← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

سَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ غَنِيٍّ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ بِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» بِقَوْلِهِ ﵇ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَبَيَانُهُ أَنَّ كَلِمَةَ عَنْ لِانْتِزَاعِ الشَّيْءِ فَدَلَّ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا يَنْتَزِعُ الْحُكْمَ عَنْهُ أَوْ مَحَلًّا يَجِبُ الْحَقُّ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّيَ عَنْهُ وَبَطَلَ الثَّانِي لِاسْتِحَالَةِ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ وَالْفَقِيرِ فَعُلِمَ بِهِ أَنَّهُ سَبَبٌ وَلِذَلِكَ يَتَضَاعَفُ الْوُجُوبُ بِتَضَاعُفِ الرُّءُوسِ، وَأَمَّا وَقْتُ الْفِطْرِ فَشَرْطُهُ حَتَّى لَا يَعْمَلَ السَّبَبُ إلَّا لِهَذَا الشَّرْطِ ــ [كشف الأسرار] بَلْ الشَّرْطُ احْتِمَالُ الْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ، وَهُوَ ثَابِتٌ وَلِهَذَا لَوْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّوْمُ، وَإِنْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الشَّهْرِ لِانْقِطَاعِ احْتِمَالِ الْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ. وَذَهَبَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَالشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ إلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ اللَّيَالِي أَيْ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِصَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَيَجِبُ صَوْمُ جَمِيعِ الْيَوْمِ مُقَارِنًا إيَّاهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الشَّهْرِ أَشْيَاءُ مُتَغَايِرَةٌ إذْ صَوْمُ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ عَلَى حِدَةٍ غَيْرُ مُرْتَبِطٍ بِغَيْرِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِشَرَائِطِ وُجُودِهِ، وَانْفِرَادُهُ بِالِارْتِفَاعِ عِنْدَ طُرُوءِ النَّاقِضِ كَالصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا بَلْ التَّفَرُّقُ فِي الصِّيَامِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ التَّفَرُّقَ فِي الصَّلَوَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَدَاءَ الظُّهْرِ لَا يَجُوزُ فِي وَقْتِ الْفَجْرِ وَيَفُوتُ بِمَجِيءِ وَقْتِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَدَاءِ الظُّهْرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَوْجُودٌ وَزِيَادَةٌ، وَهِيَ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ يَوْمَيْنِ وَقْتًا لَا يَصْلُحُ لِلصَّوْمِ لَا أَدَاءً، وَلَا قَضَاءً لِمَا مَضَى، وَلَا نَفْلًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ كُلُّ عِبَادَةٍ مُتَعَلِّقَةً بِسَبَبٍ عَلَى حِدَةٍ وَذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا جَعَلَ وَقْتًا سَبَبًا لِعِبَادَةٍ فَذَلِكَ بَيَانُ شَرَفِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِحَقِّ تِلْكَ الْعِبَادَةِ وَالْعِبَادَةُ فِي الْأَدَاءِ دُونَ الْإِيجَابِ فَإِنَّهُ صُنْعُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَسْتَقِمْ الْوَقْتُ الْمُنَافِي لِلْأَدَاءِ شَرْعًا سَبَبًا لِوُجُوبِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَسْبَابَ هِيَ الْأَيَّامُ دُونَ اللَّيَالِي، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَالْوَقْتُ مَتَى جُعِلَ سَبَبًا كَانَ ظَرْفًا لِلْأَدَاءِ أَيْ مَحَلًّا لَهُ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ لَمَّا جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا كَانَ مَحَلًّا لِأَدَائِهَا. وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ ظَرْفًا هَاهُنَا أَنَّ الْوَاجِبَ يُؤَدَّى فِيهِ لَا أَنَّ الْوَقْتَ يَفْضُلُ عَنْ الْأَدَاءِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ كَلَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فَهُوَ أَنَّ شَرَفَ اللَّيَالِي بِاعْتِبَارِ شَرْعِيَّةِ الصَّوْمِ فِي أَيَّامِهَا فَكَانَ شَرَفُهَا تَابِعًا لِشَرَفِ الْأَيَّامِ أَوْ شَرَفُهَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا أَوْقَاتًا لِقِيَامِ رَمَضَانَ، وَكَلَامُنَا فِي شَرَفٍ يَحْصُلُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِأَدَاءِ مُسَبَّبِهِ. وَأَمَّا عَدَمُ سُقُوطِ الصَّوْمِ عَنْ الْمَجْنُونِ الَّذِي لَمْ يُفِقْ إلَّا فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْوُجُوبِ مَعَ الْجُنُونِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ عَنْهُ عِنْدَ تَضَاعُفِ الْوَاجِبَاتِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَاعْتُبِرَ الْحَرَجُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ بِاسْتِغْرَاقِ الْجُنُونِ جَمِيعَ الشَّهْرِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَأَمَّا جَوَازُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّيْلَ جُعِلَ تَابِعًا لِلْيَوْمِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ ضَرُورَةَ تَعَذُّرِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِأَوَّلِ أَجْزَاءِ الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي مَسْأَلَةِ التَّبْيِيتِ فَأُقِيمَتْ النِّيَّةُ فِي اللَّيْلِ مَقَامَ النِّيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَوَّلِ الصَّوْمِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ احْتِرَازٌ عَنْ الشَّرْطِ فَإِنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُودًا وَلِهَذَا أَيْ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِوُجُوبِ صَوْمِهِ، وَقَدْ مَرَّتْ أَحْكَامُ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا كَأَحْكَامِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ تَقْسِيمِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي حَقِّ الْوَقْتِ. [سَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ] قَوْلُهُ (وَسَبَبُ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ) رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ أَيْ يَقُومُ الْمُكَلَّفُ بِكِفَايَتِهِ وَيَتَحَمَّلُ مُؤْنَتَهُ بِوِلَايَتِهِ أَيْ بِسَبَبِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ مِثْلُ التَّزْوِيجِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. إذْ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ، وَمَعْنَى الْوِلَايَةِ تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ الْغَيْرُ أَوْ أَبَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرَّأْسَ بِصِفَةِ الْمُؤْنَةِ وَالْوِلَايَةِ جُعِلَ سَبَبًا لِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ السَّبَبُ رَأْسٌ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَيَعْقُبُهُ كَذَا ذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْوَقْتُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِدَلِيلِ إضَافَتِهَا إلَيْهِ يُقَالُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَبِدَلِيلِ تَكَرُّرِهَا بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ فِي رَأْسٍ وَاحِدٍ. وَلَكِنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ رَأْسُهُ وَالصَّدَقَةُ جُعِلَتْ مُؤْنَةً شَرْعِيَّةً، وَالْمُؤْنَةُ الْأَصْلِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِكَوْنِهِ مَالِكَ رَأْسِهِ وَوَلِيَّهُ فَكَذَا الصَّدَقَةُ، وَكَذَا رَأْسُ غَيْرِهِ يَلْتَحِقُ بِرَأْسِهِ بِمُؤْنَةِ الرَّأْسِ بِسَبَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ لِيَصِيرَ كَرَأْسِهِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. فَإِذَا عُدِمَتْ الْوِلَايَةُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَالِابْنِ الزَّمِنِ الْبَالِغِ

стр. 667

وَإِنَّمَا نُسِبَتْ إلَى الْفِطْرِ مَجَازًا وَالنِّسْبَةُ تَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ فَأَمَّا تَضَاعُفُ الْوُجُوبِ فَلَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ وَبَيَانُ قَوْلِنَا إنَّ الْإِضَافَةَ تَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ مَجَازًا فَأَمَّا تَضَاعُفُ الْوُجُوبِ فَلَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا يَكُونُ بِسَبَبٍ أَوْ عِلَّةٍ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِعَارَةُ ــ [كشف الأسرار] الْمُعْسِرِ لَمْ يَجِبْ الصَّدَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ وَالْأَبِ، وَإِنْ وُجِدَتْ الْمُؤْنَةُ، وَإِذَا عُدِمَتْ الْمُؤْنَةُ بِأَنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ حَتَّى وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ فِيهِ لَمْ تَجِبْ صَدَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَإِنْ وُجِدَتْ الْوِلَايَةُ. قَالَ نَهْجُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ ﵀، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا بِالشَّرْعِ وَبِدَلَالَةٍ مِنْ الْمَعْنَى. أَمَّا الشَّرْعُ فَلِأَنَّهُ ﵇. قَالَ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» . فَقَدْ اعْتَبَرَ الْمُؤْنَةَ، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَلِأَنَّهُ ﵇ لَمَّا أَوْجَبَ فِي الصِّغَارِ وَالْمَمَالِيكِ فَقَدْ اعْتَبَرَ الْوِلَايَةَ أَيْضًا فَدَلَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا.، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوُجُوبِ رَأْسُ الْإِنْسَانِ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُ رَأْسُ غَيْرِهِ بِهِ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا. ثَبَتَ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُ الرَّأْسِ سَبَبًا بِقَوْلِهِ ﵇ كَذَا. وَبَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ ثُبُوتِ كَوْنِ الرَّأْسِ سَبَبًا بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ كَلِمَةَ عَنْ لِانْتِزَاعِ الشَّيْءِ أَيْ لِانْفِصَالِ الشَّيْءِ عَنْ الشَّيْءِ وَتَعَدِّيهِ مِنْهُ يُقَالُ رَمَيْتُ عَنْ الْقَوْسِ، وَأَخَذَتْ عَنْهُ حَدِيثًا أَيْ انْفَصَلَ عَنْهُ إلَيَّ وَبَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا أَيْ تَعَدَّى وَتَجَاوَزَ عَنْهُ إلَيَّ وَأَخَذْتُ الدِّرَّةَ عَنْ الْحِقَّةِ أَيْ نَزَعْتُهَا عَنْهَا. فَيَدُلُّ أَيْ حَرْفُ عَنْ أَوْ الْحَدِيثُ. عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِالِاسْتِقْرَاءِ. إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ عَنْ. سَبَبًا يَنْتَزِعُ الْحُكْمُ عَنْهُ أَيْ عَنْ السَّبَبِ كَمَا يُقَالُ أَدِّ الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ، وَأَدِّ الْخَرَاجَ عَنْ أَرْضِهِ أَيْ بِسَبَبِهِمَا وَيُقَالُ سَمِنَ عَنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ أَيْ بِسَبَبِهِمَا، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] . إذَا جُعِلَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إلَى قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ أَيْ يَصْدُرُ إفْكُهُمْ عَنْ الْقَوْلِ الْمُخْتَلَفِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَدُّوا الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ النَّاشِئَةَ عَنْ كَذَا. أَوْ مَحَلًّا يَجِبُ الْحَقُّ عَلَيْهِ فَيُؤَدَّى عَنْهُ كَالدِّيَةِ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ ثُمَّ يَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ لِاسْتِحَالَةِ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ اسْتَحَالَ تَكْلِيفُهُ بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ. وَالْكَافِرِ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. وَالْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْجِرَابِ خَرَاجٌ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ انْتِزَاعُ الْحُكْمِ عَنْ سَبَبِهِ، وَأَنَّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ عَنْ سَبَبٍ. وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ فِي مِثْلِيَّةِ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَوْلَى يَنُوبُ عَنْهُ كَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا قَالَ: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» . عُلِمَ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْعَبْدِ إذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ أَدَاءُ الْمَوْلَى عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ الْعَبْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الزَّكَاةِ أَدِّ عَنْ الشَّاةِ أَوْ أَدِّ عَنْ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ أَدُّوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ. ثُمَّ ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْبَهِيمَةِ فِي بَابِ الْوِلَايَةِ وَالْمُؤْنَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ السَّبَبُ فِي حَقِّهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ أَدُّوا عَنْهُ. عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنْسَانٌ مُخَاطَبٌ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ وَالْمَوْلَى يَنُوبُ عَنْهُ، وَلَكِنْ فِي بَاطِنِ الْمَعْنَى فَلَا وُجُوبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اُلْتُحِقَ بِالْبَهِيمَةِ فِيمَا مَلَكَ عَلَيْهِ وَالْأَجْزَاءُ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى النَّفَقَةِ مَمْلُوكَةٌ وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ تَجِبُ بِسَبَبِ الرَّأْسِ كَالنَّفَقَةِ فَعَلَى اعْتِبَارِ أَصْلِ الْخِلْقَةِ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى اعْتِبَارِ الْعَارِضِ عَلَى الْمَوْلَى فَصَحَّتْ الْعِبَارَةُ بِكَلِمَةِ عَنْ إشَارَةً إلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ. وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِ الرَّأْسِ سَبَبًا تَضَاعَفَ وُجُوبُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِتَضَاعُفِ الرُّءُوسِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ سَبَبًا لَمَا تَضَاعَفَ بِتَعَدُّدِ الرَّأْسِ فَدَلَّ أَنَّ الرَّأْسَ هُوَ السَّبَبُ دُونَ الْوَقْتِ، وَلَكِنَّ الْوَقْتَ شَرْطُهُ. حَتَّى لَا يُعْمَلَ السَّبَبُ أَيْ لَا يَجِبَ الْأَدَاءُ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ الْوَقْتُ كَالنِّصَابِ لَا يَظْهَرُ عَمَلُهُ فِي إيجَابِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إلَّا عِنْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ. قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا نُسِبَتْ إلَى الْفِطْرِ) جَوَابٌ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنَّ إضَافَتَهَا إلَى الْوَقْتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ فَقَالَ إنَّمَا نُسِبَتْ إلَى الْفِطْرِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ زَمَانُ الْوُجُوبِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ سَبَبًا.، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهَا عَلَى الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ

стр. 668

وَكَذَلِكَ وَصْفُ الْمُؤْنَةِ يُرَجِّحُ الرَّأْسَ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ. وَسَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ الْبَيْتُ؛ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَأَمَّا الْوَقْتُ فَهُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ بِدَلَالَةِ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ غَيْرَ أَنَّ الْأَدَاءَ شُرِعَ مُتَفَرِّقًا مُنْقَسِمًا عَلَى أَمْكِنَةٍ وَأَزْمِنَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا جُمْلَةُ وَقْتِ الْحَجِّ فَلَمْ يَصْلُحْ تَغَيُّرُ التَّرْتِيبِ كَمَا لَا يَصْلُحُ السُّجُودُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ طَوَافُ الزِّيَارَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَالْوُقُوفُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ بِالْمَالِ فَشَرْطٌ لَا سَبَبٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ وَيَصِحُّ الْأَدَاءُ دُونَهُ مِنْ الْفَقْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَلَا يَصْلُحُ الْمَالُ سَبَبًا لَهَا، وَلَكِنَّهَا عِبَادَةُ هِجْرَةٍ وَزِيَادَةٍ فَكَانَ الْبَيْتُ سَبَبًا لَهَا. ــ [كشف الأسرار] فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُضَافُ إلَى الشَّيْءِ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَأُضِيفَتْ الْحُجَّةُ إلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ شَرْطُهَا فَقِيلَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ وَيُقَالُ بَنُو فُلَانٍ لِنَوَافِلِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَأَمَّا تَضَاعُفُ الْوُجُوبِ بِتَضَاعُفِ الرُّءُوسِ فَأَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَقْبَلُ الِاسْتِعَارَةَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَفْظٍ فَكَانَ التَّضَاعُفُ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَكَّمِ فِي كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى السَّبَبِيَّةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ بِوَجْهٍ.، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَيْ الْوُجُوبُ بِسَبَبٍ أَوْ عِلَّةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَا الرَّأْسَ سَبَبًا وَالْوَقْتَ شَرْطَهَا فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ يَتَكَرَّرُ هَذَا الْوَاجِبُ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ؟ . قُلْنَا لَمْ يَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ بَلْ بِتَكَرُّرِ الْحَاجَةِ وَالْمُؤْنَةُ أَبَدًا يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا بِتَكَرُّرِ الْحَاجَةِ فَالشَّرْعُ جَعَلَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَقْتَ الْحَاجَةِ فَإِذَا جَاءَ يَوْمُ الْفِطْرِ تَجَدَّدَتْ الْحَاجَةُ فَتَجَدَّدَ الْوُجُوبُ لِأَجْلِهِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّ الْإِضَافَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ إلَى الرَّأْسِ وَالْوَقْتِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَظٌّ مِنْ الْوُجُوبِ بِحُكْمِ الْإِضَافَةِ وَذَلِكَ إذَا جَعَلْنَا الرَّأْسَ سَبَبًا وَالْوَقْتُ زَمَانُ الْوُجُوبِ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اتِّصَالٌ بِالْوُجُوبِ لِأَحَدِهِمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ وَلِلْآخَرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَرْطٌ فَأَمَّا إذَا جَعَلْنَا الْفِطْرَ سَبَبًا فَلَا يَبْقَى لِلرَّأْسِ اتِّصَالٌ بِالْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ شَيْءٌ لِيَجْعَلَ الرَّأْسَ شَرْطًا بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّيَّةِ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى لِأَجْلِهِ فَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى رَأْسِ الْعَبْدِ فَأَيُّ اتِّصَالٍ يَبْقَى لَهُ بِالْوَاجِبِ فَلَا وَجْهَ لِهَذَا فَثَبَتَ أَنَّ الرَّأْسَ سَبَبٌ (فَإِنْ قِيلَ) نَجْعَلُ الرَّأْسَ شَرْطًا مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ عَلَى الْمَوْلَى لَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَبْدِ كَمَا جَعَلْتُمْ الْوَقْتَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمَوْلَى بِسَبَبِ الرَّأْسِ (قُلْنَا) حِينَئِذٍ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الرَّأْسُ، وَإِنَّمَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ، وَإِنْ اتَّحَدَ الشَّرْطُ، وَقَدْ تَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الرَّأْسِ بِالِاتِّفَاقِ فَدَلَّ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الرَّأْسُ، وَالْوَقْتُ شَرْطُ الْوُجُوبِ كَوَقْتِ الْحَجِّ. وَكَذَلِكَ وَصْفُ الْمُؤْنَةِ يُرَجِّحُ الرَّأْسَ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ وَجَبَتْ وُجُوبَ الْمُؤَنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَجْرَاهَا مَجْرَى الْمُؤَنِ فِي قَوْلِهِ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» . أَيْ تَحَمَّلُوا هَذِهِ الْمُؤْنَةَ عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْكُمْ مُؤْنَتُهُمْ. وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْمُؤَنِ رَأْسٌ يَلِي عَلَيْهِ لَا الْوَقْتُ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ تَجِبُ بِالرَّأْسِ لَا بِالْوَقْتِ إذْ الرَّأْسُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى الْمُؤْنَةِ دُونَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ مُؤْنَةُ الشَّيْءِ سَبَبٌ لِبَقَائِهِ وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي الرَّأْسِ دُونَ الْوَقْتِ فَكَانَ الرَّأْسُ سَبَبَ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَالْفِطْرُ عَنْ رَمَضَانَ شَرْطُهُ كَالْإِقَامَةِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمُرَادُ بِالْفِطْرِ الْيَوْمُ لَا الْفِطْرُ عَنْ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ فِطْرًا مَخْصُوصًا، وَهُوَ الْفِطْرُ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَتَّصِفُ بِهِمَا وَاللَّيْلُ لَا يَتَّصِفُ بِالصَّوْمِ شَرْعًا وَالْفِطْرُ بِنَاءً عَلَيْهِ فَكَانَ الْيَوْمُ وَقْتًا لَهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ مِنْهُ أَيْ مِنْ هَذَا الْوَاجِبِ فِي مَوْضِعِهِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي نُسْخَةٍ مِنْ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إلَى صِيَانَةِ دِينِهِ، وَإِصْلَاحِهِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى صِيَانَةِ نَفْسِهِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ الصَّدَقَةُ مُؤْنَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَجَبَتْ لِإِصْلَاحِ عِبَادَةِ الصَّوْمِ حَيْثُ قَالَ ﵇: «صَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ عَنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» . وَالنَّفَقَةُ لِإِصْلَاحِ الْبَدَنِ وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فِيهَا. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ ﵀ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ أَنَّ السَّبَبَ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ «صَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِينَ وَطُعْمَةٌ لِلْمَسَاكِينِ» فَقَوْلُهُ طُهْرَةٌ إشَارَةٌ إلَى مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَقَوْلُهُ طُعْمَةٌ إشَارَةٌ إلَى مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَكَانَتْ الصَّدَقَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْوَصْفَيْنِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْمُؤْنَةِ فَتَعَلَّقَتْ بِرَأْسٍ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ وَالْمُؤْنَةَ مِنْ بَابِ الْغَرَامَةِ لِيَكُونَ

стр. 669

وَ سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ يُنْسَبُ إلَى الْأَرْضِ، وَفِي الْعُشْرِ مَعْنَى مُؤْنَةِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ، وَفِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ لِلسَّبَبِ وَصْفٌ وَصَارَ السَّبَبُ بِتَجَدُّدِ وَصْفِهِ مُتَجَدِّدًا فِي التَّقْدِيرِ فَلَمْ يَجُزْ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ بِمَعْنَى السَّبَبِ لِوَصْفِ الْعِبَادَةِ فَلَوْ صَحَّ التَّعْجِيلُ لَخَلُصَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَلَمَّا صَارَتْ الْأَرْضُ نَامِيَةً أَشْبَهَ تَعْجِيلَ زَكَاةِ السَّائِمَةِ وَالْإِبِلِ الْعَلُوفَةِ ثُمَّ أَسَامَهَا. ــ [كشف الأسرار] الْحُكْمُ عَلَى وِفَاقِ السَّبَبِ وَلِهَذَا تُضَافُ إلَى الرَّأْسِ فَيُقَالُ زَكَاةُ الرَّأْسِ وَتُضَافُ إلَى الْوَقْتِ أَيْضًا فَيُقَالُ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُهُ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الرَّأْسِ إضَافَةَ الْأَحْكَامِ إلَى أَسْبَابِهَا، وَالْإِضَافَةُ إلَى الْوَقْتِ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ إذْ لَوْ قُلْت الْوَقْتُ سَبَبٌ لَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الرَّأْسِ لَغْوًا. قَالَ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ الزَّوْزَنِيُّ ﵀: أَنَّ السَّبَبَ كِلَاهُمَا الرَّأْسُ وَالْوَقْتُ فَكَانَ حُكْمًا مُعَلَّقًا بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَالْمَسَائِلُ تَسْتَغْنِي عَنْ هَذَا الْأَصْلِ. [سَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ] قَوْلُهُ (وَسَبَبُ وُجُوبِ الْحَجِّ الْبَيْتُ) دُونَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ نُسِبَ إلَيْهِ، وَلَوْ يَتَكَرَّرُ أَيْ لَمْ يَجِبْ إلَّا مَرَّةً؛ لِأَنَّ السَّبَبَ، وَهُوَ الْبَيْتُ غَيْرُ مُتَجَدِّدٍ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ إنَّ لِلْبَيْتِ حُرْمَةً شَرْعًا فَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِزِيَارَتِهِ شَرْعًا فَإِنَّ الْمَكَانَ الْمُحْتَرَمَ قَدْ يُزَارُ تَعْظِيمًا لَهُ وَاحْتِرَامًا إلَّا أَنَّ احْتِرَامَهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ زِيَارَتُهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ لَا لَهُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ لِحُرْمَتِهِ أَمَانٌ لِلْخَلْقِ فَكَانَ نِعْمَةً فِي نَفْسِهِ فَصَارَ سَبَبًا لِكَوْنِهِ نِعْمَةً.، وَأَمَّا الْوَقْتُ فَهُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ أَيْ شَرْطُ جَوَازِ الْأَدَاءِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَدَاءِ بِدُونِهِ، وَلَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْوُجُوبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ، وَلَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ أَيْضًا. وَتَوَقُّفُ صِحَّةِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ مَعَ انْتِفَاءِ التَّكَرُّرِ بِتَكَرُّرِهِ دَلِيلُ الشَّرْطِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَدَاءَ أَيْ لَكِنَّ الْأَدَاءَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْأَدَاءُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَوَّلِ شَوَّالٍ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ شَرْطُ الْأَدَاءِ فَعُلِمَ أَنَّهُ سَبَبُ الْوُجُوبِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لَهُ لَمْ يَكُنْ إضَافَةُ الْوَقْتِ إلَيْهِ مُفِيدَةً، وَقَدْ يُقَالُ أَشْهُرُ الْحَجِّ كَمَا يُقَالُ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَدَلَّ أَنَّهُ سَبَبٌ. فَقَالَ: الْوَقْتُ شَرْطُ الْأَدَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا وَيَجُوزُ الْأَدَاءُ بَعْدَ دُخُولِهِ لَكِنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ ذَاتُ أَرْكَانٍ شُرِعَ أَدَاؤُهَا مُتَفَرِّقًا مُنْقَسِمًا عَلَى أَمْكِنَةٍ، وَأَزْمِنَةٍ وَاخْتُصَّ كُلُّ رُكْنٍ بِوَقْتٍ عَلَى حِدَةٍ كَمَا اُخْتُصَّ بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ وَقْتِهِ الْخَاصِّ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ طَوَافُ الزِّيَارَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ أَنَّهُ وَقْتُ أَدَاءِ الرُّكْنِ الْأَعْظَمِ، وَهُوَ الْوُقُوفُ، وَلَمْ يَجُزْ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَا قَبْلَ الزَّوَالِ حَتَّى أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مُوَقَّتٍ بِوَقْتٍ خَاصٍّ يَتَأَدَّى فِي جَمِيعِ وَقْتِ الْحَجِّ كَالسَّعْيِ فَإِنَّ مَنْ طَافَ وَسَعَى فِي رَمَضَانَ لَمْ يَكُنْ سَعْيُهُ مُعْتَدًّا بِهِ مِنْ سَعْيِ الْحَجِّ حَتَّى إذَا طَافَ لِلزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ يَلْزَمُهُ السَّعْيُ، وَلَوْ كَانَ طَافَ وَسَعَى فِي شَوَّالٍ كَانَ سَعْيُهُ مُعْتَدًّا بِهِ حَتَّى لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِوَقْتٍ خَاصٍّ فَجَازَ أَدَاؤُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ بِالْمَالِ فَشَرْطٌ أَيْ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا لِجَوَازِهِ فَإِنَّ الْأَدَاءَ صَحِيحٌ مِنْ الْفَقِيرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَكِنَّهَا شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَإِنَّ السَّفَرَ الَّذِي يُوَصِّلُهُ إلَى الْأَدَاءِ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ بِدُونِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ إلَّا بِحَرَجٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَالَ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا أَنَّهُ سَبَبٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ تَفْسِيرَ الِاسْتِطَاعَةِ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَالْأَدَاءُ قَبْلَ مِلْكِهِمَا جَائِزٌ كَمَا ذَكَرْنَا لِوُجُودِ السَّبَبِ كَمَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ وُجِدَ، وَكَذَلِكَ لَا يَتَجَدَّدُ الْوُجُوبُ بِتَجَدُّدِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَا يُضَافُ إلَيْهَا كَمَا لَا يُضَافُ إلَى الْوَقْتِ، وَلَا يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ شَرْطٌ كَالْوَقْتِ فَصَارَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ الْمُسْتَطِيعِينَ حَجُّ الْبَيْتِ حَقًّا وَاجِبًا بِسَبَبِهِ إذَا جَاءَ وَقْتُ الْأَدَاءِ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ. [سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ] قَوْلُهُ (وَسَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ) الْبَاءُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّامِيَةِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْخَرَاجِ فَإِنَّ سَبَبَهُ الْأَرْضُ بِالنَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْخَارِجُ سَبَبُ وُجُوبِ الْعُشْرِ، وَالْأَرْضُ سَبَبُ وُجُوبِ الْخَرَاجِ حَتَّى أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً؛ لِأَنَّ

стр. 670

وَكَذَلِكَ سَبَبُ الْخَرَاجِ إلَّا أَنَّ النَّمَاءَ مُعْتَبَرٌ فِي الْخَرَاجِ تَقْدِيرًا لَا تَحْقِيقًا بِالتَّمَكُّنِ بِهِ مِنْ الزِّرَاعَةِ ــ [كشف الأسرار] الْعُشْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْخَارِجِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ، وَلَوْ كَانَ الْأَرْضُ هِيَ السَّبَبُ لَجَازَ تَعْجِيلُهُ كَالْخَرَاجِ، وَكَالزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ. وَلَنَا أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى الْأَرْضِ يُقَالُ عُشْرُ الْأَرَاضِيِ، وَالْأَرْضُ تُوصَفُ بِهِ فَيُقَالُ أَرْضٌ عُشْرِيَّةٌ، وَالشَّيْءُ يُضَافُ إلَى سَبَبِهِ فِي الْأَصْلِ، وَيَتَّصِفُ السَّبَبُ بِحُكْمِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا حَقٌّ مَالِيٌّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ سَبَبُهُ مَالًا نَامِيًا، وَالْخَارِجُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِصِفَةِ النَّمَاءِ بَلْ مُعَدٌّ لِلِانْتِفَاعِ وَالْإِتْلَافُ إنَّمَا الْأَرْضُ هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِهِ إلَّا أَنَّ نَمَاءَ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهَيْنِ نَمَاءٌ حَقِيقِيٌّ، وَهُوَ الْخَارِجُ وَنَمَاءٌ حُكْمِيٌّ، وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَالزِّرَاعَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تَارَةً تَجِبُ بِنَمَاءٍ حَقِيقِيٍّ، وَهُوَ نَمَاءُ الْإِسَامَةِ مِنْ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَتَارَةً تَجِبُ بِالنَّمَاءِ الْحُكْمِيِّ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَالِ مُعَدًّا لِلتِّجَارَةِ فَالْعُشْرُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّمَاءِ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِجُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ فَلَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْخَارِجِ، وَالْخَرَاجُ مُقَدَّرٌ بِالدِّرْهَمِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالنَّمَاءِ الْحُكْمِيِّ. وَفِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ أَيْ وُجُوبُ الْعُشْرِ مَعْنَى مُؤْنَةِ الْأَرَاضِي؛ لِأَنَّهَا أَيْ الْأَرَاضِيَ أَصْلٌ فِي وُجُوبِهِ يَعْنِي إذَا وَجَبَ الْعُشْرُ يَجِبُ مُؤْنَةً لِلْأَرْضِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِبَقَاءِ الْعَالَمِ إلَى الْحِينِ الْمَوْعُودِ، وَسَبَبُ بَقَائِهِ هُوَ الْأَرْضُ فَإِنَّ الْقُوتَ مِنْهَا يَخْرُجُ فَوَجَبَ الْعُشْرُ، وَالْخَرَاجُ عِمَارَةٌ لَهَا وَنَفَقَةٌ عَلَيْهَا كَمَا وَجَبَ عَلَى الْمُلَّاكِ مُؤْنَةُ عَبِيدِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَعِمَارَةُ دُورِهِمْ وَعِمَارَةُ الْأَرَاضِي وَبَقَاؤُهَا بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَذُبُّونَ عَنْ الدَّارِ وَيَصُونُونَهَا عَنْ الْأَعْدَاءِ فَوَجَبَ الْخَرَاجُ لِلْمُقَاتِلَةِ كِفَايَةً لَهُمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ إقَامَةِ النُّصْرَةِ. وَالْعُشْرُ لِلْمُحْتَاجَيْنِ كِفَايَةٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الذَّابُّونَ عَنْ حَرِيمِ الْإِسْلَامِ مَعْنًى كَمَا «قَالَ ﵇ يَوْمَ بَدْرٍ: إنَّكُمْ تُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ» . فَكَانَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ صَرْفًا إلَى الْأَرْضِ وَإِنْفَاقًا عَلَيْهَا فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فِيهِ. وَفِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْوَاجِبِ جُزْءًا مِنْ النَّمَاءِ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ كَالزَّكَاةِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ النَّامِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَاشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْمُؤْنَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِوُجُوبِهِ أَصْلًا وَالنَّمَاءُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَصْفًا لَهَا كَانَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فِيهِ أَصْلًا، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ تَبَعًا، وَقَوْلُهُ: وَصَارَ السَّبَبُ بِتَجَدُّدِ وَصْفِهِ مُتَجَدِّدًا جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْخَصْمِ يَعْنِي تَكَرُّرَ الْوَاجِبِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْخَارِجِ بِاعْتِبَارِ تَجَدُّدِ الْأَرْضِ بِهِ تَقْدِيرًا لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْخَارِجَ سَبَبٌ كَمَا قُلْنَا فِي النِّصَابِ الْوَاحِدِ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ وَالرَّأْسِ الْوَاحِدِ بِتَجَدُّدِ الْفِطْرِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ الْخَرَاجُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ التَّقْدِيرِيَّ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ. وَلَمْ يَجُزْ التَّعْجِيلُ أَيْ تَعْجِيلُ الْعُشْرِ قَبْلَ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ لَمَّا جُعِلَ بِمَعْنَى السَّبَبِ لِوَصْفِ الْعِبَادَةِ فِي الْعُشْرِ كَانَ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْخَارِجِ مُفَوِّتًا لِمَعْنَى الْعِبَادَةِ عَنْهُ، وَمُبْطِلًا لَهُ لِاسْتِحَالَةِ حُصُولِ الْمُسَبَّبِ قَبْلَ السَّبَبِ، وَإِذَا بَطَلَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ عَنْهُ بَقِيَ مُؤْنَةً خَالِصَةً مُتَعَلِّقَةً بِالْأَرْضِ وَحْدَهَا، وَهَذَا تَغْيِيرٌ لَهُ فَلَا يَجُوزُ فَصَارَ تَعْجِيلُ الْعُشْرِ قَبْلَ الْخَارِجِ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ فِي الْإِبِلِ الْحَوَامِلِ وَالْعَلُوفَةِ قَبْلَ الْإِسَامَةِ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ فَإِنَّ تَعْجِيلَهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مُؤْنَةٌ مَحْضَةٌ، وَلَا يُؤَدِّي التَّعْجِيلُ فِيهِ إلَى تَغْيِيرٍ كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ النَّامِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى التَّغْيِيرِ. [سَبَبُ الْخَرَاجِ] قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ سَبَبُ الْخَرَاجِ) أَيْ، وَكَمَا أَنَّ سَبَبَ

