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ لَا بِطَرِيقِ الْقَصْدِ قُلْنَا لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْعِدَّةِ الثَّابِتَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . النَّهْيَ عَنْ التَّزَوُّجِ أَيْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا حُرْمَةُ التَّزَوُّجِ. لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ بِالْكَفِّ عَنْ التَّزَوُّجِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ التَّزَوُّجِ انْتَهَى عَنْهُ مَقْصُودًا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ وُجُوبُ الْكَفِّ بَلْ يَثْبُتُ بِهِ سُنِّيَّتُهُ فَلَا يُمْنَعُ تَدَاخُلُ الْعِدَّتَيْنِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ رُكْنَ الْعِدَّةِ عِنْدَنَا حُرُمَاتٌ تَنْقَضِي وَالْمُدَّةُ ضُرِبَتْ أَجَلًا لِانْقِضَاءِ هَذِهِ الْحُرُمَاتِ وَالْكَفُّ عَنْ الْفِعْلِ يَجِبُ احْتِرَازًا عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْحُرْمَةِ لَا أَنَّهُ رُكْنُ الْعِدَّةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الرُّكْنُ كَفَّ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا عَنْ التَّزَوُّجِ وَالْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ، وَالْمُدَّةُ لِتَقْدِيرِ الْكَفِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا، وَحُرْمَةُ الْأَفْعَالِ تُثْبِتُ ضَرُورَةَ وُجُوبِ الْكَفِّ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ. وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي تُخَرَّجُ عَلَيْهَا أَنَّ الْعِدَّتَيْنِ تَتَدَاخَلَانِ وَتَمْضِيَانِ بِمُدَّةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعِنْدَهُ لَا تَتَدَاخَلَانِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا تَزَوَّجَتْ الْمُعْتَدَّةُ بِزَوْجٍ آخَرَ وَوَطِئَهَا ثُمَّ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا يَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ أُخْرَى وَتَحْتَسِبُ مَا تَرَى مِنْ الْأَقْرَاءِ مِنْ الْعِدَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا انْقَضَتْ الْعِدَّتَانِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَعِنْدَهُ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأُولَى. وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِالزَّوْجِ الْأَوَّلِ فِي الْعِدَّةِ وَوَطِئَهَا فَهَاهُنَا تَتَدَاخَلَانِ بِالِاتِّفَاقِ. احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أَيْ يَكْفُفْنَ وَيَحْبِسْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَنْ نِكَاحٍ آخَرَ وَوَطْءٍ آخَرَ هَذِهِ الْمُدَّةَ. وَقَالَ ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] . وَقَالَ ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فَثَبَتَ أَنَّ الْعِدَّةَ فِعْلٌ اسْتَحَقَّهَا الزَّوْجُ عَلَى الْمَرْأَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالثَّابِتُ بِالْأَمْرِ الْأَفْعَالُ لَا الْحُرُمَاتُ فَصَارَ رُكْنُ الْعِدَّةِ كَفَّ النَّفْسِ عَنْ التَّزَوُّجِ وَخَلْطَ الْمِيَاهِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، وَثُبُوتُ حُرْمَةِ الْأَفْعَالِ ضَرُورَةُ تَحَقُّقِ الْكَفِّ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَتَسْمِيَتُهَا أَجَلًا مَجَازٌ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَقْدِيرٌ لِرُكْنِ الْكَفِّ كَتَقْدِيرِ الصَّوْمِ إلَى اللَّيْلِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ الْكَفُّ لَا يُتَصَوَّرُ كَفَّانِ مِنْ وَاحِدٍ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ لِاسْتِحَالَةِ صُدُورِ فِعْلَيْنِ مُتَجَانِسَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ أَدَاءُ صَوْمَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. وَلِعُلَمَائِنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] .
وَقَوْلُهُ : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . فَاَللَّهُ تَعَالَى سَمَّى الْعِدَّةَ أَجَلًا وَالْآجَالُ إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى وَاحِدٍ
стр. 652
بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ وَجَبَ بِالْأَمْرِ مَقْصُودًا بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَوْ لِوَاحِدٍ انْقَضَتْ بِمُدَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ لَا بَأْسَ بِآجَالٍ مُتَسَاوِيَةٍ يَنْقَضِي جَمِيعُ الْآجَالِ بِمُدَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا سَمَّاهَا أَجَلًا، وَالْأَجَلُ مُدَّةٌ مَضْرُوبَةٌ لِامْتِنَاعِ شَيْءٍ وُجِدَ سَبَبُهُ كَالْآجَالِ الْمَضْرُوبَةِ فِي الدُّيُونِ لِامْتِنَاعِ الْمُطَالَبَةِ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهَا عَرَفْنَا أَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِامْتِنَاعِ حُكْمِ الطَّلَاقِ إلَى زَمَانِ انْقِضَائِهَا، وَحُكْمُ الطَّلَاقِ حِلُّ التَّزَوُّجِ وَالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ كَانَ حَرَّمَهَا عَلَى سَائِرِ الْأَزْوَاجِ وَحَرَّمَ عَلَيْهَا الْخُرُوجَ وَالْبُرُوزَ، وَالطَّلَاقُ شُرِعَ لِإِزَالَةِ مَا أَثْبَتَهُ عَقْدُ النِّكَاحِ فَكَانَ حُكْمُهُ الْإِطْلَاقَ، وَإِزَالَةَ تِلْكَ الْحُرُمَاتِ.
١ -
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَدْخَلَ الْأَجَلَ عَلَى حُكْمِهِ فَتَأَخَّرَ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ إلَى انْقِضَائِهِ كَمَا تَأَخَّرَتْ الْمُطَالَبَةُ فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَإِذَا تَأَخَّرَتْ حُكْمُهُ، وَهُوَ إزَالَةُ الْحُرُمَاتِ كَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً فِي الْحَالِ كَمَا كَانَتْ فِي حَالَةِ النِّكَاحِ فَثَبَتَ أَنَّ الرُّكْنَ فِيهَا الْحُرُمَاتُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ رُكْنَ الْعِدَّةِ بِعِبَارَةِ النَّهْيِ فَقَالَ: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] . وَقَالَ: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . وَالثَّابِتُ بِالنَّهْيِ الْحُرْمَةُ إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ لَمَّا كَانَتْ ثَابِتَةً وَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ التَّرَبُّصُ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ لَا؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ لَكِنْ لِئَلَّا تُبَاشِرَ فِعْلًا حَرَامًا كَمَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْكَفُّ عَنْ الزِّنَا إذَا دَعَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ لَا؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ إذْ الرُّكْنُ حُرْمَةُ الزِّنَا فِي نَفْسِهِ بَلْ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْحَرَامِ. ثُمَّ الْحُرُمَاتُ قَدْ تَجْتَمِعُ لِعَدَمِ التَّضَايُقِ فِيهَا كَصَيْدِ الْحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ وَلِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ، وَكَخَمْرِ الذِّمِّيِّ حَرَامٌ عَلَى الصَّائِمِ الَّذِي حَلَفَ لَا يَشْرَبُ خَمْرًا لِكَوْنِهَا خَمْرًا وَلِكَوْنِهَا لِلذِّمِّيِّ وَلِصَوْمِهِ وَلِيَمِينِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ حُرْمَةُ التَّزَوُّجِ وَالْخُرُوجِ مُؤَجَّلَةً إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْأَقْرَاءِ بِسَبَبِ الزَّوْجِ حَقًّا لَهُ، وَإِنْ نُثْبِتَ بِسَبَبِ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ أَيْضًا حَقًّا لَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَنْتَهِي الْحُرْمَتَانِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ لِحُصُولِ مَقْصُودِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْ الْعِدَّةِ بِانْقِضَائِهَا، وَهُوَ الْعِلْمُ بِفَرَاغِ رَحِمِهَا مِنْ مِائَةٍ كَمَنْ حَلَفَ مَرَّتَيْنِ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا يَوْمًا لَزِمَهُ يَمِينَانِ، وَلَوْ حَنِثَ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ ثُمَّ تَنْقَضِي الْيَمِينَانِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، وَكَالْمَرْأَةِ تَحْرُمُ عَلَى أَزْوَاجٍ بِتَطْلِيقَاتٍ ثَلَاثٍ فَإِنَّ الْحُرُمَاتِ كُلَّهَا تَنْقَضِي بِإِصَابَةِ زَوْجٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِيهِ، وَهُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ اقْتِضَاءِ الشَّهَوَاتِ ثَبَتَ مَقْصُودًا بِالْأَمْرِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وَالصَّوْمُ عِبَارَةٌ عَنْ الْكَفِّ وَالْإِمْسَاكِ، وَأَنَّهُ فِعْلٌ وَالْمَرْءُ لَا يَتَّصِفُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ بِكَفَّيْنِ كَمَا لَا يَتَّصِفُ بِجُلُوسَيْنِ.، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّا مَتَى جَعَلْنَا الْوَاجِبَ كَفًّا عَلَى الْمَرْأَةِ عَنْ الْخُرُوجِ وَالتَّزَوُّجِ ثُمَّ يَحْرُمُ الْخُرُوجُ وَالتَّزَوُّجُ ضَرُورَةَ الْكَفِّ لَمْ يَكُنْ الْخُرُوجُ، وَلَا النِّكَاحُ حَرَامًا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَرُمَ لِغَيْرِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّوْمَ لَمَّا كَانَ كَفًّا لَمْ يَكُنْ الْأَكْلُ، وَلَا الشُّرْبُ، وَلَا جِمَاعُ الْأَهْلِ حَرَامًا فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا فَعَلَ لَا يَأْثَمُ إثْمَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْحَرَامِ وَالْجِمَاعِ الْحَرَامِ مِثْلُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إثْمَ إفْسَادِ الصَّوْمِ حَتَّى كَانَ إثْمُ الْكُلِّ وَاحِدًا، وَهَاهُنَا تَأْثَمُ الْمَرْأَةُ إثْمَ الْخُرُوجِ الْحَرَامِ، وَإِثْمَ الْجِمَاعِ الْحَرَامِ إذَا تَزَوَّجَتْ وَجُومِعَتْ حَتَّى وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى أَصْلِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْحَرَامَ هُوَ الْفِعْلُ نَفْسُهُ وَعَلَيْهَا عَنْ الْفِعْلِ الْحَرَامِ، وَإِذَا لَمْ تَكْفِ لَمْ تَأْثَمْ إثْمَ تَارِكِ الْكَشْفِ فَهَذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ وَالرُّكْنَ حُرْمَةُ أَفْعَالٍ لَا كَفٍّ
стр. 653
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ إنَّ مَنْ سَجَدَ عَلَى مَكَان نَجِسٍ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالنَّهْيِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ فِعْلُ السُّجُودِ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ فَوَاتَهُ حَتَّى إذَا أَعَادَهَا عَلَى مَكَان طَاهِرٍ جَازَ عِنْدَهُ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّ إحْرَامَ الصَّلَاةِ لَا يَنْقَطِعُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي مَسَائِلِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُنْهَ عَنْ تَرْكِهَا قَصْدًا فَصَارَ التَّرْكُ حَرَامًا بِقَدْرِ مَا يَفُوتُ مِنْ الْفَرْضِ، وَذَلِكَ لِهَذَا الشَّفْعِ.
فَأَمَّا احْتِمَالُ شَفْعٍ آخَرَ فَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الصَّوْمَ يَبْطُلُ بِالْأَكْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفَرْضَ مُمْتَدٌّ فَكَانَ ضِدُّهُ مُفَوَّتًا أَبَدًا وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ السُّجُودَ عَلَى مَكَان نَجِسٍ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
ــ
[كشف الأسرار]
بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
وَأَمَّا التَّرَبُّصُ فَمَعْنَاهُ الِانْتِظَارُ وَالتَّرَبُّصُ بِنَفْسِهَا أَنْ تَحْمِلَهَا عَلَى الِانْتِظَارِ، وَهُوَ تَوَقُّفُ الْكَيْنُونَةِ أَمْرٌ فِي الثَّانِي لَا لِنَفْسِهِ كَالرَّجُلِ يَنْتَظِرُ قُدُومَ رَجُلٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ إدْرَاكِ غَلَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْأَجَلِ، وَإِذَا صَارَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِانْتِظَارِ أَمْرًا آخَرَ لَا نَفْسَهُ صَلُحَ الْوَاحِدُ لِإِعْدَادٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ يَنْتَظِرُ فِيهِ قُدُومَ أُنَاسٍ وَزَوَالِ حُرُمَاتِ بِأَيْمَانٍ مُوَقَّتَةٍ بِيَوْمٍ وَشَهْرٍ وَاحِدٍ يُنْتَظَرُ فِيهِ حُلُولُ دُيُونٍ فَدَلَّ صِيغَةُ الِانْتِظَارِ عَلَى فِعْلٍ وَجَبَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ زَوَالُ الْحُرُمَاتِ وَقَدْ سَلَّمْنَا نَحْنُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْفِعْلِ، وَلَكِنَّ الْوَاحِدَ يَكْفِي لِأَدَاءِ حُرُمَاتٍ كَثِيرَةٍ إقَامَةً لِمَحْظُورِ الْعِدَّةِ لَا لِرُكْنِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ؛ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يُوجِبُ كَرَاهَةَ ضِدِّهِ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى التَّفْوِيتِ لَا تَحْرِيمِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ إنَّ مَنْ سَجَدَ عَلَى مَكَان نَجِسٍ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْمَكَانِ النَّجَسِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالنَّهْيِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ ثَابِتٌ بِالْأَمْرِ بِالسُّجُودِ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى. وَاسْجُدُوا. إذْ الْمُرَادُ مِنْهُ السُّجُودُ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا أَيْ السُّجُودُ عَلَى مَكَان نَجِسٍ لَا يُوجِبُ فَوَاتَ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَهُ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا لَا مُفْسِدًا. وَلِهَذَا أَيْ؛ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ ضِدِّهِ إلَّا إذَا حَصَلَ التَّفْوِيتُ بِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إحْرَامُ الصَّلَاةِ لَا يَنْقَطِعُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي مَسَائِلِ النَّفْلِ، وَهِيَ ثَمَانِ مَسَائِلَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْقِرَاءَةِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْ تَرْكِهَا قَصْدًا بَلْ اقْتِضَاءً وَضَرُورَةً فَلَا يَكُونُ التَّرْكُ حَرَامًا إلَّا بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَفْوِيتُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ، وَفَوَاتُهَا تَحَقَّقَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَيَظْهَرُ تَحْرِيمُ التَّرْكِ فِي حَقِّ هَذَا الشَّفْعِ حَتَّى فَسَدَ أَدَاؤُهُ فَأَمَّا احْتِمَالُ أَدَاءِ شَفْعٍ آخَرَ بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ فَلَمْ يَنْقَطِعْ بِهَذَا التَّرْكِ فَلَا يَظْهَرُ حُرْمَةُ التَّرْكِ فِي حَقِّ التَّحْرِيمَةِ فَتَبْقَى صَحِيحَةً قَابِلَةً لِبِنَاءِ شَفْعٍ آخَرَ عَلَيْهَا، وَإِنْ فَسَدَ أَدَاءُ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ فَسَادِ الْأَدَاءِ بُطْلَانُ التَّحْرِيمَةِ كَمَا إذَا فَسَدَ الْفَرْضُ بِتَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ. وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ صَحَّتْ قَبْلَ الْأَدَاءِ شَرْطًا لِلْأَدَاءِ فَلَا تَبْطُلُ بِفَسَادِ الْأَدَاءِ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ.
