← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَمِثْلُ حَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. ــ [كشف الأسرار] فَإِنَّهُمْ عَمِلُوا بِهِ فِيمَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى رَوَى لَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَانْتَهَيْنَا» وَمِثْلُ رُجُوعِهِمْ إلَى خَبَرِ عَائِشَةَ ﵂ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَبِأَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ فِي هَذَا الْبَابِ يُفِيدُ ظَنَّ الصِّدْقِ فَيَجِبُ قَبُولُهُ كَمَا إذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ الْبَلْوَى، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِيَاسَ يُقْبَلُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَأَنْ يُقْبَلَ فِيهِ الْخَبَرُ كَانَ أَوْلَى، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ بِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي اسْتِفَاضَةَ نَقْلِ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَمَسِّ الذَّكَرِ لَوْ كَانَ مِمَّا يُنْتَقَضُ بِهِ الطَّهَارَةُ لَأَشَاعَهُ النَّبِيُّ ﵇ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْآحَادِ بَلْ يُلْقِيهِ إلَى عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّوَاتُرُ أَوْ الشُّهْرَةُ مُبَالَغَةً فِي إشَاعَتِهِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ كَثِيرٍ مِنْ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ، وَلِهَذَا تَوَاتَرَ نَقْلُ الْقُرْآنِ وَاشْتَهَرَ أَخْبَارُ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهَا وَلَمَّا لَمْ يَشْتَهِرْ عَلِمْنَا أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ مَنْسُوخٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمَّا قَبِلُوهُ اشْتَهَرَ فِيهِمْ فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا فِي الْمُتَقَدِّمِينَ لَاشْتَهَرَ أَيْضًا وَلَمَا تَفَرَّدَ الْوَاحِدُ بِنَقْلِهِ مَعَ حَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَلِهَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ إذَا لَمْ تَكُنْ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الصَّبِيِّ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ إنْفَاقِ مَالٍ عَظِيمٍ عَلَى الْيَتِيمِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِنَقْلِ قَتْلِ مَلِكٍ فِي السُّوقِ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِي الْعَادَةِ يَبْعُدُ أَنْ لَا يَسْتَفِيضَ مِثْلُهُ، فَكَذَا هَذَا يُوَضِّحُهُ أَنَّا لَمْ نَقْبَلْ قَوْلَ الرَّافِضَةِ فِي دَعْوَاهُمْ النَّصَّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْإِمَامَةِ مِمَّا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لِحَاجَةِ الْجَمِيعِ إلَيْهِ فَلَوْ كَانَ النَّصُّ ثَابِتًا لَنُقِلَ نَقْلًا مُسْتَفِيضًا وَحِينَ لَمْ يُنْقَلْ دَلَّ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ. وَلَكِنَّ الْمُخَالِفِينَ يَقُولُونَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عُمُومِ الْبَلْوَى اشْتِهَارُ حُكْمِهَا؛ فَإِنَّ حُكْمَ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَتَثْنِيَتِهَا وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَتَرْكِهَا وَالْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَإِخْفَائِهَا وَعَامَّةِ تَفَاصِيلِ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْتَهِرْ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ عَامَّةٌ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ الرَّسُولَ ﷺ بِإِشَاعَةِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بَلْ كَلَّفَهُ بِإِشَاعَةِ الْبَعْضِ وَجَوَّزَ لَهُ رَدَّ الْخَلْقِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْبَعْضِ كَمَا جَوَّزَ لَهُ رَدَّهُمْ إلَى الْقِيَاسِ فِي قَاعِدَةِ الرِّبَا مَعَ أَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: لَا تَبِيعُوا الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ أَوْ الْمَكِيلَ بِالْمَكِيلِ حَتَّى يُسْتَغْنَى عَنْ الِاسْتِنْبَاطِ عَنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ جُمْلَةِ مَا يَقْتَضِي مَصْلَحَةُ الْخَلْقِ أَنْ يَرِدُوا فِيهِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ صِدْقُ الرَّاوِي مُمْكِنًا فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا عَمَّ بِهِ الْبَلْوَى اشْتِهَارُ حُكْمِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ وَلَكِنَّهُ قَدْ لَا يَشْتَهِرُ أَيْضًا إمَّا لِتَرْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقَلَةِ الرِّوَايَةَ اعْتِمَادًا عَلَى غَيْرِهِ أَوْ لِعَارِضٍ آخَرَ مِنْ مَوْتِ عَامَّتِهِمْ فِي حَرْبٍ أَوْ وَبَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ ﵀ لَمَّا جَمَعَ الصَّحِيحَ سَمِعَهُ مِنْهُ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَلَمْ يَثِقْ عِنْدَ الرِّوَايَةِ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفَرَبْرِيُّ لَكِنَّ الْعَوَارِضَ لَا تُعْتَبَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَقَوْلُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَا لَا يَقْدَحُ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّا لَمْ نَدَّعِ الِاشْتِهَارَ عِنْدَ عُمُومِ الْبَلْوَى قَطْعًا بَلْ ادَّعَيْنَاهُ ظَاهِرًا، وَكَذَا الصَّحَابَةُ إنَّمَا عَمِلُوا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ

стр. 737

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ فَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ هُمْ الْأُصُولُ فِي نَقْلِ الشَّرِيعَةِ فَإِعْرَاضُهُمْ يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِهِ وَانْتِسَاخِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ كَانَ ذَلِكَ زِيَافَةً؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ النَّصِّ غَيْرُ سَائِغٍ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ الصَّبِيِّ وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى قَوْلِهِ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا ــ [كشف الأسرار] فِي تِلْكَ الْحَوَادِثِ لِقَرَائِنَ اخْتَصَّتْ بِهِ أَوْ لِصَيْرُورَتِهِ مَشْهُورًا عِنْدَ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ الصِّدْقِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ شُهْرَتِهِ يُعَارِضُ ظَنَّ الصِّدْقِ فَلَا يَحْصُلُ الظَّنُّ مَعَ الْمُعَارِضِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَذَلِكَ أَيْ شُذُوذُ الْحَدِيثِ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ مِثْلُ حَدِيثِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَرَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَلَمَّا شَذَّ مَعَ اشْتِهَارِ الْحَادِثَةِ وَمَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَحَادِيثَ أَقْوَى مِنْهُ فِي الصِّحَّةِ دَالَّةٍ عَلَى خِلَافِهِ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَمِثْلُ حَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ الَّذِي رَوَتْهُ بُسْرَةُ؛ فَإِنَّهُ شَاذٌّ لِانْفِرَادِهَا بِرِوَايَتِهِ مَعَ عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى زِيَافَتِهِ إذْ الْقَوْلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ خَصَّهَا بِتَعْلِيمِ هَذَا الْحُكْمِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ سَائِرُ الصَّحَابَةِ مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ شِبْهُ الْمُحَالِ، كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀. وَلَا يُقَالُ: قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَسَالِمٌ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَغَيْرُهُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ شَاذًّا مَعَ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الْكِبَارِ؟ ، لِأَنَّا نَقُولُ: تِلْكَ الرِّوَايَاتُ مُضْطَرِبَةُ الْأَسَانِيدِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِضَعْفِ رِجَالِهَا وَلِمُعَارَضَتِهَا أَيْضًا بِرِوَايَاتٍ صَحِيحَةٍ تُخَالِفُهَا عَلَى مَا بَيَّنَهَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الْآثَارِ فَلَا يَنْتَفِي الشُّذُوذُ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلُ خَبَرِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وَخَبَرِ الْوُضُوءِ مِنْ حَمْلِ الْجِنَازَةِ وَخَبَرِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ وَنَحْوِهَا. [الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلِفُوا فِي حَادِثَةٍ بِآرَائِهِمْ وَلَمْ يُحَاجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ) أَيْ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الرَّدِّ لِلْحَدِيثِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ قَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ إذَا ثَبَتَ وَصَحَّ سَنَدُهُ فَخِلَافُ الصَّحَابِيِّ إيَّاهُ وَتَرْكُهُ الْعَمَلَ وَالْمُحَاجَّةُ بِهِ لَا يُوجِبُ رَدَّهُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ حُجَّةٌ عَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ وَالصَّحَابِيُّ مَحْجُوجٌ بِهِ كَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وَرَدَا عَامَّيْنِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِبَعْضِ الْأُمَّةِ دُونَ الْبَعْضِ وَمَنْ رَدَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ هُمْ الْأُصُولُ فِي نَقْلِ الدِّينِ لَمْ يُتَّهَمُوا بِتَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَعَ أَنَّ عِنَايَتَهُمْ بِالْحُجَجِ كَانَتْ أَقْوَى مِنْ عِنَايَةِ غَيْرِهِمْ بِهَا فَتَرْكُ الْمُحَاجَاةِ وَالْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الِاخْتِلَافِ فِيهِمْ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ سَهْوٌ مِمَّنْ رَوَاهُ بَعْدَهُمْ أَوْ مَنْسُوخٌ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا إذَا بَلَغَهُمْ الْخَبَرُ ثُمَّ لَمْ يُحَاجُّوا بِهِ فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُحَاجُّوا بِهِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ إيَّاهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﵇ فَيَجُوزُ أَنَّ مَنْ سَمِعَ الْخَبَرَ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُ اخْتِلَافُهُمْ لِيَرْوِيَ لَهُمْ الْخَبَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ بِمِثْلِهِ لِحَدِيثٍ إذَا ثَبَتَتْ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الْمُنْقَطِعُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مِثْلُ حَدِيثِ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي اعْتِبَارِ عَدَدِ الطَّلَاقِ بِحَالِ الرَّجُلِ، وَهُوَ مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ

стр. 738

كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ» فَهَذَا انْقِطَاعٌ بَاطِنٌ مَعْنَوِيٌّ أَعْرَضَ عَنْهُ الْخَصْمُ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الِانْقِطَاعِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ. ــ [كشف الأسرار] ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَزَيْدٌ وَعَائِشَةُ ﵃ إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الرَّجُلِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵄ إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْمَرْأَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِمَنْ رُقَّ مِنْهُمَا حَتَّى لَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ إلَّا إذَا كَانَا حُرَّيْنِ، ثُمَّ إنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالرَّأْيِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ رَاوِيَهُ وَهُوَ زَيْدٌ فِيهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مَنْسُوخٍ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ الصَّبِيِّ أَيْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، فَذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ إلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ ﵃ إلَى الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ إلَى أَنَّ الْوَصِيَّ يَعُدُّ السِّنِينَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُخْبِرُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ إنْ شَاءَ أَدَّى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُؤَدِّ وَلَمْ تَجُزْ الْمُحَاجَّةُ بَيْنَهُمْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَجَرَتْ الْمُحَاجَاةُ بِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ بِظُهُورِ الْخِلَافِ كَمَا تَجْرِي الْيَوْمَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلَعَ بِالنَّصِّ مِنَّا وَلَوْ احْتَجُّوا بِهِ لَاشْتُهِرَ أَكْثَرَ مِنْ شُهْرَةِ الْفَتْوَى وَلَرَجَعَ الْمَحْجُوجُ عَلَيْهِ إلَيْهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ انْقِيَادًا لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ مُزَيَّفٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَا يَرُدُّ الْحَدِيثَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ مَشَايِخِنَا أَجَابُوا عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي زُيِّفَتْ بِهِمَا بِأَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِأَحَادِيثَ أُخَرَ أَقْوَى مِنْهَا فِي الصِّحَّةِ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» وَرَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْخَبَرَ فِي صَحِيحِهِ وَفِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَفِي رِوَايَةٍ رَابِعَةٍ وَلَمْ يَجْهَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَحَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ مُعَارَضٌ بِمَا مَرَّ ذِكْرُهُ وَحَدِيثُ الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» مَعَ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَلَامُ زَيْدٍ وَلَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ إلَى النَّبِيِّ ﵇ وَأَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ إلَى الرِّجَالِ وَحَدِيثُ عَمْرٍو مَحْمُولٌ عَلَى النَّفَقَةِ بِمُعَارَضَةِ دَلَائِلَ ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِهَا؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ قَدْ تُسَمَّى صَدَقَةً قَالَ ﵇ «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ» وَفَسَّرَ الْإِنْفَاقَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] بِالتَّصَدُّقِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَضَافَ الْأَكْلَ إلَى جَمِيعِ الْمَالِ وَالزَّكَاةُ لَا يَأْكُلُ مَا دُونَ النِّصَابِ وَالنَّفَقَةُ تَأْتِي عَلَى الْكُلِّ وَلَفْظُ الزَّكَاةِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَحْمُولٌ عَلَى زَكَاةِ الرَّأْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀: إنَّ الْخَبَرَ يَصِيرُ مُزَيَّفًا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَيْ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ فَوْقَهُ كَنَقْدِ بَلَدٍ رَايِجٍ يَصِيرُ زَيْفًا فِي مُقَابَلَةِ نَقْدٍ فَوْقَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ وَيَصِيرُ مُزَيَّفًا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ

стр. 739

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ فَأَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ خَبَرُ الْمَسْتُورِ وَخَبَرُ الْفَاسِقِ وَخَبَرُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُغَفَّلِ وَالْمُسَاهِلِ وَخَبَرُ صَاحِبِ الْهَوَى أَمَّا خَبَرُ الْمَسْتُورِ فَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ: إنَّهُ مِثْلُ الْفَاسِقِ فِيمَا يُخْبِرُ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ هُوَ مِثْلُ الْعَدْلِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِنَاءً عَلَى الْقَضَاءِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَالصَّحِيحُ مَا حَكَاهُ مُحَمَّدٌ أَنَّ الْمَسْتُورَ كَالْفَاسِقِ لَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً حَتَّى تَظْهَرَ عَدَالَتُهُ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ احْتِيَاطًا إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ. وَأَمَّا خَبَرُ الْفَاسِقِ ــ [كشف الأسرار] لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ إمَّا قَصْدًا أَوْ غَفْلَةً كَالزَّيْفِ مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ لِزِيَادَةِ غِشٍّ وَقَعَ فِيهِ فَهَذَا أَيْ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْ الِانْقِطَاعِ الْمَعْنَوِيِّ الْمُنْقَسِمِ عَلَى الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ انْقِطَاعٌ بَاطِنٌ مَعْنَوِيٌّ لِاتِّصَالِ الْخَبَرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صُورَةً بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ وَانْقِطَاعُهُ عَنْهُ مَعْنًى لِمَا ذَكَرْنَا أَعْرَضَ عَنْهُ الْخَصْمُ أَيْ الشَّافِعِيُّ حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الِانْقِطَاعِ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الِانْقِطَاعِ أَيْ اعْتَبَرَ الِانْقِطَاعَ الظَّاهِرَ حَتَّى رَدَّ الْمَرَاسِيلَ لِانْقِطَاعِهَا صُورَةً وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً مَعْنًى كَمَا هُوَ دَأْبُهُ أَيْ عَادَتُهُ فِي بِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّوَاهِرِ. [الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ] [خَبَرُ الْمَسْتُورِ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ يَعْنِي مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ لِقُصُورٍ وَنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ فَأَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: خَبَرُ الْمَسْتُورِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ عَدَالَتُهُ وَلَا فِسْقُهُ. وَثَانِيهَا: خَبَرُ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الَّذِي صَدَرَتْ عَنْهُ كَبِيرَةٌ أَوْ وَاظَبَ عَلَى صَغِيرَةٍ عَلَى مَا قِيلَ. وَثَالِثُهَا: خَبَرُ الْمَعْتُوهِ، وَهُوَ النَّاقِصُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ عَلَى مَا يُعْرَفُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْمُغَفَّلُ عَلَى لَفْظِ اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ التَّغْفِيلِ، وَهُوَ الَّذِي لَا فِطْنَةَ لَهُ وَقِيلَ الْغَفْلَةُ لِلْعَقْلِ كَالنَّوْمِ لِلْعَيْنِ وَالْمُسَاهِلُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَأْخُذُ فِي الْأُمُورِ بِالْحَزْمِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْجَمِيعُ قِسْمًا لِاسْتِوَاءِ أَحْكَامِهِ. وَالرَّابِعُ: خَبَرُ صَاحِبِ الْهَوَى، وَهُوَ الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ الْمُعَانِدُ بَعْدَ تَبَيُّنِ الْحَقِّ لِدُعَاءِ هَوَاهُ إلَى خِلَافِ الْحَقِّ، وَأَمَّا خَبَرُ الْمَسْتُورِ فَقَدْ قَالَ أَيْ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ إنَّهُ مِثْلُ الْفَاسِقِ فِيمَا يُخْبِرُ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فَقَالَ، وَإِذَا حَضَرَ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً إلَّا فِي إنَاءٍ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ قَذَرٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ مَرَضِيٌّ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَسْتُورًا لَحِقَ الْمَسْتُورُ بِالْفَاسِقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْمَسْتُورُ فِي هَذَا الْخَبَرِ كَالْعَدْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِينَ إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْخَصْمُ لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ ظَاهِرًا بِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» . وَكَذَا نَقَلَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَهَذَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ تَعْدِيلٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَتَعْدِيلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَوْلَى مِنْ تَعْدِيلِ الْمُزَكِّي وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ وَمَا كَانَ شَرْطًا لَا يَكْتَفِي بِوُجُودِهِ ظَاهِرًا كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ مَضَى الْيَوْمُ فَقَالَ الْعَبْدُ: لَمْ أَدْخُلْ، وَقَالَ الْمَوْلَى: دَخَلْت؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ شَرْطٌ فَلَا يَكْفِي ثُبُوتُهُ ظَاهِرًا لِيَزُولَ الْعِتْقُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَهَذَا أَيْ كَوْنُ الْمَسْتُورِ كَالْفَاسِقِ ثَابِتٌ بِلَا خِلَافٍ فِي بَابِ الْحَدِيثِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ أَمْرَ الدِّينِ أَهَمُّ فَلَا يَكُونُ رِوَايَةُ الْمَسْتُورِ حُجَّةً بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي إخْبَارِهِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا غَيْرُ إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ أَيْ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ لِكَوْنِ الْعَدَالَةِ أَصْلًا فِيهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ بَيْنَهُمْ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمَسْتُورَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلِ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ لِثُبُوتِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ فِي أَهْلِ الزَّمَانِ غَالِبٌ فَلَا يَعْتَمِدُ رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَدَالَتُهُ

стр. 740

فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الدِّينِ أَصْلًا لِرُجْحَانِ كَذِبِهِ عَلَى صِدْقِهِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْفَاسِقِ إذَا أَخْبَرَ بِحِلٍّ أَوْ حُرْمَةٍ أَنَّ السَّامِعَ يُحَكِّمُ رَأْيَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ خَاصٌّ لَا يَسْتَقِيمُ طَلَبُهُ وَتَلَقِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ فَوَجَبَ التَّحَرِّي فِي خَبَرِهِ فَأَمَّا هُنَا فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمَصِيرِ إلَى رِوَايَتِهِ وَفِي الْعُدُولِ كَثْرَةٌ وَبِهِمْ غُنْيَةً إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِي حِلِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ لَازِمَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ فَلَمْ يُجْعَلْ الْفِسْقُ هَدَرًا بِخِلَافِ خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْهَدَايَا وَجْهٌ وَالْوَكَالَاتُ وَنَحْوُهَا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ ثَمَّةَ لَازِمَةٌ وَفِيهِ آخَرُ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ مَحَلِّ الْخَبَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ ــ [كشف الأسرار] كَمَا لَا يُعْتَمَدُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَدَالَتُهُ وَهَذَا لِحَدِيثِ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تُحَدِّثُوا عَمَّنْ لَا تَعْمَلُونَ بِشَهَادَتِهِ» وَلِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعْتَمَدَ فِيهِ دَلِيلٌ مُلْزِمٌ، وَهُوَ الْعَدَالَةُ الَّتِي تَظْهَرُ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ أَحْوَالِ الرَّاوِي وَلَا اعْتِبَارَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَإِنْ بَيَّنَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ» الِاكْتِفَاءُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇ يَفْشُو الْكَذِبُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا رِوَايَةُ الْعَبْدِ؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مَعَ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ قَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَتْ لَهُ شَهَادَةٌ ثُمَّ لَا تُقْبَلُ كَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ لَا شَهَادَةَ لَهُ أَصْلًا فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ. [خَبَرُ الْفَاسِقِ] قَوْلُهُ (فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الدِّينِ أَصْلًا) زَعَمَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْفَاسِقِ يَجِبُ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِ السَّامِعِ أَنَّهُ صَادِقٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ اسْتِدْلَالًا بِمَا إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ طَهَارَتِهِ أَوْ بِحِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا فَرَدَّ الشَّيْخُ ذَلِكَ، وَقَالَ خَبَرُهُ فِي الدِّينِ أَيْ نَقْلُهُ لِلْحَدِيثِ غَيْرُ مَقْبُولٍ أَصْلًا سَوَاءٌ وَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً بِتَرَجُّحِ الصِّدْقِ فِيهِ وَبِالْفِسْقِ يَزُولُ تَرَجُّحُهُ بَلْ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْكَذِبِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْهُ الْعَقْلُ وَالدِّينُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورِ الدِّينِ لَا يَمْنَعَانِهِ عَنْ الْكَذِبِ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً بِخِلَافِ أَخْبَارِهِ عَنْ حُرْمَةِ طَعَامٍ أَوْ حِلِّهِ أَوْ نَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَهَارَتِهِ حَيْثُ يُقْبَلُ إذَا تَأَيَّدَ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ الْحُرْمَةُ وَالْحِلُّ وَالنَّجَاسَةُ وَالطَّهَارَةُ أَمْرٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ فَتُقْبَلُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ التَّحَرِّي أَيْ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ لِلضَّرُورَةِ. فَأَمَّا هَاهُنَا أَيْ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمَصِيرِ إلَى قَبُولِ رِوَايَتِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْعُدُولِ الَّذِينَ تَلْقَوْا نَقْلَ الْأَخْبَارِ كَثْرَةَ تَمَكُّنِ الْوُقُوفِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُمْ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَ بَيَانِ مَسْأَلَةِ إخْبَارِ الْفَاسِقِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ ثُمَّ بَيَّنَ أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ أَنَّهُ يُحَكَّمُ رَأْيُهُ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِيمَا بُنِيَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَالْيَقِينِ، وَإِنْ أَرَاقَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ كَانَ أَحْوَطَ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ. (فَإِنْ قِيلَ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ احْتِيَاطًا لِمَعْنَى التَّعَارُضِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ كَمَا فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّوَضُّؤِ وَالتَّيَمُّمِ احْتِيَاطًا لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ قُلْنَا حُكْمُ التَّوَقُّفِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّيَمُّمِ هَاهُنَا عَمَلٌ بِخَبَرِهِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ بِخِلَافِ النَّصِّ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّوَقُّفُ فِي خَبَرِهِ بَقِيَ أَصْلُ الطَّهَارَةِ لِلْمَاءِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ضَمِّ التَّيَمُّمِ إلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ حِينَ وَرَدَ مَاءَ حِيَاضٍ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ عَمْرٌو لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ أَخْبِرْنَا عَنْ السِّبَاعِ أَتَرِدُ مَاءَكُمْ هَذَا فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لَا تُخْبِرْنَا عَنْ شَيْءٍ فَلَوْلَا أَنَّ خَبَرَهُ عُدَّ خَيْرًا مَا نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالسُّؤَالِ قَصَدَ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ، وَقَدْ كَرِهَهُ عُمَرُ ﵄ لِوُجُودِ دَلِيلِ الطَّهَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا بَقِيَ هَذَا الدَّلِيلُ لَا حَاجَةَ إلَى احْتِيَاطٍ آخَرَ، ثُمَّ فَرَّقَ الشَّيْخُ بَيْنَ قَبُولِ خَبَرِهِ فِي حُرْمَةِ الطَّعَامِ وَنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَبَيْنَ

стр. 741

فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُمَا مِثْلُ الْعَدْلِ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا مِثْلُ الْكَافِرِ لَا يَقُومُ حُجَّةٌ بِخَبَرِهِمَا وَلَا يُفَوَّضُ أَمْرُ الدِّينِ إلَيْهِمَا لِمَا قُلْنَا: إنَّ خَبَرَهُمَا لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ فَرْعٌ لِلْوِلَايَةِ الْقَائِمَةِ وَلَيْسَ لَهُمَا وِلَايَةٌ مُلْزِمَةٌ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا وَإِنَّمَا هِيَ مُجَوَّزَةٌ فَكَيْفَ يَثْبُتُ مُتَعَدِّيَةً مُلْزِمَةً وَإِنَّمَا. قُلْنَا: إنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ مُلْزِمَةٌ؛ لِأَنَّ مَا يُخْبِرُ عَنْهُ الصَّبِيُّ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَيَصِيرُ غَيْرُهُ مَقْصُودًا بِخَبَرِهِ فَيَصِيرُ مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْكَافِرِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا وَالْمَعْتُوهُ مِثْلُ الصَّبِيِّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَبْسُوطِ ــ [كشف الأسرار] قَبُولِهِ فِي الْهَدَايَا وَالْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَنْفَكُّ عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ حَيْثُ يَجِبُ التَّحَرِّي فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَلَا يَجِبُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بَلْ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْكِيمِ الرَّأْيِ فَقَالَ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ أَيْ لَكِنَّ الضَّرُورَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ إلَى آخِرِهِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ، وَهُوَ أَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَلَالٌ فِي الْأَصْلِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ حِلِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ دُونَ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ لَكِنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَمَّا اتَّفَقَتَا فِي الْحُكْمِ قَالَ الْمَاءُ طَاهِرٌ فِي الْأَصْلِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْحِلُّ أَيْضًا فَلَمْ يُجْعَلْ الْفِسْقُ هَدَرًا أَيْ بَاطِلًا سَاقِطًا بَلْ وَجَبَ ضَمُّ التَّحَرِّي إلَيْهِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْهَدَايَا وَالْوَكَالَاتِ بِأَنْ قَالَ إنَّ فُلَانًا أَهْدَى إلَيْك هَذَا الشَّيْءَ أَوْ قَالَ إنَّ فُلَانًا وَكَّلَك بِبَيْعِ هَذَا الشَّيْءِ أَوْ وَكَّلَنِي بِهِ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ حَيْثُ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ ضَمِّ التَّحَرِّي إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ ثَمَّهْ بِسُكُونِ الْهَاءِ لَازِمَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَبْعَثُ هَدِيَّةً لَا يَجِدُ عَدْلًا يَبْعَثُهَا عَلَى يَدَيْهِ وَكَذَا فِي الْوَكَالَةِ وَلَيْسَ فِيهَا أَصْلٌ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ فَجُعِلَ الْفِسْقُ هَدَرًا وَجَوَّزَ قَبُولَ قَوْلِهِ مُطْلَقًا كَخَبَرِ الْعَدْلِ. وَفِيهِ أَيْ فِي الْفَرْقِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يُجْعَلْ خَبَرُ الْفَاسِقِ فِيهِمَا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ يَنْفَكُّ عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَجَازَ الِاعْتِمَادُ فِيهَا عَلَى خَبَرِهِ مُطْلَقًا. [خَبَر الْكَافِرِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ] قَوْلُهُ (قَالَ بَعْضُهُمْ) كَذَا إنَّمَا نَشَأَ الْخِلَافُ مِنْ تَعَدُّدِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ فَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ، وَإِذَا حَضَرَ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً إلَّا فِي إنَاءٍ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ قَذَرٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ مَرَضِيٌّ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَسْتُورًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مُرَادُهُ بِهَذَا الْعَطْفِ أَنَّ الصَّبِيَّ كَالْبَالِغِ إذَا كَانَ مَرَضِيًّا فَجَعَلَهُ عَطْفًا عَلَى الْعَدْلِ لَا عَلَى الْكَافِرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ إذَا عَقَلَا مَا يَقُولَانِ وَلَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الْكَافِرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَعْقِلَا مَا يَقُولَانِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُمَا أَيْضًا، وَهَذَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ لَمَّا سَقَطَ فِي هَذَا الْبَابِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْبُلُوغِ كَمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ قَبِلُوا خَبَرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى اسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ حِينَئِذٍ صَغِيرًا؛ فَإِنَّهُ عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ أَوْ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَدَّهُ لِصِغَرِهِ وَتَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ كَانَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مُرَادُهُ الْعَطْفُ عَلَى الْفَاسِقِ حَتَّى وَجَبَ ضَمُّ التَّحَرِّي إلَى خَبَرِهِ كَمَا فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُرَادَهُ الْعَطْفُ عَلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ فَلَا يُجْعَلُ عَطْفًا عَلَى الْأَبْعَدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِمَا قُلْنَا يَعْنِي فِي أَوَّلِ بَابِ تَفْسِيرِ الشُّرُوطِ أَنَّ خَبَرَهُمَا لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا بِحَالٍ يَعْنِي سَوَاءٌ انْضَمَّ إلَيْهِ التَّحَرِّي أَوْلَمَ يَنْضَمَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ فَرْعٌ لِلْوِلَايَةِ الْقَائِمَةِ أَيْ ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ فَرْعٌ لِثُبُوتِهَا عَلَى نَفْسِهِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْوِلَايَاتِ وِلَايَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ قُدْرَةٌ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ فِي نَفْسِهِ

стр. 742

أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةَ تَحَمَّلُوا فِي صِغَرِهِمْ وَنَقَلُوا فِي كِبَرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْكَافِرِ يُخْبِرُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ: إنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِخَبَرِهِ وَيَتَوَضَّأُ بِهِ فَإِنْ تَيَمَّمَ وَأَرَاقَ الْمَاءَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَفِي الْفَاسِقِ جُعِلَ الِاحْتِيَاطُ أَصْلًا ــ [كشف الأسرار] لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهَا لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَيْ لِلصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ وِلَايَةٌ مُلْزِمَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا هِيَ مُجَوَّزَةٌ يَعْنِي تَصَرُّفَهُمَا جَائِزُ الثُّبُوتِ حَتَّى لَوْ انْضَمَّ إلَيْهِ رَأْيُ الْوَلِيِّ يَصِيرُ مُلْزِمًا وَلَوْ كَانَ مُلْزِمًا ابْتِدَاءً لَمْ يَحْتَجْ إلَى انْضِمَامِ رَأْيِهِ إلَيْهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ يَعْنِي لَوْ قَبِلْنَا خَبَرَهُمَا صَارَتْ وِلَايَتُهُمَا مُتَعَدِّيَةً إلَى الْغَيْرِ مُلْزِمَةً عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْكَافِرِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ مُوجَبُ مَا أَخْبَرَ بِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِالشَّرَائِعِ كَانَ خَبَرُهُ مُلْزِمًا عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِلْزَامِ، فَكَذَا الصَّبِيُّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا أَيْ فِي آخِرِ بَابِ تَفْسِيرِ الشُّرُوطِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ إلَى آخِرِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ بَالِغٌ مُخَاطَبٌ مُسَاوٍ لِلْحُرِّ فِي أُمُورِ الدِّينِ فَلَا يَكُونُ الْغَيْرُ مَقْصُودًا بِخَبَرِهِ بَلْ يَلْزَمُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى الْغَيْرِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَبِالرِّقِّ إنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَهْلِيَّةِ الِالْتِزَامِ وَمَا فِيهِ الْتِزَامٌ يُسَاوِي الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا وَقَوْلُهُ، أَلَا تَرَى مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَا يَقُومُ الْحُجَّةُ بِخَبَرِهِمَا أَوَبِقَوْلِهِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ مُتَعَدِّيَةً مُلْزِمَةً، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَيْ بَعْضَهُمْ تَحَمَّلُوا الْأَخْبَارَ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ فِي صِغَرِهِمْ وَنَقَلُوهَا فِي كِبَرِهِمْ دُونَ صِغَرِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ رِوَايَةُ الصِّغَارِ حُجَّةً لَنَقَلُوهَا فِي صِغَرِهِمْ كَمَا نَقَلُوهَا فِي كِبَرِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَهْلِ قُبَاءَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي أَتَاهُمْ أَنَسٌ ﵁ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا جَاءَا جَمِيعًا وَأَنَّهُمْ اعْتَمَدُوا عَلَى رِوَايَةِ الْبَالِغِ، وَهُوَ أَنَسٌ دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ أَوْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ بَالِغًا يَوْمَئِذٍ؛ فَإِنَّهُ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ رَدَّهُ فِي الْقِتَالِ لِضَعْفِ بِنْيَتِهِ يَوْمَئِذٍ لَا لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀. قَوْلُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) إلَى آخِرِهِ فَرَّقَ مُحَمَّدٌ ﵀ بَيْنَ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الِاحْتِيَاطِ فَأَوْجَبَ الِاحْتِيَاطَ، وَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَلَمْ يُوجِبْهُ فِي خَبَرِ الْكَافِرِ فَقَالَ فِي الْكَافِرِ إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا يَعْمَلُ الْمَخْبَرُ عَنْهُ بِخَبَرِهِ وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ بَلْ يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَلَكِنْ إنْ أَرَاقَ الْمَاءَ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ بَعْدُ كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ تَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةٍ وَصَلَّى لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَالْفَاسِقُ إذْ أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُرِيقَ الْمَاءَ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَ وَلَمْ يُرِقْ الْمَاءَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَا يَجُوزُ صَلَاتُهُ فَأَوْجَبَ الِاحْتِرَازَ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ حَيْثُ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةٍ وَلَمْ يُجَوِّزْ التَّوَضُّؤَ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ جَعَلَ الِاحْتِيَاطَ أَصْلًا أَيْ بَنَى الْحُكْمَ، وَهُوَ الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَلَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزْ التَّيَمُّمَ بِدُونِ الْإِرَاقَةِ وَجَوَّزَ التَّوَضُّؤَ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَ الِاحْتِيَاطَ أَيْ التَّحَرِّيَ أَصْلًا فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ؛ فَإِنَّ التَّحَرِّيَ هُوَ الِاحْتِيَاطُ حَيْثُ قَالَ يُحَكِّمُ السَّامِعُ رَأْيَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ خَبَرَهُ حُجَّةً وَلَا هَدَرًا بَلْ جَعَلَ التَّحَرِّيَ فِيهِ أَصْلًا وَلَمْ يَجْعَلْ الِاحْتِيَاطَ أَيْ التَّحَرِّيَ أَصْلًا فِي خَبَرِ الْكَافِرِ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلْ بِخَبَرِهِ أَصْلًا وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى هَذِهِ التَّقَاسِيمِ مَسَائِلُ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ﵀ قَالَ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَلَا يَجِبُ الْإِرَاقَةُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِ وَاجِبٌ وَفِي خَبَرِ الْفَاسِقِ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لَكِنَّ الْإِرَاقَةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ بَعْدَ التَّثَبُّتِ لَكِنْ مَعَ شُبْهَةٍ فَلِقِيَامِ شُبْهَةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ أَيْ وُجُوبِ الْعَمَلِ أَمَرْنَاهُ بِالْإِرَاقَةِ وَلِوُجُودِ أَصْلِ الْوُجُوبِ أَوْجَبْنَا التَّيَمُّمَ، وَفِي خَبَرِ الْكَافِرِ لَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ لَكِنْ أَحَبُّ إلَيَّ

стр. 743

وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الصَّبِيِّ فِيهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ رِوَايَةِ الْكَافِرِ دُونَ الْفَاسِقِ الْمُسْلِمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَاسِقَ شَاهِدٌ عِنْدَنَا بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرُ غَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى الْمُسْلِمِ أَصْلًا فَصَارَ الصَّبِيُّ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ الْبَالِغُ فِي أُمُورِ الدِّينِ سَوَاءً وَالْفَاسِقُ فَوْقَهُمَا حَتَّى أَنَّا نَقُولُ فِي خَبَرِهِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ يَتَيَمَّمُ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةِ الْمَاءِ فَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فَهُوَ أَحْوَطُ لِلتَّيَمُّمِ، وَأَمَّا فِي خَبَرِ الْكَافِرِ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُهُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَمْ يَتَيَمَّمْ فَإِنْ أَرَاقَ ثُمَّ تَيَمَّمَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَلِي هَذَا الْعَطْفَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ الْكَافِرُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ خَاصَّةً، وَأَمَّا الْمُغَفَّلُ الشَّدِيدُ الْغَفْلَةِ، وَهُوَ مِثْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ فَأَمَّا تُهْمَةُ الْغَفْلَةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَخْلُو عَامَّةُ الْبَشَرِ عَنْ ضَرْبِ غَفْلَةٍ إذَا كَانَ عَامَّةُ حَالِهِ التَّيَقُّظَ، وَأَمَّا الْمُسَاهِلُ؛ فَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ الْمُجَازِفَ الَّذِي لَا يُبَالِي مِنْ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ وَالتَّزْوِيرِ وَهَذَا مِثْلُ الْمُغَفَّلِ إذَا اعْتَادَ ذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ الْعَادَةُ لَلَزِمَ مِنْ الْخِلْقَةِ. ــ [كشف الأسرار] أَنْ يُرِيقَ الْمَاءَ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا عَدَالَةَ لَهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْعَمَلِ ثَابِتَةٌ بِشَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ذُو وِلَايَةٍ عَلَى جِنْسِهِ وَفِي خَبَرِ الصَّبِيِّ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ بِخَبَرِهِ شُبْهَةُ وُجُوبِ الْعَمَلِ. قَوْلُهُ (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ) أَيْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَأْنُ الْكَافِرِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ كَشَأْنِهِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ أَيْ مِنْ الْأَخْذِ بِهِ يَعْنِي لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِي الدِّينِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً كَمَا لَمْ يُقْبَلْ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ إلَّا أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَوْ كَانَ فِي الْعَمَلِ بِهِ يُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ بِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ كَمَا اسْتَحَبَّ الْإِرَاقَةَ ثُمَّ التَّيَمُّمَ هُنَاكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ ثَابِتًا بَيْنَ خَبَرِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُ خَبَرِهِمَا حُجَّةً كَثُبُوتِهِ فِي إخْبَارِهِمَا عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ فَإِذَا رَوَى الْكَافِرُ حَدِيثًا لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْأَخْذِ بِهِ يَكُونُ الِاسْتِحْبَابُ فِي الْعَمَلِ بِهِ فَوْقَ الِاسْتِحْبَابِ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْكَافِرِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَدُلُّ سِيَاقُ الْكَلَامِ، فَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فَهُوَ أَحْوَطُ لِلتَّيَمُّمِ، أَيْ الْإِرَاقَةُ ثُمَّ التَّيَمُّمُ أَحْوَطُ مِنْ التَّيَمُّمِ بِلَا إرَاقَةٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَاءِ طَاهِرًا وَكَوْنِ الْمُخْبِرِ كَاذِبًا فَيَكُونُ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِرَاقَةِ لِيَصِيرَ عَادِمًا لِلْمَاءِ فَيَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِيَقِينٍ، فَإِنْ أَرَاقَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ فَهُوَ أَفْضَلُ أَيْ الْإِرَاقَةُ ثُمَّ التَّيَمُّمُ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَضُّؤِ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا إذْ الْكُفْرُ لَا يُنَافِي الصِّدْقَ فَلَا يَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ وَيَتَنَجَّسُ الْأَعْضَاءُ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي إرَاقَتِهِ ثُمَّ التَّيَمُّمُ بَعْدَهُ لِيَحْصُلَ الطَّهَارَةُ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ النَّجَاسَةِ بِيَقِينٍ. وَقَوْلُهُ إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ لِلتَّوَضُّؤِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِهِ صِدْقُ الْكَافِرِ فِي إخْبَارِهِ يَتَوَضَّأُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَلَكِنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِهِ تَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ خَبَرِهِ وَخَبَرِ الْفَاسِقِ إذْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقَعْ الصِّدْقُ فِي قَلْبِ السَّامِعِ فَالْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ) أَيْ وَكَالْكَافِرِ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ لِمَا ذُكِرَ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ أَيْ يَكُونُ الصَّبِيُّ أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَالْكَافِرِ أَيْضًا حَتَّى لَا يُقْبَلَ خَبَرُهُ لِمَا مَرَّ. وَقَوْلُهُ فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ خَاصَّةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي رَدِّ خَبَرِ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ كَمَا أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي رَدِّ خَبَرِ الْكَافِرِ لِتَحَقُّقِ التُّهْمَةِ فِي خَبَرِ هَؤُلَاءِ فَسَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْكَافِرِ فِي هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْقَوْلِ بِهِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْأَحْكَامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِيهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ كَالْكَافِرِ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً خُصُوصًا فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي خَبَرِ الْكَافِرِ مُسْتَحَبٌّ مَعَ كُفْرِهِ وَاتِّهَامُهُ بِعَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ الْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي خَبَرِ الصَّبِيِّ الْمُسْلِمِ أَوْلَى بِالِاسْتِحْبَابِ أَوْ خُصُوصًا فِي حُكْمِ الِاحْتِيَاطِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي خَبَرِ الْكَافِرِ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَتَدَيُّنِهِ بِحُرْمَةِ الْكَذِبِ فَكَانَ الِاسْتِحْبَابُ وَانْتِفَاءُ الْوُجُوبِ فِي خَبَرِ الصَّبِيِّ أَوْلَى لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَعَدَمِ احْتِرَازِهِ عَنْ الْكَذِبِ لَا مِنْهُ مِنْ الْعِقَابِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَا هَاهُنَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ عَنْ السَّلَفِ فِي نَقْلِ هَؤُلَاءِ الْحَدِيثَ

стр. 744

وَأَمَّا صَاحِبُ الْهَوَى؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا ﵏ عَمِلُوا بِشَهَادَتِهِمْ ــ [كشف الأسرار] وَأَمَّا الْمُغَفَّلُ الشَّدِيدُ الْغَفْلَةِ أَيْ قَوِيُّهَا وَذَلِكَ بِأَنْ غَلَبَ طَبْعَهُ الْغَفْلَةُ وَالنِّسْيَانُ فِي عَامَّةِ الْأَحْوَالِ فَمِثْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ فِي أَنَّ خَبَرَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا كَخَبَرِهِمَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى السَّهْوِ وَالْغَلَطِ يَتَرَجَّحُ فِي الرِّوَايَةِ بِاعْتِبَارِ غَلَبَةِ الْغَفْلَةِ كَمَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ الْفِسْقِ، وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ خَبَرُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُرْوَى إلَّا عَنْ تَيَقُّظٍ وَضَبْطٍ وَلَا يَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْ غَفْلَةٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ أَنَّ مَنْ لَا يَضْبِطُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ ضَبَطَ وَمَنْ سَهَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَا سَهَا فَيَرْوِي عَلَى حَسَبِ ظَنِّهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَنْ يُسَاوِي ذِكْرُهُ وَغَفْلَتُهُ إلَّا عِنْدَ قَاضِي الْقُضَاةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ خَبَرُهُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَبَرِ الصِّحَّةُ وَكَوْنُهُ حُجَّةً إلَّا بِعَارِضٍ فَإِذَا لَمْ يَتَرَجَّحْ غَفْلَةُ الرَّاوِي عَلَى تَيَقُّظِهِ وَذِكْرِهِ بَقِيَ حُجَّةً كَمَا كَانَ وَلَمْ يُتْرَكْ بِالِاحْتِمَالِ كَمَا إذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ. وَنَحْنُ نَقُولُ الْخَبَرُ لَا يَصِيرُ حُجَّةً إلَّا إذَا تَكَامَلَتْ شَرَائِطُهُ وَذَلِكَ عِنْدَ تَرَجُّحِ ذِكْرِ الرَّاوِي عَلَى غَفْلَتِهِ فَقَبْلَ تَرَجُّحِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ؛ فَإِنَّ سَبْقَ الطَّهَارَةِ يُرَجِّحُهَا حَتَّى لَوْ انْفَرَدَ الشَّكُّ عَنْ سَبْقِ الطَّهَارَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا فَأَمَّا تُهْمَةُ الْغَفْلَةِ أَيْ وَهْمُهَا بِأَنْ يُوهِمَ السَّامِعَ أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى عَنْ غَفْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْفُلُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ فَيُرَدُّ خَبَرُهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ التَّيَقُّظُ وَجَوْدَةُ الضَّبْطِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا غَفْلَةَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فَيُقْبَلُ خَبَرُهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ سَهَا فِيهِ وَالْمُسَاهِلُ الْمُجَازِفُ الَّذِي لَا يُبَالِي مِنْ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَلَا يَشْتَغِلُ فِيهِ بِالتَّدَارُكِ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ، وَقِيلَ الْمُسَاهِلُ هُوَ الَّذِي لَا يَصْرِفُ اهْتِمَامَهُ إلَى أُمُورِ الدِّينِ وَلَا يَحْتَاطُ فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ، وَالتَّزْوِيرُ تَزْيِينُ الْكَذِبِ وَزَوَّرْت الشَّيْءَ حَسَّنْته وَقَوَّمْته كَذَا فِي الصِّحَاحِ. [خَبَر صَاحِبُ الْهَوَى] قَوْلُهُ (فَأَمَّا صَاحِبُ الْهَوَى) الْهَوَى مَيَلَانُ النَّفْسِ إلَى مَا تَسْتَلِذُّ بِهِ مِنْ الشَّهَوَاتِ مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا أُبِيحَ فِي الشَّرْعِ مِنْ الشَّهَوَاتِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهَوَى مِمَّا يُذَمُّ عَلَيْهِ الشَّخْصُ وَيُهَانُ بِهِ وَنَفْسُ الِالْتِذَاذِ بِالشَّهَوَاتِ قَدْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مَعَ بَرَاءَتِهِمْ عَنْ الْهَوَى وَعِصْمَتِهِمْ عَنْهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مِمَّنْ اتَّبَعَ الْهَوَى مَنْ يَجِبُ إكْفَارُهُ كَغُلَاةِ الْمُجَسِّمَةِ وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمْ وَيُسَمَّى الْكَافِرُ الْمُتَأَوِّلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَجِبُ إكْفَارُهُ وَيُسَمَّى الْفَاسِقُ الْمُتَأَوِّلُ. وَاخْتُلِفَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّ شَهَادَةَ مَنْ كَفَرَ فِي هَوَاهُ مَقْبُولَةٌ وَكَذَا رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَكَانَ مُتَحَرِّجًا مُعَظِّمًا لِلدِّينِ غَيْرَ عَالِمٍ بِكُفْرِهِ يَحْصُلُ ظَنُّ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ فَيُقْبَلُ كَخَبَرِ الْمُسْلِمِ الْعَدْلِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى رَدِّهِمَا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ وَلَا لِلرِّوَايَةِ لِمَا بَيَّنَّا وَكَوْنُهُ مُتَأَوِّلًا مُمْتَنِعًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ غَيْرَ عَالِمٍ بِكُفْرِهِ لَا نَجْعَلُهُ أَهْلًا لَهُمَا؛ فَإِنَّ كُلَّ كَافِرٍ مُتَأَوِّلٌ إذْ الْيَهُودُ لَا يَعْلَمُونَ بِكُفْرِهِمْ وَتَوَرُّعُهُ عَنْ الْكَذِبِ كَتَوَرُّعِ النَّصْرَانِيِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بَلْ هَذَا الْمَنْصِبُ لَا يُسْتَفَادُ إلَّا بِالْإِسْلَامِ كَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى، وَاخْتُلِفَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَيْضًا فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ إلَى رَدِّ شَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ فِي الْعَمَلِ مَانِعٌ مِنْ الْقَبُولِ فَالْفِسْقُ فِي الِاعْتِقَادِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى. أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ جَاهِلٌ بِفِسْقِهِ لَكِنْ جَهْلُهُ بِفِسْقِهِ فِسْقٌ آخَرُ انْضَمَّ إلَى فِسْقٍ فَكَانَ أَوْلَى