стр. 671

فَصَارَ مُؤْنَةً بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَعُقُوبَةً بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ؛ لِأَنَّ الزِّرَاعَةَ عِمَارَةُ الدُّنْيَا، وَإِعْرَاضٌ عَنْ الْجِهَادِ فَكَانَ سَبَبًا لِضَرْبٍ مِنْ الْمَذَلَّةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْتَمِعَا عِنْدَنَا. وَ سَبَبُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا تُنْسَبُ إلَيْهَا ــ [كشف الأسرار] الْعُشْرِ الْأَرْضُ فَإِنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ أَيْضًا لَكِنَّ النَّمَاءَ مُعْتَبَرٌ فِي الْخَرَاجِ تَقْدِيرًا لَا تَحْقِيقًا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْخَارِجِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ وَعُلِّقَ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ حَقُّ الْمُقَاتِلَةِ. فَصَارَ مُؤْنَةً بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ أَيْ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِأَصْلِ الْأَرْضِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْعُشْرِ، وَعُقُوبَةً بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ، وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ طَلَبِ النَّمَاءِ بِالزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالزِّرَاعَةِ عِمَارَةُ الدُّنْيَا، وَإِعْرَاضٌ عَنْ الْجِهَادِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمَذَلَّةِ الَّتِي هِيَ نَوْعُ عُقُوبَةٍ؛ لِأَنَّ عِمَارَةَ الْأَرْضِ مِنْ صَنِيعِ الْكُفَّارِ وَعَادَتِهِمْ، وَقَدْ ذَمَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] . وَقَالَ ﵇: «إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ذَلَلْتُمْ وَظَهَرَ عَلَيْكُمْ عَدُوُّكُمْ» «وَرَأَى النَّبِيُّ ﵇ شَيْئًا مِنْ آلَاتِ الزِّرَاعَةِ فِي بَيْتٍ فَقَالَ مَا دَخَلَ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إلَّا ذَلُّوا» وَلِهَذَا كَانَ أَصْلُ الْخَرَاجِ عَلَى الْكَافِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ الْإِسْلَامَ وَاشْتَغَلَ بِعِمَارَةِ الدُّنْيَا فَوُضِعَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجُ لِضَرْبٍ مِنْ الْمَذَلَّةِ كَمَا وُضِعَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى رُءُوسِهِمْ لِذَلِكَ، وَالْخَرَاجُ فِي الْأَرَاضِيِ أَصْلٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ عَنْهُ إلَى الْعُشْرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَأَوْجَبَ الصَّرْفَ إلَى مَصَارِفِ الزَّكَاةِ لِيَتَّصِلَ بِهِ نَوْعُ عِبَادَةٍ تَكْرِمَةً لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلِهَذَا لَا يُبْتَدَأُ الْخَرَاجُ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ صَغَارٍ، وَمَذَلَّةٍ وَجَازَ الْبَقَاءُ بِاعْتِبَارِ الْمُؤْنَةِ. وَلَا يُقَالُ بِأَنَّ وُجُودَ الْخَارِجِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الزِّرَاعَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ الْعُشْرُ؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْعُشْرِ اكْتِسَابُ الْمَالِ فَقَطْ كَاكْتِسَابِ مَالٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ عِمَارَةَ الدُّنْيَا وَالِاشْتِغَالَ بِهَا فِي حَقِّ الْكُفَّارِ أَصْلٌ، وَفِي حَقَّ الْمُسْلِمِ عَارِضٌ فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَارِضُ فِي جَعْلِ الْعُشْرِ عُقُوبَةً.؛ وَلِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالزِّرَاعَةِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْ الدِّينِ وَالْجِهَادِ سَبَبٌ لِلْمَذَلَّةِ لَا نَفْسَ الزِّرَاعَةِ قَالَ ﵇: «اُطْلُبُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ» .، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِعْرَاضُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَكَانَتْ اكْتِسَابًا؛ وَلِأَنَّ مَعْنَى الزِّرَاعَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْعُشْرِ حَتَّى وَجَبَ الْعُشْرُ إنْ خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزْرَعَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْتَمِعَا عِنْدَنَا أَيْ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَرْضُ النَّامِيَةُ لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وُجُوبًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُؤْنَةٌ، وَفِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَفِي الْخَرَاجِ مَعْنَى الْمَذَلَّةِ وَالْعُقُوبَةِ وَبِسَبَبٍ وَاحِدٍ لَا يَجِبُ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ. وَقَوْلُهُمْ: مَحَلُّ كُلِّ وَاحِدٍ مُخْتَلِفٌ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ قَدْ يَكُونُ مُتَّحِدًا أَيْضًا إذْ الْخَرَاجُ قَدْ يَكُونُ مُقَاسَمَةً، وَقَدْ رَوَى الْإِمْلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ» . وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ الْعَدْلِ وَالْجَوْرِ لَمْ يَشْتَغِلُوا بِذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ احْتِيَالِهِمْ لِأَخْذِ الْمَالِ. [سَبَبُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ] قَوْلُهُ (وَسَبَبُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الصَّلَاةُ) اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ فَقِيلَ سَبَبُهُ الْحَدَثُ لَا الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇: لَا وُضُوءَ إلَّا عَنْ حَدَثٍ. وَحَرْفُ عَنْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ يَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ ﵇: «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» .؛ وَلِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَدَثِ وَتَكَرُّرُ الصَّلَاةِ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَتَى قَامَ إلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ طَاهِرٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَعَلِمْنَا أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْحَدَثُ.، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْوُضُوءِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ سَبَبًا لَهُ؛ لِأَنَّا إنَّمَا جَعَلْنَاهُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ لَا لِحُصُولِهِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ وُجُوبِهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الصَّلَاةُ أَعْنِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ أَوْ إرَادَةَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا أَيْ الطَّهَارَةَ تُضَافُ

стр. 672

وَتَقُومُ بِهَا، وَهُوَ شَرْطُهَا فَتَعَلَّقَ بِهَا حَتَّى لَمْ يَجِبْ قَصْدًا لَكِنْ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ وَالْحَدَثِ شَرْطُهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُجْعَلَ الْحَدَثُ سَبَبًا أَلَا يُرَى أَنَّهُ إزَالَةٌ لَهُ وَتَبْدِيلٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لَهُ، وَأَمَّا أَسْبَابُ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ فَمَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ قَتْلٍ وَزِنًا وَسَرِقَةٍ. وَ سَبَبُ الْكَفَّارَاتِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ دَائِرٍ بَيْنَ حَظْرٍ، وَإِبَاحَةٍ مِثْلُ الْفِطْرِ، وَقَتْلِ الْخَاطِئِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ ــ [كشف الأسرار] إلَى الصَّلَاةِ شَرْعًا وَعُرْفًا يُقَالُ طَهَارَةُ الصَّلَاةِ وَتَطَهَّرْ لِلصَّلَاةِ وَالْإِضَافَةُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ فِي الْأَصْلِ. وَتَقُومُ بِهَا أَيْ تَثْبُتُ الطَّهَارَةُ بِالصَّلَاةِ حَتَّى وَجَبَتْ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَسَقَطَتْ بِسُقُوطِهَا، وَهَذَا التَّعَلُّقُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ أَيْضًا، وَهِيَ أَيْ الطَّهَارَةُ شَرْطُ الصَّلَاةِ، وَمَا يَكُونُ شَرْطًا لِلشَّيْءِ كَانَ وُجُوبُهُ بِوُجُوبِ الْأَصْلِ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَطَهَارَةِ الثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ وُجُوبَهَا مُتَعَلِّقٌ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَكَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ ثُبُوتُهَا بِثُبُوتِ النِّكَاحِ.، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ تَبَعٌ لِلْمَشْرُوطِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَوْ تَعَلَّقَ بِسَبَبٍ آخَرَ كَانَ تَبَعًا لَهُ فَلَا يَبْقَى تَبَعًا لِلْمَشْرُوطِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَدَثِ بَلْ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الْحَدَثَ شَرْطُ وُجُوبِهِ كَالِاسْتِطَاعَةِ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ تَحْصِيلُ صِفَةِ الطَّهَارَةِ لِحِلِّ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ حَاصِلَةً لَا يُؤَثِّرُ السَّبَبُ فِي إيجَابِهِ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَطَهَارَةِ الثَّوْبِ إذَا كَانَتْ حَاصِلَةً لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا، وَإِنْ وُجِدَ السَّبَبُ فَكَذَا هَاهُنَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ لَيْسَ بِسَبَبٍ أَنَّ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ مَشْرُوعٌ حَتَّى كَانَ نُورًا عَلَى نُورٍ وَبَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَدَثِ لَا يَجِبُ بِدُونِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْجُنُبَ إذَا حَاضَتْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ مَا لَمْ تَطْهُرْ. حَتَّى لَمْ تَجِبْ قَصْدًا لَكِنَّهَا عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى قِيلَ إنَّ مَنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُصَلِّ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ خَاصَمَهُ ذَلِكَ الْوُضُوءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ. أَلَا يُرَى أَنَّهُ أَيْ الْحَدَثَ إزَالَةٌ لَهُ أَيْ لِلْوُضُوءِ وَتَبْدِيلٌ لِصِفَةِ الطَّهَارَةِ بِصِفَةِ النَّجَاسَةِ، وَمَا يَكُونُ رَافِعًا لِلشَّيْءِ، وَمُزِيلًا لَهُ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لَهُ. وَلَا يَتَخَالَجْنَ فِي وَهْمِكَ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطُ الصَّلَاةِ بِالِاتِّفَاقِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ إضَافَتِهَا إلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا شَرْطًا لَهَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَهَا، وَكَوْنَهَا مُضَافَةً إلَى الصَّلَاةِ وَحُكْمًا لَهَا يَقْتَضِي تَأَخُّرَهَا فَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فَيُضَافُ إلَى الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهَا شَرْطُ صِحَّةِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا وُجُوبِ الصَّلَاةِ فَكَوْنُهَا شَرْطًا لِلْأَدَاءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إضَافَةِ وُجُوبِهَا إلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ لِتَغَايُرِهِمَا. وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ وُجُوبُهَا مُضَافًا إلَى الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّوَضُّؤُ قَبْلَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَقْدِيمِ الْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وُجُوبُ الصَّلَاةِ، وَإِرَادَتُهَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ لَا لِشَرْعِيَّتِهَا وَوُجُوبُهَا لَا يَثْبُتُ قَبْلَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَوَضَّأَ قَبْلُ وَدَامَ وَصْفُ الطَّهَارَةِ إلَى حَالِ الْأَدَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ لِحُصُولِ الشَّرْطِ كَمَا إذَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ أَوْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاسْتَدَامَ إلَى حَالِ الْأَدَاءِ إذْ الشَّرْطُ يُرَاعَى وُجُودُهُ لَا وُجُودُهُ قَصْدًا. [سَبَبُ الْكَفَّارَاتِ] قَوْلُهُ (وَسَبَبُ الْكَفَّارَاتِ) أَيْ سَبَبُ وُجُوبِهَا مَا أُضِيفَتْ الْكَفَّارَاتُ إلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ دَائِرٍ أَيْ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ حَظْرٍ، وَإِبَاحَةٍ. مِثْلُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ بِصِفَةِ الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُلَاقِي فِعْلَ نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ مُبَاحٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْعِبَادَةِ مَحْظُورٌ، كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ يُعْرَفُ فِي بَابِ مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ. وَقَتْلُ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ بَلْ قَصْدُ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ مُبَاحٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُقَصِّرٌ مَحْظُورٌ، وَقَتْلُ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اصْطِيَادٌ، وَمَحْظُورٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ. وَكَذَا الِارْتِفَاقُ بِاللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَالْأَهْلِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَلَالٌ فِي ذَوَاتِهَا إلَّا أَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ تَحْقِيقُ مَعْنَى السَّفَرِ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَتَمَتَّعُ بِأَهْلِهِ، وَمَالِهِ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ بِمَا لَهُ فَاَللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ التَّمَتُّعَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي هَذَا السَّفَرِ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى السَّفَرِ فَكَانَتْ حَرَامًا لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا فَدَارَتْ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فَصَلُحَتْ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ

стр. 673

وَالْيَمِينِ وَنَحْوِهَا، وَقَتْلِ الْعَمْدِ وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ وَيُفَسَّرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ . ــ [كشف الأسرار] الْكَفَّارَاتِ عَلَى الصَّبِيِّ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ دَائِرَةً بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَالْعِبَادَاتُ شُرِعَتْ ابْتِلَاءً، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِابْتِلَاءِ، وَالْعُقُوبَاتُ شُرِعَتْ جَزَاءَ فِعْلٍ مَحْظُورٍ، وَفِعْلُهُ لَا يُوصَفُ بِالْحَظْرِ فَلَا يَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀. وَالْيَمِينُ. الْيَمِينُ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ بِلَا خِلَافٍ لِإِضَافَةِ الْكَفَّارَةِ إلَيْهَا شَرْعًا وَعُرْفًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . وَيُقَالُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ إلَّا أَنَّهَا سَبَبٌ بِصِفَةِ كَوْنِهَا مَعْقُودَةً عِنْدَنَا وَشَرْطُ وُجُوبِهَا فَوَاتُ الْبِرِّ، وَمُوجِبُهَا الْأَصْلِيُّ وُجُوبُ الْبِرِّ وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ خَلَفًا عَنْهُ عِنْدَ فَوَاتِهِ لِيَصِيرَ بِاعْتِبَارِهَا كَأَنَّهُ تَمَّ عَلَى بِرِّهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هِيَ سَبَبٌ بِصِفَةِ كَوْنِهَا مَقْصُودَةً وَيَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِهَا أَصْلًا لَا خَلَفًا عَنْ الْبِرِّ، وَشَرْطُهَا فَوْتُ الصِّدْقِ مِنْ الْخَبَرِ الَّذِي عُقِدَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْغَمُوسِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ. هُوَ يَقُولُ الْكَفَّارَةُ مُؤَاخَذَةٌ شُرِعَتْ سَتْرًا لِلذَّنْبِ، وَمَحْوًا لِلْإِثْمِ فَيَتَعَلَّقُ بِارْتِكَابِ مَحْظُورٍ، وَهُوَ هَتْكُ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ ﷻ كَالتَّوْبَةِ تَجِبُ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ مَحْوًا لَهُ ثُمَّ الْهَتْكُ لَا يَحْصُلُ إلَّا عَنْ قَصْدٍ فَأَخْرَجَ الشَّرْعُ اللَّغْوَ عَنْ السَّبَبِيَّةِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَبَقِيَتْ الْغَمُوسُ وَالْمُنْعَقِدَةُ سَبَبَيْنِ لِلْكَفَّارَةِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْقَصْدِ، وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] .، وَقُلْنَا نَحْنُ لَمَّا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى صِفَةِ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ لِكَوْنِهَا عِبَادَةً فِي ذَاتِهَا، وَكَوْنِهَا أَجْزِيَةً اسْتَدْعَتْ سَبَبًا دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ كَمَا قُلْنَا، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ إلَّا فِي الْمُنْعَقِدَةِ فَيَكُونُ الْيَمِينُ بِصِفَةِ كَوْنِهَا مَعْقُودَةً سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ ثُمَّ إنَّ الْحَالِفَ لَمَّا أَكَّدَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى حَرُمَ عَلَيْهِ هَتْكُ حُرْمَتِهِ، وَالِاحْتِرَازُ عَنْ الْهَتْكِ لَا يُحَصِّلُ إلَّا الْبِرَّ فَوَجَبَ الْبِرُّ بِالْيَمِينِ احْتِرَازًا عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ كَمَا وَجَبَ الْكَفُّ عَنْ الزِّنَا فِرَارًا عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ فَإِذَا فَاتَ الْبِرُّ وَحَصَلَ الْهَتْكُ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ خَلَفًا عَنْ الْبِرِّ لِيَصِيرَ كَأَنْ لَمْ يَفُتْ بِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ وَدَفْعِ الْهَتْكِ فَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْخِلَافَةِ فِيهَا. فَإِنْ قِيلَ الْخَلَفُ يَجِبُ بِالسَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الْأَصْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا لِيَثْبُتَ الْخَلَفُ بِهِ أَوَّلًا ثُمَّ يُقَامُ مَقَامَ الْأَصْلِ، وَهَاهُنَا الْيَمِينُ قَدْ انْحَلَّتْ بِالْحِنْثِ وَصَارَتْ مَعْدُومَةً فَكَيْفَ يُجْعَلُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ. قُلْنَا هَذَا يَلْزَمُك أَيْضًا فَإِنَّك تَجْعَلُهَا مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْحِنْثِ لَا قَبْلَهُ فَكَيْفَ تَقُولُ بِالْوُجُوبِ حَالَةَ الِانْحِلَالِ. ثُمَّ تَقُولُ إنَّهَا قَدْ انْحَلَّتْ فِي حَقِّ الْبِرِّ لِفَوَاتِهِ وَصَارَتْ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ الْآنَ فَهِيَ مُنْحَلَّةٌ مَعْدُومَةٌ فِي حَقِّ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ الْبِرُّ، وَهِيَ قَائِمَةٌ لِتَصِيرَ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِذَلِكَ السَّبَبِ بِعَيْنِهِ لَكِنَّهُ بَطَلَ فِي حَقِّ الْبِرِّ وَانْقَلَبَ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ إلَّا أَنَّ مِنْ شَرْطِ انْعِقَادِهِ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ أَنْ يَكُونَ مُنْعَقِدًا لِوُجُوبِ الْبِرِّ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ خَلَفٌ عَنْهُ فَيَصِيرُ الْبِرُّ بَعْدَ فَوَاتِهِ مُبْقًى بِالْكَفَّارَةِ، وَبَاقِي الْكَلَامِ مَذْكُورٌ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ. قَوْلُهُ (وَنَحْوُهَا) مِثْلُ الظِّهَارِ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَانَ طَلَاقًا مُبَاحٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ مَحْظُورٌ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ الظِّهَارَ مَعَ الْعَوْدِ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ فَإِنَّ الظِّهَارَ مَحْظُورٌ وَالْعَوْدَ مُبَاحٌ فَإِذَا اجْتَمَعَا صَارَ السَّبَبُ دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] . الْآيَةَ أَضَافَ إلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ بِكَلِمَةِ ثُمَّ، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ الْمُظَاهِرَ عَزَمَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى شَيْءٍ لَا يَرْجِعُ مِنْ سَاعَتِهِ فَأَدْخَلَ كَلِمَةَ التَّأْخِيرِ بِنَاءً عَلَى

стр. 674

وَ سَبَبُ الْمُعَامَلَاتِ تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمَقْدُورِ بِتَعَاطِيهَا، وَالْبَقَاءُ مُعَلَّقٌ بِالنَّسْلِ، وَالْكِفَايَةُ وَطَرِيقُهَا أَسْبَابٌ شَرْعِيَّةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْمِلْكِ وَالِاخْتِصَاصِ. ــ [كشف الأسرار] الْعَادَةِ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَيْ بَيَانُ كَوْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَائِرَةً بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ أَوْ بَيَانُ أَنَّ الْعَمْدَ وَالْغَمُوسَ، وَأَشْبَاهَهُمَا لَا يَصْلُحُ سَبَبًا. نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ أَيْ فِي الْمَبْسُوطِ إنْ كَانَ تَصْنِيفُهُ بَعْدَ تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ أَوْ فِي هَذَا الْكِتَابِ بَعْدَ بَابِ الْقِيَاسِ. [سَبَبُ الْمُعَامَلَاتِ] قَوْلُهُ (وَسَبَبُ الْمُعَامَلَاتِ) أَيْ سَبَبُ شَرْعِيَّتِهَا تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمَقْدُورِ أَيْ الْمَحْكُومِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. بِتَعَاطِيهَا أَيْ بِمُبَاشَرَتِهَا مِنْ قَوْلِك فُلَانٌ يَتَعَاطَى كَذَا أَيْ يَخُوضَ فِيهِ وَيَتَنَاوَلَهُ. فَإِنْ قِيلَ لَمَّا كَانَ الْبَقَاءُ مُتَعَلِّقًا بِهَا كَانَتْ هِيَ سَبَبًا لِلْبَقَاءِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْبَقَاءُ سَبَبًا لَهَا؟ . قُلْنَا: وُجُودُهَا سَبَبٌ لِلْبَقَاءِ، وَلَكِنَّ تَعَلُّقَ الْبَقَاءِ وَافْتِقَارَهُ إلَيْهَا سَبَبٌ لِشَرْعِيَّتِهَا، وَهُوَ أَمْرٌ سَابِقٌ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا فَيَصْلُحُ سَبَبًا. وَبَيَانُهُ مَا ذَكَرَ الْمَشَايِخُ الثَّلَاثَةُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَالشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ ﵃ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ، وَقَدَّرَ بَقَاءَهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَهَذَا الْبَقَاءُ إنَّمَا يَكُونُ بِبَقَاءِ الْجِنْسِ وَبَقَاءِ النَّفْسِ، فَبَقَاءُ الْجِنْسِ بِالتَّنَاسُلِ، وَذَلِكَ بِإِتْيَانِ الذُّكُورِ الْإِنَاثَ فِي مَوَاضِعِ الْحَرْثِ فَشُرِعَ لَهُ طَرِيقٌ يَتَأَدَّى بِهِ مَا قَدَّرَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ فَسَادٌ، وَلَا ضَيَاعٌ، وَهُوَ طَرِيقُ الِازْدِوَاجِ بِلَا شَرِكَةٍ؛ لِأَنَّ فِي التَّغَلُّبِ فَسَادًا، وَفِي الشَّرِكَةِ ضَيَاعًا فَإِنَّ الْأَبَ مَتَى اشْتَبَهَ يَتَعَذَّرُ إيجَابُ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْأُمِّ قُوَّةُ كَسْبِ الْكِفَايَاتِ فِي أَصْلِ الْجِبِلَّةِ. وَكَذَا لَا طَرِيقَ لِبَقَاءِ النَّفْسِ إلَى أَجَلِهِ غَيْرَ إصَابَةِ الْمَالِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كُلُّ نَفْسٍ لِكِفَايَتِهَا لَا يَكُونُ حَاصِلًا فِي يَدِهَا، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْصِيلِهِ بِالْمَالِ فَشُرِعَ سَبَبُ اكْتِسَابِ الْمَالِ وَسَبَبُ اكْتِسَابِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَهُوَ التِّجَارَةُ عَنْ تَرَاضٍ لِمَا فِي التَّغَالُبِ مِنْ الْفَسَادِ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَتَابَعَهُ فِيهَا عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَشَايِخِ. فَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَالُوا سَبَبُ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عِبَادِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَسْدَى إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا مِنْ أَنْوَاعِ النِّعَمِ مَا يَقْصُرُ الْعُقُولُ عَنْ الْوُقُوفِ عَلَى كُنْهِهَا فَضْلًا عَنْ الْقِيَامِ بِشُكْرِهَا، وَأَوْجَبَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْنَا بِإِزَائِهَا، وَرَضِيَ بِهَا شُكْرًا لِسَوَابِغِ نِعَمِهِ بِفَضْلِهِ وَكَرْمِهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ الْخُرُوجُ عَنْ شُكْرِ نِعَمِهِ، وَإِنْ قَلَّتْ مُدَّةُ عُمْرِهِ وَإِنْ طَالَتْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ بِلَا شَكٍّ عَقْلًا أَوْ نَصًّا عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] .، وَقَالَ ﵇: «مَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ فَلْيَشْكُرْهَا» . فِي نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ وَرَدَتْ فِيهِ وَكُلُّ عِبَادَةٍ صَالِحَةٌ لِكَوْنِهَا شُكْرًا لِنِعْمَةٍ مِنْ النِّعَمِ. وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى كَوْنِ الْعِبَادَةِ شُكْرًا، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ صَلَّى حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك، وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» . أَخْبَرَ أَنَّهُ يُصَلِّي لِلَّهِ تَعَالَى شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ. ثُمَّ نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، مِنْهَا إيجَادُهُ مِنْ الْعَدَمِ وَتَكْرِيمُهُ بِالْعَقْلِ وَالْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ. وَمِنْهَا الْأَعْضَاءُ السَّلِيمَةُ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُ بِهَا مِنْ التَّقَلُّبِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ حَالَةٍ إلَى مَا يُخَالِفُهَا مِنْ نَحْوِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالِانْحِنَاءِ. وَمِنْهَا مَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مَنَافِعِ الْأَطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِصُنُوفِ الْمَأْكُولَاتِ. وَمِنْهَا صُنُوفُ الْأَمْوَالِ الَّتِي بِهَا يُتَوَصَّلُ إلَى تَحْصِيلِ مَنَافِعِ النَّفْسِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ عَنْهَا فَعَلَى حَسْبِ اخْتِلَافِهَا وَجَبَتْ الْعِبَادَاتُ. فَالْإِيمَانُ وَجَبَ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْوُجُودِ، وَقُوَّةِ النُّطْقِ، وَكَمَالِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَنْفَسُ الْمَوَاهِبِ الَّتِي اخْتَصَّ الْإِنْسَانُ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ النِّعَمِ فَالْوُجُوبُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ بِالْعَقْلِ يُعْرَفُ أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ فَكَانَ النِّعَمُ مُعَرِّفًا لَهُ وُجُوبَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ بِوَاسِطَةِ آلَةِ الْمَعْرِفَةِ، وَهِيَ الْعَقْلُ، وَهَذَا