وَلَا يَلْزَمُ يَعْنِي عَلَى أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الصَّوْمَ يَبْطُلُ بِالْأَكْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْأَكْلُ إلَّا فِي جُزْءٍ مِنْهُ مَعَ أَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَثْبُتْ مَقْصُودًا بَلْ ثَبَتَ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ بِالْكَفِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفَرْضَ، وَهُوَ الصَّوْمُ مُمْتَدٌّ حَتَّى كَانَ الْكُلُّ فَرْضًا وَاحِدًا فَوُجُودُ ضِدِّهِ يَكُونُ مُفَوِّتًا لَهُ لَا مَحَالَةَ لِفَوَاتِ امْتِدَادِهِ بِهِ كَالْإِيمَانِ لَمَّا كَانَ فَرْضًا دَائِمًا كَانَ وُجُودُ ضِدِّهِ، وَهُوَ الْكُفْرُ مُفَوِّتًا لَهُ، وَإِنْ قَلَّ. فَأَمَّا النَّفَلُ فَكُلُّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ فَفَسَادُ الْأَدَاءِ فِي أَحَدِ الشَّفْعَيْنِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْآخَرِ وَلِهَذَا قُلْنَا أَيْ وَلِمَا ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْفَرْضَ الْمُمْتَدَّ يَبْطُلُ بِوُجُودِ الضِّدِّ فِي جُزْءٍ مِنْهُ قُلْنَا إنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ السُّجُودَ عَلَى مَكَان نَجِسٍ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ حَتَّى لَوْ أَعَادَهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لَمَّا كَانَ فَرْضًا صَارَ السَّاجِدُ عَلَى النَّجَسِ مُسْتَعْمِلًا لِلنَّجَسِ بِحُكْمِ الْفَرْضِيَّةِ أَيْ فَرْضِيَّةِ وَضْعِ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ بِمَنْزِلَةِ حَامِلِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ يَتَأَدَّى بِالْوَجْهِ وَالْأَرْضِ إذْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ وَضْعِ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْأَرْضُ إذَا اتَّصَلَتْ بِالْوَجْهِ صَارَ مَا كَانَ صِفَةً لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِمَنْزِلَةِ الصِّفَةِ لِلْوَجْهِ بِحُكْمِ الِاتِّصَالِ فَيَصِيرُ السَّاجِدُ عَلَى النَّجَسِ كَالْحَامِلِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ الْكَفُّ عَنْ حَمْلِ النَّجَاسَةِ مَأْمُورٌ بِهِ فِي جَمِيعِ
стр. 654
وَهُوَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لَمَّا كَانَ فَرْضًا صَارَ السَّاجِدُ عَلَى النَّجَسِ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ مُسْتَعْمِلًا لَهُ بِحُكْمِ الْفَرِيضَةِ وَالتَّطْهِيرِ عَنْ حَمْلِ النَّجَاسَةِ فَرْضٌ دَائِمٌ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ أَيْضًا فَيَصِيرُ ضِدُّهُ مُفَوَّتًا لِلْفَرْضِ وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: إنَّ إحْرَامَ الصَّلَاةِ يَنْقَطِعُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي النَّفْلِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ دَائِمٌ فِي التَّقْدِيرِ حُكْمًا عَلَى مَا عُرِفَ فَيَنْقَطِعُ الْإِحْرَامُ بِانْقِطَاعِهِ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ الرُّكْنِ مَعَ النَّجَاسَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْفَسَادُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ مُحْتَمَلٍ فَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى الْإِحْرَامِ، وَإِذَا تُرِكَ فِي الشَّفْعِ كُلِّهِ فَقَدْ صَارَ الْفَسَادُ مَقْطُوعًا بِهِ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ فَتَعَدَّى إلَى الْإِحْرَامِ
ــ
[كشف الأسرار]
الصَّلَاةِ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] . أَيْ لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا قِيلَ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ تَعَلُّقَ الصَّلَاةِ بِالْمَكَانِ وَالْبَدَنِ أَكْثَرُ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالثَّوْبِ فَيَثْبُتُ الْكَفُّ مُطْلَقًا بِالسُّجُودِ عَلَى الْمَكَانِ النَّجَسِ يَفُوتُ ذَلِكَ الْكَفُّ فَيَكُونُ مُفْسِدًا كَالْكَفِّ فِي الصَّوْمِ لَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ يَكُونُ الْأَكْلُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ مُفْسِدًا لَهُ.
ثُمَّ النَّجَاسَةُ إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرُّكْبَتَيْنِ لَا يَمْنَعُ عَنْ الْجَوَازِ، وَقَالَ زُفَرُ ﵀: يَمْنَعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ السَّجْدَةِ بِوَضْعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْوَجْهِ جَمِيعًا فَكَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ مِثْلَهَا فِي مَوْضِعِ الْوَجْهِ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ لَهُ بُدًّا مِنْ وَضْعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ إذَا وُضِعَ عَلَى مَكَان نَجِسٍ كَمَا لَوْ لَبِسَ ثَوْبَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا نَجَاسَةٌ كَثِيرَةٌ لَا يَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ. فَالشَّيْخُ بِقَوْلِهِ صَارَ مُسْتَعْمِلًا لِلنَّجَسِ بِحُكْمِ الْفَرْضِيَّةِ أَشَارَ إلَى الْفَرْقِ، وَهُوَ إنَّمَا جَعَلْنَاهُ حَامِلًا لِلنَّجَسِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ وَضْعَ الْوَجْهِ عَلَى الْمَكَانِ الطَّاهِرِ، وَوَضْعَهُ عَلَى الْمَكَانِ النَّجَسِ مَانِعٌ عَنْ أَدَاءِ الْفَرْضِ فَيُعْتَبَرُ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ وَيُجْعَلُ قَاطِعًا فَأَمَّا وَضْعُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فَلَيْسَ بِفَرْضٍ فَكَانَ وَضْعُهَا عَلَى النَّجَاسَةِ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِ الْوَضْعِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْجَوَازِ فَلَا يَكُونُ هَذَا الْوَضْعُ بِمَنْزِلَةِ حَمْلِ النَّجَاسَةِ. بِخِلَافِ الثَّوْبَيْنِ فَإِنَّ اللَّابِسَ لِلثَّوْبِ مُسْتَعْمِلٌ لَهُ حَقِيقَةً فَإِذَا كَانَ نَجِسًا كَانَ هُوَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ لَا مَحَالَةَ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مُمْسِكُهُ بِيَدِهِ فَأَمَّا الْمُصَلِّي فَلَيْسَ بِحَامِلٍ لِلْمَكَانِ حَقِيقَةً.
وَقَوْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ لَا تَمْنَعُ عَنْ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ السُّجُودِ يَتَأَدَّى بِوَضْعِ الْأَرْنَبَةِ عَلَى الْأَرْضِ عِنْدَهُ وَذَلِكَ دُونَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَلَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا وَضَعَ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ تَأَدَّى الْفَرْضُ بِالْكُلِّ كَمَا إذَا طَوَّلَ الْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ كَانَ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ بِالْكُلِّ وَالْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَلِذَلِكَ مُنِعَ الْجَوَازُ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) قَالَ مُحَمَّدٌ أَيْ؛ وَلِأَنَّ الْفَرْضَ الْمُمْتَدَّ يَفُوتُ بِمُطْلَقِ وُجُودِ الضِّدِّ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ إنَّ إحْرَامَ الصَّلَاةِ يَنْقَطِعُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي التَّنَفُّلِ، وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ دَائِمٌ فِي التَّقْدِيرِ حُكْمًا؛ لِأَنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا رُكْنًا شَرْطُ صِحَّةِ الْأَفْعَالِ لَا اعْتِبَارَ لَهَا بِدُونِهَا فِي الشَّرْعِ قَالَ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا بَعْدَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَقَدْ أَتَى بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ فِي مَحَلِّهَا فَسَدَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَنَا لِفَوَاتِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْأَهْلِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَهْلِ، وَالْأُمِّيُّ لَيْسَ بِأَهْلٍ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا فَرْضٌ دَائِمٌ يَتَحَقَّقُ الْفَوَاتُ بِالتَّرْكِ فِي رَكْعَةٍ وَتَفْسُدُ الْأَفْعَالُ وَيَتَعَدَّى الْفَسَادُ إلَى الْإِحْرَامِ بِوَاسِطَةِ فَسَادِ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ أَفْعَالٍ لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ فَيُوجِبُ فَسَادَ الْإِحْرَامِ ضَرُورَةً. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا احْتَجَّ بِهِ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إلَّا أَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْفَسَادُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ لِيَصِيرَ قَوِيًّا فِي نَفْسِهِ وَيَصْلُحَ لِلتَّعَدِّي إلَى الْإِحْرَامِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَتْرُكَهَا فِي الشَّفْعِ كُلِّهِ فَأَمَّا إذَا وُجِدَتْ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ فَهُوَ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ
стр. 655
وَلِهَذَا قَالَ فِي مُسَافِرٍ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ إنَّ إحْرَامَ الصَّلَاةِ لَا يَنْقَطِعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّ التَّرْكَ مُتَرَدِّدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُودِ لِاحْتِمَالِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مُفْسِدًا فَصَارَ هَذَا الْبَابُ أَصْلًا يَجِبُ ضَبْطُهُ يُبْتَنَى عَلَيْهِ فُرُوعٌ يَطُولُ تَعْدَادُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَقَائِقِ.
(بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ)
اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ
ــ
[كشف الأسرار]
بِالْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» . يَقْتَضِي ذَلِكَ أَيْضًا فَكَانَ الْفَسَادُ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ فِيهِ قُصُورٌ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْإِحْرَامِ فَقُلْنَا بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ حَتَّى صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَقُلْنَا بِفَسَادِ الْأَدَاءِ أَيْضًا أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي كُلِّ بَابٍ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا تَخْرُجُ الْمَسَائِلُ.
فَإِذَا قَرَأَ فِي الْأَوَّلَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي الْآخَرَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ. أَوْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ. أَوْ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَقَضَاءُ الْأَرْبَعِ عِنْدَهُمَا. وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرَ. أَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا عَلَيْهِ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ، وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَسَادَ مَتَى ثَبَتَ بِطَرِيقٍ مُحْتَمَلٍ لَمْ يَتَعَدَّ إلَى الْإِحْرَامِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي مُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا لَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْإِحْرَامُ حَتَّى لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ أَرْبَعًا وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ مُؤَثِّرٌ فِي قَطْعِ التَّحْرِيمَةِ عِنْدَهُ فَصَارَ ظُهْرُ الْمُسَافِرِ كَفَجْرِ الْمُقِيمِ يَفْسُدُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدَيْهِمَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ إصْلَاحُهُ فَكَذَا الظُّهْرُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ إذْ لَا تَأْثِيرَ لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي رَفْعِ صِفَةِ الْفَسَادِ. وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ الِاحْتِمَالُ مَانِعًا مِنْ تَعَدِّي الْفَسَادِ إلَى الْإِحْرَامِ لَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ فَإِنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِعَرْضٍ أَنْ تَصِيرَ أَرْبَعًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَكَانَ التَّرْكُ مُتَرَدِّدًا مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ أَيْ وُجُودِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ مِثْلُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَلَوْ كَانَتْ فِي أَوَّلِهَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَهَاهُنَا مِثْلُهُ بِخِلَافِ فَجْرِ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَرْضِ أَنْ تَصِيرَ أَرْبَعًا. يُبْتَنَى عَلَيْهِ فُرُوعٌ يَطُولُ تَعْدَادُهَا. مِثْلُ الِاعْتِكَافِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ اللُّبْثَ الدَّائِمَ يَنْقَطِعُ بِهِ كَالصَّوْمِ بِالْأَكْلِ. وَمِثْلُ الصَّلَاة يَبْطُلُ بِالِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ بِالْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ فَرْضٌ دَائِمٌ فَيَفُوتُ بِالِانْحِرَافِ. وَقِسْ عَلَيْهِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ بِقُرْبِ النَّجَاسَةِ فَتُكْرَهُ، وَلَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ تَطْهِيرِ الْمَكَانِ لَا يَفُوتُ بِهِ، وَلَكِنْ يُقَرِّبُ إلَى الْفَوَاتِ.، وَكَذَا أَدَاءُ النِّصَابِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَهُوَ الْإِيتَاءُ إلَى الْفَقِيرِ لَمْ يَفُتْ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ شَبَهًا بِالْأَدَاءِ إلَى الْغَنِيِّ لِاتِّصَالِ الْغَنِيِّ بِالْأَدَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ]
وَلَمَّا فَرَغَ الشَّيْخُ عَنْ بَيَانِ الْمَقَاصِدِ وَتَقْسِيمِهَا، وَهِيَ الْأَحْكَامُ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوَسَائِلِ إلَيْهَا، وَهِيَ الْأَسْبَابُ فَقَالَ ﴿بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ﴾
أَيْ بَيَانِ الطُّرُقِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا الْمَشْرُوعَاتُ. قَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّ لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ أَسْبَابًا تُضَافُ إلَيْهَا وَالْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالشَّارِعُ لَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ إلَى الشَّرْعِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ ﵀ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي مَأْخَذِ الشَّرَائِعِ أَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ أَسْبَابٌ لِوُجُودِ الْعِبَادَاتِ.، وَقَالَ جُمْهُورُ الْأَشْعَرِيَّةِ لِلْعُقُوبَاتِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ أَسْبَابٌ يُضَافُ وُجُوبُهَا إلَيْهَا فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ
стр. 656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَا تُضَافُ إلَّا إلَى إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابِهِ.، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الْأَسْبَابَ أَصْلًا، وَقَالُوا الْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَثْبُتُ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَفِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِالْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَمَارَةً لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِثْبَاتِهِ مُتَمَسِّكِينَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْأَحْكَامِ وَالشَّارِعَ لَهَا هُوَ اللَّهُ ﷻ كَمَا أَنَّ مُوجِبَ الْأَشْيَاءِ الْمَحْسُوسَةِ وَخَالِقَهَا هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَصِفَةُ الْإِيجَابِ صِفَةٌ خَاصَّةٌ لَهُ لَا يَجُوزُ اتِّصَافُ الْغَيْرِ بِهَا كَصِفَةِ التَّخْلِيقِ فَكَانَ فِي إضَافَةِ الْإِيجَابِ إلَى الْأَسْبَابِ قَطْعُهُ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَكِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ بَعْضَ أَوْصَافِ النَّصِّ عَلَامَةً، وَأَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفُرُوعِ فَيُقَالُ أَسْبَابٌ مُوجِبَةٌ أَوْ عِلَلٌ مُوجِبَةٌ مَجَازًا لِظُهُورِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهَا.