стр. 745

إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْهَوَى وَقَعَ فِيهِ لِتَعَمُّقِهِ وَذَلِكَ يَصُدُّهُ عَنْ الْكَذِبِ فَلَمْ يَصْلُحْ شُبْهَةً وَتُهْمَةً إلَّا مَنْ يَتَدَيَّنُ بِتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ يَنْتَحِلُ بِنِحْلَتِهِ فَيُتَّهَمُ بِالْبَاطِلِ وَالزُّورِ مِثْلُ الْخَطَّابِيَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ بِالْإِلْهَامِ: إنَّهُ حُجَّةٌ يَجِبُ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَأَمَّا فِي بَابِ السُّنَنِ؛ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا أَنْ لَا يَقْبَلَ رِوَايَةَ مَنْ انْتَحَلَ الْهَوَى وَالْبِدْعَةَ وَدَعَا النَّاسَ إلَيْهِ عَلَى هَذَا أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُحَاجَّةَ وَالدَّعْوَةَ إلَى الْهَوَى سَبَبٌ دَاعٍ إلَى التَّقَوُّلِ فَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْعُو إلَى التَّزْوِيرِ فِي ذَلِكَ فَلَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ فَإِذَا صَحَّ هَذَا كَانَ صَاحِبُ الْهَوَى بِمَنْزِلَةِ الْفَاسِقِ فِي بَابِ السُّنَنِ وَالْأَحَادِيثِ. ــ [كشف الأسرار] بِالْمَنْعِ وَلَمْ يَكُنْ عُذْرًا كَجَهْلِهِ بِكُفْرِهِ وَبِرِقِّهَا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ قَبُولَ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ إنَّمَا لَا يُقْبَلُ لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا تَعَاطَى مَحْظُورَ دِينِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرْمَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جُرْأَتِهِ عَلَى الْكَذِبِ فَيُقْدَحُ فِي الظَّنِّ بِصِدْقِهِ فَأَمَّا الْفِسْقُ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ فِيهِ لِغُلُوِّهِ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْ الْمَحْظُورِ حَيْثُ قَالَ بِكُفْرِ مَنْ ارْتَكَبَ الذَّنْبَ أَوْ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ فَهَذَا الِاعْتِقَادُ يَحْمِلُ عَلَى التَّحَرُّزِ عَنْ الْكَذِبِ أَشَدَّ الِاحْتِرَازِ لَا عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ فَكَانَ هَذَا الْفِسْقُ نَظِيرَ تَنَاوُلِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أَوْ شُرْبِ الْمُثَلَّثِ عَلَى اعْتِقَادِ الْإِبَاحَةِ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الرَّوَافِضِ نُسِبُوا إلَى أَبِي الْخَطَّابِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْأَجْدَعِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي إذَا حَلَفَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مُحِقٌّ وَيَقُولُونَ: الْمُسْلِمُ لَا يَحْلِفُ كَاذِبًا فَاعْتِقَادُهُ هَذَا تَمَكَّنَ تُهْمَةَ الْكَذِبِ فِي شَهَادَتِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَذَكَرَ فِي التَّهْذِيبِ لِمُحْيِي السُّنَّةِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ؛ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ الْكَذِبَ كُفْرًا فَرُبَّمَا يَسْمَعُ مِمَّنْ يُوَافِقُهُ فِي الِاعْتِقَادِ أَنَّ لِي عَلَى فُلَانٍ كَذَا فَيَشْهَدُ عَلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ لِمَا يَرَى أَنَّهُ لَا يُخْبِرُ الْكَذِبَ إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَقَرَّ فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِكَذَا أَوْ رَأَيْت فُلَانًا أَقْرَضَ فُلَانًا أَوْ قَتَلَ فُلَانًا فَيُقْبَلُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا مَنْ تَدَيَّنَ بِتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي أَيْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَنْتَحِلُ بِنَحْلَتِهِ أَوْ يَنْتَسِبُ إلَى مِلَّتِهِ يُقَالُ: فُلَانٌ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ كَذَا أَيْ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ وَيَتَدَيَّنُ بِهِ وَالنَّحْلَةُ الْمِلَّةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَعْنِي فَلَمْ يَصْلُحْ تَعَمُّقُهُ شُبْهَةً وَتُهْمَةً فَيَكُونُ صَاحِبُ الْهَوَى مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ إلَّا الَّذِي تَدَيَّنَ بِكَذَا، وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَنْ تَدَيَّنَ بِتَصْدِيقِ الْمُدَّعِي مَنْ قَالَ بِالْإِلْهَامِ أَيْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِلْهَامَ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْعِلْمِ لَا يُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ ذَلِكَ تَمَكَّنَ تُهْمَةَ الْكَذِبِ فَرُبَّمَا أَقْدَمَ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَالْإِلْهَامُ مَا حَرَّكَ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَدْعُوكَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِدَلِيلٍ وَلَا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ. قَوْلُهُ (فَأَمَّا فِي بَابِ السُّنَنِ) إلَى آخِرِهِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمُ الشَّهَادَةِ فَأَمَّا رِوَايَةُ هَذَا الْقِسْمِ، وَهُوَ الْفَاسِقُ الْمُتَأَوِّلُ فَمَقْبُولَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُمْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ انْتِفَاءِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ؛ فَإِنَّ مَنْ احْتَرَزَ عَنْ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِ الرَّسُولِ كَانَ أَشَدَّ تَحَرُّزًا مِنْ الْكَذِبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ جِنَايَةً فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ تُقْبَلُ إذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيًا لِلنَّاسِ إلَى هَوَاهُ وَلَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ حَيْثُ يُقْبَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ الْحَافِظَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيَّ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ذَكَرَ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ الْإِكْلِيلِ أَنَّ رِوَايَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ إذَا كَانُوا فِيهَا صَادِقِينَ فَقَدْ حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِيِّ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الصِّدْقُ فِي رِوَايَتِهِ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَقَدْ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ بِمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ وَجَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ الرَّحَبِيِّ، وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُمَا النَّصْبُ وَاتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِأَبِي مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدِ بْنِ خَازِمٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى

стр. 746

وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ (بَابُ بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ) وَهُوَ الَّذِي جُعِلَ الْخَبَرُ فِيهِ حُجَّةً وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مَا يَخْلُصُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ شَرَائِعِهِ مِمَّا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ وَالثَّانِي مَا هُوَ عُقُوبَةٌ مِنْ حُقُوقِهِ وَالثَّالِثُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ مَا فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ، وَالرَّابِعُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ مَا لَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ، وَالْخَامِسُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ مَا فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ عَامَّةِ شَرَائِعِ الْعِبَادَاتِ وَمَا شَاكَلَهَا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهَا حُجَّةٌ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ شَرَائِطِهِ ــ [كشف الأسرار] وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُمَا الْغُلُوُّ فَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يُوجَدُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إلَى هَوَاهُ، وَلَا مِنْ كَذَّابٍ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇. وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ أَيْضًا فِي الْمُعْتَمَدِ: الْفِسْقُ فِي الِاعْتِقَادِ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ مُتَحَرِّجًا فِي أَفْعَالِهِ عِنْدَ جُلِّ الْفُقَهَاءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الْحَدِيثِ لَا مَنْ تَقَدَّمَ قَبِلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ بَعْضٍ بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَقَبِلَ التَّابِعُونَ رِوَايَةَ الْفَرِيقَيْنِ، قَالَ. وَكَذَا الْكُفْرُ بِتَأْوِيلٍ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَكَانَ مُتَحَرِّجًا؛ لِأَنَّ الظَّنَّ بِصِدْقِهِ غَيْرُ زَائِلٍ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ قَبِلُوا رِوَايَةَ سَلَفِنَا كَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِمَذْهَبِهِمْ وَإِكْفَارِهِمْ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ، وَقَدْ نَصَبُوا عَلَى ذَلِكَ فَأَمَّا مَنْ يَظْهَرُ عَنْهُ الْعِنَادُ فِي مَذْهَبِهِ مَعَ ظُهُورِهِ عِنْدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ كَمَا لَا يُقْبَلُ حَدِيثُ الْفَاسِقِ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ. وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ أَيْضًا الْمُبْتَدِعَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَكْفُرُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَكْفُرُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ وَضْعَ الْأَحَادِيثِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ أَيْضًا لِتَوَهُّمِ الْكَذِبِ كَالْكَرَامِيَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ جَوَازَ وَضْعِ الْحَدِيثِ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ الْوَضْعَ وَكَانَ عَدْلًا يُقْبَلُ خَبَرُهُ لِرُجْحَانِ صِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي رِوَايَةِ الْمُبْتَدِعِ هُوَ التَّفْصِيلُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ بَيَانِ مَحَلِّ الْخَبَرِ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ) أَيْ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ أَقْسَامِ السُّنَّةِ (بَابُ مَحَلِّ الْخَبَرِ) أَيْ الْمَحَلُّ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فَبَابٌ بِالْفَاءِ لِلُزُومِهَا فِي جَوَابِ أَمَّا لَكِنَّ الْمَشَايِخَ قَدْ تَرَكُوهَا كَثِيرًا فِي كَلَامِهِمْ نَظَرًا مِنْهُمْ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ فَهْمُ الْمَعْنَى ثُمَّ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَمَّا لَمْ يُفِدْ الْيَقِينَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْيَقِينِ وَإِنَّمَا كَانَ حُجَّةً فِيمَا قُصِدَ فِيهِ الْعَمَلُ فَقَسَّمَ الشَّيْخُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. قَوْلُهُ (فَمِثْلُ عَامَّةِ شَرَائِعِ الْعِبَادَاتِ) أَيْ مِثْلُ الشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ لَا مِنْ أُصُولِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ ابْتِدَاءَ عِبَادَةٍ أَوْ بِنَاءً عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيهَا حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيمَا هُوَ ابْتِدَاءُ عِبَادَةٍ وَيُقْبَلُ فِيمَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ مَثَلًا فِي ابْتِدَاءِ نِصَابِ الْفِصْلَانِ وَالْعَجَاجِيلِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ وَابْتِدَاءُ عِبَادَةٍ وَيُقْبَلُ فِي النِّصَابِ الزَّائِدِ عَلَى خَمْسِ أَوَاقٍ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ وَبِنَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَ الْعِبَادَةِ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ وَقَوَاعِدِهِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ فَأَمَّا مَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ، وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِبَادَةِ الْمُبْتَدَأَةِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْعَمَلُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلْعَمَلِ كَمَا يَثْبُتُ مَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا بِهِ إذْ الدَّلَائِلُ الْمُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يُفْصَلُ بَيْنَ مَا هُوَ ابْتِدَاءُ عِبَادَةٍ وَبَيْنَ مَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا وَالصَّحَابَةُ ﵃ كَانُوا يَتَقَبَّلُونَ أَخْبَارَ الْآحَادِ فِي الْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَمَا شَاكَلَهَا أَيْ مِنْ الشَّرَائِعِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ كَالْوُضُوءِ أَوْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا تَابِعٌ كَالْعُشْرِ أَوْ لَيْسَ بِخَالِصٍ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ

стр. 747

وَأَمَّا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي؛ فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إثْبَاتُ الْعُقُوبَاتِ بِالْآحَادِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجَصَّاصِ وَاخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَصْلُحُ الْعَمَلُ بِهِ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ كَمَا فِي الْبَيِّنَاتِ فِي مَجَالِسِ الْحُكْمِ وَكَمَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ إثْبَاتَ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ لَا تَجُوزُ فَإِذَا تَمَكَّنَ فِي الدَّلِيلِ شُبْهَةٌ لَمْ يَجُزْ كَمَا لَمْ يَجُزْ بِالْقِيَاسِ فَأَمَّا الْبَيِّنَةُ؛ فَإِنَّمَا صَارَتْ حُجَّةً بِالنَّصِّ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ فِي اللِّوَاطَةِ بِالْقِيَاسِ وَلَا بِالْخَبَرِ الْغَرِيبِ مِنْ الْآحَادِ ــ [كشف الأسرار] فِيهَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ يَجِبُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فَيَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى مَا قُلْنَا أَيْ بِشَرْطِ رِعَايَةِ مَا قُلْنَا مِنْ شَرَائِطِهِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ آخَرَ. وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ الْعَدَدَ أَيْضًا فَقَالُوا: لَا تُقْبَلُ فِيهَا إلَّا رِوَايَةُ الْعَدْلَيْنِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ حَتَّى شَهِدَ لَهُ غَيْرُهُ» وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ فِي الْجَدَّةِ حَتَّى شَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَلَمْ يَعْمَلْ عُمَرُ بِخَبَرِ أَبِي مُوسَى ﵄ فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ عَلَى صَاحِبِهِ ثَلَاثَةً فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهُ فَلْيَنْصَرِفْ» حَتَّى رَوَى مَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ وَاعْتِبَارٌ بِالشَّهَادَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ تَقْتَضِي شَرْعًا عَامًّا وَالشَّهَادَةُ شَرْعًا خَاصًّا فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ فَلَأَنْ لَا يُقْبَلَ فِي حَقِّ كُلِّ الْأُمَّةِ كَانَ أَوْلَى. وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَدَدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُمْ قَدْ عَمِلُوا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَدَدٍ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ عَمِلَ بِخَبَرٍ رَوَاهُ بِلَالٌ ﵄ وَعَمِلَ عُمَرُ ﵁ بِخَبَرٍ رَوَاهُ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنِينِ وَبِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁ فِي الْمَجُوسِ وَعَمِلَ عَلِيٌّ ﵁ بِخَبَرِ الْمِقْدَادِ فِي الْمَذْيِ وَعَمِلُوا جَمِيعًا بِخَبَرِ عَائِشَةَ ﵂ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ رُجْحَانُ جَانِبِ الصِّدْقِ لَا انْتِفَاءُ تُهْمَةِ الْكَذِبِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ عِنْدَ انْعِدَامِ الْعَدَدِ وَوُجُودِ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ وَلَيْسَ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ تَأْثِيرٌ فِي انْتِفَاءِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ وَاشْتِرَاطُهُ فِي الشَّهَادَةِ بِالنَّصِّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الرِّوَايَةِ سَائِرُ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ وَالْبَصَرِ وَعَدَمِ الْقَرَابَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ أَيْضًا. وَأَمَّا عَدَمُ اعْتِبَارِ النَّبِيِّ ﵇ خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ فَلِقِيَامِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ كَانَتْ فِي مَحْفِلٍ عَظِيمٍ وَالْوَاجِبُ فِي مِثْلِهَا الِاشْتِهَارُ. وَكَذَا مَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلِقِيَامِ تُهْمَةٍ فِيهَا أَيْضًا مُخْتَصَّةٍ بِهَا فَطَلَبُوا الْعَدَدَ لِلِاحْتِيَاطِ لَا لِلِاشْتِرَاطِ كَمَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يُحَلِّفُ الرَّاوِيَ لِلتُّهْمَةِ ثُمَّ عَمِلَ بِخَبَرِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِدُونِ التَّحْلِيفِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ وَلَوْ كَانَ شَرْطٌ لَرُوعِيَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ كَمَا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ. قَوْلُهُ (فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) إلَى آخِرِهِ، ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ إثْبَاتَ الْحُدُودِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ جَائِزٌ، وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الْأَمَالِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. وَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِلَيْهِ مَالَ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْحُدُودَ شَرْعٌ عَمَلِيٌّ مِنْ الشَّرَائِعِ فَجَازَ إثْبَاتُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَسَائِرِ الشَّرَائِعِ وَتَحَقُّقُ الشُّبْهَةِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ قَبُولِهِ فِي هَذَا الْبَابِ كَتَحَقُّقِ الشُّبْهَةِ فِي الْبَيِّنَاتِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُفِيدُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا يَثْبُتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ فَإِنَّ الرَّجْمَ فِي حَقِّ غَيْرِ مَاعِزٍ ثَابِتٌ بِالدَّلَالَةِ مَعَ أَنَّ الدَّلَالَةَ دُونَ الصَّرِيحِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ بِالنَّظْمِ وَلِبَقَاءِ الِاحْتِمَالِ فِيهَا حَتَّى تَرَجَّحَ الصَّرِيحُ عَلَيْهَا فَعَرَفْنَا أَنَّ مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى الْإِسْقَاطِ بِالشُّبُهَاتِ بِالنَّصِّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهِ

стр. 748

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَقِيَامِ الْأَهْلِيَّةِ بِالْوِلَايَةِ مَعَ سَائِرِ شَرَائِطِ الْأَخْبَارِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَحْضِ الْإِلْزَامِ وَتَوْكِيدًا لَهَا ــ [كشف الأسرار] شُبْهَةٌ بِالِاتِّفَاقِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ فَأَمَّا إثْبَاتُهَا بِالْبَيِّنَاتِ فَجُوِّزَ بِالنَّصِّ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَكَانَ ثُبُوتُهَا مُضَافًا إلَى النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَيَجُوزُ وَمَنْ رَجَّحَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَ خَبَرُ الْوَاحِدِ صَارَ حُجَّةً بِدَلَائِلَ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ أَيْضًا مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَسَائِرِ الدَّلَائِلِ الَّتِي مَرَّ تَقْرِيرُهَا فَكَانَ مِثْلُ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ فَيَثْبُتُ بِهِ الْحُدُودُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا تَمَسَّكُوا فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِخَبَرٍ مُرْسَلٍ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَقَادَ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِمَنْ وَفَّى ذِمَّتَهُ» . وَثَبَتَ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ بِأَثَرِ عُمَرَ ﵁، وَهُوَ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَمَّا ثَبَتَ الْقِصَاصُ بِهِ يَثْبُتُ الْحُدُودُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ ثَابِتٌ بِدَلَائِلَ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ أَيْضًا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا أَنَّهَا لَا يَثْبُتُ بِهِ قُلْنَا: عَدَمُ الثُّبُوتِ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ إنَّمَا تَجِبُ مُقَدَّرَةً مُكَيَّفَةً بِحَسَبِ كُلِّ جِنَايَةٍ وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَامْتَنَعَ إثْبَاتُهَا بِهِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَإِنَّهُ كَلَامُ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَإِلَيْهِ إثْبَاتُ كُلِّ حُكْمٍ فَيَجِبُ قَبُولُهُ ثُمَّ اسْتَوْضَحَ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ فِي اللِّوَاطَةِ بِالْقِيَاسِ يَعْنِي عَلَى الزِّنَا بِجَامِعِ أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَضَاءَ الشَّهْوَةِ بِسَفْحِ الْمَاءِ فِي مَحَلٍّ مُشْتَهًى مُحَرَّمٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا بِالْخَبَرِ الْغَرِيبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» وَقَوْلُهُ ﵇ «اُرْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ» وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُعْمَلْ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ تَرَكُوا الِاحْتِجَاجَ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي حُكْمِ اللِّوَاطَةِ فَدَلَّ عَلَى زِيَافَتِهِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ) وَهُوَ الَّذِي فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَالْعَدَدُ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِثْلُ الْبَكَارَةِ وَالْوِلَادَةِ وَالْعُيُوبِ الَّتِي بِالنِّسَاءِ فِي مَوَاضِعَ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ؛ فَإِنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيهَا مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَدَدٍ وَإِنْ اُشْتُرِطَ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَقِيَامُ الْأَهْلِيَّةِ بِالْوِلَايَةِ يَعْنِي يَكُونُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ لِيَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ مَعَ سَائِرِ شَرَائِطِ الْأَخْبَارِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، لِمَا فِيهَا أَيْ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ مِنْ مَحْضِ الْإِلْزَامِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَقِيَامُ الْأَهْلِيَّةِ بِالْوِلَايَةِ وَدَلِيلٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ وَتَوْكِيدًا لَهَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْ وَلِتَوْكِيدِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَدِ وَبَيَانُهُ أَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْزَامَاتِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الْمُثْبِتُ لِهَذِهِ الْحُقُوقِ مُلْزِمًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِلْزَامَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ إذْ الْوِلَايَةُ تَنْفُذُ الْقَوْلَ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ الْغَيْرُ أَوْ أَبَى وَالْإِلْزَامُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ لِيَصْلُحَ خَبَرُهُ لِلْإِلْزَامِ وَذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ فَلِهَذَا شَرَطْنَا الْأَهْلِيَّةَ بِالْوِلَايَةِ وَلَمَّا حَصَلَ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فِي الْخَبَرِ بَعْدَ وُجُودِ شَرَائِطِهِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ الْعَدَدُ وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ فِيهِ كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ إنَّمَا شُرِعَ اللَّفْظُ وَالْعَدَدُ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ

стр. 749

لِمَا يَخَافُ فِيهَا مِنْ وُجُوهِ التَّزْوِيرِ وَالتَّلْبِيسِ صِيَانَةً لِلْحُقُوقِ الْمَعْصُومَةِ وَذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ الْفِطْرِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَيَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ بِشَرْطِ التَّمْيِيزِ دُونَ الْعَدَالَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَالرِّسَالَاتِ فِي الْهَدَايَا وَالْإِذْنِ فِي التِّجَارَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَقُبِلَ فِيهَا خَبَرُ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْفَاسِقِ إذَا أَخْبَرَ رَجُلًا أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَك بِكَذَا ــ [كشف الأسرار] فَإِنَّ الْمَصِيرَ إلَى التَّزْوِيرِ وَالِاشْتِغَالَ بِالْحِيَلِ مِنْ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ ظَاهِرٌ فَشَرَطَ الشَّرْعُ الْعَدَدَ وَلَفْظَ الشَّهَادَةِ تَوْكِيدًا لِلْخَبَرِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ وَتَقْلِيلًا لِلْحِيَلِ وَهُمَا قَدْ يَصْلُحَانِ لِلتَّوْكِيدِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ شَرْطٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إذَا عَلِمْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ. وَلَفْظَةُ الشَّهَادَةِ فِي إفَادَةِ الْعِلْمِ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّاهِدَةِ الَّتِي هِيَ الْمُعَايَنَةُ وَهِيَ أَبْلَغُ أَسْبَابِ الْعِلْمِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّ هَذَا الْخَبَرُ بِهِ تَوْكِيدًا، وَكَذَا فِي زِيَادَةِ الْعَدَدِ أَيْضًا مَعْنَى التَّوْكِيدِ؛ لِأَنَّ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ إلَى قَوْلِ الْمُثَنَّى أَظْهَرُ وَإِنْ لَمْ يَنْتِفْ احْتِمَالُ الْكَذِبِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَمِيلُ إلَى الْوَاحِدِ عَادَةً وَقَلَّمَا يَتَّفِقُ الِاثْنَانِ عَلَى الْمَيْلِ إلَى الْوَاحِدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ وَاللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِعَتْ حُجَّةً لِفَصْلِ مُنَازَعَةٍ ثَابِتَةٍ كَانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِخَبَرَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ مِنْ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ فَلَمْ يَقَعْ الْفَصْلُ لِجِنْسِهِ خَبَرًا بَلْ بِنَوْعِ خَبَرٍ ظَهَرَتْ مَزِيَّتُهُ فِي التَّوْكِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ يَمِينٍ أَوْ شَهَادَةٍ ثُمَّ ضَرْبُ احْتِيَاطٍ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ فِي زِيَادَةِ الصِّدْقِ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا احْتَاجَ إلَى إثْبَاتِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ وَإِبْطَالِ الْآخَرِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ احْتَاجَ إلَى زِيَادَةِ تَأْكِيدٍ فِيهِ فَشَرَطَ الشَّرْعُ الْعَدَدَ تَأْكِيدًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، أَوْ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ وَهُوَ أَنَّ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَخَاصِمَيْنِ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ فَإِذَا أَتَى الْمُدَّعِي بِشَاهِدٍ فَقَدْ تَقَوَّى صِدْقُهُ وَلَكِنَّ صِدْقَ الْمُنْكِرِ قَدْ تَقَوَّى أَيْضًا بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ لَهُ، وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَاسْتَوَيَا فِي الصِّدْقِ فَاحْتِيجَ إلَى التَّرْجِيحِ بِشَاهِدٍ آخَرَ، بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا ظُهُورُ الصِّدْقِ فَإِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ يَلْزَمُ السَّامِعَ الِانْقِيَادُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ يَصِيرُ مُوجِبًا لَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إيجَابٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَوَى قَوْلَ النَّبِيِّ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» لَيْسَ فِي صِيغَةِ لَفْظِ الرَّاوِي إيجَابٌ بَلْ إخْبَارٌ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ فَإِذَا ثَبَتَ صِدْقُهُ لَزِمَ كُلَّ سَامِعِ مُوجَبُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْخَبَرَ يَلْزَمُ كُلَّ سَامِعٍ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَالْحُقُوقُ لَا تَلْزَمُ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ مَا لَمْ يُقْضَ بِهَا فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ مَحْضِ الْإِلْزَامِ احْتِرَازٌ عَنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا عَنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ أَوْ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَوْلُهُ لِمَا يَخَافُ مُتَعَلِّقٌ بِتَوْكِيدًا لَهَا، وَقَوْلُهُ صِيَانَةً لِلْحُقُوقِ الْمَعْصُومَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَوْكِيدًا لَهَا لِمَا يَخَافُ فِيهَا مِنْ كَذَا يَعْنِي الْمُجَوِّزَ لِلتَّأْكِيدِ احْتِمَالُ التَّزْوِيرِ وَالتَّلْبِيسِ وَالْمَعْنَى الْمُوجِبُ لَهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ صِيَانَةُ الْحُقُوقِ الْمَعْصُومَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ التَّوْكِيدِ فِي قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ؛ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ لَهُ احْتِمَالُ مَجِيءِ خَبَرِهِ أَوْ كِتَابِهِ وَالْمَعْنَى الْحَامِلُ عَلَيْهِ رَفْعُ الِالْتِبَاسِ عَنْ السَّامِعِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ أَيْ مِثَالُ هَذَا الْقِسْمِ كَثِيرٌ وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ الْفِطْرِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِالْفِطْرِ فَكَانَ الْفِطْرُ مِنْ حُقُوقِهِمْ. وَكَذَا يَلْزَمُهُمْ الِامْتِنَاعُ عَنْ الصَّوْمِ فِي وَقْتِ الْفِطْرِ لِقَوْلِهِ ﵇ أَلَا لَا تَصُومُوا الْحَدِيثُ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَلَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَسَائِرُ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا إذَا قَبِلَ الْإِمَامُ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ فَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ؛ فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ

стр. 750

فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ حَلَّ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ ــ [كشف الأسرار] عَلَى مَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْفَرْضَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهَذَا فِطْرٌ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْفِطْرُ غَيْرُ ثَابِتٍ بِشَهَادَةٍ وَإِنْ كَانَتْ تُفْضِي إلَيْهِ بَلْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِدُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِانْسِلَاخِ رَمَضَانَ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَكَانَ نَظِيرَ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى النَّسَبِ؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ وَإِنْ أَفَضْت إلَى اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ قَدْ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ وَإِنْ أَكْمَلُوا الْعِدَّةَ بِدُونِ التَّيَقُّنِ بِانْسِلَاخِ رَمَضَانَ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْجَانِبَيْنِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَوْلُهُ (فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ) أَيْ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ حَلَّ لِلسَّامِعِ الْعَمَلُ، وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالتَّصَرُّفِ بِهَذَا الْخَبَرِ؛ فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْبَلُ هَدِيَّةَ الطَّعَامِ مِنْ الْبَرِّ التَّقِيِّ وَغَيْرِهِ وَكَانَ يَشْتَرِي مِنْ الْكَافِرِ» وَالْمُعَامَلَاتُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ظَاهِرَةٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَرِطُونَ الْعَدَالَةَ فِيمَنْ يُعَامِلُونَهُ وَأَنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ خَبَرَ كُلِّ مُمَيِّزٍ يُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ لِمَا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ الْبَيِّنِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ ثُمَّ هَذَا الْقَيْدُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ لَازِمٌ؛ فَإِنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ عَلِمَ بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَرَأَى آخَرَ يَبِيعُهَا مُدَّعِيًا لِلْوَكَالَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ إنْ كَانَ عَدْلًا لَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ إنْ كَانَ أَكْبَرَ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَكَذَا الْجَوَابُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ يُمْتَنَعُ عَنْهُ وَإِنْ اسْتَوَى الْوَجْهَانِ يُمْتَنَعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ مَا يَقُولُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا فَقِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ سَأَلَ ذَا الْيَدِ فَقَالَ إنِّي قَدْ اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهَا لِي أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ أَوْ وَكَّلَنِي بِبَيْعِهَا فَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ وَيَطَأَهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ إلَّا أَنَّ أَكْبَرَ رَأْيِهِ أَنَّهُ فِيهِ صَادِقٌ فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ إذَا انْضَمَّ إلَى خَبَرِ الْفَاسِقِ يَتَأَيَّدُ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِيمَا لَا تَوَقُّفَ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَالْيَقِينِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ تَحْكِيمَ الرَّأْيِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْهَدَايَا وَالْوَكَالَاتِ وَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ وَهَذَا يَتَرَاءَى لِي تَنَاقُصًا فَمَا وَجْهُ التَّقَصِّي عَنْهُ. قُلْنَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي كَرَاهِيَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي الرَّجُلِ رَأَى جَارِيَةَ الْغَيْرِ فِي يَدِ آخَرَ يَبِيعُهَا وَأَخْبَرَهَا الْبَائِعُ أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَهُ بِبَيْعِهَا وَسِعَهُ أَنْ يَبْتَاعَهَا وَيَطَأَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْكِيمَ الرَّأْيِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ تَفْسِيرًا لِهَذَا فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَسِعَهُ أَنْ يَبْتَاعَهَا إذَا كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ؛ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمْثَالِهَا فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ لَمْ يَسَعْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَسَعُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ وَسِعَهُ أَنْ يَبْتَاعَهَا وَيَطَأَهَا فَيُحْمَلُ عَلَى الرُّخْصَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ فَنُخَرِّجُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ ظَاهِرٌ فَكَانَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ أَصْلُ الْجَوَابِ وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا احْتِيَاطًا وَاسْتِحْبَابًا أَوْ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَأَمَّا تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَالْمَذْكُورُ أَوَّلًا

стр. 751

وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عُمُومُ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى سُقُوطِ شَرْطِ الْعَدَالَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ غَيْرُ مُلْزِمٍ فَلَمْ يُشْتَرَطْ شَرْطُ الْإِلْزَامِ بِخِلَافِ أُمُورِ الدِّينِ مِثْلُ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ ــ [كشف الأسرار] عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَسْلِيمِ الْحَمْلِ وَإِجْرَائِهِ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْمَذْكُورُ ثَانِيًا عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يَعْنِي لَوْ أَجْرَى لَفْظَ الْجَامِعِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ التَّحْكِيمَ فَالْفَرْقُ بَيْنَ إخْبَارِ الْفَاسِقِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَإِخْبَارِهِ بِالْوَكَالَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَنَحْوِهِمَا مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ وَلَكِنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا؛ فَإِنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا خَبَرَ الْفَاسِقِ حُجَّةً فِي هَذَا الْبَابِ لَكِنَّهُ يُحَكِّمُ رَأْيَهُ فِي الْفَاسِقِ بِخِلَافِ الْعَدْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ) أَيْ ثُبُوتُ هَذَا الْقِسْمِ بِخَبَرِ كُلِّ مُمَيِّزٍ وَسُقُوطُ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا فِيهِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا عُمُومُ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى سُقُوطِ شَرْطِ الْعَدَالَةِ وَسَائِرِ الشَّرَائِطِ سِوَى التَّمْيِيزِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَجِدُ الْعَدْلَ الْحُرَّ الْبَالِغَ الْمُسْلِمَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ لِيَبْعَثَهُ إلَى وَكِيلِهِ أَوْ غُلَامِهِ فَلَوْ شُرِطَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَا شُرِطَ فِي الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَتَعَطَّلَتْ الْمَصَالِحُ وَفِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ فَسَقَطَ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا أَثَرًا فِي التَّخْفِيفِ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ شَرْطَ الْعَدَالَةِ فِيهِ لَمْ يَسْقُطْ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ عَدَمِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ فِيهِ إذْ فِي الْعُدُولِ الَّذِينَ تَلْقَوْا نَقْلَ الْأَخْبَارِ كَثْرَةٌ، وَقَدْ يَتَمَكَّنُ السَّامِعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ يَعْمَلُ بِهِ إذَا لَمْ يَصِحَّ الْخَبَرُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَبِخِلَافِ الْإِخْبَارِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ؛ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مِثْلَهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ. وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِخْبَارِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ فَاسِقًا فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ لِعَدَمِ تَرَجُّحِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ؛ فَإِنَّ اعْتِبَارَ دِينِهِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ فَاعْتِبَارُ تَعَاطِيهِ وَارْتِكَابِهِ مَا يَعْتَقِدُ الْحُرْمَةَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ فِي خَبَرِهِ فَيَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا وَجَبَ التَّثَبُّتُ فِي خَبَرِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْمَاءِ هُوَ الطَّهَارَةُ فَيَتَمَسَّكُ بِهِ وَيَتَوَضَّأُ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْأَخْذُ فِيهَا بِخَبَرِ الْفَاسِقِ لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ وَعَدَمِ دَلِيلٍ يَتَمَسَّكُ بِهِ سِوَى الْخَبَرِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَوْعُودُ بَيَانُهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ أَنَّ الْخَبَرَ هَاهُنَا أَيْ فِي هَذَا الْقِسْمِ غَيْرُ مُلْزِمٍ أَيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْوَكِيلَ يُبَاحُ لَهُمَا الْإِقْسَامُ عَلَى التَّصَرُّفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُمَا ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا شُرِطَ لِلْإِلْزَامِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا إذْ الْعَدَالَةُ شُرِطَتْ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُلْزِمًا. وَكَذَا الْعَدَدُ وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ شَرْطًا لِتَأْكِيدِ الْإِلْزَامِ فِيمَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ مُنَازَعَةٌ وَخُصُومَةٌ فَلَا وَجْهَ لِاشْتِرَاطِهِمَا عِنْدَ الْمُسَالَمَةِ وَانْقِطَاعِ الْإِلْزَامِ ثُمَّ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ إذَا كَانَ الْمُبَلِّغُ رَسُولًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ فُضُولِيًّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ فِي حَقِّهِ إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ اشْتِرَاطِهَا فِي حَقِّ الْفُضُولِيِّ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي حَقِّهِ فِي ذَلِكَ الْقِسْمِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُلْزِمًا وَهَذَا الْقِسْمُ خَلَا عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَهَذِهِ فَائِدَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ. قَوْلُهُ (بِخِلَافِ أُمُورِ الدِّينِ مِثْلَ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ) فَإِنَّ شَرْطَ الْعَدَالَةِ فِيهَا لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّامِعَ يَلْزَمُهُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ إذَا أَخْبَرَ بِطَهَارَتِهِ وَيَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَتِهِ وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ بَلْ يُفَوَّضُ إلَى اخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَكَذَا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَحَدِ شَرْطَيْ الشَّهَادَةِ لِيَكُونَ مُلْزِمًا مِنْ وَجْهٍ، وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ بِالِاتِّفَاقِ فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ قُلْت وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ

стр. 752

وَلِهَذَا الْأَصْلِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ بِالرَّضَاعِ فِي النِّكَاحِ وَفِي الْمِلْكِ بِالْيَمِينِ وَبِالْحُرِّيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْزَامِ حَقِّ الْعِبَادِ، وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي مَوْضِعِ الْمُنَازَعَةِ لِحَاجَتِنَا إلَى الْإِلْزَامِ وَقَبِلْنَا فِي مَوْضِعِ الْمُسَالَمَةِ ــ [كشف الأسرار] إذَا لَمْ يُجْعَلْ تَحْكِيمُ الرَّأْيِ شَرْطًا فِي قَبُولِ خَبَرِ الْفَاسِقِ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَذَا فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَحُمِلَ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَأَمَّا إذَا جُعِلَ شَرْطًا فِيهِ وَحُمِلَ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا لِاسْتِوَاءِ الْمَوْضِعَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ التَّحْكِيمِ وَتَوَقُّفِ الْقَبُولِ فِيهِمَا عَلَيْهِ فَلَا يَتَأَتَّى الْفَرْقُ. ١ - قَوْلُهُ (وَلِهَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ مَا فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ بِالرَّضَاعِ فِي النِّكَاحِ بِأَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ ثِقَةٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَنَّهُمَا ارْتَضَعَا مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَفِي مِلْكِ الْيَمِينِ بِأَنْ اشْتَرَى أَمَةً فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَبِالْحُرِّيَّةِ أَيْ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ بِأَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّهَا حُرُّ الْأَبَوَيْنِ بَلْ يُشْتَرَطُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَتْ ثِقَةً. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ لِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ «أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ تَزَوَّجَ بِنْتَ أَبِي إهَابٍ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ وَأَخْبَرَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ ثَانِيًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ ثَالِثًا فَقَالَ فَارِقْهَا إذًا فَقَالَ إنَّهَا سَوْدَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» وَفِي بَعْضِ الرَّوِيَّاتِ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ بَيْنَهُمَا وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ تَقُومُ لِإِبْطَالِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَقْبَلُ الْفَضْلَ عَنْ زَوَالِ الْمِلْكِ فِي بَابِ النِّكَاحِ فَلَا يَتِمُّ الْحُجَّةُ فِيهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ لِمَا فِيهِ أَيْ فِي ثُبُوتِ الرَّضَاعِ وَالْحُرِّيَّةِ أَوْ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ مِنْ إلْزَامِ حَقِّ الْعِبَادِ أَيْ إلْزَامِ إبْطَالِ حَقِّ الْعِبَادِ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ دَلِيلُنَا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْرَضَ عَنْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَلَوْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا رَأَى مِنْهُ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ إلَى قَوْلِهَا حَيْثُ كَرَّرَ السُّؤَالَ أَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا احْتِيَاطًا عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ وَإِلَى التَّنَزُّهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ﵇ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ وَالزِّيَادَةُ الْمَرْوِيَّةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ عِنْدَنَا. وَهَذَا بِخِلَافِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَيْثُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ هُنَاكَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ وَلَمْ تَثْبُتْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْحِلَّ أَوْ الْحُرْمَةَ فِيمَا سِوَى الْبُضْعِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ لِمَا كَانَ يَثْبُتُ الْحِلُّ بِدُونِ مِلْكِ الْمَحَلِّ حَتَّى لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ كُلْ طَعَامِي هَذَا أَوْ تَوَضَّأْ بِمَائِي هَذَا أَوْ اشْرَبْهُ وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ وَكَمَنْ اشْتَرَى لَحْمًا فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهُ وَلَا يَسْقُطُ مِلْكُهُ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ إخْبَارًا بِأَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهِ مُلْزِمٌ فَأَمَّا فِي الْوَطْءِ فَالْحِلُّ أَوْ الْحُرْمَةُ يَثْبُتُ حُكْمًا لِلْمِلْكِ وَزَوَالُهُ لَا مَقْصُودًا حَتَّى لَوْ قَالَ لِآخَرَ طَأْ جَارِيَتِي هَذِهِ قَدْ أَذِنْت لَك فِيهِ أَوْ قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ حُرَّةٌ فِي نَفْسِهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْوَطْءُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي إبْطَالِ الْمِلْكِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَكَذَلِكَ فِي الْحِلِّ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي الْوَطْءِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ يَلْزَمُهَا الِانْقِيَادُ لِلزَّوْجِ فِي الِاسْتِفْرَاشِ وَالْمَمْلُوكَةُ يَلْزَمُهَا الِانْقِيَادُ لِمَوْلَاهَا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي إبْطَالِ الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ لِشَخْصٍ عَلَى شَخْصٍ فَأَمَّا حِلُّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَيْسَ فِيهِ اسْتِحْقَاقُ حَقٍّ عَلَى أَحَدٍ يَبْطُلُ بِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ دِينِيٌّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مِثْلِهِ حُجَّةٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ مَا فِيهِ الْإِلْزَامُ الْمَحْضُ

стр. 753

وَعَلَى ذَلِكَ بَنَى مُحَمَّدٌ مَسَائِلَ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ مِثْلَ خَبَرِ الرَّجُلِ أَنَّ فُلَانًا كَانَ غَصَبَ مِنِّي هَذَا الْعَبْدَ فَأَخَذْته مِنْهُ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ تَابَ فَرَدَّهُ عَلَيَّ قُبِلَ خَبَرُهُ، وَلِهَذَا قَبِلْنَا خَبَرَ الْفَاسِقِ فِي إثْبَاتِ الْإِذْنِ لِلْعَبْدِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: خَبَرُ الْمُخْبِرِ فِي الرَّضَاعِ الطَّارِئِ عَلَى النِّكَاحِ أَوْ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا أَوْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ نِكَاحَ زَوْجٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ مُجَوِّزٌ غَيْرُ مُلْزِمٍ وَأَمْثِلَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ ــ [كشف الأسرار] مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ بَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِلْزَامِ يُقْبَلُ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي مَوْضِعِ الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِلْزَامِ وَيُقْبَلُ فِي مَوْضِعِ الْمُسَالَمَةِ مِثْلُ الْوَكَالَاتِ وَنَحْوِهَا لِخُلُوِّهِ عَنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ وَعَلَى ذَلِكَ أَيْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُسَالَمَةِ بَنَى مُحَمَّدٌ ﵀ مَسَائِلَ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَلِمَ أَنَّ جَارِيَةً لِرَجُلٍ يَدَّعِيهَا ثُمَّ رَآهَا فِي آخَرَ يَبِيعُهَا وَيَزْعُمُ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ فِي يَدِ فُلَانٍ وَأَنَّهُ كَانَ يَدَّعِيهَا غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ لِي وَإِنَّمَا أَمَرْته بِذَلِكَ لِأَمْرٍ خِفْته وَصَدَّقَتْهُ الْجَارِيَةُ بِذَلِكَ، وَالرَّجُلُ الْبَائِعُ مُسْلِمٌ ثِقَةٌ فَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهَا مِنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ هَذَا وَلَكِنَّهُ قَالَ ظَلَمَنِي وَغَصَبَنِي فَأَخَذْتهَا مِنْهُ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَعْرِضَ لَهَا بِشِرَاءٍ وَلَا قَبُولٍ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً أَوْ غَيْرَ ثِقَةٍ؛ لِأَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ مُسَالَمَةٍ وَمُوَاضَعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا فَيُعْتَمَدُ خَبَرُهُ إذَا كَانَ ثِقَةً وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي أَخْبَرَ عَنْ حَالِ مُنَازَعَةٍ بَيْنَهُمَا فِي غَصْبِ الْأَوَّلِ مِنْهُ وَاسْتِرْدَادِ هَذَا مِنْهُ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً فَإِنْ قَالَ: إنَّهُ كَانَ ظَلَمَنِي وَغَصَبَنِي ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ظُلْمِهِ فَأَقَرَّ لِي بِهَا وَدَفَعَهَا إلَيَّ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ثِقَةٌ فَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهَا مِنْهُ وَقَبُولِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ مُسَالَمَةٍ وَهِيَ إقْرَارُهُ لَهُ بِهَا وَدَفْعُهَا إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: خَاصَمْته إلَى الْقَاضِي فَقَضَى لِي بِالْبَيِّنَةِ وَبِالنُّكُولِ وَأَخَذَهَا مِنْهُ فَدَفَعَهَا إلَيَّ أَوْ قَالَ قَضَى لِي بِهَا فَأَخَذْتهَا مِنْ مَنْزِلِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ أَخْذَهُ كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ دَفَعَهَا إلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَالِ مُسَالَمَةٍ مَعْنًى؛ لِأَنَّ كُلَّ ذِي دِينٍ يَكُونُ مُسْتَسْلِمًا لِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَإِنْ قَالَ قَضَى لِي بِهَا فَجَحَدَنِي قَضَاءَهُ فَأَخَذْتهَا لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَ الْقَضَاءَ جَاءَتْ الْمُنَازَعَةُ؛ فَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِالْأَخْذِ فِي حَالِ الْمُنَازَعَةِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهَا لَا يَكُونُ حُجَّةً لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِلْزَامِ. وَنَظِيرُ تَغَيُّرِ الْحُكْمِ بِتَغَيُّرِ الْعِبَارَةِ مَا إذَا قَدِمَ رَجُلٌ لِيُقْتَلَ بِالْخَشَبِ فَقَالَ اُقْتُلُونِي بِالسَّيْفِ يَأْثَمُ وَلَوْ قَالَ لَا تَقْتُلُونِي بِالْخَشَبِ لَا يَأْثَمُ وَلَوْ قَدِمَ الْأَبُ وَالِابْنُ لِلْقَتْلِ فَقَالَ الْأَبُ: قَدِّمُوا ابْنِي لِأَحْتَسِبَ بِالصَّبْرِ عَلَى قَتْلِهِ يَأْثَمُ وَلَوْ قَالَ لَا تُقَدِّمُونِي عَلَى ابْنِي لَا يَأْثَمُ فَعَرَفْنَا أَنْ بِتَغَيُّرِ الْعِبَارَةِ قَدْ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ مَعَ اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ، وَلِهَذَا قَبِلْنَا أَيْ وَلِأَنَّ فِي مَوْضِعِ الْمُسَالَمَةِ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ قَبِلْنَا خَبَرَ الْمُخْبِرِ فِي الرَّضَاعِ الطَّارِئِ عَلَى النِّكَاحِ بِأَنْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً فَأَخْبَرَ ثِقَةٌ أَنَّهَا قَدْ ارْتَضَعَتْ مِنْ أُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ بِأَنْ غَابَ رَجُلٌ عَنْ امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ ثِقَةٌ أَنَّهَا قَدْ مَاتَتْ أَوْ أَخْبَرَهَا مُسْلِمٌ ثِقَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ مَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِهِ وَيَحِلُّ لِلزَّوْجِ التَّزَوُّجُ بِأَرْبَعٍ سِوَاهَا أَوْ بِأُخْتِهَا وَلِلْمَرْأَةِ التَّزَوُّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحُرْمَةِ الطَّارِئَةِ بِالرَّضَاعِ أَوْ الْفُرْقَةِ الطَّارِئَةِ بِالْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ مَعْنَى الْمُنَازَعَةِ. بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْبَرَ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ فَاسِدًا بِسَبَبِ رَضَاعٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ رِدَّةٍ قَائِمَةٍ عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْحُرْمَةِ الْمُقَارِنَةِ مَعْنَى الْمُنَازَعَةِ إذْ إقْدَامُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ تَصْرِيحٌ بِثُبُوتِ الْحِلِّ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِيهِ شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ (وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ) الرَّابِعِ لَا خِلَافَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ

стр. 754

وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ فَمِثْلُ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ وَوُقُوعِ الْعِلْمِ لِلْبِكْرِ الْبَالِغَةِ بِإِنْكَاحِ وَلِيِّهَا إذَا سَكَتَتْ وَوُقُوعِ الْعِلْمِ بِفَسْخِ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَوُجُوبِ الشَّرَائِعِ عَلَى الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ فَفِي هَذَا كُلِّهِ إذَا كَانَ الْمُبَلِّغُ وَكِيلًا أَوْ رَسُولًا مِمَّنْ إلَيْهِ الْإِبْلَاغُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَالَةُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَخْبَرَهُ فُضُولِيٌّ بِنَفْسِهِ مُبْتَدِيًا؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ وَفِي الِاثْنَيْنِ كَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْمُثَنَّى وَلَفْظُ الْكِتَابِ فِي الِاثْنَيْنِ مُحْتَمَلٌ قَالَ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ أَوْ رَجُلَانِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعَدَالَةَ فِيهِمَا نَصًّا ــ [كشف الأسرار] ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّاسَ أَصْبَحُوا يَوْمَ الشَّكِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدِمَ أَعْرَابِيٌّ وَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَقَالَ ﵇ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ ﵇ اللَّهُ أَكْبَرُ يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ أَحَدُهُمْ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا بِشَهَادَتِهِ» وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هِيَ شَرْطٌ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ مَقْبُولَةٌ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ مِنْ خَبَرِهِ هَذَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ الصَّوْمِ مَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَلِهَذَا يُكْتَفَى فِيهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَخَبَرِ الْفَاسِقِ فِي بَابِ الدِّينِ غَيْرُ مَقْبُولٍ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَكَأَنَّ الشَّيْخَ بِقَوْلِهِ " مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ " اخْتَارَ مَذْهَبَ الطَّحَاوِيِّ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ خَبَرَهُ لَيْسَ بِمُلْزِمٍ لِلصَّوْمِ بَلْ الْمُوجِبُ هُوَ النَّصُّ وَجَعَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَشْتَرِطَ فِيهِ الْعَدَالَةَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِيَكُونَ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ دِينِيٌّ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ وَالشَّهَادَةُ عَلَى هِلَالِ الْأَضْحَى كَالشَّهَادَةِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي النَّوَادِرِ لِتَعَلُّقِ أَمْرٍ دِينِيٍّ بِهِ، وَهُوَ ظُهُورُ وَقْتِ الْحَجِّ الَّذِي هُوَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَهِلَالِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلنَّاسِ بِالتَّوَسُّعِ بِلُحُومِ الْأَضَاحِيّ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ) وَهُوَ الَّذِي فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَمِثْلُ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَحَجْرِ الْمَأْذُونِ وَسَائِرِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا وَالْإِخْبَارُ بِالشَّرَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَكِنَّهُ أُلْحِقَ بِهَا لِمَا سَنَذْكُرُهُ فَفِي هَذَا كُلِّهِ إذَا كَانَ الْمُبَلِّغُ وَكِيلًا أَوْ رَسُولًا مِمَّنْ إلَيْهِ الْإِبْلَاغُ بِأَنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ أَوْ الْمَوْلَى أَوْ الشَّرِيكُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ أَوْ الْإِمَامُ أَوْ الْأَبُ وَكَّلْتُك بِأَنْ تُخْبِرَ فُلَانًا بِالْعَزْلِ وَالْحَجْرِ وَنَحْوِهِمَا وَأَرْسَلْتُك إلَى فُلَانٍ لِتُبَلِّغَ عَنِّي إلَيْهِ هَذَا الْخَبَرَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَالَةُ بِالِاتِّفَاقِ؛ فَإِنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسَلِ وَكَذَا عِبَارَةُ الْوَكِيلِ فِي هَذَا كَعِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ إذْ الْوَكِيلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَالرَّسُولِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي غَيْرِهَا ثُمَّ فِي الْمُوَكِّلِ وَالْمُرْسِلِ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ، فَكَذَا فِيمَنْ قَامَ مَقَامَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ فُضُولِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ مَشَايِخِنَا. فَأَمَّا إذَا أَخْبَرَهُ فُضُولِيَّانِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُشْتَرَطُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْمَثْنَى وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ لِاشْتِبَاهِ لَفْظِ الْكِتَابِ أَيْ الْمَبْسُوطِ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﵀ ذَكَرَ فِي الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ إذَا حَجَرَ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يُرْسِلْهُ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ حَجْرًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ يَعْرِفُهُ الْعَبْدُ، فَالْفَرِيقُ الْأَوَّلُ قَالُوا مَعْنَاهُ رَجُلَانِ عَدْلٌ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ عَدْلٌ يَصْلُحُ نَعْتًا لِلْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى

стр. 755

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَرِطَ سَائِرَ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ إلَّا الْعَدَدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَوْ الْعَدَدُ مَعَ سَائِرِ الشَّرَائِطِ غَيْرُ الْعَدَالَةِ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ فَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَإِنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَاتِ وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ: إنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمًا بِالْعَزْلِ وَالْحَجْرِ فَيَلْزَمُهُ فِيهِ الْعُهْدَةُ مِنْ لُزُومِ عَقْدٍ أَوْ فَسَادِ عَمَلٍ وَمِنْ وَجْهٍ يُشْبِهُ سَائِرَ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَفْسَخُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ بِالْإِطْلَاقِ فَشَرَطْنَا فِيهِ الْعَدَدَ أَوْ الْعَدَالَةَ لِكَوْنِهَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ بِخِلَافِ الْمُخْبِرِ إذَا كَانَ رَسُولًا لِمَا قُلْنَا وَفِي شَرْطِ الْمُثَنَّى مِنْ غَيْرِ عَدَالَةٍ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فَائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ الْحُجَّةِ وَالْعَدَدِ أَثَرٌ فِي التَّوْكِيدِ بِلَا إشْكَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [كشف الأسرار] وَالْجَمَاعَةِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا. قَالَ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَلَمْ يَقُلْ عَدْلَيْنِ وَوَجْهُهُ أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقَيْنِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ الْوَاحِدِ فِي أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا وَإِنَّ التَّوَقُّفَ يَجِبُ فِيهِ فَلَا يَكُونُ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ فَائِدَةٌ وَالْفَرِيقُ الثَّانِي قَالُوا: الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ يَخْتَصُّ بِالْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ تَأْثِيرًا فِي سُكُونِ الْقَلْبِ كَمَا أَنَّ لِلْعَدَالَةِ تَأْثِيرًا فِيهِ بَلْ تَأْثِيرُ الْعَدَدِ أَقْوَى؛ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَا يَنْفُذُ وَلَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْفَاسِقَيْنِ يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ ثُمَّ إذَا وُجِدَتْ الْعَدَالَةُ بِدُونِ الْعَدَدِ يُثْبِتُ الْمُخْبِرُ بِهِ فَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ الْعَدَدُ دُونَ الْعَدَالَةِ، ثُمَّ لَا بُدَّ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ أَوْ الْعَدَالَةِ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُخْبِرِ لَهُ وَلَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْمُخْبِرِ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ صِدْقًا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِذَا أَخْبَرَ بِالْعَزْلِ مَثَلًا رَجُلٌ عَدْلٌ أَوْ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ يَثْبُتُ الْعَزْلُ بِالْإِجْمَاعِ صَدَّقَهُ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْمُخْبِرِ. وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا غَيْرَ عَدْلٍ وَكَذَّبَهُ الْوَكِيلُ لَا يَنْعَزِلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِنْ ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ وَعِنْدَهُمَا يَنْعَزِلُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ يَنْعَزِلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا فِي الْوَكَالَةِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ حَتَّى يَنْفَرِدَ الْمُوَكِّلُ بِعَزْلِهِ أَمَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ كَالْوَكَالَةِ الثَّابِتَةِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ فَلَا يَنْعَزِلُ وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ. قَوْلُهُ (وَيُحْتَمَلُ) كَذَا يَعْنِي أَنَّ الْعَدَدَ أَوْ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ مِنْ الذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ شَرْطًا مَعَ أَحَدِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا عَدْلًا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا. وَكَذَا إذَا كَانَ اثْنَيْنِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ أَصْلًا وَإِنْ وُجِدَتْ الْعَدَالَةُ أَوْ الْعَدَدُ لِعَدَمِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ وَإِنَّمَا قَالَ يُحْتَمَلُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْمَبْسُوطِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَإِنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ أَيْ الْقِسْمُ الْخَامِسُ وَالرَّابِعُ سَوَاءٌ فَيَثْبُتُ الْعَزْلُ وَالْحَجْرُ بِقَوْلِ كُلِّ مُمَيَّزٍ كَالتَّوْكِيلِ وَالْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَاتِ يَعْنِي مَا خَلَا الْإِخْبَارَ بِالشَّرَائِعِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ عَلَى شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ كَالْقِسْمِ الرَّابِعِ، وَهَذَا لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ ضَرُورَةً تَوْكِيلًا وَعَزْلًا عَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُمْ الْحَاجَاتُ فَلَوْ شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ فِي الْخَبَرِ عَنْهَا لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. فَأَمَّا الْإِخْبَارُ بِالشَّرَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَقَدْ أُلْحِقَ بِهَا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ فِي حَقِّهِ إذْ لَوْ تَوَقَّفَ عَلَى الْعَدَالَةِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَتَفْوِيتِ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَ الْعُدُولِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ قَلَّمَا يَكُونُ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ أُلْحِقَ بِالْمُعَامَلَاتِ وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ إنَّهُ أَيْ الْقِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ جِنْسِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ دُونَ الْجَائِزَةِ وَالْحُقُوقُ اللَّازِمَةُ هِيَ الَّتِي تَلْزَمُ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا يَنْفَرِدُ بِإِبْطَالِهَا وَالْجَائِزَةُ عَلَى خِلَافِهَا؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمُوَكِّلُ أَوْ الْمَوْلَى يُلْزِمُهُ أَيْ الْوَكِيلُ أَوْ الْعَبْدُ حُكْمًا بِالْعَزْلِ أَوْ الْحَجْرِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ يَلْزَمُهُ فِيهِ الْعُهْدَةُ مِنْ لُزُومِ عَقْدٍ يَعْنِي فِي الْوَكِيلِ؛ فَإِنَّهُ إذَا انْعَزَلَ يَقْتَصِرُ الشِّرَاءُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ عُهْدَتُهُ أَوْ فَسَادُ عَمَلٍ يَعْنِي فِي الْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ نَافِذَ التَّصَرُّفِ وَبِالْحَجْرِ يَخْرُجُ تَصَرُّفَاتُهُ مِنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْزَامَاتِ

стр. 756

وَالتَّزْكِيَةُ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ عَلَى مَا عُرِفَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [كشف الأسرار] وَمِنْ وَجْهٍ يُشْبِهُ سَائِرَ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَوْ الْمَوْلَى أَوْ مَنْ بِمَعْنَاهُمَا مُتَصَرِّفٌ فِي حَقِّهِ بِالْعَزْلِ وَالْحَجْرِ وَالْفَسْخِ كَمَا هُوَ مُتَصَرِّفٌ فِي حَقِّهِ بِالتَّوْكِيلِ وَالْإِذْنِ وَالْإِجَارَةِ إذْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وِلَايَةُ الْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ كَمَا لَهُ وِلَايَةُ الْإِطْلَاقِ وَكَذَا الْإِخْبَارُ بِالشَّرَائِعِ فِي الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الشَّرَائِعَ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِي حَقِّهِ قَبْلَ الْإِخْبَارِ حَتَّى لَمْ يَلْحَقْهُ ضَمَانٌ وَلَا إثْمٌ بِتَرْكِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ كَانَ مَلْزُومًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّ وُجُوبَهَا مُضَافٌ إلَى الشَّرْعِ وَالْتِزَامُهُ أَوْ أَمْرُهُ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ أَصْلَيْنِ ثُمَّ شَبَهُ الْإِلْزَامِ يُوجِبُ اشْتِرَاطَ الْعَدَالَةِ وَالْعَدَدِ وَشَبَهُ الْمُعَامَلَاتِ يُوجِبُ سُقُوطَهُمَا فَشَرَطْنَا أَحَدَهُمَا وَأَسْقَطْنَا الْآخَرَ تَوْفِيرًا عَلَى الشَّبَهَيْنِ حَظُّهُمَا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: خَبَرُ الْفَاسِقِ فِي هَذَا الْقِسْمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذَا أَنْشَأَ الْخَبَرَ مِنْ عِنْدِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى اللُّزُومِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفُّ عَنْ التَّصَرُّفِ إذَا أَخْبَرَهُ بِالْحَجْرِ وَالْعَزْلِ وَيَلْزَمُهَا النِّكَاحُ إذَا سَكَتَتْ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالْكَفِّ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ إذَا سَكَتَ بَعْدَ الْعِلْمِ وَخَبَرُ الْفَاسِقِ لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا؛ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُلْزِمًا بِخِلَافِ الرَّسُولِ؛ فَإِنَّ عِبَارَتَهُ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ ثُمَّ بِالْمُرْسَلِ حَاجَةٌ إلَى تَبْلِيغِ ذَلِكَ وَقَلَّمَا يَجِدُ عَدْلًا يَسْتَعْمِلُهُ فِي الْإِرْسَالِ إلَى عَبْدِهِ وَوَكِيلِهِ فَأَمَّا الْفُضُولِيُّ فَمُتَكَلِّفٌ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى هَذَا التَّبْلِيغِ وَالسَّامِعُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَعَهُ دَلِيلًا يُعْتَمَدُ لِلتَّصَرُّفِ إلَى أَنْ يُبَلِّغَهُ مَا يَرْفَعُهُ فَلِهَذَا شَرَطْنَا الْعَدَالَةَ فِي الْخَبَرِ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْعَدَدُ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمَا لِأَجْلِ مُنَازَعَةٍ مُتَحَقِّقَةٍ وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ هَاهُنَا وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِاعْتِبَارِ خَبَرِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الْقَضَاءُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَخْبَارِ الدِّينِ وَالْعَدَالَةُ فِيهَا شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ كَالْحَجْرِ وَالْعَزْلِ، قَالَ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ مَنْ يُخْبِرُهُ فَهُوَ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ بِالتَّبْلِيغِ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا كَمَا سَمِعَهَا ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَلَا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» وَخَبَرُ الرَّسُولِ بِمَنْزِلَةِ كَلَامِ الْمُرْسِلِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، فَكَذَا هَذَا وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا رِوَايَةُ الْفَاسِقِ الْأَخْبَارَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَا يَظْهَرُ رُجْحَانُ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ كَوْنُ الْمَخْبَرِ بِهِ حَقًّا وَهَاهُنَا نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ حَقٌّ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ مَنْ أَخْبَرَهُ الْفَاسِقُ بِهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ فِيمَا يَتْرُكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَالتَّزْكِيَةُ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ) يَعْنِي فِي حَقِّ سُقُوطِ شَرْطِ الْعَدَدِ لَا فِي حَقِّ سُقُوطِ شَرْطِ الْعَدَالَةِ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا نَصَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُزَكِّيَ الْوَاحِدَ إنْ كَانَ عَدْلًا أَمْضَى شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ بِقَوْلِ هَذَا الْوَاحِدِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَرْجِمُ عَدْلًا مُسْلِمًا بِلَا خِلَافٍ وَحُكْمُ الْمُتَرْجِمِ وَالْمُزَكِّي وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَلِهَذَا عَدَّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ التَّزْكِيَةَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَاضِي مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ لَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ أَيْ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ التَّزْكِيَةُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهَا سَائِرُ شَرَائِطِ

стр. 757

(بَابُ بَيَانِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ) وَهُوَ الْخَبَرُ هَذَا الْبَابُ قِسْمَانِ قِسْمٌ رَجَعَ إلَى نَفْسِ الْخَبَرِ وَقِسْمٌ رَجَعَ إلَى مَعْنَاهُ فَأَمَّا نَفْسُ الْخَبَرِ فَلَهُ طَرَفَانِ طَرَفُ السَّامِعِ وَطَرَفُ الْمُبَلِّغِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قِسْمَيْنِ عَزِيمَةٍ وَرُخْصَةٍ، أَمَّا الطَّرَفُ الَّذِي هُوَ طَرَفُ السَّامِعِ؛ فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ فِي ذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْأَسْمَاعِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَالرُّخْصَةُ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْمَاعٌ أَمَّا الْأَسْمَاعُ الَّذِي هُوَ عَزِيمَةٌ فَأَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ قِسْمَانِ فِي نِهَايَةِ الْعَزِيمَةِ وَأَحَدُهُمَا أَحَقُّ مِنْ صَاحِبِهِ وَقِسْمَانِ آخَرَانِ يَخْلُفَانِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ هُمَا مِنْ بَابِ الْعَزِيمَةِ أَيْضًا لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ فَصَارَ لَهُمَا شَبَهٌ بِالرُّخْصَةِ ــ [كشف الأسرار] الشَّهَادَةِ سِوَى لَفْظَةِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُذَكِّيَ بِمَعْنَى الشَّاهِدِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْقَضَاءُ عَلَى الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ وَهَذَا آكَدُ مَا يَكُونُ مِنْ الْإِلْزَامِ فَيُشْتَرَطُ الْعَدَدُ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ، فَكَذَا الْعَدَدُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهَا لَيْسَ لِمَعْنَى الْإِلْزَامِ بَلْ يَثْبُتُ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ أَوْ لِمَعْنَى الزَّجْرِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِالْبَاطِلِ بِقَوْلِهِ اشْهَدْ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ احْلِفْ وَالْمُدَّعِي يَأْتِي بِالشُّهُودِ فَلِاحْتِمَالِ الْمُوَاضَعَةِ وَالتَّلْبِيسِ بَيْنَهُمْ شَرَطْنَا لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ. وَأَمَّا الْمُذَكِّي فَيَخْتَارُهُ الْقَاضِي فَيَنْعَدِمُ فِي حَقِّهِ مِثْلُ هَذِهِ التُّهْمَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَلَكِنَّهُمَا قَالَا: الْمُذَكِّي مُخْبِرٌ بِخَبَرٍ دِينِيٍّ فَلَا يَكُونُ الْعَدَدُ فِيهِ شَرْطًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَلَا مَجْلِسُ الْقَاضِي وَلَوْ كَانَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ لَشَرَطَ فِيهِ مَا اخْتَصَّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ فِيهِ فَفِي الْعَدَدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ أَمْرٌ مُؤَكَّدٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ سَوَاءٌ وَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِهِمَا فِي رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ وَاشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْغَيْرُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَزِمَ شَيْئًا فَكَانَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَالرِّقُّ يَنْفِي الْوِلَايَةَ عَلَى الْغَيْرِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ؛ فَإِنَّهُ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَشْتَرِطُ الْحُرِّيَّةَ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ تَكْفِي لِذَلِكَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْإِخْبَارِ وَلَكِنْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْثَقُ؛ لِأَنَّهُ إلَى الِاحْتِيَاطِ أَقْرَبُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَذَكَرَ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ أَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ عِنْدَ الْكُلِّ وَإِنْ كَانَ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَجْلِسِ الْقَاضِي فَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ، وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ لِتَزْكِيَةِ السِّرِّ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ إذَا عَدَّلَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ أَوْ الْمَرْأَةُ عَدَّلَتْ زَوْجَهَا أَوْ الْعَبْدُ عَدَّلَ مَوْلَاهُ صَحَّ وَتُشْتَرَطُ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ حَتَّى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّعْدِيلِ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَإِلَّا فَلَا وَفِيهِ أَيْضًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ أُجِيزَ فِي التَّزْكِيَةِ سِرًّا تَزْكِيَةُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ وَالْأَعْمَى إذَا كَانُوا عُدُولًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ وَخَبَرُ هَؤُلَاءِ مَقْبُولٌ فِي بَابِ الدِّينِ. وَأَمَّا التَّزْكِيَةُ عَلَانِيَةً فَلَا تُقْبَلُ إلَّا مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لِمَا قُلْنَا، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَا فِي تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ أَمَّا فِي تَزْكِيَةِ الرَّاوِي فَلَا شَكَّ أَنَّ عِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ آكَدُ فِي الرِّوَايَةِ فَلَمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ الْعَدَدُ فِي تَزْكِيَةِ الشَّهَادَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَزْكِيَةِ الرِّوَايَةِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ إنَّمَا شُرِطَ فِي تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فِيهَا بِاعْتِبَارِ اسْتِحْقَاقِ الْمُدَّعِي الْقَضَاءَ عَلَى الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي تَزْكِيَةِ الرَّاوِي بَلْ هِيَ أَخْبَارٌ فَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِي قَبُولِهِ كَنَصِّ الرِّوَايَةِ، وَمِنْ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ شَرَطَ الْعَدَدَ فِي تَعْدِيلِ الرَّاوِي وَالشَّاهِدِ جَمِيعًا اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ فِي تَعْدِيلِ الشَّاهِدِ دُونَ الرَّاوِي إلْحَاقًا لِلتَّعْدِيلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ بِمَشْرُوطِهِ فِي كُلِّ بَابٍ وَالْعَدَدُ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ، فَكَذَا بِالْمُلْحَقِ بِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ بَيَانِ الْخَبَرُ] (بَابُ بَيَانِ قِسْمِ الرَّابِعِ، وَهُوَ الْخَبَرُ) قَوْلُهُ (أَمَّا الطَّرَفُ الَّذِي هُوَ طَرَفُ السَّامِعِ) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ التَّبْلِيغُ مَكَانَ السَّامِعِ وَقِيلَ هَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْأَسْمَاعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ الْإِسْمَاعُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ جِهَةِ الْمُبَلِّغِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَصَحُّ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَأَنْتَ تَسْمَعُهُ، وَهُوَ يَسْمَعُ. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَإِذَا صَحَّ