стр. 675

(بَابُ بَيَانِ أَقْسَامِ) (السُّنَّةِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ اعْلَمْ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﵇ جَامِعَةٌ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَسَائِرِ الْأَقْسَامِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَكَانَتْ السُّنَّةُ فَرْعًا لِلْكِتَابِ فِي بَيَانِ تِلْكَ الْأَقْسَامِ بِأَحْكَامِهَا فَلَا نُعِيدُهَا، وَإِنَّمَا هَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ وُجُوهِ الِاتِّصَالِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا فِيمَا يُفَارِقُ الْكِتَابَ وَتَخْتَصُّ السُّنَنُ بِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ فِي كَيْفِيَّةِ الِاتِّصَالِ بِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇، وَقِسْمٌ فِي الِانْقِطَاعِ، وَقِسْمٌ فِي بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ الَّذِي جُعِلَ حُجَّةً فِيهِ ــ [كشف الأسرار] مَعْنَى قَوْلِ النَّاسِ الْعَقْلُ مُوجِبٌ أَيْ دَلِيلٌ، وَمُعَرِّفٌ لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالنَّظَرِ فِي سَبَبِهِ، وَهُوَ النِّعَمُ بِالْعَقْلِ. وَوَجَبَتْ الصَّلَاةُ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْأَعْضَاءِ السَّلِيمَةِ فَيُعْرَفُ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ قَدْرَ الرَّاحَةِ الَّتِي يَنَالُهَا بِالتَّقَلُّبِ عَلَى حَسْبِ إرَادَتِهِ إذْ النِّعْمَةُ مَجْهُولَةٌ فَإِذَا فُقِدَتْ عُرِفَتْ. وَوَجَبَ الصَّوْمُ شُكْرًا لِنِعْمَةِ اقْتِضَاءِ الشَّهَوَاتِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا مُدَّةً فَيَعْرِفُ بِمَا يُقَاسِي مِنْ مَرَارَةِ الْجُوعِ وَشِدَّةِ الظَّمَأِ فِي الْهَوَاجِرِ قَدْرَ مَا يَتَنَاوَلُ مِنْ صُنُوفِ الْأَطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ وَالْأَشْرِبَةِ الْبَارِدَةِ. وَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ فَيَعْرِفُ بِمَا يَجِدُ طَبِيعَتَهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي زَوَالِ الْمَحْبُوبِ إلَى مَنْ لَا يَتَحَمَّلُ لَهُ مِنْهُ، وَلَا تَكْثُرُ لَهُ عَدَدًا، وَلَا يَطْمَعُ مِنْهُ مُكَافَأَةً قَدْرَ مَا حَوَّلَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ وَأُوتِيَ مِنْ النَّشْطَةِ فِي فَنُونِهَا. وَوَجَبَ الْحَجُّ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ أَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَضَافَ الْبَيْتَ إلَى نَفْسِهِ كَرَامَةً لَهُ، وَإِظْهَارًا لِشَرَفِهِ صَارَ أَمَانُ الْخَلْقِ لِحُرْمَتِهِ فَوَجَبَ زِيَارَتُهُ أَدَاءً لِشُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَتَحْصِيلًا لِلْأَمَانِ مِنْ النِّيرَانِ وَلِيَعْرِفَ بِمُقَاسَاةِ شَدَائِدِ السَّفَرِ قَدْرَ التَّقَلُّبِ فِي النِّعَمِ فِي حَالَةِ الْإِقَامَةِ بَيْنَ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَسْبَابَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ النِّعَمُ. وَإِلَى هَذَا الطَّرِيقِ مَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمِيزَانِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذْ قَدْ فَرَغْنَا عَنْ شَرْحِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْكِتَابِ بِتَوْفِيقِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ، كَاشِفِينَ لِلْحُجُبِ عَنْ حَقَائِقِ مَعَانِيهِ، رَافِعِينَ لِلْأَسْتَارِ عَنْ دَقَائِقِ مَبَانِيهِ، فَلْنَنْتَقِلْ إلَى تَحْقِيقِ الْقِسْمِ الثَّانِي وَتَقْرِيرِهِ، مُسْتَمِدِّينَ لِلتَّوْفِيقِ مِنْ اللَّهِ عَلَى تَهْدِيَتِهِ وَتَنْقِيرِهِ، شَاكِرِينَ لَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَأَفْضَالِهِ، وَمُصَلِّينَ عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ مُحَمَّدٌ وَآلِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا. [بَابُ بَيَانِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ] إنَّمَا اخْتَارَ لَفْظَ السُّنَّةِ دُونَ لَفْظِ الْخَبَرِ كَمَا ذَكَرَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ السُّنَّةِ شَامِلٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، وَفِعْلِهِ ﵇، وَمُنْطَلِقٌ عَلَى طَرِيقَةِ الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَالشَّيْخُ قَدْ أَلْحَقَ بِآخِرِ هَذَا الْقِسْمِ بَيَانَ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَاخْتَارَ لَفْظَةً تَشْمَلُ الْكُلَّ. ثُمَّ السُّنَّةُ وَالْمُرَادُ بِهَا قَوْلُ الرَّسُولِ هَاهُنَا تُشَارِكُ الْكِتَابَ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْخَاصِّ إلَى الْمُقْتَضَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇ حُجَّةٌ مِثْلُ الْكِتَابِ، وَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَجْمِعٌ لِوُجُوهِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ فَيَجْرِي فِيهِ هَذِهِ الْأَقْسَامُ أَيْضًا وَيَكُونُ بَيَانُهَا فِي الْكِتَابِ بَيَانًا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا فَرْعُ الْكِتَابِ فِي كَوْنِهَا حُجَّةً. وَتُفَارِقُهُ فِي طُرُقِ الِاتِّصَالِ إلَيْنَا فَإِنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ لَهُ إلَّا طَرِيقٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّوَاتُرُ وَلِلسُّنَّةِ طُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهَا فَهَذَا الْبَابُ، وَهُوَ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ إلَى بَابِ الْمُعَارَضَةِ لِبَيَانِ تِلْكَ الطُّرُقِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا.، وَقَوْلُهُ وَيَخْتَصُّ السُّنَنُ بِهِ تَأْكِيدٌ، وَلَا يُقَالُ التَّوَاتُرُ لَا يَخْتَصُّ بِالسُّنَنِ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ فَكَيْفَ يَصِحُّ إيرَادُهُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ اخْتِلَافُ الطُّرُقِ مُخْتَصٌّ بِالسُّنَنِ وَالتَّوَاتُرُ دَاخِلٌ فِي الطُّرُقِ فَيَصِحُّ إيرَادُهُ.، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْقِسْمُ كَلَامًا فِي أَخْبَارٍ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ حَقِيقَةِ الْخَبَرِ، وَأَقْسَامِهِ. فَنَقُولُ: الْخَبَرُ يُطْلَقُ عَلَى قَوْلٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الْأَقْوَالِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِشَارَاتِ الْحَالِيَّةِ وَالدَّلَالَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ كَمَا يُقَالُ أَخْبَرَتْنِي عَيْنَاك. وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ: وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ... تُخْبِرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ وَلَكِنَّهُ

стр. 676

وَقِسْمٌ فِي بَيَانِ نَفْسِ الْخَبَرِ فَأَمَّا الِاتِّصَالُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَعَلَى مَرَاتِبَ اتِّصَالٌ كَامِلٌ بِلَا شُبْهَةٍ وَاتِّصَالٌ فِيهِ ضَرْبُ شُبْهَةٍ صُورَةً، وَاتِّصَالٌ فِيهِ شُبْهَةٌ صُورَةً، وَمَعْنًى أَمَّا الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى فَهُوَ الْمُتَوَاتِرُ. وَهَذَا (بَابُ الْمُتَوَاتِرِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ الَّذِي اتَّصَلَ بِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتِّصَالًا بِلَا شُبْهَةٍ حَتَّى صَارَ كَالْمُعَايَنِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ ــ [كشف الأسرار] حَقِيقَةٌ فِي الْأَوَّلِ لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ إلَيْهِ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الْخَبَرِ دُونَ الثَّانِي، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِهِ فَقِيلَ إنَّهُ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّ التَّصَوُّرِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَحْسُنُ فِيهِ الْخَبَرُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَحْسُنُ فِيهِ الْأَمْرُ، وَلَوْلَا أَنَّ هَذِهِ الْحَقَائِقَ مُتَصَوَّرَةٌ ضَرُورَةً لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يَحْسُنُ فِيهِ الْأَمْرُ، وَمَا يَحْسُنُ فِيهِ الْخَبَرُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمَا أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَقِيلَ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَقِيلَ يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَقِيلَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذِهِ الْحُدُودِ بِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرَ رَسُولِهِ لَا يَدْخُلُهُمَا الْكَذِبُ، وَلَا التَّكْذِيبُ، وَلَا يَحْتَمِلَانِ الْكَذِبَ أَيْضًا فَلَا تَكُونُ جَامِعَةً؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْحَدِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْجُبَّائِيُّ، وَمَنْ تَابَعَهُ عَرَّفَ الصِّدْقَ بِأَنَّهُ الْخَبَرُ الْمُوَافِقُ لِمُخْبِرِهِ وَالْكَذِبُ نَقِيضُهُ فَكَانَ تَعْرِيفُهُ الْخَبَرَ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ دَوْرًا. وَقِيلَ هُوَ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ إضَافَةَ مَذْكُورٍ إلَى مَذْكُورٍ بِالنَّفْيِ أَوْ بِالْإِثْبَاتِ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِدُخُولِ نَحْوِ قَوْلِك الْغُلَامُ الَّذِي لِزَيْدٍ أَوْ لَيْسَ لِزَيْدٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ عِنْدَ صَاحِبِ هَذَا الْحَدِّ، وَهُوَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إذْ الْكَلِمَةُ عِنْدَهُ كَلَامٌ. وَمُخْتَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْخَبَرَ هُوَ مَا تَرَكَّبَ مِنْ أَمْرَيْنِ حُكِمَ فِيهِ بِنِسْبَةِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ نِسْبَةً خَارِجِيَّةً يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا قَالَ أَمْرَيْنِ دُونَ كَلِمَتَيْنِ أَوْ لَفْظَيْنِ لِيَشْمَلَ الْخَبَرَ النَّفْسَانِيَّ.، وَقَالَ حَكَمَ فِيهِ بِنِسْبَةٍ لِيُخْرِجَ مَا تَرَكَّبَ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ. وَقَالَ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا لِيُخْرِجَ الْمُرَكَّبَاتِ التَّقْيِيدِيَّةَ، وَقَيَّدَ النِّسْبَةَ بِالْخَارِجِيَّةِ لِيُخْرِجَ الْأَمْرَ وَنَحْوَهُ إذْ الْمُرَادُ بِالْخَارِجِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لِتِلْكَ النِّسْبَةِ أَمْرٌ خَارِجِيٌّ بِحَيْثُ يُحْكَمُ بِصِدْقِهَا إنْ طَابَقَتْهُ وَبِكَذِبِهَا إنْ خَالَفَتْهُ، وَلَيْسَ لِلْأَمْرِ وَنَحْوِهِ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّهُ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً خَبَرٌ يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِيَقِينٍ مِثْلُ خَبَرِ الرَّسُولِ وَالْخَبَرُ الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَخَبَرٌ يُعْلَمُ كَذِبُهُ بِيَقِينٍ مَا بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَوْ نَظَرِهِ أَوْ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ كَمَنْ أَخْبَرَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ أَوْ أَخْبَرَ بِمَا يُحِسُّ بِخِلَافِهِ أَوْ أَخْبَرَ بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ الْقَاطِعَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَخَبَرٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ مَا تَرَجَّحَ جَانِبُ صِدْقِهِ كَخَبَرِ الْعَدْلِ، وَمَا تَرَجَّحَ جَانِبُ كَذِبِهِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ، وَمَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ كَخَبَرِ الْمَجْهُولِ. [بَابُ الْمُتَوَاتِرِ] فَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ، وَهُوَ خَبَرُ جَمَاعَةٍ مُفِيدٌ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ، وَقَيَّدَ بِنَفْسِهِ لِيُخْرِجَ الْخَبَرَ الَّذِي عُرِفَ صِدْقُ الْقَائِلِينَ فِيهِ بِالْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ وَافَقَ دَلِيلَ الْعَقْلِ أَوْ دَلَّ قَوْلُ الصَّادِقِ عَلَى صِدْقِهِمْ. وَالتَّوَاتُرُ لُغَةً تَتَابُعُ أُمُورٍ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوِتْرِ يُقَالُ تَوَاتَرَتْ الْكُتُبُ أَيْ جَاءَتْ بَعْضُهَا فِي إثْرِ بَعْضٍ وِتْرًا وِتْرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْقَطِعَ، وَمِنْهُ جَاءُوا تَتْرَى أَيْ مُتَتَابِعِينَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ.، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الشَّيْخُ الْمُتَوَاتِرَ بِقَوْلِهِ اتَّصَلَ بِك مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ السُّنَّةِ إذْ هُوَ فِي بَيَانِ أَقْسَامِهَا فَأَمَّا تَعْرِيفُ نَفْسِ الْمُتَوَاتِرِ بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا الْقَيْدِ كَالْخَبَرِ عَنْ الْبُلْدَانِ الْقَاصِيَةِ وَالْمُلُوكِ الْمَاضِيَةِ. ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ تَكَثُّرَ الْمُخْبِرِينَ كَثْرَةً تَمْنَعُ صُدُورَ الْكَذِبِ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ وَعَلَى سَبِيلِ الْمُوَاضَعَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ أَيْ تَوَافُقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَأَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا أَخْبَرُوا عِلْمًا يَسْتَنِدُ إلَى الْحِسِّ لَا إلَى غَيْرِهِ كَدَلِيلِ الْعَقْلِ مَثَلًا فَإِنَّ أَهْلَ بَغْدَادَ لَوْ أَخْبَرُوا عَنْ حَدَثِ الْعَالَمِ لَا يَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ. وَأَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُونَ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ مُسْتَوِينَ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ أَعْنِي فِي الْكَثْرَةِ وَالِاسْتِنَادِ، وَإِلَيْهِ أُشِيرُ بِقَوْلِهِ وَيَدُومُ هَذَا الْحَدُّ وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ عَدَدٍ يَحْصُلُ مَعَهُ الْعِلْمُ فَقِيلَ هُوَ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ

стр. 677

وَذَلِكَ أَنْ يَرْوِيَهُ قَوْمٌ لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ، وَلَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِكَثْرَتِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ وَتَبَايُنِ أَمَاكِنِهِمْ وَيَدُومُ هَذَا الْحَدُّ فَيَكُونُ آخِرُهُ كَأَوَّلِهِ، وَأَوْسَطُهُ كَطَرَفَيْهِ وَذَلِكَ مِثْلُ نَقْلِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ ــ [كشف الأسرار] مَا دُونَهَا كَأَرْبَعَةٍ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَجُوزُ لِلْقَاضِي عَرْضُهَا عَلَى الْمُزَكِّينَ لِيَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ حَاصِلًا بِقَوْلِ الْأَرْبَعَةِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَقِيلَ اثْنَا عَشَرَ بِعَدَدِ نُقَبَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ فَإِنَّهُمْ خُصُّوا بِذَلِكَ الْعَدَدِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِمْ. وَقِيلَ أَرْبَعُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] .، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ فَلَوْ لَمْ يُفْدِ قَوْلُهُمْ الْعِلْمَ لَمْ يَكُونُوا حَسَبًا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مَنْ يَتَوَاتَرُ بِهِ أَمْرُهُ. وَقِيلَ سَبْعُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ لِمَا مَرَّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ تَحَكُّمَاتٌ فَاسِدَةٌ، وَأَنَّ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ لَيْسَ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ؛ لِأَنَّهَا مَعَ تَعَارُضِهَا وَعَدَمِ مُنَاسَبَتِهَا الْمَطْلُوبَ مُضْطَرِبَةٌ إذْ مَا مِنْ عَدَدٍ يُفْرَضُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِهِ لِقَوْمٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِهِ لِآخَرِينَ وَلِلْأَوَّلِينَ فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْعَدَدُ هُوَ الضَّابِطُ لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَمَا اخْتَلَفَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي عَدَدٍ مَخْصُوصٍ. وَضَابِطُهُ مَا حَصَلَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ فَبِحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الَّذِي هُوَ كَامِلٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ تَوَافَقُوا عَلَى الْأَخْبَارِ لَا أَنَّا نَسْتَدِلُّ بِكَمَالِ الْعَدَدِ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِعَدَدٍ أَنَّا نَقْطَعُ بِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ أَصْلًا بَلْ لَوْ كَلَّفْنَا أَنْفُسَنَا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ الْعَدَدِ الْحَالَةَ الَّتِي يَكْمُلُ فِيهَا لَمْ نَجِدْ إلَيْهَا فِي الْعَادَةِ سَبِيلًا؛ لِأَنَّهَا تَحْصُلُ بِتَزَايُدِ الظُّنُونِ عَلَى تَدْرِيجٍ خَفِيٍّ كَمَا يَحْصُلُ كَمَالُ الْعَقْلِ بِالتَّدْرِيجِ، وَكَمَا يَحْصُلُ الشِّبَعُ بِالْأَكْلِ، وَالرَّيُّ بِالْمَاءِ وَالسُّكْرُ بِالْخَمْرِ بِالتَّدْرِيجِ وَالْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ قَاصِرَةٌ عَنْ الْوُقُوفِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَفْظُ الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَى شُرُوطٍ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ بِقَوْلِهِ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ، وَقَوْلُهُ وَيَدُومُ هَذَا الْحَدُّ يُشِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى شَرْطٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ أَيْ صَيْرُورَتُهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْمُوعِ أَنْ يَرْوِيَهُ قَوْمٌ لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ يُشِيرُ إلَى اشْتِرَاطِ خُرُوجِ عَدَدِ الْمُخْبِرِينَ عَنْ الْإِحْصَاءِ وَالْحَصْرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَوْمٌ؛ لِأَنَّهُمْ مَتَى كَانُوا مُحْصِينَ كَانَ لِإِمْكَانِ التَّوَاطُؤِ مَدْخَلٌ فِي خَبَرِهِمْ عَادَةً فَشُرِطَ خُرُوجُهُمْ عَنْ الْإِحْصَاءِ وَالْحَصْرِ دَفْعًا لِذَلِكَ الْإِمْكَانِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنَّ الْحَجِيجَ أَوْ أَهْلَ الْجَامِعِ لَوْ أَخْبَرُوا عَنْ وَاقِعَةٍ صَدَّتْهُمْ عَنْ الْحَجِّ أَوْ عَنْ الصَّلَاةِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مَحْصُورِينَ. وَقَوْلُهُ: وَعَدَالَتِهِمْ يُشِيرُ إلَى اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ كَمَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَدَالَةَ ضَابِطَا الصِّدْقِ وَالتَّحْقِيقِ، وَالْكُفْرَ وَالْفِسْقَ مَظِنَّتَا الْكَذِبِ وَالْمُجَازَفَةِ فَشُرِطَ عَدَمُهُمَا. وَعِنْدَ الْعَامَّةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْقَطْعِ، وَقَوْلُهُ وَتَبَايُنِ أَمَاكِنِهِمْ أَيْ تَبَاعُدِهَا يُشِيرُ إلَى اشْتِرَاطِ اخْتِلَافِ بُلْدَانِهِمْ أَوْ أَوْطَانِهِمْ وَمَحَلَّاتِهِمْ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي دَفْعِ إمْكَانِ التَّوَاطُؤِ. وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ أَيْضًا لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ مُتَوَطِّنِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْكَثْرَةِ إلَى كَمَالِ الْعَدَدِ كَمَا بَيَّنَّا يَدْفَعُ هَذَا الْإِمْكَانَ. وَكَأَنَّ الشَّيْخَ إنَّمَا أَشَارَ إلَى هَذِهِ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّهَا أَقْطَعُ لِلِاحْتِمَالِ، وَأَظْهَرُ فِي الْإِلْزَامِ عَلَى الْخُصُومِ، لَا لِأَنَّهَا شَرْطٌ حَقِيقَةً بِحَيْثُ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ عَلَيْهَا بَلْ الشَّرْطُ فِيهِ حَقِيقَةُ مَا ذَكَرْنَاهُ بَدْءًا. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَجَابَ عَنْ أَخْبَارِ الْمَجُوسِ، وَأَخْبَارِ الْيَهُودِ بِأَنَّ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ لَمْ يُوجَدْ، وَلَمْ يُجِبْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا كَفَرَةً فَلَا يَكُونُ تَوَاتُرُهُمْ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ حَتَّى صَارَ كَالْمُعَايَنِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ أَيْ حَتَّى صَارَ هَذَا الْخَبَرُ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا عَايَنْتَ الرَّسُولَ ﵇ وَسَمِعْتَهُ مِنْهُ بِحَاسَّةِ سَمْعِكَ، وَلَيْسَ لَفْظُ الْمُعَايَنِ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ

стр. 678

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهَذَا الْقِسْمُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ بِمَنْزِلَةِ الْعِيَانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ الْعِلْمَ، بِطَرِيقِ الْخَبَرِ أَصْلًا، وَهَذَا رَجُلٌ سَفِيهٌ لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ، وَلَا دِينَهُ، وَلَا دُنْيَاهُ وَلَا أُمَّهُ، وَلَا أَبَاهُ مِثْلُ مَنْ أَنْكَرَ الْعِيَانَ، وَقَالَ قَوْمٌ إنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ لَا يَقِينٍ ــ [كشف الأسرار] وَالْمَذْكُورُ فِي التَّقْوِيمِ، وَمَتَى ارْتَفَعَتْ الشُّبْهَةُ ضَاهَى الْمُتَّصِلَ مِنْهُ بِكَ بِحَاسَّةِ سَمْعِك.، وَلَوْ قِيلَ كَالْمُعَايَنِ وَالْمَسْمُوعِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَ الْمُعَايَنِ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ الْكَلَامِ مَعَ مُعَايَنَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالنَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ أَقْرَبُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ السَّمَاعِ بِدُونِ مُعَايَنَتِهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَصِفَ الْمُتَكَلِّمَ بِالْمُعَايَنِ دُونَ الْكَلَامِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ حَرَكَةَ الشَّفَةِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْبَصَرِ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ فَيَصِحُّ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَصْفُ الْكَلَامِ بِكَوْنِهِ مُعَايَنًا كَمَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مَسْمُوعًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلَ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، وَأَعْدَادِ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ. قَوْلُهُ (وَهَذَا الْقِسْمُ) وَلَمَّا بَيَّنَ تَفْسِيرَ الْمُتَوَاتِرِ وَشُرُوطَهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهِ فَقَالَ، وَهَذَا الْقِسْمُ أَيْ الْمُتَوَاتِرُ مِنْ الْأَخْبَارِ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ بِمَنْزِلَةِ الْعِيَانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ وَذَهَبَتْ السُّمَنِيَّةُ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ. وَالْبَرَاهِمَةُ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ مُنْكِرِي الرِّسَالَةِ بِأَرْضِ الْهِنْدِ إلَى أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا، وَلَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِهِ بِوَجْهٍ لَا عِلْمَ يَقِينٍ، وَلَا عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ بَلْ يُوجِبُ ظَنًّا. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ لَا عِلْمَ يَقِينٍ وَيُرِيدُونَ بِهِ أَنَّ جَانِبَ الصِّدْقِ يَتَرَجَّحُ فِيهِ بِحَيْثُ تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ الْقُلُوبُ مِثْلَ مَا يَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ تَوَهُّمُ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الطُّمَأْنِينَةَ أَقْرَبُ إلَى الْيَقِينِ مِنْ الظَّنِّ وَلِهَذَا كَانَ مُتَمَسَّكُ الْفَرِيقَيْنِ وَاحِدًا، ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يُوجِبُ الْيَقِينَ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ عَامَّتُهُمْ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا. وَذَهَبَ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَعْبِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ عِلْمًا اسْتِدْلَالِيًّا وَسَنُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ. قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ مَنْ أَنْكَرَ حُصُولَ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ أَصْلًا رَجُلٌ سَفِيهٌ، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَغِلُ بِمَا لَيْسَ لَهُ عَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ وَيَلْحَقُهُ ضَرَرُ ذَلِكَ. لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ لَا تَثْبُتُ لَهُ إلَّا بِالْخَبَرِ فَإِذَا أَنْكَرَ كَوْنَ الْخَبَرِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَعْرِفَةُ نَفْسِهِ. وَلَا يُقَالُ لَعَلَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً مِنْ الْمَاءِ حَصَلَتْ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْوَلَدِ فَإِنَّهُ لَمَّا عَايَنَهُ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ الْمَاءِ اعْتَبَرَ وُجُودَ نَفْسِهِ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الْخَبَرِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَآلُ ذَلِكَ إلَى الْخَبَرِ أَيْضًا فَإِنَّ كَوْنَهُ مَخْلُوقًا مِنْ الْمَاءِ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وَلَا مَعْقُولٍ إذْ الْفِعْلُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْخَبَرِ، وَلَا دِينِهِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ الْخَبَرُ وَالسَّمَاعُ أَيْضًا خُصُوصًا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْأَحْكَامِ، وَلَا دُنْيَاهُ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ تَحْصُلُ بِالْخَبَرِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا هُوَ مُهْلِكٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ نَافِعٌ وَالْعَقْلُ لَا يُطِقْ التَّجْرِبَةَ لِاحْتِمَالِ الْهَلَاكِ، وَكَذَا مَعْرِفَةُ الْأَبِ وَالْأُمِّ تَحْصُلُ بِالْخَبَرِ؛ لِأَنَّ التَّرْبِيَةَ وَالْقِيَامَ بِأُمُورِهِ يَحْصُلُ مِنْ الْمُلْتَقِطَةِ وَالظِّئْرِ كَمَا يَحْصُلُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ كُلُّ أَحَدٍ يَجِدُ نَفْسَهُ سَاكِنَةً بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَتَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا قَطْعًا بِالْخَبَرِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ لَهُ بِالْعِيَانِ وَالْمُشَاهَدَةِ فَكَانَ مُنْكِرُهُ كَالْمُنْكِرِ لِلْمُشَاهَدَاتِ مِنْ السُّوفِسْطَائِيَّة فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُكَالَمَةَ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: لَا يَكُونُ الْكَلَامُ مَعَ هَذَا الْمُنْكِرِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ، وَمَا ثَبَتَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعِلْمِ دُونَ مَا يَثْبُتُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا وَالِاسْتِدْلَالُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مَعَهُ مِنْ حَيْثُ التَّقْرِيرُ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ بِمَا لَا يَشُكُّ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ فِي أَنَّهُ مُكَابَرَةٌ وَجَحْدٌ لِمَا يُعْلَمُ اضْطِرَارًا بِمَنْزِلَةِ اللَّازِمِ مَعَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِلْأَشْيَاءِ الْمَحْسُوسَةِ. فَنَقُولُ إذَا رَجَعَ الْمَرْءُ إلَى نَفْسِهِ عَلِمَ أَنَّهُ مَوْلُودٌ اضْطِرَارًا بِالْخَبَرِ كَمَا عَلِمَ أَنَّ وَلَدَهُ مَوْلُودٌ بِالْمُعَايَنَةِ. وَعَلِمَ أَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا مِنْ جِنْسِهِ بِالْخَبَرِ كَمَا عَلِمَ أَنَّ أَوْلَادَهُ مِنْ جِنْسِهِ بِالْعِيَانِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا ثُمَّ شَابَ

стр. 679

وَمَعْنَى الطُّمَأْنِينَةِ عِنْدَهُمْ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَالَجَهُ شَكٌّ أَوْ يَعْتَرِيَهُ وَهْمٌ قَالُوا إنَّ الْمُتَوَاتَرَ صَارَ جَمْعًا بِالْآحَادِ، وَخَبَرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُحْتَمَلٌ، وَالِاجْتِمَاعُ يَحْتَمِلُ التَّوَاطُؤَ وَذَلِكَ كَإِخْبَارِ الْمَجُوسِ قِصَّةَ زَرَادُشْتَ اللَّعِينِ، وَإِخْبَارِ الْيَهُودِ صَلْبَ عِيسَى ﵇، وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الزَّيْغِ بَعْدَ الْهُدَى. بَلْ الْمُتَوَاتِرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ ضَرُورَةً بِمَنْزِلَةِ الْعِيَانِ بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ بِالْأُذُنِ وَضْعًا وَتَحْقِيقًا أَمَّا الْوَضْعُ فَإِنَّا نَجِدُ الْمَعْرِفَةَ بِآبَائِنَا بِالْخَبَرِ مِثْلَ الْمَعْرِفَةِ بِأَوْلَادِنَا عِيَانًا وَنَجِدُ الْمَعْرِفَةَ بِأَنَّا مَوْلُودُونَ نَشَأْنَا عَنْ صِغَرٍ مِثْلَ مَعْرِفَتِنَا بِهِ فِي أَوْلَادِنَا وَتَجِدُ الْمَعْرِفَةَ بِجِهَةِ الْكَعْبَةِ خَبَرًا مِثْلَ مَعْرِفَتِنَا بِجِهَةِ مَنَازِلِنَا سَوَاءٌ، وَأَمَّا التَّحْقِيقُ فَلِأَنَّ الْخَلْقَ خُلِقُوا عَلَى هِمَمٍ مُتَفَاوِتَةٍ وَطَبَائِعَ مُتَبَايِنَةٍ لَا تَكَادُ تَقَعُ أُمُورُهُمْ إلَّا مُخْتَلِفَةً فَلَمَّا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ كَانَ ذَلِكَ لِدَاعٍ إلَيْهِ، وَهُوَ سَمَاعٌ أَوْ اخْتِرَاعٌ وَبَطَلَ الِاخْتِرَاعُ؛ لِأَنَّ تَبَايُنَ الْأَمَاكِنِ وَخُرُوجَهُمْ عَنْ الْإِحْصَاءِ مَعَ الْعَدَالَةِ يَقْطَعُ الِاخْتِرَاعَ فَتَعَيَّنَ الْوَجْهُ الْآخَرُ ــ [كشف الأسرار] بِالْخَبَرِ كَمَا عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ وَلَدِهِ بِالْعِيَانِ. وَعَلِمَ أَنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ كَانَتَا قَبْلَهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِالْخَبَرِ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لِلْحَالِ بِالْعِيَانِ فَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَهُوَ مُكَابِرٌ جَاحِدٌ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَنْكَرَ الْعِيَانَ قَوْله (وَمَعْنَى الطُّمَأْنِينَةِ عِنْدَهُمْ مَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَخَالَجَهُ) أَيْ يَقَعَ فِيهِ شَكٌّ، أَوْ يَعْتَرِيَهُ أَيْ يَغْشَاهُ وَيَدْخُلَهُ وَهْمٌ أَيْ غَلَطٌ مِنْ وَهَمَ يَهِمُ إذَا غَلِطَ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّا نُوَافِقُهُمْ فِي أَنَّهُ يُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ أَيْضًا، وَلَكِنَّا نَعْنِي بِالطُّمَأْنِينَةِ الْيَقِينَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْيَقِينِ أَيْضًا لِاطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ إلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . أَرَادَ بِهِ كَمَالَ الْيَقِينِ فَقَالَ مَعْنَاهَا عِنْدَهُمْ كَذَا لِيَتَحَقَّقَ الْخِلَافُ قَالُوا؛ لِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ صَارَ جَمْعًا بِالْآحَادِ وَخَبَرُ كُلِّ وَاحِدٍ مُحْتَمِلٌ لِلْكَذِبِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ بِانْضِمَامِ الْمُحْتَمَلِ إلَى الْمُحْتَمَلِ لَا يَزْدَادُ إلَّا الِاحْتِمَالُ إذْ لَوْ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ. وَلَمْ يَجُزْ الْكَذِبُ عَلَيْهِمْ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ لَانْقَلَبَ الْجَائِزُ مُمْتَنِعًا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَثَبَتَ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ مُحْتَمَلٌ لِلتَّوَاطُؤِ عَلَى الْكَذِبِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ لَا يَثْبُتُ عِلْمُ الْيَقِينِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُخْبِرِ غَيْرَ مَعْصُومٍ عَنْ الْكَذِبِ مَوْجُودٌ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ، وَإِذَا جَازَ الْكَذِبُ عَلَيْهِمْ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ انْتَفَى الْيَقِينُ عَنْ خَبَرِهِمْ عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْآرَاءِ، وَقَصْدَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ وَوُقُوعُ الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَصَوُّرِهِ لَا مَحَالَةَ ثُمَّ إذَا انْتَفَى الْيَقِينُ عَنْهُ فَأَمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِهِ ظَنٌّ كَمَا قَالَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ أَوْ طُمَأْنِينَةٌ كَمَا قَالَ الْفَرِيقُ الثَّانِي وَذَلِكَ أَيْ الِاجْتِمَاعُ عَلَى التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكَذِبِ مِثْلُ إخْبَارِ الْمَجُوسِ عَنْ زَرَادُشْتَ اللَّعِينِ فَإِنَّهُ خَرَجَ فِي زَمَنِ مَلِكٍ يُسَمَّى كشتاسب بِبَلْخٍ وَادَّعَى الرِّسَالَةَ مِنْ أَصْلَيْنِ قَدِيمَيْنِ وَآمَنَ بِهِ الْمَلِكُ، وَأَطْبَقَتْ الْمَجُوسُ عَلَى نَقْلِ مُعْجِزَاتِهِ، وَقَدْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنَّا عَدَدًا ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ كَذِبًا بِيَقِينٍ إذْ لَوْ كَانَ صِدْقًا لَزِمَ مِنْهُ صِحَّةُ دَعْوَاهُ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ بِيَقِينٍ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ اتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِ عِيسَى ﵇ وَصَلْبِهِ وَالنَّصَارَى وَافَقُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَنَقَلُوا ذَلِكَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، وَعَدَدُهُمْ لَا يَخْفَى كَثْرَةً وَوُفُورًا ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ فَثَبَتَ أَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ لَا يَنْقَطِعُ بِالتَّوَاتُرِ، وَمَعَ بَقَائِهِ لَا يَثْبُتُ عِلْمُ الْيَقِينِ، وَلَكِنْ يَثْبُتُ بِهِ طُمَأْنِينَةٌ لِلْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْلَمُ حَيَاةَ رَجُلٍ ثُمَّ يَمُرُّ بِدَارِهِ فَيَسْمَعُ النَّوْحَ وَيَرَى آثَارَ التَّهَيُّؤِ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ فَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَيَتَبَدَّلُ بِهَذَا الْحَادِثِ عِلْمُهُ بِحَيَاتِهِ بِعِلْمِهِ بِمَوْتِهِ عَلَى وَجْهِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حِيلَةٌ مِنْهُمْ وَتَلْبِيسٌ لِغَرَضٍ كَانَ لِأَهْلِهِ فِي ذَلِكَ فَهَذَا مِثْلُهُ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَهَذَا أَيْ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ لَا يَقِينٍ قَوْلٌ بَاطِلٌ يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ فَإِنَّ وُجُودَ الْأَنْبِيَاءِ، وَمُعْجِزَاتِهِمْ لَا يَثْبُتُ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا إلَّا بِالنَّقْلِ فَإِذَا لَمْ يُوجِبْ الْمُتَوَاتِرُ يَقِينًا لَا يَثْبُتُ الْعِلْمُ لِأَحَدٍ فِي زَمَانِنَا بِنُبُوَّتِهِمْ وَحَقِّيَّتِهِمْ حَقِيقَةً، وَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ، وَضْعًا أَيْ يُوجِبُ بِوَضْعِهِ وَذَاتِهِ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى اسْتِدْلَالٍ، وَتَحْقِيقًا أَيْ يَدُلُّ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْيَقِينَ لَوْ رَجَعَتْ إلَى الِاسْتِدْلَالِ. وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ وَنَوْعٌ مِنْ الْمَعْقُولِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَقَعَ اتِّفَاقًا أَوْ لِلتَّدَيُّنِ أَوْ لِلْمُوَاضَعَةِ مِنْهُمْ عَلَيْهِ أَوْ لِدَاعٍ دَعَاهُمْ إلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ صُدُورَ الْكَذِبِ اتِّفَاقًا مِنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ الْإِحْصَاءِ لَا يُتَصَوَّرُ عَادَةً كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى مَأْكَلٍ وَاحِدٍ، وَمَشْرَبٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ اتِّفَاقًا. وَكَذَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ مِثْلِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْكَذِبِ تَدَيُّنًا

