Полный текст (1 522 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وَسَلَمَةَ بْنُ الْمُحَبِّقِ وَمَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ فَإِنْ رَوَى عَنْهُ السَّلَفُ وَشَهِدُوا لَهُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ صَارَ حَدِيثُهُ مِثْلَ حَدِيثِ الْمَعْرُوفِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ الطَّعْنِ بَعْدَ النَّقْلِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ بَيَانٌ، وَلَا يُتَّهَمُ السَّلَفُ بِالتَّقْصِيرِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ مَعَ نَقْلِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا مِثْلُ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَشْجَعِيِّ فِي حَدِيثِ «بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ الْأَشْجَعِيَّةِ أَنَّهُ مَاتَ عَنْهَا هِلَالُ بْنُ أَبِي مُرَّةَ وَلَمْ يَكُنْ فَرَضَ لَهَا وَلَا دَخَلَ بِهَا فَقَضَى لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَهْرِ مِثْلِ نِسَائِهَا» فَعَمِلَ بِحَدِيثِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁
ــ
[كشف الأسرار]
عُرِفَ بِمَا رَوَى مِنْ حَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ.
وَإِنَّمَا فَسَّرَ الشَّيْخُ الْمَجْهُولَ بِقَوْلِهِ: نَعْنِي بِهِ الْمَجْهُولَ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَتِلْكَ الْجَهَالَةُ مَانِعَةٌ عَنْ الْقَبُولِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَانِعَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ فَكَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْهَا وَسَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبِّقِ بِكَسْرِ الْبَاءِ لَا غَيْرُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَاسْمُ الْمُحَبِّقِ صَخْرُ بْنُ الْبُلَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ وَيُقَالُ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُحَبِّقِ نُسِبَ إلَى جَدِّهِ رَوَى عَنْ «النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَإِنْ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا» وَلَمْ نَعْمَلْ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ يَرُدُّهُ وَهُوَ كَالْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ كَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ.
وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَكِلَاهُمَا مِمَّنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﵇ فَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ مِنْ مُزَيْنَةِ مُضَرَ وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ سَكَنَ الْبَصْرَةَ مَاتَ فِي وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فِي آخَرِ سِنِي مُعَاوِيَةَ وَمَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ مِنْ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ أَبِي مُحَمَّدٍ وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَقُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ بِالْمَدِينَةِ صَبْرًا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَوَابِصَةُ وَهُوَ ابْنُ مَعْبَدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ كَعْب نَزَلَ الْكُوفَةَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْجَزِيرَةِ وَبِهَا مَاتَ.
وَعَنْ وَابِصَةَ أَنَّ «رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵇ أَنْ يُعِيدَ» وَقَوْلُهُ وَشَهِدُوا لَهُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْهُ لِلْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ لَا لِلرَّدِّ عَلَيْهِ صَارَ حَدِيثُهُ مِثْلَ حَدِيثِ الْمَعْرُوفِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ يَعْنِي مِثْلَ حَدِيثِ الْمَعْرُوفِ بِالْفِقْهِ وَالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ فَيُقْبَلُ وَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ فِقْهٍ وَضَبْطٍ وَتَقْوَى وَلَمْ يُتَّهَمُوا بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَكَانُوا لَا يَقْبَلُونَ الْحَدِيثَ حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُمْ رَدُّ مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ فَلَا يَكُونُ قَبُولُهُمْ إلَّا لِعِلْمِهِمْ بِعَدَالَةِ هَذَا الرَّاوِي وَحُسْنِ ضَبْطِهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَوْ لِرِوَايَةِ بَعْضِ الْمَشْهُورِينَ عَنْهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَمْ يَظْهَرْ عَدَالَتُهُ وَلَا ضَبْطُهُ فَقَالَ قَدْ صَارَ مِثْلَ الْمَعْرُوفِ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَتَعْدِيلِهِمْ إيَّاهُ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ الطَّعْنِ بَعْدَ النَّقْلِ فَكَذَلِكَ يَعْنِي إنْ سَكَتُوا عَنْ الرَّدِّ بَعْدَمَا بَلَغَهُمْ رِوَايَتُهُ الْحَدِيثَ فَهُوَ مَقْبُولٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ لَا يَحِلُّ إلَّا عَلَى وَجْهِ الرِّضَاءِ بِالْمَسْمُوعِ وَالْمَرْئِيِّ فَكَانَ سُكُوتُهُمْ عَنْ الرَّدِّ دَلِيلَ التَّقْرِيرِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبِلُوهُ وَرَوَوْا عَنْهُ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَتَطَرَّقَتْ نِسْبَةُ التَّقْصِيرِ إلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يُتَّهَمُوا بِذَلِكَ.
، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ مَعَ نَقْلِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ أَيْ إنْ عَمِلَ بِهِ الْبَعْضُ وَرَدَّ الْبَعْضُ يُقْبَلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ صَارَ كَأَنَّهُ رَوَاهُ بِنَفْسِهِ مِثْلُ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيِّ فِي حَدِيثِ بِرْوَعَ أَيْ قِصَّتِهَا وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ سُئِلَ عَمَّنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا حَتَّى مَاتَ عَنْهَا فَلَمْ يُجِبْ شَهْرًا وَكَانَ السَّائِلُ يَتَرَدَّدُ إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ شَهْرٍ: أَجْتَهِدُ فِيهِ بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُ خَطَأً فَمِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ وَفِي رِوَايَةٍ فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ
стр. 702
وَرَدَّهُ عَلِيٌّ ﵁ لَمَّا خَالَفَ رَأْيَهُ، وَقَالَ: مَا نَصْنَعُ بِقَوْلِ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ وَلَمْ يَعْمَلْ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِهَذَا الْقِسْمِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا هُوَ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَ الْقِيَاسَ عِنْدَنَا؛ وَإِنَّمَا يُتْرَكُ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الثِّقَاتُ، مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ وَمَسْرُوقٍ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ فَثَبَتَ بِرِوَايَتِهِمْ عَدَالَتُهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ قَرْنِ الْعُدُولِ فَلِذَلِكَ صَارَ حُجَّةً، وَسَاعَدَهُ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ مِنْهُمْ أَبُو الْجَرَّاحِ وَغَيْرُهُ.
ــ
[كشف الأسرار]
وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ أَرَى فِيهَا مَهْرَ مِثْلِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ فِيهِ، وَلَا شَطَطَ أَيْ لَا نَقْصَ وَلَا مُجَاوَزَةَ حَدٍّ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ وَأَبُو الْجَرَّاحِ صَاحِبُ رَايَةِ الْأَشْجَعِيِّينَ وَقَالَا: نَشْهَدُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ الْأَشْجَعِيَّةِ مِنْ بَنِي رَآَّسِ بْنِ كِلَابٍ بِمِثْلِ قَضَائِك هَذَا وَقَدْ كَانَ هِلَالُ بْنُ مُرَّةَ مَاتَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ فَرْضِ مَهْرٍ وَدُخُولٍ» فَسُرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ بِذَلِكَ سُرُورًا لَمْ يُسَرَّ مِثْلَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ لِمَا وَافَقَ قَضَاؤُهُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَرَدَّهُ عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ مَا نَصْنَعُ بِقَوْلِ إعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ حَسْبُهَا الْمِيرَاثُ وَلَمَّا اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِهِ أَخَذْنَا بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَفِي قَوْلِهِ لَمَّا خَالَفَ رَأْيَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّهُ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ الَّذِي عِنْدَهُ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ عَادَ إلَيْهَا سَالِمًا فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِمُقَابَلَتِهِ عِوَضًا كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَجَعَلَ الرَّأْيَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مِثْلِ هَذَا الْمَجْهُولِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا أَيْضًا كَمَا سَنُبَيِّنُ وَقِيلَ إنَّمَا رَدَّهُ لِمَذْهَبٍ تَفَرَّدَ بِهِ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ تَخَلُّفَ الرَّاوِي وَلَمْ يَرَ هَذَا الرَّجُلَ لِتَخَلُّفِهِ.
وَقَوْلُهُ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِنْ الَّذِينَ غَلَبَ فِيهِمْ الْجَهْلُ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَسُكَّانِ الرِّمَالِ إذْ مِنْ عَادَتِهِمْ الِاحْتِبَاءُ فِي الْجُلُوسِ مِنْ غَيْرِ إزَارٍ وَالْبَوْلُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي جَلَسُوا فِيهِ إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِإِصَابَتِهِ أَعْقَابَهُمْ وَذَلِكَ مِنْ الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الِاحْتِيَاطِ وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ بِرْوَعَ اسْمُ امْرَأَةٍ وَهِيَ بِرْوَعَ بِنْتُ وَاشِقٍ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعْوَلٌ إلَّا خِرْوَعٌ وَعِتْوَدٌ اسْمُ وَادٍ وَاعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ مَرْدُودٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ رَدُّوا أَخْبَارَ الْمَجَاهِيلِ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ رَدَّ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَعَلِيًّا ﵁ رَدَّ خَبَرَ الْأَشْجَعِيَّ وَمَنْ رَدَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ مِنْهُمْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى رَدِّهِ وَعِنْدَنَا خَبَرُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ كَانَتْ أَصْلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» الْحَدِيثَ «وَالنَّبِيُّ ﵇ قَبِلَ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ مِنْ غَيْرِ تَفَحُّصٍ عَنْ عَدَالَتِهِ؛ وَإِنَّمَا تَفَحَّصَ عَنْ إسْلَامِهِ فَقَطْ فَقَالَ حِينَ أَخْبَرَ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالصَّوْمِ» : وَهَذَا يَرُدُّ تَأْوِيلَهُمْ أَنَّهُ ﵇ عَرَفَ عَدَالَتَهُ إمَّا بِالْوَحْيِ أَوْ بِالْخِبْرَةِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِإِسْلَامِهِ فَكَيْفَ بِعَدَالَتِهِ وَأَمَّا رَدُّ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَخْبَارَ الْمَجَاهِيلِ فَبِنَاءً عَلَى عَوَارِضَ عَلَى مَا عُرِفَ كَذَا ذَكَرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ ثُمَّ هُوَ مُنْقَسِمٌ عَلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ مَقْبُولٌ لِمَا بَيَّنَّا.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ، وَإِنْ عَمِلَ الرَّاوِي بِالْخَبَرِ كَانَ ذَلِكَ تَعْدِيلًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجِبِ الْخَبَرِ لَا لِأَجْلِ الْخَبَرِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقِسْمُ الثَّانِي مَقْبُولًا بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِمْ السُّكُوتُ عِنْدَ مَعْرِفَةِ بُطْلَانِهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقِسْمَ الرَّابِعَ مَرْدُودٌ فَكَانَ الْقِسْمُ الْخَامِسُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ كَذَلِكَ أَيْضًا وَإِلَيْهِ يُشِيرُ، قَوْلُهُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْقِسْمِ دُونَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَيُقْبَلُ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا يُقْبَلُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ عَارَضَ الْقَبُولَ فَيَتَسَاقَطَانِ وَيَصِيرُ الْخَبَرُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ لَمْ يَلْحَقْهُ
стр. 703
فَأَمَّا إذَا كَانَ ظَهَرَ حَدِيثُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ السَّلَفِ إلَّا الرَّدُّ لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ وَصَارَ مُسْتَنْكَرًا لَا يُعْمَلُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَصَارَ هَذَا غَيْرَ حُجَّةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى الْعَكْسِ مِنْ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ حُجَّةٌ يُحْتَمَلُ شُبْهَةً عِنْدَ التَّأَمُّلِ
ــ
[كشف الأسرار]
رَدٌّ وَلَا قَبُولٌ فَيَلْتَحِقُ بِالْقِسْمِ الْخَامِسِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِسْمُ مَقْبُولًا بِالِاتِّفَاقِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ فَإِنْ خَالَفَهُ يُرَدُّ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ الْوَاقِعَ فِي قَبُولِهِ كَانَ أَدْنَى حَالًا مِنْ الَّذِي اُتُّفِقَ عَلَى قَبُولِهِ فَيُشْتَرَطُ تَأَيُّدُهُ بِالْقِيَاسِ كَالْقِسْمِ الْخَامِسِ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّ هَذَا الْمِثَالَ وَهُوَ حَدِيثُ مَعْقِلٍ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ عِنْدَنَا وَيَتَأَكَّدُ بِالْمَوْتِ كَمَا يَتَأَكَّدُ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ بِالْمَوْتِ يَنْتَهِي النِّكَاحُ الَّذِي هُوَ عَقْدُ الْعُمْرِ وَالشَّيْءُ إذَا انْتَهَى تَقَرَّرَ كَانْتِهَاءِ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَطْءُ؛ وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْعِدَّةُ فَيَجِبُ تَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ وَإِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْفَرْضِ وَبِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهَا إلَى أَنْ مَاتَ الزَّوْجُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ رَجَعَ إلَيْهَا سَالِمًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَبِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ وَجَبَ رَدُّهُ بِهِ فَعَلَى هَذَا كَانَ، قَوْلُهُ وَلَمْ يَعْمَلْ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْقِسْمِ إلَى آخِرِهِ بَيَانًا أَنَّ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ فِي الْمِثَالِ لَا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَكَذَلِكَ وَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِهَذَا الْقِسْمِ بِهَذَا الْمِثَالِ الَّذِي هُوَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَلَوْ جَعَلْت اسْمَ الْإِشَارَةِ رَاجِعًا إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَكَذَلِكَ لَا يُلَائِمُهُ التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْلُو الْكَلَامُ عَنْ نَوْعِ اشْتِبَاهٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَقَوْلُهُ وَقَدْ رَوَى أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ أَيْ عَنْ مَعْقِلٍ الثِّقَاتُ أَيْ الْعُدُولُ مِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَعَلْقَمَةُ وَغَيْرِهِ مِنْ الْقَرْنِ الثَّانِي فَثَبَتَ بِرِوَايَتِهِمْ عَنْهُ وَعِلْمِهِمْ بِهِ عَدَالَتُهُ دَلِيلٌ ثَانٍ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ أَيْ مَعْقِلًا مِنْ قَرْنِ الْعُدُولِ دَلِيلٌ ثَالِثٌ، وَإِشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ فِي الْكُفْرِ وَالصِّبَا لَا تُقْبَلُ فَكَذَا رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْحَالِ فِي الْفِسْقِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْعَدَالَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَصْلٌ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ ﵇ فَوَجَبَ التَّمَسُّكُ بِهِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ مُعَارِضٌ يَنْقُضُهُ فَأَمَّا الصِّبَا وَالْكُفْرُ فِي مَجْهُولِ الْحَالِ فِيهِمَا فَأَصْلٌ فَلَا يُتْرَكُ إلَّا بِيَقِينٍ يُعَارِضُهُ فَيَفْتَرِقَانِ.
قَوْلُهُ (فَأَمَّا إذَا ظَهَرَ حَدِيثُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ السَّلَفِ إلَّا الرَّدُّ) فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُتَّهَمُونَ بِرَدِّ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهِ وَتَرْجِيحُ الرَّأْيِ بِخِلَافِهِ عَلَيْهِ فَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى الرَّدِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ اتَّهَمُوهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ قَالَ الرَّاوِي أَوْهَمْت لَمْ يُعْمَلْ بِرِوَايَتِهِ فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِمَّنْ فَوْقَهُ وَهُوَ رَدُّ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ أَوْلَى كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ مُنْكَرًا وَمُسْتَنْكَرًا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ لَمْ يَعْرِفُوا صِحَّتَهُ وَهُوَ دُونَ الْمَوْضُوعِ فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا مِثْلَ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» فَوَضَعَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لِمَا كَانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِنْ الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَيَدَّعِي التَّنَبُّؤَ فَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ حَدِيثًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ فَكَوْنُهُ مَوْضُوعًا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لَهُمْ أَيْضًا فَكَانَ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي صَادِقًا فِي الرِّوَايَةِ وَلَكِنَّهُ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا فِي حَقِّ
стр. 704
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ فِي السَّلَفِ فَلَمْ يُقَابَلْ بِرَدٍّ، وَلَا قَبُولٍ لَمْ يُتْرَكْ بِهِ الْقِيَاسُ وَلَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ لَكِنْ الْعَمَلُ بِهِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَصْلٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلِذَلِكَ جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْقَضَاءَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْدِيلٍ حَتَّى أَنَّ رِوَايَةَ مِثْلِ هَذَا الْمَجْهُولِ فِي زَمَانِنَا لَا تُحِلُّ الْعَمَلَ بِهِ لِظُهُورِ الْفِسْقِ فَصَارَ الْمُتَوَاتِرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ وَالْمَشْهُورُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عِلْمَ غَالِبِ الرَّأْيِ وَالْمُسْتَنْكَرُ مِنْهُ يُفِيدُ الظَّنَّ ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] وَالْمُسْتَتِرُ مِنْهُ فِي حَيِّزِ الْجَوَازِ لِلْعَمَلِ بِهِ دُونَ الْوُجُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْجَوَازِ، وَلَا فِي حَقِّ الْوُجُوبِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ إذَا انْفَرَدَ الرَّاوِي بِشَيْءٍ فَإِنْ كَانَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْحِفْظِ لِذَلِكَ وَالضَّبْطِ كَانَ مَا انْفَرَدَ بِهِ شَاذًّا مَرْدُودًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ بَلْ هُوَ أَمْرٌ رَوَاهُ هُوَ وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ عَدْلًا حَافِظًا مَوْثُوقًا بِإِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ قُبِلَ مَا انْفَرَدَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُوثَقُ بِحِفْظِهِ كَانَ انْفِرَادُهُ بِهِ جَازِمًا لَهُ مُزَحْزِحًا لَهُ عَنْ حَيِّزِ الصَّحِيحِ ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ دَائِرٌ بَيْنَ مَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٍ بِحَسَبِ الْحَالِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمُنْفَرِدُ بِهِ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ دَرَجَةِ الْحَافِظِ الضَّابِطِ الْمَقْبُولِ تَفَرُّدُهُ اسْتَحْسَنَّا حَدِيثَهُ ذَلِكَ وَلَمْ نَحُطَّهُ إلَى قَبِيلِ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ ذَلِكَ رَدَدْنَا مَا انْفَرَدَ بِهِ وَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الشَّاذِّ الْمُنْكَرِ فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّاذَّ الْمَرْدُودَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا الْحَدِيثُ الْفَرْدُ الْمُخَالِفُ وَالثَّانِي الْفَرْدُ الَّذِي لَيْسَ فِي رَاوِيهِ مِنْ الثِّقَةِ وَالضَّبْطِ مَا يَقَعُ جَابِرًا لِمَا يُوجِبُهُ التَّفَرُّدُ وَالشُّذُوذُ مِنْ النَّكَارَةِ وَالضَّعْفِ ثُمَّ قَالَ وَالصَّوَابُ فِي الْمُنْكَرِ التَّفْصِيلُ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الشَّاذِّ فَإِنَّهُ بِمَعْنَاهُ فَالْمُنْكَرُ يَكُونُ قِسْمَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّاذِّ، قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ) أَيْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ حَدِيثُ هَذَا الْمَجْهُولِ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ مِنْهُمْ رَدٌّ، وَلَا قَبُولٌ فَلَمْ يُتْرَكْ بِهِ الْقِيَاسُ وَلَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ فِي زَمَانِنَا يَعْنِي إذَا ظَهَرَ حَدِيثُهُ فِي زَمَانِنَا لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِهِ يَجُوزُ إذَا وَافَقَ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَالْعَدَالَةُ ثَابِتَةٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ غَلَبَةِ الْعَدَالَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الظَّاهِرِ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ فِي السَّلَفِ يَتَمَكَّنُ تُهْمَةُ الْوَهْمِ فِيهِ فَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إذَا وَافَقَ الْقِيَاسَ عَلَى وَجْهِ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ شَرْعًا لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذَا الطَّرِيقِ الضَّعِيفِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَإِنْ قِيلَ: إذَا وَافَقَهُ الْقِيَاسُ وَلَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ فَمَا فَائِدَةُ جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ قُلْنَا: هِيَ جَوَازُ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ نَافِي الْقِيَاسِ مِنْ مَنْعِ هَذَا الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ مُضَافًا إلَى الْحَدِيثِ.
؛ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِ الْعَدَالَةِ أَصْلًا فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْقَضَاءَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ أَيْ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ، وَالْغَالِبُ عَلَى أَهْلِهِ الصِّدْقُ فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَخَبَرُ مِثْلِ هَذَا الْمَجْهُولِ لَا يُقْبَلُ، وَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَتَأَيَّدْ بِقَبُولِ الْعُدُولِ لِغَلَبَةِ الْفِسْقِ عَلَى أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْقَضَاءَ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي زَمَانِ فُشُوِّ الْكَذِبِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَانَ مَجْهُولًا لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ إنْ عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ أَوْ التَّابِعُونَ ﵃ بِمَا رَوَى يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِهِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الرَّاوِي بِالْعَدَالَةِ وَثُبُوتِ مَا رَوَى وَأَمَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، وَلَا عَمَلُ التَّابِعِينَ فَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ فَإِذَا خَالَفَهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ حِينَئِذٍ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يُوَافِقْ الْقِيَاسَ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ﵏ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَالشَّافِعِيُّ ﵀ يَقُولُ بِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ وَهِيَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْأَخْبَارِ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ فِي إيجَابِ الْمَهْرِ فِي الْمُفَوِّضَةِ.
وَأَصْحَابُنَا قَالُوا الظَّاهِرُ
стр. 705
وَمِثَالُ الْمُسْتَنْكَرِ مِثْلُ حَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَا سُكْنَى» فَقَدْ رَدَّهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ حَالِهِمْ الْعَدَالَةُ، وَالْفِسْقُ بِأُمُورٍ عَارِضَةٍ فَيَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا يُجْعَلُ فِي حَقِّ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْقِلٍ فَقَدْ قَبِلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَا يَقْبَلُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالْعَدَالَةِ فَثَبَتَ عَدَالَتُهُ فَيَجِبُ قَبُولُ خَبَرِهِ عَلَى أَنَّ مَعْقِلًا رَجُلٌ مَعْرُوفٌ عَدْلٌ عَدَّلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الثِّقَاتِ مِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏، وَإِنْ كَانَا يَشْتَرِطَانِ الْعَدَالَةَ حَقِيقَةً وَلَا يَكْتَفِيَانِ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ هُوَ زَمَانُ الصَّحَابَةِ كَانَ الْغَالِبُ الْعَدَالَةُ فِيهِمْ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ ثُمَّ لَخَصَّ الشَّيْخُ الْكَلَامَ وَبَيَّنَ حَاصِلَهُ فَقَالَ: فَصَارَ الْمُتَوَاتِرُ مِنْ الْخَبَرِ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ وَفِي مُقَابَلَتِهِ الْمَوْضُوعُ لِانْقِطَاعِ احْتِمَالِ كَوْنِهِ حُجَّةً بِالْكُلِّيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِلْمُ طُمَأْنِينَةٍ وَفِي مُقَابَلَتِهِ الْمُنْكَرُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ حُجَّةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ حُجَّةٍ وَالْمُنْكَرُ عَلَى عَكْسِهِ.
وَالْمُرَادُ مِنْ الظَّنِّ فِي قَوْلِهِ وَالْمُسْتَنْكَرُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْخَبَرِ يُفِيدُ الظَّنَّ الْوَهْمُ فَإِنَّ الظَّنَّ مَا كَانَ جَانِبُ الثُّبُوتِ فِيهِ رَاجِحًا وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ وَالْوَهْمُ مَا كَانَ عَدَمُ الثُّبُوتِ فِيهِ رَاجِحًا وَالْمُسْتَنْكَرُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عِلْمُ غَالِبِ الرَّأْيِ أَيْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ مَعْرُوفٌ بِالضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ أَوْ فِي حُكْمِ الْمَعْرُوفِ وَفِي مُقَابَلَتِهِ الْمُسْتَتِرُ أَيْ خَبَرُ الْمَجْهُولِ الَّذِي هُوَ لَمْ يُقَابَلْ بِرَدٍّ، وَلَا قَبُولٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَهَذَا لَا يُوجِبُهُ، قَوْلُهُ (وَمِثَالُ الْمُسْتَنْكَرِ) كَذَا الْمَبْتُوتَةُ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى عِنْدَنَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالشَّعْبِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ لِحَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَخْبَرَتْ أَنَّ زَوْجَهَا أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَأُمِرَ بِنَفَقَةِ أَصْوُعٍ مِنْ شَعِيرٍ فَاسْتَقَلَّتْهَا وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَهُ مَعَ عَلِيٍّ ﵄ نَحْوَ الْيَمَنِ فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إلَى النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا عَمْرٍو طَلَّقَ فَاطِمَةَ ثَلَاثًا فَهَلْ لَهَا نَفَقَةٌ فَقَالَ ﷺ لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ، وَلَا سُكْنَى وَأَرْسَلَ إلَيْهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهَا أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ فَانْتَقِلِي إلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّك إذَا وَضَعْت خِمَارَكِ لَمْ يَرَكِ» وَأَمَّا الْفَرِيقُ الثَّانِي فَيَقُولُونَ لَيْسَ فِي رِوَايَاتِ أَهْلِ الْحِجَازِ ذِكْرُ السُّكْنَى فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ وَالْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «لَا نَفَقَةَ لَك إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا إنَّمَا النَّفَقَةُ لِمَنْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَجْعَتَهَا» فَأَوْجَبْنَا السُّكْنَى بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعُمُّ الْمَبْتُوتَةَ وَالْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ وَلَمْ يُوجِبْ النَّفَقَةَ بِالْحَدِيثِ وَبِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَإِنَّهُ بِمَفْهُومِهِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْحَمْلِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ صِلَةً لِلزَّوْجِيَّةِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ
стр. 706
قَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِيهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْقِيَاسَ وَقَدْ رَدَّهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا
ــ
[كشف الأسرار]
إلَّا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ صِيَانَةً لِلْوَلَدِ وَحَضَانَةً لَهُ كَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالْوِلَادَةِ إذَا كَانَتْ تُرْضِعُهُ وَعُلَمَاؤُنَا قَالُوا إنَّهَا مُحْتَبَسَةٌ بِحَقِّ نِكَاحِهِ فَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ كَالْحَامِلِ وَالْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَكَمَا تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ مَالِيٌّ مُسْتَحَقٌّ لَهَا بِالنِّكَاحِ، وَالْعِدَّةُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ فَكَمَا يَبْقَى بِاعْتِبَارِ هَذَا الْحَقِّ مَا كَانَ لَهَا مِنْ اسْتِحْقَاقِ السُّكْنَى فَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ وَلِأَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ بِقِرَاءَتِهِ يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لَهَا بِسَبَبِ الْعِدَّةِ وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] لِإِزَالَةِ إشْكَالٍ كَانَ يَقَعُ عَسَى، فَإِنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ تَطُولُ عَادَةً فَكَانَ يُشْكِلُ أَنَّهَا هَلْ تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ بِسَبَبِ الْعِدَّةِ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ وَإِنْ طَالَتْ فَأَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْإِشْكَالَ بِقَوْلِهِ ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] .
وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «لَا نَفَقَةَ لَك إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي مَوْضِعٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ وَالرِّوَايَاتِ وَأَمَّا مَتْنُ الْحَدِيثِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ حِينَ رُوِيَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ فَهَذَا مِنْ عُمَرَ ﵁ طَعْنٌ مَقْبُولٌ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ بِالْكَذِبِ وَالْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﵇ نَفَقَةً لِهَذِهِ الْمُعْتَدَّةِ قَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ عَيْنَ النَّصِّ لَتَلَاهُ وَلَرَوَى السُّنَّةَ فَيَكُونُ بَيَانًا أَنَّهُ وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا أَوْ الرَّاوِي فَقِيهًا.
وَأَشَارَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ إلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] الْآيَةَ وَمِنْ السُّنَّةِ مَا قَالَ عُمَرُ ﵁ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ» وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ مَا لِفَاطِمَةَ إلَّا تَتَّقِي اللَّهَ تَعْنِي فِي قَوْلِهَا لَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةَ وَكَانَتْ تَقُولُ تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتْ الْعَالِمَ وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ زَوْجِهَا أَنَّهَا إذَا ذَكَرَتْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا رَمَاهَا بِكُلِّ شَيْءٍ تَنَالُهُ يَدُهُ وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَى فَاطِمَةَ مَا كَانَتْ تُحَدِّثُ بِهِ مِنْ خُرُوجِهَا قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ
وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ كُنْت جَالِسًا مَعَ الْأَسْوَدِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِيُّ فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ فَأَخَذَ الْأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَقَالَ وَيْلَك تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا. وَرَدَّهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرٌ بِالْمَدِينَةِ وَرَدُّ عُمَرَ ﵁ كَانَ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَدَلَّ تَرْكُهُمْ النَّكِيرَ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُمْ فِيهِ كَمَذْهَبِهِ وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَيْنَ تَعْتَدُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا؟ فَقَالَ فِي بَيْتِهَا فَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ فَاطِمَةَ فَقَالَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فَتَنَتْ النَّاسَ إنَّهَا اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِفَاطِمَةَ إنَّمَا لَمْ يَقْضِ لَك بِالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّك كُنْت نَاشِزَةً أَوْ تَأْوِيلُهُ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ غَائِبًا وَوَكَّلَ أَخَاهُ بِالنَّفَقَةِ
стр. 707
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ؛ وَإِنَّمَا جُعِلَ خَبَرًا لِعَدْلٍ حُجَّةً بِشَرَائِطَ فِي الرَّاوِي.
وَهَذَا
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَيْهَا مِنْ الشَّعِيرِ فَأَبَتْ فَلَمْ يَقْضِ لَهَا بِشَيْءٍ آخَرَ لِغَيْبَةِ الزَّوْجِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ عَمِلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ وَقَدْ سَمَّيْنَاهُمْ فَكَانَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَقْبُولًا عِنْدَكُمْ كَخَبَرِ الْأَشْجَعِيِّ فِي الْمُفَوِّضَةِ، وَلَا يَكُونُ مُسْتَنْكَرًا.
قُلْنَا: إنَّمَا يُقْبَلُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ كَمَا بَيَّنَّا وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ لُحُوقِ الرَّدِّ بِهِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ عُمَرُ ﵁ وَلِلْقِيَاسِ أَيْضًا فَلَا يُعْتَبَرُ قَبُولُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ فِي مُقَابَلَةِ رَدِّ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ مُسْتَنْكَرًا قَوْلَهُ (وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بُسْرَةَ) أَيْ وَكَحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي أَنَّ مَسَّ فَرْجِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ بِلَا حَائِلٍ حَدَثٌ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَهُوَ الْمُسْتَنْكَرُ فَإِنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَعَمَّارًا وَأَبَا الدَّرْدَاءِ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعِمْرَانَ بْن الْحُصَيْنَ ﵃ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ ﵁ لَا أُبَالِي أَمَسِسْتُهُ أَمْ أَرْنَبَةَ أَنْفِي، وَكَذَا نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ نَجَسًا فَاقْطَعْهُ وَتَذَاكَرَ عُرْوَةُ وَمَرْوَانُ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ فَقَالَ مَرْوَانُ حَدَّثَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ فَلَمْ يَرْفَعْ عُرْوَةُ بِحَدِيثِهَا رَأْسًا وَرَوَى ابْنُ زَيْدٍ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هَلْ يَأْخُذُ بِحَدِيثِ بُسْرَةَ أَحَدٌ وَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ بُسْرَةَ شَهِدَتْ عَلَى هَذِهِ النَّقْلَةِ لَمَا أَجَزْت شَهَادَتَهَا إنَّمَا قِوَامُ الدِّينِ الصَّلَاةُ؛ وَإِنَّمَا قِوَامُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ فَلَمْ يَكُنْ فِي صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ مَنْ يُقِيمُ هَذَا الدِّينَ إلَّا بُسْرَةُ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ عَلَى هَذَا أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَرَى فِي مَسِّ الذَّكَرِ وُضُوءً وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَخْبَارِ لَا تَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ مِنْهَا خَبَرُ مَسِّ الذَّكَرِ وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فَأَجْمَع مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا وُضُوءَ فِيهِ قَالُوا لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ يَعْنُونَ بُسْرَةَ بِنْتَ صَفْوَانَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ كِتَابَ رَبِّنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ الْأَحْدَاثَ وَكَانَتْ نَجِسَةً مِنْ دَمِ حَيْضٍ وَغَائِطٍ وَمَنِيٍّ وَشَرَعَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِمَسِّ الْفَرْجَيْنِ فَلَمَّا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ مِنْ التَّطْهِيرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ حَدَثًا بِمِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي مَسِّ الذَّكَرِ وُضُوءٌ فَقَالَ لَا» وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَقَالَ مَا أُبَالِي مَسِسْته أَمْ مَسِسْت أَنْفِي» فَنَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ وَهِيَ أَنَّهُ عُضْوٌ طَاهِرٌ وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت مَسِسْت ذَكَرِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ» وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ تُوَافِقُ حَدِيثَ بُسْرَةَ إلَّا أَنَّهَا مُضْطَرِبَةُ الْأَسَانِيدِ وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ مُسْتَقِيمُ الْإِسْنَادِ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ حَدِيثُ قَيْسٍ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَشَرْحِ الْآثَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 708
بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي)
الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الرَّاوِي وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْعَقْلُ وَالضَّبْطُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ أَمَّا الْعَقْلُ فَهُوَ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلَامِ مَا يُسَمَّى كَلَامًا صُورَةً وَمَعْنًى وَمَعْنَى الْكَلَامِ لَا يُوجَدُ إلَّا بِالتَّمْيِيزِ وَالْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِلْبَيَانِ، وَلَا يَقَعُ الْبَيَانُ بِمُجَرَّدِ الصَّوْتِ وَالْحُرُوفِ بِلَا مَعْنَى وَلَا يُوجَدُ مَعْنَاهُ إلَّا بِالْعَقْلِ وَكُلُّ مَوْجُودٍ مِنْ الْحَوَادِثِ فَبِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ يَكُونُ فَلِذَلِكَ كَانَ الْعَقْلُ شَرْطًا لِيَصِيرَ الْكَلَامَ مَوْجُودًا، وَأَمَّا الضَّبْطُ فَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا صَحَّ خَبَرًا فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَالْحُجَّةُ هُوَ الصِّدْقُ فَأَمَّا الْكَذِبُ فَبَاطِلٌ وَالْكَلَامُ فِي خَبَرٍ هُوَ حُجَّةٌ فَصَارَ الصِّدْقُ وَالِاسْتِقَامَةُ شَرْطًا لِلْخَبَرِ لِيَثْبُتَ حُجَّةً بِمَنْزِلَةِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ لِأَصْلِ الْكَلَامِ، وَالصِّدْقُ بِالضَّبْطِ يَحْصُلُ فَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَإِنَّمَا شُرِطَتْ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي خَبَرِ مُخْبِرٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ عَنْ الْكَذِبِ فَلَا يَثْبُتُ صِدْقُهُ ضَرُورَةً بَلْ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالِاحْتِمَالِ وَذَلِكَ بِالْعَدَالَةِ وَهُوَ الِانْزِجَارُ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ لِيَثْبُتَ بِهِ رُجْحَانُ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي الصِّدْقَ وَلَكِنْ الْكُفْرُ فِي هَذَا الْبَابِ يُوجِبُ شُبْهَةً يَجِبُ بِهَا رَدُّ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ بَابُ الدِّينِ، وَالْكَافِرُ سَاعٍ لِمَا يَهْدِمُ الدِّينَ الْحَقَّ فَيَصِيرُ مُتَّهَمًا فِي بَابِ الدِّينِ فَثَبَتَ بِالْكُفْرِ تُهْمَةٌ زَائِدَةٌ لَا نُقْصَانُ حَالٍ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِيمَا يَشْهَدُ لِوَلَدِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لِمَا قُلْنَا: مِنْ الْعَدَاوَةِ وَلِانْقِطَاعِ الْوَلَايَةُ.
ــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي]
(بَابُ بَيَانِ شَرَائِطِ الرَّاوِي الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الرَّاوِي) مَا ذُكِرَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مَعْرُوفًا أَوْ مَجْهُولًا لَيْسَ بِصِفَةٍ لَهُ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ أَوْ الْجَهْلَ لَيْسَ بِقَائِمٍ بِهِ بَلْ يَقُومُ بِغَيْرِهِ كَالْعِلْمِ لَا يَقُومُ بِالْمَعْلُومِ بَلْ بِالْعَالِمِ فَأَمَّا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ فَقَائِمٌ بِالرَّاوِي وَصِفَةٌ لَهُ فَلِهَذَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ صِفَاتِ الرَّاوِي، قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلَامِ) كَذَا يَعْنِي الْخَبَرُ الَّذِي يَرْوِيهِ كَلَامٌ لَا مَحَالَةَ وَالْكَلَامُ فِي الْعُرْفِ مَالَهُ صُورَةٌ وَهِيَ أَنْ يُنَظَّمَ مِنْ حُرُوفٍ مُهَجَّاةٍ وَمَعْنًى وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَدْلُولِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى مَعْنًى لَا تُوجَدُ بِدُونِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْكَلَامُ وُضِعَ لِلْبَيَانِ أَيْ لِإِظْهَارِ الْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ فِي الْقَلْبِ، وَلَا يَحْصُلُ الْبَيَانُ بِمُجَرَّدِ الصَّوْتِ وَالْحُرُوفِ بِلَا مَعْنًى، وَلَا يُوجَدُ الْمَعْنَى بِدُونِ الْعَقْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ مِنْ الطُّيُورِ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ وَيُسَمَّى ذَلِكَ لَحْنًا لَا كَلَامًا لِعَدَمِ صُدُورِهَا عَنْ عَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ بِقِرَاءَةِ الْبَبَّغَاءِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ لِعَدَمِ صُدُورِهَا عَنْ عَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ وَكَذَلِكَ لَوْ سُمِعَ مِنْ إنْسَانٍ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مَعْلُومٍ لَا تُسَمَّى كَلَامًا فَعَرَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ فِي الشَّاهِدِ مَا يَكُونُ مُمَيِّزًا بَيْنَ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ فَمَا لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَكُونُ كَلَامًا صُورَةً لَا مَعْنًى بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ صُنِعَ مِنْ خَشَبٍ صُورَةُ آدَمِيٍّ لَا يَكُونُ آدَمِيًّا لِعَدَمِ مَعْنَاهُ فِيهَا، ثُمَّ التَّمْيِيزُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الْكَلَامُ بِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْعَقْلِ فَلِذَلِكَ شَرَطْنَاهُ فِي الْمُخْبِرِ لِيَصِيرَ خَبَرُهُ كَلَامًا بِمَنْزِلَةِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ لِأَصْلِ الْكَلَامِ يَعْنِي لَا بُدَّ لِأَصْلِ الْكَلَامِ عَنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ مَعْرِفَةٍ أَيْ عَنْ عَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ لِيَقَعَ صَحِيحًا هَكَذَا لَا بُدَّ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْهُ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ ضَبْطٍ لِيَكُونَ مُحْتَمَلًا لِلصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ بِدُونِ الضَّبْطِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّكَلُّمِ صَادِقًا وَبِالضَّبْطِ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ.
ثُمَّ الضَّابِطُ قَدْ يَكْذِبُ وَقَدْ يَصْدُقُ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي خَبَرِ مُخْبِرٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ فَلَا يَثْبُتُ صِدْقُهُ فِي خَبَرِهِ ضَرُورَةً أَيْ لَا يَكُونُ جِهَةُ الصِّدْقِ مُتَعَيِّنَةً فِي خَبَرِهِ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي خَبَرِ الرَّسُولِ بَلْ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالِاحْتِمَالِ أَوْ بَلْ يَثْبُتُ الصِّدْقُ فِي خَبَرِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَذَلِكَ بِالْعَدَالَةِ وَالِانْزِجَارِ أَيْ الِامْتِنَاعِ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ لِيَثْبُتَ بِهِ أَيْ بِالِانْزِجَارِ عَنْ الْمَحْظُورَاتِ رُجْحَانُ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ مَحْظُورُ دِينِهِ فَيُسْتَدَلُّ بِانْزِجَارِهِ عَنْ سَائِرِ مَا يَعْتَقِدُهُ مَحْظُورًا عَلَى انْزِجَارِهِ عَنْ الْكَذِبِ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ مَحْظُورًا أَوْ لَمَّا كَانَ مُنْزَجِرًا عَنْ الْكَذِبِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ انْزِجَارِهِ عَنْ الْكَذِبِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَأَحْكَامِ الشَّرْعِ بِالطَّرِيقِ أَوْلَى وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي تَعَاطِيهِ فَاعْتِبَارُ جَانِبِ اعْتِقَادِهِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ فَاعْتِبَارُ جَانِبِ تَعَاطِيهِ يُرَجِّحُ مَعْنَى الْكَذِبِ فِي خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَالِ مِنْ ارْتِكَابِ سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ مَعَ اعْتِقَادِ حُرْمَتِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُبَالِي مِنْ الْكَذِبِ مَعَ اعْتِقَادِ حُرْمَتِهِ أَيْضًا فَيَقَعُ الْمُعَارَضَةُ وَيَجِبُ التَّوَقُّفُ لِلْعَمَلِ شَرْعًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَدَالَةَ فِي الرَّاوِي شَرْطٌ لِكَوْنِ خَبَرِهِ حُجَّةً، قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْإِسْلَامُ) فَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ فِي الرَّاوِي بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكُفْرَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ، وَالْفَاسِقُ غَيْرُ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ فَالْكَافِرُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُوثَقَ بِهِ فَشُرِطَ الْإِسْلَامُ لِتَرَجُّحِ الصِّدْقِ كَمَا شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ وَالضَّبْطُ.
стр. 709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
فَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى ضَعْفِ هَذَا الدَّلِيلِ وَقَالَ لَيْسَ الْإِسْلَامُ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ الصِّدْقِ إذْ الْكُفْرُ لَا يُنَافِي الصِّدْقَ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا كَانَ مُتَرَهِّبًا عَدْلًا فِي دِينِهِ مُعْتَقِدًا لِحُرْمَةِ الْكَذِبِ تَقَعُ الثِّقَةُ بِخَبَرِهِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْفَاسِقِ فَإِنَّ جُرْأَتَهُ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهَا تُزِيلُ الثِّقَةَ عَنْ خَبَرِهِ وَلَكِنَّ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكُفْرَ يُورِثُ تُهْمَةً زَائِدَةً فِي خَبَرِهِ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا أَحْكَامُ الشَّرْعِ وَهُمْ يُعَادُونَنَا فِي الدِّينِ أَشَدَّ الْعَدَاوَةِ فَتَحْمِلُهُمْ الْمُعَادَاةُ عَلَى السَّعْيِ فِي هَدْمِ أَرْكَانِ الدِّينِ بِإِدْخَالِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: ١١٨] أَيْ لَا يُقَصِّرُونَ فِي الْإِفْسَادِ عَلَيْكُمْ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُمْ هَذَا بِطَرِيقِ الْكِتْمَانِ فَإِنَّهُمْ كَتَمُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثُبُوتَهُ مِنْ كِتَابِهِمْ بَعْدَمَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقُ بِإِظْهَارِ ذَلِكَ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَقْصِدُوا مِثْلَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ هِيَ كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ بِطَرِيقِ الرِّوَايَةِ بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلِهَذَا شَرَطْنَا الْإِسْلَامَ فِي الرَّاوِي فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ رَدَّ خَبَرَ الْكَافِرِ لَيْسَ لِعَيْنِ الْكُفْرِ بَلْ لِمَعْنًى زَائِدٍ: تَمَكُّنُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ فِي خَبَرِهِ وَهُوَ الْمُعَادَاةُ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِمَعْنًى زَائِدٍ: تَمَكُّنُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ فِي شَهَادَتِهِ وَهُوَ الشَّفَقَةُ وَالْمَيْلُ إلَى الْوَلَدِ طَبْعًا وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي رَدِّ رِوَايَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى سَلْبِ أَهْلِيَّةِ هَذَا الْمَنْصِبِ فِي الدِّينِ عَنْ الْكَافِرِ لِخِسَّتِهِ.
وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِ نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا أَيْ وَلِثُبُوتِ التُّهْمَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ رُبَّمَا تَحْمِلُهُمْ عَلَى الْقَصْدِ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ذِي الضَّغَنِ لِظُهُورِ عَدَاوَتِهِ بِسَبَبٍ بَاطِلٍ وَقَبِلْنَا شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِانْتِفَاءِ هَذِهِ التُّهْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَعْنًى آخَرَ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِقَوْلِهِ وَلِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ يَعْنِي لَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ التُّهْمَةُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَانْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْكَافِرِ عَنْ الْمُسْلِمِ شَرْعًا بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] .
وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى اثْنَيْنِ وَهُمَا الضَّبْطُ وَالْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّ الضَّبْطَ بِدُونِ الْعَقْلِ لَا يُتَصَوَّرُ وَكَذَا الْعَدَالَةُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَهَا الِاسْتِقَامَةُ فِي الدِّينِ وَهِيَ بِدُونِ الْإِسْلَامِ لَا تُوجَدُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: مَلَاكُ الْأَمْرِ شَيْئَانِ صِدْقُ اللَّهْجَةِ وَجَوْدَةُ الضَّبْطِ لِمَا يَرْوِيهِ إلَّا أَنَّ عَامَّتَهُمْ لَمَّا رَأَوْا الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَبَيْنَ الْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَلْزِمُ الضَّبْطَ وَالْإِسْلَامَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعَدَالَةَ فَصَلُوا بَيْنَهَا وَجَعَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ شَرْطًا عَلَى حِدَةٍ وَلِأَنَّهُمْ لَوْ ذَكَرُوا الضَّبْطَ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْعَقْلَ لَا يَحْصُلُ الِاحْتِرَازُ عَنْ رِوَايَةِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ الضَّبْطُ الْكَامِلُ كَالْبَالِغِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ الضَّبْطُ الْكَامِلُ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْعَقْلِ الْكَامِلِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَلَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ الْعَدَالَةِ رُبَّمَا لَا يَحْصُلُ الِاحْتِرَازُ عَنْ رِوَايَةِ الْكَافِرِ فَإِنَّ الْكَافِرَ قَدْ يُوصَفُ بِالْعَدَالَةِ لِاسْتِقَامَتِهِ عَلَى مُعْتَقَدِهِ وَيُسَمَّى مُعْتَقَدُهُ دِينًا.
وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا؛ وَلِهَذَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ عَدَالَةِ الْكَافِرِ إذَا شَهِدَ عَلَى كَافِرٍ آخَرَ عِنْدَ طَعْنِ الْخَصْمِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْكُلِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -
стр. 710
(بَابُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَتَقْسِيمِهَا)
قَالَ الشَّيْخُ ﵁ أَمَّا الْعَقْلُ فَنُورٌ يُضَاءُ بِهِ طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يُنْتَهَى إلَيْهِ دَرْكُ الْحَوَاسِّ فَيَبْتَدِئُ الْمَطْلُوبُ لِلْقَلْبِ فَيُدْرِكُهُ الْقَلْبُ بِتَأَمُّلِهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْبَشَرِ إلَّا بِدَلَالَةِ اخْتِيَارِهِ فِيمَا يَأْتِيهِ وَيَذَرُهُ مَا يَصْلُحُ لَهُ فِي عَاقِبَتِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ: قَاصِرٌ لِمَا يُقَارِنُهُ مَا يَدُلُّ عَلَى نُقْصَانِهِ فِي ابْتِدَاءِ وُجُودِهِ وَهُوَ عَقْلُ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يُوجَدُ زَائِدًا ثُمَّ هُوَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِسْمَتِهِ مُتَفَاوِتٌ لَا يُدْرَكُ تَفَاوُتُهُ فَعُقِلَتْ أَحْكَامُ الشَّرْعِ بِأَدْنَى دَرَجَاتِ كَمَالِهِ وَاعْتِدَالِهِ وَأُقِيمَ الْبُلُوغُ الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا
ــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ تَفْسِيرِ شُرُوطِ الرَّاوِي وَتَقْسِيمِهَا]
(بَابُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَتَقْسِيمِهَا) ، قَوْلُهُ (أَمَّا الْعَقْلُ) فَكَذَا أَكْثَرُ النَّاسِ الِاخْتِلَافُ فِي الْعَقْلِ قَبْلَ الشَّرْعِ وَبَعْدَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
سَلْ النَّاسَ إنْ كَانُوا لَدَيْكَ أَفَاضِلًا ... عَنْ الْعَقْلِ وَانْظُرْ هَلْ جَوَابٌ مُحَصَّلٌ
فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْعَقْلُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَوْهَرًا لَصَحَّ قِيَامُهُ بِذَاتِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ عَقْلٌ بِلَا عَاقِلٍ كَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ جِسْمٌ بِغَيْرِ عَقْلٍ وَحِينَ لَمْ يُتَصَوَّرْ ذَلِكَ دَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ كَذَا فِي الْقَوَاطِعِ وَقِيلَ مَعْنَى الْعَقْلِ: هُوَ الْعِلْمُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ قَوْلِهِمْ عَقَلْت وَعَلِمْت فَاسْتَعْمَلُوهُمَا لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَالُوا هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ وَمَعْقُولٌ وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِالْعِلْمِ، وَلَا يُوصَفُ بِالْعَقْلِ فَدَلَّ أَنَّهُمَا مُفْتَرِقَانِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ اسْتِعْمَالَ الْعَقْلِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ وَلَكِنْ كَلَامُنَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يَتَمَيَّزُ مَنْ اتَّصَفَ بِهِ عَنْ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ وَالْبَهِيمَةِ وَالْمَجْنُونِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ غَيْرُ الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ عَامَّةُ الْخَلْقِ، وَلَا يُوصَفُ بِالْعِلْمِ إلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَقِيلَ: هُوَ قُوَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ بِوُجُودِهَا يَصِحُّ دَرْكُ الْأَشْيَاءِ وَيُتَوَجَّهُ تَكْلِيفُ الشَّرْعِ وَهُوَ مِمَّا يَعْرِفُهُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ نَفْسِهِ وَمُخْتَارُ الشَّيْخِ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَعَامَّةِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّ الْعَقْلَ نُورٌ يُضَاءُ بِهِ طَرِيقُ إصَابَةِ الْحَقِّ وَالْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فَيُدْرِكُ الْقَلْبُ بِهِ كَمَا يُدْرِكُ الْعَيْنُ بِالنُّورِ الْحِسِّيِّ الْمُبْصَرَاتِ.
وَإِنَّمَا سَمَّاهُ نُورًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى النُّورِ هُوَ الظُّهُورُ لِلْإِدْرَاكِ فَإِنَّ النُّورَ هُوَ الظَّاهِرُ الْمُظْهِرُ وَالْعَقْلُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لِلْبَصِيرَةِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ عَيْنِ الْبَاطِنِ كَالشَّمْسِ وَالسِّرَاجِ لِعَيْنِ الظَّاهِرِ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِتَسْمِيَةِ النُّورِ مِنْ الْأَنْوَارِ الْحِسِّيَّةِ؛ لِأَنَّ بِهَا لَا يَظْهَرُ إلَّا ظَوَاهِرُ الْأَشْيَاءِ فَتُدْرِكُ الْعَيْنُ بِهَا تِلْكَ الظَّوَاهِرَ لَا غَيْرُ فَأَمَّا الْعَقْلُ فَيَسْتَنِيرُ بِهِ بَوَاطِنَ الْأَشْيَاءِ وَمَعَانِيَهَا وَيُدْرِكُ حَقَائِقَهَا وَأَسْرَارَهَا فَكَانَ أَوْلَى بِاسْمِ النُّورِ وَقَوْلُهُ يُبْتَدَأُ مُسْنَدٌ إلَى الظَّرْفِ وَهُوَ الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِطَرِيقٍ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى الطَّرِيقِ وَفِي بِتَأَمُّلِهِ إلَى الْقَلْبِ يَعْنِي ابْتِدَاءَ عَمَلِ الْقَلْبِ بِنُورِ الْعَقْلِ مِنْ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ دَرْكُ الْحَوَاسِّ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَبْصَرَ شَيْئًا يَتَّضِحُ لِقَلْبِهِ طَرِيقُ الِاسْتِدْلَالِ بِنُورِ الْعَقْلِ فَإِذَا نَظَرَ إلَى بِنَاءٍ رَفِيعٍ وَانْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ يُدْرِكُ بِنُورِ عَقْلِهِ أَنَّ لَهُ بَانِيًا لَا مَحَالَةَ ذَا حَيَاةٍ وَقُدْرَةٍ وَعِلْمٍ إلَى سَائِرِ أَوْصَافِهِ الَّذِي لَا بُدَّ لِلْبِنَاءِ مِنْهُ وَإِذَا نَظَرَ إلَى السَّمَاءِ وَرَأَى إحْكَامَهَا وَرِفْعَتَهَا وَاسْتِنَارَةَ كَوَاكِبِهَا وَعِظَمَ هَيْئَتِهَا وَسَائِرَ مَا فِيهَا مِنْ الْعَجَائِبِ اسْتَدَلَّ بِنُورِ عَقْلِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ صَانِعٍ قَدِيمٍ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ قَادِرٍ عَظِيمٍ حَيٍّ عَلِيمٍ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَيَبْتَدِي أَيْ يَظْهَرُ الْمَطْلُوبُ لِلْقَلْبِ فَيُدْرِكُ الْقَلْبُ الْمَطْلُوبَ إذَا تَأَمَّلَ - إنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ - قَوْلُهُ (وَإِنَّهُ) أَيْ الْعَقْلَ لَا يُعْرَفُ فِي الْبَشَرِ أَيْ الْإِنْسَانِ إلَّا بِدَلَالَةِ اخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ فِيمَا يَأْتِيهِ مِنْ الْعَقْلِ وَمَا يَتْرُكُ مِنْهُ مَا يَصْلُحُ لَهُ فِي عَاقِبَتِهِ أَمْرِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي عَاقِبَتِهِ رَاجِعًا إلَى مَا فِي قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِيهِ وَيَذَرُهُ أَيْ يَخْتَارُ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ مَا يَصْلُحُ لَهُ فِي عَاقِبَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَإِنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ قَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ لِحِكْمَةٍ وَعَاقِبَةٍ حَمِيدَةٍ وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ حِكْمَةٍ كَمَا يَكُونُ مِنْ الْبَهَائِمِ وَبِالْعَقْلِ يُوقَفُ عَلَى الْعَوَاقِبِ الْحَمِيدَةِ فَإِذَا وَقَعَ فِعْلُهُ عَلَى نَهْجِ أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى حُصُولِ الْعَقْلِ فِيهِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ
стр. 711
وَالْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ عَلَى كَمَالِهِ فَشَرْطُنَا لِوُجُوبِ الْحُكْمِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ كَمَالَ الْعَقْلِ فَقُلْنَا: إنَّ خَبَرَ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا لَمْ يَجْعَلْهُ وَلِيًّا فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ فَفِي أَمْرِ الدِّينِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ الْمَعْتُوهُ.