وَبِأَنَّ الْأَسْبَابَ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ بِمَنْزِلَةِ الْآلَاتِ وَالْجَوَارِحِ السَّلِيمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ قُدْرَةَ الْعِبَادِ نَاقِصَةٌ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْمَحَالِّ إلَّا بِأَسْبَابٍ وَآلَاتٍ فَيَكُونُ عَمَلُهَا فِي تَتْمِيمِ الْقُدْرَةِ النَّاقِصَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ وُجُوبُ أَحْكَامِهِ وَوُجُودُهَا بِالْأَسْبَابِ حَقِيقَةً. وَبِأَنَّ الْأَسْبَابَ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الشَّرْعِ، وَلَا أَحْكَامَ مَعَهَا، وَقَدْ تُوجَدُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ أَيْضًا بِلَا أَحْكَامٍ كَمَا فِي الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ عِلَلًا لِلْأَحْكَامِ لَمْ يُتَصَوَّرْ انْفِكَاكُهَا عَنْ الْأَحْكَامِ كَمَا فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّ الْكَسْرَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الِانْكِسَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا، وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ بِالْأَسْبَابِ دُونَ الْخِطَابِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ لِتَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ فِي حَقِّهِ. وَتَمَسَّكَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْعِبَادَاتِ وَجَبَتْ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ فَتُضَافُ إلَى إيجَابِهِ؛ لِأَنَّا مَا عَرَفْنَا وُجُوبَهَا إلَّا بِالشَّرْعِ، وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ فَتُضَافُ إلَى الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهَا أَجْزِيَةُ الْأَفْعَالِ الْمَحْظُورَةِ فَتُضَافُ إلَيْهَا تَغْلِيظًا، وَكَذَا الْمُعَامَلَاتُ تُضَافُ إلَى الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ بِكَسْبِ الْعَبْدِ فَتُضَافُ إلَيْهِ.
وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْعِبَادَاتِ لَيْسَ إلَّا الْفِعْلُ وَوُجُوبُهُ بِالْخِطَابِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يُمْكِنُ إضَافَتُهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ فَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ فَالْوَاجِبُ فِيهَا شَيْئَانِ الْمَالُ وَالْفِعْلُ فَيُمْكِنُ إضَافَةُ وُجُوبِ الْمَالِ إلَى السَّبَبِ، وَإِضَافَةُ وُجُوبِ الْفِعْلِ إلَى الْخِطَابِ، وَكَذَا الْعُقُوبَاتُ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْجَانِي لَيْسَ إلَّا تَسْلِيمُ النَّفْسِ وَتَحَمُّلُ الْعُقُوبَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْفِعْلُ عَلَى الْوُلَاةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ إلَى السَّبَبِ، وَمَا وَجَبَ عَلَى الْوُلَاةِ إلَى الْخِطَابِ إلَيْهِمْ حَيْثُ قِيلَ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] . فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَجُوزُ أَنْ تُضَافَ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ إلَى الْأَسْبَابِ عِنْدَهُمْ أَيْضًا.
وَأَمَّا الْعَامَّةُ فَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِلْعِبَادَاتِ أَسْبَابًا يُضَافُ وُجُوبُهَا إلَيْهَا وَالْمُوجِبُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا شَرَعَ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ أَسْبَابًا يُضَافُ الْوُجُوبُ إلَيْهَا، وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَجَعَلَ سَبَبَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ الْقَتْلَ وَسَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ الْإِتْلَافَ وَسَبَبَ مِلْكِ الْوَاطِئِ النِّكَاحَ، فَكَذَا شَرَعَ لِوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ أَسْبَابًا أَيْضًا. فَمَنْ أَنْكَرَ جَمِيعَ الْأَسْبَابِ وَعَطَّلَهَا، وَأَضَافَ الْإِيجَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ خَالَفَ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ وَصَارَ جَبْرِيًّا خَارِجًا عَنْ مَذْهَبِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
стр. 657
عَلَى الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إنَّمَا يُرَادُ بِهَا طَلَبُ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ، وَأَدَاؤُهَا، وَإِنَّمَا الْخِطَابُ لِلْأَدَاءِ وَلِهَذِهِ الْأَحْكَامِ أَسْبَابٌ تُضَافُ إلَيْهَا شَرْعِيَّةٌ وُضِعَتْ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا الْوُجُوبُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَا أَثَرَ لِلْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ لَمَّا كَانَ الْإِيجَابُ غَيْبًا فَنُسِبَ الْوُجُوبُ إلَى الْأَسْبَابِ الْمَوْضُوعَةِ وَثَبَتَ الْوُجُوبُ جَبْرًا لَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ فِيهِ ثُمَّ الْخِطَابُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِلْأَدَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ يَجِبُ بِهِ الثَّمَنُ ثُمَّ يُطَالَبُ بِالْأَدَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْضَ، وَأَقَرَّ بِالْبَعْضِ فَلَا وَجْهَ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ إضَافَةُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ إلَى الْأَسْبَابِ بِالدَّلِيلِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ سَائِرُهَا إلَى الْأَسْبَابِ أَيْضًا بِالدَّلِيلِ.
وَقَوْلُهُمْ لَوْ أُضِيفَ الْوُجُوبُ إلَى الْأَسْبَابِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مُضَافًا إلَى اللَّهِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّا لَا نَجْعَلُ الْأَسْبَابَ مُوجِبَةً بِذَوَاتِهَا إذْ الْإِيجَابُ وَالْإِلْزَامُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ مُفْتَرِضِ الطَّاعَةِ لَكِنَّ السَّبَبَ مَا يَكُونُ مَوْصِلًا إلَى الْحُكْمِ وَطَرِيقًا إلَيْهِ فَإِضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا بِالسَّيْفِ يَحْصُلُ الْقَتْلُ حَقِيقَةً بِالسَّيْفِ ثُمَّ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى الْقَاتِلِ حَتَّى يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ، وَكَذَا الشِّبَعُ يَحْصُلُ بِالطَّعَامِ وَالرَّيُّ بِالْمَاءِ ثُمَّ يُضَافَانِ إلَى الْمُطْعِمِ وَالسَّاقِي فَكَذَا هَذَا.
وَقَوْلُهُمْ الْأَسْبَابُ كَانَتْ، وَلَا حُكْمَ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَجْعَلُهَا مُوجِبَةً بِجَعَلِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهَا كَذَلِكَ لَا بِأَنْفُسِهَا فَلَا تَكُونُ أَسْبَابًا قَبْلَ ذَلِكَ كَأَسْبَابِ الْعُقُوبَاتِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الْخِطَابِ، وَلَمْ تَكُنْ أَسْبَابًا ثُمَّ صَارَتْ أَسْبَابًا بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.، وَأَمَّا الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا فَإِنَّمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ قَبْلَ بُلُوغِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الْأَدَاءِ فِي حَقِّهِ تَحْقِيقًا، وَلَا تَقْدِيرًا إذْ لَا ثُبُوتَ لِلْخِطَابَاتِ فِي حَقِّهِ أَصْلًا، وَلَا إلَى إيجَابِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ؛ وَلِأَنَّ فِي إيجَابِهَا عَلَيْهِ حَرَجًا لِاجْتِمَاعِ عِبَادَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَيْهِ لِطُولِ مُدَّةِ بَقَائِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَادَةً فَيَسْقُطُ عَنْهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْقَصِيرُ لِنُدْرَتِهِ مُلْحَقٌ بِالْكَثِيرِ وَبَاقِي الْكَلَامِ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ (عَلَى الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا) مِنْ كَوْنِ الْأَمْرِ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ، وَمُقَيَّدًا بِهِ، وَكَوْنِهِ إيجَابًا عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ أَوْ التَّضْيِيقِ وَالتَّخْيِيرِ وَغَيْرِهَا.
إنَّمَا يُرَادُ بِهَا أَيْ بِالْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ طَلَبُ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ الثَّابِتَةِ قَبْلَ الْخِطَابِ. وَأَدَاؤُهَا تَأْكِيدٌ يَعْنِي الْخِطَابَ لِطَلَبِ أَدَاءِ الْمَشْرُوعَاتِ بِأَسْبَابٍ نَصَبَهَا الشَّرْعُ، وَإِنْ اسْتَقَامَ الْإِيجَابُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ. لَا أَثَرَ لِلْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي حَقِيقَةِ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ السَّبَبِ الْعَقْلِيِّ وَالْحِسِّيِّ فَإِنَّ لَهُمَا أَثَرًا فِي إثْبَاتِ الْمَعْلُولِ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ السَّبَبِ كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ وَالْإِحْرَاقِ مَعَ الِاحْتِرَاقِ. وَإِنَّمَا وُضِعَتْ الْأَسْبَابُ لِأَجْلِ التَّيْسِيرِ عَلَى الْعِبَادِ لِيَتَوَصَّلُوا إلَى مَعْرِفَةِ الْوَاجِبَاتِ بِمَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ إذْ الْإِيجَابُ الَّذِي هُوَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ غَيْبًا عَنَّا، وَفِي الْوُقُوفِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ حَرَجٌ خُصُوصًا عِنْدَ انْقِطَاعِ زَمَانِ الْوَحْيِ فَوُضِعَتْ الْأَسْبَابُ وَنُسِبَ الْوُجُوبُ إلَيْهَا تَيْسِيرًا، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَمَارَاتٌ عَلَى الْإِيجَابِ وَثَبَتَ الْوُجُوبُ جَبْرًا يَعْنِي لَمْ يُشْتَرَطْ لِأَصْلِ الْوُجُوبِ اخْتِيَارُ الْعَبْدِ، وَقُدْرَتُهُ بَلْ يَثْبُتْ بِدُونِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ كَمَا يَثْبُتُ السَّبَبُ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ فَأَمَّا وُجُوبُ الْأَدَاءِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ عَنَى بِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَالٍ لَوْ اخْتَارَ الْعَبْدُ فِيهَا الْأَدَاءَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ لَا أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إنْ اخْتَارَ وُجُوبَهُ ثَبَتَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ الْوُجُوبِ يَثْبُتُ بِالسَّبَبِ خَبَرًا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ يَثْبُتُ بِالْخِطَابِ جَبْرًا، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ أَعْنِي قُدْرَةَ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ، وَوُجُودُ الْأَدَاءِ يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ الْفِعْلُ. وَلَا يُقَالُ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يَسْتَقِيمُ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُخَاطَبُ بِأَدَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْوَاجِبُ بِالنَّهْيِ انْتِهَاءُ الْعَبْدِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ فَانْتِهَاؤُهُ وَامْتِنَاعُهُ عَنْهُ يَكُونُ أَدَاءً
стр. 658
وَدَلَالَةُ صِحَّةِ هَذَا الْأَصْلِ إجْمَاعُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّائِمِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْخِطَابُ عَنْهُ مَوْضُوعٌ وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَجْنُونِ إذَا انْقَطَعَ جُنُونُهُ دُونَ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ وَعَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَالْخِطَابُ عَنْهُمَا مَوْضُوعٌ، وَكَذَلِكَ الْجُنُونُ إذَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَالْإِغْمَاءُ وَالنَّوْمُ، وَإِنْ اسْتَغْرَقَهُ لَا يَمْتَنِعُ بِهِمَا الْوُجُوبُ وَلَا خِطَابَ عَلَيْهِمَا بِالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ وَقَالُوا جَمِيعًا بِوُجُوبِ الْعُشْرِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ فَعُلِمَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي حَقِّنَا مُضَافٌ إلَى أَسْبَابٍ شَرْعِيَّةٍ غَيْرَ الْخِطَابِ.
ــ
[كشف الأسرار]
لِمُوجِبِ النَّهْيِ قَوْلُهُ (وَدَلَالَةُ صِحَّةِ هَذَا الْأَصْلِ) أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ بِالسَّبَبِ وَوُجُوبَ الْأَدَاءِ بِالْخِطَابِ إجْمَاعُهُمْ.، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ نَحْنُ لَا نَعْلَمُ إيجَابًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِالْأَمْرِ فَبِمَ عَرَفْتُمْ أَنَّ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ بِالْأَسْبَابِ. فَقَالَ عَرَفْنَا ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إيجَابِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَى مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْخِطَابِ مِثْلَ النَّائِمِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ.
وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونُ عِنْدَنَا يُؤَاخَذَانِ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ إذَا لَمْ يَزْدَدْ الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ الْجُنُونُ وَالْقَضَاءُ إنَّمَا يَجِبُ بَدَلًا عَنْ الْفَائِتِ مِنْ عِنْدِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ التَّفْوِيتُ كَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ، وَلَوْلَا التَّفْوِيتُ لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَلَوْلَا الْوُجُوبُ لَمَا تُصُوِّرَ التَّفْوِيتُ. وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً عِبَادَةٌ تَجِبُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ أَوْ الْإِفَاقَةِ بِخِطَابٍ جَدِيدٍ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَجِبُ رِعَايَةُ شَرَائِطِ الْقَضَاءِ فِيهِ كَنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءَ فَرْضٍ لَمَا رُوعِيَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْقَضَاءِ بَلْ كَانَ ذَلِكَ أَدَاءً فِي نَفْسِهِ كَالْمُؤَدَّى فِي الْوَقْتِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ مَتَى لَمْ تَجِبْ فِي الْوَقْتِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ كَالْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ وَالْحَائِضِ إذَا أَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ أَوْ ظَهَرَتْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْوَقْتِ وَحَيْثُ وَجَبَ هَاهُنَا، وَمَعَ الْوُجُوبِ رُوعِيَتْ شَرَائِطُ الْقَضَاءِ دَلَّ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَجْنُونِ يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ عَطْفًا عَلَى إجْمَاعِهِمْ لَا بِالْجَرِّ إذْ لَوْ قُرِئَ بِالْجَرِّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَوْقُ الْكَلَامِ لَصَارَ مَعْطُوفًا عَلَى الْوُجُوبِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَدَخَلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ تَحْتَ الْإِجْمَاعِ أَيْضًا كَوُجُوبِهَا عَلَى النَّائِمِ. وَهُوَ لَيْسَ بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا اسْتَغْرَقَ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْخَصْمِ. إلَّا إذَا كَانَ الْكَلَامُ مَعَ مَنْ أَنْكَرَ سَبَبِيَّةَ الْأَوْقَاتِ لِلصَّلَوَاتِ مِنْ أَصْحَابِنَا فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْرَأَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْوُجُوبِ الْمُتَقَدِّمِ وَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِالْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْضًا وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا خَاصَّةً دُونَ اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ. وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الْجُنُونُ إذَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ مَذْهَبَنَا أَيْضًا دُونَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَبِوُجُوبِ كَفَّارَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْقَتْلِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ عَنْهُمَا مَوْضُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَالُوا أَيْ الْفُقَهَاءُ جَمِيعًا بِوُجُوبِ الْعُشْرِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ عِنْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَالرَّأْسُ الَّذِي يُمَوِّنُهُ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ عَنْهُ مَوْضُوعٌ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَجْنُونِ حُقُوقُ الْعِبَادِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ مِنْهُمَا.
وَيَثْبُتُ الْعِتْقُ لِلْقَرِيبِ عَلَيْهِمَا عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِمَا بِالْإِرْثِ لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْمِلْكُ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ مَوْضُوعًا عَنْهُمَا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَدَاءَ لَمَّا وَجَبَ بِالْخِطَابِ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا لَزِمَ عَلَى الْمَوْلَى. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀، وَقَدْ دَلَّ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ دَلَّتَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ الَّتِي أَوْجَبْتُهَا عَلَيْكُمْ بِالسَّبَبِ الَّذِي جَعَلْتُهُ سَبَبًا لَهَا، وَأَدُّوا الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِهَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ أَدِّ الثَّمَنَ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْخِطَابُ بِأَدَاءِ ثَمَنِ الْوَاجِبِ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ.