стр. 680

وَالطُّمَأْنِينَةُ عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْمُخَالِفُ إنَّمَا يَقَعُ بِغَفْلَةٍ مِنْ الْمُتَأَمِّلِ لَوْ تَأَمَّلَ حَقَّ تَأَمُّلِهِ لَوَضَحَ لَهُ فَسَادُ بَاطِنِهِ فَلَمَّا اطْمَأَنَّ بِظَاهِرِهِ كَانَ أَمْرًا مُحْتَمَلًا فَأَمَّا أَمْرٌ يُؤَكِّدُ بَاطِنُهُ ظَاهِرَهُ، وَلَا يَزِيدُ التَّأَمُّلُ إلَّا تَحْقِيقًا فَلَا كَالدَّاخِلِ عَلَى قَوْمٍ جَلَسُوا لِلْمَأْتَمِ يَقَعُ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ عَنْ غَفْلَةٍ عَنْ التَّأَمُّلِ، وَلَوْ تَأَمَّلَ حَقَّ تَأَمُّلِهِ لَوَضَحَ لَهُ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ فَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْمُتَوَاتِرِ قَلَّمَا يَجِبُ عَنْ دَلِيلٍ أَوْجَبَ عِلْمًا بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ بِهِ لِمَعْنًى فِي الدَّلِيلِ لَا لِغَفْلَةٍ مِنْ الْمُتَأَمِّلِ، وَصَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا قَوْمًا عُدُولًا أَئِمَّةً لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ، وَلَا يَتَّفِقُ أَمَاكِنُهُمْ طَالَتْ صُحْبَتُهُمْ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ بَعْدَمَا تَفَرَّقُوا شَرْقًا وَغَرْبًا، وَهَذَا يَقْطَعُ الِاخْتِرَاعَ، وَلَمَا تُصُوِّرَ الْخَفَاءُ مَعَ بُعْدِ الزَّمَانِ وَلِهَذَا صَارَ الْقُرْآنُ مُعْجِزَةً؛ لِأَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وَاشْتَغَلُوا بِبَذْلِ الْأَرْوَاحِ فَكَانَ خَبَرُهُمْ فِي نِهَايَةِ الْبَيَانِ قَاطِعًا احْتِمَالَ الْوَضْعِ يَقِينًا بِلَا شُبْهَةٍ إذْ لَوْ كَانَ شُبْهَةُ وَضْعٍ لَمَا خَفِيَ مَعَ كَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ وَاخْتِلَاطِ أَهْلِ النِّفَاقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] ذَلِكَ مِثْلُ سَلَامَةِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْمُعَارَضَةِ وَعَجْزِ الْبَشَرِ عَنْ ذَلِكَ إذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا خَفِيَ مَعَ كَثْرَةِ الْمُتَعَنِّتِينَ، وَهَذَا مِثْلُهُ. ــ [كشف الأسرار] مَعَ كَوْنِ الْعَقْلِ صَارِفًا عَنْهُ وَدَاعِيًا إلَى الصِّدْقِ، وَعَدَمَ دَعْوَةِ الطَّبْعِ وَالْهَوَى إلَيْهِ لِعَدَمِ اللَّذَّةِ وَالرَّاحَةِ فِي نَفْسِ الْكَذِبِ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ عَادَةً. وَكَذَا الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهُمْ وَتَفَرُّقَ أَمَاكِنِهِمْ وَاخْتِلَافَ هِمَمِهِمْ يَمْنَعُ عَنْ الْمُوَاضَعَةِ عَادَةً.، وَكَذَا الرَّابِعُ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إمَّا الرَّغْبَةُ أَوْ الرَّهْبَةُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَرْءَ يُقَدَّمُ عَلَى الْكَذِبِ لِرَغْبَتِهِ إلَى الْجَاهِ وَالْمَالِ، وَأَنْوَاعِ النَّفْعِ أَوْ لِخَوْفِ الْإِضْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَالِهِ، وَأَهْلِهِ بِالِامْتِنَاعِ عَنْهُ مِمَّنْ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، وَهَذَا الدَّاعِي مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ شُمُولُهُ فِي الْجَمَاعَةِ الْعَظِيمَةِ لِاسْتِغْنَاءِ الْبَعْضِ عَلَى حِشْمَةِ الْأَمْرِ وَجَاهِهِ، وَمَالِهِ بِالْكَذِبِ لِكَمَالِ جَاهِهِ، وَكَثْرَةِ أَمْوَالِهِ، وَكَذَا احْتِمَالُ خَوْفِ الضَّرَرِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الْبَعْضِ لِكَمَالِ قُوَّتِهِ بِنَفْسِهِ، وَأَتْبَاعِهِ نَحْوَ السَّلَاطِينِ وَالْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا تَعَيَّنَ كَوْنُهُ صِدْقًا إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْأَخْبَارِ فَكَانَ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فَتْحَ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُفْضِي إلَى تَطْوِيلِ الْكَلَامِ وَيَزْدَادُ ذَاكَ إشْكَالَاتٍ وَاعْتِرَاضَاتٍ لَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ إلَّا بِالْجَوَابِ الْقَاطِعِ عَنْهَا، وَلَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهَا إلَّا بَعْدَ تَدْقِيقَاتٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنْ الْبَيِّنِ لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ عِلْمَهُ بِوُجُودِ مَكَّةَ، وَمُحَمَّدٍ ﷺ أَظْهَرُ مِنْ عِلْمِهِ بِصِحَّةِ الِاسْتِدْلَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ الْخَفِيِّ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ، وَبِنَاءُ الْوَاضِحِ عَلَى الْخَفِيِّ غَيْرُ جَائِزٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ بِهِ ضَرُورِيٌّ وَالتَّشْكِيكُ وَالتَّرْدِيدُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ بَاطِلٌ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ كَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ. قَوْلُهُ (وَالطُّمَأْنِينَةُ عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْمُخَالِفُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ سَلَّمْنَا أَنَّ تَوَاطُؤَ مِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ خِلَافُ الْعَادَةِ، وَلِذَلِكَ أَثْبَتْنَا عِلْمَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَوَهُّمَ الِاتِّفَاقِ مُنْقَطِعٌ بِالْكُلِّيَّةِ فَلِبَقَاءِ هَذَا التَّوَهُّمِ لَمْ يَثْبُتْ عِلْمُ الْيَقِينِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَالِ مَنْ رَأَى آثَارَ الْمَوْتِ فِي دَارِ إنْسَانٍ، وَأَخْبَرَ بِمَوْتِهِ. فَقَالَ الطُّمَأْنِينَةُ أَيْ الِاطْمِئْنَانُ عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْمُخَالِفُ فَإِنَّهُ عِلْمٌ يَتَخَالَجُهُ شَكٌّ أَوْ يَعْتَرِيهِ وَهْمٌ. وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُخَالِفِ إنَّمَا يَقَعُ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الصُّوَرِ لِغَفْلَةٍ مِنْ الْمُتَأَمِّلِ حَيْثُ يُكْتَفَى بِالظَّاهِرِ، وَلَا يُتَأَمَّلُ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَلَوْ تَأَمَّلَ فِي الْأَمْرِ حَقَّ تَأَمُّلِهِ وَجَدَّ فِي طَلَبِ حَقِيقَتِهِ لَوَضَحَ لَهُ فَسَادُ بَاطِنِهِ فَأَمَّا أَمْرٌ يُؤَكِّدُ بَاطِنُهُ ظَاهِرَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ التَّأَمُّلُ إلَّا تَحْقِيقًا فَلَا أَيْ لَا يُوجِبُ طُمَأْنِينَةً عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ بَلْ يُوجِبُ يَقِينًا ثُمَّ بَيَّنَ نَظِيرَ مَا يُوجِبُ طُمَأْنِينَةً فَقَالَ كَالدَّاخِلِ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَوَضَحَ لَهُ فَسَادُ بَاطِنِهِ، جَلَسُوا لِلْمَأْتَمِ أَيْ لِلْمُصِيبَةِ وَالْمَأْتَمُ عِنْدَ الْعَرَبِ النِّسَاءُ يَجْتَمِعْنَ فِي فَرَحٍ أَوْ حُزْنٍ وَالْجَمْعُ الْمَآتِمُ وَعِنْدَ الْعَامَّةِ الْمُصِيبَةُ يَقُولُونَ كُنَّا فِي مَأْتَمِ فُلَانٍ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِي مَنَاحَةِ فُلَانٍ كَذَا فِي الصِّحَاحِ. يَقَعُ لَهُ الْعِلْمُ أَيْ عِلْمُ الطُّمَأْنِينَةِ. وَقَوْلُهُ فَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْمُتَوَاتِرِ نَظِيرُ قَوْلِهِ فَأَمَّا أَمْرٌ يُؤَكِّدُ بَاطِنُهُ ظَاهِرَهُ لِمَعْنًى فِي الدَّلِيلِ، وَهُوَ انْقِطَاعُ تَوَهُّمِ الْمُوَاطَأَةِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا كُلَّمَا زَادَ الْمَرْءُ تَأَمُّلًا ازْدَادَ يَقِينًا فَالتَّشْكِيكُ فِيهِ يَكُونُ دَلِيلُ نُقْصَانِ الْعَقْلِ بِمَنْزِلَةِ التَّشْكِيكِ فِي حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ الْمَحْسُوسَةِ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي فِي الدَّلِيلِ بِقَوْلِهِ وَصَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَانُوا كَذَا وَذَكَرَ أَوْصَافًا يُؤَثِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي قَطْعِ تَوَهُّمِ الْكَذِبِ مِنْ الْعَدَالَةِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَطُولِ صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﵇ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا أَيْ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا يَقْطَعُ الِاخْتِرَاعَ أَيْ الْإِنْشَاءَ وَالِابْتِدَاءَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ عَادَةً. وَقَوْلُهُ، وَلَمَا تُصُوِّرَ الْخَفَاءُ مَعَ بُعْدِ الزَّمَانِ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ إنْ صَحَّ ذَلِكَ أَيْ، وَلَوْ تُصُوِّرَ الِاخْتِرَاعُ مِنْهُمْ لَمَا تُصُوِّرَ خَفَاءُ اخْتِرَاعِهِمْ مَعَ بُعْدِ الزَّمَانِ. وَلَفْظُ بَعْضِ الْكُتُبِ، وَلَوْ كَانَ لَظَهَرَ لَنَا خُصُوصًا مَعَ بُعْدِ الزَّمَانِ، وَكَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ، وَهَذَا يَقْطَعُ الِاخْتِرَاعَ بِأَنْ يُقَالَ تَوَهُّمُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكَذِبِ

стр. 681

فَأَمَّا أَخْبَارُ زَرَادُشْتَ فَتَخْيِيلٌ كُلُّهُ فَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ أَدْخَلَ قَوَائِمَ الْفَرَسِ فِي بَطْنِ الْفَرَسِ فَإِنَّمَا رَوَوْا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي خَاصَّةِ الْمَلِكِ وَحَاشِيَتِهِ وَذَلِكَ آيَةُ الْوَضْعِ وَالِاخْتِرَاعِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْمَلِكَ لَمَّا رَأَى شَهَامَتَهُ تَابَعَهُ عَلَى التَّزْوِيرِ وَالِاخْتِرَاعِ فَكَانَ الْعِلْمُ بِهِ لِغَفْلَةِ الْمُتَأَمِّلِ دُونَ صِحَّةِ الدَّلِيلِ ــ [كشف الأسرار] غَيْرُ مُنْقَطِعٍ بِمَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تُصُوِّرَ مِنْهُمْ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الصِّدْقِ وَصُحْبَةُ الرَّسُولِ ﵇ مَعَ تَبَايُنِ أَمَاكِنِهِمْ، وَكَثْرَتِهِمْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ الِاخْتِرَاعُ أَيْضًا. فَقَالَ لَوْ تُصُوِّرَ الِاخْتِرَاعُ مِنْهُمْ لَمْ يُتَصَوَّرْ خَفَاؤُهُ وَعَدَمُ ظُهُورِهِ مَعَ بُعْدِ الزَّمَانِ، وَكَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ وَالْمُعَانِدِينَ فِيهِمْ لِدَعْوَةِ الطِّبَاعِ إلَى إفْشَاءِ الْأَسْرَارِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ عَنْ سِرِّهِ حَتَّى يُفْشِيَهُ إلَى غَيْرِهِ وَيَسْتَكْتِمَهُ ثُمَّ السَّامِعُ يُفْشِيَهُ إلَى غَيْرِهِ فَيَصِيرَ ظَاهِرًا عَنْ قَرِيبٍ فَلَوْ كَانَ هُنَا اخْتِرَاعٌ لَظَهَرَ ذَلِكَ خُصُوصًا عِنْدَ طُولِ الْمُدَّةِ، وَكَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ. وَلِهَذَا أَيْ؛ وَلِأَنَّ تَصَوُّرَ احْتِمَالِ الْخَفَاءِ مُنْقَطِعٌ. صَارَ الْقُرْآنُ مُعْجِزَةً أَيْ تَحَقَّقَ وَظَهَرَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا؛ لِأَنَّ إعْجَازَهُ تَوَقَّفَ عَلَى عَجْزِهِمْ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ عَجْزُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْهِ لَأَتَوْا بِهِ بَعْدَ تَحَدِّيهِمْ فِي مَحَافِلِهِمْ بِذَلِكَ، وَلَمَا اشْتَغَلُوا بِبَذْلِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَوْ أَتَوْا بِهِ لَمَا خَفِيَ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَتَبَاعُدِ الزَّمَانِ كَمَا لَمْ تَخْفَ خُرَافَاتُ مُسَيْلِمَةَ، وَهَذَيَانَاتُ الْمُتَنَبِّئِينَ قَاطِعًا احْتِمَالَ الْوَضْعِ أَيْ احْتِمَالَ الِاخْتِرَاعِ وَالتَّقَوُّلِ، وَذَلِكَ أَيْ انْقِطَاعُ احْتِمَالِ الِاخْتِرَاعِ. الْمُتَعَنِّتِينَ أَيْ الطَّالِبِينَ لِمَعَايِبِ الْإِسْلَامِ يُقَالُ جَاءَنِي فُلَانٌ مُتَعَنِّتًا إذَا جَاءَ يَطْلُبُ زَلَّتَكَ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا أَخْبَارُ زَرَادُشْتَ) جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِنَقْلِ الْمَجُوسِ قِصَّةَ زَرَادُشْتَ بِالتَّوَاتُرِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ مَا نَقَلَ الْمَجُوسُ عَنْهُ مِنْ أَفْعَالِهِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَادَةِ مِثْلُ عَدَمِ تَضَرُّرِهِ بِوَضْعِ طَسْتٍ مِنْ نَارٍ عَلَى صَدْرِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ فِعْلِ الْمُشَعْوِذِينَ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَعَدَمُ تَضَرُّرِهِ بِالنَّارِ مِنْ بَابِ خَوَاصِّ الْأَشْيَاءِ لَا مِنْ بَابِ الْإِعْجَازِ فَأَنَّا قَدْ رَأَيْنَا الْمُشَعْوِذِينَ يَلْعَبُونَ بِالنَّارِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِهِمْ، وَمِثْلُهُ فِي مَلَاعِبِهِمْ وَشَعْوَذَتِهِمْ كَثِيرٌ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّهُ أَدْخَلَ قَوَائِمَ الْفَرَسِ فِي بَطْنِ الْفَرَسِ فَبَقِيَ مُعَلَّقًا فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَرْطُ التَّوَاتُرِ، وَهُوَ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ؛ لِأَنَّهُمْ رَوَوْا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي خَاصَّةِ الْمَلِكِ وَحَاشِيَتِهِ أَيْ صِغَارِ قَوْمِهِ لَا فِي كِبَارِهِمْ وَلَا فِي الْأَسْوَاقِ، وَمَجَامِعِ النَّاسِ، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْمِ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ التَّوَاتُرُ، وَلَا حَقِيقَةُ دَعْوَاهُ، إلَّا أَنَّ أَيْ: لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَلِكَ، وَهُوَ كشتاسب لَمَّا رَأَى شَهَامَتَهُ أَيْ دَهَاءَهُ وَذَكَاءَهُ تَابَعَهُ عَلَى التَّزْوِيرِ وَالِاخْتِرَاعِ وَوَاطَأَهُ عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَجْعَلَهُ أَحَدَ أَرْكَانِ مَمْلَكَتِهِ لِيَدْعُوَ النَّاسَ إلَى تَعْظِيمِ الْمُلُوكِ وَتَحْسِينِ أَفْعَالِهِمْ، وَمُرَاعَاةِ حُقُوقِهِمْ فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَيَكُونُ الْمَلِكُ مِنْ وَرَائِهِ بِالسَّيْفِ يُجْبِرُ النَّاسَ عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذِهِ الْمُوَاطَأَةِ حَاجَتُهُ إلَيْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ قَدِيمٌ فِي الْمُلْكِ، وَكَانَ النَّاسُ لَا يُعَظِّمُونَهُ فَاحْتَالُوا بِهَذِهِ الْحِيلَةِ ثُمَّ نَقَلُوا عَنْهُ أُمُورًا لَا أَصْلَ لَهَا تَرْوِيجًا لِأَمْرِهِ وَتَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الْمِلْكِ. وَقَدْ سَمِعْتُ عَنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ أَنَّهُ كَانَ لِلْمَلِكِ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ، وَقَدْ شَغَفَ بِهَا الْمَلِكُ، وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لَكِنَّهُ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ انْقِلَابِ الرَّعِيَّةِ وَالْمُلْكِ وَاحْتِرَازًا عَنْ الْمَلَامَةِ فَتَفَرَّسَ زَرَادُشْتُ اللَّعِينُ مِنْهُ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَأَبَاحَ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ فَوَافَقَ ذَلِكَ رَأْيَ الْمَلِكِ فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِمُتَابَعَتِهِ فَفَشَا أَمْرُهُ بَيْنَ النَّاسِ وَنَقَلُوا عَنْهُ أُمُورًا كُلُّهَا كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهَا. وَالثَّانِي أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا تَسْلِيمَ جَدَلٍ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ أَفْعَالِهِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَادَةِ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ

стр. 682

وَكَذَلِكَ أَخْبَارُ الْيَهُودِ مَرْجِعُهَا إلَى الْآحَادِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَصْلُوبُ فَلَا يُتَأَمَّلُ عَادَةً مَعَ تَغَيُّرِ هَيْئَاتِهِ وَعَلَى أَنَّهُ أُلْقِيَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى ﵇ شَبَهُهُ كَمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى، ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] ــ [كشف الأسرار] عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ظُهُورَ خِلَافِ الْعَادَةِ لَا يَجُوزُ عَلَى يَدِ الْمُتَنَبِّي إذَا ادَّعَى شَيْئًا لَا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ أَدَّى إلَى اشْتِبَاهِ أَمْرِ النُّبُوَّةِ فَأَمَّا إذَا ادَّعَى مَا يَدُلُّ الْعَقْلُ عَلَى كَذِبِهِ وَبُطْلَانِهِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى يَدِهِ خِلَافُ الْعَادَةِ اسْتِدْرَاجًا كَمَا يَجُوزُ ظُهُورُهُ عَلَى يَدِ الْمُتَأَلِّهِ لِعَدَمِ تَأْدِيَتِهِ حِينَئِذٍ إلَى اشْتِبَاهِ الْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّ الْخَمْسَةَ ثُلُثُ الْعَشَرَةِ، وَظَهَرَ عَلَى يَدِهِ خِلَافُ عَادَةٍ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِظُهُورِ كَذِبِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ ثُمَّ إنَّ اللَّعِينَ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ أَصْلَيْنِ قَدِيمَيْنِ يزدان وآهرمن، وَهَذَا قَوْلٌ بَيِّنُ التَّنَاقُضِ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ عُرِفَ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ فَسَادُهُ وَبُطْلَانُهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ خِلَافُ الْعَادَةِ اسْتِدْرَاجًا لِظُهُورِ كَذِبِ دَعْوَاهُ كَمَا يَجُوزُ ظُهُورُهُ عَلَى يَدَيْ الدَّجَّالِ اللَّعِينِ كَمَا جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ قَوْلُهُ. (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ أَخْبَارِ الْمَجُوسِ أَخْبَارُ الْيَهُودِ مَرْجِعُهَا إلَى الْآحَادِ فَإِنَّ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَى عِيسَى ﵇ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ كَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ أَوْ سِتَّةً، وَاحْتِمَالُ التَّوَطُّؤِ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِمْ ثَابِتٌ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْمَسِيحَ بِحِلْيَتِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلُوا لِرَجُلٍ جُعَلًا فَدَلَّهُمْ عَلَى شَخْصٍ فِي بَيْتٍ فَهَجَمُوا عَلَيْهِ، وَقَتَلُوهُ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوا عِيسَى، وَأَشَاعُوا الْخَبَرَ وَبِمِثْلِهِ لَا يَحْصُلُ التَّوَاتُرُ. وَكَذَلِكَ أَخْبَارُ النَّصَارَى بِقَتْلِهِ لَمْ تَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ فَإِنَّ خَبَرَ قَتْلِهِ مِنْهُمْ مُسْنَدٌ إلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ يُوحَنَّا، وَمَتَى وَلُوقَا، وَمَرْعَشُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يُوحَنَّا وَيُوَفِّنَا، وَمَتَى، وَمَارْقِيشَ وَيَتَحَقَّقُ الْكَذِبُ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَصْلُوبُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الصَّلْبُ أَمْرٌ مُعَايَنٌ، وَقَدْ شَاهَدَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَقَالَ الْمَصْلُوبُ يُنْظَرُ مِنْ بَعِيدٍ، وَلَا يُتَأَمَّلُ فِيهِ عَادَةً؛ لِأَنَّ الطِّبَاعَ تَنْفِرُ عَنْ التَّأَمُّلِ فِيهِ مَعَ أَنَّ الْحِلْيَةَ وَالْهَيْئَةَ تَتَغَيَّرُ بِهِ أَيْضًا فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّوَاتُرَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي صَلْبِهِ كَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي قَتْلِهِ عَلَى أَنَّ الْعِيسَوِيَّةَ مِنْ النَّصَارَى، وَهُوَ فِرْقَةٌ كَثِيرَةٌ تُوَافِقُنَا أَنَّ عِيسَى ﵇ لَمْ يُقْتَلْ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ وَعَلَيْهِ نَصَارَى الْحَبَشَةِ، وَفِي الْيَهُودِ مَنْ يَقُولُ بِهِ أَيْضًا كَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ. وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أُلْقِيَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى ﵇ شَبَهُهُ جَوَابٌ آخَرُ لِلسُّؤَالِ الْمُقَدَّرِ يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ التَّوَاتُرَ فِي قَتْلِ رَجُلٍ ظَنُّوهُ عِيسَى وَصَلْبُهُ قَدْ وُجِدَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ عِيسَى، وَإِنَّمَا كَانَ مُشَبَّهًا بِهِ كَمَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] . وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ «أَنَّ عِيسَى ﵇ قَالَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يُرِيدُ مِنْكُمْ أَنْ يُلْقِيَ اللَّهُ شَبَهِي عَلَيْهِ فَيُقْتَلَ، وَلَهُ الْجَنَّةُ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى شَبَهَ عِيسَى ﵇ فَقُتِلَ الرَّجُلُ وَرُفِعَ عِيسَى ﵇ إلَى السَّمَاءِ» . ثُمَّ يَرِدُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ بِإِلْقَاءِ الشَّبَهِ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ الْحَقَائِقِ كَمَا قَالَهُ السُّوفِسْطَائِيَّة فَإِنَّهُ لَمَّا جَازَ إلْقَاءُ شَبَهِ عِيسَى عَلَى غَيْرِهِ جَازَ إلْقَاءُ شَبَهِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِهِ. وَيُؤَدِّي أَيْضًا إلَى أَنَّ مَا نُقِلَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ السَّامِعِينَ تَلَقَّوْهُ مِنْ رَجُلٍ ظَنُّوهُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَلْ أُلْقِيَ شَبَهُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ. وَيُؤَدِّي أَيْضًا إلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ لَا يَتَحَقَّقُ لِمَنْ يُعَايِنُهُمْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ شَبَهُهُمْ مُلْقًى عَلَى غَيْرِهِمْ كَيْفَ وَالْإِيمَانُ بِالْمَسِيحِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَمَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ الْمَسِيحُ كَانَ الْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبًا عَلَى زَعْمِكُمْ، وَفِي هَذَا قَوْلٌ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ

стр. 683

وَذَلِكَ جَائِزٌ اسْتِدْرَاجًا، وَمَكْرًا عَلَى قَوْمٍ مُتَعَنِّتِينَ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فَكَانَ مُحْتَمَلًا مَعَ أَنَّ الرُّوَاةَ أَهْلُ تَعَنُّتٍ وَعَدَاوَةٍ فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ بِالتَّوَاتُرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَصَارَ مُنْكِرُ الْمُتَوَاتِرِ، وَمُخَالِفُهُ كَافِرًا. ــ [كشف الأسرار] الْكُفْرَ بِالْحُجَّةِ، وَهِيَ الْمُعْجِزَةُ الَّتِي جَرَتْ عَلَى يَدِ عِيسَى ﵇ فَكَانَ بَاطِلًا. فَأَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ اسْتِدْرَاجًا يَعْنِي إلْقَاءُ الشَّبَهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْرَاجِ جَائِزٌ فِي حَقِّ قَوْمٍ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لِيَزْدَادُوا طُغْيَانًا، وَمَرَضًا إلَى مَرَضِهِمْ، وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّ قَوْمِ الرَّسُولِ لِيُؤْمِنُوا بِهِ حَتَّى لَوْ جَاءَهُ قَوْمٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيُؤْمِنُوا بِهِ رَفَعَ اللَّهُ الشَّبَهَ مِنْهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّلْبِيسِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ النُّبُوَّةَ بَيْنَ قَوْمٍ، وَفِي يَدِهِ حَجَرُ الْمِغْنَاطِيسِ، وَلَمْ يَعْرِفْ الْقَوْمُ الْحَجَرَ، وَقَالَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَايَ أَنْ يَجْذِبَ هَذَا الْحَجَرُ الْحَدِيدَ رَفَعَ اللَّهُ تِلْكَ الْخَاصِّيَّةَ عَنْ ذَلِكَ الْحَجَرِ لِئَلَّا يَصِيرَ تَلْبِيسًا. ثُمَّ فِيهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَهِيَ دَفْعُ شَرِّ الْأَعْدَاءِ عَنْ الْمَسِيحِ بِوَجْهٍ لَطِيفٍ وَلِلَّهِ تَعَالَى لَطَائِفُ فِي دَفْعِ الْمَكَارِهِ عَنْ الرُّسُلِ كَمَا دَفَعَ شَرَّ أَبِي لَهَبٍ عَنْ الرَّسُولِ ﵇ بِمَنْعِهِ عَنْ رُؤْيَةِ الرَّسُولِ، وَقَدْ كَانَ جَالِسًا مَعَ أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ قَالَ أَبُو لَهَبٍ أَيْنَ صَاحِبُك الَّذِي هَجَانِي أَرَادَ بِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . وَقَوْلُهُ فَكَانَ أَيْ خَبَرُهُمْ مُحْتَمِلًا لِلْكَذِبِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ مَرْجِعُهَا إلَى الْآحَادِ. مَعَ أَنَّ الرُّوَاةَ يَعْنِي السَّبْعَةَ الدَّاخِلِينَ عَلَى عِيسَى ﵇ فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُخَالِفُ مِنْ قِصَّةِ زَرَادُشْتَ، وَأَخْبَارِ الْيَهُودِ عَنْ قَتْلِ عِيسَى وَصَلْبِهِ بِالْمُتَوَاتِرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَخْيِيلٍ، وَلَا مِنْ خَاصَّةِ مِلْكٍ، وَلَيْسَ مَرْجِعُهُ إلَى الْآحَادِ أَيْضًا يَعْنِي لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ هَذِهِ الْوُجُوهِ تَمَكُّنُ الشُّبْهَةِ فِي الْمُتَوَاتِرِ؛ لِأَنَّ مَا نَشَأَ مِنْهُ فَسَادُهَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُتَوَاتِرِ أَصْلًا. أَوْ مَعْنَاهُ لَمَّا كَانَتْ قِصَّةُ زَرَادُشْتَ، وَأَخْبَارُ الْيَهُودِ مَبْنِيَّةً عَلَى التَّخْيِيلِ وَرَاجِعَةً إلَى الْآحَادِ كَانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلْكَذِبِ، وَقَدْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ قَاطِعَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ بِخِلَافِهَا مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧] . وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ بَطَلَتْ تِلْكَ الْأَخْبَارُ الْمُحْتَمَلَةُ أَيْ ظَهَرَ كَذِبُهَا وَبُطْلَانُهَا بِهَذِهِ النُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لِلِاحْتِمَالِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُحْتَمَلَ لَا يَبْقَى مُعْتَبَرًا إذَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَمَنْ أَخْبَرَ بِهَلَاكِ زَيْدٍ ثُمَّ رَآهُ بَعْدُ حَيًّا. وَأَمَّا اعْتِبَارُهُمْ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ فَسَيَأْتِي جَوَابُهُ. ثُمَّ مَنْ قَالَ الْمُتَوَاتِرُ يُوجِبُ عِلْمًا اسْتِدْلَالِيًّا تَمَسَّكَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ لَيْسَ إلَّا تَرْتِيبُ مُقَدِّمَاتٍ صَادِقَةٍ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ، وَأَنَّ الْمُخْبِرِينَ جَمَاعَةٌ لَا حَامِلَ لَهُمْ عَلَى التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكَذِبِ، وَأَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ كَذِبًا فَيَلْزَمُ مِنْهُ الصِّدْقُ لِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ كَمَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الشَّيْءَ أَعْظَمُ مِنْ جُزْئِهِ، وَأَنَّ الْمَوْجُودَ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا وَحَيْثُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُكْتَسَبٌ بِمَنْزِلَةِ مَا يَثْبُتُ مِنْ الْعِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ عِنْدَ مَعْرِفَةِ الْمُعْجِزَاتِ. وَجْهُ قَوْلِ الْعَامَّةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْتِدْلَالِيًّا لَاخْتَصَّ بِهِ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ، وَقَدْ رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِمْ فَإِنَّ وَاحِدًا فِي صِغَرِهِ يَعْلَمُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ بِالْخَبَرِ كَمَا يَعْلَمُهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الِاسْتِدْلَالَ أَصْلًا. وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْتِدْلَالِيًّا لَجَازَ الْخِلَافُ فِيهِ عَقْلًا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْعُلُومِ الِاسْتِدْلَالِيَّة كَذَلِكَ. قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ: الْعِلْمُ بِالْمُلُوكِ الْمَاضِيَةِ وَالْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ وَصُنْعٍ مِنْ جِهَةِ الْعَالِمِ بِهِ، وَهُوَ حَدُّ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، وَإِنَّمَا اشْتَغَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِالِاسْتِدْلَالِ لِلْإِلْزَامِ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الضَّرُورَةَ تَعَنُّتًا، وَمُكَابَرَةً، وَهُوَ يَعْتَقِدُ الْعِلْمَ الِاسْتِدْلَالِيَّ فَيَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ هَذَا مَعْلُومًا لَمَا خَالَفْنَاكُمْ قُلْنَا مَنْ يُخَالِفُ فِي هَذَا فَإِنَّمَا يُخَالِفُ بِلِسَانِهِ أَوْ لِخَبْطٍ فِي عَقْلِهِ أَوْ عِنَادٍ، وَلَوْ تَرَكْنَا مَا عَلِمْنَا ضَرُورَةً بِقَوْلِكُمْ لَلَزِمَكُمْ تَرْكُ الْمَحْسُوسَاتِ بِسَبَبِ

стр. 684

(بَابُ الْمَشْهُورِ) (مِنْ الْأَخْبَارِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ الْمَشْهُورُ مَا كَانَ مِنْ الْآحَادِ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ انْتَشَرَ فَصَارَ يَنْقُلُهُ قَوْمٌ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهُمْ الْقَرْنُ الثَّانِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَأُولَئِكَ قَوْمٌ ثِقَاتٌ أَئِمَّةٌ لَا يُتَّهَمُونَ فَصَارَ بِشَهَادَتِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَاتِرِ حُجَّةً مِنْ حُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى قَالَ الْجَصَّاصُ: إنَّهُ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمُتَوَاتِرِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: إنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْأَخْبَارِ يُضَلَّلُ جَاحِدُهُ، وَلَا يُكَفَّرُ مِثْلُ حَدِيثِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَحَدِيثِ الرَّجْمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ بِشَهَادَةِ السَّلَفِ صَارَ حُجَّةً لِلْعَمَلِ بِهِ كَالْمُتَوَاتِرِ فَصَحَّتْ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَسْخٌ عِنْدَنَا وَذَلِكَ ــ [كشف الأسرار] خِلَافِ السُّوفِسْطَائِيَّة. ، وَقَوْلُهُمْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ قُلْنَا لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْتِيبِهَا كَوْنُ الْقَضِيَّةِ الْحَاصِلَةِ مِنْهَا نَظَرِيَّةً؛ لِأَنَّ صُورَةَ التَّرْتِيبِ أَوْ التَّرْكِيبِ مُمْكِنَةٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ حَتَّى فِي أَظْهَرِ الضَّرُورِيَّاتِ كَقَوْلِنَا الشَّيْءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ بِأَنْ يُقَالَ الْكَوْنُ، وَهُوَ الْوُجُودُ وَاللَّا كَوْنُ، وَهُوَ الْعَدَمُ مُتَقَابِلَانِ وَالْمُتَقَابَلَانِ يَمْتَنِعُ إنْصَافُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِهِمَا فَالشَّيْءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إمْكَانَ صُورَةِ التَّرْتِيبِ لَا يَكْفِي فِي كَوْنِ الْعِلْمِ نَظَرِيًّا بَلْ يُحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى الْعِلْمِ بِارْتِبَاطِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ بِالْمَطْلُوبِ، وَأَنَّهَا الْوَاسِطَةُ الْمُفْضِيَةُ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْمَشْهُورِ] (بَابُ الْمَشْهُورِ مِنْ الْأَخْبَارِ هَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي) مِنْ أَقْسَامِ الِاتِّصَالِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ ضَرْبُ شُبْهَةٍ صُورَةً لَا مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ الْآحَادِ فِي الْأَصْلِ كَانَ فِي الِاتِّصَالِ ضَرْبُ شُبْهَةِ صُورَةٍ، وَلِمَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ مَعَ عَدَالَتِهِمْ وَتَصَلُّبِهِمْ فِي الدِّينِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَاتِرِ. وَهُوَ اسْمٌ لِخَبَرِ كَانَ مِنْ الْآحَادِ فِي الْأَصْلِ أَيْ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ انْتَشَرَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي حَتَّى رَوَتْهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ هُوَ مَا تَلَقَّتْهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ. وَالِاعْتِبَارُ لِلِاشْتِهَارِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَلَا عِبْرَةَ لِلِاشْتِهَارِ فِي الْقُرُونِ الَّتِي بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ عَامَّةَ أَخْبَارِ الْآحَادِ اُشْتُهِرَتْ فِي هَذِهِ الْقُرُونِ، وَلَا تُسَمَّى مَشْهُورَةً فَلَا يَجُوزُ بِهَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ مِثْلُ خَبَرِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِمَا. وَيُسَمَّى هَذَا الْقِسْمُ مَشْهُورًا، وَمُسْتَفِيضًا مِنْ شَهَرَ يَشْهَرُ شَهْرًا وَشُهْرَةً فَاشْتُهِرَ أَيْ وَضَحَ، وَمِنْهُ شَهَرَ سَيْفَهُ إذَا سَلَّهُ. وَاسْتَفَاضَ الْخَبَرُ أَيْ شَاعَ وَخَبَرٌ مُسْتَفِيضٌ أَيْ مُنْتَشِرٌ بَيْنَ النَّاسِ. وَأَمَّا حُكْمُهُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ. وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ مِثْلُ الْمُتَوَاتِرِ فَيَثْبُتُ بِهِ عِلْمُ الْيَقِينِ لَكِنْ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ لَا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ: خَبَرُ الْوَاحِدِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ مِثْلَ خَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَخَبَرِ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَخَبَرِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ فِي الْجَنِينِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ. وَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ لَا عِلْمَ يَقِينٍ فَكَانَ دُونَ الْمُتَوَاتِرِ، وَفَوْقَ خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى جَازَتْ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ تَعْدِلُ النَّسْخَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَالشَّيْخَيْنِ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ رَاجِعٌ إلَى الْإِكْفَارِ فَعِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِنَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَعِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي لَا يَكْفُرُ وَنَصَّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ عَلَى أَنَّ جَاحِدَهُ لَا يَكْفُرُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمِيزَانِ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا لَا يَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِي الْأَحْكَامِ. وَجْهُ قَوْلِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّابِعِينَ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ ثَبَتَ صِدْقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْقَبُولِ إلَّا بِجَامِعِ جَمْعِهِمْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا تَعْيِينَ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي الرُّوَاةِ وَلِهَذَا سَمَّيْنَا الْعِلْمَ الثَّابِتَ بِهِ اسْتِدْلَالِيًّا لَا ضَرُورِيًّا إلَّا أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ وَجُحُودَهُ لَا يُؤَدِّي إلَى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﵇؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ الرَّسُولِ ﵇ عَدَدٌ لَا يُتَصَوَّرُ

стр. 685

مِثْلُ زِيَادَةِ الرَّجْمِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالتَّتَابُعِ فِي صِيَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْآحَادِ ثَبَتَ بِهِ شُبْهَةٌ فَسَقَطَ بِهِ عِلْمُ الْيَقِينِ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ اعْتِبَارُهُ فِي الْعَمَلِ فَاعْتَبَرْنَاهُ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّا لَا نَجِدُ وُسْعًا فِي رَدِّ الْمُتَوَاتِرِ، وَإِنَّمَا يَشُكُّ فِيهِ صَاحِبُ الْوَسْوَاسِ، وَنَخْرُجُ فِي رَدِّ الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَازُ عَنْ الْمُتَوَاتِرِ إلَّا بِمَا يَشُقُّ دَرْكُهُ لَكِنَّ الْعِلْمَ بِالْمُتَوَاتِرِ كَانَ لِصِدْقٍ فِي نَفْسِهِ فَصَارَ يَقِينًا، وَالْعِلْمُ بِالْمَشْهُورِ لِغَفْلَةٍ عَنْ ابْتِدَائِهِ وَسُكُونٍ إلَى حَالِهِ فَسُمِّيَ عِلْمُ طُمَأْنِينَةٍ، وَالْأَوَّلُ عِلْمُ الْيَقِينِ. ــ [كشف الأسرار] تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ بَلْ هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ قَبِلَهُ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَصْرِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا يُؤَدِّي إلَى تَخْطِئَةِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَبُولِ وَاتِّهَامِهِمْ بِعَدَمِ التَّأَمُّلِ فِي كَوْنِهِ عَنْ الرَّسُولِ غَايَةَ التَّأَمُّلِ، وَتَخْطِئَةُ الْعُلَمَاءِ لَيْسَتْ بِكُفْرٍ بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ وَضَلَالٌ بِخِلَافِ إنْكَارِ الْمُتَوَاتِرِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﵇ إذْ الْمُتَوَاتِرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ وَتَكْذِيبُ الرَّسُولِ كُفْرٌ. وَجْهُ قَوْلِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ، وَإِنْ صَارَ حُجَّةً بِشَهَادَةِ السَّلَفِ بِحَيْثُ صَحَّتْ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ لَكِنْ بَقِيَ فِيهِ شُبْهَةُ الِانْفِصَالِ، وَتَوَهُّمُ الْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ رُوَاتَهُ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ فَيَسْقُطُ بِهِ عِلْمُ الْيَقِينِ وَلِهَذَا لَمْ يَكْفُرْ جَاحِدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِنْكَارِ الْيَقِينِ.، وَلَمْ يَسْتَقِمْ اعْتِبَارُهُ أَيْ اعْتِبَارُ مَا يَثْبُتُ فِيهِ مِنْ الشُّبْهَةِ أَوْ اعْتِبَارُ كَوْنِهِ مِنْ الْآحَادِ فِي الْأَصْلِ. فِي الْعَمَلِ أَيْ فِي كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ الثَّابِتَةَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسَ الَّتِي هِيَ فَوْقَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لَا تُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْعَمَلِ بِهِمَا فَهَذِهِ أَوْلَى. فَاعْتَبَرْنَاهُ فِي الْعِلْمِ فَأَثَّرَتْ فِي سُقُوطِ الْيَقِينِ، إلَّا بِمَا يَشُقُّ دَرْكُهُ فَيَكُونُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَالْمُتَوَاتِرِ لَكِنَّ الْعِلْمَ بِالْمُتَوَاتِرِ كَانَ لِصِدْقٍ فِي نَفْسِهِ لِانْقِطَاعِ تَوَهُّمِ الْكَذِبِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْعِلْمِ بِالْمَشْهُورِ لِغَفْلَةٍ عَنْ ابْتِدَائِهِ وَسُكُونٍ إلَى حَالِهِ يَعْنِي إنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِلَا اضْطِرَابٍ وَشُبْهَةٍ إذَا غُفِلَ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ فِي الْأَصْلِ وَسَكَنَ إلَى شُهْرَتِهِ الْحَادِثَةِ فِي الْحَالِ، وَكَوْنِهِ مَقْبُولًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَكِنْ لَوْ تَأَمَّلَ فِي ابْتِدَائِهِ لَاعْتَرَاهُ وَهْمٌ وَتَخَالَجَهُ شَكٌّ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ. قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ. مِثْلُ زِيَادَةِ الرَّجْمِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ بِقَوْلِهِ ﵇ «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» . وَبِرَجْمِ النَّبِيِّ ﵇ مَاعِزًا وَغَيْرَهُمَا. وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ. وَالتَّتَابُعِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ. وَقَدْ تَحَقَّقَ النَّسْخُ مَعْنًى فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِهَذِهِ الزِّيَادَاتِ فَإِنَّ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] . يَتَنَاوَلُ الْمُحْصَنَ كَمَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ فَبِزِيَادَةِ الرَّجْمِ انْتَسَخَ حُكْمُ الْجَلْدِ فِي حَقِّهِ. وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . يَتَنَاوَلُ حَالَةَ التَّخَفُّفِ فِي إيجَابِ الْغُسْلِ فَبِزِيَادَةِ الْمَسْحِ انْتَسَخَ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَكَذَا إطْلَاقُ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] . يُوجِبُ جَوَازَ التَّفَرُّقِ وَالتَّتَابُعِ فِيهِ فَبِتَقْيِيدِهِ بِالتَّتَابُعِ انْتَسَخَ جَوَازُ التَّفَرُّقِ.، وَلَيْسَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبِيلِ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصُ مِثْلَ الْمَخْصُوصِ مِنْهُ فِي الْقُوَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا لَا مُتَرَاخِيًا، وَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطَانِ جَمِيعًا. ثُمَّ النَّظَائِرُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ بِهَا عَلَى الْكِتَابِ، وَلَكِنَّهَا مُتَفَاوِتَةٌ فِي حَقِّ تَضْلِيلِ جَاحِدِهَا فَقَدْ قَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إنَّ هَذَا الْقِسْمَ يَعْنِي الْخَبَرَ الَّذِي دُونَ الْمُتَوَاتِرِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ. قِسْمٌ يُضَلَّلُ جَاحِدُهُ، وَلَا يُكَفَّرُ مِثْلُ خَبَرِ الرَّجْمِ لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى قَبُولِهِ. وَقِسْمٌ لَا يُضَلَّلُ جَاحِدُهُ، وَلَكِنْ يُخَطَّأُ وَيُخْشَى عَلَيْهِ الْمَأْثَمُ نَحْوُ خَبَرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ لِشُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ عَائِشَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ ﵃ كَانَا يَقُولَانِ سَلُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْمَسْحَ مِثْلَ مَسْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ بَعْدَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَقَدْ نُقِلَ رُجُوعُهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَلِشُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ لَا يُضَلَّلُ جَاحِدُهُ، وَلَكِنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْإِثْمُ؛ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الرُّجُوعِ يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ، وَقَدْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَبُولِهِ فِي الصَّدْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَلَا يَسَعُ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ فَلِذَلِكَ يُخْشَى عَلَى جَاحِدِهِ

стр. 686

(بَابُ خَبَرِ الْوَاحِدِ) وَهُوَ الْفَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ كُلُّ خَبَرٍ يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ أَوْ الِاثْنَانِ فَصَاعِدًا لَا عِبْرَةَ لِلْعَدَدِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ دُونَ الْمَشْهُورِ وَالْمُتَوَاتِرِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْعَمَلَ وَلَا يُوجِبُ الْعِلْمَ يَقِينًا عِنْدَنَا، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يُوجِبُ الْعَمَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَلَا عَمَلَ إلَّا عَنْ عِلْمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ مَوْصُوفٌ بِكَمَالِ الْقُدْرَةِ فَلَا ضَرُورَةَ لَهُ فِي التَّجَاوُزِ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ضَرُورَاتِنَا وَكَذَلِكَ الرَّأْيُ مِنْ ضَرُورَاتِهَا فَاسْتَقَامَ أَنْ يَثْبُتَ غَيْرُ مُوجِبِ عِلْمِ الْيَقِينِ ــ [كشف الأسرار] الْمَأْثَمُ. وَقِسْمٌ لَا يُخْشَى عَلَى جَاحِدِهِ الْمَأْثَمُ، وَلَكِنْ يُخَطَّأُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْأَخْبَارِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا فِي كُلِّ قَرْنٍ كَانَ لِكُلِّ مَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ جَانِبُ الصِّدْقِ أَنْ يُخَطِّئَ صَاحِبَهُ، وَلَكِنْ لَا يُؤَثَّمُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَالْإِثْمُ فِي الْخَطَأِ مَوْضُوعٌ عَنْ الْمُجْتَهِدِ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀. [بَابُ خَبَرِ الْوَاحِدِ] (بَابُ خَبَرِ الْوَاحِدِ) وَهُوَ الْفَصْلُ الثَّالِثُ، وَهُوَ الِاتِّصَالُ الَّذِي فِيهِ شُبْهَةٌ صُورَةً وَمَعْنًى مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الِاتِّصَالُ أَمَّا ثُبُوتُ الشُّبْهَةِ فِيهِ صُورَةً فَلِأَنَّ الِاتِّصَالَ بِالرَّسُولِ ﵇ لَمْ يَثْبُتْ قَطْعًا.، وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّ الْأُمَّةَ مَا تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ. وَهُوَ كُلُّ خَبَرٍ يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ أَيْ الْمُخْبِرُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ أَيْ أَوْ الِاثْنَانِ. لَا عِبْرَةَ لِلْعَدَدِ فِيهِ يَعْنِي لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ مُتَعَدِّدًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّوَاتُرِ وَالِاشْتِهَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ خَبَرِ الِاثْنَيْنِ وَالْوَاحِدِ فَقُبِلَ خَبَرُ الِاثْنَيْنِ دُونَ الْوَاحِدِ. وَبَعْضُهُمْ قَبِلَ خَبَرَ الْأَرْبَعَةِ دُونَ مَا عَدَاهَا فَسَوَّى الشَّيْخُ بَيْنَ الْكُلِّ قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ، وَلَا يُوجِبُ الْعِلْمَ يَقِينًا أَيْ لَا يُوجِبُ عِلْمَ يَقِينٍ، وَلَا عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ. وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ أَصْلًا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُوجِبُ الْعَمَلَ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ أَبَى جَوَازَ الْعَمَلِ بِهِ عَقْلًا مِثْلَ الْجُبَّائِيُّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ سَمْعًا مِثْلَ الْقَاشَانِيِّ، وَأَبِي دَاوُد وَالرَّافِضَةِ. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ عَنْهُ سَمْعًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . أَيْ لَا تَتْبَعْ مَا لَا عِلْمَ لَك بِهِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ بِظَاهِرِ هَذَا النَّصِّ. قَالُوا، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْعِلْمَ ذُكِرَ نَكِرَةً فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيَقْتَضِي انْتِفَاءَهُ أَصْلًا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ نَوْعَ عِلْمٍ، وَهُوَ عِلْمُ غَالِبِ الظَّنِّ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عِلْمًا فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] . فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ؛ لِأَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ فَهُوَ مُحَرَّمُ الِاتِّبَاعِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى شُبْهَةِ مَنْ مَنَعَ عَنْهُ عَقْلًا بِقَوْلِهِ، وَهَذَا أَيْ عَدَمُ جَوَازِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَيْ مَنْ يَتَوَلَّى وَضْعَ الشَّرَائِعِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى إذْ الرَّسُولُ مُبَلِّغٌ عَنْهُ مَوْصُوفٌ بِكَمَالِ الْقُدْرَةِ فَكَانَ قَادِرًا عَلَى إثْبَاتِ مَا شَرَعَهُ بِأَوْضَحِ دَلِيلٍ فَأَيُّ ضَرُورَةٍ لَهُ فِي التَّجَاوُزِ عَنْ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ إلَى مَا لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ. كَيْفَ، وَأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَفْسَدَةٍ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَوْ رَوَى خَبَرًا فِي سَفْكِ دَمٍ أَوْ اسْتِحْلَالِ بُضْعٍ وَرُبَّمَا يَكْذِبُ فَنَظَرَ أَنَّ السَّفْكَ وَالْإِبَاحَةَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَكُونَانِ بِأَمْرِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْهُجُومُ بِالْجَهْلِ، وَمَنْ شَكَكْنَا فِي إبَاحَةِ بُضْعِهِ وَسَفْكِ دَمِهِ لَا يَجُوزُ الْهُجُومُ بِالشَّكِّ فَيَقْبُحُ مِنْ الشَّارِعِ حَوَالَةُ الْخَلْقِ عَلَى الْجَهْلِ، وَاقْتِحَامُ الْبَاطِلِ بِالتَّوَهُّمِ بَلْ إذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَمْرٍ فَلْيُعَرِّفْنَا أَمْرَهُ لِنَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ إمَّا مُمْتَثِلُونَ أَوْ مُخَالِفُونَ. بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُقْبَلُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِنَا أَيْ قَبُولَهُ فِيهَا مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّا نَعْجِزُ عَنْ إظْهَارِ كُلِّ حَقٍّ لَنَا بِطَرِيقٍ لَا يَبْقَى فِيهِ شُبْهَةٌ فَلِهَذَا جَوَّزْنَا الِاعْتِمَادَ فِيهَا عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ. وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الرَّأْيُ مِنْ ضَرُورَاتِنَا جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالْقِيَاسِ فِي

стр. 687

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَوْجَبَ الْعَمَلَ، وَلَا عَمَلَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَقَدْ وَرَدَ الْآحَادُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِثْلُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَبْصَارِ وَلَا حَظَّ لِذَلِكَ إلَّا الْعِلْمُ قَالُوا: وَهَذَا الْعِلْمُ يَحْصُلُ كَرَامَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَثَبَتَ عَلَى الْخُصُوصِ لِلْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ كَالْوَطْءِ تَعَلَّقَ مِنْ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ وَدَلِيلُنَا فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَاضِحٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ أَمَّا الْكِتَابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وَكُلُّ وَاحِدٍ إنَّمَا يُخَاطَبُ بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُهُ حُجَّةً لَمَا أَمَرَ بِبَيَانِ الْعِلْمِ ــ [كشف الأسرار] الْأَحْكَامِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَقَالَ هُوَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ إذَا وَقَعَتْ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ يُعْمَلُ بِهِ يُحْتَاجُ إلَى الْقِيَاسِ ضَرُورَةً.؛ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ لَيْسَ بِمُثْبِتٍ بَلْ هُوَ مُظْهِرٌ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مُثْبِتٌ وَالْإِظْهَارُ دُونَ الْإِثْبَاتِ. وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ التَّمَسُّكَ بِالْقِيَاسِ مِنْهُمْ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْقِيَاسَ حُجَّةً مِثْلُ النَّظَّامِ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ) كَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي حَكَمَ أَهْلُ الصَّنْعَةِ بِصِحَّتِهَا تُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَذَهَبَ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ إلَى أَنَّهَا تُوجِبُ عِلْمًا اسْتِدْلَالِيًّا، وَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى شُبْهَةِ الْفَرِيقَيْنِ فَمَنْ قَالَ إنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الِاسْتِدْلَالِيَّ تَمَسَّكَ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَوْ لَمْ يُفِدْ الْعِلْمَ لَمَا جَازَ اتِّبَاعُهُ لِنَهْيِهِ تَعَالَى عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . وَذَمِّهِ عَلَى اتِّبَاعِهِ فِي قَوْلِهِ ﷻ : ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] ، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] . وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ فَيَسْتَلْزِمُ إفَادَةَ الْعِلْمِ لَا مَحَالَةَ. وَمَنْ قَالَ إنَّهُ يُوجِبُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا قَالَ إنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي وُجِدَ شَرَائِطُ صِحَّتِهِ الْعِلْمَ بِالْمُخْبَرِ بِهِ ضَرُورَةً مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ وَنَظَرٍ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالْمُتَوَاتِرِ. وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَمَا، وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ، وَلَاسْتَوَى الْكُلُّ فِيهِ فَقَالُوا هَذَا الْعِلْمُ يَحْصُلُ كَرَامَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْبَعْضُ وَوُقُوعُ الِاخْتِلَافِ لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا كَالْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالْمُتَوَاتِرِ فَإِنَّهُ ضَرُورِيٌّ، وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ قَوْلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الْآيَةَ، أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَ الْمِيثَاقَ وَالْعَهْدَ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ، وَلَا يَكْتُمُوهُ عَنْهُمْ فَكَانَ هَذَا أَمْرًا بِالْبَيَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَنَهْيًا لَهُ عَنْ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُكَلَّفُونَ بِمَا فِي وُسْعِهِمْ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا ذَاهِبِينَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلْقِ شَرْقًا وَغَرَبَا بِالْبَيَانِ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَدَاءُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْأَمَانَةِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ؛ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْجَمْعِ الْمُضَافِ إلَى جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ وَلِأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ مِنْ أَصْلِ الدِّينِ وَالْخِطَابُ لِجَمَاعَةٍ بِمَا هُوَ أَصْلُ الدِّينِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ ثُمَّ ضَرُورَةُ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ بِالْإِظْهَارِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَمْرُ السَّامِعِ بِالْقَبُولِ مِنْهُ وَالْعَمَلِ بِهِ إذْ أَمْرُ الشَّرْعِ لَا يَخْلُوَا عَنْ فَائِدَةٍ حَمِيدَةٍ، وَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَمْرِ بِالْبَيَانِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْكِتْمَانِ سِوَى هَذَا. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ انْحِصَارَ الْفَائِدَةِ عَلَى الْقَبُولِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ الْفَائِدَةُ هِيَ الِابْتِلَاءُ فَيُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ إنْ امْتَثَلُوا وَالْعِقَابُ إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَاسِقَ مِنْهُمْ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْخِطَابِ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ بِحَيْثُ لَوْ امْتَنَعَ عَنْهُ يَأْثَمُ ثُمَّ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَذَا الْأَنْبِيَاءُ ﵈ مَأْمُورِينَ بِالتَّبْلِيغِ، وَإِنْ عُلِمَ قَطْعًا بِالْوَحْيِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ لِلْبَيَانِ وَالتَّبْلِيغِ طَرَفَيْنِ طَرَفِ الْمُبَلِّغِ وَطَرَفِ السَّامِعِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكُلِّ طَرَفٍ فَائِدَةٌ ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْفَائِدَةِ مُخْتَصٌّ بِجَانِبِ الْمُبَلِّغِ، وَلَيْسَ فِي طَرَفِ السَّامِعِ فَائِدَةٌ سِوَى وُجُوبِ الْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ. وَلَا يُقَالُ بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ جَوَازُ الْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ جَوَازُ الْعَمَلِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ قَالَ بِالْوُجُوبِ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْوُجُوبَ أَنْكَرَ الْجَوَازَ، وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْبَيَانِ عَلَيْهِ

стр. 688

وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] ، وَهَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ قَبُولُهُ خَبَرَ الْوَاحِدِ ــ [كشف الأسرار] قَبْلَ التَّوْبَةِ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ ثُمَّ تَرْتِيبُ الْبَيَانِ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا بَيَانُهُ يُفِيدُ وُجُوبَ الْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الْآيَةَ وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِرْقَةٍ الْإِنْذَارَ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ الْمَخُوفُ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الْإِنْذَارَ طَلَبًا لِلْحَذَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . وَالتَّرَجِّي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الطَّلَبِ اللَّازِمِ، وَهُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرٌ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَذَرِ، وَالثَّلَاثَةُ فِرْقَةٌ، وَالطَّائِفَةُ مِنْهَا إمَّا وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ فَإِذَا رَوَى الرَّاوِي مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ فِعْلٍ وَجَبَ تَرْكُهُ لِوُجُوبِ الْحَذَرِ عَلَى السَّامِعِ، وَإِذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ الِاثْنَيْنِ هَاهُنَا وَجَبَ مُطْلَقًا إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَلَا يُقَالُ الطَّائِفَةُ اسْمٌ لِلْجَمَاعَةِ بِدَلِيلِ لُحُوقِ هَاءِ التَّأْنِيثِ بِهَا فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ.؛ لِأَنَّا نَقُولُ اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي تَفْسِيرِهَا فَقِيلَ هِيَ اسْمٌ لِعَشَرَةٍ، وَقِيلَ لِثَلَاثَةٍ، وَقِيلَ لِاثْنَيْنِ، وَقِيلَ لِوَاحِدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . الْوَاحِدُ فَصَاعِدًا كَمَا قَالَ قَتَادَةُ، وَكَذَا نُقِلَ فِي سَبَبِ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] . أَنَّهُمَا كَانَا رَجُلَيْنِ أَنْصَارِيَّيْنِ بَيْنَهُمَا مُدَافَعَةٌ فِي حَقٍّ فَجَاءَ أَحَدُهُمَا إلَى النَّبِيِّ دُونَ الْآخَرِ. وَقِيلَ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇ وَالْآخَرُ مِنْ أَتْبَاعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الْمُنَافِقِ عَلَى مَا عُرِفَ عَلَى أَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهَا عَلَى أَكْثَرِ مَا قِيلَ، وَهُوَ الْعَشَرَةُ لَا يَنْتَفِي تَوَهُّمُ الْكَذِبِ عَنْ خَبَرِهِمْ، وَلَا يَخْرُجُ خَبَرُهُمْ عَنْ الْآحَادِ إلَى التَّوَاتُرِ. وَلَا يُقَالُ سَلَّمْنَا أَنَّ الرَّاجِعَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْذَارِ بِمَا سَمِعَهُ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّامِعَ مَأْمُورٌ بِالْقَبُولِ كَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَجِبُ الْقَبُولُ مَا لَمْ يَتِمَّ نِصَابُ الشَّهَادَةِ وَتَظْهَرُ الْعَدَالَةُ بِالتَّزْكِيَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وُجُوبُ الْإِنْذَارِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُوبِ الْقَبُولِ عَلَى السَّامِعِ كَمَا بَيَّنَّا كَيْفَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] . يُشِيرُ إلَى وُجُوبِ الْقَبُولِ وَالْعَمَلِ. فَأَمَّا الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَلَيْهِ وُجُوبَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ الْمُدَّعِيَ، وَرُبَّمَا يَضُرُّ بِالشَّاهِدِ بِأَنْ يُحَدَّ حَدَّ الْقَذْفِ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ زِنًا، وَلَمْ يَتِمَّ نِصَابُ الشَّهَادَةِ. وَهَذَا أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . أَمَرَ بِسُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ وَسُؤَالُ الْمُجْتَهِدِ لِغَيْرِهِ مُنْحَصِرٌ فِي طَلَبِ الْأَخْبَارِ بِمَا سَمِعَ دُونَ الْفَتْوَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَبُولُ وَاجِبًا لَمَا كَانَ السُّؤَالُ وَاجِبًا. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] . أَمَرَ بِالْقِيَامِ بِالْقِسْطِ وَالشَّهَادَةِ لِلَّهِ، وَمَنْ أَخْبَرَ عَنْ الرَّسُولِ بِمَا سَمِعَهُ فَقَدْ قَامَ بِالْقِسْطِ وَشَهِدَ لِلَّهِ، وَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ وَاجِبًا لَوْ كَانَ الْقَبُولُ وَاجِبًا، وَإِلَّا كَانَ وُجُوبُ الشَّهَادَةِ كَعَدَمِهَا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] . الْآيَةَ أَوْعَدَ عَلَى كِتْمَانِ الْهُدَى فَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﵇ إظْهَارُهُ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا قَبُولُهُ لَكَانَ الْإِظْهَارُ كَعَدَمِهِ.، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . أَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ وَالتَّثَبُّتِ وَعَلَّلَ بِمَجِيءِ الْفَاسِقِ بِالْخَبَرِ إذْ تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ

стр. 689

مِثْلُ خَبَرِ بَرِيرَةَ فِي الْهَدِيَّةِ وَخَبَرِ سَلْمَانَ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَذَلِكَ لَا تُحْصَى عَدَدُهُ، وَمَشْهُورٌ عَنْهُ أَنَّهُ بَعَثَ الْأَفْرَادَ إلَى الْآفَاقِ مِثْلَ عَلِيٍّ، وَمُعَاذٍ وَعَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ وَدَحْيَةَ وَغَيْرِهِمْ ﵃، وَهَكَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى. ــ [كشف الأسرار] الْمُنَاسِبِ يُشْعِرُ بِالْعِلِّيَّةِ، وَلَوْ كَانَ كَوْنُ الْخَبَرِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ مَانِعًا مِنْ الْقَبُولِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّعْلِيلِ فَائِدَةٌ إذْ عِلِّيَّةُ الْوَصْفُ اللَّازِمُ تَمْنَعُ مَنْ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْعَارِضِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ الْمَيِّتُ لَا يَكْتُبُ لِعَدَمِ الدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ عِنْدَهُ يُسْتَقْبَحُ وَيُسَفَّهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا كَانَ وَصْفًا لَازِمًا صَالِحًا لِعِلِّيَّةِ امْتِنَاعِ صُدُورِ الْكِتَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ اسْتَحَالَ تَعْلِيلُ امْتِنَاعِ الْكِتَابَةِ بِالْوَصْفِ الْعَارِضِ، وَهُوَ عَدَمُ الدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ. وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ التَّمَسُّكَاتِ اعْتِرَاضَاتٌ مَعَ أَجْوِبَتِهَا تَرَكْنَاهَا احْتِرَازًا عَنْ الْإِطْنَابِ. قَوْلُهُ (مِثْلُ خَبَرِ بَرِيرَةَ فِي الْهَدِيَّةِ) فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَبِلَ قَوْلَهَا فِي الْهَدَايَا. وَخَبَرِ سَلْمَانَ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ سَلْمَانَ ﵁ كَانَ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْخَيْلَ الْبُلْقَ فَوَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ وَجَعَلَ يَنْتَقِلُ مِنْ دِينٍ إلَى دِينٍ طَالِبًا لِلْحَقِّ حَتَّى قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الصَّوَامِعِ لَعَلَّك تَطْلُبُ الْحَنِيفِيَّةَ، وَقَدْ قَرُبَ أَوَانُهَا فَعَلَيْك بِيَثْرِبَ، وَمِنْ عَلَامَةِ النَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَأَسَرَهُ بَعْضُ الْعَرَبِ وَبَاعَهُ مِنْ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَعْمَلُ فِي نَخِيلِ مَوْلَاهُ بِإِذْنِهِ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا سَمِعَ بِمَقْدِمِ النَّبِيِّ ﵇ أَتَاهُ بِطَبَقٍ فِيهِ رُطَبٌ وَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ صَدَقَةٌ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ فَقَالَ سَلْمَانُ فِي نَفْسِهِ هَذِهِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ الْغَدِ بِطَبَقٍ فِيهِ رُطَبٌ فَقَالَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ فَقَالَ هَدِيَّةٌ فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا فَقَالَ سَلْمَانُ هَذِهِ أُخْرَى ثُمَّ تَحَوَّلَ خَلْفَهُ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُرَادَهُ فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ كَتِفِهِ حَتَّى نَظَرَ سَلْمَانُ إلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَأَسْلَمَ فَقَبِلَ النَّبِيُّ ﵇ قَوْلَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا حِينَئِذٍ. وَذَلِكَ أَيْ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْهُ كَثِيرٌ فَإِنَّهُ قَبِلَ خَبَرَ أُمِّ سَلْمَى فِي الْهَدَايَا أَيْضًا. وَكَانَتْ الْمُلُوكُ يَهْدُونَ إلَيْهِ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ، وَكَانَ يَقْبَلُ قَوْلَهُمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِهْدَاءَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَيْدِي قَوْمٍ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ. وَكَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ وَيَعْتَمِدُ عَلَى خَبَرِهِ أَنِّي مَأْذُونٌ. وَقَبِلَ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْهِلَالِ، وَقَبِلَ خَبَرَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ حِينَ بَعَثَهُ سَاعِيًا إلَى قَوْمٍ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ ارْتَدُّوا حَتَّى أَجْمَعَ النَّبِيُّ ﵇ عَلَى غَزْوِهِمْ وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةَ، وَكَانَ يَقْبَلُ إخْبَارَ الْجَوَاسِيسِ وَالْعُيُونِ الْمَبْعُوثَةِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَمَشْهُورٌ عَنْهُ أَيْ قَدْ اُشْتُهِرَ وَاسْتَفَاضَ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ بَعَثَ الْأَفْرَادَ إلَى الْآفَاقِ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ. فَإِنَّهُ بَعَثَ عَلِيًّا ﵁ إلَى الْيَمَنِ أَمِيرًا. وَبَعْدَهُ بَعَثَ مُعَاذًا أَيْضًا إلَى الْيَمَنِ أَمِيرًا لِتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ. وَبَعَثَ دَحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ بِكِتَابِهِ إلَى قَيْصَرَ أَوْ هِرَقْلَ بِالرُّومِ. وَبَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ إلَى مَكَّةَ أَمِيرًا مُعَلِّمًا لِلشَّرَائِعِ. وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ بِكِتَابِهِ إلَى كِسْرَى. وَعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إلَى الْحَبَشَةِ. وَعُثْمَانَ بْنَ الْعَاصِ إلَى الطَّائِفِ. وَحَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى الْمُقَوْقَسِ صَاحِبِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة. وَشُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّ إلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ بِدِمَشْقَ. وَسَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو الْعَامِرِيَّ إلَى هَوْذَةَ بْنِ خَلِيفَةَ بِالْيَمَامَةِ.، وَأَنْفَذَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَوَلَّى عَلَى الصَّدَقَاتِ عُمَرَ وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ، وَمَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ

стр. 690

وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ ﵃ عَمِلُوا بِالْآحَادِ وَحَاجُّوا بِهَا ــ [كشف الأسرار] وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ. وَإِنَّمَا بَعَثَ هَؤُلَاءِ لِيَدْعُوَ إلَى دِينِهِ وَلِيُقِيمَ الْحُجَّةَ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي مَوْضِعٍ مَعَ أَنَّهُ بَعَثَ فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ عَدَدًا يَبْلُغُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُمْ قَبُولُ قَوْلِ رَسُولِهِ وَسُعَاتِهِ وَحُكَّامِهِ، وَإِنْ احْتَاجَ فِي كُلِّ رِسَالَةٍ إلَى إنْفَاذِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ وَخَلَتْ دَارُ هِجْرَتِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ، وَأَنْصَارِهِ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ أَعْدَاؤُهُ، وَفَسَدَ النِّظَامُ وَالتَّدْبِيرُ وَذَلِكَ وَهْمٌ بَاطِلٌ قَطْعًا فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ مِثْلَ الْمُتَوَاتِرِ، وَهَذَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ لَا يَبْقَى مَعَهُ عُذْرٌ فِي الْمُخَالَفَةِ كَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ الْقَوَاطِعِ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ) عَمِلُوا بِالْآحَادِ وَحَاجُّوا بِهَا فِي وَقَائِعَ خَارِجَةٍ عَنْ الْعَدِّ وَالْحَصْرِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ، وَلَا مُدَافَعَةِ دَافِعٍ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إجْمَاعًا عَلَى قَبُولِهَا وَصِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا. فَمِنْهَا مَا تَوَاتَرَ أَنَّ يَوْمَ السَّقِيفَةِ لَمَّا احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى الْأَنْصَارِ بِقَوْلِهِ ﵇: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» : قَبِلُوهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِ.، وَمِنْهَا رُجُوعُهُمْ إلَى خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ ﵇: «الْأَنْبِيَاءُ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ» .، وَقَوْلُهُ ﵇: «وَنَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» . وَمِنْهَا رُجُوعُهُ إلَى تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ بِخَبَرِ الْمُغِيرَةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَعْطَاهَا السُّدُسَ. وَنَقْضُهُ حُكْمَهُ فِي الْقَضِيَّةِ الَّتِي أَخْبَرَ بِلَالٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ حَكَمَ فِيهَا بِخِلَافِ مَا حَكَمَ هُوَ فِيهَا. وَرُجُوعُ عُمَرَ ﵁ عَنْ تَفْصِيلِ الْأَصَابِعِ فِي الدِّيَةِ حَيْثُ كَانَ يَجْعَلُ فِي الْخِنْصَرِ سِتَّةً مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْبِنْصِرِ تِسْعَةً، وَفِي الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ عَشَرَةً عَشَرَةً، وَفِي الْإِبْهَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَى خَبَرِ عَمْرِو بْنِ حِزَامٍ أَنَّ فِي كُلِّ إصْبُعٍ عَشَرَةً. وَعَنْ عَدَمِ تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا إلَى تَوْرِيثِهَا مِنْهَا بِقَوْلِ «الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» . وَعَمَلُهُ بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . وَعَمَلُهُ بِخَبَرِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ «كُنْتُ بَيْنَ حَاذَّتَيْنِ لِي يَعْنِي ضَرَّتَيْنِ فَضَرَبَتْ أَحَدُهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ بِغُرَّةٍ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِرَأْيِنَا» . وَمِنْهَا أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ أَخَذَ بِرِوَايَةِ «فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ حِينَ قَالَ جِئْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَسْتَأْذِنُهُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِي فِي مَوْضِعِ الْعِدَّةِ فَقَالَ: اُمْكُثِي حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُكِ» . وَلَمْ يُنْكِرْ الْخُرُوجَ لِلِاسْتِفْتَاءِ فِي أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ، وَلَا تَخْرُجُ لَيْلًا، وَلَا نَهَارًا إذَا وَجَدَتْ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهَا.، وَمِنْهَا مَا اُشْتُهِرَ مِنْ عَمَلِ عَلِيٍّ ﵁ بِرِوَايَةِ الْمِقْدَادِ فِي حُكْمِ الْمَذْيِ، وَمِنْ قَبُولِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَاسْتِظْهَارِهِ بِالْيَمِينِ حَتَّى قَالَ فِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كُنْتُ إذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ حَلَّفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ صَدَّقْتُهُ، وَالتَّحْلِيفُ إنَّمَا كَانَ لِلِاحْتِيَاطِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهٍ وَلِئَلَّا يَقْدُمَ عَلَى الرِّوَايَةِ بِالظَّنِّ لَا لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ. وَمِنْهَا رُجُوعُ الْجُمْهُورِ إلَى خَبَرِ عَائِشَةَ ﵂ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ. وَمِنْهَا عَمَلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵃ فِي الرِّبَا فِي النَّقْدِ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَحْكُمُ بِالرِّبَا فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ.، وَمِنْهَا عَمَلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِخَبَرِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّ الْحَائِضَ تَنْفِرُ بِلَا وَدَاعٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ

стр. 691

قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي هَذَا غَيْرَ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ وَاخْتَصَرْنَا عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِوُضُوحِهَا وَاسْتِفَاضَتِهَا، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ مِنْ الْوُكَلَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْمُضَارِبِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّ الْخَبَرَ يَصِيرُ حُجَّةً بِصِفَةِ الصِّدْقِ، وَالْخَبَرُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَبِالْعَدَالَةِ بَعْدَ أَهْلِيَّةِ الْأَخْبَارِ يَتَرَجَّحُ الصِّدْقُ وَبِالْفِسْقِ الْكَذِبُ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ لِيَصِيرَ حُجَّةً لِلْعَمَلِ وَيُعْتَبَرُ احْتِمَالُ السَّهْوِ وَالْكَذِبِ لِسُقُوطِ عِلْمِ الْيَقِينِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْيَقِينِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ صَحِيحٌ بِغَالِبِ الرَّأْيِ وَعَمَلَ الْحُكَّامِ بِالْبَيِّنَاتِ صَحِيحٌ بِلَا يَقِينٍ فَكَذَلِكَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ الْعَدْلِ يُفِيدُ عِلْمًا بِغَالِبِ الرَّأْيِ وَذَلِكَ كَافٍ لِلْعَمَلِ، وَهَذَا ضَرْبُ عِلْمٍ فِيهِ اضْطِرَابٌ فَكَانَ دُونَ عِلْمِ الطُّمَأْنِينَةِ. وَأَمَّا دَعْوَى عِلْمِ الْيَقِينِ بِهِ فَبَاطِلٌ بِلَا شُبْهَةٍ ــ [كشف الأسرار] وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ، وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا إذْ أَتَانَا آتٍ، وَقَالَ الْخَمْرُ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ قُمْ يَا أَنَسُ إلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا فَقُمْتُ إلَى مُهْرٍ لَيْسَ لَنَا فَضَرَبْتُهَا إلَى أَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ. وَمِنْهَا مَا اُشْتُهِرَ مَعَ عَمَلِ أَهْلِ قُبَاءَ فِي التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ حَيْثُ أَخْبَرَهُمْ وَاحِدٌ أَنَّ الْقِبْلَةَ نُسِخَتْ. وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَمْرٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَا نَرَى بِهِ بَأْسًا حَتَّى رَوَى لَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ فَانْتَهَيْنَا. وَعَلَى ذَلِكَ جَرَتْ سُنَّةُ التَّابِعِينَ كَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَّارٍ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَّارٍ وَطَاوُسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَفُقَهَاءِ الْحَرَمَيْنِ، وَفُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ كَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَفُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وَتَابِعِيهِمْ كَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَالشَّعْبِيِّ وَمَسْرُوقٍ. وَعَلَيْهِ جَرَى مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَدٍ فِي عَصْرٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ، وَإِنْ كَانَتْ أَخْبَارَ آحَادٍ لَكِنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى كَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِسَخَاءِ حَاتِمٍ وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ فَلَا يَكُونُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً هِيَ أَخْبَارُ آحَادٍ وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهَا حُجَّةً فَيَدُورُ.، وَلَئِنْ قَالَ الْخُصُومُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِهَا بَلْ لَعَلَّهُمْ عَلِمُوا بِغَيْرِهَا مِنْ نُصُوصٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ أَخْبَارِ آحَادٍ مَعَ مَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ الْمَقَايِيسِ، وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عُرِفَ مِنْ سِيَاقِ تِلْكَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُمْ إنَّمَا عَلِمُوا بِهَا عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ ﵁ لَوْ لَمْ نَسْمَعْ بِهَذَا لَقَضَيْنَا بِرَأْيِنَا وَحَيْثُ قَالَ ابْنُهُ حَتَّى رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ إلَى آخِرِهِ. فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ قَبُولِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُعَارَضٌ بِإِنْكَارِهِمْ إيَّاهُ فِي وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ. فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَنْكَرَ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ حَتَّى انْضَمَّ إلَيْهِ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. وَأَنْكَرَ عُمَرُ ﵁ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي السُّكْنَى.، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ ﵃ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَرَدَّ عَلِيٌّ ﵁ خَبَرَ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيِّ فِي قِصَّةِ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ قُلْنَا إنَّهُمْ إنَّمَا أَنْكَرُوا لِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ مِنْ وُجُودِ مُعَارِضٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ لَا لِعَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي جِنْسِهَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْأَصْلِ كَمَا أَنَّ رَدَّهُمْ بَعْضَ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَتَرْكَهُمْ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ وَرَدَّ الْقَاضِي بَعْضَ الشَّهَادَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ (قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي هَذَا) أَيْ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرَ حَدِيثٍ أَيْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِيمَا أَوْرَدْنَاهُ. وَاخْتَصَرْنَا هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَيْ اكْتَفَيْنَا بِإِيرَادِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ بَرِيرَةَ وَسَلْمَانَ وَتَبْلِيغِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهَا لِوُضُوحِهَا. أَوْ مَعْنَاهُ لَمْ تَذْكُرْ مَا أَوْرَدَهُ مُحَمَّدٌ لِشُهْرَتِهَا. وَلَفْظُ التَّقْوِيمِ وَنَحْنُ سَكَتْنَا عَنْهَا اخْتِصَارًا وَاكْتِفَاءً بِمَا فَعَلَ النَّاسُ قَوْلُهُ (وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى) كَذَا أَيْ الْإِجْمَاعُ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى الْقَبُولِ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ انْعَقَدَ مِنْهُمْ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَإِنَّ الْعُقُودَ كُلَّهَا بُنِيَتْ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْإِخْبَارِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ وَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ أَوْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ أَهْدَى إلَيْكَ فُلَانٌ

стр. 692

لِأَنَّ الْعِيَانَ يَرُدُّهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ لَا يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ فَهَذَا أَوْلَى؛ وَهَذَا لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُحْتَمَلٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَقِينَ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ سَفَّهُ نَفْسَهُ، وَأَضَلَّ عَقْلَهُ. وَإِذَا اجْتَمَعَ الْآحَادُ حَتَّى تَوَاتَرَتْ حَدَثَ حَقِّيَّةَ الْخَبَرِ وَلُزُومُ الصِّدْقِ بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَذَلِكَ وَصْفٌ حَادِثٌ مِثْلُ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ إذَا ازْدَحَمَتْ الْآرَاءُ سَقَطَتْ الشُّبْهَةُ فَأَمَّا الْآحَادُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَمِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مَشْهُورٌ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ دُونَهُ لَكِنَّهُ يُوجِبُ ضَرْبًا مِنْ الْعِلْمِ عَلَى مَا قُلْنَا، وَفِيهِ ضَرْبٌ مِنْ الْعَمَلِ أَيْضًا، وَهُوَ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَيْهِ ــ [كشف الأسرار] وَأَنَّ فُلَانًا وَكَّلَنِي بِبَيْعِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ أَوْ بَيْعِ هَذَا الشَّيْءِ. وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ لَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِ مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي إبَاحَةِ دَمٍ، وَإِقَامَةِ حَدٍّ وَاسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ. وَعَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمُفْتِي لِلْمُسْتَفْتِي مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ بِمَا بَلَغَهُ عَنْ الرَّسُولِ بِطَرِيقِ الْآحَادِ فَإِذَا جَازَ الْقَبُولُ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا جَازَ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ. فَإِنْ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ ثَابِتٌ فَإِنَّ فِي بَعْضِ الْمُعَامَلَاتِ قَدْ يُقْبَلُ خَبَرُ مَنْ يَسْكُنُ الْقَلْبُ إلَى صِدْقِهِ مِنْ صَبِيٍّ، وَفَاسِقٍ بَلْ كَافِرٍ، وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ هَؤُلَاءِ فِي أَخْبَارِ الدِّينِ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهَذَا الْفَصْلِ مَعَ وُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. قُلْنَا مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ هُوَ اسْتِعْمَالُ قَوْلِ مَنْ لَا يُؤْمَنُ الْغَلَطُ عَلَيْهِ وَوُقُوعُ الْكَذِبِ مِنْهُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُتَسَاهَلُ فِيهِ فِي الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ الْوَصْفُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ دُونَ مَا عَدَاهُ. وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَامَلَاتِ، وَأَخْبَارِ الدِّينِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْأَخْبَارِ لِتَحَقُّقِهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ لَا يُوجَدُ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ فَلَوْ رُدَّ خَبَرُ الْوَاحِدِ لِشُبْهَةٍ فِي النَّقْلِ لَتَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ فَأَسْقَطْنَا اعْتِبَارَهَا فِي حَقِّ الْعَمَلِ كَمَا فِي الْقِيَاسِ وَالشَّهَادَةِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالْآيَتَيْنِ فَنَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا الْمَنْعُ عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ مُطْلَقًا بَلْ الْمُرَادُ الْمَنْعُ عَنْ اتِّبَاعِهِ فِيمَا الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ أَوْ فُرُوعِهِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . مَنْعُ الشَّاهِدِ عَنْ جَزْمِ الشَّهَادَةِ إلَّا بِمَا يَتَحَقَّقُ. عَلَى أَنَّا مَا اتَّبَعْنَا الظَّنَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا اتَّبَعْنَا الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ الَّذِي يُوجِبُ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْعِيَانَ يَرُدُّهُ) أَرَادَ بِهِ أَنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا عَدَمَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ كَمَا نَجِدُ حُصُولَ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّا لَا نُصَدِّقُ بِكُلِّ مَا نَسْمَعُ، وَلَوْ صَدَّقْنَاهُ لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ فَكَيْفَ نُصَدِّقُ بِالضِّدَّيْنِ. قَالَ، وَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ يُورِثُ الْعِلْمَ لَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ إذْ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعْلُومُ الْوُجُوبِ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ أَوْجَبَهُ عِنْدَ ظَنِّ الصِّدْقِ أَوْ سَمَّوْا الظَّنَّ عِلْمًا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ يُورِثُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ، وَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، وَإِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ. قَوْلُهُ (وَإِذَا اجْتَمَعَ الْآحَادُ حَتَّى تَوَاتَرَتْ) إلَى آخِرِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَمَّا ذُكِرَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كَلَامِ الْخُصُومِ أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ صَارَ جَمْعًا بِالْآحَادِ وَخَبَرُ كُلِّ وَاحِدٍ مُحْتَمَلٌ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْيَقِينُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَمَّا يُتَمَسَّكُ لِمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِثُبُوتِ الْعِلْمِ الِاسْتِدْلَالِيِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ لَمَّا أَوْجَبَ الْعِلْمَ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا اجْتِمَاعُ الْآحَادِ لَزِمَ أَنْ يُوجِبَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلِاجْتِمَاعِ فِي تَغْيِيرِ ذَوَاتِ الْأَفْرَادِ فَإِنَّ الْغَنَمَ الْمُجْتَمِعَةَ لَا تَصِيرُ بَقَرًا، وَإِبِلًا بِالِاجْتِمَاعِ وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا فِي الْمَحْسُوسِ وَالْمَعْقُولِ وَالْمَشْرُوعِ أَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ بِاجْتِمَاعِ الْأَفْرَادِ مَا لَا يَثْبُتُ بِالْأَفْرَادِ بِدُونِ الِاجْتِمَاعِ فَإِنَّ بِاجْتِمَاعِ الطَّاقَاتِ فِي الْحَبْلِ يَحْدُثُ مِنْ الْقُوَّةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي طَاقَةٍ أَوْ طَاقَتَيْنِ، وَبِاجْتِمَاعِ الْمُقَدِّمَاتِ الصَّادِقَةِ تَثْبُتُ الْحُجَّةُ الْعَقْلِيَّةُ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي إفْرَادِهَا، وَبِاجْتِمَاعِ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ صَارَ الْقُرْآنُ مُعْجِزًا، وَلَا يُوجَدُ الْإِعْجَازُ فِي آحَادِهَا. وَيَجِبُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ عَلَى الْقَاضِي مَا لَا يَجِبُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ. وَيَثْبُتُ بِغُسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ

стр. 693

إذْ الْعَقْدُ فَضْلٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] فَصَحَّ الِابْتِلَاءُ بِالْعَقْدِ كَمَا صَحَّ بِالْعَمَلِ بِالْبَدَنِ وَلِهَذَا جَوَّزْنَا الْقَوْلَ بِالنَّسْخِ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ قُلْنَا: إنَّهُ مُنْقَسِمٌ وَهَذَا (بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ وَهُوَ ضَرْبَانِ مَعْرُوفٌ وَمَجْهُولٌ وَالْمَعْرُوفُ نَوْعَانِ مَنْ عُرِفَ بِالْفِقْهِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الِاجْتِهَادِ وَمَنْ عُرِفَ بِالرِّوَايَةِ دُونَ الْفِقْهِ وَالْفُتْيَا وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَعَلَى وُجُوهٍ إمَّا أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ الثِّقَاتُ وَيَعْمَلُوا بِحَدِيثِهِ وَيَشْهَدُوا لَهُ بِصِحَّةِ حَدِيثِهِ وَيَسْكُتُوا عَنْ الطَّعْنِ فِيهِ أَوْ يُعَارِضُوهُ بِالطَّعْنِ وَالرَّدِّ أَوْ اُخْتُلِفَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ بَيْنَ السَّلَفِ فَصَارَ قِسْمُ الْمَجْهُولِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ ــ [كشف الأسرار] مِنْ حِلِّ الصَّلَاةِ مَا لَا يَثْبُتُ بِغُسْلِ عُضْوٍ وَاحِدٍ. وَيَثْبُتُ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ مَا لَا يَثْبُتُ بِطَلْقَةٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الِاجْتِمَاعِ بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ وَعَكْسَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَأَنَّهُ يَحْدُثُ لِلْخَبَرِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا لَا يَكُونُ لَهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ قَوْلُهُ (إذْ الْعَقْدُ) أَيْ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ فَضْلٌ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ عَقْدِ الْقَلْبِ كَعِلْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِحَقِّيَّةِ النَّبِيِّ ﵇ مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِهِمْ حَقِّيَّتَهُ، وَكَعِلْمِنَا بِدَلَائِلِ الْخُصُومِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَهَا وَعَلَى الْعَكْسِ، وَالْعَقْدُ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ الْعِلْمِ أَيْضًا كَاعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُوجِبًا لِلِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ فَإِنَّ الْعَمَلَ نَوْعَانِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ وَاعْتِقَادُ الْقَلْبِ فَالْعَمَلُ بِالْجَوَارِحِ إنْ تَعَذَّرَ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْعَمَلُ بِالْقَلْبِ اعْتِقَادًا عَلَى أَنَّا إنَّمَا عَرَفْنَا عَذَابَ الْقَبْرِ بِدَلَالَاتِ النُّصُوصِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَإِشَارَاتِهَا لَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ. وَلِهَذَا أَيْ؛ وَلِأَنَّ الِابْتِلَاءَ بِعَقْدِ الْقَلْبِ يَصِحُّ بِدُونِ عَمَلِ الْبَدَنِ جَوَّزْنَا النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ، وَهُوَ الِابْتِلَاءُ لِعَقْدِ الْقَلْبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً] [الرَّاوِي الْمَعْرُوفُ] (بَابُ تَقْسِيمِ الرَّاوِي الَّذِي جُعِلَ خَبَرُهُ حُجَّةً) : وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَبُولِ التَّصْدِيقُ، وَلَا بِالرَّدِّ التَّكْذِيبُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا قَبُولُ قَوْلِ الْعَدْلِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ كَاذِبًا أَوْ غَالِطًا، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِ الْفَاسِقِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ صَادِقًا بَلْ الْمَقْبُولُ مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْمَرْدُودُ مَا لَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي الْعَمَلِ بِهِ ثُمَّ لِلْقَبُولِ شَرَائِطُ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهَذَا الْبَابُ لِبَيَانِ بَعْضِ شَرَائِطِهِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الرَّاوِي مَعْرُوفًا بِالرِّوَايَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَالْفَقَاهَةِ لِقَبُولِ خَبَرِهِ مُطْلَقًا، مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ أَوْ مُخَالِفًا وَلَيْسَتْ الْفَقَاهَةُ فِيهِ شَرْطًا عِنْدَ الْبَعْضِ. أَمَّا الْمَعْرُوفُونَ يَعْنِي بِالْفِقْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِثْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَوْلُهُ (وَحَدِيثُهُمْ حُجَّةٌ إنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ) وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنْ وَافَقَهُ تَأَيَّدَ بِهِ أَيْ قَوِيَ الْحَدِيثُ بِالْقِيَاسِ يَعْنِي يَكُونُ التَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ لَا بِالْقِيَاسِ بَلْ يَكُونُ الْقِيَاسُ مُؤَيِّدًا لَهُ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ فِيمَا يُحْكَى عَنْهُ: بَلْ الْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَدِيثِ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُشْتَهَرْ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْهُ قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ لَا يُقْبَلُ وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ سَمْجٌ مُسْتَقْبَحٌ عَظِيمٌ، وَأَنَا أُجِلُّ مَنْزِلَةَ مَالِكٍ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَلَا يُدْرَى ثُبُوتُهُ مِنْهُ. وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الْقِيَاسَ إذَا عَارَضَهُ خَبَرُ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَتْ عِلَّةُ الْقِيَاسِ مَنْصُوصَةً بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يَنْفِي مُوجِبَهَا، وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى الْعِلَّةِ كَالنَّصِّ عَلَى حُكْمِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ. وَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً بِنَصٍّ ظَنِّيٍّ يَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ وَيَكُونُ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْحُكْمِ بِصَرِيحِهِ وَالْخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى الْعِلَّةِ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ أَصْلٍ ظَنِّيٍّ كَانَ الْأَخْذُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ وَالِاحْتِمَالَ كُلَّمَا كَانَ أَقَلَّ كَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ وَذَلِكَ فِي الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ أَصْلٍ قَطْعِيٍّ وَالْخَبَرُ الْمُعَارِضُ لِلْقِيَاسِ خَبَرُ وَاحِدٍ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ

стр. 694

أَمَّا الْمَعْرُوفُونَ فَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ عَمْرٍو وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبْلٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَائِشَةُ ﵃ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ بِالْفِقْهِ وَالنَّظَرِ وَحَدِيثُهُمْ حُجَّةٌ إنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ فَإِنْ وَافَقَهُ تَأَيَّدَ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ تُرِكَ الْقِيَاسُ بِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ فِيمَا يُحْكَى عَنْهُ بَلْ الْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَفِي اتِّصَالِ هَذَا الْحَدِيثِ شُبْهَةٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخَبَرَ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ؛ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الشُّبْهَةُ فِي نَقْلِهِ وَالرَّأْيُ مُحْتَمَلٌ بِأَصْلِهِ فِي كُلِّ وَصْفٍ عَلَى الْخُصُوصِ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِي الرَّأْيِ أَصْلًا وَفِي الْحَدِيثِ عَارِضًا ــ [كشف الأسرار] وَإِنْ كَانَ الْأُصُولِيُّونَ ذَكَرُوا الْخِلَافَ مُطْلَقًا. فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْخَبَرُ رَاجِحٌ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاوِي عَالِمًا فَقِيهًا أَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ إنْ كَانَ عَدْلًا ضَابِطًا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إنْ كَانَ الرَّاوِي عَدْلًا ضَابِطًا عَالِمًا وَجَبَ تَقْدِيمُ خَبَرِهِ عَلَى الْقِيَاسِ وَإِلَّا كَانَ مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَجَّحَ الْقِيَاسَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ عَمِلَ بِالْقِيَاسِ فِي الصَّائِمِ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَلَمْ يَعْمَلْ بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ مِنْ الصَّحَابَةِ الْأَخْذُ بِالْقِيَاسِ وَرَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ يَرْوِي «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ» قَالَ لَوْ تَوَضَّأْت بِمَاءٍ سُخْنٍ أَكُنْت تَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَمَّا سَمِعَهُ يَرْوِي «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» قَالَ أَيَلْزَمُنَا الْوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ وَرَدَّ عَلِيٌّ ﵁ حَدِيثَ بِرْوَعَ بِالْقِيَاسِ وَرَدَّ عُمَرُ ﵁ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِالْقِيَاسِ وَرَدَّ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ مَا يُرْوَى أَنَّ وَلَدَ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ وَلَدُ الزِّنَا شَرَّ الثَّلَاثَةِ لَمَا اُنْتُظِرَ بِأُمِّهِ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا وَهَذَا نَوْعُ قِيَاسٍ وَبِأَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَفِي اتِّصَالِ خَبَرٍ إلَى النَّبِيِّ ﵇ شُبْهَةٌ فَكَانَ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ أَقْوَى مِنْ الثَّابِتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى وَبِأَنَّ الْقِيَاسَ أَثْبَتُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِجَوَازِ السَّهْوِ وَالْكَذِبِ عَلَى الرَّاوِي، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ وَبِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَحْتَمِلُ تَخْصِيصًا وَالْخَبَرُ يَحْتَمِلُهُ فَكَانَ غَيْرُ الْمُحْتَمَلِ أَوْلَى مِنْ الْمُحْتَمَلِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَدَّمَ خَبَرَ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتْرُكُونَ أَحْكَامَهُمْ بِالْقِيَاسِ إذَا سَمِعُوا خَبَرَ الْوَاحِدِ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ نَقَضَ حُكْمًا حَكَمَ فِيهِ بِرَأْيِهِ لِحَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ بِلَالٍ وَتَرَكَ عُمَرُ ﵁ رَأْيَهُ فِي الْجَنِينِ وَفِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ بِالْحَدِيثِ حَتَّى قَالَ كِدْنَا نَقْضِي فِيهِ بِرَأْيِنَا وَفِيهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَتَرَكَ رَأْيَهُ فِي عَدَمِ تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَتَرَكَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ رَأْيَهُ فِي الْمُزَارَعَةِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَنَقَضَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا حَكَمَ بِهِ مِنْ رَدِّ الْغَلَّةِ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّ «الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» وَفِي نَظَائِرِهِ كَثْرَةٌ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ رَدِّهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ فَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ لَا لِتَرْجِيحِهِمْ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ وَبِأَنَّ الْخَبَرَ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ ﵇ لَا احْتِمَالَ لِلْخَطَأِ فِيهِ؛ وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ النَّقْلُ؛ وَلِهَذَا لَوْ ارْتَفَعَتْ الشُّبْهَةُ كَانَ حُجَّةً قَطْعًا بِمَنْزِلَةِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ ﵇ وَالرَّأْيُ مُحْتَمَلٌ بِأَصْلِهِ فِي كُلِّ وَصْفٍ أَيْ كُلِّ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ النَّصِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ فِي الْحُكْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ الثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى مِنْ الِاحْتِمَالِ الثَّابِتِ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْأَصْلِ فَكَانَ الْأَخْذُ بِمَا هُوَ أَضْعَفُ احْتِمَالًا وَهُوَ الْخَبَرُ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِي الرَّأْيِ أَصْلًا يَعْنِي الْأَصْلَ فِي الرَّأْيِ الِاحْتِمَالُ وَعَدَمُ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ لَا يَتَحَقَّقُ بِطَرِيقِ التَّيَقُّنِ إلَّا بِالنَّصِّ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ عَارِضٌ وَالْيَقِينُ فِي الْخَبَرِ أَصْلٌ؛ لِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمَسْمُوعُ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ حُجَّةٌ بِلَا شُبْهَةٍ؛ وَإِنَّمَا تَحَقَّقَتْ الشُّبْهَةُ

стр. 695

وَلِأَنَّ الْوَصْفَ فِي النَّصِّ كَالْخَبَرِ، وَالرَّأْيُ وَالنَّظَرُ فِيهِ كَالسَّمَاعِ، وَالْقِيَاسُ عَمَلٌ بِهِ وَالْوَصْفُ سَاكِتٌ عَنْ الْبَيَانِ وَالْخَبَرُ بَيَانُ نَفْسِهِ فَكَانَ الْخَبَرُ فَوْقَ الْوَصْفِ فِي الْإِبَانَةِ، وَالسَّمَاعُ فَوْقَ الرَّأْيِ فِي الْإِصَابَةِ. وَلِهَذَا قَدَّمْنَا خَبَرَ الْوَاحِدِ عَلَى التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي مَعَهُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْفِقْهِ وَلَكِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ مِثْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵄ فَإِنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ لَمْ يُتْرَكْ إلَّا بِالضَّرُورَةِ وَانْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵇ عَظِيمُ الْخَطَرِ وَقَدْ كَانَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ فَإِذَا قَصُرَ فِقْهُ الرَّاوِي عَنْ دَرْكِ مَعَانِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵇ وَإِحَاطَتِهَا لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ أَنْ يَذْهَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَعَانِيهِ بِنَقْلِهِ فَيَدْخُلُهُ شُبْهَةٌ زَائِدَةٌ يَخْلُو عَنْهَا الْقِيَاسُ فَيُحْتَاطُ فِي مِثْلِهِ ــ [كشف الأسرار] بِعَارِضِ النَّقْلِ وَتَخَلُّلِ الْوَاسِطَةِ وَاحْتِمَالِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِيهِ عَارِضًا وَالِاحْتِمَالُ الْأَصْلِيُّ أَقْوَى مِنْ الِاحْتِمَالِ الْعَارِضِ فَلِهَذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْخَبَرِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ ثُبُوتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْحُكْمِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَالْأُولَى ظَنِّيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ يَقِينِيَّتَانِ فَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِالْقِيَاسِ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِأَرْبَعِ مُقَدِّمَاتٍ أَوْ خَمْسٍ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ. وَكَوْنِهِ مُعَلَّلًا بِالْعِلَّةِ الْفُلَانِيَّةِ وَحُصُولِ تِلْكَ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَالْأُولَى وَالْخَامِسَةُ يَقِينِيَّتَانِ، وَالْبَوَاقِي ظَنِّيَّةٌ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَقَلَّ ظَنًّا مِنْ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ رَاجِحًا، قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْوَصْفَ فِي النَّصِّ كَالْخَبَرِ) أَيْ الْوَصْفُ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمُجْتَهِدُ لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَيْهِ كَالْخَبَرِ وَالنَّظَرُ فِيهِ أَيْ التَّأَمُّلُ وَالْوُقُوفُ عَلَى تَأْثِيرِهِ بِمَنْزِلَةِ سَمَاعِ الْخَبَرِ مِنْ الرَّاوِي وَالْقِيَاسُ عَمَلٌ بِهِ أَيْ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِوَسَاطَتِهِ إلَى الْفَرْعِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْوَصْفِ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ. وَالْوَصْفُ سَاكِتٌ عَنْ الْبَيَانِ أَيْ عَنْ إثْبَاتِ الْمُدَّعَى نَصًّا؛ لِأَنَّ الْقَايِسَ إنَّمَا جَعَلَهُ شَاهِدًا عَلَى الْحُكْمِ بِضَرْبِ إشَارَةٍ مِنْ الشَّرْعِ وَالْخَبَرُ بَيَانُ نَفْسِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ نَاطِقٌ بِالْحُكْمِ فَكَانَ أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ فِي الْإِبَانَةِ أَيْ فِي إظْهَارِ الْحُكْمِ وَإِثْبَاتِهِ، وَالسَّمَاعُ فَوْقَ الرَّأْيِ فِي الْإِصَابَةِ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلِاحْتِمَالِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ حِسًّا، وَالْغَلَطُ لَا يَجْرِي فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَلَا كَذَلِكَ الرَّأْيُ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقَوِيِّ بِالضَّعِيفِ وَأَمَّا مَا تَمَسّك الْخَصْمُ بِهِ مِنْ رَدِّ الصَّحَابَةِ الْخَبَرَ بِالْقِيَاسِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ رَدُّوهُ لِعَدَمِ فِقْهِ الرَّاوِي أَوْ لَمَعَانٍ عَارِضَةٍ ذَكَرْنَاهَا وَنَذْكُرُهَا أَيْضًا. وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي اتِّصَالِ خَبَرِ الْوَاحِدِ شُبْهَةٌ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا وَالشُّبْهَةُ فِي الْقِيَاسِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَقْوَى مِنْهُ وَقَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ الْكَذِبِ وَالسَّهْوِ مَدْخَلٌ فِي الْخَبَرِ دُونَ الْقِيَاسِ مُعَارَضٌ بِأَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِ الْحُكْمِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالْوَصْفِ الْمُسْتَنْبَطِ ثَابِتٌ فِي الْقِيَاسِ دُونَ الْخَبَرِ وَقَوْلُهُ الْخَبَرُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّخْصِيصِ، وَالْقِيَاسُ لَا يَحْتَمِلُهُ قُلْنَا: الْكَلَامُ فِي خَبَرٍ يَرِدُ وَيُخَالِفُهُ الْقِيَاسُ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا احْتِمَالَ، قَوْلُهُ (فَإِنْ وَافَقَ) أَيْ خَبَرُ مَنْ عُرِفَ بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ دُونَ الْفِقْهِ الْقِيَاسَ عُمِلَ بِهِ أَيْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ لَمْ يُتْرَكْ الْخَبَرُ إلَّا بِالضَّرُورَةِ وَانْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِقِيَاسٍ مُخَالِفًا لِقِيَاسٍ آخَرَ لَمْ يُتْرَكْ الْحَدِيثُ بِخِلَافِ خَبَرِ الْمَجْهُولِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِقِيَاسٍ مُخَالِفًا لِآخَرَ جَازَ تَرْكُهُ وَالْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ كَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ فَوَائِدِ هَذَا الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ وَانْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ تَفْسِيرٌ لِلضَّرُورَةِ وَفِي قَوْلِهِ لَمْ يُتْرَكْ إلَّا بِالضَّرُورَةِ لُطْفٌ وَرِعَايَةُ أَدَبٍ كَمَا تَرَى وَوَجْهُ ذَلِكَ أَيْ وَجْهُ عَدَمِ الْقَبُولِ عِنْدَ انْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ أَنَّ ضَبْطَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَظِيمُ الْخَطَرِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَاخْتُصِرَ لَهُ اخْتِصَارًا كَمَا أَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ، وَالْوُقُوفُ عَلَى كُلِّ مَعْنًى ضَمَّنَهُ فِي كَلَامِهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ؛ وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَةُ الْكِبَارِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرُو بْنِ مَيْمُونَ أَنَّهُ قَالَ

стр. 696

وَإِنَّمَا نَعْنِي بِمَا قُلْنَا قُصُورًا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِفِقْهِ الْحَدِيثِ فَأَمَّا الِازْدِرَاءُ بِهِمْ فَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﵀ يَحْكِي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ احْتَجَّ بِمَذْهَبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ وَقَلَّدَهُ فَمَا ظَنَّك فِي أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ حَتَّى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ﵏ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ حَدِيثُ أَمْثَالِهِمْ إلَّا إذَا انْسَدَّ بَابُ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْسَدَّ صَارَ الْحَدِيثُ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَمُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الْمُصَرَّاةِ أَنَّهُ انْسَدَّ فِيهِ بَابُ الرَّأْيِ فَصَارَ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَعْرُوفَةِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ بِالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ دُونَ التَّمْرِ ــ [كشف الأسرار] صَحِبْت ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ سِنِينَ مَا سَمِعْتُهُ يَرْوِي حَدِيثًا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ ثُمَّ أَخَذَهُ الْبُهْرُ وَالْفَرَقُ وَجَعَلَتْ فَرَائِصُهُ تَرْتَعِدُ فَقَالَ نَحْوَ هَذَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَقُولُ كَذَا وَقَدْ كَانَ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ عَلَى مَا جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَخْبَارِ أَمَرَ النَّبِيُّ ﵇ بِكَذَا وَنَهَى عَنْ كَذَا وَلَمَّا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ اُحْتُمِلَ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ نَقَلَ مَعْنَى كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعِبَارَةٍ لَا تَنْتَظِمُ الْمَعَانِيَ الَّتِي انْتَظَمَهَا عِبَارَةُ الرَّسُولِ ﵇ لِقُصُورِ فِقْهِهِ عَنْ دَرْكِهَا إذْ النَّقْلُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِقَدْرِ فَهْمِ الْمَعْنَى فَيَدْخُلُ هَذَا الْخَبَرُ شُبْهَةٌ زَائِدَةٌ تَخْلُو عَنْهَا الْقِيَاسُ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْقِيَاسِ لَيْسَتْ إلَّا فِي الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْقِيَاسِ وَهَاهُنَا تَمَكَّنَتْ شُبْهَةٌ فِي مَتْنِ الْخَبَرِ بَعْدَمَا تَمَكَّنَتْ شُبْهَةٌ فِي الِاتِّصَالِ فَكَانَ فِيهِ شُبْهَتَانِ وَفِي الْقِيَاسِ شُبْهَةٌ وَاحِدَةٌ فَيُحْتَاطُ فِي مِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ بِتَرْجِيحِ مَا هُوَ أَقَلُّ شُبْهَةً وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ؛ ١ - وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْلُ عِبَارَةِ الشُّهُودِ إلَى عِبَارَةِ نَفْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ فِي مَحَلِّ النُّقْصَانِ أَوْ النُّقْصَانِ فِي مَحَلِّ الزِّيَادَةِ. ثُمَّ هَذَا الْكَلَامُ لَمَّا أَوْهَمَ أَنَّهُ ازْدَرَى بِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَطَعَنَ فِيهِمْ بِالْغَلَطِ وَعَدَمِ الْفَهْمِ كَمَا تَرَى اعْتَذَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ؛ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِمَا قُلْنَا مِنْ قُصُورِ فِقْهِ الرَّاوِي قُصُورًا عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِفِقْهِ الْحَدِيثِ أَيْ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِمَا هُوَ فِقْهُ لَفْظِ النَّبِيِّ ﵇ فَإِمَّا أَنْ نَعْنِيَ بِهِ الِازْدِرَاءَ أَيْ الِاسْتِخْفَافَ بِهِمْ فَمَعَاذَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا حَكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ احْتَجَّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِثْلِ تَقْدِيرِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ بِمَذْهَبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ مُقَلِّدًا لَهُ فَمَا ظَنُّك فِي أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ أَنَّهُ أَعْلَى دَرَجَةً فِي الْعِلْمِ مِنْ أَنَسٍ ﵄ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الصُّحْبَةِ وَاخْتِصَاصِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدُعَاءِ الرَّسُولِ ﵇ لَهُ بِالْفَهْمِ وَنَفْثِهِ فِي رِدَائِهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «حَضَرْت مَجْلِسًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَنْ يَبْسُطُ مِنْكُمْ رِدَاءَهُ حَتَّى أُفِيضَ فِيهِ مَقَالَتِي فَيَضُمُّهَا إلَيْهِ ثُمَّ لَا يَنْسَاهَا فَبَسَطْت بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ فَأَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فِيهَا مَقَالَتَهُ فَضَمَمْتُهَا إلَى صَدْرِي فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا» ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْسَدَّ بَابُ الرَّأْيِ صَارَ الْحَدِيثُ نَاسِخًا يَعْنِي إذَا تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ بِانْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَجَبَ تَرْكُ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عُمِلَ بِهِ وَتُرِكَ الْقِيَاسُ صَارَ الْحَدِيثُ مَعَ التَّوَهُّمِ الَّذِي ذَكَرْنَا نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَهُوَ، قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ حَدِيثُ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ وَنُفَاة الْقِيَاسِ حَدَثُوا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يُعْبَأُ بِخِلَافِهِمْ بِخِلَافِ خَبَرِ الْفَقِيهِ؛ لِأَنَّ التَّوَهُّمَ الْمَذْكُورَ لَمَّا انْقَطَعَ عَنْهُ كَانَ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ لِبَقَاءِ الشُّبْهَةِ فِي طَرِيقِهِ دُونَ أَصْلِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَقْوَى فَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ فَتُوجِبُ الْعَمَلَ بِالْأَقْوَى وَتَرْكَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فَلَا يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ وَالْمُعَارَضَةُ. وَإِنَّمَا قَالَ مُعَارِضًا؛ لِأَنَّهُ لَا نَسْخَ لِلْإِجْمَاعِ بِالْحَدِيثِ؛ وَإِنَّمَا يُنْسَخُ بِإِجْمَاعٍ آخَرَ مِثْلِهِ، قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ الْحَدِيثِ نَاسِخًا عِنْدَ

стр. 697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] انْسِدَادِ بَابِ الرَّأْيِ، مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مِثَالُ مَا ذَكَرْنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُصَرَّاةِ وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» وَيُرْوَى بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ وَيُرْوَى «مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» الْحَدِيثَ وَالتَّصْرِيَةُ فِي اللُّغَةِ الْجَمْعُ يُقَالُ صَرَيْت الْمَاءَ وَصَرَّيْتُهُ أَيْ جَمَعْتُهُ وَالْمُرَادُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ جَمْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ بِالشَّدِّ وَتَرْكُ الْحَلْبِ مُدَّةً لِيَتَخَيَّلَ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا غَزِيرَةُ اللَّبَنِ وَالتَّحْفِيلُ بِمَعْنَاهَا أَيْضًا وَقَوْلُهُ بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ قِيلَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْحَلْبَةِ الْأُولَى وَالنَّظَرُ الْآخَرُ عِنْدَ الْحَلْبَةِ الْأُخْرَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ نَظَرُهُ لِنَفْسِهِ بِالِاخْتِيَارِ وَالْإِمْسَاكِ، وَنَظَرُهُ لِلْبَائِعِ بِالرَّدِّ وَالْفَسْخِ ثُمَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ جَعَلَ التَّصْرِيَةَ عَيْبًا حَتَّى كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إذَا تَبَيَّنَ بَعْدَ الْحَلْبِ خِلَافَ مَا تَخَيَّلَهُ تَمَسُّكًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ بِمُقَابَلَتِهِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِغُرُورٍ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ، وَالْغُرُورُ يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ الرُّجُوعِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةَ حِنْطَةٍ فَوَجَدَ فِي وَسَطِهَا دُكَّانًا أَوْ اشْتَرَى قُفَّةً مِنْ الثِّمَارِ فَوَجَدَ فِي أَسْفَلِهَا حَشِيشًا. وَالْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ أَنَّ التَّغْرِيرَ الْفِعْلِيَّ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الِالْتِزَامِ اللَّفْظِيِّ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْغَزَارَةَ، وَعِنْدَنَا التَّصْرِيَةُ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وِلَايَةُ الرَّدِّ بِسَبَبِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَبِيعِ وَبِقِلَّةِ اللَّبَنِ لَا يَنْعَدِمُ صِفَةُ السَّلَامَةِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ ثَمَرَةٌ وَبِعَدَمِهَا لَا تَنْعَدِمُ صِفَةُ السَّلَامَةِ فَبِقِلَّتِهَا أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْغُرُورِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُغْتَرٌّ لَا مَغْرُورٌ فَإِنَّهُ ظَنَّهَا غَزِيرَةَ اللَّبَنِ بِنَاءً عَلَى شَيْءٍ مُشْتَبَهٍ فَإِنَّ انْتِفَاخَ الضَّرْعِ قَدْ يَكُونُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّحْفِيلِ وَهُوَ أَظْهَرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ عَادَاتُ النَّاسِ فِي تَرْوِيجِ السِّلْعَةِ بِالْحِيَلِ فَيَكُونُ هُوَ مُغْتَرًّا فِي بِنَاءِ ظَنِّهِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً. فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ فَكَانَ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُوجِبَيْنِ لِلْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ الْمُوجِبِ لِلْعَمَلِ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فَيَكُونُ مَرْدُودًا؛ لِأَنَّ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّمَا يُقْبَلُ مَا لَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَأَمَّا مَا خَالَفَهُ فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سَوْقُ الْكَلَامِ فِي الْكِتَابِ فَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ وَانْسَدَّ فِيهِ بَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعُدْوَانِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مُقَدَّرٌ بِالْمِثْلِ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وَفِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ مُقَدَّرٌ بِالْقِيمَةِ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ، قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا» عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي بَابِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ عِنْدَ فَوَاتِ الْعَيْنِ وَتَعَذُّرِ الرَّدِّ ثُمَّ اللَّبَنُ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي بَيَانِ الْمِقْدَارِ قَوْلَ مَنْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ فَإِيجَابُ التَّمْرِ مَكَانَهُ يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ نَسْخًا وَمُعَارَضَةً كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ صَارَ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ أَيْ يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَسْخُ الْكِتَابِ

стр. 698

وَفِي وُجُوهٍ أُخَرَ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعِهَا. ــ [كشف الأسرار] وَالسُّنَّةِ وَمُعَارَضَةُ الْإِجْمَاعِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَقَوْلُهُ وَفِي وُجُوهٍ أُخَرَ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعِهَا عَطْفٌ عَلَيْهِ أَيْ صَارَ مُعَارِضًا لِلْإِجْمَاعِ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَفِي وُجُوهٍ أُخَرَ وَهِيَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ أَوْجَبَ رَدَّ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ بِإِزَاءِ اللَّبَنِ وَاللَّبَنُ الَّذِي يُحْلَبُ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ مِلْكِهِ الصَّحِيحِ فَلَا يُضْمَنُ بِالتَّعَدِّي لِعَدَمِ التَّعَدِّي. وَلَا يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعَقْدِ يَنْتَهِي بِالْقَبْضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ اللَّبَنَ الَّذِي يَحْدُثُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ اللَّبَنُ الَّذِي كَانَ حِينَ الْعَقْدِ ثُمَّ حُلِبَ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ مَالًا؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ كَالْحَبَلِ؛ وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَالًا بِالْحَلْبِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ وَهُوَ فِي حُكْمِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَيَصِيرُ كَالْكَسْبِ وَلَئِنْ كَانَ مَالًا كَانَ صِفَةً لِلشَّاةِ فَيُعْتَبَرُ مَالًا تَبَعًا كَالصُّوفِ فَلَا يَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يُزَايِلْ الْأَصْلَ وَلَوْ زَالَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِآفَةٍ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ نَقْدًا فَكَذَا إذَا قُبِضَ وَالْوَصْفُ مُتَّصِلٌ بِالْأَصْلِ لَا يَصِيرُ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يَصِيرُ مَضْمُونًا وَلَئِنْ جَازَ أَنْ يُقَابِلَهُ ضَمَانٌ فَهُوَ ضَمَانُ الْعَقْدِ يَنْبَغِي أَنْ يُسْقِطَ مِنْ الْبَائِعِ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ ثُمَّ رَدَّ أَحَدَهُمَا وَلَئِنْ كَانَ ضَمَانَ التَّعَدِّي وَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ مِثْلَ اللَّبَنِ كَيْلًا أَوْ دَرَاهِمَ كَمَا قُلْنَا أَمَّا الصَّاعُ مِنْ التَّمْرِ بِلَا تَقْوِيمٍ قَلَّ اللَّبَنُ أَوْ كَثُرَ فَلَا وَجْهَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى تَوْقِيتِ خِيَارِ الْعَيْبِ وَهُوَ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِوَقْتٍ بِالْإِجْمَاعِ فَثَبَتَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَوَجَبَ رَدُّهُ بِالْقِيَاسِ أَوْ حَمْلُهُ عَلَى تَأْوِيلٍ وَإِنْ بَعُدَ احْتِرَازًا عَنْ الرَّدِّ وَهُوَ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي شَاةٍ مُحَفَّلَةٍ فَنَدَبَ النَّبِيُّ ﵇ الْبَائِعَ إلَى الِاسْتِرْدَادِ صُلْحًا لَا حُكْمًا فَأَبَى بِعِلَّةِ اللَّبَنِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَزَادَ النَّبِيُّ ﵇ بِذَلِكَ السَّبَبِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَقَبِلَ الْبَائِعُ الشَّاةَ وَالتَّمْرَ وَرَدَّ الثَّمَنَ صُلْحًا لَا حُكْمًا، وَكَانَ هَذَا شِرَاءً مُبْتَدَأً لَا حُكْمًا فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ كَانَ حُكْمًا وَكَانُوا يَسْتَجِيزُونَ نَقْلَ الْخَبَرِ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَعْنَى فَنَقَلَ عَلَى مَا ظَنَّ بِعِبَارَتِهِ فَإِنْ قِيلَ إنَّكُمْ حَمَلْتُمْ بِخَبَرِ الْقَهْقَهَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ رَاوِيَهُ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ وَأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ بِالْفِقْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَخَبَرُ الْمُصَرَّاةِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ مَتْنًا وَأَقْوَى سَنَدًا وَرَاوِيهِ وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَعْلَى رُتْبَةً فِي الْعِلْمِ مِنْ مَعْبَدٍ. قُلْنَا: قَدْ رَوَى خَبَرَ الْقَهْقَهَةِ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِثْلُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَعَمِلَ بِهِ كُبَرَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِثْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَمَكْحُولٍ فَلِذَلِكَ وَجَبَ قَبُولُهُ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْقِيَاسِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ شَنَّعَ عَلَيْنَا وَنَسَبَ أَصْحَابَنَا إلَى الطَّعْنِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ سُلُوكًا لِلْمُعَانَدَةِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا نَتَّبِعُ الصَّحَابَةَ فَنَقُولُ: لَا إشْكَالَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَكَانَا مُقَدَّمَيْنِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى وَكَانَا لَا يَرَيَانِ تَرْكَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ رَوَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِيَاسِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ

стр. 699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] بِالسُّنَّةِ وَكَذَا عَائِشَةُ وَعَلِيٌّ ﵃ فَاتَّبَعْنَا الصَّحَابَةَ فِي تَرْكِ رِوَايَتِهِ بِالْقِيَاسِ وَلَكِنَّا لَا نَظُنّ بِهِ وَبِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ إلَّا الصِّدْقَ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ فِقْهِ الرَّاوِي لِتَقْدِيمِ خَبَرِهِ عَلَى الْقِيَاسِ مَذْهَبُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ وَخَبَرَ الْعَرَايَا وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ. فَأَمَّا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَلَيْسَ فِقْهُ الرَّاوِي بِشَرْطٍ لِتَقْدِيمِ خَبَرِهِ عَلَى الْقِيَاسِ بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ كُلِّ عَدْلٍ ضَابِطٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ مِنْ الرَّاوِي بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ وَضَبْطِهِ مَوْهُومٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْوِي كَمَا سَمِعَ وَلَوْ غَيَّرَ لَغَيَّرَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ الْمَعْنَى هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالرُّوَاةِ الْعُدُولِ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ وَرَدَّتْ بِلِسَانِهِمْ فَعِلْمُهُمْ بِاللِّسَانِ يَمْنَعُ مِنْ غَفْلَتِهِمْ عَنْ الْمَعْنَى وَعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلَيْهِ وَعَدَالَتُهُمْ وَتَقْوَاهُمْ تَدْفَعُ تُهْمَةَ التَّزَايُدِ عَلَيْهِ وَالنُّقْصَانِ عَنْهُ قَالَ: وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ وَهْنًا فِي رِوَايَتِهِ، وَالْوُقُوفُ عَلَى الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ مُتَعَذِّرٌ فَيَجِبُ الْقَبُولُ كَيْ لَا يَتَوَقَّفَ الْعَمَلُ بِالْأَخْبَارِ. وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَبِلَ حَدِيثَ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ فِي الْجَنِينِ وَقَضَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ إنْ كَانَ حَيًّا وَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ كِدْنَا أَنْ نَقْضِيَ فِيهِ بِرَأْيِنَا وَفِيهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَبِلَ أَيْضًا خَبَرَ الضَّحَّاكِ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَكَانَ الْقِيَاسُ خِلَافَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا كَانَ يَمْلِكُهُ الْمُوَرِّثُ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالزَّوْجُ لَا يَمْلِكُ الدِّيَةَ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا بَلْ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَلَمْ يُنْقَلْ التَّفْضِيلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الصَّائِمِ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَوْلَا الرِّوَايَةُ لَقُلْتُ بِالْقِيَاسِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي بَعْضِ أَمَالِيهِ أَنَّهُ أَخَذَ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَأَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ مَا جَاءَنَا عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ اشْتِرَاطُ الْفِقْهِ فِي الرَّاوِي فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُسْتَحْدَثٌ وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ وَالْعَرِيَّةِ وَأَشْبَاهِهِمَا فَقَالَ: إنَّمَا تَرَكَ أَصْحَابُنَا الْعَمَلَ بِهَا لِمُخَالَفَتِهَا الْكِتَابَ أَوْ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَة لَا لِفَوَاتِ فِقْهِ الرَّاوِي وَأَنَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا بَيَّنَّا وَحَدِيثُ الْعَرِيَّةِ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ، قَوْلُهُ ﵇ «وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ كَيْلٌ بِكَيْلٍ» عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا بَلْ كَانَ فَقِيهًا وَلَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الِاجْتِهَادِ وَقَدْ كَانَ يُفْتِي فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَمَا كَانَ يُفْتِي فِي ذَلِكَ الزَّمَانَ إلَّا فَقِيهٌ مُجْتَهِدٌ وَكَانَ مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﵇ لَهُ بِالْحِفْظِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِيهِ حَتَّى انْتَشَرَ فِي الْعَالَمِ ذِكْرُهُ وَحَدِيثُهُ وَقَالَ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْهَا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَوَى عَنْهُ سَبْعُمِائَةِ نَفَرٍ مِنْ أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ

стр. 700

وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ الْمَجْهُولَ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِأَنْ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِحَدِيثٍ أَوْ بِحَدِيثَيْنِ مِثْلُ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ــ [كشف الأسرار] وَالْأَنْصَارِ وَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْهُ فَلَا وَجْهَ إلَى رَدِّ حَدِيثِهِ بِالْقِيَاسِ. [الرَّاوِي الْمَجْهُولُ] ، قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَجْهُولُ) إلَى آخِرِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ السَّلَفِ وَجَمَاهِيرَ الْخَلَفِ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَالَةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ﵃؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُمْ ثَبَتَتْ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ فِي آيٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] وَقَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] فِي شَوَاهِدَ لَهَا كَثِيرَةٍ وَبِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا اهْتِدَاءَ مِنْ غَيْرِ عَدَالَةٍ وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا تَذْكُرُوا أَصْحَابِي إلَّا بِخَيْرٍ فَلَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ» . وَقَوْلُهُ ﵇ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لِي أَصْحَابًا وَأَصْهَارًا وَأَنْصَارًا» وَاخْتِيَارُ اللَّهِ لَا يَكُونُ لِمَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَلَا تَعْدِيلَ أَعْلَى مِنْ تَعْدِيلِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَتَعْدِيلِ رَسُولِهِ كَيْفَ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ الثَّنَاءُ لَكَانَ مَا اُشْتُهِرَ وَتَوَاتَرَ مِنْ حَالِهِمْ فِي الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَبَذْلِهِمْ الْجُهْدَ وَالْأَمْوَالَ وَقَتْلِهِمْ الْآبَاءَ وَالْأَوْلَادَ فِي مُوَالَاةِ الرَّسُولِ وَنُصْرَتِهِ كَافِيًا فِي الْقَطْعِ بِعَدَالَتِهِمْ. وَأَمَّا مَا جَرَى بَيْنَهُمْ مِنْ الْفِتَنِ فَبِنَاءً عَلَى التَّأْوِيلِ وَالِاجْتِهَادِ فَإِنَّ كُلَّ فَرِيقٍ ظَنَّ أَنَّ الْوَاجِبَ مَا صَارَ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَوْفَقَ لِلدِّينِ وَأَصْلَحَ لِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ طَعْنًا فِيهِمْ وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ فَذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﵇ لَحْظَةً فَهُوَ صَحَابِيٌّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَقٌّ مِنْ الصُّحْبَةِ وَهِيَ تَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِمَنْ اخْتَصَّ بِالنَّبِيِّ ﵇ وَطَالَتْ صُحْبَتُهُ مَعَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّتَبُّعِ لَهُ وَالْأَخْذِ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا لَا يُوصَفُ مَنْ جَالَسَ عَالِمًا سَاعَةً بِأَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَذَا إذَا أَطَالَ الْمُجَالَسَةَ مَعَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِ التَّتَبُّعِ لَهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ. وَكَذَا لَوْ حَلَفَ زَيْدٌ أَنَّهُ لَيْسَ صَاحِبَ عَمْرٍو وَقَدْ صَحِبَهُ لَحْظَةً لَا يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀ الِاسْمُ لَا يَنْطَلِقُ إلَّا عَلَى مَنْ صَحِبَهُ ثُمَّ يَكْفِي لِلِاسْمِ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ الصُّحْبَةُ وَلَوْ سَاعَةً، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تُخَصِّصُ الِاسْمَ بِمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ وَالنَّقْلِ الصَّحِيحِ، وَلَا حَدَّ لِتِلْكَ الْكَثْرَةِ بِتَقْدِيرٍ بَلْ بِتَقْرِيبٍ قُلْت وَسَمِعْت عَنْ شَيْخِي ﵀ أَنَّ أَدْنَاهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَذَكَرَ فِي الْكِفَايَةِ لِأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ: الصَّحَابَةُ لَا نَعُدُّهُمْ إلَّا مَنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ وَغَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ وَإِذَا عَرَفْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ الْمَجْهُولَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَاتُهُ إلَّا بِرِوَايَةٍ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ رَوَاهُ وَلَمْ يُعْرَفْ عَدَالَتُهُ، وَلَا فِسْقُهُ، وَلَا طُولُ صُحْبَتِهِ وَقَدْ عُرِفَتْ عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ وَاشْتُهِرَ طُولُ صُحْبَتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ هُوَ دَاخِلًا فِيهِمْ وَعَلِمْت أَنَّ وَابِصَةَ وَسَلَمَةَ وَمَعْقِلًا، وَإِنْ رَأَوْا النَّبِيَّ ﵇ وَرَوَوْا عَنْهُ لَا يُعَدُّونَ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْأُصُولِيُّونَ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ طُولِ صُحْبَتِهِمْ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀؛ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْ بِالْمَجْهُولِ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِطُولِ الصُّحْبَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﵇؛ وَإِنَّمَا

стр. 701

وَسَلَمَةَ بْنُ الْمُحَبِّقِ وَمَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ فَإِنْ رَوَى عَنْهُ السَّلَفُ وَشَهِدُوا لَهُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ صَارَ حَدِيثُهُ مِثْلَ حَدِيثِ الْمَعْرُوفِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ الطَّعْنِ بَعْدَ النَّقْلِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ بَيَانٌ، وَلَا يُتَّهَمُ السَّلَفُ بِالتَّقْصِيرِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ مَعَ نَقْلِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا مِثْلُ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَشْجَعِيِّ فِي حَدِيثِ «بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ الْأَشْجَعِيَّةِ أَنَّهُ مَاتَ عَنْهَا هِلَالُ بْنُ أَبِي مُرَّةَ وَلَمْ يَكُنْ فَرَضَ لَهَا وَلَا دَخَلَ بِهَا فَقَضَى لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَهْرِ مِثْلِ نِسَائِهَا» فَعَمِلَ بِحَدِيثِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ ــ [كشف الأسرار] عُرِفَ بِمَا رَوَى مِنْ حَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ. وَإِنَّمَا فَسَّرَ الشَّيْخُ الْمَجْهُولَ بِقَوْلِهِ: نَعْنِي بِهِ الْمَجْهُولَ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَتِلْكَ الْجَهَالَةُ مَانِعَةٌ عَنْ الْقَبُولِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَانِعَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ فَكَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْهَا وَسَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبِّقِ بِكَسْرِ الْبَاءِ لَا غَيْرُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَاسْمُ الْمُحَبِّقِ صَخْرُ بْنُ الْبُلَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ وَيُقَالُ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُحَبِّقِ نُسِبَ إلَى جَدِّهِ رَوَى عَنْ «النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَإِنْ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا» وَلَمْ نَعْمَلْ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ يَرُدُّهُ وَهُوَ كَالْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ كَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ. وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَكِلَاهُمَا مِمَّنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﵇ فَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ مِنْ مُزَيْنَةِ مُضَرَ وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ سَكَنَ الْبَصْرَةَ مَاتَ فِي وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فِي آخَرِ سِنِي مُعَاوِيَةَ وَمَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ مِنْ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ أَبِي مُحَمَّدٍ وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَقُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ بِالْمَدِينَةِ صَبْرًا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَوَابِصَةُ وَهُوَ ابْنُ مَعْبَدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ كَعْب نَزَلَ الْكُوفَةَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْجَزِيرَةِ وَبِهَا مَاتَ. وَعَنْ وَابِصَةَ أَنَّ «رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵇ أَنْ يُعِيدَ» وَقَوْلُهُ وَشَهِدُوا لَهُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْهُ لِلْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ لَا لِلرَّدِّ عَلَيْهِ صَارَ حَدِيثُهُ مِثْلَ حَدِيثِ الْمَعْرُوفِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ يَعْنِي مِثْلَ حَدِيثِ الْمَعْرُوفِ بِالْفِقْهِ وَالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ فَيُقْبَلُ وَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ فِقْهٍ وَضَبْطٍ وَتَقْوَى وَلَمْ يُتَّهَمُوا بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَكَانُوا لَا يَقْبَلُونَ الْحَدِيثَ حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُمْ رَدُّ مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ فَلَا يَكُونُ قَبُولُهُمْ إلَّا لِعِلْمِهِمْ بِعَدَالَةِ هَذَا الرَّاوِي وَحُسْنِ ضَبْطِهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَوْ لِرِوَايَةِ بَعْضِ الْمَشْهُورِينَ عَنْهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَمْ يَظْهَرْ عَدَالَتُهُ وَلَا ضَبْطُهُ فَقَالَ قَدْ صَارَ مِثْلَ الْمَعْرُوفِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَتَعْدِيلِهِمْ إيَّاهُ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ الطَّعْنِ بَعْدَ النَّقْلِ فَكَذَلِكَ يَعْنِي إنْ سَكَتُوا عَنْ الرَّدِّ بَعْدَمَا بَلَغَهُمْ رِوَايَتُهُ الْحَدِيثَ فَهُوَ مَقْبُولٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ لَا يَحِلُّ إلَّا عَلَى وَجْهِ الرِّضَاءِ بِالْمَسْمُوعِ وَالْمَرْئِيِّ فَكَانَ سُكُوتُهُمْ عَنْ الرَّدِّ دَلِيلَ التَّقْرِيرِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبِلُوهُ وَرَوَوْا عَنْهُ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَتَطَرَّقَتْ نِسْبَةُ التَّقْصِيرِ إلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يُتَّهَمُوا بِذَلِكَ. ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ مَعَ نَقْلِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ أَيْ إنْ عَمِلَ بِهِ الْبَعْضُ وَرَدَّ الْبَعْضُ يُقْبَلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ صَارَ كَأَنَّهُ رَوَاهُ بِنَفْسِهِ مِثْلُ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيِّ فِي حَدِيثِ بِرْوَعَ أَيْ قِصَّتِهَا وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ سُئِلَ عَمَّنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا حَتَّى مَاتَ عَنْهَا فَلَمْ يُجِبْ شَهْرًا وَكَانَ السَّائِلُ يَتَرَدَّدُ إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ شَهْرٍ: أَجْتَهِدُ فِيهِ بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُ خَطَأً فَمِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ وَفِي رِوَايَةٍ فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ

стр. 702

وَرَدَّهُ عَلِيٌّ ﵁ لَمَّا خَالَفَ رَأْيَهُ، وَقَالَ: مَا نَصْنَعُ بِقَوْلِ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ وَلَمْ يَعْمَلْ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِهَذَا الْقِسْمِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا هُوَ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَ الْقِيَاسَ عِنْدَنَا؛ وَإِنَّمَا يُتْرَكُ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الثِّقَاتُ، مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ وَمَسْرُوقٍ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ فَثَبَتَ بِرِوَايَتِهِمْ عَدَالَتُهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ قَرْنِ الْعُدُولِ فَلِذَلِكَ صَارَ حُجَّةً، وَسَاعَدَهُ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ مِنْهُمْ أَبُو الْجَرَّاحِ وَغَيْرُهُ. ــ [كشف الأسرار] وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ أَرَى فِيهَا مَهْرَ مِثْلِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ فِيهِ، وَلَا شَطَطَ أَيْ لَا نَقْصَ وَلَا مُجَاوَزَةَ حَدٍّ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ وَأَبُو الْجَرَّاحِ صَاحِبُ رَايَةِ الْأَشْجَعِيِّينَ وَقَالَا: نَشْهَدُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ الْأَشْجَعِيَّةِ مِنْ بَنِي رَآَّسِ بْنِ كِلَابٍ بِمِثْلِ قَضَائِك هَذَا وَقَدْ كَانَ هِلَالُ بْنُ مُرَّةَ مَاتَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ فَرْضِ مَهْرٍ وَدُخُولٍ» فَسُرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ بِذَلِكَ سُرُورًا لَمْ يُسَرَّ مِثْلَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ لِمَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَرَدَّهُ عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ مَا نَصْنَعُ بِقَوْلِ إعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ حَسْبُهَا الْمِيرَاثُ وَلَمَّا اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِهِ أَخَذْنَا بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَفِي قَوْلِهِ لَمَّا خَالَفَ رَأْيَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّهُ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ الَّذِي عِنْدَهُ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ عَادَ إلَيْهَا سَالِمًا فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِمُقَابَلَتِهِ عِوَضًا كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَجَعَلَ الرَّأْيَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مِثْلِ هَذَا الْمَجْهُولِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا أَيْضًا كَمَا سَنُبَيِّنُ وَقِيلَ إنَّمَا رَدَّهُ لِمَذْهَبٍ تَفَرَّدَ بِهِ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ تَخَلُّفَ الرَّاوِي وَلَمْ يَرَ هَذَا الرَّجُلَ لِتَخَلُّفِهِ. وَقَوْلُهُ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِنْ الَّذِينَ غَلَبَ فِيهِمْ الْجَهْلُ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَسُكَّانِ الرِّمَالِ إذْ مِنْ عَادَتِهِمْ الِاحْتِبَاءُ فِي الْجُلُوسِ مِنْ غَيْرِ إزَارٍ وَالْبَوْلُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي جَلَسُوا فِيهِ إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِإِصَابَتِهِ أَعْقَابَهُمْ وَذَلِكَ مِنْ الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الِاحْتِيَاطِ وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ بِرْوَعَ اسْمُ امْرَأَةٍ وَهِيَ بِرْوَعَ بِنْتُ وَاشِقٍ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعْوَلٌ إلَّا خِرْوَعٌ وَعِتْوَدٌ اسْمُ وَادٍ وَاعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ مَرْدُودٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ رَدُّوا أَخْبَارَ الْمَجَاهِيلِ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ رَدَّ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَعَلِيًّا ﵁ رَدَّ خَبَرَ الْأَشْجَعِيَّ وَمَنْ رَدَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ مِنْهُمْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى رَدِّهِ وَعِنْدَنَا خَبَرُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ كَانَتْ أَصْلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» الْحَدِيثَ «وَالنَّبِيُّ ﵇ قَبِلَ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ مِنْ غَيْرِ تَفَحُّصٍ عَنْ عَدَالَتِهِ؛ وَإِنَّمَا تَفَحَّصَ عَنْ إسْلَامِهِ فَقَطْ فَقَالَ حِينَ أَخْبَرَ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالصَّوْمِ» : وَهَذَا يَرُدُّ تَأْوِيلَهُمْ أَنَّهُ ﵇ عَرَفَ عَدَالَتَهُ إمَّا بِالْوَحْيِ أَوْ بِالْخِبْرَةِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِإِسْلَامِهِ فَكَيْفَ بِعَدَالَتِهِ وَأَمَّا رَدُّ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَخْبَارَ الْمَجَاهِيلِ فَبِنَاءً عَلَى عَوَارِضَ عَلَى مَا عُرِفَ كَذَا ذَكَرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ ثُمَّ هُوَ مُنْقَسِمٌ عَلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ مَقْبُولٌ لِمَا بَيَّنَّا. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ، وَإِنْ عَمِلَ الرَّاوِي بِالْخَبَرِ كَانَ ذَلِكَ تَعْدِيلًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجِبِ الْخَبَرِ لَا لِأَجْلِ الْخَبَرِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقِسْمُ الثَّانِي مَقْبُولًا بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِمْ السُّكُوتُ عِنْدَ مَعْرِفَةِ بُطْلَانِهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقِسْمَ الرَّابِعَ مَرْدُودٌ فَكَانَ الْقِسْمُ الْخَامِسُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ كَذَلِكَ أَيْضًا وَإِلَيْهِ يُشِيرُ، قَوْلُهُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْقِسْمِ دُونَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَيُقْبَلُ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا يُقْبَلُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ عَارَضَ الْقَبُولَ فَيَتَسَاقَطَانِ وَيَصِيرُ الْخَبَرُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ لَمْ يَلْحَقْهُ

стр. 703

فَأَمَّا إذَا كَانَ ظَهَرَ حَدِيثُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ السَّلَفِ إلَّا الرَّدُّ لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ وَصَارَ مُسْتَنْكَرًا لَا يُعْمَلُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَصَارَ هَذَا غَيْرَ حُجَّةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى الْعَكْسِ مِنْ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ حُجَّةٌ يُحْتَمَلُ شُبْهَةً عِنْدَ التَّأَمُّلِ ــ [كشف الأسرار] رَدٌّ وَلَا قَبُولٌ فَيَلْتَحِقُ بِالْقِسْمِ الْخَامِسِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِسْمُ مَقْبُولًا بِالِاتِّفَاقِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ فَإِنْ خَالَفَهُ يُرَدُّ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ الْوَاقِعَ فِي قَبُولِهِ كَانَ أَدْنَى حَالًا مِنْ الَّذِي اُتُّفِقَ عَلَى قَبُولِهِ فَيُشْتَرَطُ تَأَيُّدُهُ بِالْقِيَاسِ كَالْقِسْمِ الْخَامِسِ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّ هَذَا الْمِثَالَ وَهُوَ حَدِيثُ مَعْقِلٍ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ عِنْدَنَا وَيَتَأَكَّدُ بِالْمَوْتِ كَمَا يَتَأَكَّدُ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ بِالْمَوْتِ يَنْتَهِي النِّكَاحُ الَّذِي هُوَ عَقْدُ الْعُمْرِ وَالشَّيْءُ إذَا انْتَهَى تَقَرَّرَ كَانْتِهَاءِ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَطْءُ؛ وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْعِدَّةُ فَيَجِبُ تَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ وَإِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْفَرْضِ وَبِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهَا إلَى أَنْ مَاتَ الزَّوْجُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ رَجَعَ إلَيْهَا سَالِمًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَبِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ وَجَبَ رَدُّهُ بِهِ فَعَلَى هَذَا كَانَ، قَوْلُهُ وَلَمْ يَعْمَلْ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْقِسْمِ إلَى آخِرِهِ بَيَانًا أَنَّ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ فِي الْمِثَالِ لَا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَكَذَلِكَ وَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِهَذَا الْقِسْمِ بِهَذَا الْمِثَالِ الَّذِي هُوَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَلَوْ جَعَلْت اسْمَ الْإِشَارَةِ رَاجِعًا إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَكَذَلِكَ لَا يُلَائِمُهُ التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْلُو الْكَلَامُ عَنْ نَوْعِ اشْتِبَاهٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَقَوْلُهُ وَقَدْ رَوَى أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ أَيْ عَنْ مَعْقِلٍ الثِّقَاتُ أَيْ الْعُدُولُ مِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَعَلْقَمَةُ وَغَيْرِهِ مِنْ الْقَرْنِ الثَّانِي فَثَبَتَ بِرِوَايَتِهِمْ عَنْهُ وَعِلْمِهِمْ بِهِ عَدَالَتُهُ دَلِيلٌ ثَانٍ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ. وَقَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ أَيْ مَعْقِلًا مِنْ قَرْنِ الْعُدُولِ دَلِيلٌ ثَالِثٌ، وَإِشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ فِي الْكُفْرِ وَالصِّبَا لَا تُقْبَلُ فَكَذَا رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْحَالِ فِي الْفِسْقِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْعَدَالَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَصْلٌ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ ﵇ فَوَجَبَ التَّمَسُّكُ بِهِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ مُعَارِضٌ يَنْقُضُهُ فَأَمَّا الصِّبَا وَالْكُفْرُ فِي مَجْهُولِ الْحَالِ فِيهِمَا فَأَصْلٌ فَلَا يُتْرَكُ إلَّا بِيَقِينٍ يُعَارِضُهُ فَيَفْتَرِقَانِ. قَوْلُهُ (فَأَمَّا إذَا ظَهَرَ حَدِيثُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ السَّلَفِ إلَّا الرَّدُّ) فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُتَّهَمُونَ بِرَدِّ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهِ وَتَرْجِيحُ الرَّأْيِ بِخِلَافِهِ عَلَيْهِ فَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى الرَّدِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ اتَّهَمُوهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ قَالَ الرَّاوِي أَوْهَمْت لَمْ يُعْمَلْ بِرِوَايَتِهِ فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِمَّنْ فَوْقَهُ وَهُوَ رَدُّ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ أَوْلَى كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ مُنْكَرًا وَمُسْتَنْكَرًا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ لَمْ يَعْرِفُوا صِحَّتَهُ وَهُوَ دُونَ الْمَوْضُوعِ فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا مِثْلَ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» فَوَضَعَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لِمَا كَانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِنْ الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَيَدَّعِي التَّنَبُّؤَ فَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ حَدِيثًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ فَكَوْنُهُ مَوْضُوعًا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لَهُمْ أَيْضًا فَكَانَ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي صَادِقًا فِي الرِّوَايَةِ وَلَكِنَّهُ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا فِي حَقِّ

стр. 704

وَأَمَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ فِي السَّلَفِ فَلَمْ يُقَابَلْ بِرَدٍّ، وَلَا قَبُولٍ لَمْ يُتْرَكْ بِهِ الْقِيَاسُ وَلَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ لَكِنْ الْعَمَلُ بِهِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَصْلٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلِذَلِكَ جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْقَضَاءَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْدِيلٍ حَتَّى أَنَّ رِوَايَةَ مِثْلِ هَذَا الْمَجْهُولِ فِي زَمَانِنَا لَا تُحِلُّ الْعَمَلَ بِهِ لِظُهُورِ الْفِسْقِ فَصَارَ الْمُتَوَاتِرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ وَالْمَشْهُورُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عِلْمَ غَالِبِ الرَّأْيِ وَالْمُسْتَنْكَرُ مِنْهُ يُفِيدُ الظَّنَّ ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] وَالْمُسْتَتِرُ مِنْهُ فِي حَيِّزِ الْجَوَازِ لِلْعَمَلِ بِهِ دُونَ الْوُجُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [كشف الأسرار] الْجَوَازِ، وَلَا فِي حَقِّ الْوُجُوبِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ إذَا انْفَرَدَ الرَّاوِي بِشَيْءٍ فَإِنْ كَانَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْحِفْظِ لِذَلِكَ وَالضَّبْطِ كَانَ مَا انْفَرَدَ بِهِ شَاذًّا مَرْدُودًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ بَلْ هُوَ أَمْرٌ رَوَاهُ هُوَ وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ عَدْلًا حَافِظًا مَوْثُوقًا بِإِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ قُبِلَ مَا انْفَرَدَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُوثَقُ بِحِفْظِهِ كَانَ انْفِرَادُهُ بِهِ جَازِمًا لَهُ مُزَحْزِحًا لَهُ عَنْ حَيِّزِ الصَّحِيحِ ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ دَائِرٌ بَيْنَ مَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٍ بِحَسَبِ الْحَالِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمُنْفَرِدُ بِهِ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ دَرَجَةِ الْحَافِظِ الضَّابِطِ الْمَقْبُولِ تَفَرُّدُهُ اسْتَحْسَنَّا حَدِيثَهُ ذَلِكَ وَلَمْ نَحُطَّهُ إلَى قَبِيلِ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ ذَلِكَ رَدَدْنَا مَا انْفَرَدَ بِهِ وَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الشَّاذِّ الْمُنْكَرِ فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّاذَّ الْمَرْدُودَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا الْحَدِيثُ الْفَرْدُ الْمُخَالِفُ وَالثَّانِي الْفَرْدُ الَّذِي لَيْسَ فِي رَاوِيهِ مِنْ الثِّقَةِ وَالضَّبْطِ مَا يَقَعُ جَابِرًا لِمَا يُوجِبُهُ التَّفَرُّدُ وَالشُّذُوذُ مِنْ النَّكَارَةِ وَالضَّعْفِ ثُمَّ قَالَ وَالصَّوَابُ فِي الْمُنْكَرِ التَّفْصِيلُ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الشَّاذِّ فَإِنَّهُ بِمَعْنَاهُ فَالْمُنْكَرُ يَكُونُ قِسْمَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّاذِّ، قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ) أَيْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ حَدِيثُ هَذَا الْمَجْهُولِ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ مِنْهُمْ رَدٌّ، وَلَا قَبُولٌ فَلَمْ يُتْرَكْ بِهِ الْقِيَاسُ وَلَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ فِي زَمَانِنَا يَعْنِي إذَا ظَهَرَ حَدِيثُهُ فِي زَمَانِنَا لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِهِ يَجُوزُ إذَا وَافَقَ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَالْعَدَالَةُ ثَابِتَةٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ غَلَبَةِ الْعَدَالَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الظَّاهِرِ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ فِي السَّلَفِ يَتَمَكَّنُ تُهْمَةُ الْوَهْمِ فِيهِ فَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إذَا وَافَقَ الْقِيَاسَ عَلَى وَجْهِ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ شَرْعًا لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذَا الطَّرِيقِ الضَّعِيفِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَإِنْ قِيلَ: إذَا وَافَقَهُ الْقِيَاسُ وَلَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ فَمَا فَائِدَةُ جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ قُلْنَا: هِيَ جَوَازُ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ نَافِي الْقِيَاسِ مِنْ مَنْعِ هَذَا الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ مُضَافًا إلَى الْحَدِيثِ. ؛ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِ الْعَدَالَةِ أَصْلًا فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْقَضَاءَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ أَيْ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ، وَالْغَالِبُ عَلَى أَهْلِهِ الصِّدْقُ فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَخَبَرُ مِثْلِ هَذَا الْمَجْهُولِ لَا يُقْبَلُ، وَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَتَأَيَّدْ بِقَبُولِ الْعُدُولِ لِغَلَبَةِ الْفِسْقِ عَلَى أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْقَضَاءَ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي زَمَانِ فُشُوِّ الْكَذِبِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَانَ مَجْهُولًا لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ إنْ عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ أَوْ التَّابِعُونَ ﵃ بِمَا رَوَى يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِهِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الرَّاوِي بِالْعَدَالَةِ وَثُبُوتِ مَا رَوَى وَأَمَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، وَلَا عَمَلُ التَّابِعِينَ فَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ فَإِذَا خَالَفَهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ حِينَئِذٍ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يُوَافِقْ الْقِيَاسَ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ﵏ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَالشَّافِعِيُّ ﵀ يَقُولُ بِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ وَهِيَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْأَخْبَارِ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ فِي إيجَابِ الْمَهْرِ فِي الْمُفَوِّضَةِ. وَأَصْحَابُنَا قَالُوا الظَّاهِرُ

стр. 705

وَمِثَالُ الْمُسْتَنْكَرِ مِثْلُ حَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَا سُكْنَى» فَقَدْ رَدَّهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ ــ [كشف الأسرار] مِنْ حَالِهِمْ الْعَدَالَةُ، وَالْفِسْقُ بِأُمُورٍ عَارِضَةٍ فَيَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا يُجْعَلُ فِي حَقِّ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْقِلٍ فَقَدْ قَبِلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَا يَقْبَلُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالْعَدَالَةِ فَثَبَتَ عَدَالَتُهُ فَيَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ عَلَى أَنَّ مَعْقِلًا رَجُلٌ مَعْرُوفٌ عَدْلٌ عَدَّلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الثِّقَاتِ مِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏، وَإِنْ كَانَا يَشْتَرِطَانِ الْعَدَالَةَ حَقِيقَةً وَلَا يَكْتَفِيَانِ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ هُوَ زَمَانُ الصَّحَابَةِ كَانَ الْغَالِبُ الْعَدَالَةُ فِيهِمْ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ ثُمَّ لَخَصَّ الشَّيْخُ الْكَلَامَ وَبَيَّنَ حَاصِلَهُ فَقَالَ: فَصَارَ الْمُتَوَاتِرُ مِنْ الْخَبَرِ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ وَفِي مُقَابَلَتِهِ الْمَوْضُوعُ لِانْقِطَاعِ احْتِمَالِ كَوْنِهِ حُجَّةً بِالْكُلِّيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِلْمُ طُمَأْنِينَةٍ وَفِي مُقَابَلَتِهِ الْمُنْكَرُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ حُجَّةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ حُجَّةٍ وَالْمُنْكَرُ عَلَى عَكْسِهِ. وَالْمُرَادُ مِنْ الظَّنِّ فِي قَوْلِهِ وَالْمُسْتَنْكَرُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْخَبَرِ يُفِيدُ الظَّنَّ الْوَهْمُ فَإِنَّ الظَّنَّ مَا كَانَ جَانِبُ الثُّبُوتِ فِيهِ رَاجِحًا وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ وَالْوَهْمُ مَا كَانَ عَدَمُ الثُّبُوتِ فِيهِ رَاجِحًا وَالْمُسْتَنْكَرُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عِلْمُ غَالِبِ الرَّأْيِ أَيْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ مَعْرُوفٌ بِالضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ أَوْ فِي حُكْمِ الْمَعْرُوفِ وَفِي مُقَابَلَتِهِ الْمُسْتَتِرُ أَيْ خَبَرُ الْمَجْهُولِ الَّذِي هُوَ لَمْ يُقَابَلْ بِرَدٍّ، وَلَا قَبُولٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَهَذَا لَا يُوجِبُهُ، قَوْلُهُ (وَمِثَالُ الْمُسْتَنْكَرِ) كَذَا الْمَبْتُوتَةُ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى عِنْدَنَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ لِحَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَخْبَرَتْ أَنَّ زَوْجَهَا أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَأُمِرَ بِنَفَقَةِ أَصْوُعٍ مِنْ شَعِيرٍ فَاسْتَقَلَّتْهَا وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَهُ مَعَ عَلِيٍّ ﵄ نَحْوَ الْيَمَنِ فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إلَى النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا عَمْرٍو طَلَّقَ فَاطِمَةَ ثَلَاثًا فَهَلْ لَهَا نَفَقَةٌ فَقَالَ ﷺ لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ، وَلَا سُكْنَى وَأَرْسَلَ إلَيْهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهَا أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ فَانْتَقِلِي إلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّك إذَا وَضَعْت خِمَارَكِ لَمْ يَرَكِ» وَأَمَّا الْفَرِيقُ الثَّانِي فَيَقُولُونَ لَيْسَ فِي رِوَايَاتِ أَهْلِ الْحِجَازِ ذِكْرُ السُّكْنَى فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ وَالْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «لَا نَفَقَةَ لَك إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا إنَّمَا النَّفَقَةُ لِمَنْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَجْعَتَهَا» فَأَوْجَبْنَا السُّكْنَى بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعُمُّ الْمَبْتُوتَةَ وَالْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ وَلَمْ يُوجِبْ النَّفَقَةَ بِالْحَدِيثِ وَبِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَإِنَّهُ بِمَفْهُومِهِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْحَمْلِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ صِلَةً لِلزَّوْجِيَّةِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ
следующие страницы →