ــ
[كشف الأسرار]
الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ قَالَ الشَّيْخُ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ فَصَارَ فِي الْحَاصِلِ الْعَقْلُ مَا يُوقَفُ بِهِ عَلَى الْعَوَاقِبِ وَالْعَاقِلُ مَنْ يَكُونُ أَكْثَرُ أَفْعَالِهِ عَلَى سَنَنِ أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ ثُمَّ الْعَقْلُ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا بِالْفِعْلِ فِي الْإِنْسَانِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] وَلَكِنْ فِيهِ اسْتِعْدَادٌ وَصَلَاحِيَةٌ لَأَنْ يُوجَدَ فِيهِ الْعَقْلُ فَهَذَا الِاسْتِعْدَادُ يُسَمَّى عَقْلًا بِالْقُوَّةِ وَعَقْلًا غَرِيزِيًّا ثُمَّ يَحْدُثُ الْعَقْلُ فِيهِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى أَنْ بَلَغَ دَرَجَاتِ الْكَمَالِ وَيُسَمَّى هَذَا عَقْلًا مُسْتَفَادًا فَقَبْلَ بُلُوغِهِ إلَى أُولَى دَرَجَاتِ الْكَمَالِ يَكُونُ قَاصِرًا لَا مَحَالَةَ، وَلَمَّا تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى وُجُودِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ بِحَسَبِ مَا يَمْضِي مِنْ الزَّمَانِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ أُولَى دَرَجَاتِ الْكَمَالِ، وَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْوُقُوفِ عَنْ حَدِّ ذَلِكَ بَلْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِحَقِيقَتِهِ أُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ فِي حَقِّنَا وَهُوَ الْبُلُوغُ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ مَقَامَ كَمَالِ الْعَقْلِ تَيْسِيرًا وَبُنِيَ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اعْتِدَالَ الْعَقْلِ يَحْصُلُ عِنْدَهُ غَالِبًا؛ لِأَنَّ بِكَمَالِ الْبِنْيَةِ يَكْمُلُ قُوَى النَّفْسِ فَيَكْمُلُ بِكَمَالِ الْبِنْيَةِ الْعَقْلُ إذَا لَمْ تُعَارِضْهُ آفَةٌ، وَسَقَطَ اعْتِبَارُ مَا يَكُونُ مَوْجُودًا قَبْلَهُ مِنْ الْعَقْلِ فِي الصَّبِيِّ مَرْحَمَةً وَفَضْلًا فَصَارَ الصَّبِيُّ فِي حُكْمِ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ فِيمَا يُخَافُ لُحُوقُ عُهْدَةٍ بِهِ، وَالْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ عَلَى كَمَالِهِ أَيْ كَمَالِهِ فِي مُسَمَّاهُ.
فَشَرَطْنَا لِوُجُوبِ الْحُكْمِ أَيْ لِوُجُوبِ حُكْمِ الشَّرْعِ عَلَيْهِ وَصَيْرُورَتِهِ مُكَلَّفًا وَقِيَامِ الْحُجَّةِ بِخَبَرِهِ عَلَى الْغَيْرِ كَمَالَ الْعَقْلِ فَقُلْنَا: إنَّ خَبَرَ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الشَّرْعِ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي الشَّرْعِ عَنْ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا لَمْ يُوَلِّهِ أُمُورَ نَفْسِهِ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ فَلَأَنْ لَا يُوَلِّيَهُ أَمْرَ شَرْعِهِ أَوْلَى، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ أُمُورَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِحَقِّ الْمَوْلَى لَا لِنُقْصَانٍ فِي الْعَقْلِ فَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الشَّرْعِ فَأَمَّا عَدَمُ تَوْلِيَةِ أُمُورِ الصَّبِيِّ إلَى نَفْسِهِ فَلِنُقْصَانِ الْعَقْلِ فَيَظْهَرُ فِي أَمْرِ الدِّينِ أَيْضًا وَلِأَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ مَرْدُودٌ مَعَ أَنَّهُ أَوْثَقُ مِنْ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى لِعِلْمِهِ بِالتَّكْلِيفِ وَالصَّبِيُّ لَا يَخَافُهُ، وَلَا رَادِعَ لَهُ مِنْ الْكَذِبِ أَصْلًا لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ فَكَانَ خَبَرُهُ أَوْلَى بِالرَّدِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ رِوَايَةَ الصَّبِيِّ إذَا كَانَ مُمَيِّزًا وَوَقَعَ فِي ظَنِّ السَّامِعِ صِدْقُهُ مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالدِّيَانَاتِ مَقْبُولٌ مَعَ تَحْكِيمِ الرَّأْيِ فَكَذَا هَذَا، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ قَبِلُوا إخْبَارَ ابْنِ عُمَرَ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِأَنَّ التَّحْوِيلَ كَانَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ وَقَدْ رَدَّهُ النَّبِيُّ ﵇ فِيهِ لِصِبَاهُ ثُمَّ إنَّهُمْ اعْتَمَدُوا خَبَرَهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِعِلْمٍ وَهُوَ الصَّلَاةُ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى رِوَايَةِ صَبِيٍّ.
وَلِأَنَّ غَالِبَ أَحْوَالِهِ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ وَالْمُسَامَحَةُ وَالْمُسَاهَلَةُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ احْتِيَاطًا فِي أَمْرِ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا أَهْلُ قُبَاءَ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي أَتَاهُمْ أَنَسٌ ﵁ فَكَانَ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى خَبَرِهِ أَوْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ بَالِغًا يَوْمَئِذٍ إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ رَدَّهُ لِضَعْفِ بِنْيَتِهِ يَوْمَئِذٍ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا؛ لِأَنَّ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا وَهَذَا إذَا كَانَ السَّمَاعُ وَالرِّوَايَةُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَإِنْ كَانَ السَّمَاعُ قَبْلَهُ وَالرِّوَايَةُ بَعْدَهُ يُقْبَلُ خِلَافًا لِقَوْمٍ إذْ لَا خَلَلَ فِي تَحَمُّلِهِ لِكَوْنِهِ مُمَيِّزًا، وَلَا فِي رِوَايَتِهِ لِكَوْنِهِ عَامِلًا مُكَلَّفًا
стр. 712
وَأَمَّا الضَّبْطُ فَإِنَّ تَفْسِيرَهُ سَمَاعُ الْكَلَامِ كَمَا يَحِقُّ سَمَاعُهُ ثُمَّ فَهْمُهُ بِمَعْنَاهُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ ثُمَّ حِفْظُهُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ لَهُ ثُمَّ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ بِمُحَافَظَةِ حُدُودِهِ مُرَاقَبَتِهِ بِمُذَاكَرَتِهِ عَلَى إسَاءَةِ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ إلَى حِينِ أَدَائِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّهَادَةَ بَعْدَ الْبُلُوغِ مَقْبُولَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ التَّحَمُّلُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَكَذَا الرِّوَايَةُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا تَحَمَّلُوهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَقَبْلَهُ وَقَدْ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى إحْضَارِ الصِّبْيَانِ مَجَالِسَ الرِّوَايَةِ وَإِسْمَاعِهِمْ الْأَحَادِيثَ وَقَبُولِ رِوَايَةِ مَا تَحَمَّلُوهُ فِي الصِّبَا بَعْدَ الْبُلُوغِ ثُمَّ قِيلَ أَقَلُّ مُدَّةٍ يَصِيرُ الصَّبِيُّ فِيهَا أَهْلًا لِلتَّحَمُّلِ: أَرْبَعُ سِنِينَ لِحَدِيثِ «مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ حَفِظْت مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فِي وَجْهِي مِنْ دَلْوٍ كَانَتْ مُعَلَّقَةً فِي دَارِهِمْ» وَكَانَ ابْنُ أَرْبَعَ سِنِينَ أَوْ خَمْسَ سِنِينَ وَالْأَصَحُّ أَنْ لَا تَقْدِيرَ.
وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا كَانَ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا عِنْدَ التَّحَمُّلِ عَدْلًا مُسْلِمًا عِنْدَ الرِّوَايَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ فِي النَّصْرَانِيِّ وَالْمَمْلُوكِ وَالصَّبِيِّ يَشْهَدُونَ شَهَادَةً فَلَا يُدْعَوْنَ لَهَا حَتَّى يُسْلِمَ هَذَا وَيَعْتِقَ هَذَا وَيَحْتَلِمَ هَذَا ثُمَّ يَشْهَدُونَ بِهَا فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ وَإِذَا كَانَ هَذَا جَائِزًا فِي الشَّهَادَةِ فَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ أَوْسَعُ فِي الْحُكْمِ مِنْ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا حَفِظُوهَا قَبْلَ إسْلَامِهِمْ وَأَدَّوْهَا بَعْدَهُ كَذَا فِي الْكِفَايَةِ الْبَغْدَادِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْمَعْتُوهُ أَيْ وَكَالصَّبِيِّ الْمَعْتُوهُ وَهُوَ نَاقِصُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ صِبًا وَلَا جُنُونٍ فَيُشْبِهُ كَلَامُهُ وَأَفْعَالُهُ تَارَةً بِكَلَامِ الْمَجَانِينِ وَأَفْعَالِهِمْ وَتَارَةً بِكَلَامِ الْعُقَلَاءِ وَأَفْعَالِهِمْ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَقْلِ بِالْعَتَهِ فَوْقَ النُّقْصَانِ بِالصِّبَا إذْ الصَّبِيُّ قَدْ يَكُونُ أَعْقَلَ مِنْ الْبَالِغِ، وَلَا يَكُونُ الْمَعْتُوهُ كَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] فَكَانَ خَبَرُهُ أَوْلَى بِالرَّدِّ مِنْ خَبَرِ الصَّبِيِّ وَقَوْلُهُ ثُمَّ هُوَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِسْمَتِهِ مُتَفَاوِتٌ بَيَانُ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْعَقْلِ أَيْ الْقَاصِرِ مَا يُقَارِنُهُ مَا يَدُلُّ عَلَى نُقْصَانِهِ وَهُوَ الصِّبَا وَالْكَامِلُ لَا حَدَّ لِأَعْلَاهُ، وَلَا يُدْرَكُ إذْ هُوَ فِي التَّزَايُدِ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْقِسْمَةِ مُتَفَاوِتٌ فَاعْتُبِرَ أَدْنَى دَرَجَاتِ كَمَالِهِ وَذَلِكَ خَفِيٌّ أَيْضًا فَأُقِيمَ الْبُلُوغُ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا وَقَوْلُهُ وَاعْتِدَالِهِ بَيَانُ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْكَمَالِ وَتَفْسِيرٌ لَهُ، قَوْلُهُ.
(وَأَمَّا الضَّبْطُ) فَكَذَا ضَبْطُ الشَّيْءِ لُغَةً حِفْظُهُ بِالْجَزْمِ وَمِنْهُ الْأَضْبَطُ الَّذِي يَعْمَلُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ وَضَبْطُ الْخَبَرِ سَمَاعُهُ كَمَا يَحِقُّ سَمَاعُهُ بِأَنْ يَصْرِفَ هِمَّتَهُ إلَيْهِ وَيُقْبِلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَشِذَّ مِنْهُ وَقَدْ بَيَّنَهُ الشَّيْخُ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ ثُمَّ فَهِمَهُ أَيْ فَهِمَ الْكَلَامَ مُلْتَبِسًا بِمَعْنَاهُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ يَعْنِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ أَوْ اللُّغَوِيَّ وَالشَّرْعِيَّ جَمِيعًا ثُمَّ حَفِظَهُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ لَهُ أَيْ حَفِظَ الْكَلَامَ بِبَذْلِ الطَّاقَةِ فِي حِفْظِهِ بِأَنْ يُكَرِّرَهُ إلَى أَنْ يَحْفَظَهُ ثُمَّ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْحِفْظِ بِمُحَافَظَةِ حُدُودِ ذَلِكَ الْكَلَامِ بِأَنْ يَعْمَلَ بِمُوجِبِهِ بِبَدَنِهِ وَيُذَاكِرَهُ بِلِسَانِهِ فَإِنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ وَالْمُذَاكَرَةِ يُورِثُ النِّسْيَانَ عَلَى إسَاءَةِ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ بِأَنْ لَا يَعْتَمِدَ عَلَى نَفْسِهِ: أَنِّي لَا أَنْسَاهُ، وَلَا يُسَامِحُ فِي حِفْظِ الْحَدِيثِ بَلْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ وَيُذَاكِرَهُ دَائِمًا مُقَدِّرًا فِي نَفْسِهِ: أَنِّي إذَا تَرَكْت الْمُذَاكَرَةَ نَسِيَتُهُ إذْ الْجَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ؛ وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ إذَا رَوَى حَدِيثًا أَخَذَهُ الْبُهْرُ وَجَعَلَتْ فَرَائِصُهُ تَرْتَعِدُ بِاعْتِبَارِ سُوءِ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الزُّهْدِ وَالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ وَالْفَقَاهَةِ إلَى حِينِ أَدَائِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ثُمَّ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا فَسَّرَ الضَّبْطَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ بِدُونِ السَّمَاعِ لَا يُتَصَوَّرُ الْفَهْمُ وَبَعْدَ السَّمَاعِ إذَا لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَى الْكَلَامِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سَمَاعًا مُطْلَقًا بَلْ يَكُونُ سَمَاعُ صَوْتٍ لَا سَمَاعَ كَلَامٍ هُوَ خَبَرٌ وَبَعْدَ فَهْمِ الْمَعْنَى يَتِمُّ التَّحَمُّلُ وَذَلِكَ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ كَمَا تَحَمَّلَ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إلَّا بِالْحِفْظِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ، ثُمَّ الْأَدَاءُ إنَّمَا يَكُونُ مَقْبُولًا عَنْهُ
стр. 713
وَهُوَ نَوْعَانِ: ضَبْطُ الْمَتْنِ بِصِيغَتَيْهِ وَمَعْنَاهُ لُغَةً، وَالثَّانِي أَنْ يَضُمَّ إلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ ضَبْطَ مَعْنَاهُ فِقْهًا وَشَرِيعَةً وَهَذَا أَكْمَلُهُمَا وَالْمُطْلَقُ مِنْ الضَّبْطِ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ خَبَرُ مَنْ اشْتَدَّتْ غَفْلَتُهُ خِلْقَةً أَوْ مُسَامَحَةً وَمُجَازَفَةً حُجَّةً لِعَدَمِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الضَّبْطِ؛ وَلِهَذَا قَصُرَتْ رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْفِقْهِ عِنْدَ مُعَارَضَةِ مَنْ عُرِفَ بِالْفِقْهِ فِي بَابِ التَّرْجِيحِ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا فِي التَّرْجِيحِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ نَقْلَ الْقُرْآنِ مِمَّنْ لَا ضَبْطَ لَهُ جُعِلَ حُجَّةً
ــ
[كشف الأسرار]
بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الصِّدْقِ فِيهِ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِهَذَا؛ وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ أَبُو حَنِيفَةَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ لِمَنْ عَرَفَ خَطَّهُ فِي الصَّكِّ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الْحَادِثَةَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ضَابِطٍ لِمَا تَحَمَّلَ وَبِدُونِ الضَّبْطِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀.
قَوْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ الضَّبْطُ نَوْعَانِ ضَبْطُ الْمَتْنِ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ لُغَةً أَيْ الضَّبْطِ نَفْسِ الْحَدِيثِ وَلَفْظِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَتَصْحِيفٍ مَعَ مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، مِثْلُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» بِالرَّفْعِ أَوْ النَّصْبِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ النَّصْبِ بِيعُوا الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ فَهَذَا هُوَ ضَبْطُ الصِّيغَةِ بِمَعْنَاهَا لُغَةً وَالثَّانِي أَنْ يَضُمَّ إلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ ضَبْطَ مَعْنَاهُ فِقْهًا وَشَرِيعَةً مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ وُجُوبُ الْمُسَاوَاةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ وَالْجِنْسِ مَثَلًا وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حُرْمَةَ الْقَضَاءِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَعَلِّقَةٌ بِشُغْلِ الْقَلْبِ وَهَذَا أَيْ ضَبْطُ الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ أَكْمَلُ النَّوْعَيْنِ أَيْ الْكَامِلِ مِنْهُمَا وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِك الْأَشَجُّ وَالنَّاقِصُ أَعْدَلَا بَنِي مَرْوَانَ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ وَالْمُطْلَقُ مِنْ الضَّبْطِ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ أَيْ الضَّبْطَ الَّذِي هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الرَّاوِي الضَّبْطُ الْكَامِلُ لَا النَّاقِصُ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْعَقْلِ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْهُ هُوَ الْكَامِلُ وَذَلِكَ لِمَا مَرَّ أَنَّ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى مَشْهُورٌ بَيْنَهُمْ فَإِذَا لَمْ يَضْبِطْ الرَّاوِي فِقْهَ الْحَدِيثِ رُبَّمَا يَقَعُ خَلَلٌ فِي النَّقْلِ بِأَنْ يُقَصِّرَ فِي أَدَاءِ الْمَعْنَى بِلَفْظِهِ بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِ وَيُؤْمَنُ عَنْ مِثْلِهِ إذَا كَانَ فَقِيهًا؛ وَلِهَذَا أَيْ وَلِاشْتِرَاطِ أَصْلِ الضَّبْطِ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ مَنْ اشْتَدَّتْ غَفْلَتُهُ خِلْقَةً بِأَنْ كَانَ سَهْوُهُ وَنِسْيَانُهُ أَغْلَبَ مِنْ ضَبْطِهِ وَحِفْظِهِ أَوْ مُسَامَحَةً أَيْ مُسَاهَلَةً لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِ بِشَأْنِ الْحَدِيثِ حُجَّةً، وَإِنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ كَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي وَالْمُجَازَفَةُ التَّكَلُّمُ مِنْ غَيْرِ خِبْرَةٍ وَتَيَقُّظٍ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ.
؛ وَلِهَذَا أَيْ وَلِاشْتِرَاطِ كَمَالِ الضَّبْطِ قَصُرَتْ رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْفِقْهِ أَيْ لَا تُعَارِضُ رِوَايَةُ غَيْرِ الْفَقِيهِ رِوَايَةَ الْفَقِيهِ بَلْ يَتَرَجَّحُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ لِفَوَاتِ كَمَالِ الضَّبْطِ فِي الْأَوَّلِ وَوُجُودِهِ فِي الثَّانِي وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ رَوَى لَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» قَالَ عَمْرُو فَقُلْتُ لِجَابِرٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» فَقَالَ: إنَّهَا كَانَتْ خَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهَا فَقُلْت وَقَدْ كَانَتْ خَالَةُ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَيْضًا فَقَالَ أَنَّى يُجْعَلُ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ الْبَوَّالُ عَلَى عَقِبَيْهِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَدَلَّ أَنَّ رِوَايَةَ غَيْرِ الْفَقِيهِ لَا تُعَارِضُ رِوَايَةَ الْفَقِيهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَمَامِ الضَّبْطِ مِنْ الْفَقِيهِ وَمَا ذَكَرْنَا مَذْهَبُ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ أَنَّ رِوَايَةَ الْفَقِيهِ رَاجِحَةٌ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِ الْفَقِيهِ وَقَالَ قَوْمٌ هَذَا التَّرْجِيحُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي خَبَرَيْنِ مَرْوِيَّيْنِ بِالْمَعْنَى أَمَّا الْمَرْوِيُّ بِاللَّفْظِ فَلَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يَجُوزُ، وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ فَإِذَا حَضَرَ الْمَجْلِسَ وَسَمِعَ كَلَامًا لَا يَجُوزُ إجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بَحَثَ عَنْهُ وَسَأَلَ عَنْ مُقَدِّمَتِهِ وَسَبَبِ وُرُودِهِ فَيَطَّلِعُ عَلَى مَا يُزِيلُ الْإِشْكَالَ أَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَإِنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ فَيَنْقُلُ الْقَدْرَ الَّذِي سَمِعَهُ فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَحْدَهُ سَبَبًا لِلضَّلَالِ.
وَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْقَهَ مِنْ الْآخَرِ كَانَتْ رِوَايَتُهُ رَاجِحَةً؛ لِأَنَّ الْوُثُوقَ بِاحْتِرَازِ الْأَفْقَهِ عَنْ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ أَتَمُّ مِنْ الْوُثُوقِ بِاحْتِرَازِ الْأَضْعَفِ وَكَذَا ذُكِرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَيْضًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ
стр. 714
لِأَنَّ نَقْلَهُ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا ثَبَتَ بِقَوْمٍ هُمْ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَخَيْرُ الْوَرَى وَلِأَنَّ نَظْمَ الْقُرْآنِ مُعْجِزٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ عَلَى الْخُصُوصِ مِثْلُ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةِ التِّلَاوَةِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ فَاعْتُبِرَ فِي نَقْلِهِ نَظْمُهُ وَبُنِيَ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ فَأَمَّا السُّنَّةُ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَصْلُهَا وَالنَّظْمُ غَيْرُ لَازِمٍ فِيهَا؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْقُرْآنِ مِمَّنْ لَا يَضْبِطُ الصِّيغَةَ بِمَعْنَاهَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا بَذَلَ مَجْهُودَهُ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ وَلَوْ فُعِلَ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ لَصَارَ ذَلِكَ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُ لَمَّا عُدِمَ ذَلِكَ عَادَةً شَرَطْنَا كَمَالَ الضَّبْطِ لِيَصِيرَ حُجَّةً وَمَعْنَى قَوْلِنَا أَنْ يَسْمَعَهُ حَقَّ سَمَاعِهِ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَنْتَهِي إلَى الْمَجْلِسِ وَقَدْ مَضَى صَدْرٌ مِنْ الْكَلَامِ فَرُبَّمَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَكَلِّمِ هُجُومُهُ لِيُعِيدَ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ فَعَلَى السَّامِعِ الِاحْتِيَاطُ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ قَدْ يَزْدَرِي السَّامِعُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَرَاهَا أَهْلًا لِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ فَيُقَصِّرُ فِي بَعْضِ مَا أُلْقِي إلَيْهِ ثُمَّ يُفْضَى بِهِ فَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى إلَى أَنْ يَتَصَدَّى لِإِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ قَصَّرَ فِي بَعْضِ مَا لَزِمَهُ فَلِذَلِكَ شَرَطْنَا مُرَاقَبَتَهُ.
ــ
[كشف الأسرار]
الشَّيْخِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا فِي التَّرْجِيحِ لَيْسَ لِبَيَانِ خِلَافِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بَلْ لِبَيَانِ نَفْسِ الْمَذْهَبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ لَا نَعْرِفُهُ مِمَّنْ لَا ضَبْطَ لَهُ أَيْ لَا يَضْبِطُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ، وَلَا اللُّغَوِيَّ؛ لِأَنَّ نَقْلَهُ فِي الْأَصْلِ أَيْ أَصْلِ نَقْلِ الْقُرْآنِ ثَبَتَ لِقَوْمٍ كَانُوا أَئِمَّةَ الْهُدَى وَخَيْرَ الْوَرَى أَيْ الْخَلْقِ وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ قَرْنٍ إلَى يَوْمِنَا هَذَا فَوَقَعَ الْأَمْنُ عَنْ الْغَلَطِ وَالتَّصْحِيفِ بِنَقْلِهِمْ فَيَكُونُ نَقْلُ مَنْ لَا ضَبْطَ لَهُ تَبَعًا لِنَقْلِهِمْ فَيُقْبَلُ وَلِأَنَّ نَظْمَ الْقُرْآنِ مُعْجِزٌ فَإِنَّ إعْجَازَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّظْمِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا فَكَانَ النَّظْمُ فِيهِ مَقْصُودًا كَالْمَعْنَى وَالْمَعْنَى مُودَعٌ فِي اللَّفْظِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى تَبَعًا لِلَّفْظِ وَلِذَلِكَ حَرُمَ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَا حَرُمَ ذُكِرَ مَعْنَاهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَكَذَلِكَ جَوَازُ الصَّلَاةِ يَتَعَلَّقُ بِقِرَاءَةِ النَّظْمِ دُونَ الْمَعْنَى عِنْدَ الْعَامَّةِ أَوْ عِنْدَ الْكُلِّ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَنْ أَصْلِ الْمَذْهَبِ وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ هُوَ النَّظْمَ وَالْكُلُّ فِي ضَبْطِ النَّظْمِ سَوَاءٌ صَحَّ النَّقْلُ عَنْ الْكُلِّ، وَفِي الْإِخْبَارِ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى فَصَحَّ النَّقْلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْمَعْنَى، وَهُوَ الْفَقِيهُ دُونَ مَنْ لَا يَعْقِلُهُ بَذَلَ مَجْهُودَهُ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ تَرَادُفٌ إذْ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ بَذْلُ الطَّاقَةِ أَيْضًا وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ أَيْ بَذَلَ مَجْهُودَهُ فِي ضَبْطِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ ضَبْطِ الْمَعْنَى فِي الْخَبَرِ كَانَ حُجَّةً أَيْضًا وَهُوَ مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي الْمُعْتَمَدِ وَغَيْرِهِ أَنَّ حَدِيثَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى مَا يَنْقُلُهُ كَالْأَعْجَمِيِّ لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ جَهْلَهُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ضَبْطِهِ لِلْحَدِيثِ؛ وَلِهَذَا يُمْكِنُ لِلْأَعْجَمِيِّ أَنْ يَحْفَظَ الْقُرْآنَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ وَقَدْ قَبِلَتْ الصَّحَابَةُ أَخْبَارَ الْأَعْرَابِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا كَثِيرًا مِنْ مَعَانِي الْكَلَامِ الَّتِي يَفْتَقِرُ إلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَالِ.
وَقَدْ يَزْدَرِي السَّامِعُ بِنَفْسِهِ أَيْ يَسْتَخِفُّهَا وَيَسْتَحْقِرُهَا إلَى أَنْ يَتَصَدَّى لِإِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ أَيْ يَتَعَرَّضُ لَهَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ لَسْنَا نُسْأَلُ وَلَسْنَا هُنَاكَ ثُمَّ قَضَى اللَّهُ أَنْ بَلَغْنَا مِنْ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ قِيلَ هَذَا إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ مُتَوَافِرِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمَا كَانَ يُحْتَاجُ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَقِيلَ هَذَا مِنْهُ إشَارَةٌ إلَى حَاصِلِ صِغَرِهِ وَجَهْلِهِ؛ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا التَّحَدُّثَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ رَفَعَهُ مِنْ تِلْكَ الدَّرَجَةِ إلَى مَا بَلَّغَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ هَذَا حِينَ كَانَ بِالْكُوفَةِ وَلَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ تِلْمِيذٍ يَتَعَلَّمُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ الْكُوفَةِ خَرَجَ إلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ مَعَ أَصْحَابِهِ حَتَّى سَدُّوا الْأُفُقَ فَلَمَّا رَآهُمْ عَلِيٌّ ﵁ قَالَ مُلِئَتْ هَذِهِ الْقَرْيَةُ عِلْمًا وَفِقْهًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فَلِذَلِكَ شَرَطْنَا مُرَاقَبَتَهُ أَيْ مُرَاقَبَةَ السَّمَاعِ فَإِنْ تَحَقَّقَ سَمَاعُهُ كَمَا هُوَ حَقُّهُ وَتَمَّ ضَبْطُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يَرْوِيهِ وَإِلَّا لَمْ يُجَازِفْ فِي الرِّوَايَةِ فَإِنَّ بِكَثْرَةِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي الِابْتِدَاءِ يُسْتَدَلُّ عَلَى قِلَّةِ مُبَالَاتِهِ فَيُرَدُّ خَبَرُهُ؛ وَلِهَذَا ذَمَّ السَّلَفُ الصَّالِحُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَثْرَةَ الرِّوَايَةِ وَكَانَ الصِّدِّيقُ ﵁ أَكْبَرَ الصَّحَابَةِ وَأَدْوَمَهُمْ صُحْبَةً وَكَانَ أَقَلَّهُمْ رِوَايَةً وَقَالَ عُمَرُ ﵁ أَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ يَعْنِي فِي تَقْلِيلِ الرِّوَايَةِ.