стр. 659
وَإِنَّمَا يُعْرَفُ السَّبَبُ بِنِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَتَعَلُّقِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَهُ حَادِثًا بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُعْرَفُ السَّبَبُ) ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ أَمَارَةَ كَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا فَقَالَ: إنَّمَا يُعْرَفُ السَّبَبُ بِنِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ أَيْ إضَافَتِهِ إلَيْهِ كَقَوْلِك صَلَاةُ الظُّهْرِ وَصَوْمُ الشَّهْرِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَحَدُّ الشُّرْبِ، وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ. وَتَعَلُّقُهُ بِهِ أَيْ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ بِأَنْ لَا يُوجَدَ بِدُونِهِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُضَافُ إلَيْهِ سَبَبًا لِلْمُضَافِ، وَأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُضَافُ حَادِثًا بِالْمُضَافِ إلَيْهِ كَقَوْلِك كَسْبُ فُلَانٍ أَيْ حَدَثَ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لَمَّا كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِلتَّمْيِيزِ كَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الْإِضَافَةَ إلَى أَخَصِّ الْأَشْيَاءِ بِهِ لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ، وَأَخَصُّ الْأَشْيَاءِ بِالْحُكْمِ سَبَبُهُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِهِ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ أَصْلًا فَأَمَّا الشَّرْطُ فَإِنَّمَا يُضَافُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ عِنْدَهُ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ مَجَازًا، وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْحَقِيقَةُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلتَّعْرِيفِ فَإِنَّ الْمُضَافَ نَكِرَةٌ قَبْلَ الْإِضَافَةِ، وَقَدْ تُعْرَفُ بَعْدَهَا بِالْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ، وَالشَّيْءُ مَتَى اُخْتُصَّ فِي نَفْسِهِ تَعَرَّفَ فَإِذَا قُلْت جَاءَنِي غُلَامٌ نَكِرَةٌ لِشُيُوعِهِ فِي الْغِلْمَانِ، وَلَوْ قُلْت جَاءَنِي غُلَامُ زَيْدٍ صَارَ مَعْرِفَةً لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ.
ثُمَّ اخْتِصَاصُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ بِمَعَانٍ فَاخْتِصَاصُ الْغُلَامِ بِزَيْدٍ بِمَعْنَى الْمِلْكِ وَاخْتِصَاصُ الِابْنِ بِالْأَبِ فِي قَوْلِك ابْنُ فُلَانٍ بِمَعْنَى النَّسَبِ وَاخْتِصَاصُ الْيَدِ بِزَيْدٍ فِي قَوْلِك يَدُ زَيْدٍ بِمَعْنَى الْجُزْئِيَّةِ، وَقِسْ عَلَيْهِ. ثُمَّ تُعَرَّفُ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ بِإِضَافَتِهِمَا إلَى الْوَقْتِ إمَّا بِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبًا بِمَا أُضِيفَ إلَيْهِ. أَوْ بِمَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْوُجُوبَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ. أَوْ بِمَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ وُجُودَ الْوَاجِبِ يَحْصُلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ. ثُمَّ تَرَجَّحَ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ وَالظَّرْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ إضَافَةِ الْحَادِثِ إلَى شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ بِهِ كَقَوْلِك عَبْدُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ، وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ، وَكَسْبُ فُلَانٍ وَتَرِكَتُهُ وَالْوُجُوبُ هُوَ الْحَادِثُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِالْوَقْتِ. وَاعْتَرَضَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ ﵀ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ فَقَالَ هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مَا وَضَعُوا الْإِضَافَةَ لِمَعْرِفَةِ الْحُدُوثِ، وَلَا فَهِمُوهُ مِنْهَا أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا وَضَعُوهَا لِلتَّعْرِيفِ، وَفَهِمُوا مِنْهَا الِاخْتِصَاصَ الْمُوجِبَ لِلتَّعْرِيفِ.
وَكَذَا الْإِضَافَةُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اللُّغَةِ شَائِعٌ، وَلَوْ كَانَ وَضْعُ الْإِضَافَةِ دَالًّا عَلَى الْحُدُوثِ لَمَا جَازَتْ إضَافَةُ الْأَشْيَاءِ إلَى غَيْرِ اللَّهِ حَقِيقَةً لِتَأَدِّيهَا إلَى الشَّرِكَةِ فِي الْأَحْدَاثِ. وَقَدْ يُضَافُ الْأَجْسَامُ وَالْجَوَاهِرُ إلَى الْعِبَادِ فَيُقَالُ دَارُ عَبْدِ اللَّهِ، وَفَرَسُ زَيْدٍ وَسَيْفُ خَالِدٍ وَيُقَالُ هَذَا عَبْدُ فُلَانٍ كَمَا يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِضَافَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ. وَكَذَا مَا اُسْتُدِلَّ بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ كَسْبُ فُلَانٍ وَتَرِكَتُهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ هَذَا الْكَلَامِ لَا تَصْحِيحَهُ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ قَدْ يَكُونُ عَبْدًا وَجَارِيَةً وَدَارًا وَضَيْعَةً، وَكَذَا التَّرِكَةُ وَرُبَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَقْدَمَ وُجُودًا مِنْ الْكَاسِبِ وَالتَّارِكِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهَا بِهِ. وَلَوْ كَانَ هُوَ أَسْبَقَ وُجُودًا مِنْهَا فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهَا بِهِ. وَلَوْ قِيلَ كَانَ مِلْكُهَا حَادِثًا بِسَبَبِهِ تَقُولُ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ الْمِلْكُ إنَّمَا أُضِيفَ إلَيْهِ أَعْيَانُهَا فَإِذَنْ لَمْ تَدُلَّ الْإِضَافَةُ عَلَى حُدُوثِ الْمُضَافِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ بَلْ دَلَّتْ عَلَى حُدُوثِ غَيْرِ الْمُضَافِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ فَيَبْطُلُ هَذَا الْكَلَامُ.
ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ صَوْمُ الشَّهْرِ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حُدُوثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْوَقْتِ؛ لِأَنَّ
стр. 660
وَكَذَلِكَ إذَا لَازَمَهُ فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِهِ دَلَّ أَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ
ــ
[كشف الأسرار]
حُدُوثَهُمَا بِإِحْدَاثِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْعَبْدِ وَاكْتِسَابِهِ إيَّاهُمَا، وَهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ فَإِضَافَةُ حُدُوثِهِمَا إلَى الْأَزْمِنَةِ مُحَالٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ وُجُوبُهُمَا حَادِثًا بِالْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ بِمُضَافٍ إلَى الْوَقْتِ بَلْ نَفْسُ الْعِبَادَةِ هِيَ الْمُضَافَةُ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِحَادِثَةٍ بِالْوَقْتِ، وَلَا يَصِحُّ إضَافَةُ مَا يَحْدُثُ عَلَى زَعْمِ هَذَا الْقَائِلِ بِالْوَقْتِ إلَى الْوَقْتِ فَإِنَّك لَوْ قُلْت وُجُوبُ الْوَقْتِ كَانَ فَاسِدًا لَا يُفْهَمُ حُدُوثُهُ بِهِ، وَلَوْ قُلْت وُجُوبُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لَا يُفْهَمُ حُدُوثُ الْوُجُوبِ بِفِعْلِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِهِ وَالْوُجُوبُ هُوَ الْحَادِثُ فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ بِالْوَقْتِ كَانَ مَا اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ لَيْسَ بِحَادِثٍ أَوْ كَانَ الْوُجُوبُ هُوَ الْمُضَافُ أَوْ مَا اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ لَيْسَ بِمُضَافٍ وَسَاقَ كَلَامًا طَوِيلًا إلَى أَنْ قَالَ: وَالْوَجْهُ الصَّحِيحُ لِتَرْجِيحِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ عَلَى جِهَتَيْ الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ أَنْ يَقُولَ ثَمَرَةُ الْإِضَافَةِ التَّعْرِيفُ، وَلَنْ يَحْصُلَ هُوَ إلَّا بِالِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ تَمَيُّزُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ صِفَةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ أَوْ اسْمِ عَلَمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ قَوْلُك صَوْمُ الشَّهْرِ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ تَعْرِيفٌ لَهُمَا فَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصِفَةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَذَلِكَ إمَّا وُجُودُهُ فِي الْوَقْتِ، وَإِمَّا وُجُوبُهُ بِهِ أَوْ وُجُوبُهُ فِيهِ وَجَانِبُ الْوُجُودِ مُنْتَفٍ لِزَوَالِ الِاخْتِصَاصِ بِهَذَا الْوَصْفِ فَإِنَّ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ يُوجَدُ غَيْرُهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ مِنْ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وَالنَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَكَذَا الصَّوْمُ فِي وَقْتِهِ غَالِبُ الْوُجُودِ لَا مُتَيَقَّنُ الْوُجُودِ فَإِنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ يَصِحُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَقَعُ عَنْ النَّفْلِ. وَكَذَا الْمُسَافِرُ لَوْ صَامَ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ يَقَعُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَكَذَا يُتَصَوَّرُ الِانْفِكَاكُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَبَيْنَ الْوَقْتِ فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ جُمْلَةِ النَّاسِ مُتَصَوَّرٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ الِاخْتِصَاصُ بِطَرِيقِ الْيَقِينِ فَلَمْ يَحْصُلْ التَّعْرِيفُ يَقِينًا. فَأَمَّا الْوُجُوبُ بِالْوَقْتِ أَوْ فِيهِ فَمُتَيَقَّنٌ فَكَانَ صَرْفُ مُطْلَقِ الْكَلَامِ إلَيْهِ أَوْلَى. فَصَارَ مُطْلَقُ الْإِضَافَةِ دَلِيلَ تَعَلُّقِ الصَّوْمِ بِهِ وُجُوبًا إمَّا بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ أَوْ بِالشَّرْطِيَّةِ. ثُمَّ يُرَجَّحُ جَانِبُ السَّبَبِيَّةِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ أَقْوَى اخْتِصَاصًا وَآكَدُ لُزُومًا بِالسَّبَبِ مِنْهُ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالسَّبَبِ تَعَلُّقُ الْوُجُودِ وَتَعَلُّقَهُ بِالشَّرْطِ تَعَلُّقُ الْمُجَاوَرَةِ كَمَا فِي الظَّرْفِ فَكَانَ اتِّصَالُ الثُّبُوتِ وَالْوُجُودِ أَقْوَى مِنْهُ، وَكَذَا تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَتَعَلُّقُهُ بِالشَّرْطِ بِوَاسِطَةٍ بَلْ لَا تَعَلُّقَ لِلشَّرْطِ بِالْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ شَرْطًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بَلْ جُعِلَ لِانْعِقَادِ الْعِلَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصَ بِمُقَابَلَةِ هَذَا عَدَمٌ، وَاخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ حَقِيقِيٌّ وَبِالشَّرْطِ جَارٍ مَجْرَى الْمَجَازِ بِمُقَابَلَةِ هَذَا فَانْصَرَفَتْ الْإِضَافَةُ فِي الدَّلَالَةِ إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاخْتِصَاصِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا لَازَمَهُ) دَلِيلُ قَوْلِهِ وَتَعَلُّقُهُ بِهِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْإِضَافَةَ تَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى مُلَازَمَةِ الشَّيْءِ الشَّيْءَ وَتَعَلُّقِهِ بِهِ وَتَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِهِ عَلَى السَّبَبِيَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ تُضَافُ إلَى الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ فَلَمَّا تَكَرَّرَ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ شَيْءٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَادِثٌ بِهِ إذْ هُوَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ لِحُدُوثِهِ. ثُمَّ الْوُجُوبُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَمْرٌ حَادِثٌ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ يُضَافُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا إلَّا الْأَمْرُ أَوْ الْوَقْتُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَى الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِوَقْتٍ أَوْ شَرْطٍ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ تَصَدَّقْ مِنْ مَالِي بِدِرْهَمٍ إذَا أَمْسَيْتَ أَوْ إذَا دَلَكَتْ
стр. 661
فَإِذَا ثَبَتَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ قُلْنَا: وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مُضَافٌ إلَى إيجَابِهِ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى حَدَثِ الْعَالَمِ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ، وَقَطْعًا لِحُجَجِ الْمُعَانِدِينَ، وَهَذَا سَبَبٌ يُلَازِمُ الْوُجُوبَ
ــ
[كشف الأسرار]
الشَّمْسُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارُ كَمَا لَوْ قَالَ تَصَدَّقْ مِنْ مَالِي بِدِرْهَمٍ مُطْلَقًا عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَالتَّكْرَارُ ثَابِتٌ هَاهُنَا فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوَقْتَ هُوَ السَّبَبُ، وَأَنَّ أَصْلَ الْوُجُوبِ مُضَافٌ إلَيْهِ، وَأَنَّ تَكَرُّرَهُ بِسَبَبِ تَكَرُّرِهِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَسْبَابِ مِثْلَ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهَا تُكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ أَسْبَابِهَا. قَوْلُهُ (فَإِذَا ثَبَتَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ) وَلَمَّا أَثْبَتَ الشَّيْخُ أَنَّ لِلْمَشْرُوعَاتِ أَسْبَابًا بَيَّنَ سَبَبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَبَدَأَ بِبَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ الْعِبَادَاتِ. فَقَالَ وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ أَيْ الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ مُطَابِقٌ لِلْحَقِيقَةِ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِوُجُودِهِ وَبِوَحْدَانِيِّتِهِ ﷻ ، وَبِأَسْمَائِهِ مِثْلُ الْعَلِيمِ وَالْقَادِرِ وَالْحَكِيمِ وَسَائِرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ مِثْلُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ الْعُلَى. وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ وَالْأَسْمَاءُ بِمَعْنَى التَّسْمِيَاتِ يَعْنِي يُصَدِّقُ بِقَلْبِهِ وَيُقِرُّ بِلِسَانِهِ أَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مِثْلَ، وَأَنَّ لَهُ أَسْمَاءً كَامِلَةً أَيْ تَسَمِّيَاتٍ يَصِحُّ إطْلَاقُهَا عَلَى ذَاتِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْعَالِمِ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِالْوَاصِفِ وَوَصْفٌ لِلْمَوْصُوفِ، وَأَنَّ لَهُ ﷻ صِفَاتٍ ثُبُوتِيَّةً قَدِيمَةً قَائِمَةً بِذَاتِهِ لَيْسَتْ عَيْنَ ذَاتِهِ، وَلَا غَيْرَهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَتَنَزَّهَتْ صِفَاتُهُ، لَا كَمَا زَعَمَتْ الْمُجَسِّمَةُ أَنَّهُ جِسْمٌ، وَأَنَّ صِفَاتِهِ حَادِثَةٌ.
وَلَا كَمَا ذَهَبَتْ الْمُعَطِّلَةُ وَالْفَلَاسِفَةُ إلَيْهِ مِنْ إنْكَارِ الصِّفَاتِ، وَلَا كَمَا ظَنَّ الْبَعْضُ أَنَّ بَعْضَ الصِّفَاتِ قَدِيمٌ وَبَعْضَهَا حَادِثٌ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. مُضَافٌ إلَى إيجَابِهِ أَيْ إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الْإِيجَابَاتِ. لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ وُجُوبَ الْإِيمَانِ فِي الظَّاهِرِ مَنْسُوبٌ إلَى حَدَثِ الْعَالَمِ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ إيجَابَهُ غَيْبٌ عَنَّا فَنُسِبَ إلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ الْإِيجَابِ بِوَاسِطَتِهِ تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَيْنَا.، وَقَطْعًا لِحُجَجِ الْمُعَانِدِينَ إذْ لَوْ لَمْ يُوضَعْ لَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ رُبَّمَا أَنْكَرَ الْمُعَانِدُ وُجُوبَهُ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْإِلْزَامُ عَلَيْهِ فَوُضِعَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ إلْزَامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَقَطْعًا لِشُبْهَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ حَدَثُ الْعَالَمِ سَبَبًا رُبَّمَا احْتَجُّوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالُوا مَا ثَبَتَ لَنَا دَلِيلُ الْإِيمَانِ بِك فَلِذَلِكَ لَمْ نُؤْمِنْ بِكَ فَجُعِلَ الْعَالَمُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ قَطْعًا لِلِجَاجِهِمْ.