стр. 758

أَمَّا الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ فَمَا يَقْرَؤُهُ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ حِفْظٍ وَأَنْتَ تَسْمَعُهُ وَمَا تَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ حِفْظٍ، وَهُوَ يَسْمَعُ فَتَقُولُ لَهُ أَهُوَ كَمَا قَرَأْت عَلَيْك فَيَقُولُ: نَعَمْ ــ [كشف الأسرار] السَّمَاعُ وَجَبَ الْحِفْظُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ تَقْسِيمُ جَانِبِ السَّمَاعِ. وَكَذَا قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ يَلِيهِ، وَأَمَّا طَرَفُ التَّبْلِيغِ، فَكَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا إذْ لَا يَسْتَقِيمُ إقَامَةُ لَفْظِ السَّامِعِ مَقَامَ التَّبْلِيغِ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى مِنْ قِبَلِ التَّبْلِيغِ لَا مِنْ قِبَلِ السَّمَاعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا لَفْظُ السَّامِعِ دُونَ التَّبْلِيغِ وَلَيْسَ لِقَوْلِهِ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْأَسْمَاعِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا قَالُوا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْعَزِيمَةُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي السَّمَاعِ مَا يَكُونُ أَيْ يَحْصُلُ أَوْ يَحْدُثُ مِنْ جِنْسِ الْأَسْمَاعِ حَقِيقَةً، يُوَضِّحُهُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀، وَلِهَذَا النَّوْعِ أَطْرَافٌ ثَلَاثَةٌ طَرَفُ السَّمَاعِ وَطَرَفُ الْحِفْظِ وَطَرَفُ الْأَدَاءِ فَطَرَفُ السَّمَاعِ نَوْعَانِ عَزِيمَةٌ وَرُخْصَةٌ فَالْعَزِيمَةُ مَا يَكُونُ بِحُسْنِ الِاسْتِمَاعِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ إلَى آخِرِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا ذَكَرْنَا. قَوْلُهُ (أَمَّا الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ) إلَى آخِرِهِ إذَا قَالَ الشَّيْخُ حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ سَمِعْت فُلَانًا يَقُولُ كَذَا يَلْزَمُ السَّامِعَ الْعَمَلُ بِهَذَا الْخَبَرِ وَيَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي مُطْلَقًا أَوْ بِقَوْلِهِ قَالَ فُلَانٌ أَوْ سَمِعْته يَقُولُ وَقِيلَ: إنَّ الشَّيْخَ إنْ قَصَدَ إسْمَاعَهُ خَاصَّةً ذَلِكَ الْكَلَامَ أَوْ كَانَ هُوَ فِي جَمْعٍ قَصَدَ الشَّيْخُ إسْمَاعَهُمْ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ هَاهُنَا حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي وَسَمِعْته يُحَدِّثُ عَنْ فُلَانٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ إسْمَاعَهُ لَا عَلَى التَّفْصِيلِ وَلَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ سَمِعْته يُحَدِّثُ عَنْ فُلَانٍ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي وَلَا أَخْبَرَنِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ: هَلْ سَمِعْت هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ فُلَانٍ فَيَقُولُ نَعَمْ أَوْ يَقُولُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأَمْرُ كَمَا قُرِئَ عَلَيَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ فَهُوَ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَجَوَازِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ فَسَكَتَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إقْرَارٌ وَلَا نَكِيرٌ فَهُوَ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَيْضًا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ السَّامِعِ أَنَّهُ مَا سَكَتَ إلَّا لِأَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُرِئَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ ظَنٌّ أَنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ. وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ لَا يَجُوزُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَأَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَأَبُو نَصْرٍ الصَّبَّاغُ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فِيهِ حِكَايَةُ إقْرَارِهِ بِدَيْنٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِصِحَّتِهِ لَا يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ، فَكَذَا هَذَا. ، وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْعُرْفَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ سُكُوتَ الشَّيْخِ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَقْرِيرٌ لَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ وَإِقْرَارٌ بِصِحَّةِ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لِمَا جَازَ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهَا وَلَكَانَ سُكُوتُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِسْقًا لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ الصِّحَّةِ فَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ عُرِفَ أَنَّ السُّكُوتَ فِيهِ تَصْدِيقٌ ثُمَّ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْجَوَازِ يَجُوزُ لِلسَّامِعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ يَقُولَ قَرَأْت عَلَى فُلَانٍ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ أَوْ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، فَأَمَّا إذَا قَالَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي مُطْلَقًا أَوْ سَمِعْت فُلَانًا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِالنُّطْقِ إذْ الْخَبَرُ وَالْحَدِيثُ وَالْمَسْمُوعُ نُطْقٌ كُلُّهَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نُطْقٌ فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي أَوْ سَمِعْت كَذِبًا إلَّا إذَا عَلِمَ تَصْرِيحَ قَوْلِ السَّامِعِ أَوْ بِقَرِينَةٍ خَالِيَةٍ أَنَّهُ يُرِيدُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ دُونَ سَمَاعِ حَدِيثِهِ وَلَا يُقَالُ إمْسَاكُهُ عَنْ النَّكِيرِ جَارٍ مَجْرَى إبَاحَتِهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ عَنْهُ

стр. 759

قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ عَلَى الْمَنْزِلَتَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا طَرِيقَةُ الرَّسُولِ ﵇، وَهُوَ الْمُطْلَقُ، مِنْ الْحَدِيثِ الْمُشَافَهَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ ذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُونًا عَنْ السَّهْوِ وَمَا كَانَ يَكْتُبُ وَكَلَامُنَا فِيمَنْ يَجْرِي عَلَيْهِ السَّهْوُ وَيَقْرَأُ مِنْ الْمَكْتُوبِ دُونَ الْمَحْفُوظِ وَهُمَا فِي الْمُشَافَهَةِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا يُفْصَلُ بَيْنَ بَيَانِ الْمُتَكَلِّمِ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ فَيَسْتَفْهِمُ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّ نَعَمْ كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِلْإِعَادَةِ اخْتِصَارًا عَلَى مَا مَرَّ وَالْمُخْتَصَرُ لُغَةً مِثْلُ الْمُشْبَعِ سَوَاءٌ وَمَا قُلْنَاهُ أَحْوَطُ ــ [كشف الأسرار] لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِإِبَاحَتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ التَّحَدُّثُ عَنْهُ إذَا لَمْ يُحَدِّثْهُمْ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَصِيرُ مُبَاحًا بِإِبَاحَتِهِ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِإِفَادَةِ الْخَبَرِ وَالْعِلْمِ وَهَذَا السُّكُوتُ قَدْ أَفَادَ الْعِلْمَ بِأَنَّ هَذَا الْمَسْمُوعَ كَلَامُ الرَّسُولِ ﵇ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا وَأَيْضًا فَلَا نِزَاعَ أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ اصْطِلَاحَاتٍ مَخْصُوصَةً يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي مَعَانِي مَخْصُوصَةٍ أَمَّا؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوهَا بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ إلَى تِلْكَ الْمَعَانِي أَوْ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهَا فِيهَا عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ ثُمَّ صَارَ الْمَجَازُ شَائِعًا وَالْحَقِيقَةُ مَغْلُوبَةٌ وَلَفْظُ أَخْبَرَنِي وَحَدَّثَنِي هَاهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا السُّكُوتَ يُشَابِهُ الْإِخْبَارَ فِي إفَادَةِ الظَّنِّ وَالْمُشَابَهَةُ إحْدَى أَسْبَابِ الْمَجَازِ. وَإِذَا جَازَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ مَجَازًا ثُمَّ اسْتَقَرَّ عُرْفُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَيْهِ صَارَ ذَلِكَ كَالِاسْمِ الْمَنْقُولِ بِعُرْفِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كَالْمَجَازِ الْغَالِبِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الِاصْطِلَاحَاتِ فَمَا يَقْرَؤُهُ عَلَيْك أَيْ الْمُحَدِّثُ أَوْ الْمُبَلِّغُ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] أَعْلَى الْمَنْزِلَتَيْنِ أَيْ أَرْفَعُ وَأَحْوَطُ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا أَيْ الْمَنْزِلَةُ الْأُولَى طَرِيقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُ بِنَفْسِهِ وَيَقْرَأُ عَلَى الصَّحَابَةِ لَا أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: أَهَكَذَا الْأَمْرُ فَيَقُولُ نَعَمْ وَلَمَّا كَانَتْ قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ تُشْبِهُ فِعْلَ النَّبِيِّ ﵇ وَأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ كَانَ ذَلِكَ أَحْوَطَ وَأَوْلَى، وَهُوَ الْمُطْلَقُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْمُشَافَهَةِ أَيْ مُطْلَقُ قَوْلِك حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا أَوْ شَافَهَنِي بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكَلُّمَ صَدَرَ عَنْهُ وَأَنْتَ تَسْمَعُ لَا عَلَى الْعَكْسِ وَدَلَالَةُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْكَامِلِ عَلَى مَا عُرِفَ فَدَلَّ أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَكْمَلُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ السَّامِعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ تَقُولُ حَدَّثَنِي وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَخْبَرَنِي؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ أَعَمُّ. قَوْلُهُ (كَانَ مَأْمُونًا عَنْ السَّهْوِ) أَيْ عَنْ التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ وَبَيَانِ الْأَحْكَامِ وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلِذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ ﵇ أَوْلَى فَأَمَّا غَيْرُ النَّبِيِّ ﵇ فَجَازَ عَلَيْهِ السَّهْوُ وَالْغَلَطُ وَالتَّقْرِيرُ عَلَيْهِ فَكَانَتْ قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ وَقِرَاءَةُ غَيْرِهِ سَوَاءً. وَمَا كَانَ يَكْتُبُ دَلِيلٌ آخَرُ أَيْ وَلِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ كَاتِبًا وَلَا قَارِئًا مِنْ الْمَكْتُوبِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَقْرَأُ مَا يَقْرَأُ عَنْ حِفْظٍ فَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ أَوْلَى فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ كِتَابٍ وَالسَّمَاعُ فِي كِتَابٍ فَهُمَا سَوَاءٌ أَيْ قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ وَالْقِرَاءَةُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ فِي مَعْنَى التَّحَدُّثِ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشَافَهَةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ حِفْظٍ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ عِنَايَةً فِي الضَّبْطِ وَلِأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ بِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا يَفْصِلُ أَيْ لَا فَصْلَ فِي اللُّغَةِ بَيْنَ كَذَا. وَكَذَا؛ فَإِنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَوْ قَرَأَ ذُكِرَ إقْرَارُهُ عَلَيْك أَوْ تَقْرَأُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَسْتَفْهِمُهُ هَلْ تُقِرُّ لِجَمِيعِ مَا قَرَأْته عَلَيْك فَيَقُولُ: نَعَمْ كَأَنَّا سَوَاءٌ. ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا أَيْ الْوَجْهَيْنِ سَوَاءٌ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْقَاضِي لِلشَّاهِدِ أَتَشْهَدُ بِكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ كَانَ مِثْلَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ بِكَذَا فِي إثْبَاتِ الْحَقِّ وَإِيجَابِ حُكْمٍ عَلَى الْقَاضِي مَعَ أَنَّ بَابَ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ لِاخْتِصَاصِهَا بِشَرَائِطَ لَمْ تُوجَدْ فِي الرِّوَايَةِ. وَقَوْلُهُ وَمَا قُلْنَاهُ أَحْوَطُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ أَحْوَطُ مِنْ تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ إلَّا ذِكْرُ الْمَعْنَيَيْنِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بَلْ الْغَرَضُ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَحْوَطُ مِنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ هَذَا

стр. 760

لِأَنَّ رِعَايَةَ الطَّالِبِ أَشَدُّ عَادَةً وَطَبِيعَةً فَلَا يُؤْمَنُ عَلَى الَّذِي يَقْرَأُ الْغَلَطَ وَيُؤْمَنُ الطَّالِبُ فِي مِثْلِهِ فَأَنْتَ عَلَى قِرَاءَتِك أَشَدُّ اعْتِمَادًا مِنْك عَلَى قِرَاءَتِهِ، وَإِنَّمَا يَبْقَى احْتِمَالُ الْغَفْلَةِ مِنْهُ عَنْ مَا قَرَأْته عَلَيْهِ وَهَذَا أَهْوَنُ مِنْ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْمَتْنِ أَوْ السَّنَدِ حَتَّى إنَّ الرِّوَايَةَ إذَا كَانَتْ عَنْ حِفْظٍ كَانَ ذَلِكَ الْوَجْهُ أَحَقَّ كَمَا قُلْتُمْ. وَأَمَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ فَأَحَدُهُمَا الْكِتَابُ وَالثَّانِي الرِّسَالَةُ أَمَّا الْكِتَابُ فَعَلَى رَسْمِ الْكُتُبِ وَيَقُولُ فِيهِ حَدَّثَنَا فُلَانٌ إلَى أَنْ يَذْكُرَ مَتْنَ الْحَدِيثِ ثُمَّ يَقُولُ فَإِذَا بَلَغَك كِتَابِي هَذَا وَفَهِمْته فَحَدِّثْ بِهِ عَنِّي لِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهَذَا مِنْ الْغَائِبِ مِثْلُ الْخِطَابِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَرَى الْكِتَابَ تَبْلِيغًا يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى أَصْلُ الدِّينِ وَكَذَلِكَ الرِّسَالَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَبْلِيغَ الرَّسُولَ ﵇ كَانَ الْإِرْسَالَ أَيْضًا وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَنَا بِالْحُجَّةِ ــ [كشف الأسرار] اللَّفْظُ لَا يَنْقَادُ لَهُ بِدَلِيلِ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَظُنُّهُ تَصْنِيفَهُ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْوَجْهَانِ سَوَاءٌ بَلْ الثَّانِي أَحْوَطُ وَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ السَّامِعَ إذَا قَرَأَهُ بِنَفْسِهِ كَانَ هُوَ أَشَدَّ عِنَايَةً فِي ضَبْطِ الْمَتْنِ وَالسَّنَدِ مِنْ الْمُبَلِّغِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ هَذَا الْجَانِبُ فَلَا أَقَلَّ مِنْ الْمُسَاوَاةِ أَشَدُّ عَادَةً وَطَبِيعَةً؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ أَحْوَطُ مِنْهُ فِي أَمْرِ غَيْرِهِ ثُمَّ الطَّالِبُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَالْمُحَدِّثُ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْهُوَ عَنْ الْبَعْضِ وَيَشِذَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مَا يَشِذُّ مِنْ الطَّالِبِ فَلَا يُؤْمَنُ عَلَى الَّذِي يَقْرَأُ. وَهُوَ الْمُحَدِّثُ الْغَلَطُ فِي بَعْضِ مَا يَقْرَأُهُ لِقِلَّةِ رِعَايَتِهِ إذْ هُوَ لَا يَحْتَاطُ فِي أَمْرِ غَيْرِهِ كَمَا يَحْتَاطُ الْغَيْرُ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا بَقِيَ احْتِمَالُ الْغَفْلَةِ إلَى آخِرِهِ إشَارَةً إلَى الْجَوَابِ عَمَّا يُقَالُ قَدْ يُتَوَهَّمُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الطَّالِبِ أَنْ يَسْهُوَ الْمُحَدِّثُ عَنْ بَعْضِ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَيَنْتَفِي هَذَا التَّوَهُّمُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْمُحَدِّثِ لِشِدَّةِ رِعَايَةِ الطَّالِبِ فِي ضَبْطِ مَا يَسْمَعُ مِنْهُ فَأَجَابَ أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَوْهُومٌ إلَّا أَنَّ سَهْوَ الْمُحَدِّثِ عَنْ سَمَاعِ الْبَعْضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ عَادَةً أَهْوَنُ مِنْ تَرْكِ شَيْءٍ فِي الْمَتْنِ أَوْ السَّنَدِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَحَمُّلِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَيْسَرُهُمَا، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ وَيُسَمَّى عَرْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَارِئَ يَعْرِضُ عَلَى الشَّيْخِ مَا يَقْرَأُهُ كَمَا يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُقْرِئِ مِثْلُ السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فِي الْمَرْتَبَةِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرِهِمَا تَرْجِيحُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ عَلَى السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِهِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا مَذْهَبُ مُعْظَمِ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَشْيَاخِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَمَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْكِتَابُ فَعَلَى رَسْمِ الْكُتُبِ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا بِخَتْمٍ مَعْرُوفٍ مُعَنْوَنًا، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِيهِ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ثُمَّ يَبْدَأُ بِالتَّسْمِيَةِ ثُمَّ بِالثَّنَاءِ ثُمَّ بِالْمَقْصُودِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ فَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ عَلَى جِهَةِ الْكُتُبِ مَرْسُومًا بِرَسْمِ الْكُتُبِ مُصَدَّرًا تَصْدِيرَ الْكُتُبِ وَثَبَتَ الْكِتَابُ لِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ وَكَانَ فِيهِ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ حَتَّى اتَّصَلَ بِالنَّبِيِّ ﵇ فَإِذَا جَاءَك هَذَا الْحَدِيثُ فَحَدِّثْهُ عَنِّي بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَلَّتْ لَهُ الرِّوَايَةُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مِنْ الْغَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ إلَى آخِرِهِ، ثُمَّ الْكِتَابُ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الْإِجَازَةُ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ مِثْلُ السَّمَاعِ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالِاتِّفَاقِ. وَالثَّانِي: مَا يَتَجَرَّدُ عَنْ الْإِجَازَةِ وَأَجَازَ الرِّوَايَةَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَمَنْصُورٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّافِعِيِّينَ وَأَتَى ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَمِلْ مِنْهُ شَيْئًا لَا بِالسَّمَاعِ وَلَا بِالْإِجَازَةِ فَكَيْفَ يُسْنِدُ إلَيْهِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ إشْعَارًا بِمَعْنَى الْإِجَازَةِ فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالْإِجَازَةِ لَفْظًا فَقَدْ تَضَمَّنَتْ الْإِجَازَةَ مَعْنًى كَذَا ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَالْكِتَابِ الرِّسَالَةُ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْكِتَابِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُحَدِّثُ لِلرَّسُولِ بَلِّغْ عَنِّي فُلَانًا أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي

стр. 761

وَالْمُخْتَارُ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنْ يَقُولَ السَّامِعُ حَدَّثَنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُشَافَهَةِ قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ فِيمَنْ قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا أَوْ حَدَّثْت بِهِ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمُكَالَمَةِ مُشَافَهَةً وَفِي الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ الْمُخْتَارُ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالرِّسَالَةَ لَيْسَا بِمُشَافَهَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ: أَخْبَرَنَا اللَّهُ وَأَنْبَأَنَا نَبَّأَنَا بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ وَلَا تَقُولُ: حَدَّثَنَا وَلَا كَلَّمَنَا إنَّمَا ذَلِكَ خَاصٌّ لِمُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يُحَدِّثُ بِكَذَا وَلَا يُكَلِّمُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ بِخِلَافِ مَا حَلَفَ لَا يُخْبِرُ بِكَذَا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَمَا لَا أَسْمَاعَ فِيهِ ــ [كشف الأسرار] بِهَذَا الْحَدِيثِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَيَذْكُرُ إسْنَادَهُ فَإِذَا بَلَّغَك رِسَالَتِي هَذِهِ فَارْوِهِ عَنِّي بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهَذَا لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالرِّسَالَةَ إلَى الْغَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ لِلْحَاضِرِ شَرْعًا وَعُرْفًا أَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَدْ بَلَّغَ الْغُيَّبَ بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ كَمَا بَلَّغَ الْحُضُورَ بِالْخِطَابِ وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَلَامِ يَثْبُتُ بِهِمَا كَمَا يَثْبُتُ بِالْخِطَابِ، وَأَمَّا عُرْفًا فَلِأَنَّ النَّاسَ يَعُدُّونَهُمَا مِثْلَ الْخِطَابِ حَتَّى قَلَّدَ الْخُلَفَاءُ وَالْمُلُوكُ الْقَضَاءَ وَالْإِمَارَةَ وَالْإِيَالَةَ بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ كَمَا قَلَّدُوهَا بِالْمُشَافَهَةِ وَعَدُّوا مُخَالِفَهُمَا مُخَالِفًا لِلْأَمْرِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمَا مِثْلُ الْخِطَابِ فَكَانَا مِنْ بَابِ الْعَزِيمَةِ بِخِلَافِ الْمُنَاوَلَةِ وَالْإِجَازَةِ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي حَقِّهِ الْخِطَابُ، وَلِهَذَا لَمْ يُوجَدْ التَّبْلِيغُ مِنْ النَّبِيِّ ﵇ إلَى الْحُضُورِ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فَلَمْ يَكُونَا مِثْلَ الْخِطَابِ إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُمَا ضَرُورَةً فَكَانَا مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ لَا مِنْ بَابِ الْعَزِيمَةِ. وَذَلِكَ أَيْ حِلُّ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَا بِالْحُجَّةِ أَيْ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِمِثْلِهَا الْكُتُبُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَعِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا حَاجَةَ إلَى الْبَيِّنَةِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ خَطُّ الْكَاتِبِ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُ الرَّسُولِ. قَوْلُهُ (وَالْمُخْتَارُ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنْ يَقُولَ السَّامِعُ حَدَّثَنَا) ؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ حَدَّثَهُ وَشَافَهَهُ بِالْإِسْمَاعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقِيلَ هَذَا مُعْظَمُ مَذْهَبِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فِي آخَرِينَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا يَقُولُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي حَدَّثَنَا بَلْ يَقُولُ أَخْبَرَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا وَإِنَّمَا يَقُولُ قَرَأْت عَلَيْهِ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ وَقِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ لَمْ يُحَدِّثْهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ إلَّا بِقَوْلِهِ نَعَمْ وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُخْتَصَرَ وَالْمُطَوَّلَ مِنْ الْكَلَامِ سَوَاءٌ وَكَلِمَةُ نَعَمْ يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ مَا فِي السُّؤَالِ لُغَةً فَكَانَ هَذَا تَحْدِيثًا وَإِخْبَارًا، وَفِي الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ الْمُخْتَارُ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَخْبَرَنَا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ وَالتَّحْدِيثَ وَاحِدٌ بَلْ يَقُولُ كَتَبَ إلَيَّ فُلَانٌ أَوْ أَرْسَلَ إلَيَّ بِكَذَا وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ أَيْضًا أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ قَوْلِ الْإِنْسَانِ حَدَّثَنِي فُلَانٌ وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ فَيَجْعَلُونَ الْأَوَّلَ دَالًّا عَلَى أَنَّهُ شَافَهَهُ بِالْحَدِيثِ وَيَجْعَلُونَ الثَّانِيَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُشَافَهَةِ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَخْبَرَنِي تُفِيدُ أَنَّهُ تَوَلَّى إخْبَارَهُ بِالْحَدِيثِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمُشَافَهَةِ فَاخْتَارَ أَنَّ الْإِخْبَارَ وَالتَّحْدِيثَ وَاحِدٌ فَفَرَّقَ الشَّيْخُ بَيْنَهُمَا بِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَلِيٍّ الْبَلْخِيّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُصَنَّفَةِ فِي تَنْوِيعِ السَّمَاعِ وَتَجْنِيسِ الْإِجَازَةِ الْمُوَاضَعَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنْ يَقُولَ