وَلَمَّا قِيلَ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَلَا تَرْوِي لَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ شَيْئًا قَالَ قَدْ كَبِرْنَا وَنَسِينَا، وَالرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَمْرٌ شَدِيدٌ؛ وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَاتُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الطَّاغِينَ إنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوا بَلْ كَانَ أَعْلَمَ عَصْرِهِ بِالْحَدِيثِ وَلَكِنْ لِمُرَاعَاةِ شَرْطِ كَمَالِ الضَّبْطِ قَلَّتْ رِوَايَتُهُ كَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀.
стр. 715
وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَإِنَّ تَفْسِيرَهَا الِاسْتِقَامَةُ يُقَالُ طَرِيقٌ عَدْلٌ لِلْجَادَّةِ وَجَائِرٌ لِلْبُنَيَّاتِ وَهِيَ نَوْعَانِ أَيْضًا: قَاصِرٌ وَكَامِلٌ أَمَّا الْقَاصِرُ فَمَا ثَبَتَ مِنْهُ بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ وَاعْتِدَالِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حَالَةُ الِاسْتِقَامَةِ لَكِنْ هَذَا الْأَصْلُ لَا يُفَارِقُهُ هَوًى يُضِلُّهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ وَلَيْسَ الْكَمَالُ إلَّا اسْتِقَامَةَ حَدٍّ يُدْرَكُ مَدَاهُ؛ لِأَنَّهَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ يَتَفَاوَتُ فَاعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ مَا لَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَتَضْيِيعِ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ رُجْحَانُ جِهَةِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ عَلَى طَرِيقِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ فَقِيلَ: مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَصَارَ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى مَا دُونَ الْكَبِيرَةِ كَانَ مِثْلَهَا فِي وُقُوعِ التُّهْمَةِ وَجَرْحِ الْعَدَالَةِ فَأَمَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ الْكَبَائِرِ مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ فَعَدْلٌ كَامِلُ الْعَدَالَةِ وَخَبَرُهُ حُجَّةٌ فِي إقَامَةِ الشَّرِيعَةِ وَالْمُطْلَقُ مِنْ الْعَدَالَةِ يَنْصَرِفُ إلَى أَكْمَلِ الْوَجْهَيْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ (أَمَّا الْعَدَالَةُ فَكَذَا) هِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ ضِدِّ الْجَوْرِ وَهُوَ اتِّصَافُ الْغَيْرِ بِفِعْلِ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ وَتَرْكِ مَا يَجِبُ لَهُ تَرْكُهُ، وَعَنْ الِاسْتِقَامَةِ يُقَالُ فُلَانٌ عَادِلٌ أَيْ مُسْتَقِيمُ السِّيرَةِ فِي الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَيُقَالُ لِلْجَادَّةِ طَرِيقٌ عَادِلٌ لِاسْتِقَامَتِهَا وَجَائِرٌ لِلْبُنَيَّاتِ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَهِيَ الطُّرُقُ الْحَادِثَةُ مِنْ الْجَادَّةِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهِيَ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ وَالدِّينِ وَضِدُّهَا الْفِسْقُ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْحَدِّ الَّذِي جُعِلَ لَهُ وَفَسَّرَهَا الْبَعْضُ بِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ أَهْلِيَّةِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِقَامَةِ السِّيرَةِ وَالدِّينِ، وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إلَى هَيْئَةٍ رَاسِخَةٍ فِي النَّفْسِ تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ جَمِيعًا حَتَّى يَحْصُلَ ثِقَةُ النُّفُوسِ بِصِدْقِهِ فَلَا ثِقَةَ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ خَوْفًا وَازِعًا عَنْ الْكَذِبِ.
أَمَّا الْقَاصِرُ فَمَا ثَبَتَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْعَدَالَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ وَاعْتِدَالِ الْعَقْلِ مَعَ السَّلَامَةِ عَنْ فِسْقٍ ظَاهِرٍ فَإِنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِهِمَا فَهُوَ عَدْلٌ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُمَا يَحْمِلَانِهِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَيَزْجُرَانِهِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْخُرُوجِ عَنْ حَدِّ الشَّرِيعَةِ وَبِهَذِهِ الْعَدَالَةِ لَا يَصِيرُ الْخَبَرُ حُجَّةً؛ لِأَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ عَارَضَهُ ظَاهِرٌ مِثْلُهُ وَهُوَ هَوَى النَّفْسِ فَإِنَّهُ الْأَصْلُ قَبْلَ الْعَقْلِ وَحِينَ رُزِقَ الْعَقْلَ وَالنُّهَى مَا زَايَلَهُ الْهَوَى وَأَنَّهُ دَاعٍ إلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ فَكَانَ عَدْلًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَالْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ عَاقِلَانِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَتَرَدَّدَ الصِّدْقُ فِي خَبَرِهِ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ فَشُرِطَ كَمَالُ الْعَدَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُجَانِبًا لِمَحْظُورِ دِينِهِ لِيَثْبُتَ رُجْحَانُ دَلِيلِ الْعَقْلِ عَلَى الْهَوَى فَيَتَرَجَّحُ الصِّدْقُ فِي خَبَرِهِ وَلَا يُفَارِقُهُ هَوًى يُضِلُّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] .
وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ لِكَمَالِ الِاسْتِقَامَةِ بَيَانُ النَّوْعِ الثَّانِي كَأَنَّهُ قَالَ: وَالْكَامِلُ مِنْ الِاسْتِقَامَةِ بِالِانْزِجَارِ عَنْ الْمَعَاصِي إلَّا أَنَّ هَذَا كَمَالٌ لَا يُدْرَكُ مَدَاهُ أَيْ غَايَتُهُ فَاعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي كَمَالِ الِاسْتِقَامَةِ مَا لَا يُؤَدِّي اعْتِبَارُهُ إلَى الْحَرَجِ وَتَضْيِيعِ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ أَيْ أَحْكَامِهَا فَاشْتُرِطَ الِامْتِنَاعُ عَنْ الْكَبَائِرِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ حَتَّى لَوْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً تُبْطِلُ عَدَالَتَهُ، وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ ارْتَكَبَ صَغِيرَةً وَلَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا لَا تَبْطُلُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَبْطُلَ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْخُرُوجُ عَنْ الْحَدِّ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا إلَّا أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ جَمِيعِ الصَّغَائِرِ مُتَعَذِّرٌ عَادَةً فَإِنَّ غَيْرَ الْمَعْصُومِ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ التَّحَرُّزُ عَنْ الزَّلَّاتِ جَمِيعًا فَاشْتِرَاطُ التَّحَرُّزِ عَنْ جَمِيعِهَا لِإِثْبَاتِ الْعَدَالَةِ حِينَئِذٍ إلَّا نَادِرًا فَسَقَطَ فَأَمَّا الِاجْتِنَابُ عَنْ الْكَبَائِرِ وَعَنْ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ فَغَيْرُ مُتَعَذِّرٍ فَلَمْ يُجْعَلْ عَفْوًا وَاضْطَرَبَتْ كَلِمَةُ الْأُمَّةِ فِي الْكَبَائِرِ فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْكَبَائِرُ تِسْعٌ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ. وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَالْفِرَارُ عَنْ الزَّحْفِ وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَالْإِلْحَادُ فِي الْحَرَمِ» أَيْ الظُّلْمُ فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ: مِنْ أَلْحَدَ الرَّجُلُ إذَا ظَلَمَ فِي الْحَرَمِ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ مَعَ ذَلِكَ أَكْلُ الرِّبَا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ أَضَافَ إلَى ذَلِكَ السَّرِقَةَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَقِيلَ مَا خَصَّهُ الشَّارِعُ بِالذِّكْرِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي الْمُسْتَصْفَى لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِصْمَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي، وَلَا يَكْفِي أَيْضًا اجْتِنَابُ
стр. 716
فَلِهَذَا لَمْ يُجْعَلْ خَبَرُ الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ حُجَّةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَمَّا لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْمَسْتُورِ حُجَّةً فَخَبَرُ الْمَجْهُولِ أَوْلَى وَالْجَوَابُ أَنَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مَقْبُولٌ عِنْدَنَا عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي قُلْنَا: بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﵇ عَلَى ذَلِكَ الْقَرْنِ بِالْعَدَالَةِ.
وَأَمَّا الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ فَإِنَّ تَفْسِيرَهُ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ بِاَللَّهِ كَمَا هُوَ بِصِفَاتِهِ وَقَبُولُ شَرَائِعِهِ وَأَحْكَامِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ بِنُشُوِّهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْوَالِدَيْنِ، وَثَابِتٌ بِالْبَيَانِ بِأَنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا هُوَ
ــ
[كشف الأسرار]
الْكَبَائِرِ بَلْ مِنْ الصَّغَائِرِ مَا يُرَدُّ بِهِ كَسَرِقَةِ بَصَلَةٍ أَوْ تَطْفِيفٍ فِي حَبَّةٍ قَصْدًا وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى رَكَاكَةِ دِينِهِ إلَى حَدٍّ يَسْتَجْرِئُ عَلَى الْكَذِبِ بِالْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ يُرَدُّ بِهِ كَيْفَ وَقَدْ شُرِطَ فِي الْعَدَالَةِ التَّوَقِّي عَنْ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ الْقَادِحَةِ فِي الْمُرُوءَةِ نَحْوِ الْأَكْلِ فِي الطَّرِيقِ وَالسُّوقِ لِغَيْرِ السُّوقِيِّ وَالْبَوْلِ فِي الشَّارِعِ وَصُحْبَةِ الْأَرْذَالِ وَأَفْرَادِ الْمَزْحِ وَالْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ مِنْ دِبَاغَةٍ وَحِجَامَةٍ وَحِيَاكَةٍ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ مُرْتَكِبَهَا لَا يَجْتَنِبُ الْكَذِبَ غَالِبًا فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ مَوْثُوقًا بِهِ.
قَالَ وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ فِيمَا جَاوَزَ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ أَنْ يُرَدَّ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فَمَا دَلَّ عِنْدَهُ عَلَى جُرْأَتِهِ عَلَى الْكَذِبِ يُرَدُّ الشَّهَادَةَ بِهِ وَمَا لَا فَلَا وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِينَ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ مِنْ الْفِقْهِ لَا مِنْ الْأُصُولِ وَرُبَّ شَخْصٍ يَعْتَادُ الْغِيبَةَ وَيَعْلَمُ الْحَاكِمُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ طَبْعٌ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ وَلَوْ حُمِلَ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ لَمْ يَشْهَدْ أَصْلًا فَقَبُولُهُ شَهَادَتَهُ بِحُكْمِ اجْتِهَادِهِ جَائِزٌ فِي حَقِّهِ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِعَادَاتِ الْبِلَادِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ فِي اسْتِعْظَامِ بَعْضِ الصَّغَائِرِ دُونَ بَعْضٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الشَّرْطِ هُوَ الِاجْتِنَابُ عَنْ الْكَبَائِرِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الصَّغَائِرِ وَالْمُبَاحَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةِ الْهِمَّةِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ وَتَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ، وَتَرْكُ الْإِصْرَارِ عَلَى سَائِرِ الصَّغَائِرِ؛ وَلِهَذَا أَيْ وَلِاشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ لَمْ يُجْعَلْ خَبَرُ الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ حُجَّةً لِفَوَاتِ أَصْلِ الْعَدَالَةِ فِي حَقِّ الْفَاسِقِ وَفَوَاتِ كَمَالِهَا فِي حَقِّ الْمَسْتُورِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ عَدَالَتُهُ، وَلَا فِسْقُهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ وَلَمْ يَجِبْ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَمَّا لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْمَسْتُورِ حُجَّةً فَخَبَرُ الْمَجْهُولِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَسْتُورَ مَعْلُومُ الذَّاتِ مَجْهُولُ الْحَالِ وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالذَّاتِ وَالْحَالِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ وَثُبُوتَ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِ وَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَيَكُونُ هُوَ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمَسْتُورِ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْمَسْتُورِ فِي غَيْرِ قُرُونِ الثَّلَاثَةِ حُجَّةً مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومُ الذَّاتِ كَانَ خَبَرُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ إذَا لَمْ يُقَابَلْ بِقَبُولٍ، وَلَا بِرَدٍّ أَوْلَى بِالرَّدِّ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَعْنَاهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ خَبَرُ الْمَسْتُورِ حُجَّةً فَخَبَرُ الْمَجْهُولِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَسْتُورَ مَنْ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ رَدٌّ مِنْ السَّلَفِ وَالْمَجْهُولُ قَدْ رَدَّهُ بَعْضُ السَّلَفِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُقْبَلَ، وَالْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجْهُولِ الَّذِي رَدَّهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمَجْهُولُ وَالْمَسْتُورُ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ مَقْبُولٌ لِغَلَبَةِ الْعَدَالَةِ فِيهِمْ وَخَبَرُ الْمَجْهُولِ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ مَرْدُودٌ لِغَلَبَةِ الْفِسْقِ.
مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ أَيْ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ هُوَ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ الْقَرْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِشُمُولِ دَلِيلِ الْقَبُولِ وَهُوَ شَهَادَةُ الرَّسُولِ بِالْعَدَالَةِ لِلْجَمِيعِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي قُلْنَا بِأَنْ شَهِدَ الثِّقَاتُ بِصِحَّتِهِ وَعَمِلُوا بِهِ أَوْ سَكَتُوا عَنْهُ أَوْ اخْتَلَفُوا أَوْ لَمْ يَظْهَرْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَكِنْ يُوَافِقُهُ الْقِيَاسُ، وَلَا يَرُدُّهُ وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْمَجْهُولَ أَقْسَامٌ أَحَدُهَا الْمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ وَالثَّانِي الْمَجْهُولُ الَّذِي جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ الْبَاطِنَةُ وَهُوَ عَدْلٌ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ الْمَسْتُورُ عَلَى مَا فَسَّرَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا فَيَقْبَلُ رِوَايَتَهُ بَعْضُ مَنْ رَدَّ رِوَايَةَ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْأَخْبَارِ مَبْنِيٌّ
стр. 717
إلَّا أَنَّ هَذَا كَمَالٌ يَتَعَذَّرُ شَرْطُهُ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْخَلْقِ بِأَوْصَافِهِ عَلَى التَّفْسِيرِ مُتَفَاوِتَةٌ؛ وَإِنَّمَا شُرِطَ الْكَمَالُ بِمَا لَا حَرَجَ فِيهِ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ بِمَا قُلْنَا: إجْمَالًا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَيَانِهِ وَتَفْسِيرِهِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُسْتَوْصَفَ الْمُؤْمِنُ فَيُقَالُ أَهُوَ كَذَا فَإِذَا قَالَ نَعَمْ فَقَدْ ظَهَرَ كَمَالُ إسْلَامِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ اسْتَوْصَفَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ عَنْ ذِكْرِ الْجُمَلِ دُونَ التَّفْسِيرِ وَكَانَ ذَلِكَ دَأْبَهُ ﷺ وَالْمُطْلَقُ مِنْ هَذَا يَقَعُ عَلَى الْكَامِلِ أَيْضًا بِذَلِكَ أُمِرْنَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَكَانَ النَّبِيُّ ﵇ يَمْتَحِنُ الْأَعْرَابَ بَعْدَ دَعْوَى الْإِيمَان
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّاوِي؛ وَلِأَنَّ رِوَايَةَ الْأَخْبَارِ تَكُونُ عِنْدَ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْعَدَالَةِ فِي الْبَاطِنِ فَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى مَعْرِفَتِهَا فِي الظَّاهِرِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الرُّوَاةِ الَّذِينَ تَقَادَمَ الْعَهْدُ بِهِمْ وَتَعَذَّرَتْ الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَةُ فِي حَقِّهِمْ وَالثَّالِثُ - الْمَجْهُولُ الْعَيْنِ وَقَدْ يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ الْعَدَالَةِ مَنْ لَا يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ الْعَيْنِ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ عَدْلَانِ وَعَيَّنَاهُ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْجَهَالَةُ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الْخَطِيبَ الْبَغْدَادِيَّ قَالَ: وَأَقَلُّ مَا يَرْفَعُ الْجَهَالَةَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ الرَّجُلِ اثْنَانِ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْعَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عَنْهُ، قَوْلُهُ.
(وَأَمَّا الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ) فَكَذَا هُمَا هَاهُنَا عِبَارَتَانِ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ فَإِنَّ تَفْسِيرَهُ وَلَمْ يَقُلْ تَفْسِيرَهُمَا وَذَكَرَ فِي التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ إذَا ذُكِرَا مَعًا كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُمَا وَاحِدًا، وَإِنْ ذُكِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقَ الْبَاطِنِيَّ وَمِنْ الْإِسْلَامِ الطَّاعَاتِ وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقُ الْإِسْلَامِ وَالْإِسْلَامَ تَحْقِيقُ الْإِيمَانِ وَتَفْسِيرُهُ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ بِاَللَّهِ أَيْ يُصَدِّقُ بِقَلْبِهِ وَيُقِرُّ بِلِسَانِهِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ ﷻ وَبِكَوْنِهِ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مِثْلِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَسَائِرِ الْأَوْصَافِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا لِلْأُلُوهِيَّةِ وَبِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مِثْلِ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَالْقَادِرِ وَالْعَلِيمِ إلَى سَائِرِ أَسْمَائِهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَائِبٌ عَنْ الْحِسِّ وَالْغَائِبُ يُعْرَفُ بِالصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَيْضًا التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ بِمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِأَنَّ الْقَدَرَ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ مِنْ اللَّهِ وَبِسَائِرِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ظَاهِرٌ بِنُشُوئِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبِأَنْ وُلِدَ فِيهِمْ وَنَشَأَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ شَهَادَةً وَعِبَادَةً يُقَالُ نَشَأْت فِي بَنِي فُلَانٍ نَشْئًا أَوْ نُشُوءًا إذَا شَبَبْت فِيهِمْ.
وَثَابِتٌ بِالْبَيَانِ بِأَنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا هُوَ وَيَصِفَ جَمِيعَ مَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وَصْفًا عَنْ عِلْمٍ وَتَيَقُّنٍ لَا عَنْ ظَنٍّ وَتَلَقُّنٍ؛ لِأَنَّ حِفْظَ اللُّغَةِ غَيْرُ الْعِلْمِ بِالْمَعْنَى، وَالْوَاجِبُ هُوَ الْعِلْمُ فَلَا يُفِيدُ حِفْظَ اللُّغَةِ بِدُونِهِ فَإِذَا وُصِفَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ مُسْلِمًا حَقِيقَةً إلَّا أَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنْ وَجَوَابٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ ذِكْرُ الْوَصْفِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ مَا يَجِبُ الْإِقْرَارُ بِهِ وَبَيَانُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ كَافِرًا.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا يَعْرِفُ مَنْ هُوَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا فَقَالَ الشَّيْخُ مَا ذَكَرْتُمْ وَهُوَ الْوَصْفُ عَلَى التَّفْصِيلِ كَمَالٌ يَتَعَذَّرُ اشْتِرَاطُهُ لِصِحَّةِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْخَلْقِ بِأَوْصَافِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَفَاوِتَةٌ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى بَيَانِ تَفْسِيرِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ فَيُشْتَرَطُ الْكَمَالُ الَّذِي لَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَهُوَ أَنْ يُصَدِّقَ وَيُقِرَّ إجْمَالًا بِمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ فَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي لِثُبُوتِ الْإِيمَانِ حَقِيقَةً؛ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّ الْإِيمَانَ يَثْبُتُ حَقِيقَةً بِالْبَيَانِ إجْمَالًا قُلْنَا: الْوَاجِبُ لَا يُسْتَوْصَفُ الْمُؤْمِنُ فَيُقَالُ: أَتُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ قَادِرٌ عَالِمٌ حَيٌّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مُرِيدٌ خَالِقٌ إلَى آخِرِ أَوْصَافِهِ الَّتِي يَجِبُ ذِكْرُهَا فِي الْإِيمَانِ أَوْ يُقَالُ: أَتُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ حَقٌّ فَإِذَا قَالَ نَعَمْ حُكِمَ بِصِحَّةِ إسْلَامِهِ وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْوَصْفِ
стр. 718
إلَّا أَنْ تَظْهَرَ أَمَارَاتُهُ فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْجَمَاعَةَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ» وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ» فَأَمَّا مَنْ اُسْتُوْصِفَ فَجَهِلَ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ كَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فِي الصَّغِيرَةِ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إذَا لَمْ تَصِفْ الْإِيمَانِ حَتَّى أَدْرَكَتْ فَلَمْ تَصِفْهُ أَنَّهَا تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا وَإِذَا ثَبَتَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ كَانَ الْأَعْمَى وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَكَانَ خَبَرُهُمْ حُجَّةً بِخِلَافِ الشَّهَادَاتِ فِي حُقُوقِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى تَمْيِيزٍ زَائِدٍ يَنْعَدِمُ بِالْعَمَى وَإِلَى وِلَايَةٍ كَامِلَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ يَنْعَدِمُ بِالرِّقِّ وَتَقْصُرُ بِالْأُنُوثَةِ وَبِحَدِّ الْقَذْفِ عَلَى مَا عُرِفَ
ــ
[كشف الأسرار]
قَالُوا وَهَذَا إذَا وَافَقَ هَذَا الِاسْتِفْهَامَ مَا فِي قَلْبِهِ وَلَمْ يَعْتَقِدْ مَا يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ فَإِنْ اعْتَقَدَهُ فَلَا يُفِيدُ هَذَا الِاسْتِيصَافُ إلَّا بِتَبْدِيلِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ.
ثُمَّ اسْتَوْضَحَ هَذَا بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ، أَلَا يُرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ اسْتَوْصَفَ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ عَنْ ذِكْرِ الْجُمَلِ دُونَ التَّفْسِيرِ حَتَّى «قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ أَحَدُهُمْ» وَحِينَ سَأَلَهُ جِبْرِيلُ ﵉ عَنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ مَعَالِمَ الدِّينِ بَيَّنَ هُوَ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ وَالْمُطْلَقُ مِنْ هَذَا يَقَعُ عَلَى الْكَامِلِ أَيْضًا يَعْنِي لَا يُكْتَفَى فِي الْإِسْلَامِ بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ بَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْكَمَالُ وَهُوَ الْبَيَانُ إجْمَالًا كَمَا فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] أَيْ اخْتَبِرُوهُنَّ بِبَيَانِ الشَّهَادَتَيْنِ أَمَرَ بِالِامْتِحَانِ وَالِاسْتِيصَافِ بَعْدَ أَنْ سَمَّاهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ وَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا فِي ضَمِيرِهِنَّ وَدَعْوَاهُنَّ الْإِيمَانَ وَهِجْرَتِهِنَّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الِاسْتِيصَافَ فِيهِ شَرْطٌ وَلَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَمْتَحِنُ الْأَعْرَابَ بَعْدَ دَعْوَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ تَظْهَرَ أَمَارَاتُهُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُطْلَقُ مِنْ هَذَا يَقَعُ عَلَى الْكَامِلِ يَعْنِي لَا يَكْتَفِي فِي الْإِسْلَامِ بِالظَّاهِرِ وَيُشْتَرَطُ الِاسْتِيصَافُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ أَمَارَاتُ الْإِسْلَامِ فَحِينَئِذٍ لَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِيصَافُ وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ الِاسْتِيصَافَ إنَّمَا يَجِبُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الدَّلَالَاتُ الظَّاهِرَةُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَمَّا فِي حَقِّ مَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ نَحْوُ إقَامَةِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَكْلِ ذَبِيحَتِنَا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَقَامَ الْوَصْفِ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ بِإِيمَانِهِ لِلْحَدَثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْكِتَابِ فَأَمَّا مَنْ اُسْتُوْصِفَ فَجَهِلَ بِأَنْ وُصِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَا أَعْرِفُ مَا تَقُولُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﵀ ذَكَرَ فِي نِكَاحِ الْجَامِعِ مُسْلِمٌ تَزَوَّجَ صَبِيَّةً مُسْلِمَةً فَأَدْرَكَتْ وَلَمْ تَصِفْ الْإِسْلَامَ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُسْلِمَةً تَبَعًا وَقَدْ انْقَطَعَتْ التَّبَعِيَّةُ فَإِذَا لَمْ تَصِفْ الْإِسْلَامَ كَانَ ذَلِكَ جَهْلًا مَحْضًا وَالْجَهْلُ بِالصَّانِعِ كُفْرٌ مِنْهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَصَارَتْ مُرْتَدَّةً، قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ: وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ حِفْظُهُ وَالِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِأَنْ تُلَقَّنَ الْإِسْلَامَ قَبْلَ الْبُلُوغِ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ احْتِرَازًا عَنْ هَذَا وَعَلَى الزَّوْجِ الِاحْتِيَاطُ بِالنَّظَرِ فِي هَذَا حِينَ تُزَفُّ إلَيْهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ لَمْ تَصِفْ الْإِسْلَامَ أَنَّهَا لَا تُحْسِنُ الْوَصْفَ، وَلَا تَعْرِفُ إنْ وُصِفَ بَيْنَ يَدَيْهَا حَتَّى إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَسْتَوْصِفَهَا الْإِسْلَامَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهَا صِفِي الْإِسْلَامَ فَإِنَّهَا تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ تُحْسِنُهُ حَيَاءً مِنْ زَوْجِهَا وَلَكِنْ يَصِفُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَيَقُولُ هَذَا اعْتِقَادِي وَظَنِّي بِك أَنَّك تَعْتَقِدِينَ هَذَا فَإِنْ قَالَتْ نَعَمْ كَفَى ذَلِكَ وَكَانَتْ مُسْلِمَةً حَلَالًا لَهُ، وَإِنْ قَالَتْ لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا تَقُولُ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا ثَبَتَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ) وَهِيَ أَنَّ الْعَقْلَ وَالضَّبْطَ وَالْعَدَالَةَ وَالْإِسْلَامَ مِنْ شَرَائِطِ الرَّاوِي كَانَ الْأَعْمَى وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ لِتَحَقُّقِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ
стр. 719
فَأَمَّا هَذَا فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَا يَلْزَمُ السَّامِعَ مِنْ خَبَرِ الْمُخْبِرِ بِأُمُورِ الدِّينِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الْفَصْلُ وَالْقَضَاءُ وَالسَّمَاعُ بِالْتِزَامِهِ لَا بِإِلْزَامِ الْخَصْمِ، وَالثَّانِي أَنَّ خَبَرَ الْمُخْبِرِ فِي الدِّينِ يَلْزَمُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بِمِثْلِهِ قِيَامُ الْوِلَايَةِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ
ــ
[كشف الأسرار]
تَوَقَّفَتْ عَلَى مَعَانٍ أُخَرَ لَا تُشْتَرَطُ فِي الْخَبَرِ أَمَّا الْأَعْمَى فَلِأَنَّ الْعَمَى إنَّمَا مَنَعَ قَبُولَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَحْتَاجُ إلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَالْإِشَارَةِ إلَيْهِمَا وَإِلَى الْمَشْهُودِ بِهِ فِيمَا يَجِبُ إحْضَارُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنْ الْبَصِيرِ بِالْمُعَايَنَةِ وَمِنْ الْأَعْمَى بِالِاسْتِدْلَالِ وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فِي جِنْسِ الشُّهُودِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّمْيِيزِ فَكَانَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ فِيهِ سَوَاءً وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَمْيِيزٌ زَائِدٌ وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ فَلِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الشَّهَادَةِ الْوِلَايَةِ الْكَامِلَةِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ الْغَيْرُ أَوْ أَبَى، وَالشَّهَادَةُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَبِالرِّقِّ تَنْعَدِمُ الْوِلَايَةُ أَصْلًا وَبِالْأُنُوثَةِ تُنْتَقَضُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تُسْتَفَادُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَرْأَةُ، وَإِنْ صَلَحَتْ مَالِكَةً لِلْمَالِ لَا تَصْلُحُ مَالِكَةً فِي النِّكَاحِ بَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ فِيهِ؛ وَلِهَذَا أُقِيمَتْ شَهَادَةُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ مَقَامَ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
وَكَذَا انْتَقَصَتْ وِلَايَةُ الشَّهَادَةِ بِحَدِّ الْقَذْفِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ تَنْعَدِمْ حَتَّى انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ فَلِفَوَاتِ الْوِلَايَةِ أَوْ لِنُقْصَانِهَا رُدَّتْ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ فَأَمَّا هَذَا أَيْ قَبُولُ الرِّوَايَةِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُخْبِرَ لَا يُلْزِمُ أَحَدًا شَيْئًا وَلَكِنَّ السَّامِعَ قَدْ الْتَزَمَ بِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ فَإِذَا تَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ شَابَهُ ذَلِكَ الْمَسْمُوعَ مِمَّنْ هُوَ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ فَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِاعْتِبَارِ اعْتِقَادِهِ كَمَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الْقَضَاءُ وَالْفَصْلُ عِنْدَ سَمَاعِ الشَّهَادَةِ بِالْتِزَامِهِ وَتَقَلُّدِهِ هَذِهِ الْأَمَانَةَ لَا بِإِلْزَامِ الْخَصْمِ أَيْ الشَّاهِدِ فَإِنَّ كَلَامَ الشَّاهِدِ يَلْزَمُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ دُونَ الْقَاضِي فَصَارَ تَقَلُّدُهُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْخَصْمِ الْمُدَّعِي أَيْ لَا يَلْزَمُ الْمُدَّعِيَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بَلْ يَلْزَمُهُ بِتَقَلُّدِهِ أَمَانَةَ الْقَضَاءِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الِاسْتِمَاعُ إلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي الْكَافِرِ وَإِلَى إنْكَارِهِ وَإِلَى شَهَادَتِهِ عَلَى كَافِرٍ مِثْلِهِ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِمُوجِبِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ وَلَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُلْزِمَةً عَلَيْهِ الْقَضَاءَ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِمَاعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» لَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ إلْزَامُ شَيْءٍ عَلَى أَحَدٍ بَلْ فِيهِ بَيَانُ صِفَةٍ تَتَأَدَّى بِهَا الصَّلَاةُ إذَا أَرَادَهَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ لَا خِيَاطَةَ إلَّا بِالْإِبْرَةِ وَالثَّانِي أَنَّ حُكْمَ الْخَبَرِ يَلْزَمُ الْمُخْبَرَ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي مِثْلِهِ قِيَامُ الْوِلَايَةِ؛ وَلِهَذَا جُعِلَ الْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْتِزَامٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ.
بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ كَمَالِ الْوِلَايَةِ فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ مَنْعُ كَوْنِ الْخَبَرِ مُلْزِمًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي تَسْلِيمُ ذَلِكَ وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ وَقَدْ ثَبَتَ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ مِمَّنْ اُبْتُلِيَ بِذَهَابِ الْبَصَرِ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵃ وَالْأَخْبَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْهُمْ مَقْبُولَةٌ وَلَمْ يَتَفَحَّصْ أَحَدٌ أَنَّهُمْ رَوَوْا قَبْلَ الْعَمَى أَمْ بَعْدَهُ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَيَعْتَمِدُونَ خَبَرَهُنَّ خُصُوصًا إلَى عَائِشَةَ ﵂ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 720
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ مِمَّنْ اُبْتُلِيَ بِذَهَابِ الْبَصَرِ، وَقَبُولُ رِوَايَةِ النِّسَاءِ وَالْعَبْدِ وَرُجُوعُهُمْ إلَى قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ وَقَبُولُ النَّبِيِّ ﵊ خَبَرَ بَرِيرَةَ وَسَلْمَانَ وَغَيْرَهُمَا - وَاَللَّهُ أَعْلَم - أَمَّا الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ
ــ
[كشف الأسرار]
«تَأْخُذُونَ ثُلُثَيْ دِينِكُمْ مِنْ عَائِشَةَ» وَقَدْ كَانَتْ ﵂ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ رَأْيًا وَرِوَايَةً وَقَدْ صَحَّ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمِدُ خَبَرَهُ أَنَّ مَوْلَاهُ أَذِنَ لَهُ وَسَلْمَانُ ﵁ حِينَ كَانَ عَبْدًا أَتَاهُ بِصَدَقَةٍ فَاعْتَمَدَ خَبَرَهُ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْأَكْلِ ثُمَّ أَتَى بِهَدِيَّةٍ فَاعْتَمَدَ خَبَرَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ، وَكَانَ يَعْتَمِدُ خَبَرَ بَرِيرَةَ قَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ وَبَعْدَ عِتْقِهَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَوَالِي نَقَلُوا أَخْبَارًا وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ تَفَحُّصٍ عَنْ التَّارِيخِ مِثْلُ نَافِعٍ وَسَالِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَدَلَّ أَنَّ الْأَعْمَى وَالْمَمْلُوكَ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ كَالْبَصِيرِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ، ثُمَّ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَيْسَ بِمَقْبُولِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِكَذِبِهِ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] .
وَالْمَحْكُومُ بِالْكَذِبِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى التَّعَاطِي لَا يَكُونُ عَدْلًا مُطْلَقًا وَمِنْ شَرْطِ كَوْنِ الْخَبَرِ حُجَّةً الْعَدَالَةُ مُطْلَقَةً وَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ رِوَايَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ مَقْبُولَةٌ فَإِنَّ أَبَا بِكْرَةَ مَقْبُولُ الْخَبَرِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ أَحَدٌ بِطَلَبِ التَّارِيخِ فِي خَبَرِهِ أَنَّهُ رَوَى بَعْدَمَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَمْ قَبْلَهُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ رَدَّ شَهَادَتِهِ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَرِوَايَةُ الْخَبَرِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ ثُمَّ التَّائِبُ مِنْ أَسْبَابِ الْفِسْقِ وَالْكَذِبِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ إلَّا التَّائِبَ مِنْ الْكَذِبِ مُعْتَمِدًا فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَبَدًا، وَإِنْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِهِ لِرِسَالَةِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَسْقَطْنَا خَبَرَهُ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ بِكَذِبٍ وَجَدْنَاهُ عَلَيْهِ لَمْ نَعُدْ لِقَبُولِهِ بِتَوْبَةٍ تَظْهَرُ وَمَنْ ضَعَّفْنَا نَقْلَهُ لَمْ نَجْعَلْهُ قَوِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا افْتَرَقَتْ فِيهِ الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ وَذَكَرَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ أَنَّ مَنْ كَذَبَ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إسْقَاطُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهِ وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ، قَوْلُهُ وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ أَيْ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ بَابُ بَيَانِ قِسْمِ الِانْقِطَاعِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَوَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ
стр. 721
(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ) (الِانْقِطَاعِ)
وَهُوَ نَوْعَانِ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ أَمَّا الظَّاهِرُ فَالْمُرْسَلُ مِنْ الْأَخْبَارِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ وَالثَّانِي مَا أَرْسَلَهُ الْقَرْنُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مَا أَرْسَلَهُ الْعَدْلُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَالرَّابِعُ مَا أُرْسِلَ مِنْ وَجْهٍ وَاتَّصَلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَمَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ مِنْ الْفِتْيَانِ قَلَّتْ صُحْبَتُهُ فَكَانَ يَرْوِي عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِذَا أَطْلَقَ الرِّوَايَةَ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مَقْبُولًا وَإِنْ احْتَمَلَ الْإِرْسَالَ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ لَمْ يُحْمَلْ حَدِيثُهُ إلَّا عَلَى سَمَاعِهِ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ.
، وَأَمَّا إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَحُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ فَوْقَ الْمُسْنَدِ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ اتِّصَالُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ
ــ
[كشف الأسرار]
[بَابُ بَيَانِ قِسْمِ الِانْقِطَاعِ وَهُوَ نَوْعَانِ] [الإنقطاع الظَّاهِرُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ] [ مَا أَرْسَلَهُ الصَّحَابِيُّ]
(بَابُ بَيَانِ قِسْمِ الِانْقِطَاعِ) الْإِرْسَالُ خِلَافُ التَّقْيِيدِ لُغَةً، وَكَأَنَّ هَذَا النَّوْعَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ سُمِّيَ مُرْسَلًا لِعَدَمِ تَقَيُّدِهِ بِذِكْرِ الْوَاسِطَةِ الَّتِي بَيْنَ الرَّاوِي وَالْمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ أَنْ يَتْرُكَ التَّابِعِيُّ الْوَاسِطَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ ﵇ فَيَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ كَذَا كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ تَرَكَ الرَّاوِي وَاسِطَةً بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ مَنْ لَمْ يُعَاصِرْ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَهَذَا يُسَمَّى مُنْقَطِعًا عِنْدَهُمْ. هَذَا إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ وَاسِطَةً وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُعْضَلِ عِنْدَهُمْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ الْمُعْضَلُ لَقَبٌ لِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الْمُنْقَطِعِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ عَنْ إسْنَادِهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ أَعْضَلَهُ فَهُوَ مُعْضَلٌ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ مُشْكِلُ الْمَأْخَذِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَبَحَثْت فَوَجَدْت لَهُ قَوْلَهُمْ أَمْرٌ عَضِيلٌ أَيْ مُسْتَغْلِقٌ شَدِيدٌ وَلَا الْتِفَاتَ فِي ذَلِكَ إلَى مُعْضِلِ بِكَسْرِ الضَّادِ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ عَضِيلٍ فِي الْمَعْنَى، وَالْكُلُّ يُسَمَّى إرْسَالًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَتَقْسِيمُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مُرْسَلُ الصَّحَابَةِ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ خَصَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ بِالْقَبُولِ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ كَذَا وَكَذَا قُبِلَتْ إلَّا إنْ أَعْلَمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ، كَذَا فِي الْمُعْتَمَدِ.
[إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ]
وَأَمَّا إرْسَالُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَحُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَعِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ أَصْلًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَتَقَوَّى بِهِ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَأَيَّدَ بِآيَةٍ أَوْ سُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ أَوْ مُوَافِقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قِيَاسٌ أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أَوْ عُرِفَ مِنْ حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَمَّنْ فِيهِ عِلَّةٌ مِنْ جَهَالَةٍ
стр. 722
وَلِهَذَا قَبِلْتُ مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَنِّي وَجَدْتهَا مَسَانِيدَ وَحَكَى أَصْحَابُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ الْمَرَاسِيلَ وَيَعْمَلُ بِهَا مِثْلَ قَوْلِنَا احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِأَنَّ الْجَهْلَ بِالرَّاوِي جَهْلٌ بِصِفَاتِهِ الَّتِي بِهَا يَصِحُّ رِوَايَتُهُ لَكِنَّا نَقُولُ لَا بَأْسَ بِالْإِرْسَالِ اسْتِدْلَالًا بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالْمَعْنَى الْمَعْقُولِ أَمَّا عَمَلُ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمَّا رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» فَرَدَّتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَ سَمِعْته مِنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ وَلَمَّا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» فَعُورِضَ فِي ذَلِكَ بِرِبَا النَّقْدِ قَالَ سَمِعْته مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁ مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَإِنَّمَا حُدِّثْنَا عَنْهُ لَكِنَّا لَا نَكْذِبُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ أَنَّ كَلَامَنَا فِي إرْسَالِ مَنْ لَوْ أَسْنَدَ عَنْ غَيْرِهِ قُبِلَ إسْنَادُهُ وَلَا يُظَنُّ بِهِ الْكَذِبُ عَلَيْهِ فَلَأَنْ لَا يُظَنَّ بِهِ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَوْلَى
ــ
[كشف الأسرار]
أَوْ غَيْرِهَا أَوْ اشْتَرَكَ فِي إرْسَالِهِ عَدْلَانِ ثِقَتَانِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ شُيُوخُهُمَا مُخْتَلِفَةً أَوْ ثَبَتَ اتِّصَالُهُ بِوَجْهٍ آخَرَ بِأَنْ أَسْنَدَهُ غَيْرُ مُرْسِلِهِ أَوْ أَسْنَدَهُ مُرْسِلُهُ مَرَّةً أُخْرَى.
قَالَ: وَلِهَذَا أَيْ وَلِثُبُوتِ الِاتِّصَالِ بِوَجْهٍ آخَرَ قُبِلَتْ مَرَاسِيلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَنِّي اتَّبَعْتهَا فَوَجَدْتهَا مَسَانِيدَ وَأَكْثَرُ مَا رَوَاهُ مُرْسَلًا إنَّمَا سَمِعَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁. وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِهِمْ قَالَ: وَأَقْبَلُ مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَنِّي اعْتَبَرْتهَا فَوَجَدْتهَا بِهَذِهِ الشَّرَائِطِ قَالَ وَمَنْ هَذَا حَالُهُ أُحِبُّ قَبُولَ مَرَاسِيلِهِ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ: إنَّ الْحُجَّةَ ثَبَتَتْ بِهِ كَثُبُوتِهَا بِالْمُتَّصِلِ.
وَفِي الْمُغْرِبِ الْمَرَاسِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلْمُرْسَلِ كَالْمَنَاكِيرِ لِلْمُنْكَرِ، وَفِي غَيْرِهِ الْمَرَاسِيلُ جَمْعُ الْمُرْسَلِ وَالْيَاءُ فِيهَا لِلْإِشْبَاعِ كَمَا فِي الدَّرَاهِيمِ وَالصَّيَارِيفِ تَمَسَّكَ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْمُرْسَلِ بِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بِاعْتِبَارِ أَوْصَافٍ فِي الرَّاوِي وَلَا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ فِي الرَّاوِي إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَالْعِلْمُ بِهِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ عِنْدَ حَضْرَتِهِ وَبِذِكْرِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْلًا لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِهِ وَلَا بِأَوْصَافِهِ فَتَحَقَّقَ انْقِطَاعُ هَذَا الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَلَمْ يُعَدِّلْهُ وَبَقِيَ مَجْهُولًا لَمْ يَقْبَلْهُ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فَالْجَهْلُ أَتَمُّ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ رِوَايَةُ الْعَدْلِ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الْجُرْحِ وَالْعَدَالَةِ الِاجْتِهَادُ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَاحِدُ عَدْلًا عِنْدَ إنْسَانٍ مَجْرُوحًا عِنْدَ غَيْرِهِ بِأَنْ يَقِفَ مِنْهُ عَلَى مَا كَانَ الْآخَرُ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَبَرُ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الْمَرْوِيِّ لَهُ فَلَوْ قَبِلْنَا الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ لَكُنَّا قَبِلْنَاهَا تَقْلِيدًا لَا عِلْمًا. وَكَيْفَ يَجْعَلُ رِوَايَةَ الْعَدْلِ تَعْدِيلًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَقَدْ رَوَوْا حَدِيثًا وَقَدِيمًا عَمَّنْ لَمْ يَحْمَدُوا فِي الرِّوَايَةِ أَمْرَهُ؟ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ وَكَانَ وَاَللَّهِ كَذَّابًا، وَرَوَى شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ مَعَ ظُهُورِ أَمْرِهِ فِي الْكَذِبِ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْأَسْلَمِيِّ وَكَانَ قَدَرِيًّا رَافِضِيًّا وَرَضِيَ بِالْكَذِبِ أَيْضًا وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵀ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ مِمَّنْ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَجْرُوحِينَ وَأَرْسَلَ الزُّهْرِيُّ فَقِيلَ لَهُ: مَنْ حَدَّثَك؟ فَقَالَ: رَجُلٌ عَلَى بَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ إرْسَالَهُ تَعْدِيلًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ، وَهُوَ عَدْلٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ لِلْمَرْوِيِّ لَهُ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِيهِ فَإِنْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَى قَوْلِهِ قَبِلَهُ، وَإِلَّا يَتَفَحَّصْ عَنْهُ وَبِأَنَّ النَّاسَ تَكَلَّفُوا لِحِفْظِ أَسَانِيدَ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ فَلَوْ كَانَتْ الْحُجَّةُ تَقُومُ بِالْمُرْسَلِ لَكَانَ تَكَلُّفُهُمْ اشْتِغَالًا بِمَا لَا يُفِيدُ فَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى مَا لَا يُفِيدُ، وَتَمَسَّكَ مَنْ قَبْلَهُ بِالْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ؛ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ رِوَايَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﵇ إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لِصِغَرِ سِنِّهِ كَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَّا بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ حَيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرُوِيَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ»
стр. 723
وَالْمُعْتَادُ مِنْ الْأَمْرِ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا وَضَحَ لَهُ الطَّرِيقُ وَاسْتَبَانَ لَهُ الْإِسْنَادُ طَوَى الْأَمْرَ وَعَزَمَ عَلَيْهِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇، وَإِذَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْأَمْرُ نَسَبَهُ إلَى مَنْ سَمِعَهُ لِتَحَمُّلِهِ مَا تَحَمَّلَ عَنْهُ فَعَمَدَ أَصْحَابُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَرَدُّوا أَقْوَى الْأَمْرَيْنِ وَفِيهِ تَعْطِيلُ كَثِيرٍ مِنْ السُّنَنِ
ــ
[كشف الأسرار]
فَلَمَّا رُوجِعَ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أَخِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ» الْحَدِيثُ ثُمَّ أَسْنَدَهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَأَسْنَدَهُ إلَى الْفَضْلِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ مَذْكُورٌ فِيهِ أَيْضًا وَنُعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ إلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ، ثُمَّ كَثُرَتْ رِوَايَتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ مُرْسَلًا وَلَمَّا أَرْسَلَ هَؤُلَاءِ وَقَبِلَ الصَّحَابَةُ مَرَاسِيلَهُمْ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ وَتَفَحَّصَ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ صَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَوُجُوبِ قَبُولِهِ.
(فَإِنْ قِيلَ) نَحْنُ نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ وَنَقْبَلُ مَرَاسِيلَهُمْ لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ قَطْعًا بِالنُّصُوصِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ (قُلْنَا) لَا فَرْقَ بَيْنَ صَحَابِيٍّ يُرْسِلُ وَتَابِعِيٍّ يُرْسِلُ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُمْ ثَبَتَتْ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ أَيْضًا خُصُوصًا إذَا كَانَ الْإِرْسَالُ مِنْ وُجُوهِ التَّابِعِينَ مِثْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَمِثْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَمَكْحُولٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُرْسِلُونَ وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ إلَّا الصِّدْقُ، وَقَالَ الْحَسَنُ كُنْت إذَا اجْتَمَعَ لِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى حَدِيثٍ أَرْسَلْته إرْسَالًا وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَتَى قُلْت لَكُمْ حَدَّثَنِي فُلَانٌ فَهُوَ حَدِيثُهُ لَا غَيْرُ وَمَتَى قُلْت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمِعْته مِنْ سَبْعِينَ أَوْ أَكْثَرَ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ مَا كُنَّا نُسْنِدُ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ، وَقَالَ الْأَعْمَشُ قُلْت لِإِبْرَاهِيمَ إذَا رَوَيْت لِي حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَأَسْنِدْهُ لِي فَقَالَ: إذَا قُلْت لَك حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي رَوَى لِي ذَلِكَ، وَإِذَا قُلْت لَك قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَدْ رَوَاهُ لِي غَيْرُ وَاحِدٍ ثُمَّ تَقُولُ: إرْسَالُ هَؤُلَاءِ الْكِبَارِ، إمَّا أَنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ سَمَاعِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ عِنْدَهُمْ أَوْ بِاعْتِبَارِ سَمَاعِهِمْ مِنْ عَدْلٍ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَوْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ كَالْمُسْنَدِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ مَنْ يَسْتَجِيزُ الرِّوَايَةَ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ غَيْرُ عَدْلٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُرْسَلًا وَلَا مُسْنَدًا وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ هَذَا وَالثَّانِي بَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِأَنَّهُمْ كَتَمُوا مَوْضِعَ الْحُجَّةِ بِتَرْكِ الْإِسْنَادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ بِدُونِهِ فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَهُمْ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ كَالْمُسْنَدِ وَمَا قِيلَ إنَّهُمْ أَرْسَلُوا لِيَطْلُبَ ذَلِكَ فِي الْمَسَانِيدِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَالَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إسْنَادُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَذْكُرُوا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِأَنَّهُمْ تَقَوَّلُوا مَا لَمْ يَسْمَعُوا لِيَطْلُبَ ذَلِكَ فِي الْمَسْمُوعَاتِ وَلَا يُظَنُّ هَذَا بِمَنْ دُونَهُمْ فَكَيْفَ بِهِمْ وَالثَّانِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُمْ الْإِسْنَادُ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ بِدُونِهِ فَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ إلَّا الْقَصْدُ إلَى إتْعَابِ النَّفْسِ بِالطَّلَبِ وَلَوْ قَالَ مَنْ لَا يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إنَّهُمْ إنَّمَا رَوَوْا ذَلِكَ لِيَطْلُبَ ذَلِكَ فِي الْمُتَوَاتِرِ لَا يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ مَقْبُولًا مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ إنَّا أَجْمَعْنَا أَنَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ إنَّمَا قُبِلَتْ لِكَوْنِهِمْ عُدُولًا لَا لِكَوْنِهِمْ صَحَابَةً كَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَصَارَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً لِذَلِكَ ثُمَّ شَهَادَةُ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُدُولِ مَقْبُولَةٌ وَإِجْمَاعُ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ لِوُجُودِ الْعَدَالَةِ فَوَجَبَ قَبُولُ إرْسَالِهِمْ أَيْضًا لِوُجُودِ الْعِلَّةِ، وَالثَّانِي أَنَّ مِنْ زَمَانِ الرَّسُولِ ﵇ إلَى يَوْمِنَا هَذَا يُرْسِلُونَ مِنْ غَيْرِ تَحَاشٍ وَامْتِنَاعٍ وَمَلَؤُا الْكُتُبَ
стр. 724
إلَّا أَنَّا أَخَّرْنَاهُ مَعَ هَذَا عَنْ الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَرْبُ مَزِيَّةٍ لِلْمَرَاسِيلِ بِالِاجْتِهَادِ فَلَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِمِثْلِهِ بِخِلَافِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ فَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْجَهَالَةَ تُنَافِي شُرُوطَ الْحُجَّةِ فَغَلَطٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَ إذَا كَانَ ثِقَةً تُقْبَلُ إسْنَادُهُ لَمْ يُتَّهَمْ بِالْغَفْلَةِ عَنْ حَالِ مَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْنَا تَقْلِيدُ مَنْ عَرَفْنَا عَدَالَتَهُ لَا مَعْرِفَةَ مَا أَبْهَمَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الْمَرَاسِيلِ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأُمَّةِ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ مِنْ سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمْ يَقُولُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا وَلَوْ كَانَ الْمُرْسَلُ مَرْدُودًا لَامْتَنَعُوا مِنْ رِوَايَتِهِ وَلَمْ يُقِرُّوا عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى قَبُولِهِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْإِسْنَادُ فِي قَوْلِهِ لَوْ أُسْنِدَ عَنْ غَيْرِهِ ضَمِنَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ فَعَدَّى بِكَلِمَةِ عَنْ عَزَمَ عَلَيْهِ أَيْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِثُبُوتِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ فَعَمَدَ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ قَصَدَ يُقَالُ عَمَدْت لِلشَّيْءِ أَعْمِدُ عَمْدًا إذَا قَصَدَ لَهُ أَيْ تَعَمَّدْت، وَهُوَ نَقِيضُ الْخَطَاءِ أَقْوَى الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ الْمُرْسَلُ وَالْأَمْرَانِ الْمُسْنَدُ وَالْمُرْسَلُ وَفِيهِ أَيْ فِي رَدِّ الْمُرْسَلِ تَعْطِيلُ كَثِيرٍ مِنْ السُّنَنِ؛ فَإِنَّ الْمَرَاسِيلَ جُمِعَتْ فَبَلَغَتْ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا وَهَذَا تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ وَانْتَصَبُوا لِحِيَازَةِ الْأَحَادِيثِ وَالْعَمَلِ بِهَا، ثُمَّ رَدُّوا مِنْهَا مَا هُوَ أَقْوَى أَقْسَامِهَا مَعَ كَثْرَتِهِ فِي نَفْسِهِ فَكَانَ هَذَا تَعْطِيلًا لِلسُّنَنِ وَتَضْيِيعًا لَهَا لَا حِفْظًا لَهَا وَإِحَاطَةً بِهَا، ثُمَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ يُشِيرُ إلَى تَرْجِيحِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْمُسْنَدِ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ أَيْضًا فَقَالَ الْمُرْسَلُ عِنْدَنَا مِثْلُ الْمُسْنَدِ الْمَشْهُورِ وَفَوْقَ الْمُسْنَدِ الْوَاحِدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا الْمَرَاسِيلَ حُجَّةً اخْتَلَفُوا عِنْدَ تَعَارُضِ الْمُرْسَلِ وَالْمُسْنَدِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ فَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إلَى تَرْجِيحِ الْمُرْسَلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِهِ وَذَهَبَ عَبْدُ الْجَبَّارِ إلَى أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إلَى تَرْجِيحِ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ لِتَحَقُّقِ الْمَعْرِفَةِ بِرُوَاةِ الْمُسْنَدِ وَعَدَالَتِهِمْ دُونَ رُوَاةِ الْمُرْسَلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ أَوْلَى مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ عَدَالَتُهُ وَلَا نَفْسُهُ وَتَمَسَّكَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَا يُمْكِنُ إجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِصِحَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ كَذَا، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنِّي أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ كَذَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مِثْلَ الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْنَادِ هَذَا أَيْضًا.