ثُمَّ حَدَثُ الْعَالَمِ يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الصَّنْعَةِ وَالْحُدُوثِ، وَهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى الصَّانِعِ وَالْمُحْدِثِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى أَزَلِهِ مُحْدِثًا مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهًا عَنْ النَّقِيصَةِ وَالزَّوَالِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ كَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ عُمَرُ ﵁ فِي قَوْلِهِ الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَآثَارُ الْمَشْيِ تَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَهَذَا الْهَيْكَلُ الْعَلَوِيُّ وَالْمَرْكَزُ السُّفْلِيُّ أَمَا يَدُلَّانِ عَلَى الصَّانِعِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ. وَهَذَا السَّبَبُ يُلَازِمُ الْوُجُوبَ يَعْنِي لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْوُجُوبِ، وَلَا الْوُجُوبُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَوْنِهِ سَبَبًا أَنَّهُ مُوجِبٌ لِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ الْفِعْلِ إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ إذْ الْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ كَمَا لَا يَثْبُتُ بِدُونِ السَّبَبِ.، وَلَا وُجُودَ لِمَنْ هُوَ أَهْلُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَى مَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ سُنَّتَهُ إلَّا وَالسَّبَبُ يُلَازِمُهُ إذْ لَا تَصَوُّرَ لِلْمُحْدِثِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُحْدِثٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ. وَالْإِنْسَانُ الْمَقْصُودُ بِهِ أَيْ بِخَلْقِ الْعَالَمِ أَوْ بِالتَّكْلِيفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَلَكِ وَالْجِنِّ مِمَّنْ يَجِبُ الْإِيمَانُ عَلَيْهِمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَالِمٌ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ
стр. 662
لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِهَذَا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْعِبَادِ، وَلَا وُجُوبَ إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَلَا وُجُودَ لِمَنْ هُوَ أَهْلُهُ عَلَى مَا أَجْرَى بِهِ سُنَّتَهُ إلَّا وَالسَّبَبُ يُلَازِمُهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الْمَقْصُودَ بِهِ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الْإِيمَانُ عَالِمٌ بِنَفْسِهِ سُمِّيَ عَالِمًا؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ عَلَمًا عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ إيمَانَ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا وَلَا مَأْمُورًا؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِنَفْسِهِ وَسَبَبُهُ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ دَائِمٌ لِقِيَامِ دَوَامِ مَنْ هُوَ مَقْصُودٌ بِهِ وَصِحَّةُ الْأَدَاءِ تُبْتَنَى عَلَى كَوْنِ الْمُؤَدَّى مَشْرُوعًا بَعْدَ قِيَامِ سَبَبِهِ مِمَّنْ هُوَ أَهْلُهُ لَا عَلَى لُزُومِ أَدَائِهِ كَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَوَاجِبَةٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا شُبْهَةٍ وَسَبَبُ وُجُوبِهَا فِي الظَّاهِرِ فِي حَقِّنَا الْوَقْتُ الَّذِي تُنْسَبُ وُجُوبُهَا فِي الظَّاهِرِ فِي حَقِّنَا الْوَقْتُ الَّذِي تُنْسَبُ إلَيْهِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَصِفَاتِهِ الْكَامِلَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَالَمُ الْأَكْبَرُ فَكَانَ وُجُوبُ الْإِيمَانِ دَائِمًا بِدَوَامِ سَبَبِهِ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلنَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَكَانَ الشَّيْخُ إنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِهِ كَذَا جَوَابًا عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يَصْلُحُ حُدُوثُ الْعَالَمِ سَبَبًا لِلْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ أَمْرٌ أَزَلِيٌّ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِسَبَبٍ وَيَلْزَمُ مِنْهُ تَقَدُّمُ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ أَيْضًا. فَقَالَ لَا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوَحْدَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ كَذَا. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْإِيمَانُ يُوجَدُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِدَايَتِهِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَبِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَكَسْبِهِ الَّذِي هُوَ مَخْلُوقٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْعَلَ حَدَثُ الْعَالَمِ سَبَبًا لِفِعْلِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَالَ: إنَّمَا نَجْعَلُهُ سَبَبًا لِفِعْلِ الْعَبْدِ لَا لِفِعْلِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَا نَعْنِي بِهَذَا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِدَايَتِهِ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ كَذَا، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِنَظْمِ الْكِتَابِ فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى مَا أَجْرَى بِهِ سُنَنَهُ، وَأَنَّهُ يُذْكَرُ فِيمَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَهَا هُنَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَكَّ السَّبَبُ عَنْ الْوُجُوبِ لِاسْتِحَالَةِ زَوَالِ الْحُدُوثِ عَنْ الْمُحْدِثِ، وَلَمْ يُذْكَرْ هَذَا اللَّفْظُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
(قُلْنَا) ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهِمَا، وَكُلُّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْوُجُوبِ بِدُونِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ عَالِمًا بِنَفْسِهِ فَمَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَتَكَثَّرُ أَسْبَابُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ حَدَثَ الْعَالَمِ الَّذِي هُوَ لَازِمٌ لِلْوُجُوبِ سَبَبًا، وَأَمَارَةً عَلَى إيجَابِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ شَيْئًا آخَرَ سَبَبًا، وَأَمَارَةً عَلَى إيجَابِهِ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَازِمًا لِلْوُجُوبِ كَمَا فُعِلَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لَيْسَ بِمُلَازِمٍ لِلْوُجُوبِ فَإِنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ وَانْقِضَاءِ الشَّهْرِ، وَلَكِنَّهُ ﷻ أَجْرَى سُنَّتَهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْإِيمَانِ شَيْئًا دَائِمًا مُلَازِمًا لِلْوُجُوبِ لِيَدُلَّ عَلَى دَوَامِ الْوُجُوبِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ؛ وَلِأَنَّ السَّبَبَ يُلَازِمُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ. قُلْنَا إنَّ إيمَانَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِأَدَاءِ الْإِيمَانِ فِي الْحَالِ، وَلَا مَأْمُورًا بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ مَشْرُوعٌ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، وَقَدْ تَحَقَّقَ سَبَبُهُ فِي حَقِّهِ، وَوُجِدَ رُكْنُهُ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَتَمْيِيزٍ مِمَّنْ هُوَ أَهْلُهُ، وَهُوَ الصَّبِيُّ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ كَمَا إذَا ثَبَتَ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ. أَمَّا تَحَقُّقُ السَّبَبِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا وُجُودُ الرُّكْنِ فَكَذَلِكَ إذْ الْكَلَامُ فِي صَبِيٍّ عَاقِلٍ مُمَيِّزٍ يُنَاظِرُ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحُجَجِ، وَقَدْ ضُمَّ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ إلَى التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَلِهَذَا صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ بِأَعْمَالِ الْبَشَرِ عِنْدَ الْخَصْمِ. وَأَمَّا الْأَهْلِيَّةُ فَلِأَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِمَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ أَصْلًا فَبَعْدَ ذَلِكَ امْتِنَاعُ صِحَّةِ الْأَدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَجْرٍ شَرْعِيٍّ، وَالْقَوْلُ بِالْحَجْرِ عَنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ ضَرُورَةً. ثُمَّ سُقُوطُ الْخِطَابِ عَنْهُ بِسَبَبِ الصِّبَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ الَّذِي يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ فَأُكْرِهَ عَلَى أَنْ لَا يُسْلِمَ
стр. 663
وَمَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ بِإِيجَابِهِ وَمِلْكُ الْمَالِ سَبَبُهُ وَالْقِصَاصَ يَجِبُ بِإِيجَابِهِ وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ سَبَبُهُ فَرْقٌ، وَلَيْسَ السَّبَبُ بِعِلَّةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا أُضِيفَتْ إلَى الْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فَالنِّسْبَةُ بِاللَّامِ أَقْوَى وُجُوهِ الدَّلَالَةِ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْوَقْتِ وَكَذَلِكَ يُقَالُ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْفَجْرِ وَعَلَى ذَلِكَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ وَيَبْطُلُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَدَاؤُهُ وَيَصِحُّ بَعْدَ هُجُومِ الْوَقْتِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ لُزُومُهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَحْكَامِ هَذَا الْقِسْمِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْوَقْتِ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَلَا يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ رُخِّصَ لَهُ التَّأْخِيرُ.
وَالْمُسْلِمُ إذَا أُكْرِهَ عَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ رُخِّصَ لَهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْأَدَاءِ فَإِنَّ صِحَّةَ الْأَدَاءِ يُبْتَنَى عَلَى كَوْنِ الْمُؤَدَّى مَشْرُوعًا بِنَفْسِهِ بَعْدَ قِيَامِ سَبَبِهِ مِنْ أَهْلِهِ لَا عَلَى لُزُومِ أَدَائِهِ أَيْ الْمُؤَدَّى كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ صَحَّ أَدَاؤُهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لِتَقَرُّرِ سَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ بِالْأَدَاءِ غَيْرَ مُتَوَجِّهٍ إلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَكَالْمُسَافِرِ أَوْ الْمَرِيضِ إذَا صَامَ فِي حَالِ السَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ صَحَّ الْأَدَاءُ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ فِي حَقِّ الْأَهْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا قَبْلَ إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. قَوْلُهُ (وَمَا بَيْنَ هَذَا) أَيْ لَيْسَ بَيْنَ قَوْلِنَا الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَبَبُ وُجُوبِهَا فِي الظَّاهِرِ الْوَقْتُ وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِلْكُ الْمَالِ النَّامِي سَبَبُهُ فَرْقٌ، وَغَرَضُهُ مِنْهُ رَدُّ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَبَيْنَ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ حَيْثُ جَوَّزَ إضَافَةَ الْقِسْمِ الثَّانِي إلَى الْأَسْبَابِ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ السَّبَبُ بِعِلَّةٍ جَوَابٌ عَمَّا قَالُوا لَا تَأْثِيرَ لِلْوَقْتِ فِي إيجَابِ الْعِبَادَةِ لِيَكُونَ سَبَبًا لَهَا فَأَمَّا الْمَالُ فَلَهُ تَأْثِيرٌ فِي إيجَابِ الْمُوَاسَاةِ وَلِلْجِنَايَةِ أَثَرٌ فِي إيجَابِ الْعُقُوبَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ إلَى الْمَالِ وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ إلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ فَقَالَ لَيْسَ السَّبَبُ بِعِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ لِيُشْتَرَطَ التَّأْثِيرُ لِصِحَّتِهَا كَالْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ بَلْ هِيَ عِلَّةٌ جَعْلِيَّةٌ وَضَعَهَا الشَّارِعُ أَمَارَةً عَلَى الْإِيجَابِ فَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا التَّأْثِيرُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَعْضِ نُسْخَةٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ أَنَّ الْعِلَّةَ مَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَيَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ فِي الْأَحْكَامِ وَالسَّبَبَ سَبَبٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ.
قَالَ: وَمِثَالُ هَذَا أَفْعَالُ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي فِعْلِ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ أَنْ لَا يَصْلُحَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْجَزَاءِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِفَضْلِهِ جَعَلَ أَفْعَالَهُمْ سَبَبًا لِإِحْرَازِ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ فَكَذَا هَاهُنَا. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ أَنَّهَا أُضِيفَتْ إلَى الْوَقْتِ بِحَرْفِ اللَّامِ وَبِدُونِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] . نَسَبَ الصَّلَاةَ إلَى وَقْتِ الدُّلُوكِ بِحَرْفِ اللَّامِ وَالنِّسْبَةُ بِاللَّامِ أَقْوَى وُجُوهِ الدَّلَالَةِ عَلَى تَعَلُّقِ الصَّلَاةِ بِالْوَقْتِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلتَّعْلِيلِ وَالِاخْتِصَاصِ كَمَا يُقَالُ تَطَهَّرَ لِلصَّلَاةِ وَتَأَهَّبَ لِلشِّتَاءِ، وَيُقَالُ اتَّخَذَ فُلَانٌ الضِّيَافَةَ لِفُلَانٍ أَيْ بِسَبَبِهِ، وَخَرَجَ فُلَانٌ لِقُدُومِ فُلَانٍ يَعْنِي قُدُومَ فُلَانٍ سَبَبٌ لِخُرُوجِهِ كَذَا قَالَهُ أَبُو الْيُسْرِ. وَأَمَّا الْإِضَافَةُ بِدُونِ اللَّامِ فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى إضَافَةِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ إلَى الْأَوْقَاتِ يُقَالُ صَلَاةُ الْفَجْرِ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ وَنَحْوُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِهِ كَإِضَافَةِ الْوَلَدِ إلَى الْوَالِدِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْإِضَافَةِ أَنْ تَكُونَ بِأَخَصِّ الْأَوْصَافِ، وَأَخَصُّ الْأَوْصَافِ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الثُّبُوتِ بِالسَّبَبِ سَابِقٌ عَلَى سَائِرِ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ. وَمَجْمُوعُ قَوْلِهِ وَيَبْطُلُ قَبْلَ الْوَقْتِ إلَى قَوْلِهِ لُزُومُهَا أَيْ لُزُومُ أَدَائِهَا دَلِيلٌ وَاحِدٌ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ سَبَبٌ. وَعِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَيَجُوزُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ تَأَخُّرِ لُزُومِ الْأَدَاءِ بِالْخِطَابِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا يُفْهَمُ مِنْ وُجُوبِ الْعِبَادَةِ شَيْءٌ سِوَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ بِالْخِطَابِ فَمَا الَّذِي يَكُونُ وَاجِبًا بِسَبَبِ الْوَقْتِ.
(قُلْنَا) الْوَاجِبُ بِسَبَبِ الْوَقْتِ مَا هُوَ الْمَشْرُوعُ نَفْلًا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَبَيَانُ هَذَا فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ نَفْلًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وُجِدَ الْأَدَاءُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَفِي رَمَضَانَ يَكُونُ مَشْرُوعًا وَاجِبًا بِسَبَبِ الْوَقْتِ
стр. 664
وَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مِلْكُ الْمَالِ الَّذِي هُوَ نِصَابُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِ مُضَافٌ إلَى الْمَالِ وَالْغَنَاءِ وَتُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا بَعْدَ وُجُودِ مَا يَقَعُ بِهِ الْغِنَى غَيْرَ أَنَّ الْغِنَى لَا يَقَعُ عَلَى الْكَمَالِ وَالْيُسْرِ إلَّا بِمَالٍ، وَهُوَ نَامٍ، وَلَا نَمَاءَ إلَّا بِالزَّمَانِ فَأُقِيمَ الْحَوْلُ، وَهُوَ الْمُدَّةُ الْكَامِلَةُ لِاسْتِنْمَاءِ الْمَالِ مَقَامَ النَّمَاءِ وَصَارَ الْمَالُ الْوَاحِدُ بِتَجَدُّدِ النَّمَاءِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَجَدِّدِ بِنَفْسِهِ فَيَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ عَلَى أَنَّهُ مُتَكَرِّرٌ بِتَكَرُّرِ الْمَالِ فِي التَّقْدِيرِ.