стр. 762

وَهُوَ الْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ لَهُ عَالِمًا بِمَا فِي الْكِتَابِ أَوْ جَاهِلًا بِهِ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ قَدْ نَظَرَ فِيهِ وَفَهِمَ مَا فِيهِ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيزُ إنَّ فُلَانًا قَدْ حَدَّثَنَا بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا فَهِمْته بِأَسَانِيدِهِ هَذِهِ فَأَنَا أُحَدِّثُك مِنْهُ وَأَجَزْت لَك الْحَدِيثَ بِهِ فَيَصِحُّ الْإِجَازَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا كَانَ الْمُسْتَجِيزُ مَأْمُونًا بِالضَّبْطِ وَالْفَهْمِ ــ [كشف الأسرار] الْمُسْتَفِيدُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِمَّا ذُكِرَ مَا هُوَ حِكَايَةُ الْحَالِ حَدَّثَنَا حَدَّثَنِي أَخْبَرَنَا أَخْبَرَنِي مَنُوطًا بِبَيَانِ صِفَةِ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ أَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي إذَا كَانَ الضَّبْطُ وَالْإِتْقَانُ وَالِاحْتِيَاطُ عَلَى وَجْهِهِ سَوَاءٌ قَرَأَ الْمُحَدِّثُ بِلَفْظِهِ أَوْ قَرَأْت عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ كُلُّهُ سَمَاعٌ جَيِّدٌ أَوْ قَرَارٌ مِنْهُ بِالْمَسْمُوعِ كَالصَّكِّ وَالْإِشْهَادِ قَالَ: وَجَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ أَنْبَأَنَا وَأَنْبَأَنِي وَخَبَّرَنَا وَخَبَّرَنِي وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهَا شَيْئًا أَرْتَضِيهِ إلَّا أَنِّي أَحْسِبُ أَنَّ خَبَّرَنَا وَخَبَّرَنِي لِلْكَثْرَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْإِخْبَارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فِي الْوَحْدَةِ خَبَّرَنِي وَفِي الْجَمْعِ خَبَّرَنَا. قَوْلُهُ (وَهُوَ الْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى مَا وَالْإِجَازَةُ أَنْ يَقُولَ الْمُحَدِّثُ لِغَيْرِهِ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي حَدَّثَنِي بِهِ فُلَانٌ وَيُبَيِّنُ إسْنَادَهُ أَوْ يَقُولَ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي جَمِيعَ مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ مَسْمُوعَاتِي وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَسْمُوعِ مِنْ غَيْرِهِ وَسَيَأْتِيك بَيَانُ أَنْوَاعِهَا وَالْمُنَاوَلَةُ أَنْ يُعْطِيَ الشَّيْخُ كِتَابَ سَمَاعِهِ بِيَدِهِ إلَى الْمُسْتَجِيزِ وَيَقُولَ هَذَا كِتَابِي وَسَمَاعِي عَنْ شَيْخِي فُلَانٍ فَقَدْ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا كَمَا يُوجِبُهُ الِاحْتِيَاطُ وَالْمُنَاوَلَةُ لِتَأْكِيدِ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْمُنَاوَلَةِ بِدُونِ الْإِجَازَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَالْإِجَازَةُ بِدُونِ الْمُنَاوَلَةِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ لِلْإِجَازَةِ دُونَ الْمُنَاوَلَةِ غَيْرَ أَنَّهَا زِيَادَةُ تَكَلُّفٍ أَحْدَثَهَا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ تَأْكِيدًا لِلْإِجَازَةِ فَكَانَتْ الْمُنَاوَلَةُ قِسْمًا مِنْ الْإِجَازَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْإِجَازَةِ فَأَبْطَلَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ وَأَبُو نَصْرٍ الْوَايِلِيُّ السِّجْزِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَنْهُ وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْخُجَنْدِيُّ عَنْهُ وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا إبَاحَةُ التَّحَدُّثِ وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَدِّثَهُ أَوْ يُخْبِرَهُ وَهَذَا إبَاحَةُ الْكَذِبِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَسْتَبِيحَ الْكَذِبَ إذَا أُبِيحَ، وَجَوَّزَهَا الْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إلَى تَجْوِيزِهَا؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحَدِّثٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُبَلِّغُ إلَيْهِ مَا صَحَّ عِنْدَهُ وَلَا يَرْغَبُ كُلُّ طَالِبٍ إلَى سَمَاعِ جَمِيعِ مَا صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ فَلَوْ لَمْ يُجَوِّزْ الْإِجَازَةَ لَأَدَّى إلَى تَعْطِيلِ السُّنَنِ وَانْدِرَاسِهَا وَانْقِطَاعِ أَسَانِيدِهَا وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْإِجَازَةُ مِنْ قَبِيلِ الرُّخْصَةِ لَا مِنْ الْعَزِيمَةِ فَكَانَ قَوْلُهُ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا صَحَّ مِنْ مَسْمُوعَاتِي فِي الْعُرْفِ جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ أَحَادِيثِي قَدْ سَمِعْته فَارْوِهِ عَنِّي فَلَا يَكُونُ كَذِبًا إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمَحْصُولِ وَالْمُعْتَمَدِ وَالْإِجَازَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ جَوَازِ الْمَاءِ الَّذِي يَسْقَاهُ الْمَالُ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ يُقَالُ: اسْتَجَزْتُ فُلَانًا فَأَجَازَنِي، إذَا أَسْقَاك مَاءً لِأَرْضِك أَوْ مَاشِيَتِك كَذَلِكَ طَالِبُ الْعِلْمِ يَسْأَلُ الْعَالِمَ أَنْ يُجِيزَهُ عِلْمَهُ فَيُجِيزَهُ إيَّاهُ فَعَلَى هَذَا لِلْمُجِيزِ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت فُلَانًا مَسْمُوعَاتِي أَوْ مَرْوِيَّاتِي فَيُعَدَّ بِهِ بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذِكْرِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ، وَيَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ مَنْ يَجْعَلُ الْإِجَازَةَ بِمَعْنَى التَّسْوِيغِ وَالْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فَتَقُولُ أَجَزْت لِفُلَانٍ رِوَايَةَ مَسْمُوعَاتِي مَثَلًا وَمَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ أَجَزْت لَهُ مَسْمُوعَاتِي فَعَلَى سَبِيلِ الْحَذْفِ الَّذِي لَا يَخْفَى نَظِيرُهُ. ثُمَّ الْإِجَازَةُ إنْ كَانَتْ لِمَوْجُودٍ مُعَيَّنٍ وَكَانَ الْمُجَازُ لَهُ عَالِمًا بِمَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَجَازَهُ بِرِوَايَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ صَحَّتْ الْإِجَازَةُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهَا وَحَلَّتْ لَهُ الرِّوَايَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَصِحُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ فَإِنَّ الشَّاهِدَ إذَا وَقَفَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الصَّكِّ وَكَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِمَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَقَالَ: أَجَزْت لَك أَنْ تَشْهَدَ عَلَيَّ بِجَمِيعِ

стр. 763

ثُمَّ الْمُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: أَجَازَ لِي فُلَانٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي وَالْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ: أَجَازَ لِي وَيَجُوزُ أَخْبَرَنِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دُونَ الْمُشَافَهَةِ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَا فِيهِ بَطَلَتْ الْإِجَازَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَصَحَّ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالرَّسَائِلِ أَنَّ عِلْمَ مَا فِيهِمَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِشْهَادِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ــ [كشف الأسرار] مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ كَانَ صَحِيحًا، فَكَذَا رِوَايَةُ الْخَبَرِ ثُمَّ الْمُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَهُوَ الْإِجَازَةُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الرِّوَايَةِ أَجَازَ لِي، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ فِي الْبَابِ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ لِوُجُودِ الْخِطَابِ وَالْمُشَافَهَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ قَوْلُهُ أَجَزْت لَك بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ إذْ الْخِطَابُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا أَصْلًا إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرْنَا دُونَ حَقِيقَةِ الْقِرَاءَةِ فَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ فِيهِ مَا قُلْنَا هَذَا هُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ الْأَحْوَطَ أَنْ يَقُولَ: أَجَازَ لِي فُلَانٌ وَإِنْ قَالَ: أَخْبَرَنِي فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْإِسْمَاعِ وَلَمْ يُوجَدْ. وَقَوْلُهُمْ قَدْ وُجِدَ الْخِطَابُ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قُلْنَا إنَّمَا وُجِدَ الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ أَجَزْت لَك لَا بِالْحَدِيثِ وَالْكِتَابِ الَّذِي يَرْوِيهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حَدَّثَنِي بِالْكِتَابِ أَوْ الْحَدِيثِ لَا بِالْإِجَازَةِ، وَعَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ ذَهَبُوا إلَى امْتِنَاعِ جَوَازِ حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي مُطْلَقًا لِإِشْعَارِهِمَا بِصَرِيحِ نُطْقِ الشَّيْخِ وَهُمَا مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ مِنْهُ كَذِبٌ بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ نَحْوَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي إجَازَةٌ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ كَالتَّحْدِيثِ عِنْدَهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى امْتِنَاعِ الْمُقَيَّدِ أَيْضًا احْتِيَاطًا، وَنُقِلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ خَصَّصَ الْإِجَازَةَ بِقَوْلِهِ خَبَّرَنَا بِالتَّشْدِيدِ وَالْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنَا وَذَكَرَ الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ حَدَّثَنِي فُلَانٌ وَفِيمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ لَفْظًا مَعَ غَيْرِهِ حَدَّثَنَا فُلَانٌ وَفِيمَا قَرَأَهُ عَلَى الْمُحَدِّثِ بِنَفْسِهِ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَفِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَاضِرٌ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَفِيمَا عُرِضَ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَأَجَازَ لَهُ رِوَايَتَهُ شِفَاهًا أَنْبَأَنِي فُلَانٌ وَفِيمَا كَتَبَ إلَيْهِ وَلَمْ يُشَافِهْهُ بِالْإِجَازَةِ كَتَبَ إلَى فُلَانٍ وَلَا يَجُوزُ فِي الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا؛ لِأَنَّهُ إضَافَةُ فِعْلِ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ إلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَقُولُ أَجَازَ لِي فُلَانٌ أَوْ أَنْبَأَنِي إجَازَةً وَالْأَوْلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ وَمُجَانَبَةُ الْكَذِبِ بِمَا يُمْكِنُهُ وَذَكَرَ فِي رِسَالَةِ أَبِي الْوَفَاءِ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ تَقُولُ أَجَازَ لِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ أَوْ يَقُولُ أَخْبَرَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ إجَازَةً أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ وَلَا يَتَلَفَّظُ لِشَيْخِهِ بِقَالَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَذِبًا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَلَفَّظْ لَهُ بِالْإِخْبَارِ وَالتَّحَدُّثِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَا فِيهِ) أَيْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُجَازُ لَهُ فِي الْكِتَابِ فَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ مُحْتَمِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَنْ التَّغْيِيرِ لَا يَحِلُّ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا عَنْ التَّغْيِيرِ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ الرِّوَايَةُ وَلَا يَصِحُّ الْإِجَازَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَيَحِلُّ وَيَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵏ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَيْ أَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ اخْتِلَافُهُمْ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَكِتَابِ الرِّسَالَةِ؛ فَإِنَّ عِلْمَ الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِشْهَادِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كِتَابُهُ وَخَاتَمُهُ قَبْلُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا مَا فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى أَشْيَاءَ لَا يُعْجِبُهُمَا أَنْ يَقِفَ عَلَيْهَا غَيْرُهُمَا، وَلِهَذَا يَخْتِمُ الْكِتَابَ وَمَعْنَى الِاحْتِيَاطِ قَدْ يَحْصُلُ إذَا شَهِدَا أَنَّهُ كِتَابُهُ وَخَتَمُهُ فَلَمْ يَشْتَرِطْ عِلْمَهُمَا بِمَا فِيهِ وَهُمَا يَقُولَانِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مَعْلُومًا لِلشَّاهِدِ وَالْمَقْصُودُ مَا فِي الْكِتَابِ لَا عَيْنُ

стр. 764

وَإِنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْإِسْرَارِ فِي الْعَادَةِ حَتَّى لَا يَجُوزَ فِي الصُّكُوكِ. وَكَذَلِكَ الْمُنَاوَلَةُ مَعَ الْإِجَازَةِ مِثْلُ الْإِجَازَةِ الْمُفْرَدَةِ سَوَاءٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي هَذَا الْبَابِ وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ بِالضَّرُورَةِ ــ [كشف الأسرار] الْكِتَابِ وَالْخَتْمِ وَكُتُبُ الْخُصُومَاتِ لَا تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْءٍ سِوَى الْخُصُومَةِ فَلِلسِّرِّ كِتَابٌ آخَرُ عَلَى حِدَةٍ فَأَمَّا مَا يُبْعَثُ عَلَى يَدِ الْخَصْمِ فَلَا يَشْتَمِلُ إلَّا عَلَى ذِكْرِ الْخُصُومَةِ وَلَفْظَ الشَّهَادَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَكِتَابُ الرِّسَالَةِ أَنْ يَكْتُبَ رِسَالَةً وَيَبْعَثَ إلَى مَنْ يُرِيدُهُ وَيُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ هَذِهِ رِسَالَتِي إلَى فُلَانٍ فَيُشْتَرَطُ عِلْمُ مَا فِي الْكِتَابِ عِنْدَ هُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ. قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ) أَيْ الْإِشْهَادَ بِدُونِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْأَسْرَارِ مِثْلُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَلَوْ شَرَطَ عِلْمَ الشُّهُودِ بِمَا فِيهِ رُبَّمَا أَفْشَى الشُّهُودُ بِسِرِّهِمْ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ حَتَّى لَمْ يُجَوَّزْ أَيْ الْإِشْهَادُ بِدُونِ عِلْمِ مَا فِي الصُّكُوكِ؛ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى الشُّهْرَةِ وَلَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى سِرٍّ يُكْتَمْ مِنْ الشُّهُودِ فَشُرِطَ عِلْمُ مَا فِيهَا لِصِحَّةِ الْإِشْهَادِ، وَفِي نِكَاحِ مُخْتَلَفَاتِ الْقَاضِي الْغَنِيِّ ﵀ أَجْمَعُوا فِي الصَّكِّ أَنَّ الْإِشْهَادَ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَعْلَمْ الشَّاهِدُ مَا فِي الْكِتَابِ فَاحْفَظْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَعْمَلُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى مَا فِي الصَّكِّ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ الْحُدُودِ، وَذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ وَالْغُنْيَةِ الِاخْتِلَافَ فِي الصَّكِّ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ فَيُحْتَمَلُ كَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَمْ يُجَوِّزْ فِي الصُّكُوكِ وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الْمُنَاوَلَةُ إلَى آخِرِهِ مُعْتَرَضٌ أَيْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْإِجَازَةُ بِغَيْرِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي بَابِ الْحَدِيثِ كَمَا فِي الصُّكُوكِ لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ وَهِيَ اشْتِمَالُ الْكِتَابِ عَلَى الْأَسْرَارِ إذْ كُتُبُ الْأَخْبَارِ لَا تَشْتَمِلُ عَلَى سِرٍّ يَخْفَى مِنْ أَحَدٍ إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ بِالضَّرُورَةِ أَيْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ الْإِجَازَةُ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ كَمَا جَازَ الْإِشْهَادُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي بِالضَّرُورَةِ وَهِيَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ يَحْتَاجُ إلَى تَبْلِيغِ مَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ إلَى الْغَيْرِ لِيَتَّصِلَ الْإِسْنَادُ وَيَبْقَى الدِّينُ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَقَدْ ظَهَرَ التَّكَاسُلُ وَالْتَوَانِي فِي النَّاسِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَرُبَّمَا لَا يَتَيَسَّرُ لِلطَّالِبِ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَفِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِمَا فِي الْكِتَابِ نَوْعُ تَنْفِيرٍ فَجُوِّزَتْ الْإِجَازَةُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ لِلضَّرُورَةِ كَمَا جُوِّزَتْ مَعَ الْعِلْمِ لِلضَّرُورَةِ وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْإِجَازَةَ يُسْتَحْسَنُ إذَا كَانَ الْمُجِيزُ عَالِمًا بِمَا يُجِيزُ وَالْمُجَازُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا تَوَسُّعٌ وَتَرْخِيصٌ يَتَأَهَّلُ لَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ لِمَسِيسِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَجَعَلَهُ شَرْطًا، وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ الْمَالِكِيُّ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا يَجُوزُ إلَّا لِمَاهِرٍ بِالصِّنَاعَةِ وَفِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُشْكِلُ إسْنَادُهُ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْمُنَاوَلَةُ مَعَ الْإِجَازَةِ مِثْلُ الْإِجَازَةِ الْمُفْرَدَةِ) أَيْ الْمُنَاوَلَةُ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا الْإِجَازَةُ مِثْلُ الْإِجَازَةِ الْمُفْرَدَةِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا اعْتِبَارَ لَهَا بِدُونِ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّهَا لِتَأْكِيدِ الْإِجَازَةِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْمُؤَكَّدِ بِدُونِ الْمُؤَكِّدِ كَذَا فِي عَامَّةِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ الْمُنَاوَلَةَ أَنْ يُشِيرَ الْإِنْسَانُ إلَى كِتَابٍ يَعْرِفُ مَا فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فَيَقُولُ لِغَيْرِهِ قَدْ سَمِعْت مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُحَدِّثًا بِأَنَّهُ سَمِعَهُ وَيَجُوزُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ فَيَقُولُ حَدَّثَنِي فُلَانٌ أَوْ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَسَوَاءٌ قَالَ ارْوِهِ أَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ حَدِّثْ عَنِّي بِمَا فِي هَذَا الْجُزْءِ وَلَمْ يَقُلْ قَدْ سَمِعْته؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُحَدِّثًا لَهُ بِهِ وَإِنَّمَا أَجَازَ لَهُ التَّحَدُّثُ بِهِ عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالتَّحَدُّثِ كَاذِبًا وَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ مُبَاحًا بِإِبَاحَتِهِ وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ الْمُنَاوَلَةَ عَلَى

стр. 765

وَإِنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إذَا أَمِنَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ ــ [كشف الأسرار] نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمُنَاوَلَةُ الْمَقْرُونَةُ لِإِجَازَةٍ وَهِيَ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَهَا صُوَرٌ مِنْهَا أَنْ يَدْفَعَ الشَّيْخُ إلَى الطَّالِبِ أَصْلَ سَمَاعِهِ أَوْ فَرْعًا مُقَابِلًا بِهِ وَيَقُولُ هَذَا سَمَاعِي أَوْ رِوَايَتِي عَنْ فُلَانٍ فَارْوِهِ عَنِّي أَوْ أَجَزْت لَك رِوَايَتَهُ عَنِّي ثُمَّ تَمَلَّكَهُ إيَّاهُ أَوْ يَقُولُ خُذْهُ وَانْسَخْهُ وَقَابِلْ بِهِ ثُمَّ رُدَّهُ إلَيَّ أَوْ نَحْوُ هَذَا. وَمِنْهَا أَنْ يَجِيءَ الطَّالِبُ إلَى الشَّيْخِ بِكِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ فَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِ فَيَتَأَمَّلُهُ الشَّيْخُ، وَهُوَ عَارِفٌ مُتَيَقِّظٌ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ وَقَفْت عَلَى مَا فِيهِ، وَهُوَ حَدِيثِي عَنْ فُلَانٍ أَوْ رِوَايَتِي عَنْ شُيُوخِي فِيهِ فَارْوِهِ عَنِّي أَوْ أَجَزْت لَك رِوَايَتَهُ عَنِّي، وَقَدْ سَمَّى هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَرْضًا، وَقَدْ قُلْنَا إنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ تُسَمَّى عَرْضًا أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ يُسَمَّى عَرْضُ الْقِرَاءَةِ وَهَذَا عَرْضُ الْمُنَاوَلَةِ، وَهَذِهِ الْمُنَاوَلَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْإِجَازَةِ حَالَّةٌ مَحَلَّ السَّمَاعِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ جَمَّةٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ مِثْلُ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَغَيْرِهِمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَالٍّ مَحَلَّ السَّمَاعِ وَأَنَّهُ مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ التَّحْدِيثِ لَفْظًا وَالْإِخْبَارِ قِرَاءَةً. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَمَّا فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ أَفْتَوْا فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَلَمْ يَرُدَّهُ سَمَاعًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ: وَعَلَيْهِ عَهِدْنَا أَئِمَّتَنَا وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ وَمِنْهَا أَنْ يُنَاوِلَ الشَّيْخُ الطَّالِبَ كِتَابَهُ وَيُجِيزَ لَهُ رِوَايَتَهُ عَنْهُ ثُمَّ تَمَسَّكَهُ الشَّيْخُ عِنْدَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ مِنْهُ فَهَذَا يَتَقَاعَدُ عَمَّا سَبَقَ لِعَدَمِ احْتِوَاءِ الطَّالِبِ عَلَى مَا تَحَمَّلَهُ وَغَيْبَتِهِ عَنْهُ وَجَازَ لَهُ رِوَايَةً ذَلِكَ عَنْهُ إذَا ظَفِرَ بِالْكِتَابِ أَوْ بِمَا هُوَ مُقَابِلٌ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَثِقُ مَعَهُ بِمُوَافَقَتِهِ لِمَا تَنَاوَلَتْهُ الْإِجَازَةُ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْإِجَازَاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمُنَاوَلَةِ، ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُنَاوَلَةِ لَا يَكَادُ يَظْهَرُ لَهَا حُصُولُ مَزِيَّةٍ عَلَى الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ مُنَاوَلَةٍ، وَقَدْ صَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا وَلَا فَائِدَةَ غَيْرَ أَنَّ شُيُوخَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ يَرَوْنَ لِذَلِكَ مَزِيَّةً مُعْتَبَرَةً، وَمِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الطَّالِبُ الشَّيْخَ بِكِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ فَيَقُولَ هَذَا رِوَايَتُك فَنَاوِلْنِيهِ وَأَجِزْ لِي رِوَايَتَهُ فَيُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ وَيَتَحَقَّقَ رِوَايَتَهُ لِجَمِيعِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَ الطَّالِبُ مَوْثُوقًا بِخَبَرِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَحِينَئِذٍ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ إجَازَةً جَائِزَةً؛ فَإِنَّ الْخَطِيبَ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ قَالَ حَدِّثْ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَنِّي إنْ كَانَ مِنْ حَدِيثِي مَعَ بَرَاءَتِي مِنْ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا حَسَنًا وَالثَّانِي الْمُنَاوَلَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْإِجَازَةِ بِأَنْ يُنَاوِلَهُ الْكِتَابَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا مِنْ حَدِيثِي أَوْ مِنْ سَمَاعَاتِي وَلَا يَقُولُ ارْوِهِ عَنِّي أَوْ أَجَزْت لَك رِوَايَتَهُ عَنِّي وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذِهِ مُنَاوَلَةٌ مُخْتَلَّةٌ لَا يَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا وَعَلَيْهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ عَلَى الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ أَجَازُوهَا وَسَوَّغُوا الرِّوَايَةَ بِهَا، وَحُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهَا مِثْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وَأَبِي نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاغِ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ وَغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَهُ) أَيْ إنَّمَا يَجُوزُ الرِّوَايَةُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْجَوَازِ إذَا كَانَ الْكِتَابُ مَأْمُونًا عَنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ فَإِنَّ