فَإِنْ قَالَ الرَّاوِي إذَا أَرْسَلْت الْحَدِيثَ فَقَدْ حَدَّثْته عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الثِّقَاتِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُرْسَلُهُ أَقْوَى مِنْ حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ إلَى وَاحِدٍ لِأَجْلِ الْكَثْرَةِ. وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ الْمُرْسَلَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّا أَخَّرْنَاهُ) اسْتِثْنَاءٌ بِمَعْنَى لَكِنَّ وَجَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا كَانَ الْمُرْسَلُ عِنْدَكُمْ فَوْقَ الْمُسْنَدِ كَانَ مِثْلَ الْمَشْهُورِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمَشْهُورِ، فَقَالَ هَذِهِ مَزِيَّةٌ ثَبَتَتْ لِلْمَرَاسِيلِ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ فَيَكُونُ مِثْلَ قُوَّةٍ ثَبَتَتْ بِالْقِيَاسِ وَقُوَّةُ الْمَشْهُورِ ثَبَتَتْ بِالتَّنْصِيصِ وَمَا ثَبَتَتْ بِالتَّنْصِيصِ فَوْقَ مَا ثَبَتَتْ بِالرَّأْيِ فَلَا يَكُونُ الْمُرْسَلُ مِثْلَ الْمَشْهُورِ فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا عَلَيْنَا تَقْلِيدُ مَنْ عَرَفْنَا عَدَالَتَهُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا ذَكَرْتُمْ لَا يَكْفِي لِلتَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ سَاكِتٌ عَنْ الْجُرْحِ وَلَوْ كَانَ السُّكُوتُ عَنْ الْجُرْحِ تَعْدِيلًا لَكَانَ السُّكُوتُ عَنْ التَّعْدِيلِ جُرْحًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَالَ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا تَقْلِيدُ مَنْ عَرَفْنَا عَدَالَتَهُ، وَهُوَ الْمُرْسِلُ لَا اتِّبَاعُ مَنْ أَبْهَمَهُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ وَالْمُرْسِلُ عَدْلٌ فَلَا يُتَّهَمُ بِالْغَفْلَةِ عَنْ حَالِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ، وَمَا ذَكَرُوا أَنَّ الْعُدُولَ قَدْ نَقَلُوا عَنْ الْمَجْرُوحِينَ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُمْ نَبَّهُوا عَلَى جُرْحِهِمْ وَأَخْبَرُوا عَنْ حَالِهِمْ، فَأَمَّا إنْ سَكَتُوا بَعْدَ الرِّوَايَةِ عَنْ حَالِهِمْ فَلَا وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ وَفِيهِ تَلْبِيسُ الْأَمْرِ عَلَى الْمَرْوِيِّ لَهُ وَتَحْمِيلٌ لَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ
стр. 725
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَثْنَى عَلَى مَنْ أَسْنَدَ إلَيْهِ خَيْرًا وَلَمْ يَعْرِفْهُ بِمَا يَقَعُ لَنَا الْعِلْمُ بِهِ صَحَّتْ رِوَايَتُهُ فَكَذَلِكَ هَذَا.
ــ
[كشف الأسرار]
كَمَا بَيَّنَّا وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ الْأُخَرِ لَيْسَ بِمَانِعٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَنْعَنَةَ كَافِيَةٌ فِي الرِّوَايَةِ وَتِلْكَ الِاحْتِمَالَاتُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا؛ فَإِنَّ مَنْ قَالَ: رَوَى فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ بَلْ بَلَغَهُ بِوَاسِطَةٍ هِيَ مَجْهُولَةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ تِلْكَ الْوَاسِطَةَ لَا يَكُونُ عَدْلًا أَوْ يَكُونُ عَدْلًا عِنْدَ الرَّاوِي غَيْرَ عَدْلٍ عِنْدَ الْمَرْوِيِّ لَهُ وَمَعَ هَذَا يُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ مِنْ اشْتِرَاطِ انْضِمَامِ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا إلَى الْمُرْسَلِ لِقَبُولِهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُنْضَمَّ إلَيْهِ إنْ كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ يَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِهِ وَلَا يَكُونُ لِلْمُرْسَلِ تَأْثِيرٌ فِي مُقَابَلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَاقْتِرَانُهُ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا يُفِيدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْضَمَّ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَيَصِيرُ حُجَّةً كَذَا فِي الْمُعْتَمَدِ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الظَّنَّ قَدْ يَحْصُلُ أَوْ يَتَقَوَّى بِانْضِمَامِ مَا لَا يُفِيدُ الظَّنَّ إلَى مِثْلِهِ كَانْضِمَامِ شَاهِدٍ إلَى شَاهِدٍ وَكَانْضِمَامِ أَخْبَارِ آحَادٍ إلَى أَمْثَالِهَا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَثْنَى عَلَى مَنْ أَسْنَدَ إلَيْهِ خَيْرًا وَلَمْ يَعْرِفْهُ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا ذَكَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ، وَقَالَ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدِي أَوْ عَدْلٌ لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْقَوَاطِعِ وَلَا يَلْزَمُ التَّفَحُّصُ عَنْ حَالِهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ لَوْ تَفَحَّصَ عَنْهَا يَقِفُ عَلَى بَعْضِ أَسْبَابِ الْجُرْحِ أَوْ يَقِفُ عَلَى مَا لَمْ يَعُدَّهُ الرَّاوِي جُرْحًا، وَهُوَ جُرْحٌ عِنْدَهُ، فَكَذَا هَذَا. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي لَمْ يَعْرِفْهُ رَاجِعًا إلَى الْخَيْرِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا أَبْهَمَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا بِأَنْ قَالَ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَوْ سَمِعْته عَنْ عَدْلٍ أَوْ أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَقْبُولًا، فَكَذَا إذَا أَرْسَلَ يَكُونُ مَقْبُولًا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الطَّعْنِ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ أَيْضًا، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ إلْزَامًا عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُمْ أَنْ يُسَمِّيَ الرَّاوِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّوَاةِ بِاسْمِهِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ لِيَثْبُتَ الِاتِّصَالُ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ الشَّيْخِ رَدًّا لِلْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُخْتَلِفِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، أَوْ يَكُونُ إلْزَامًا عَلَى الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْ الْمُرْسَلَ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ مَنْ عَنَاهُ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْكَلَامِ فَأَرَادَ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَبِمَنْ لَا يَتَّهِمُهُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ فَصَارَتْ الْكِنَايَةُ كَالتَّسْمِيَةِ وَقِيلَ: إنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ احْتِجَاجًا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقُلْهُ احْتِجَاجًا عَلَى خَصْمِهِ وَلَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَثِقُ بِصِحَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى مَنْ.
وَقَوْلُهُمْ إذَا سَمَّى الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَلَمْ يُعَدِّلْهُ وَبَقِيَ مَجْهُولًا لَمْ يَقْبَلْهُ قُلْنَا عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا: يُقْبَلُ خَبَرُهُ إذَا كَانَ الرَّاوِي عَدْلًا وَيَكُونُ رِوَايَتُهُ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْجُرْحِ تَعْدِيلًا لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ صَرِيحًا وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرْسِلَ قَدْ حَكَمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَالْعَدْلُ الْمُتَدَيِّنُ لَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ مَنْ سَمِعَهُ عَنْهُ ثِقَةً عِنْدَهُ فَيَكُونُ هَذَا تَعْدِيلًا عَنْهُ تَقْدِيرًا بِخِلَافِ مَا إذَا سَمَّاهُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ بِذَلِكَ بَلْ يَنْسُبُ ذَلِكَ إلَى الْمُخْبِرِ الَّذِي سَمَّاهُ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَدْلٌ عِنْدَهُ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَسْتُورًا عِنْدَهُ يَرْوِي عَنْهُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِ وَفَوَّضَ تَعَرُّفَ حَالِهِ إلَى السَّامِعِ حَقِيقَةً حَيْثُ ذَكَرَ اسْمَهُ
стр. 726
وَأَمَّا إرْسَالُ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يُقْبَلُ إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُقْبَلُ أَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ فِسْقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ إلَّا أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَاتُ مُرْسَلَهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ مِثْلَ إرْسَالِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَمْثَالِهِ.
وَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَخِيرُ فَقَدْ رَدَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الِاتِّصَالَ بِالِانْقِطَاعِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّ الِانْقِطَاعَ يُجْعَلُ عَفْوًا بِالِاتِّصَالِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
، وَأَمَّا الِانْقِطَاعُ الْبَاطِلُ فَنَوْعَانِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَقَوْلُهُمْ لَوْ جَازَ الْعَمَلُ بِالْمَرَاسِيلِ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِيثَاقِ وَالتَّفَحُّصِ عَنْ عَدَالَةِ الرُّوَاةِ فَائِدَةٌ: قُلْنَا: فَائِدَتُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا أَسْنَدَ أَمْكَنَ لِلسَّامِعِ الْفَحْصُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ فَيَكُونُ ظَنُّهُ بِعَدَالَتِهِمْ آكَدَ مِنْ ظَنِّهِ بِهَا عِنْدَ الْإِرْسَالِ؛ لِأَنَّ ظَنَّ الْإِنْسَانِ إلَى فَحْصِهِ وَخِبْرَتِهِ أَقْوَى مِنْ طُمَأْنِينَتِهِ إلَى خِبْرَةِ غَيْرِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ حَالُ مَنْ أَخْبَرَهُ بِهِ فَلَا يُقْدِمُ عَلَى جُرْحِهِ وَتَزْكِيَتِهِ فَيَذْكُرُهُ لِيَتَفَحَّصَ عَنْهُ غَيْرُهُ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: اشْتِغَالُ النَّاسِ بِالْإِسْنَادِ كَاشْتِغَالِهِمْ بِالتَّكَلُّفِ لِسَمَاعِ الْخَبَرِ مِنْ وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فَكَذَلِكَ اشْتِغَالُهُمْ بِالْإِسْنَادِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمُرْسَلَ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
[إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا إرْسَالُ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ) أَيْ دُونِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ: يُقْبَلُ إرْسَالُ كُلِّ عَدْلٍ فِي كُلِّ عَصْرٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي تُوجِبُ قَبُولَ مَرَاسِيلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الْعَدَالَةُ وَالضَّبْطُ تَشْمَلُ سَائِرَ الْقُرُونِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ لَا يُقْبَلُ إلَّا مَرَاسِيلُ مَنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ مَشْهُورًا بِأَخْذِ النَّاسِ الْعِلْمَ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ عَدْلًا لَا يُقْبَلُ مُسْنَدُهُ وَيُوقَفُ مُرْسَلُهُ إلَى أَنْ يُعْرَضَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: لَا يُقْبَلُ إرْسَالُ مَنْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ إلَّا إذَا اُشْتُهِرَ بِأَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَمَّنْ هُوَ عَدْلٌ ثِقَةٌ لِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﵇ عَلَى مَنْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِالْكَذِبِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ فَلَا يَثْبُتُ عَدَالَةُ مَنْ كَانَ فِي زَمَنٍ شَهِدَ النَّبِيُّ ﵇ عَلَى أَهْلِهِ بِالْكَذِبِ إلَّا بِرِوَايَةِ مَنْ كَانَ مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ بِعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ إذَا قَالَ الْإِنْسَانُ فِي عَصْرِنَا: قَالَ النَّبِيُّ ﵇ كَذَا يُقْبَلُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مَعْرُوفًا فِي جُمْلَةِ الْأَحَادِيثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لَا يُقْبَلُ لَا لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ بَلْ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ ضُبِطَتْ وَجُمِعَتْ فَمَا لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مِنْهَا فِي وَقْتِنَا هَذَا فَهُوَ كَذِبٌ وَإِنْ كَانَ الْعَصْرُ الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ الْمُرْسَلُ عَصْرًا لَمْ يُضْبَطْ فِيهِ السُّنَنُ قُبِلَ مُرْسَلُهُ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَاتُ مُرْسَلَهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ) بِالْإِضَافَةِ وَالْهَاءُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُقْبَلُ وَمَعْنَاهُ لَا يُقْبَلُ مُرْسَلٌ مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ إلَّا إذَا رَوَى الثِّقَاتُ مُرْسَلَهُ عَنْهُ وَقَبِلُوهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ ذَلِكَ الْمُرْسَلُ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ الثِّقَاتِ عَنْهُ وَقَبُولَهُمْ ذَلِكَ الْمُرْسَلَ تَعْدِيلٌ لَهُ وَشَهَادَةٌ عَلَى اتِّصَالِ الْمُرْسَلِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُقْبَلُ كَإِرْسَالِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ يُوقَفُ إلَى أَنْ يُعْرَضَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ ﵏.
[الِاتِّصَالَ بِالِانْقِطَاعِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَخِيرُ) وَهُوَ مَا أُرْسِلَ مِنْ وَجْهٍ وَاتَّصَلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ أَسْنَدَهُ هَذَا الْمُرْسِلُ أَوْ غَيْرُهُ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمَرَاسِيلَ لَا يَقْبَلُ هَذَا الْخَبَرَ وَإِنْ أَسْنَدَهُ هَذَا الرَّاوِي؛ لِأَنَّ إرْسَالَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الرَّاوِيَ لِضَعْفٍ فِيهِ فَسَتَرَهُ لَهُ وَالْحَالُ هَذِهِ خِيَانَةٌ مِنْهُ فَلَمْ يُقْبَلْ وَهَذَا لَمْ يَقْبَلْ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ سَائِرَ مَسَانِيدِ هَذَا الْمُرْسَلِ وَجَعَلُوهُ بِالْإِرْسَالِ سَاقِطَ الْحَدِيثِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ هَذَا الْمُسْنَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَسَانِيدِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ الْحَدِيثَ مُسْنَدًا وَنَسِيَ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ، وَقَدْ عَلِمَ
стр. 727
انْقِطَاعٌ بِالْمُعَارَضَةِ وَانْقِطَاعٌ لِنُقْصَانٍ وَقُصُورٍ فِي النَّاقِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّمَا يَظْهَرُ بِالْعَرْضِ عَلَى الْأُصُولِ فَإِذَا خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ مَرْدُودًا مُنْقَطِعًا وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَالثَّانِي مَا خَالَفَ السُّنَّةَ الْمَعْرُوفَةَ وَالثَّالِثُ مَا شَذَّ مِنْ الْحَدِيثِ فِيمَا اُشْتُهِرَ مِنْ الْحَوَادِثِ وَعَمَّ بِهِ الْبَلْوَى فَوَرَدَ مُخَالِفًا لِلْجَمَاعَةِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَعْرِضَ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْكِتَابَ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلَا يُتْرَكُ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَالنَّصُّ وَالظَّاهِرُ، حَتَّى إنَّ الْعَامَّ مِنْ الْكِتَابِ لَا يُخَصُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَنَا وَلَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ مِنْ الْكِتَابِ وَلَا يُنْسَخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ نَصًّا؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ أَصْلٌ وَالْمَعْنَى فَرْعٌ لَهُ وَالْمَتْنُ مِنْ الْكِتَابِ فَوْقَ الْمَتْنِ مِنْ السُّنَّةِ لِثُبُوتِهِ ثُبُوتًا بِلَا شُبْهَةٍ فِيهِ فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِهِ قَبْلَ الْمَصِيرِ إلَى الْمَعْنَى
ــ
[كشف الأسرار]
أَنَّهُ سَمِعَهُ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا فَأَرْسَلَهُ اعْتِمَادًا عَلَيْهِ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ فَأَسْنَدَهُ ثَانِيًا أَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِلْإِسْنَادِ فَأَسْنَدَهُ ثُمَّ نَسِيَ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ فَأَرْسَلَهُ ثَانِيًا فَلَا يَقْدَحُ إرْسَالُهُ فِي إسْنَادِهِ وَلَكِنْ إنَّمَا يُقْبَلُ إسْنَادُهُ عِنْدَهُمْ إذَا أَتَى بِلَفْظٍ صَرِيحٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ أَوْ سَمِعْت فُلَانًا وَلَا يُقْبَلُ إذَا أَتَى بِلَفْظٍ مُوهِمٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ عَنْ فُلَانٍ وَنَحْوِهِ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَيْضًا إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمُعْتَمَدِ.
، وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا مِثْلُ حَدِيثِ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» رَوَاهُ إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ فِي أُخْرَى عَنْ جَدِّهِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسْنَدًا هَكَذَا مُتَّصِلًا، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَحَكَى الْخَطِيبُ الْحَافِظُ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَرَوْنَ الْحُكْمَ فِي هَذَا وَأَشْبَاهِهِ لِلْمُرْسَلِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَحْفَظِ فَإِذَا كَانَ مَنْ أَرْسَلَهُ أَحْفَظَ مِمَّنْ وَصَلَهُ فَالْحُكْمُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عَدَالَةِ مَنْ وَصَلَهُ وَأَهْلِيَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَنْ أَسْنَدَ حَدِيثًا قَدْ أَرْسَلَهُ الْحَافِظُ فَإِرْسَالُهُمْ لَهُ يَقْدَحُ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي عَدَالَتِهِ وَأَهْلِيَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْحُكْمُ مَنْ أَسْنَدَهُ إذَا كَانَ ضَابِطًا عَدْلًا فَيُقْبَلُ خَبَرُهُ وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَالِفُ لَهُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً قَالَ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مَا إذَا كَانَ الَّذِي وَصَلَهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ، وَهَكَذَا إذَا رَفَعَ بَعْضُهُمْ الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الصَّحَابِيِّ أَوْ رَفَعَهُ وَاحِدٌ فِي وَقْتٍ وَوَقَفَهُ هُوَ أَيْضًا فِي وَقْتٍ آخَرَ فَالْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا زَادَهُ الثِّقَةُ مِنْ الْوَصْلِ وَالرَّفْعِ.
فَوَجْهُ عَدَمِ الْقَبُولِ أَنَّ الرَّاوِيَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ تَسْمِيَتِهِ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ فِيهِ وَإِسْنَادُ الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْدِيلِ، وَإِذَا اسْتَوَى الْجُرْحُ وَالتَّعْدِيلُ يَغْلِبُ الْجُرْحُ لِمَا عُرِفَ. وَوَجْهُ الْقَبُولِ أَنَّ عَدَالَةَ الْمُسْنِدِ يَقْتَضِي قَبُولَ الْخَبَرِ وَلَيْسَ فِي إرْسَالِ مَنْ أَرْسَلَهُ مَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُقْبَلَ إسْنَادُ مَنْ يُسْنِدُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَرْسَلَهُ سَمِعَهُ مُرْسَلًا أَوْ نَسِيَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا وَمَنْ أَسْنَدَهُ سَمِعَهُ مُسْنَدًا فَلَا يَقْدَحُ إرْسَالُهُ فِي إسْنَادِ الْآخَرِ وَلِأَنَّ الْمُسْنَدَ مُثْبِتٌ وَالْمُرْسَلَ سَاكِتٌ وَلَوْ كَانَ نَافِيًا فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا خَفَى عَلَيْهِ.
[الِانْقِطَاعُ الْبَاطِلُ]
قَوْلُهُ (انْقِطَاعٌ بِالْمُعَارَضَةِ) ، وَهُوَ أَنْ تُعَارِضَ الْخَبَرَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَارَضَهُ مَا هُوَ فَوْقَهُ سَقَطَ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ سَاقِطٌ فَيَنْقَطِعُ مَعْنًى ضَرُورَةً لِنُقْصَانٍ وَقُصُورٍ فِي النَّاقِلِ بِفَوَاتِ بَعْضِ شَرَائِطِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالضَّبْطِ وَالْعَقْلِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِمَّا يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأُصُولُ، وَذَلِكَ أَيْ الِانْقِطَاعُ الْمَعْنَوِيُّ الْحَاصِلُ بِمُخَالَفَةِ الْأُصُولِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَيْضًا كَالِانْقِطَاعِ الظَّاهِرِ السُّنَّةُ الْمَعْرُوفَةُ أَيْ الْمَشْهُورَةُ أَوْ الْمُتَوَاتِرَةُ مُخَالِفًا لِلْجَمَاعَةِ أَيْ لِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِمْ لَصَارَ مِثْلَ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ بِمُوَافَقَتِهِمْ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَوْلَهُ (وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ) اعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْلِ.
فَإِنْ أَمْكَنَ تَأْوِيلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعَسُّفٍ يُقْبَلُ
стр. 728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ إلَّا بِتَعَسُّفٍ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّأْوِيلُ مَعَ التَّعَسُّفِ لَبَطَلَ التَّنَاقُضُ مِنْ الْكَلَامِ كُلِّهِ وَيَجِبُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا حِكَايَةً عَنْ الْغَيْرِ أَوْ مَعَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِنَصِّ الْكِتَابِ أَوْ لِلسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَوْ لِلْإِجْمَاعِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ قَطْعِيَّةٌ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ بِوَجْهٍ بَلْ الظَّنِّيُّ يَسْقُطُ بِمُقَابَلَةِ الْقَطْعِيِّ فَإِنْ خَالَفَ خَبَرُ الْوَاحِدِ عُمُومَ الْكِتَابِ أَوْ ظَاهِرَهُ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ وَتَرْكُ الظَّاهِرِ وَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْخَاصِّ وَالنَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَيْ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّرْكِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَالنَّصُّ وَالظَّاهِرُ حَتَّى إنَّ الْعَامَّ مِنْ الْكِتَابِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] لَا يُخَصُّ بِقَوْلِهِ ﵇ «الْحَرَمُ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ» وَلَا يُتْرَكُ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] بِقَوْلِهِ ﵇ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ وَشَرْطُهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ» وَلَا ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةُ بِحَدِيثِ التَّسْمِيَةِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ وَيَثْبُتُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَعُمُومَاتُهُ لَا تُوجِبُ الْيَقِينَ عِنْدَهُمْ وَإِنَّمَا تُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهَا وَمُعَارَضَتُهَا بِهِ عِنْدَهُمْ.
وَعِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ مَشَايِخِنَا وَالْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لِمَا أَفَادَتْ عُمُومَاتُ الْكِتَابِ وَظَوَاهِرُ الْيَقِينِ كَالنُّصُوصِ وَالْخُصُوصَاتُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا وَمُعَارَضَتُهَا بِهِ فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا ظَنِّيَّةً مِنْ مَشَايِخِنَا مِثْلَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ تَخْصِيصُهَا بِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ فَوْقَ الِاحْتِمَالِ فِي الْعَامِّ وَالظَّاهِرِ مِنْ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَهُوَ احْتِمَالُ إرَادَةِ الْبَعْضِ مِنْ الْعُمُومِ وَإِرَادَةُ الْمَجَازِ مِنْ الظَّاهِرِ وَلَكِنْ لَا شُبْهَةَ فِي ثُبُوتِ مَتْنِهِمَا أَيْ نَظْمِهِمَا وَعِبَارَتِهِمَا وَالشُّبْهَةُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي ثُبُوتِ مَتْنِهِ وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الظَّوَاهِرِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ نَصًّا فِي مَعْنَاهُ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مُودَعٌ فِي اللَّفْظِ وَتَابِعٌ لَهُ فِي الثُّبُوتِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمَتْنُ أَصْلٌ وَالْمَعْنَى فَرْعٌ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ الشُّبْهَةُ الْمُتَمَكِّنَةُ فِي اللَّفْظِ فِي ثُبُوتِ مَعْنَاهُ ضَرُورَةً، وَلِهَذَا لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُ لَفْظِهِ وَلَا مُنْكِرُ مَعْنَاهُ بِخِلَافِ مُنْكِرِ الظَّاهِرِ وَالْعَامِّ مِنْ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَلَا تَخْصِيصُ عُمُومِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ الْأَقْوَى بِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الصَّحَابَةَ خَصُّوا قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» فِي شَوَاهِدَ لَهَا كَثِيرَةٍ فَثَبَتَ أَنَّ تَخْصِيصَ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ.
قُلْنَا: هَذِهِ أَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِمِثْلِهَا عَلَى
стр. 729
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «تَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فَاقْبَلُوهُ وَمَا خَالَفَهُ فَرَدُّوهُ» فَلِذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ وَيُقْبَلُ فِيمَا لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْسَخُهُ وَمَنْ رَدَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ فَقَدْ أَبْطَلَ الْحُجَّةَ فَوَقَعَ فِي الْعَمَلِ بِالشُّبْهَةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ أَوْ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ الَّذِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا وَمَنْ عَمِلَ بِالْآحَادِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَنَسْخِهِ فَقَدْ أَبْطَلَ الْيَقِينَ وَالْأَوَّلُ فَتْحُ بَابِ الْجَهْلِ وَالْإِلْحَادِ. وَالثَّانِي فَتْحُ بَابِ الْبِدْعَةِ وَإِنَّمَا سَوَاءُ السَّبِيلِ فِيمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي تَنْزِيلِ كُلٍّ مَنْزِلَتَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْكِتَابِ وَلَا كَلَامَ فِيهَا إنَّمَا الْكَلَامُ فِي خَبَرٍ شَاذٍّ خَالَفَ عُمُومَ الْكِتَابِ هَلْ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرْتُمْ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأُسَامَةَ ﵃ رَوَوْا خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَلَمْ يَخُصُّوا بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] حَتَّى قَالَ ﵁ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي صَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ.
قَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ تَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ) الْحَدِيثُ أَهْلُ الْحَدِيثِ طَعَنُوا فِيهِ وَقَالُوا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ ثَوْبَانَ وَيَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ مَجْهُولٌ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ فَكَانَ مُنْقَطِعًا أَيْضًا فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَحُكِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ، وَهُوَ عِلْمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَتَزْكِيَةُ الرُّوَاةِ عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَيَكُونُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ سَاقِطًا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ الطَّوْدُ الْمُتَّبَعُ فِي هَذَا الْفَنِّ وَإِمَامُ أَهْلِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ فَكَفَى بِإِيرَادِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى طَعْنِ غَيْرِهِ بَعْدُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَبُولِ بِالْكِتَابِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ ﵇ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ وَوُجُوبِ الْعَرْضِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا تَرَدَّدَ ثُبُوتُهُ مِنْ الرَّسُولِ ﵇ إذْ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْكِتَابِ بِوَجْهٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا أَعْطَاكُمْ الرَّسُولُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَاقْبَلُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ أَيْ عَنْ أَخْذِهِ فَانْتَهُوا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ هُوَ الْغُلُولُ، وَقَدْ تَأَيَّدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ «مَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي مِمَّا تَعْرِفُونَ فَصَدِّقُوا بِهِ وَمَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي مِمَّا تُنْكِرُونَ فَلَا تُصَدِّقُوا فَإِنِّي لَا أَقُولُ الْمُنْكَرَ» وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْعَرْضِ عَلَى الْكِتَابِ.
وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَقُولُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ فِي النَّسْخِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ لَا يَجُوزُ رَفْعُهُ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ لِاشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ فِي النَّسْخِ، وَأَمَّا النَّسْخُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ يَجُوزُ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لَا عَلَى أَنَّهُ نَسْخٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَيُقْبَلُ فِيمَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْسَخُهُ أَيْ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إلَى النَّسْخِ فَإِذَا أَدَّى إلَيْهِ يُتْرَكُ مِثَالُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ حِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا يَقْتَضِي نَسْخَ ظَاهِرِ الْكِتَابِ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يُقْبَلُ أَصْلًا. وَمِثَالُ الثَّانِي خَبَرُ تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ وَتَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ وَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِيمَا لَا يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ فَيُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ وَالتَّعْدِيلُ وَالطَّهَارَةُ عَلَى وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ النُّقْصَانُ بِفَوَاتِهَا فِي الْعِبَادَةِ وَلَمْ يَفُتْ أَصْلُ الْجَوَازِ إذْ لَوْ فَاتَ لَأَدَّى إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ وَمَنْ أَرَادَ أَخْبَارَ الْآحَادِ فَقَدْ أَبْطَلَ الْحُجَّةَ لِمَا مَرَّ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مِنْ حِجَجِ الشَّرْعِ فَوَقَعَ فِي الْعَمَلِ بِالشُّبْهَةِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْقِيَاسِ فِي أَصْلِهِ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَنْهَا وَفِي الْخَبَرِ عَارِضٌ أَوْ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ الَّذِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا ثُمَّ بَعْضُ مَنْ رَدَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ
стр. 730
وَمِثَالُ هَذَا مَسُّ الذَّكَرِ أَنَّهُ يُخَالِفُ الْكِتَابَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الْمُتَطَهِّرِينَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] وَالْمُسْتَنْجِي يَمَسُّ ذَكَرَهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ حَدَثًا وَمِثْلُ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي النَّفَقَةِ أَنَّهُ يُخَالِفُ الْكِتَابَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةُ. وَمَعْنَاهُ وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْكِتَابِ أَحَقُّ مِنْ نَصِّ الْآحَادِ وَكَذَلِكَ مِمَّا خَالَفَ الْكِتَابَ مِنْ السُّنَنِ أَيْضًا حَدِيثُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِنَوْعَيْنِ بِرَجُلَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَبِقَوْلِهِ ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَمِثْلُ هَذَا إنَّمَا يُذْكَرُ لِقَصْرِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ
ــ
[كشف الأسرار]
عَمِلَ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَادِثَةِ وَبَعْضُهُمْ رَدَّ الْقِيَاسَ أَصْلًا وَعَمِلَ بِالِاسْتِصْحَابِ فِي الْحَوَادِثِ فَالشَّيْخُ أَشَارَ إلَى فَسَادِ الْمَذْهَبَيْنِ جَمِيعًا، فَقَدْ أَبْطَلَ الْيَقِينَ يَعْنِي بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَالْأَوَّلُ فَتْحُ بَابِ الْجَهْلِ وَالْإِلْحَادِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْحُجَّةِ وَالْأَخْذَ بِالشُّبْهَةِ أَوْ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عُدُولٌ عَنْ الصَّوَابِ وَمَنْشَؤُهُ الْجَهْلُ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْآحَادِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَنَسْخِهِ فَتْحُ بَابِ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَعْمَلُوا بِالْآحَادِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَا حَكَيْنَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا بِكَذَا.
قَوْلُهُ (وَمِثَالُ هَذَا) أَيْ مِثَالُ الِانْقِطَاعِ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ حَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الْمُتَطَهِّرِينَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] فَإِنَّهُ نَزَلَ فِيهِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ الْآيَةُ مَشَى إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَإِذَا الْأَنْصَارُ جُلُوسٌ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إنَّ اللَّه قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فَمَا الَّذِي تَصْنَعُونَ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَعِنْدَ الْغَائِطِ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُتْبِعُ الْغَائِطَ الْأَحْجَارَ الثَّلَاثَةَ ثُمَّ نُتْبِعُ الْأَحْجَارَ الْمَاءَ فَتَلَا النَّبِيُّ ﵇ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] » وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِمَسِّ الْفَرْجَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ مِنْ التَّطَهُّرِ فَلَوْ جُعِلَ الْمَسُّ حَدَثًا لَا يُتَصَوَّرَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِنْجَاءُ تَطَهُّرًا؛ لِأَنَّ التَّطَهُّرَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِزَوَالِ الْحَدَثِ فَلَا يَحْصُلُ مَعَ إثْبَاتِ حَدَثٍ آخَرَ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ مَعَ سَيَلَانِ الدَّمِ وَالْبَوْلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ لَا نَجْعَلُهُ تَطَهُّرًا عَنْ الْحَدَثِ لِيَكُونَ الْمَسُّ مُنَافِيًا لَهُ بَلْ هُوَ تَطَهُّرٌ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ تَطْهِيرِ الثَّوْبِ وَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ اسْتَحَقُّوا الْمَدْحَ لَا بِاعْتِبَارِ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ إذْ الْكُلُّ كَانُوا فِيهَا سَوَاءً وَهَذِهِ الطَّهَارَةُ لَا تَزُولُ بِالْمَسِّ كَمَا لَوْ فَسَا أَوْ رَعَفَ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الِاسْتِنْجَاءَ تَطَهُّرًا مُطْلَقًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَطَهُّرًا حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَوْ جَعَلَ الْمَسَّ حَدَثًا لَا يَكُونُ تَطَهُّرًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا يَخْلُو هَذَا الْجَوَابُ عَنْ ضَعْفٍ.
١ -
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَحَدِيثِ الْمَسِّ وَحَدِيثِ فَاطِمَةَ حَدِيثُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ يَمِينُ الْمُدَّعِي، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِشَاهِدٍ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الطَّالِبِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ﵄.
وَعُلَمَاؤُنَا لَمْ يَعْمَلُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] أَمَرَ بِالِاسْتِشْهَادِ لِإِحْيَاءِ الْحَقِّ، وَهُوَ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ مَا هُوَ شَهَادَةٌ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ كُلٌّ يَكُونُ مُجْمَلًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِنَوْعَيْنِ بِرَجُلَيْنِ وَبِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَمَّا عَلَى الْمُسَاوَاةِ أَوْ التَّرْتِيبِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ اقْتِصَارُ الِاسْتِشْهَادِ الْمَطْلُوبِ بِالْأَمْرِ عَلَى النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ إذَا فُسِّرَ كَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِجَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: كُلْ طَعَامَ كَذَا أَوْ طَعَامَ كَذَا، كَانَ التَّفْسِيرُ اللَّاحِقُ بَيَانًا لِجَمِيعِ مَا أُرِيدَ مِنْ الْمَأْكُولِ بِقَوْلِهِ كُلْ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ تَفَقَّهْ مِنْ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ كَانَ التَّفْسِيرُ الْمُلْحَقُ بِهِ قَصْرَ الْأَمْرِ بِالتَّفَقُّهِ عَلَيْهِمَا حَتَّى لَا يَكُونَ التَّفَقُّهُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَمْرِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: اسْتَشْهِدْ زَيْدًا عَلَى صَفْقَتِك أَوْ خَالِدًا. لَمْ يَكُنْ اسْتِشْهَادُ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَأْمُورِ اسْتِشْهَادًا لِحُكْمِ الْأَمْرِ لَا مَحَالَةَ بَلْ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا
стр. 731
وَلِأَنَّهُ قَالَ ﴿وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَا مَزِيدَ عَلَى الْأَدْنَى وَلِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ الْمَعْهُودِ، وَهُوَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ حُجَّةً لَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِ الْمَعْهُودِ وَصَارَ ذَلِكَ بَيَانًا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] فَنَقَلَ إلَى شَهَادَةِ الْكَافِرِ حِينَ كَانَتْ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي مَوْتِ الْمُسْلِمِينَ وَوَصَايَاهُمْ فَيَبْعُدُ أَنْ يَتْرُكَ الْمَعْهُودَ وَيَأْمُرَ بِغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ يَمِينَ الشَّاهِدِ بِقَوْلِهِ ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] وَيَمِينُ الْخَصْمِ فِي الْجُمْلَةِ مَشْرُوعٌ فَأَمَّا يَمِينُ الشَّاهِدِ فَلَا فَصَارَ النَّقْلُ إلَى يَمِينِ الشَّاهِدِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ وَمِثْلُهُ خَبَرُ الْمُصَرَّاةِ
ــ
[كشف الأسرار]
يَصِيرُ الْمَذْكُورُ بَيَانًا لِلْكُلِّ فَمَنْ جَعَلَ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ حُجَّةً فَقَدْ زَادَ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ جَارٍ مَجْرَى النَّسْخِ فَلَا يَجُوزُ بِهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] نَصَّ عَلَى أَدْنَى مَا يَنْتَفِي بِهِ الرِّيبَةُ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ أَوْ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَيْسَ وَرَاءَ الْأَدْنَى شَيْءٌ يَنْتَفِي بِهِ الرِّيبَةُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا مَزِيدَ عَلَى الْأَدْنَى يَعْنِي فِي جَانِبِ الْقِلَّةِ وَالتَّسَفُّلِ فَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ مَعَ الْيَمِينِ حُجَّةً لَزِمَ مِنْهُ انْتِفَاءُ كَوْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ أَدْنَى فِي انْتِفَاءِ الرِّيبَةُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَكَانَ فِي جَعْلِهِ حُجَّةً إبْطَالُ مُوجِبِ الْكِتَابِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى نَقَلَ الْحُكْمَ مِنْ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ اسْتِشْهَادُ الرِّجَالِ إلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ اسْتِشْهَادُ النِّسَاءِ مُبَالَغَةً فِي الْبَيَانِ مَعَ أَنَّ حُضُورَهُنَّ مَجَالِسَ الْحُكَّامِ وَمَحَافِلَ الرَّجُلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ بَلْ هُوَ حَرَامٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُنَّ أُمِرْنَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ بِقَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَلَوْ كَانَ يَمِينُ الْمُدَّعِي مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ حُجَّةً وَأَمْكَنَ لِلْمُدَّعِي الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ بِهَا لَمَا اسْتَقَامَ السُّكُوتُ عَنْهَا فِي الْحِكْمَةِ وَالِانْتِقَالِ إلَى ذِكْرِ مَنْ لَا يُسْتَشْهَدُ عَادَةً مَعَ كُلِّ هَذَا الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْبَيَانِ بَلْ كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ وَأَيْسَرُ وُجُودًا مِنْ الشَّهِيدَيْنِ أَوْ كَانَ ذِكْرُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بَعْدَ ذِكْرِ الرَّجُلَيْنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا وَبِانْضِمَامِ عَيْنِ الْمُدَّعِي إلَيْهِ يَتَمَكَّنُ الْمُدَّعِي مِنْ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ الْمُبِيحَةُ لِحُضُورِ النِّسَاءِ مَحْفِلَ الرِّجَالِ كَمَا لَوْ وُجِدَ الرَّجُلَانِ فَكَانَ النَّصُّ دَلِيلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ أَيْ الِانْتِقَالُ مِنْ الْمَعْهُودِ، وَهُوَ اسْتِشْهَادُ الرِّجَالِ إلَى غَيْرِ الْمَعْهُودِ، وَهُوَ اسْتِشْهَادُ النِّسَاءِ بَيَانًا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ شَيْءٌ آخَرُ يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي وَإِنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَهَذَا تَقْرِيرُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَلَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا أُسَلِّمُ الْقَصْرَ؛ لِأَنَّ لَهُ طُرُقًا أَرْبَعَةً عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهَا فَكَيْفَ تَسْتَقِيمُ دَعْوَى الْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلِهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا الْقَصْرَ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ فَهُوَ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَكُمْ وَعِنْدِي وَإِنْ كَانَ حُجَّةً وَلَكِنْ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ آخَرُ فَإِذَا عَارَضَهُ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِي الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَأَنْ يَقُولَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: لَا دَلَالَةَ لِهَذَا النَّصِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّ نَظْمَ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ بَلْ نَظْمُهُ ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى أَنْ تَكْتُبُوهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْأَدْنَى بِمَعْنَى الْأَقْرَبِ لَا بِمَعْنَى الْأَقَلِّ أَيْ ذَلِكُمْ الْكَتْبُ أَقْسَطُ أَيْ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ أَيْ أَعْدَلُ عَلَى أَدَائِهَا وَأَدْنَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا أَيْ أَقْرَبُ مِنْ انْتِفَاءِ الرَّيْبِ، كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ الْإِشَارَةَ إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَأَنْ يَجْعَلَ الْأَدْنَى بِمَعْنَى الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لَا يَنْقَادُ لَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا ثُمَّ أَكَّدَ الشَّيْخُ الْوَجْهَ الْأَخِيرَ بَيَانَ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَعَالَى نَقَلَ الْحُكْمَ عَنْ اسْتِشْهَادِ
стр. 732
وَكَذَلِكَ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ فَوْقَهُ فَلَا يُنْسَخُ بِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَشْهُورَ، وَهُوَ قَوْلُهُ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» يَعْنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
ــ
[كشف الأسرار]
مُسْلِمَيْنِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ إلَى اسْتِشْهَادِ كَافِرَيْنِ حِينَ كَانَتْ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أَيْ عَدَدُ الشُّهُودِ فِيمَا بَيْنَكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ إنْ لَمْ يَجِدُوا مُسْلِمِينَ وَأَوْ لِلتَّرْتِيبِ، كَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَوْ كَانَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ حُجَّةً لَنُقِلَ الْحُكْمُ إلَيْهِ لَا إلَى شَهَادَةِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ تَجْوِيزَ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ دَفْعُهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ مِنْ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ وَأَيْسَرُ وُجُودًا مِنْهَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَعَالَى نَقَلَ الْحُكْمَ عِنْدَ وُقُوعِ الِارْتِيَابِ وَالشَّكِّ فِي صِدْقِ الشَّاهِدِ إلَى تَحْلِيفِ الشَّاهِدِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ [المائدة: ١٠٦] الْآيَةُ وَتَحْلِيفُ الشَّاهِدِ حِينَئِذٍ كَانَ مَشْرُوعًا ثُمَّ نُسِخَ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ حُجَّةً لَكَانَ النَّقْلُ إلَيْهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ إذْ الْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ وَالْمُدَّعِي يُشْبِهُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَصْمٌ وَتَحْلِيفُهُ فِي الْجُمْلَةِ مَشْرُوعٌ أَيْضًا كَمَا فِي التَّحَالُفِ وَكَمَا فِي الْقَسَامَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَعْضِ، فَأَمَّا يَمِينُ الشَّاهِدِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْأَمِينِ فِي مَوْضِعٍ فَكَانَ النَّقْلُ إلَى يَمِينِ الشَّاهِدِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ.
وَأَمْثَالُ هَذَا أَيْ نَظَائِرُ مَا وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ مِنْ السُّنَنِ الْغَرِيبَةِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ خَبَرِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَخَبَرِ وُجُوبِ الْمُلْتَجِئِي إلَى الْحَرَمِ وَخَبَرِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ وَسَائِرِ مَا مَرَّ بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ أَيْضًا) أَيْ وَمِثْلُ الْخَبَرِ الْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ الْخَبَرُ الْمُخَالِفُ لِلسُّنَّةِ فِي أَنَّهُ يَكُونُ مَرْدُودًا أَيْضًا وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ أَيْ الْخَبَرَ الْمَشْهُورَ فَوْقَ خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى جَازَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِالْمَشْهُورِ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ الْمَشْهُورُ الَّذِي هُوَ أَقْوَى بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ وَذَلِكَ أَيْ مِثَالُ هَذَا الْأَصْلِ حَدِيثُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَبَيَانُ الْمُخَالَفَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ دُونَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ اللَّامَ يَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ فَمَنْ جَعَلَ يَمِينَ الْمُدَّعِي حُجَّةً فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ، وَهُوَ الِاسْتِغْرَاقُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْخُصُومَ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا مُدَّعِيًا وَقِسْمًا مُنْكِرًا، وَالْحُجَّةُ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا بَيِّنَةً وَقِسْمًا يَمِينًا، وَحَصَرَ جِنْسَ الْيَمِينِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَجِنْسَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَهَذَا يَقْتَضِي قَطْعَ الشَّرِكَةِ وَعَدَمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْبَيِّنَةِ فِي جَانِبٍ وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ تُوجِبُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ هَذَا الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فَيَكُونُ مَرْدُودًا.
كَيْفَ وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ حَتَّى قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ أَوَّلُ مَنْ أَفْرَدَ الْإِقَامَةَ مُعَاوِيَةُ وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ مُعَاوِيَةُ
стр. 733
وَمِثْلُ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ وَقَّاصٍ ﵁ فِي بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ»
ــ
[كشف الأسرار]
وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْخَضْرَمِيِّ حِينَ امْتَنَعَ عَنْ اسْتِحْلَافِ الْكِنْدِيِّ فِي دَعْوَى أَرْضٍ لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ» فَهَذَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ وَلَوْ كَانَتْ يَمِينُ الْمُدَّعِي مَشْرُوعَةً لَكَانَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ غَيْرَ الِاسْتِحْلَافِ.
قَوْلُهُ (وَمِثْلُ حَدِيثِ سَعْدٍ) إلَى آخِرِهِ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵏ لِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ أَتَنْقُصُ إذَا جَفَّ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَلَا إذًا» ، فَالنَّبِيُّ ﵇ أَفْسَدَ الْبَيْعَ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَتَنْقُصُ إذَا جَفَّ إلَى وُجُوبِ بِنَاءِ مَعْرِفَةِ الْمُسَاوَاةِ عَلَى أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ وَعِنْدَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ يَصِيرُ أَجْزَاءُ الرُّطَبِ أَقَلَّ فَلَا يَجُوزُ لِتَفَاوُتٍ قَائِمٍ لِلْحَالِ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ بِأَجْزَاءِ التُّمُورَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ الْمَقْلِيُّ بِغَيْرِ الْمَقْلِيِّ لِتَفَاوُتٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ بِأَجْزَاءِ غَيْرِ الْمَقْلِيِّ وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي الْجَوَازَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ يَنْطَلِقُ عَلَى الرُّطَبِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لِلتَّمْرَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ النَّخْلِ مِنْ حِينِ يَنْعَقِدُ إلَى أَنْ يُدْرَكَ وَبِمَا يَتَرَدَّدُ عَلَيْهَا مِنْ الْأَحْوَالِ وَالصِّفَاتِ لَا يَخْتَلِفُ اسْمُ الذَّاتِ كَاسْمِ الْآدَمِيِّ لَا يَتَبَدَّلُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ حَتَّى يُزْهَى فَقِيلَ: وَمَا يُزْهَى فَقَالَ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ» فَسَمَّاهُ تَمْرًا وَهُوَ بُسْرٌ، وَقَالَ شَاعِرُهُمْ:
وَمَا الْعَيْشُ إلَّا نَوْمَةٌ وَتَشَرُّقٌ ... وَتَمْرٌ عَلَى رَأْسِ النَّخِيلِ وَمَاءُ
وَالْمُرَادُ الرُّطَبُ.
وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِرُطَبٍ عَلَى رَأْسِ النَّخِيلِ فَيَبِسَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي لَا يُبْطِلُ الْوَصِيَّةَ وَلَوْ تَبَدَّلَ الْجِنْسُ بِالْيُبْسِ لَبَطَلَتْ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِعِنَبٍ فَصَارَ زَبِيبًا قَبْلَ الْمَوْتِ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ فِي تَمْرٍ فَاقْتَضَى رُطَبًا أَوْ عَلَى الْعَكْسِ صَحَّ وَلَوْ اخْتَلَفَا لَكَانَ هَذَا اسْتِبْدَالًا، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَمْرٌ، وَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ حَالَةَ الْعَقْدِ فَيَجُوزُ وَلَا يُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعَقْدِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْبَدَلَيْنِ اللَّذَيْنِ وَرَدَ عَلَيْهِمَا الْعَقْدُ وَهُمَا الرُّطَبُ وَالتَّمْرُ فَأَمَّا اعْتِبَارُ حَالَةٍ مَفْقُودَةٍ يَتَوَقَّعُ حُدُوثُهَا فِي بَابَيْ الْحَالِ فَلَا فَكَانَ اعْتِبَارُ الْأَعْدَلِ كَاعْتِبَارِ الْأَجْوَدِ وَأَنَّهُ سَاقِطٌ بِالنَّصِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ التَّفَاوُتِ فِي الْجَوْدَةِ بِقَوْلِهِ ﵇ «جَيِّدُهَا وَرَدِيُّهَا سَوَاءٌ» وَاعْتُبِرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ حَيْثُ شَرَطَ الْيَدَ بِالْيَدِ وَصِفَةُ الْجُودَةِ لَا تَكُونُ حَادِثَةً بِصُنْعِ الْعِبَادِ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةُ حَادِثٌ بِصُنْعِ الْعِبَادِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْأَجَلِ فَصَارَ هَذَا أَصْلًا إنَّ كُلَّ تَفَاوُتٍ يُبْتَنَى عَلَى صُنْعِ الْعِبَادِ فَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ وَفِي الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ وَالْحِنْطَةُ بِالدَّقِيقِ التَّفَاوُتُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَكُلُّ تَفَاوُتٍ يُبْتَنَى عَلَى مَا هُوَ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ الْعِبَادِ فَهُوَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا كَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْكَيْلِ مُطْلَقًا لِجَوَازِ الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي حَالِ يُبُوسَةِ الْبَدَلَيْنِ أَوْ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِمَا أَوْ فِي حَالِ يُبُوسَةِ
стр. 734
بِزِيَادَةِ مُمَاثَلَةٍ هِيَ نَاسِخَةٌ لِلْمَشْهُورِ، بِاعْتِبَارِ جَوْدَةٍ لَيْسَتْ مِنْ الْمِقْدَارِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَحَدِهِمَا وَرُطُوبَةِ الْآخَرِ جَازَ الْعَقْدُ فَالتَّقْيِيدُ بِاشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ فِي أَعْدِلْ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ حَالُ يُبُوسَتِهِمَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ سَعْدٍ مُتَضَمِّنٌ لِنَسْخِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ فَلَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِزِيَادَةِ مُمَاثَلَةٍ هِيَ نَاسِخَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ الْمُخَالَفَةُ بِسَبَبِ اقْتِضَائِهِ زِيَادَةَ مُمَاثَلَةٍ لَا يَقْتَضِيهَا الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي حَالَةِ الْجَفَافِ، وَالْبَاءُ فِي بِاعْتِبَارِ جَوْدَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالزِّيَادَةِ أَيْ اشْتِرَاطُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ بِاعْتِبَارِ جَوْدَةٍ وُجِدَتْ فِي أَحَدِهِمَا وَفُقِدَتْ فِي الْآخَرِ لَا بِاعْتِبَارِ زِيَادَةٍ فِي الْقَدْرِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِلتَّمْرِ فَضْلَ جَوْدَةٍ عَلَى الرُّطَبِ مِنْ حَيْثُ الِادِّخَارُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَاصٍ وَلَكِنْ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّ لِلتَّمْرِ إنْ كَانَ فَضْلُ اكْتِنَازٍ فَفِي الرُّطَبِ فَضْلُ رُطُوبَةٍ هِيَ مَقْصُودَةٌ شَاغِلَةٌ لِلْكَيْلِ لَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا إلَّا بَعْدَ ذَهَابِهَا بِالْجَفَافِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْفَضْلَ وَالْمُسَاوَاةَ فِي الْجَوْدَةِ سَاقِطَا الِاعْتِبَارِ شَرْعًا إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ وَالْفَضْلُ قَدْرًا فَكَيْفَ يَصْلُحُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْجَوْدَةِ نَاسِخًا لِمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ.
وَقَوْلُهُ لَيْسَتْ مِنْ الْمِقْدَارِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا عَنْ فَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ بِاعْتِبَارِ الْقَلْيِ؛ فَإِنَّ بِالْقَلْيِ يَنْتَفِخُ الْحَبَّاتُ إذَا كَانَتْ رَطْبَةً وَتَضْمُرُ إذَا قُلِيَتْ يَابِسَةً فَلَا تُسَاوِي الْمَقْلِيَّةُ فِي الدُّخُولِ فِي الْكَيْلِ غَيْرَ الْمَقْلِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الِانْتِفَاخِ وَالضُّمُورِ وَهَذَا التَّفَاوُتُ رَجَعَ إلَى الْقَدْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي مَنْعِ الْجَوَازِ وَذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ يُوجِبُ أَحْكَامًا ثَلَاثَةً: أَحَدُهَا: وُجُوبُ الْمُمَاثَلَةِ شَرْطًا لِلْجَوَازِ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ حَالَ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ بِهَذَا النَّصِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ فَضْلٍ قَائِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْفَضْلُ عَلَى الذَّاتِ.
وَالثَّالِثُ: الْفَضْلُ الَّذِي يَنْعَدِمُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُخَالِفُهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ حُرْمَةَ الْبَيْعِ حَالَ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْمِعْيَارِ وَأَوْجَبَ حُرْمَةَ فَضْلٍ لَا يَنْعَدِمُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطٌ لِلْجَوَازِ حَالَةَ الْعَقْدِ وَالْفَضْلُ الَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ الْجَفَافِ لَا يُعْدِمُ الْمُمَاثَلَةَ الْمَوْجُودَةَ حَالَ الْعَقْدِ وَهَذَا الْفَضْلُ مَوْهُومٌ غَيْرُ قَائِمٍ حَالَ الْعَقْدِ فَإِذَا خَالَفَ الْمَشْهُورَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَمْ يُقْبَلْ. وَالثَّانِي أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَادَ سَأَلُوهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانُوا أَشِدَّاءَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ فَقَالَ: الرُّطَبُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ تَمْرًا جَازَ الْعَقْدُ لِقَوْلِهِ ﵇ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمْرًا جَازَ أَيْضًا لِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ حَدِيثَ سَعْدٍ فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ دَارَ عَلَى زَيْدٍ أَبِي عَيَّاشٍ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ وَاسْتَحْسَنَ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْهُ هَذَا الطَّعْنَ حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَيْفَ يُقَالُ: أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَهُوَ يَقُولُ زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ؟ ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَلَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحِنْطَةَ الْمَقْلِيَّةَ إنْ كَانَتْ حِنْطَةً يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهَا بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ كَيْلًا بِكَيْلٍ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِنْطَةً يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَيْضًا لِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا اخْتَلَفَا النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» وَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ مَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ حَسَنٌ فِي الْمُنَاظَرَاتِ لِدَفْعِ الْخَصْمِ وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ بِهِ لِجَوَازِ قِسْمٍ ثَالِثٍ كَمَا فِي الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ مَعْنَاهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرُّطَبُ قِسْمًا ثَالِثًا لَا يَكُونُ تَمْرًا مُطْلَقًا لِفَوَاتِ وَصْفِ الْيُبُوسَةِ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ غَيْرَهُ مُطْلَقًا لِبَقَاءِ أَجْزَائِهِ
стр. 735
إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَمِلَا بِهِ عَلَى أَنَّ اسْمَ التَّمْرِ لَا يَتَنَاوَلُ الرُّطَبَ فِي الْعَادَةِ كَمَا فِي الْيَمِينِ.
، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ وَخَفِيَ الْحَدِيثُ كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ اسْتَحَالَ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْحَادِثَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَيْفَ اشْتَهَرَ فِي الْحَلِفِ فَإِذَا شَذَّ الْحَدِيثُ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ كَانَ ذَلِكَ زِيَافَةً وَانْقِطَاعًا
ــ
[كشف الأسرار]
عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ تَمْرًا كَالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ لَيْسَتْ عَيْنَ الْحِنْطَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِفَوَاتِ وَصْفِ الْإِثْبَاتِ عَنْهَا بِالْمَقْلِيِّ وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا أَيْضًا لِوُجُودِ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ فِيهَا، وَكَذَا الْحِنْطَةُ مَعَ الدَّقِيقِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ) أَيْ لَكِنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا عَمِلَا بِهِ أَيْ بِحَدِيثِ سَعْدٍ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّهُمَا وَافَقَا أَبَا حَنِيفَةَ ﵏ فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُرَدُّ بِمُخَالَفَتِهِ الْمَشْهُورَ ثُمَّ إنَّهُمَا عَمِلَا بِحَدِيثِ سَعْدٍ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ الْمَشْهُورَ فَقَالَ: إنَّهُمَا إنَّمَا عَمِلَا بِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُسَلِّمَا مُخَالَفَتَهُ لِلْمَشْهُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ تَنَاوَلَ التَّمْرَ وَالرُّطَبُ لَيْسَ بِتَمْرٍ عَادَةً أَيْ عُرْفًا بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا فَأَكَلَ رُطَبًا أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ فَأَكَلَهُ بَعْدَمَا صَارَ تَمْرًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْمَشْهُورُ مُتَنَاوِلًا لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ سَعْدٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُخَالَفَةُ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرُّطَبَ مِنْ جِنْسِ التَّمْرِ لِمَا قُلْنَا لَكِنَّ الْيَمِينَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّاعِي مَعَ قِيَامِ الْجِنْسِيَّةِ وَالرُّطُوبَةُ فِي الرُّطَبِ وَصْفٌ دَاعٍ إلَى الْمَنْعِ مَرَّةً وَإِلَى الْإِقْدَامِ أُخْرَى فَيَتَقَيَّدُ الْيَمِينُ بِالْوَصْفِ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْت مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَعَبْدِي حُرٌّ يَتَقَيَّدُ بِحَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُوهُ إلَى الْمَنْعِ عَنْ الْخُرُوجِ وَالْخُرُوجُ فِي الْأَحْوَالِ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَكِنْ لَمَّا اخْتَلَفَ الدَّاعِي اخْتَلَفَتْ الْيَمِينُ كَذَا هَاهُنَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ وَهُوَ تَمْرٌ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَمَا انْعَقَدَتْ كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عِنَبٌ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي مُخْتَلِفَاتِ الْمُصَنِّفِ ﵀ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ بَعْدَ بَيَانِ الْقِسْمَيْنِ فَفِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنْ الِانْتِقَادِ لِلْحَدِيثِ عِلْمٌ كَثِيرٌ وَصِيَانَةٌ لِلدِّينِ بَلِيغَةٌ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ إنَّمَا ظَهَرَ مِنْ قِبَلِ تَرْكِ عَرْضِ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ قَوْمًا جَعَلُوهَا أَصْلًا مَعَ الشُّبْهَةِ فِي اتِّصَالِهَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ أَنَّهَا لَا تُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ ثُمَّ تَأَوَّلُوا عَلَيْهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ فَجَعَلُوا التَّبَعَ مَتْبُوعًا وَجَعَلُوا الْأَسَاسَ مَا هُوَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِهِ فَوَقَعُوا فِي الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَنْكَرَ خَبَرَ الْوَاحِدِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا لَمَّا لَمْ يُجَوِّزْ الْعَمَلَ بِهِ احْتَاجَ إلَى الْقِيَاسِ لِيَعْمَلَ بِهِ وَفِيهِ أَنْوَاعٌ مِنْ الشُّبْهَةِ أَوْ إلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا، وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحُجَّةِ إلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ يَكُونُ فَتْحًا لِبَاب الْإِلْحَادِ وَجَعْلُ مَا هُوَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِهِ أَصْلًا، ثُمَّ يَخْرُجُ مَا فِيهِ التَّيَقُّنُ عَلَيْهِ يَكُونُ فَتْحًا لِبَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرْدُودٌ وَإِنَّمَا سَوَاءُ السَّبِيلِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا ﵏ مِنْ إنْزَالِ كُلِّ حُجَّةٍ مَنْزِلَتَهَا؛ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ أَصْلًا ثُمَّ خَرَّجُوا عَلَيْهَا مَا فِيهِ بَعْضُ الشُّبْهَةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ بِطَرِيقِ الْآحَادِ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ أَوْ الْمَشْهُورِ قَبِلُوهُ وَأَوْجَبُوا الْعَمَلَ بِهِ وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لَهُمَا رَدُّوهُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْجَبُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْغَرِيبِ بِخِلَافِهِ وَمَا لَمْ يَجِدُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ صَارُوا حِينَئِذٍ إلَى الْقِيَاسِ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
[الْحَادِثَةَ إذَا اُشْتُهِرَتْ وَخَفِيَ الْحَدِيثُ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ) فَكَذَا خَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ فِيمَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَيْ فِيمَا يَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ، وَعِنْدَ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ يُقْبَلُ إذَا صَحَّ سَنَدُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ تَمَسَّكَ مَنْ قَبِلَهُ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ ﵃ -
стр. 736
وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَمِثْلُ حَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
ــ
[كشف الأسرار]
فَإِنَّهُمْ عَمِلُوا بِهِ فِيمَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى رَوَى لَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَانْتَهَيْنَا» وَمِثْلُ رُجُوعِهِمْ إلَى خَبَرِ عَائِشَةَ ﵂ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَبِأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ فِي هَذَا الْبَابِ يُفِيدُ ظَنَّ الصِّدْقِ فَيَجِبُ قَبُولُهُ كَمَا إذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ الْبَلْوَى، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِيَاسَ يُقْبَلُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَأَنْ يُقْبَلَ فِيهِ الْخَبَرُ كَانَ أَوْلَى، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ بِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي اسْتِفَاضَةَ نَقْلِ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَمَسِّ الذَّكَرِ لَوْ كَانَ مِمَّا يُنْتَقَضُ بِهِ الطَّهَارَةُ لَأَشَاعَهُ النَّبِيُّ ﵇ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْآحَادِ بَلْ يُلْقِيهِ إلَى عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّوَاتُرُ أَوْ الشُّهْرَةُ مُبَالَغَةً فِي إشَاعَتِهِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ كَثِيرٍ مِنْ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ، وَلِهَذَا تَوَاتَرَ نَقْلُ الْقُرْآنِ وَاشْتَهَرَ أَخْبَارُ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهَا وَلَمَّا لَمْ يَشْتَهِرْ عَلِمْنَا أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ مَنْسُوخٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمَّا قَبِلُوهُ اشْتَهَرَ فِيهِمْ فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا فِي الْمُتَقَدِّمِينَ لَاشْتَهَرَ أَيْضًا وَلَمَا تَفَرَّدَ الْوَاحِدُ بِنَقْلِهِ مَعَ حَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَلِهَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ إذَا لَمْ تَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الصَّبِيِّ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ إنْفَاقِ مَالٍ عَظِيمٍ عَلَى الْيَتِيمِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِنَقْلِ قَتْلِ مَلِكٍ فِي السُّوقِ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِي الْعَادَةِ يَبْعُدُ أَنْ لَا يَسْتَفِيضَ مِثْلُهُ، فَكَذَا هَذَا يُوَضِّحُهُ أَنَّا لَمْ نَقْبَلْ قَوْلَ الرَّافِضَةِ فِي دَعْوَاهُمْ النَّصَّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْإِمَامَةِ مِمَّا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لِحَاجَةِ الْجَمِيعِ إلَيْهِ فَلَوْ كَانَ النَّصُّ ثَابِتًا لَنُقِلَ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا وَحِينَ لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ.
وَلَكِنَّ الْمُخَالِفِينَ يَقُولُونَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عُمُومِ الْبَلْوَى اشْتِهَارُ حُكْمِهَا؛ فَإِنَّ حُكْمَ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَتَثْنِيَتِهَا وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَتَرْكِهَا وَالْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَإِخْفَائِهَا وَعَامَّةِ تَفَاصِيلِ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْتَهِرْ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ عَامَّةٌ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ الرَّسُولَ ﷺ بِإِشَاعَةِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بَلْ كَلَّفَهُ بِإِشَاعَةِ الْبَعْضِ وَجَوَّزَ لَهُ رَدَّ الْخَلْقِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْبَعْضِ كَمَا جَوَّزَ لَهُ رَدَّهُمْ إلَى الْقِيَاسِ فِي قَاعِدَةِ الرِّبَا مَعَ أَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: لَا تَبِيعُوا الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ أَوْ الْمَكِيلَ بِالْمَكِيلِ حَتَّى يُسْتَغْنَى عَنْ الِاسْتِنْبَاطِ عَنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ جُمْلَةِ مَا يَقْتَضِي مَصْلَحَةُ الْخَلْقِ أَنْ يَرِدُوا فِيهِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ صِدْقُ الرَّاوِي مُمْكِنًا فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا عَمَّ بِهِ الْبَلْوَى اشْتِهَارُ حُكْمِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ وَلَكِنَّهُ قَدْ لَا يَشْتَهِرُ أَيْضًا إمَّا لِتَرْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقَلَةِ الرِّوَايَةَ اعْتِمَادًا عَلَى غَيْرِهِ أَوْ لِعَارِضٍ آخَرَ مِنْ مَوْتِ عَامَّتِهِمْ فِي حَرْبٍ أَوْ وَبَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ ﵀ لَمَّا جَمَعَ الصَّحِيحَ سَمِعَهُ مِنْهُ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَلَمْ يَثِقْ عِنْدَ الرِّوَايَةِ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفَرَبْرِيُّ لَكِنَّ الْعَوَارِضَ لَا تُعْتَبَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَقَوْلُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَا لَا يَقْدَحُ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّا لَمْ نَدَّعِ الِاشْتِهَارَ عِنْدَ عُمُومِ الْبَلْوَى قَطْعًا بَلْ ادَّعَيْنَاهُ ظَاهِرًا، وَكَذَا الصَّحَابَةُ إنَّمَا عَمِلُوا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ
стр. 737
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ فَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ هُمْ الْأُصُولُ فِي نَقْلِ الشَّرِيعَةِ فَإِعْرَاضُهُمْ يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِهِ وَانْتِسَاخِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ كَانَ ذَلِكَ زِيَافَةً؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ النَّصِّ غَيْرُ سَائِغٍ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ الصَّبِيِّ وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى قَوْلِهِ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا
ــ
[كشف الأسرار]
فِي تِلْكَ الْحَوَادِثِ لِقَرَائِنَ اخْتَصَّتْ بِهِ أَوْ لِصَيْرُورَتِهِ مَشْهُورًا عِنْدَ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ الصِّدْقِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ شُهْرَتِهِ يُعَارِضُ ظَنَّ الصِّدْقِ فَلَا يَحْصُلُ الظَّنُّ مَعَ الْمُعَارِضِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَذَلِكَ أَيْ شُذُوذُ الْحَدِيثِ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ مِثْلُ حَدِيثِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَرَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَلَمَّا شَذَّ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ وَمَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَحَادِيثَ أَقْوَى مِنْهُ فِي الصِّحَّةِ دَالَّةٍ عَلَى خِلَافِهِ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَمِثْلُ حَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ الَّذِي رَوَتْهُ بُسْرَةُ؛ فَإِنَّهُ شَاذٌّ لِانْفِرَادِهَا بِرِوَايَتِهِ مَعَ عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى زِيَافَتِهِ إذْ الْقَوْلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ خَصَّهَا بِتَعْلِيمِ هَذَا الْحُكْمِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ سَائِرُ الصَّحَابَةِ مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ شِبْهُ الْمُحَالِ، كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀.
وَلَا يُقَالُ: قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَسَالِمٌ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَغَيْرُهُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ شَاذًّا مَعَ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الْكِبَارِ؟ ، لِأَنَّا نَقُولُ: تِلْكَ الرِّوَايَاتُ مُضْطَرِبَةُ الْأَسَانِيدِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِضَعْفِ رِجَالِهَا وَلِمُعَارَضَتِهَا أَيْضًا بِرِوَايَاتٍ صَحِيحَةٍ تُخَالِفُهَا عَلَى مَا بَيَّنَهَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الْآثَارِ فَلَا يَنْتَفِي الشُّذُوذُ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلُ خَبَرِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وَخَبَرِ الْوُضُوءِ مِنْ حَمْلِ الْجِنَازَةِ وَخَبَرِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ وَنَحْوِهَا.
[الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ) أَيْ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الرَّدِّ لِلْحَدِيثِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ قَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ إذَا ثَبَتَ وَصَحَّ سَنَدُهُ فَخِلَافُ الصَّحَابِيِّ إيَّاهُ وَتَرْكُهُ الْعَمَلَ وَالْمُحَاجَّةُ بِهِ لَا يُوجِبُ رَدَّهُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ حُجَّةٌ عَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ وَالصَّحَابِيُّ مَحْجُوجٌ بِهِ كَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وَرَدَا عَامَّيْنِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِبَعْضِ الْأُمَّةِ دُونَ الْبَعْضِ وَمَنْ رَدَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ هُمْ الْأُصُولُ فِي نَقْلِ الدِّينِ لَمْ يُتَّهَمُوا بِتَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَعَ أَنَّ عِنَايَتَهُمْ بِالْحُجَجِ كَانَتْ أَقْوَى مِنْ عِنَايَةِ غَيْرِهِمْ بِهَا فَتَرْكُ الْمُحَاجَاةِ وَالْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الِاخْتِلَافِ فِيهِمْ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ سَهْوٌ مِمَّنْ رَوَاهُ بَعْدَهُمْ أَوْ مَنْسُوخٌ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا إذَا بَلَغَهُمْ الْخَبَرُ ثُمَّ لَمْ يُحَاجُّوا بِهِ فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُحَاجُّوا بِهِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﵇ فَيَجُوزُ أَنَّ مَنْ سَمِعَ الْخَبَرَ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُ اخْتِلَافُهُمْ لِيَرْوِيَ لَهُمْ الْخَبَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ بِمِثْلِهِ لِحَدِيثٍ إذَا ثَبَتَتْ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الْمُنْقَطِعُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مِثْلُ حَدِيثِ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي اعْتِبَارِ عَدَدِ الطَّلَاقِ بِحَالِ الرَّجُلِ، وَهُوَ مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ
стр. 738
كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ» فَهَذَا انْقِطَاعٌ بَاطِنٌ مَعْنَوِيٌّ أَعْرَضَ عَنْهُ الْخَصْمُ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الِانْقِطَاعِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ.
ــ
[كشف الأسرار]
ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَزَيْدٌ وَعَائِشَةُ ﵃ إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الرَّجُلِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵄ إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمَرْأَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِمَنْ رُقَّ مِنْهُمَا حَتَّى لَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ إلَّا إذَا كَانَا حُرَّيْنِ، ثُمَّ إنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالرَّأْيِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ رَاوِيَهُ وَهُوَ زَيْدٌ فِيهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مَنْسُوخٍ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ الصَّبِيِّ أَيْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، فَذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ إلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ ﵃ إلَى الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ إلَى أَنَّ الْوَصِيَّ يَعُدُّ السِّنِينَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخْبِرُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ إنْ شَاءَ أَدَّى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُؤَدِّ وَلَمْ تَجُزْ الْمُحَاجَّةُ بَيْنَهُمْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَجَرَتْ الْمُحَاجَاةُ بِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ بِظُهُورِ الْخِلَافِ كَمَا تَجْرِي الْيَوْمَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلَعَ بِالنَّصِّ مِنَّا وَلَوْ احْتَجُّوا بِهِ لَاشْتُهِرَ أَكْثَرَ مِنْ شُهْرَةِ الْفَتْوَى وَلَرَجَعَ الْمَحْجُوجُ عَلَيْهِ إلَيْهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ انْقِيَادًا لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ مُزَيَّفٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَا يَرُدُّ الْحَدِيثَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ مَشَايِخِنَا أَجَابُوا عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي زُيِّفَتْ بِهِمَا بِأَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِأَحَادِيثَ أُخَرَ أَقْوَى مِنْهَا فِي الصِّحَّةِ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» وَرَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْخَبَرَ فِي صَحِيحِهِ وَفِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَفِي رِوَايَةٍ رَابِعَةٍ وَلَمْ يَجْهَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَحَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ مُعَارَضٌ بِمَا مَرَّ ذِكْرُهُ وَحَدِيثُ الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» مَعَ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَلَامُ زَيْدٍ وَلَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ إلَى النَّبِيِّ ﵇ وَأَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ إلَى الرِّجَالِ وَحَدِيثُ عَمْرٍو مَحْمُولٌ عَلَى النَّفَقَةِ بِمُعَارَضَةِ دَلَائِلَ ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِهَا؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ قَدْ تُسَمَّى صَدَقَةً قَالَ ﵇ «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ» وَفَسَّرَ الْإِنْفَاقَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] بِالتَّصَدُّقِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَضَافَ الْأَكْلَ إلَى جَمِيعِ الْمَالِ وَالزَّكَاةُ لَا يَأْكُلُ مَا دُونَ النِّصَابِ وَالنَّفَقَةُ تَأْتِي عَلَى الْكُلِّ وَلَفْظُ الزَّكَاةِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَحْمُولٌ عَلَى زَكَاةِ الرَّأْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀: إنَّ الْخَبَرَ يَصِيرُ مُزَيَّفًا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَيْ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ فَوْقَهُ كَنَقْدِ بَلَدٍ رَايِجٍ يَصِيرُ زَيْفًا فِي مُقَابَلَةِ نَقْدٍ فَوْقَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ وَيَصِيرُ مُزَيَّفًا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ
стр. 739
وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ فَأَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ خَبَرُ الْمَسْتُورِ وَخَبَرُ الْفَاسِقِ وَخَبَرُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُغَفَّلِ وَالْمُسَاهِلِ وَخَبَرُ صَاحِبِ الْهَوَى أَمَّا خَبَرُ الْمَسْتُورِ فَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ: إنَّهُ مِثْلُ الْفَاسِقِ فِيمَا يُخْبِرُ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ هُوَ مِثْلُ الْعَدْلِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِنَاءً عَلَى الْقَضَاءِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَالصَّحِيحُ مَا حَكَاهُ مُحَمَّدٌ أَنَّ الْمَسْتُورَ كَالْفَاسِقِ لَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً حَتَّى تَظْهَرَ عَدَالَتُهُ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ احْتِيَاطًا إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ.
وَأَمَّا خَبَرُ الْفَاسِقِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ إمَّا قَصْدًا أَوْ غَفْلَةً كَالزَّيْفِ مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ لِزِيَادَةِ غِشٍّ وَقَعَ فِيهِ فَهَذَا أَيْ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْ الِانْقِطَاعِ الْمَعْنَوِيِّ الْمُنْقَسِمِ عَلَى الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ انْقِطَاعٌ بَاطِنٌ مَعْنَوِيٌّ لِاتِّصَالِ الْخَبَرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صُورَةً بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ وَانْقِطَاعُهُ عَنْهُ مَعْنًى لِمَا ذَكَرْنَا أَعْرَضَ عَنْهُ الْخَصْمُ أَيْ الشَّافِعِيُّ حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الِانْقِطَاعِ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الِانْقِطَاعِ أَيْ اعْتَبَرَ الِانْقِطَاعَ الظَّاهِرَ حَتَّى رَدَّ الْمَرَاسِيلَ لِانْقِطَاعِهَا صُورَةً وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً مَعْنًى كَمَا هُوَ دَأْبُهُ أَيْ عَادَتُهُ فِي بِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّوَاهِرِ.
[الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ]
[خَبَرُ الْمَسْتُورِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ يَعْنِي مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ لِقُصُورٍ وَنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ فَأَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: خَبَرُ الْمَسْتُورِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ عَدَالَتُهُ وَلَا فِسْقُهُ.
وَثَانِيهَا: خَبَرُ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الَّذِي صَدَرَتْ عَنْهُ كَبِيرَةٌ أَوْ وَاظَبَ عَلَى صَغِيرَةٍ عَلَى مَا قِيلَ.
وَثَالِثُهَا: خَبَرُ الْمَعْتُوهِ، وَهُوَ النَّاقِصُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ عَلَى مَا يُعْرَفُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْمُغَفَّلُ عَلَى لَفْظِ اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ التَّغْفِيلِ، وَهُوَ الَّذِي لَا فِطْنَةَ لَهُ وَقِيلَ الْغَفْلَةُ لِلْعَقْلِ كَالنَّوْمِ لِلْعَيْنِ وَالْمُسَاهِلُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَأْخُذُ فِي الْأُمُورِ بِالْحَزْمِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْجَمِيعُ قِسْمًا لِاسْتِوَاءِ أَحْكَامِهِ.
وَالرَّابِعُ: خَبَرُ صَاحِبِ الْهَوَى، وَهُوَ الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ الْمُعَانِدُ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْحَقِّ لِدُعَاءِ هَوَاهُ إلَى خِلَافِ الْحَقِّ، وَأَمَّا خَبَرُ الْمَسْتُورِ فَقَدْ قَالَ أَيْ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ إنَّهُ مِثْلُ الْفَاسِقِ فِيمَا يُخْبِرُ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فَقَالَ، وَإِذَا حَضَرَ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً إلَّا فِي إنَاءٍ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ قَذَرٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ مَرَضِيٌّ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَسْتُورًا لَحِقَ الْمَسْتُورُ بِالْفَاسِقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْمَسْتُورُ فِي هَذَا الْخَبَرِ كَالْعَدْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِينَ إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ ظَاهِرًا بِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» .
وَكَذَا نَقَلَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَهَذَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ تَعْدِيلٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَتَعْدِيلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَوْلَى مِنْ تَعْدِيلِ الْمُزَكِّي وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ وَمَا كَانَ شَرْطًا لَا يَكْتَفِي بِوُجُودِهِ ظَاهِرًا كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ مَضَى الْيَوْمُ فَقَالَ الْعَبْدُ: لَمْ أَدْخُلْ، وَقَالَ الْمَوْلَى: دَخَلْت؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ شَرْطٌ فَلَا يَكْفِي ثُبُوتُهُ ظَاهِرًا لِيَزُولَ الْعِتْقُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَهَذَا أَيْ كَوْنُ الْمَسْتُورِ كَالْفَاسِقِ ثَابِتٌ بِلَا خِلَافٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ أَمْرَ الدِّينِ أَهَمُّ فَلَا يَكُونُ رِوَايَةُ الْمَسْتُورِ حُجَّةً بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي إخْبَارِهِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا غَيْرُ إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ أَيْ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ لِكَوْنِ الْعَدَالَةِ أَصْلًا فِيهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ بَيْنَهُمْ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمَسْتُورَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلِ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ لِثُبُوتِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ فِي أَهْلِ الزَّمَانِ غَالِبٌ فَلَا يَعْتَمِدُ رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَدَالَتُهُ
стр. 740
فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الدِّينِ أَصْلًا لِرُجْحَانِ كَذِبِهِ عَلَى صِدْقِهِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْفَاسِقِ إذَا أَخْبَرَ بِحِلٍّ أَوْ حُرْمَةٍ أَنَّ السَّامِعَ يُحَكِّمُ رَأْيَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ خَاصٌّ لَا يَسْتَقِيمُ طَلَبُهُ وَتَلَقِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ فَوَجَبَ التَّحَرِّي فِي خَبَرِهِ فَأَمَّا هُنَا فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمَصِيرِ إلَى رِوَايَتِهِ وَفِي الْعُدُولِ كَثْرَةٌ وَبِهِمْ غُنْيَةً إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِي حِلِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ لَازِمَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ فَلَمْ يُجْعَلْ الْفِسْقُ هَدَرًا بِخِلَافِ خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْهَدَايَا وَجْهٌ وَالْوَكَالَاتُ وَنَحْوُهَا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ ثَمَّةَ لَازِمَةٌ وَفِيهِ آخَرُ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ مَحَلِّ الْخَبَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ
ــ
[كشف الأسرار]
كَمَا لَا يُعْتَمَدُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَدَالَتُهُ وَهَذَا لِحَدِيثِ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تُحَدِّثُوا عَمَّنْ لَا تَعْمَلُونَ بِشَهَادَتِهِ» وَلِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعْتَمَدَ فِيهِ دَلِيلٌ مُلْزِمٌ، وَهُوَ الْعَدَالَةُ الَّتِي تَظْهَرُ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ أَحْوَالِ الرَّاوِي وَلَا اعْتِبَارَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَإِنْ بَيَّنَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ» الِاكْتِفَاءُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇ يَفْشُو الْكَذِبُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا رِوَايَةُ الْعَبْدِ؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مَعَ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ قَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَتْ لَهُ شَهَادَةٌ ثُمَّ لَا تُقْبَلُ كَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ لَا شَهَادَةَ لَهُ أَصْلًا فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ.
[خَبَرُ الْفَاسِقِ]
قَوْلُهُ (فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الدِّينِ أَصْلًا) زَعَمَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْفَاسِقِ يَجِبُ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِ السَّامِعِ أَنَّهُ صَادِقٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ اسْتِدْلَالًا بِمَا إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ طَهَارَتِهِ أَوْ بِحِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا فَرَدَّ الشَّيْخُ ذَلِكَ، وَقَالَ خَبَرُهُ فِي الدِّينِ أَيْ نَقْلُهُ لِلْحَدِيثِ غَيْرُ مَقْبُولٍ أَصْلًا سَوَاءٌ وَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً بِتَرَجُّحِ الصِّدْقِ فِيهِ وَبِالْفِسْقِ يَزُولُ تَرَجُّحُهُ بَلْ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْكَذِبِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْهُ الْعَقْلُ وَالدِّينُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورِ الدِّينِ لَا يَمْنَعَانِهِ عَنْ الْكَذِبِ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً بِخِلَافِ أَخْبَارِهِ عَنْ حُرْمَةِ طَعَامٍ أَوْ حِلِّهِ أَوْ نَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَهَارَتِهِ حَيْثُ يُقْبَلُ إذَا تَأَيَّدَ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْحُرْمَةُ وَالْحِلُّ وَالنَّجَاسَةُ وَالطَّهَارَةُ أَمْرٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ فَتُقْبَلُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ التَّحَرِّي أَيْ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ لِلضَّرُورَةِ.
فَأَمَّا هَاهُنَا أَيْ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمَصِيرِ إلَى قَبُولِ رِوَايَتِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْعُدُولِ الَّذِينَ تَلْقَوْا نَقْلَ الْأَخْبَارِ كَثْرَةَ تَمَكُّنِ الْوُقُوفِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُمْ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَ بَيَانِ مَسْأَلَةِ إخْبَارِ الْفَاسِقِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ ثُمَّ بَيَّنَ أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ أَنَّهُ يُحَكَّمُ رَأْيُهُ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِيمَا بُنِيَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَالْيَقِينِ، وَإِنْ أَرَاقَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ كَانَ أَحْوَطَ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ.
(فَإِنْ قِيلَ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ احْتِيَاطًا لِمَعْنَى التَّعَارُضِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ كَمَا فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّوَضُّؤِ وَالتَّيَمُّمِ احْتِيَاطًا لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ قُلْنَا حُكْمُ التَّوَقُّفِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّيَمُّمِ هَاهُنَا عَمَلٌ بِخَبَرِهِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ بِخِلَافِ النَّصِّ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّوَقُّفُ فِي خَبَرِهِ بَقِيَ أَصْلُ الطَّهَارَةِ لِلْمَاءِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ضَمِّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ حِينَ وَرَدَ مَاءَ حِيَاضٍ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ عَمْرٌو لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ أَخْبِرْنَا عَنْ السِّبَاعِ أَتَرِدُ مَاءَكُمْ هَذَا فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لَا تُخْبِرْنَا عَنْ شَيْءٍ فَلَوْلَا أَنَّ خَبَرَهُ عُدَّ خَيْرًا مَا نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالسُّؤَالِ قَصَدَ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ، وَقَدْ كَرِهَهُ عُمَرُ ﵄ لِوُجُودِ دَلِيلِ الطَّهَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا بَقِيَ هَذَا الدَّلِيلُ لَا حَاجَةَ إلَى احْتِيَاطٍ آخَرَ، ثُمَّ فَرَّقَ الشَّيْخُ بَيْنَ قَبُولِ خَبَرِهِ فِي حُرْمَةِ الطَّعَامِ وَنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَبَيْنَ
следующие страницы →