ــ
[كشف الأسرار]
سَوَاءٌ وُجِدَ الْخِطَابُ بِالْأَدَاءِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَدَاءِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ ﵀ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .، وَقَوْلِهِ ﵇: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ إذْ هِيَ دَاخِلَةٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ دُونَ الْوَقْتِ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ بِالْإِجْمَاعِ فَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ أَوْلَى أَنْ لَا تَكُونَ عِلَّةً فَإِنْ قُلْتُمْ الْمُرَادُ مَا يَثْبُتُ بِالرُّؤْيَةِ، وَهُوَ الشَّهْرُ. قُلْنَا أَتَعْنُونَ بِهِ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ الرُّؤْيَةُ سَبَبٌ لِصَوْمِ جَمِيعِ الشَّهْرِ أَمْ تَعْنُونَ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ سَبَبٌ عَلَى حِدَةٍ لِلصَّوْمِ. فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ قَدْ أَقْرَرْتُمْ بِبُطْلَانِهِ. وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي فَكَيْفَ عَبَّرَ بِالرُّؤْيَةِ عَنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَهَلْ فِي اللَّفْظِ مَا يُنْبِئُ وَضْعًا أَوْ دَلَالَةً أَنْ تُذْكَرَ الرُّؤْيَةُ وَيُرَادَ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ يَوْمٍ يُوجَدُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ عِشْرِينَ مِنْ وَقْتِ الرُّؤْيَةِ. فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَقَدْ ادَّعَيْتُمْ مَا يَعْرِفُ كُلُّ جَاهِلٍ بُطْلَانَهُ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ الِاسْتِدْلَالَ بِالْخَبَرِ. وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أَيْشَ تَعْنُونَ بِهَذَا أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ وَقْتُ الدُّلُوكِ أَمْ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ الزَّمَانِ هُوَ مَعْدُومٌ عِنْدَ الدُّلُوكِ. فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ فَقَدْ تَرَكْتُمْ مَذْهَبَكُمْ، وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي فَنَقُولُ أَيُّ دَلَالَةٍ فِي الدُّلُوكِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الشَّمْسِ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ عَلَى زَمَانٍ آخَرَ يُوجَدُ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَيُّنٍ بَلْ عَلَى أَجْزَاءٍ مُتَجَدِّدَةٍ يَتَعَيَّنُ بَعْضُهَا سَبَبًا عِنْدَ اتِّصَالِ الْأَدَاءِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَكُمْ أَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ مِنْ حَيْثُ الْعَقْلُ أَمْ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَأَيَّ الْأَمْرَيْنِ ادَّعَيْتُمْ كُلِّفْتُمْ بَيَانَهُ، وَلَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
قَالَ ثُمَّ وُرُودُ الْحَدِيثِ لِبَيَانِ أَنَّ الصَّوْمَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الشَّرْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . يُؤَدَّى فِي الشَّهْرِ بِعَدَدِ أَيَّامِهِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَيُبْنَى الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الرُّؤْيَةِ دُونَ الْعَدَدِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ الْعَدَدِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَحِينَئِذٍ تَكْمُلُ الْعِدَّةُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إبْقَاءً لِمَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ لَا بَيَانَ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلصَّوْمِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] . لِبَيَانِ، وَقْتِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . لَا لِبَيَانِ السَّبَبِ.، وَمَجِيءُ اللَّامِ لِلْوَقْتِ كَثِيرٌ شَائِعٌ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ قَالَ ﵇: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . أَيْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ.
وَقَالَتْ الْخَنْسَاءُ:
تُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا ... وَأَذْكُرُهُ لِكُلِّ مَغِيبِ شَمْسٍ
أَيْ: لِوَقْتِ مَغِيبِهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ وُرُودَ اللَّامِ لِلتَّعْلِيلِ أَكْثَرُ مِنْ وُرُودِهَا بِمَعْنَى الْوَقْتِ، وَقَدْ تَأَيَّدَ كَوْنُهَا لِلتَّعْلِيلِ بِتَكَرُّرِ الْحُكْمِ عِنْدَ تَكَرُّرِهِ، وَإِضَافَةُ الْوَاجِبِ إلَيْهِ شَرْعًا وَعُرْفًا فَحُمِلَتْ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّرْدِيدَاتِ وَارِدٌ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا بِمَعْنَى الْوَقْتِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ بِوَقْتِ الصَّوْمِ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا زَمَانُ الدُّلُوكِ، وَهُوَ سَاعَةٌ لَطِيفَةٌ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الزَّمَانِ الَّذِي يُوجَدُ قُبَيْلَ صَيْرُورَةِ الظِّلِّ مِثْلًا وَمِثْلَيْنِ فَكُلُّ جَوَابٍ لَهُ عَنْهَا فَهُوَ جَوَابٌ لَنَا.
[سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ]
قَوْلُهُ (وَسَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مِلْكُ الْمَالِ الَّذِي هُوَ نِصَابُهُ) أَيْ نِصَابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ مِثْلُ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فِي الذَّهَبِ، وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي الْفِضَّةِ وَخَمْسِ ذَوْدٍ فِي الْإِبِلِ، وَأَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْغَنَمِ مُضَافٌ إلَى الْمَالِ وَالْغِنَى قَالَ ﵇: «هَاتُوا رُبْعَ عُشُورِ أَمْوَالِكُمْ» .، وَقَالَ ﵇: «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» . وَالْغِنَى لَا يَحْصُلُ بِأَصْلِ الْمَالِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مِقْدَارًا، وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ فَقُدِّرَ بِالنِّصَابِ فِي حَقِّ الْكُلِّ. وَيُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ فَيُقَالُ زَكَاةُ الْمَالِ وَيَتَضَاعَفُ بِتَضَاعُفِ النِّصَابِ فِي
стр. 665
وَ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّوْمِ أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيْ فَلْيَصُمْ فِي أَيَّامِهِ وَالْوَقْتُ مَتَى جُعِلَ سَبَبًا كَانَ ظَرْفًا صَالِحًا لِلْأَدَاءِ وَاللَّيْلُ لَا يَصْلُحُ لَهُ فَعُلِمَ أَنَّ الْيَوْمَ سَبَبُهُ بِدَلَالَةِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ وَتَعَلُّقِهِ بِهِ وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ شَرْعًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سَبَبُهُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِهِ وَنُسِبَ إلَيْهِ فَقِيلَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَصَحَّ الْأَدَاءُ بَعْدَهُ مِنْ الْمُسَافِرِ وَقَدْ تَأَخَّرَ الْخِطَابُ بِهِ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى صَبِيٍّ يَبْلُغُ فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَافِرٍ يُسْلِمُ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِصَوْمِهِ بِمَنْزِلَةِ كُلِّ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ مَرَّتْ أَحْكَامُ هَذَا الْقِسْمِ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَقْتٍ وَاحِدٍ أَيْضًا.
وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهُ بَعْدَ وُجُودِ مَا يَقَعُ بِهِ الْغِنَى، وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ فَدَلَّ أَنَّهُ سَبَبٌ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْأَدَاءِ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ السَّبَبِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ مَا دُونَ النِّصَابِ فَعَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَمَّ لَهُ مِلْكُ النِّصَابِ وَحَالَ الْحَوْلُ لَا يَنُوبُ الْمُؤَدَّى عَنْ الزَّكَاةِ لِعَدَمِ السَّبَبِ.
وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ الْغِنَى جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا تَحَقَّقَ السَّبَبُ بِمِلْكِ النِّصَابِ وَثَبَتَ الْغِنَى يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْأَدَاءُ فِي الْحَالِ، وَلَا يَتَأَخَّرُ إلَى مُضِيِّ الْحَوْلِ. فَقَالَ أَصْلُ الْغِنَى، وَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ بِمِلْكِ النِّصَابِ إلَّا أَنَّ تَكَامُلَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى النَّمَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَالِ يَتَجَدَّدُ زَمَانًا فَزَمَانًا، وَالْمَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ نَامِيًا تُفْنِيهِ الْحَوَائِجُ لَا مَحَالَةَ عَنْ قَرِيبٍ، وَإِذَا كَانَ نَامِيًا تَعَيَّنَ النَّمَاءُ لِدَفْعِ الْحَوَائِجِ فَبَقِيَ أَصْلُ الْمَالِ فَاضِلًا عَنْ الْحَاجَةِ فَيَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى، وَيَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ مِنْهُ فَشُرِطَ النَّمَاءُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ تَحْقِيقًا لِلْغِنَى وَالْيُسْرِ اللَّذَيْنِ بُنِيَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ عَلَيْهِمَا، وَلَا نَمَاءَ إلَّا بِالزَّمَانِ فَأُقِيمَ الْحَوْلُ مَقَامَ النَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّةٌ مُسْتَجْمِعَةٌ لِلْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي حُصُولِ النَّمَاءِ مِنْ عَيْنِ السَّائِمَةِ بِالدَّرِّ وَالنَّسْلِ، وَمِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ بِالرِّبْحِ بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ لِرَغَبَاتِ النَّاسِ فِي كُلِّ فَصْلٍ إلَى مَا يُنَاسِبُهُ فَصَارَ مُضِيُّ الْحَوْلِ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ. ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ لَا يَتَكَرَّرُ الْوَاجِبُ، وَقَدْ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ هَاهُنَا فِي مَالٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ الْمُتَكَرِّرَةِ فَأَشَارَ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ، وَقَالَ الْمَالُ الْوَاحِدُ يَتَجَدَّدُ النَّمَاءُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَجَدِّدِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ بِوَصْفِ النَّمَاءِ صَارَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ فَيَكُونُ تَجَدُّدُهُ بِمَنْزِلَةِ تَجَدُّدِ الْمَالِ كَالرَّأْسِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ لَمَّا صَارَ سَبَبًا بِوَصْفِ الْمُؤْنَةِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَجَدِّدِ بِتَجَدُّدِ الْمُؤْنَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ تَكَرُّرَ الْوُجُوبِ بِاعْتِبَارِ تَكَرُّرِ السَّبَبِ تَقْدِيرًا.
[سَبَبُ وُجُوبِ الصَّوْمِ]
قَوْلُهُ (وَسَبَبُ وُجُوبِ الصَّوْمِ) يَعْنِي صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ أَيَّامَ شَهْرِ رَمَضَانَ. اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا مِثْلُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالشَّيْخِ الْمُصَنِّفِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيُسْرِ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ عَلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ الشَّهْرُ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ وَيَصِحُّ الْأَدَاءُ بَعْدَ دُخُولِ الشَّهْرِ، وَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ. فَذَهَبَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ إلَى أَنَّ السَّبَبَ مُطْلَقُ شُهُودِ الشَّهْرِ حَتَّى اسْتَوَى فِي السَّبَبِيَّةِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِيُ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِجُزْءٍ مِنْ الزَّمَانِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ الشَّرْعُ سَبَبًا لِإِظْهَارِ فَضِيلَةِ هَذَا الْوَقْتِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ لِلْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي جَمِيعًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَانَ مُفِيقًا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ ثُمَّ جُنَّ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، وَمَضَى الشَّهْرُ، وَهُوَ مَجْنُونٌ ثُمَّ أَفَاقَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَلَوْ لَمْ يَتَقَرَّرْ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ بِمَا شَهِدَ مِنْ الشَّهْرِ فِي حَالِ الْإِفَاقَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ فِي لَيْلَةٍ ثُمَّ جُنَّ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ.
وَكَذَا نِيَّةُ أَدَاءِ الْفَرْضِ تَصِحُّ بَعْدَ وُجُودِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى بِغُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ نِيَّةَ أَدَاءِ الْفَرْضِ قَبْلَ تَصَوُّرِ سَبَبِ الْوُجُوبِ لَا تَصِحُّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵇: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» . فَإِنَّهُ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ لَوْ كَانَ سَبَبًا لَجَازَ الْأَدَاءُ فِيهِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ السَّبَبِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَمَكُّنِ الْأَدَاءِ فِيهِ فَإِنَّ مَنْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ يَلْزَمُهُ فَرْضُ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَدَاءِ فِيهِ
стр. 666
سَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غَنِيٍّ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ بِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» بِقَوْلِهِ ﵇ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَبَيَانُهُ أَنَّ كَلِمَةَ عَنْ لِانْتِزَاعِ الشَّيْءِ فَدَلَّ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا يَنْتَزِعُ الْحُكْمَ عَنْهُ أَوْ مَحَلًّا يَجِبُ الْحَقُّ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّيَ عَنْهُ وَبَطَلَ الثَّانِي لِاسْتِحَالَةِ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ وَالْفَقِيرِ فَعُلِمَ بِهِ أَنَّهُ سَبَبٌ وَلِذَلِكَ يَتَضَاعَفُ الْوُجُوبُ بِتَضَاعُفِ الرُّءُوسِ، وَأَمَّا وَقْتُ الْفِطْرِ فَشَرْطُهُ حَتَّى لَا يَعْمَلَ السَّبَبُ إلَّا لِهَذَا الشَّرْطِ
ــ
[كشف الأسرار]
بَلْ الشَّرْطُ احْتِمَالُ الْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ، وَهُوَ ثَابِتٌ وَلِهَذَا لَوْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّوْمُ، وَإِنْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الشَّهْرِ لِانْقِطَاعِ احْتِمَالِ الْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ. وَذَهَبَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَالشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ إلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ اللَّيَالِي أَيْ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِصَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَيَجِبُ صَوْمُ جَمِيعِ الْيَوْمِ مُقَارِنًا إيَّاهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الشَّهْرِ أَشْيَاءُ مُتَغَايِرَةٌ إذْ صَوْمُ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ عَلَى حِدَةٍ غَيْرُ مُرْتَبِطٍ بِغَيْرِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِشَرَائِطِ وُجُودِهِ، وَانْفِرَادُهُ بِالِارْتِفَاعِ عِنْدَ طُرُوءِ النَّاقِضِ كَالصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا بَلْ التَّفَرُّقُ فِي الصِّيَامِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ التَّفَرُّقَ فِي الصَّلَوَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَدَاءَ الظُّهْرِ لَا يَجُوزُ فِي وَقْتِ الْفَجْرِ وَيَفُوتُ بِمَجِيءِ وَقْتِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَدَاءِ الظُّهْرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَوْجُودٌ وَزِيَادَةٌ، وَهِيَ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ يَوْمَيْنِ وَقْتًا لَا يَصْلُحُ لِلصَّوْمِ لَا أَدَاءً، وَلَا قَضَاءً لِمَا مَضَى، وَلَا نَفْلًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ كُلُّ عِبَادَةٍ مُتَعَلِّقَةً بِسَبَبٍ عَلَى حِدَةٍ وَذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا جَعَلَ وَقْتًا سَبَبًا لِعِبَادَةٍ فَذَلِكَ بَيَانُ شَرَفِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِحَقِّ تِلْكَ الْعِبَادَةِ وَالْعِبَادَةُ فِي الْأَدَاءِ دُونَ الْإِيجَابِ فَإِنَّهُ صُنْعُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَسْتَقِمْ الْوَقْتُ الْمُنَافِي لِلْأَدَاءِ شَرْعًا سَبَبًا لِوُجُوبِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَسْبَابَ هِيَ الْأَيَّامُ دُونَ اللَّيَالِي، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَالْوَقْتُ مَتَى جُعِلَ سَبَبًا كَانَ ظَرْفًا لِلْأَدَاءِ أَيْ مَحَلًّا لَهُ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ لَمَّا جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا كَانَ مَحَلًّا لِأَدَائِهَا. وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ ظَرْفًا هَاهُنَا أَنَّ الْوَاجِبَ يُؤَدَّى فِيهِ لَا أَنَّ الْوَقْتَ يَفْضُلُ عَنْ الْأَدَاءِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ كَلَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فَهُوَ أَنَّ شَرَفَ اللَّيَالِي بِاعْتِبَارِ شَرْعِيَّةِ الصَّوْمِ فِي أَيَّامِهَا فَكَانَ شَرَفُهَا تَابِعًا لِشَرَفِ الْأَيَّامِ أَوْ شَرَفُهَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا أَوْقَاتًا لِقِيَامِ رَمَضَانَ، وَكَلَامُنَا فِي شَرَفٍ يَحْصُلُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِأَدَاءِ مُسَبَّبِهِ. وَأَمَّا عَدَمُ سُقُوطِ الصَّوْمِ عَنْ الْمَجْنُونِ الَّذِي لَمْ يُفِقْ إلَّا فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْوُجُوبِ مَعَ الْجُنُونِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ عَنْهُ عِنْدَ تَضَاعُفِ الْوَاجِبَاتِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَاعْتُبِرَ الْحَرَجُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ بِاسْتِغْرَاقِ الْجُنُونِ جَمِيعَ الشَّهْرِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَأَمَّا جَوَازُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّيْلَ جُعِلَ تَابِعًا لِلْيَوْمِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ ضَرُورَةَ تَعَذُّرِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِأَوَّلِ أَجْزَاءِ الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي مَسْأَلَةِ التَّبْيِيتِ فَأُقِيمَتْ النِّيَّةُ فِي اللَّيْلِ مَقَامَ النِّيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَوَّلِ الصَّوْمِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ احْتِرَازٌ عَنْ الشَّرْطِ فَإِنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُودًا وَلِهَذَا أَيْ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِوُجُوبِ صَوْمِهِ، وَقَدْ مَرَّتْ أَحْكَامُ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا كَأَحْكَامِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ تَقْسِيمِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي حَقِّ الْوَقْتِ.
[سَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ]
قَوْلُهُ (وَسَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ) رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ أَيْ يَقُومُ الْمُكَلَّفُ بِكِفَايَتِهِ وَيَتَحَمَّلُ مُؤْنَتَهُ بِوِلَايَتِهِ أَيْ بِسَبَبِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ مِثْلُ التَّزْوِيجِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. إذْ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ، وَمَعْنَى الْوِلَايَةِ تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ الْغَيْرُ أَوْ أَبَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرَّأْسَ بِصِفَةِ الْمُؤْنَةِ وَالْوِلَايَةِ جُعِلَ سَبَبًا لِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ السَّبَبُ رَأْسٌ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَيَعْقُبُهُ كَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْوَقْتُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِدَلِيلِ إضَافَتِهَا إلَيْهِ يُقَالُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَبِدَلِيلِ تَكَرُّرِهَا بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ فِي رَأْسٍ وَاحِدٍ. وَلَكِنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ رَأْسُهُ وَالصَّدَقَةُ جُعِلَتْ مُؤْنَةً شَرْعِيَّةً، وَالْمُؤْنَةُ الْأَصْلِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِكَوْنِهِ مَالِكَ رَأْسِهِ وَوَلِيَّهُ فَكَذَا الصَّدَقَةُ، وَكَذَا رَأْسُ غَيْرِهِ يَلْتَحِقُ بِرَأْسِهِ بِمُؤْنَةِ الرَّأْسِ بِسَبَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ لِيَصِيرَ كَرَأْسِهِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. فَإِذَا عُدِمَتْ الْوِلَايَةُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَالِابْنِ الزَّمِنِ الْبَالِغِ
стр. 667
وَإِنَّمَا نُسِبَتْ إلَى الْفِطْرِ مَجَازًا وَالنِّسْبَةُ تَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ فَأَمَّا تَضَاعُفُ الْوُجُوبِ فَلَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ وَبَيَانُ قَوْلِنَا إنَّ الْإِضَافَةَ تَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ مَجَازًا فَأَمَّا تَضَاعُفُ الْوُجُوبِ فَلَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا يَكُونُ بِسَبَبٍ أَوْ عِلَّةٍ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِعَارَةُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُعْسِرِ لَمْ يَجِبْ الصَّدَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ وَالْأَبِ، وَإِنْ وُجِدَتْ الْمُؤْنَةُ، وَإِذَا عُدِمَتْ الْمُؤْنَةُ بِأَنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ حَتَّى وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ فِيهِ لَمْ تَجِبْ صَدَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَإِنْ وُجِدَتْ الْوِلَايَةُ.
قَالَ نَهْجُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا بِالشَّرْعِ وَبِدَلَالَةٍ مِنْ الْمَعْنَى. أَمَّا الشَّرْعُ فَلِأَنَّهُ ﵇. قَالَ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» . فَقَدْ اعْتَبَرَ الْمُؤْنَةَ، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَلِأَنَّهُ ﵇ لَمَّا أَوْجَبَ فِي الصِّغَارِ وَالْمَمَالِيكِ فَقَدْ اعْتَبَرَ الْوِلَايَةَ أَيْضًا فَدَلَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا.، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوُجُوبِ رَأْسُ الْإِنْسَانِ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُ رَأْسُ غَيْرِهِ بِهِ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا. ثَبَتَ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُ الرَّأْسِ سَبَبًا بِقَوْلِهِ ﵇ كَذَا.
وَبَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ ثُبُوتِ كَوْنِ الرَّأْسِ سَبَبًا بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ كَلِمَةَ عَنْ لِانْتِزَاعِ الشَّيْءِ أَيْ لِانْفِصَالِ الشَّيْءِ عَنْ الشَّيْءِ وَتَعَدِّيهِ مِنْهُ يُقَالُ رَمَيْتُ عَنْ الْقَوْسِ، وَأَخَذَتْ عَنْهُ حَدِيثًا أَيْ انْفَصَلَ عَنْهُ إلَيَّ وَبَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا أَيْ تَعَدَّى وَتَجَاوَزَ عَنْهُ إلَيَّ وَأَخَذْتُ الدِّرَّةَ عَنْ الْحِقَّةِ أَيْ نَزَعْتُهَا عَنْهَا. فَيَدُلُّ أَيْ حَرْفُ عَنْ أَوْ الْحَدِيثُ. عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِالِاسْتِقْرَاءِ. إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ عَنْ. سَبَبًا يَنْتَزِعُ الْحُكْمُ عَنْهُ أَيْ عَنْ السَّبَبِ كَمَا يُقَالُ أَدِّ الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ، وَأَدِّ الْخَرَاجَ عَنْ أَرْضِهِ أَيْ بِسَبَبِهِمَا وَيُقَالُ سَمِنَ عَنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ أَيْ بِسَبَبِهِمَا، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] . إذَا جُعِلَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إلَى قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ أَيْ يَصْدُرُ إفْكُهُمْ عَنْ الْقَوْلِ الْمُخْتَلَفِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَدُّوا الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ النَّاشِئَةَ عَنْ كَذَا. أَوْ مَحَلًّا يَجِبُ الْحَقُّ عَلَيْهِ فَيُؤَدَّى عَنْهُ كَالدِّيَةِ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ ثُمَّ يَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ لِاسْتِحَالَةِ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ اسْتَحَالَ تَكْلِيفُهُ بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ. وَالْكَافِرِ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. وَالْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْجِرَابِ خَرَاجٌ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ انْتِزَاعُ الْحُكْمِ عَنْ سَبَبِهِ، وَأَنَّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ عَنْ سَبَبٍ. وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ فِي مِثْلِيَّةِ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَوْلَى يَنُوبُ عَنْهُ كَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا قَالَ: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» .
عُلِمَ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْعَبْدِ إذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ أَدَاءُ الْمَوْلَى عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ الْعَبْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الزَّكَاةِ أَدِّ عَنْ الشَّاةِ أَوْ أَدِّ عَنْ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ أَدُّوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ. ثُمَّ ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْبَهِيمَةِ فِي بَابِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ أَدُّوا عَنْهُ. عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنْسَانٌ مُخَاطَبٌ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ وَالْمَوْلَى يَنُوبُ عَنْهُ، وَلَكِنْ فِي بَاطِنِ الْمَعْنَى فَلَا وُجُوبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اُلْتُحِقَ بِالْبَهِيمَةِ فِيمَا مَلَكَ عَلَيْهِ وَالْأَجْزَاءُ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى النَّفَقَةِ مَمْلُوكَةٌ وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ تَجِبُ بِسَبَبِ الرَّأْسِ كَالنَّفَقَةِ فَعَلَى اعْتِبَارِ أَصْلِ الْخِلْقَةِ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى اعْتِبَارِ الْعَارِضِ عَلَى الْمَوْلَى فَصَحَّتْ الْعِبَارَةُ بِكَلِمَةِ عَنْ إشَارَةً إلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ. وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِ الرَّأْسِ سَبَبًا تَضَاعَفَ وُجُوبُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِتَضَاعُفِ الرُّءُوسِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ سَبَبًا لَمَا تَضَاعَفَ بِتَعَدُّدِ الرَّأْسِ فَدَلَّ أَنَّ الرَّأْسَ هُوَ السَّبَبُ دُونَ الْوَقْتِ، وَلَكِنَّ الْوَقْتَ شَرْطُهُ. حَتَّى لَا يُعْمَلَ السَّبَبُ أَيْ لَا يَجِبَ الْأَدَاءُ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ الْوَقْتُ كَالنِّصَابِ لَا يَظْهَرُ عَمَلُهُ فِي إيجَابِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إلَّا عِنْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا نُسِبَتْ إلَى الْفِطْرِ) جَوَابٌ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنَّ إضَافَتَهَا إلَى الْوَقْتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ فَقَالَ إنَّمَا نُسِبَتْ إلَى الْفِطْرِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ زَمَانُ الْوُجُوبِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ سَبَبًا.، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهَا عَلَى الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ
стр. 668
وَكَذَلِكَ وَصْفُ الْمُؤْنَةِ يُرَجِّحُ الرَّأْسَ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ.
وَسَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ الْبَيْتُ؛ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَأَمَّا الْوَقْتُ فَهُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ بِدَلَالَةِ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ غَيْرَ أَنَّ الْأَدَاءَ شُرِعَ مُتَفَرِّقًا مُنْقَسِمًا عَلَى أَمْكِنَةٍ وَأَزْمِنَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا جُمْلَةُ وَقْتِ الْحَجِّ فَلَمْ يَصْلُحْ تَغَيُّرُ التَّرْتِيبِ كَمَا لَا يَصْلُحُ السُّجُودُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ طَوَافُ الزِّيَارَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَالْوُقُوفُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ بِالْمَالِ فَشَرْطٌ لَا سَبَبٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ وَيَصِحُّ الْأَدَاءُ دُونَهُ مِنْ الْفَقْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَلَا يَصْلُحُ الْمَالُ سَبَبًا لَهَا، وَلَكِنَّهَا عِبَادَةُ هِجْرَةٍ وَزِيَادَةٍ فَكَانَ الْبَيْتُ سَبَبًا لَهَا.
ــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُضَافُ إلَى الشَّيْءِ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَأُضِيفَتْ الْحُجَّةُ إلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ شَرْطُهَا فَقِيلَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ وَيُقَالُ بَنُو فُلَانٍ لِنَوَافِلِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَأَمَّا تَضَاعُفُ الْوُجُوبِ بِتَضَاعُفِ الرُّءُوسِ فَأَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَقْبَلُ الِاسْتِعَارَةَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَفْظٍ فَكَانَ التَّضَاعُفُ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَكَّمِ فِي كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى السَّبَبِيَّةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ بِوَجْهٍ.، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَيْ الْوُجُوبُ بِسَبَبٍ أَوْ عِلَّةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَا الرَّأْسَ سَبَبًا وَالْوَقْتَ شَرْطَهَا فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ يَتَكَرَّرُ هَذَا الْوَاجِبُ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ؟ . قُلْنَا لَمْ يَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ بَلْ بِتَكَرُّرِ الْحَاجَةِ وَالْمُؤْنَةُ أَبَدًا يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا بِتَكَرُّرِ الْحَاجَةِ فَالشَّرْعُ جَعَلَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَقْتَ الْحَاجَةِ فَإِذَا جَاءَ يَوْمُ الْفِطْرِ تَجَدَّدَتْ الْحَاجَةُ فَتَجَدَّدَ الْوُجُوبُ لِأَجْلِهِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّ الْإِضَافَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ إلَى الرَّأْسِ وَالْوَقْتِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَظٌّ مِنْ الْوُجُوبِ بِحُكْمِ الْإِضَافَةِ وَذَلِكَ إذَا جَعَلْنَا الرَّأْسَ سَبَبًا وَالْوَقْتُ زَمَانُ الْوُجُوبِ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اتِّصَالٌ بِالْوُجُوبِ لِأَحَدِهِمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ وَلِلْآخَرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَرْطٌ فَأَمَّا إذَا جَعَلْنَا الْفِطْرَ سَبَبًا فَلَا يَبْقَى لِلرَّأْسِ اتِّصَالٌ بِالْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ شَيْءٌ لِيَجْعَلَ الرَّأْسَ شَرْطًا بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّيَّةِ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى لِأَجْلِهِ فَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى رَأْسِ الْعَبْدِ فَأَيُّ اتِّصَالٍ يَبْقَى لَهُ بِالْوَاجِبِ فَلَا وَجْهَ لِهَذَا فَثَبَتَ أَنَّ الرَّأْسَ سَبَبٌ (فَإِنْ قِيلَ) نَجْعَلُ الرَّأْسَ شَرْطًا مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ عَلَى الْمَوْلَى لَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَبْدِ كَمَا جَعَلْتُمْ الْوَقْتَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمَوْلَى بِسَبَبِ الرَّأْسِ (قُلْنَا) حِينَئِذٍ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الرَّأْسُ، وَإِنَّمَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ، وَإِنْ اتَّحَدَ الشَّرْطُ، وَقَدْ تَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الرَّأْسِ بِالِاتِّفَاقِ فَدَلَّ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الرَّأْسُ، وَالْوَقْتُ شَرْطُ الْوُجُوبِ كَوَقْتِ الْحَجِّ. وَكَذَلِكَ وَصْفُ الْمُؤْنَةِ يُرَجِّحُ الرَّأْسَ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ وَجَبَتْ وُجُوبَ الْمُؤَنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَجْرَاهَا مَجْرَى الْمُؤَنِ فِي قَوْلِهِ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» . أَيْ تَحَمَّلُوا هَذِهِ الْمُؤْنَةَ عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْكُمْ مُؤْنَتُهُمْ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْمُؤَنِ رَأْسٌ يَلِي عَلَيْهِ لَا الْوَقْتُ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ تَجِبُ بِالرَّأْسِ لَا بِالْوَقْتِ إذْ الرَّأْسُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى الْمُؤْنَةِ دُونَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ مُؤْنَةُ الشَّيْءِ سَبَبٌ لِبَقَائِهِ وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي الرَّأْسِ دُونَ الْوَقْتِ فَكَانَ الرَّأْسُ سَبَبَ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَالْفِطْرُ عَنْ رَمَضَانَ شَرْطُهُ كَالْإِقَامَةِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمُرَادُ بِالْفِطْرِ الْيَوْمُ لَا الْفِطْرُ عَنْ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ فِطْرًا مَخْصُوصًا، وَهُوَ الْفِطْرُ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَتَّصِفُ بِهِمَا وَاللَّيْلُ لَا يَتَّصِفُ بِالصَّوْمِ شَرْعًا وَالْفِطْرُ بِنَاءً عَلَيْهِ فَكَانَ الْيَوْمُ وَقْتًا لَهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ مِنْهُ أَيْ مِنْ هَذَا الْوَاجِبِ فِي مَوْضِعِهِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي نُسْخَةٍ مِنْ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إلَى صِيَانَةِ دِينِهِ، وَإِصْلَاحِهِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى صِيَانَةِ نَفْسِهِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ الصَّدَقَةُ مُؤْنَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَجَبَتْ لِإِصْلَاحِ عِبَادَةِ الصَّوْمِ حَيْثُ قَالَ ﵇: «صَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ عَنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» . وَالنَّفَقَةُ لِإِصْلَاحِ الْبَدَنِ وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فِيهَا.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ ﵀ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ أَنَّ السَّبَبَ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ «صَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِينَ وَطُعْمَةٌ لِلْمَسَاكِينِ» فَقَوْلُهُ طُهْرَةٌ إشَارَةٌ إلَى مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَقَوْلُهُ طُعْمَةٌ إشَارَةٌ إلَى مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَكَانَتْ الصَّدَقَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْوَصْفَيْنِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْمُؤْنَةِ فَتَعَلَّقَتْ بِرَأْسٍ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ وَالْمُؤْنَةَ مِنْ بَابِ الْغَرَامَةِ لِيَكُونَ
стр. 669
وَ سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ يُنْسَبُ إلَى الْأَرْضِ، وَفِي الْعُشْرِ مَعْنَى مُؤْنَةِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ، وَفِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ لِلسَّبَبِ وَصْفٌ وَصَارَ السَّبَبُ بِتَجَدُّدِ وَصْفِهِ مُتَجَدِّدًا فِي التَّقْدِيرِ فَلَمْ يَجُزْ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ بِمَعْنَى السَّبَبِ لِوَصْفِ الْعِبَادَةِ فَلَوْ صَحَّ التَّعْجِيلُ لَخَلُصَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَلَمَّا صَارَتْ الْأَرْضُ نَامِيَةً أَشْبَهَ تَعْجِيلَ زَكَاةِ السَّائِمَةِ وَالْإِبِلِ الْعَلُوفَةِ ثُمَّ أَسَامَهَا.
ــ
[كشف الأسرار]
الْحُكْمُ عَلَى وِفَاقِ السَّبَبِ وَلِهَذَا تُضَافُ إلَى الرَّأْسِ فَيُقَالُ زَكَاةُ الرَّأْسِ وَتُضَافُ إلَى الْوَقْتِ أَيْضًا فَيُقَالُ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُهُ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الرَّأْسِ إضَافَةَ الْأَحْكَامِ إلَى أَسْبَابِهَا، وَالْإِضَافَةُ إلَى الْوَقْتِ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ إذْ لَوْ قُلْت الْوَقْتُ سَبَبٌ لَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الرَّأْسِ لَغْوًا. قَالَ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ الزَّوْزَنِيُّ ﵀: أَنَّ السَّبَبَ كِلَاهُمَا الرَّأْسُ وَالْوَقْتُ فَكَانَ حُكْمًا مُعَلَّقًا بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَالْمَسَائِلُ تَسْتَغْنِي عَنْ هَذَا الْأَصْلِ.
[سَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ]
قَوْلُهُ (وَسَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ الْبَيْتُ) دُونَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ نُسِبَ إلَيْهِ، وَلَوْ يَتَكَرَّرُ أَيْ لَمْ يَجِبْ إلَّا مَرَّةً؛ لِأَنَّ السَّبَبَ، وَهُوَ الْبَيْتُ غَيْرُ مُتَجَدِّدٍ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ إنَّ لِلْبَيْتِ حُرْمَةً شَرْعًا فَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِزِيَارَتِهِ شَرْعًا فَإِنَّ الْمَكَانَ الْمُحْتَرَمَ قَدْ يُزَارُ تَعْظِيمًا لَهُ وَاحْتِرَامًا إلَّا أَنَّ احْتِرَامَهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ زِيَارَتُهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ لَا لَهُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ لِحُرْمَتِهِ أَمَانٌ لِلْخَلْقِ فَكَانَ نِعْمَةً فِي نَفْسِهِ فَصَارَ سَبَبًا لِكَوْنِهِ نِعْمَةً.، وَأَمَّا الْوَقْتُ فَهُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ أَيْ شَرْطُ جَوَازِ الْأَدَاءِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَدَاءِ بِدُونِهِ، وَلَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْوُجُوبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ، وَلَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ أَيْضًا. وَتَوَقُّفُ صِحَّةِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ مَعَ انْتِفَاءِ التَّكَرُّرِ بِتَكَرُّرِهِ دَلِيلُ الشَّرْطِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَدَاءَ أَيْ لَكِنَّ الْأَدَاءَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْأَدَاءُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَوَّلِ شَوَّالٍ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ شَرْطُ الْأَدَاءِ فَعُلِمَ أَنَّهُ سَبَبُ الْوُجُوبِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لَهُ لَمْ يَكُنْ إضَافَةُ الْوَقْتِ إلَيْهِ مُفِيدَةً، وَقَدْ يُقَالُ أَشْهُرُ الْحَجِّ كَمَا يُقَالُ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَدَلَّ أَنَّهُ سَبَبٌ.
فَقَالَ: الْوَقْتُ شَرْطُ الْأَدَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا وَيَجُوزُ الْأَدَاءُ بَعْدَ دُخُولِهِ لَكِنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ ذَاتُ أَرْكَانٍ شُرِعَ أَدَاؤُهَا مُتَفَرِّقًا مُنْقَسِمًا عَلَى أَمْكِنَةٍ، وَأَزْمِنَةٍ وَاخْتُصَّ كُلُّ رُكْنٍ بِوَقْتٍ عَلَى حِدَةٍ كَمَا اُخْتُصَّ بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ وَقْتِهِ الْخَاصِّ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ طَوَافُ الزِّيَارَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ أَنَّهُ وَقْتُ أَدَاءِ الرُّكْنِ الْأَعْظَمِ، وَهُوَ الْوُقُوفُ، وَلَمْ يَجُزْ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَا قَبْلَ الزَّوَالِ حَتَّى أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مُوَقَّتٍ بِوَقْتٍ خَاصٍّ يَتَأَدَّى فِي جَمِيعِ وَقْتِ الْحَجِّ كَالسَّعْيِ فَإِنَّ مَنْ طَافَ وَسَعَى فِي رَمَضَانَ لَمْ يَكُنْ سَعْيُهُ مُعْتَدًّا بِهِ مِنْ سَعْيِ الْحَجِّ حَتَّى إذَا طَافَ لِلزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ يَلْزَمُهُ السَّعْيُ، وَلَوْ كَانَ طَافَ وَسَعَى فِي شَوَّالٍ كَانَ سَعْيُهُ مُعْتَدًّا بِهِ حَتَّى لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِوَقْتٍ خَاصٍّ فَجَازَ أَدَاؤُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ بِالْمَالِ فَشَرْطٌ أَيْ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا لِجَوَازِهِ فَإِنَّ الْأَدَاءَ صَحِيحٌ مِنْ الْفَقِيرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَكِنَّهَا شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَإِنَّ السَّفَرَ الَّذِي يُوَصِّلُهُ إلَى الْأَدَاءِ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ بِدُونِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ إلَّا بِحَرَجٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَالَ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا أَنَّهُ سَبَبٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ تَفْسِيرَ الِاسْتِطَاعَةِ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَالْأَدَاءُ قَبْلَ مِلْكِهِمَا جَائِزٌ كَمَا ذَكَرْنَا لِوُجُودِ السَّبَبِ كَمَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ وُجِدَ، وَكَذَلِكَ لَا يَتَجَدَّدُ الْوُجُوبُ بِتَجَدُّدِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَا يُضَافُ إلَيْهَا كَمَا لَا يُضَافُ إلَى الْوَقْتِ، وَلَا يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ شَرْطٌ كَالْوَقْتِ فَصَارَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ الْمُسْتَطِيعِينَ حَجُّ الْبَيْتِ حَقًّا وَاجِبًا بِسَبَبِهِ إذَا جَاءَ وَقْتُ الْأَدَاءِ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ.
[سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ]
قَوْلُهُ (وَسَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ) الْبَاءُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّامِيَةِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْخَرَاجِ فَإِنَّ سَبَبَهُ الْأَرْضُ بِالنَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْخَارِجُ سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ، وَالْأَرْضُ سَبَبُ وُجُوبِ الْخَرَاجِ حَتَّى أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً؛ لِأَنَّ
стр. 670
وَكَذَلِكَ سَبَبُ الْخَرَاجِ إلَّا أَنَّ النَّمَاءَ مُعْتَبَرٌ فِي الْخَرَاجِ تَقْدِيرًا لَا تَحْقِيقًا بِالتَّمَكُّنِ بِهِ مِنْ الزِّرَاعَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْعُشْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْخَارِجِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ، وَلَوْ كَانَ الْأَرْضُ هِيَ السَّبَبُ لَجَازَ تَعْجِيلُهُ كَالْخَرَاجِ، وَكَالزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ. وَلَنَا أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى الْأَرْضِ يُقَالُ عُشْرُ الْأَرَاضِيِ، وَالْأَرْضُ تُوصَفُ بِهِ فَيُقَالُ أَرْضٌ عُشْرِيَّةٌ، وَالشَّيْءُ يُضَافُ إلَى سَبَبِهِ فِي الْأَصْلِ، وَيَتَّصِفُ السَّبَبُ بِحُكْمِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا حَقٌّ مَالِيٌّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ سَبَبُهُ مَالًا نَامِيًا، وَالْخَارِجُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِصِفَةِ النَّمَاءِ بَلْ مُعَدٌّ لِلِانْتِفَاعِ وَالْإِتْلَافُ إنَّمَا الْأَرْضُ هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِهِ إلَّا أَنَّ نَمَاءَ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهَيْنِ نَمَاءٌ حَقِيقِيٌّ، وَهُوَ الْخَارِجُ وَنَمَاءٌ حُكْمِيٌّ، وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَالزِّرَاعَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تَارَةً تَجِبُ بِنَمَاءٍ حَقِيقِيٍّ، وَهُوَ نَمَاءُ الْإِسَامَةِ مِنْ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَتَارَةً تَجِبُ بِالنَّمَاءِ الْحُكْمِيِّ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَالِ مُعَدًّا لِلتِّجَارَةِ فَالْعُشْرُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّمَاءِ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِجُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ فَلَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْخَارِجِ، وَالْخَرَاجُ مُقَدَّرٌ بِالدِّرْهَمِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالنَّمَاءِ الْحُكْمِيِّ.
وَفِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ أَيْ وُجُوبُ الْعُشْرِ مَعْنَى مُؤْنَةِ الْأَرَاضِي؛ لِأَنَّهَا أَيْ الْأَرَاضِيَ أَصْلٌ فِي وُجُوبِهِ يَعْنِي إذَا وَجَبَ الْعُشْرُ يَجِبُ مُؤْنَةً لِلْأَرْضِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِبَقَاءِ الْعَالَمِ إلَى الْحِينِ الْمَوْعُودِ، وَسَبَبُ بَقَائِهِ هُوَ الْأَرْضُ فَإِنَّ الْقُوتَ مِنْهَا يَخْرُجُ فَوَجَبَ الْعُشْرُ، وَالْخَرَاجُ عِمَارَةٌ لَهَا وَنَفَقَةٌ عَلَيْهَا كَمَا وَجَبَ عَلَى الْمُلَّاكِ مُؤْنَةُ عَبِيدِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَعِمَارَةُ دُورِهِمْ وَعِمَارَةُ الْأَرَاضِي وَبَقَاؤُهَا بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَذُبُّونَ عَنْ الدَّارِ وَيَصُونُونَهَا عَنْ الْأَعْدَاءِ فَوَجَبَ الْخَرَاجُ لِلْمُقَاتِلَةِ كِفَايَةً لَهُمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ إقَامَةِ النُّصْرَةِ.
وَالْعُشْرُ لِلْمُحْتَاجَيْنِ كِفَايَةٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الذَّابُّونَ عَنْ حَرِيمِ الْإِسْلَامِ مَعْنًى كَمَا «قَالَ ﵇ يَوْمَ بَدْرٍ: إنَّكُمْ تُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ» . فَكَانَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ صَرْفًا إلَى الْأَرْضِ وَإِنْفَاقًا عَلَيْهَا فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فِيهِ. وَفِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْوَاجِبِ جُزْءًا مِنْ النَّمَاءِ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ كَالزَّكَاةِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ النَّامِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَاشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْمُؤْنَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِوُجُوبِهِ أَصْلًا وَالنَّمَاءُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَصْفًا لَهَا كَانَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فِيهِ أَصْلًا، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ تَبَعًا، وَقَوْلُهُ: وَصَارَ السَّبَبُ بِتَجَدُّدِ وَصْفِهِ مُتَجَدِّدًا جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْخَصْمِ يَعْنِي تَكَرُّرَ الْوَاجِبِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْخَارِجِ بِاعْتِبَارِ تَجَدُّدِ الْأَرْضِ بِهِ تَقْدِيرًا لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْخَارِجَ سَبَبٌ كَمَا قُلْنَا فِي النِّصَابِ الْوَاحِدِ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ وَالرَّأْسِ الْوَاحِدِ بِتَجَدُّدِ الْفِطْرِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ الْخَرَاجُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ التَّقْدِيرِيَّ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ. وَلَمْ يَجُزْ التَّعْجِيلُ أَيْ تَعْجِيلُ الْعُشْرِ قَبْلَ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ لَمَّا جُعِلَ بِمَعْنَى السَّبَبِ لِوَصْفِ الْعِبَادَةِ فِي الْعُشْرِ كَانَ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْخَارِجِ مُفَوِّتًا لِمَعْنَى الْعِبَادَةِ عَنْهُ، وَمُبْطِلًا لَهُ لِاسْتِحَالَةِ حُصُولِ الْمُسَبَّبِ قَبْلَ السَّبَبِ، وَإِذَا بَطَلَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ عَنْهُ بَقِيَ مُؤْنَةً خَالِصَةً مُتَعَلِّقَةً بِالْأَرْضِ وَحْدَهَا، وَهَذَا تَغْيِيرٌ لَهُ فَلَا يَجُوزُ فَصَارَ تَعْجِيلُ الْعُشْرِ قَبْلَ الْخَارِجِ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ فِي الْإِبِلِ الْحَوَامِلِ وَالْعَلُوفَةِ قَبْلَ الْإِسَامَةِ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ فَإِنَّ تَعْجِيلَهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مُؤْنَةٌ مَحْضَةٌ، وَلَا يُؤَدِّي التَّعْجِيلُ فِيهِ إلَى تَغْيِيرٍ كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ النَّامِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى التَّغْيِيرِ.
[سَبَبُ الْخَرَاجِ]
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ سَبَبُ الْخَرَاجِ) أَيْ، وَكَمَا أَنَّ سَبَبَ
следующие страницы →