стр. 766

وَالْأَحْوَطُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مِثْلَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَصْلٌ فِي الدِّينِ وَأَمْرُهَا عَظِيمٌ وَخَطْبُهَا جَسِيمٌ وَفِي تَصْحِيحِ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ رَفْعُ الِابْتِلَاءِ وَحَسْمٌ لِبَابِ الْمُجَاهَدَةِ وَفَتْحٌ لِبَاب التَّقْصِيرِ وَالْبِدْعَةِ ــ [كشف الأسرار] عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ وَجَمِيعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَالُوا: إنَّ الرَّجُلَ إذَا سَمِعَ عَلَى شَيْخٍ نُسْخَتَهُ فِي كِتَابٍ مَشْهُورٍ مِثْلَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَثَلًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشِيرَ إلَى غَيْرِ تِلْكَ النُّسْخَةِ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَيَقُولُ: قَدْ سَمِعْته؛ لِأَنَّ النُّسَخَ مِنْ الْكِتَابِ الْوَاحِدِ قَدْ تَخْتَلِفُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ النُّسْخَتَيْنِ تَتَّفِقَانِ، فَكَذَا هُنَا وَالْأَحْوَطُ كَذَا أَيْ الْأَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَصِحُّ الْإِجَازَةُ بِدُونِ عِلْمِ مَا فِي الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا كَمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَصْلُ الدِّينِ لِبِنَاءِ أَكْثَرِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهَا وَخَطْبُهَا جَسِيمٌ فَلَا وَجْهَ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةٍ تُحْتَمَلُ الْإِمَامَةُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ مَفْهُومَةً مَعْلُومَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُ فَلَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يَفْهَمْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ فَفِي الْإِجَازَةِ الَّتِي هِيَ دُونَ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ، وَفِي تَصْحِيحِ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ رَفْعٌ لِلِابْتِلَاءِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ مُبْتَلَوْنَ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ فِي ذَلِكَ مِنْ هَجْرِ الْإِخْوَانِ وَالْخِلَافِ وَقَطْعِ الْأَسْفَارِ الْبَعِيدَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَكَارِهِ الْغُرْبَةِ كَمَا وَقَعَتْ إلَيْهِ الْإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «اُطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ» فَلَوْ جُوِّزَتْ الْإِجَازَةُ بِدُونِ عِلْمٍ لَرَغِبَ النَّاسُ عَنْ التَّعْلِيمِ اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِدُونِهِ. وَحَسْمٌ لِبَابِ الْمُجَاهَدَةِ أَيْ قَطْعٌ لِلْجِهَادِ؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ جِهَادٌ فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِدُونِ الْعِلْمِ تَكَاسَلَ فِي طَلَبِهِ وَانْقَطَعَ عَنْهُ وَفَتْحٌ لَبَابِ التَّقْصِيرِ وَالْبِدْعَةِ إذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ مِثْلُ هَذِهِ الْإِجَازَةِ فَتَكُونُ بِدْعَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ بِدُونِ عِلْمٍ نَظِيرُ سَمَاعِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ بِأَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَهْلًا لِلتَّحَمُّلِ فِي الْحَالِ وَالرِّوَايَةُ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَكَأَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: قَدْ أَقْدَمَ الْمَشَايِخُ عَلَى إجَازَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالرِّوَايَةِ عِنْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِيك بَيَانُهُ فَقَالَ ذَلِكَ نَظِيرُ سَمَاعِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّحَمُّلِ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَحْضَرُوا الصِّبْيَانَ مَجَالِسَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ؛ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ لَا عَلَى أَنَّهُ طَرِيقٌ يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَنُبَيِّنُ الْآنَ أَنْوَاعَ الْإِجَازَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ فَقَالَ الْإِجَازَةُ أَنْوَاعٌ: أَوَّلُهَا: أَنْ يُجِيزَ لِمُعَيَّنٍ فِي مُعَيَّنٍ مِثْلَ أَنْ أَجَزْت لَك الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ أَوْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَهْرَسَتِي هَذِهِ فَهِيَ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمُنَاوَلَةِ، حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا إنَّمَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِ هَذَا النَّوْعِ. وَالثَّانِي أَنْ يُجِيزَ لِمُعَيِّنٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت لَك أَوْ لَكُمْ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِي أَوْ جَمِيعُ مَرْوِيَّاتِي وَالْخِلَافُ فِي هَذَا النَّوْعِ أَقْوَى وَأَكْثَرُ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِهَا أَيْضًا وَإِيجَابُ الْعَمَلِ بِمَا رُوِيَ بِهَا. وَالثَّالِثُ أَنْ يُجِيزَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِوَصْفِ الْعُمُومِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِكُلِّ أَحَدٍ أَوْ لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانِي وَمَا أَشْبَهَهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِمَّنْ جَوَّزَ أَصْلَ الْإِجَازَةِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِوَصْفٍ حَاضِرٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهُوَ إلَى الْجَوَازِ أَقْرَبُ وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ الْحَافِظُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَلَمْ نَرَ وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الْإِجَازَةَ

стр. 767

وَإِنَّمَا ذَلِكَ نَظِيرُ سَمَاعِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ وَذَلِكَ أَمْرٌ يُتَبَرَّكُ بِهِ لَا طَرِيقٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، وَأَمَّا مَنْ جَلَسَ مَجْلِسَ السَّمَاعِ، وَهُوَ يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِنَظَرٍ فِي كِتَابٍ غَيْرِ الَّذِي يَقْرَأُ أَوْ يَخُطُّ بِقَلَمٍ أَوْ يَعْرِضُ عَنْهُ بِلَهْوٍ وَلَعِبٍ أَوْ يَغْفُلُ عَنْهُ بِنَوْمٍ وَكَسَلٍ فَلَا ضَبْطَ لَهُ وَلَا أَمَانَةَ وَتُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرَمَ خَطُّهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلَا يَقُومُ الْحُجَّةُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَتَّصِلُ الْإِسْنَادُ بِخَبَرِهِ إلَّا مَا يَقَعُ مِنْ ضَرُورَةٍ؛ فَإِنَّهُ عَفْوٌ وَصَاحِبُهُ مَعْذُورٌ ــ [كشف الأسرار] فَرُوِيَ بِهَا وَلَا عَنْ الشِّرْزِمَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الَّذِينَ سَوَّغُوهَا وَالْإِجَازَةُ فِي أَصْلِهَا ضَعْفٌ وَتَزْدَادُ بِهَذَا التَّوَسُّعِ وَالِاسْتِرْسَالِ ضَعْفًا كَثِيرًا لَا يَنْبَغِي احْتِمَالُهُ. وَالرَّابِعُ الْإِجَازَةُ لِلْمَجْهُولِ أَوْ بِالْمَجْهُولِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَجَزْت لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الدِّمَشْقِيِّ، وَقَدْ اشْتَرَكَتْ جَمَاعَةٌ فِي هَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ أَوْ يَقُولُ أَجَزْت لِفُلَانٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي كِتَابَ السُّنَنِ، وَهُوَ يَرْوِي جَمَاعَةٌ مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ الْمُعَرَّفَةِ بِذَلِكَ ثُمَّ لَا يُعَيِّنُ فَهَذِهِ إجَازَةٌ فَاسِدَةٌ لَا فَائِدَةَ لَهَا. وَالْخَامِسُ الْإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت لِمَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي جَوَازِهِ؛ فَإِنَّ عَطْفَ الْمَعْدُومِ عَلَى الْمَوْجُودِ بِأَنْ قَالَ أَجَزْت لِفُلَانٍ وَلِمَنْ يُولَدُ لَهُ أَوْ أَجَزْت لَك وَلِوَلَدِك وَلِعَقِبِك مَا تَنَاسَلُوا كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إلَى الْجَوَازِ، وَإِنْ أُجِيزَ لِلْمَعْدُومِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ عَلَى الْمَوْجُودِ فَقَدْ جَوَّزَهُ قَوْمٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ إذْنٌ فِي الرِّوَايَةِ لَا مُحَادَ بِهِ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ حَمَلَهُ بِالْمَجَازِ فَكَمَا لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ لِلْمَعْدُومِ لَا يَصِحُّ الْإِجَازَةُ لَهُ وَلَوْ قَدَّرْنَا أَيْضًا أَنَّ الْإِجَازَةَ إذْنٌ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِلْمَعْدُومِ أَيْضًا كَمَا لَا يَصِحُّ الْإِذْنُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ لِلْمَعْدُومِ لِوُقُوعِهِ فِي حَالَةٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا الْمَأْذُونُ فِيهِ مِنْ الْمَأْذُونِ لَهُ وَهَذَا أَيْضًا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ قَالَ الْخَطِيبُ سَأَلْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ عَنْ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّتِهَا سِنُّهُ أَوْ تَمْيِيزُهُ كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ سَمَاعِهِ فَقَالَ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ قَالَ فَقُلْت لَهُ إنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ لَا يَصِحُّ الْإِجَازَةُ لِمَنْ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ فَقَالَ قَدْ يَصِحُّ أَنْ يُجِيزَ لِلْغَائِبِ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ السَّمَاعُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا إنَّ الْإِجَازَةَ إبَاحَةُ الْمُجِيزِ لِلْمُجَازِ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ وَالْإِبَاحَةُ يَصِحُّ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِ الْعَاقِلِ قَالَ وَعَلَى هَذَا رَأَيْنَا شُيُوخَنَا كَافَّةً يُجِيزُونَ لِلْأَطْفَالِ الْغُيَّبِ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ مَبْلَغِ أَسْنَائِهِمْ وَحَالِ تَمَيُّزِهِمْ وَلَمْ نَرَهُمْ أَجَازُوا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا الطِّفْلَ أَهْلًا لِتَحَمُّلِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ لِيُؤَدِّيَ بِهِ بَعْدَ حُصُولِ أَهْلِيَّتِهِ حِرْصًا عَلَى تَوْسِيعِ السَّبِيلِ إلَى بَقَاءِ الْإِسْنَادِ. وَالسَّادِسُ: إجَازَةُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُجِيزُ لِيَرْوِيَهُ الْمُجَازُ لَهُ إذَا تَحَمَّلَهُ الْمُجِيزُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ فِيهِ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إخْبَارٌ وَلَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ بِمَا لَا خِبْرَةَ عِنْدَهُ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَرْوِيَ بِالْإِجَازَةِ عَنْ شَيْخٍ إجَازَةٌ لَهُ جَمِيعُ مَسْمُوعَاتِهِ مَثَلًا أَنْ يَرْوِيَ مَا سَمِعَهُ شَيْخُهُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ لَا بَعْدَهَا. وَالسَّابِعُ: إجَازَةُ الْمُجَازِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَجَزْت لَك مُجَازَاتِي وَأَجَزْت لَك رِوَايَةَ مَا أُجِيزَ لِي رِوَايَتُهُ وَمَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِبَارٌ بِامْتِنَاعِ تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَمَا لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ بِالْإِجَازَةِ لِمَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْمُجَازِ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ بِالسَّمَاعِ لِمَنْ جَلَسَ مَجْلِسَ السَّمَاعِ، وَهُوَ يَشْغَلُ أَيْ يَغْفُلُ عَنْهُ بِسَبَبِ نَظَرٍ فِي كِتَابٍ غَيْرَ الَّذِي يَقْرَأُ كَمَا حَكَى شَيْخُنَا ﵀ أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ سَيْفَ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ الْبَاخَرْزِيَّ ﵀ كَانَ يَقْرَأُ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ جَمَالِ الدِّينِ الْمَحْبُوبِيِّ ﵀ فِي جَمَاعَةٍ وَكَانَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نُسْخَةٌ عَتِيقَةٌ يَنْظُرُ فِيهِ فَاشْتَبَهَ لَفْظٌ يَوْمًا فَقِيلَ اُنْظُرُوا فِي تِلْكَ النُّسْخَةِ الْعَتِيقَةِ فَنَظَرُوا فَإِذَا هِيَ شَرْحُ الطَّحَاوِيِّ يَسْتَمِعُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ فَلَا ضَبْطَ لَهُ وَلَا أَمَانَةَ إلَى آخِرِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَفَاءِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَلِيٍّ

стр. 768

قِفْ. وَإِذَا صَحَّ السَّمَاعُ وَجَبَ الْحِفْظُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ وَذَلِكَ نَوْعَانِ أَيْضًا ــ [كشف الأسرار] فِي رِسَالَتِهِ إنَّ سَمَاعَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ وَلِمُبَاشَرَتِهِ وَاقْتِبَاسِهِ حُرْمَةٌ قَوِيَّةٌ فَلَا يُبَاشِرُ إلَّا بِالتَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَلَا يُقَدَّمُ إلَّا عَلَيْهِ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ قَالَ وَلَقِيت مِنْ مَشَايِخِي مَنْ لَا يَدْخُلُ بَيْتَ كُتُبِهِ وَالْمَوَاضِعَ الْمَعْهُودَةَ لِكُتُبِ الْحَدِيثِ إلَّا بِالطَّهَارَةِ وَلَا يَبِيتُ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْت مِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَجِيزُ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ الضَّحِكُ وَالْمِزَاجُ وَالِانْبِسَاطُ وَالْكَلَامُ مَثَلًا بِحَضْرَةِ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَفِي مَجْلِسِ الْحَدِيثِ فَهَذَا هُوَ الطَّرِيقَةُ الْمُرْضِيَةُ فَأَمَّا مَنْ يُجَازِفُ وَيَسْتَخِفُّ بِهَذَا الْأَمْرِ وَيَتَهَاوَنُ بِهِ وَقْتَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ فَلَا كَرَامَةَ لَهُ وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ حَدِيثُ الرَّسُولِ ﷺ وَلَا مِمَّنْ يَكُونُ مِكْثَارًا مِهْذَارًا صَاحِبَ هَذَيَانٍ وَوُقُوعٍ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ وَغِيبَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا مِمَّنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حِفْظِ لِسَانِهِ مِنْ الْفُحْشِ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ الْحَدِيثَ وَالْأَثَرَ مِنْ شَيْخٍ صَالِحٍ عَفِيفٍ وَقُورٍ سَكُوتٍ إلَّا عَمَّا يَعْنِيهِ مِنْ الْكَلَامِ وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ مُرَاعٍ لِلْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعِ كَافٍّ لِلِّسَانِ عَمَّا ذَكَرْت وَيَعْرِفُ مَا يَخْرُجُ مِنْ حَدِيثِهِ وَكُتُبِهِ إلَى النَّاسِ وَيَعْرِفُ صَوَابَهُ مِنْ خَطَئِهِ وَيَغْلِبُ صَوَابُهُ عَلَى خَطَئِهِ وَيُحْسِنُ مُرَاعَاةَ عَيْنِ سَمَاعِهِ وَالْمُقَابَلَةَ، وَإِذَا خَطَأَ وَنُبِّهَ عَلَيْهِ رَجَعَ إلَى الصَّوَابِ، وَإِذَا كَانَ الْخَطَأُ مِنْ عِنْدِهِ لَا يُلِحُّ وَلَا يَدَّعِي أَنَّهُ كَذَا سَمِعَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ قَالَ وَهَذَا أَمْرٌ الِاحْتِيَاطُ وَالتَّنَزُّهُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ بِحَالٍ وَمَنْ كَانَ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَيْقَنُ وَأَعْرَفُ فَهُوَ أَجْبَنُ وَأَخْوَفُ وَمَنْ كَانَ فِيهِ أَجْهَلُ وَأَغْمَرُ فَهُوَ فِيهِ أَغْفَلُ وَأَجْسَرُ. وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ اعْتِبَارَ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْ الشُّرُوطِ فِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَمَشَايِخِهِ قَدْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ بِهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلْيُعْتَبَرْ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَرَضُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى خِصِّيصَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْأَسَانِيدِ وَالْمُجَاوَزَةِ مِنْ انْقِطَاعِ سِلْسِلَتِهَا وَلِيَكْتَفِ فِي أَهْلِيَّةِ الشَّيْخِ بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُتَظَاهِرٍ بِالْفِسْقِ وَالسُّخْفِ وَفِي ضَبْطِهِ بِوُجُودِ سَمَاعِهِ مُثْبَتًا بِخَطٍّ غَيْرَ مُتَّهَمٍ وَبِرِوَايَتِهِ مِنْ أَصْلٍ مُوَافِقٍ لِأَصْلِ شَيْخِهِ وَذُكِرَ عَنْ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيّ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي قَدْ صَحَّتْ أَوْ وَقَعَتْ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ قَدْ دُوِّنَتْ وَكُتِبَتْ فِي الْجَوَامِعِ الَّتِي جَمَعَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى جَمِيعِهِمْ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَذْهَبَ عَلَى بَعْضِهِمْ لِضَمَانِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ حِفْظَهَا فَمَنْ جَاءَ الْيَوْمَ بِحَدِيثٍ لَا يُوجَدُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَمَنْ جَاءَ بِحَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ فَاَلَّذِي يَرْوِيهِ لَا يَنْفَرِدُ بِرِوَايَتِهِ وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِحَدِيثِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَالْقَصْدُ مِنْ رِوَايَتِهِ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ الْحَدِيثُ مُسَلْسَلًا بِحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَتَبْقَى هَذِهِ الْكَرَامَةُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ شَرَفًا لِنَبِيِّنَا الْمُصْطَفَى ﷺ . وَقَوْلُهُ إلَّا مَا يَقَعُ عَنْ ضَرُورَةِ اسْتِثْنَاءٍ عَنْ قَوْلِهِ يَشْتَغِلُ وَيَعْرِضُ وَيَغْفُلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْ الِاشْتِغَالُ بِالنَّظَرِ وَالْإِعْرَاضُ وَالْغَفْلَةُ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الضَّبْطِ وَالسَّمَاعِ إلَّا مِقْدَارُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَهُوَ الْقَلِيلُ فَإِنَّهُ جُعِلَ عَفْوًا؛ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا صَحَّ السَّمَاعُ) ذَكَرَ فِي طَرَفِ السَّمَاعِ قِسْمًا آخَرَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْحِفْظُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قِسْمٌ آخَرُ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ جَعَلَهُ مِنْ تَوَابِعِ السَّمَاعِ فَقَالَ: وَإِذَا صَحَّ السَّمَاعُ أَيْ حَصَلَ إمَّا بِقِرَاءَةِ الْمُحَدِّثِ أَوْ بِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ أَوْ بِالْكِتَابِ إلَيْهِ أَوْ بِالرِّسَالَةِ أَوْ بِالْإِجَازَةِ أَوْ بِالْمُنَاوَلَةِ وَجَبَ حِفْظُ الْمَسْمُوعِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ السَّمَاعِ الْعَمَلُ وَالتَّبْلِيغُ وَلَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ الْحِفْظِ " وَذَلِكَ أَيْ الْحِفْظُ نَوْعَانِ أَيْضًا

стр. 769

تَامٌّ وَمَا دُونَهُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ فَالْأَوَّلُ عَزِيمَةٌ مُطْلَقَةٌ وَالثَّانِي رُخْصَةٌ انْقَلَبَتْ عَزِيمَةً أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْحِفْظُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ الْخَطِّ وَهَذَا فَضْلٌ خُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ لِقُوَّةِ نُورِ الْقَلْبِ اسْتَغْنَى عَنْ الْخَطِّ، وَكَانُوا لَا يَكْتُبُونَ مِنْ قَبْلُ ثُمَّ صَارَتْ الْكِتَابَةُ سُنَّةً فِي الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ صِيَانَةً لِلْعِلْمِ لِفَقْدِ الْعِصْمَةِ مِنْ النِّسْيَانِ. (وَهَذَا بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ) وَهَذَا يَتَّصِلُ بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ بَابِ الضَّبْطِ. وَهُوَ نَوْعَانِ مَا يَكُونُ مُذَكَّرًا، وَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي انْقَلَبَ عَزِيمَةً وَمَا يَكُونُ إمَامًا لَا يُفِيدُ تَذَكُّرُهُ، أَمَّا الَّذِي يَكُونُ مُذَكَّرًا فَهُوَ حُجَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ خَطُّهُ أَوْ خَطُّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ أَوْ مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الذِّكْرُ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ النِّسْيَانِ غَيْرُ مُمْكِنٍ ــ [كشف الأسرار] كَالسَّمَاعِ وَالتَّبْلِيغِ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قِسْمَانِ تَامٌّ أَيْ كَامِلٌ وَمَا دُونَ التَّامِّ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِهِ يَعْنِي قُصُورَهُ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا قُوبِلَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْقِسْمُ الثَّانِي الَّذِي انْقَلَبَ عَزِيمَةً أَقْوَى مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حَتَّى كَانَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْكِتَابِ أَقْوَى مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ الْحِفْظِ لِتَمَكُّنِ الْخَلَلِ فِيهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الْعَزِيمَةُ الْمُطْلَقَةُ فَالْحِفْظُ مِنْ وَقْتِ السَّمَاعِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ الْخَطِّ أَيْ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى كِتَابَةِ الْمَسْمُوعِ خَوْفًا مِنْ النِّسْيَانِ وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى الرُّجُوعِ إلَى كِتَابٍ لِلتَّذَكُّرِ بَلْ الْحِفْظُ مُسْتَدَامٌ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ وَالْحِفْظِ بِالْقَلْبِ غَايَةَ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْحِفْظِ وَمَعْدِنُهُ، وَكَانُوا لَا يَكْتُبُونَ أَيْ الصَّحَابَةُ ﵃ لَا يَكْتُبُونَ الْأَخْبَارَ بَلْ يَحْفَظُونَهَا وَيَرْوُونَهَا عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ بِبَرَكَةِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا دَنَا انْقِرَاضُ عَصْرِهِمْ وَبَعُدَ زَمَانُ النُّبُوَّةِ صَارَتْ الْكِتَابَةُ سُنَّةً أَيْ طَرِيقَةً مُرْضِيَةً فِي الْكِتَابِ أَيْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَدِيثِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَأْخُذُونَ الْعِلْمَ حِفْظًا ثُمَّ أُبِيحَ لَهُمْ الْكِتَابُ أَيْ الْكِتَابَةُ لِمَا حَدَثَ بِهِمْ مِنْ الْكَسَلِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» أَيْ بِالْكِتَابَةِ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو ﵀ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي جَوَازِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ فَكَرِهَهَا عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي جَمَاعَةٍ آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَبَاحَهَا عَلِيٌّ وَابْنُهُ الْحَسَنُ وَأَنَسٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃ فَالْحُجَّةُ لِلْفَرِيقِ الْأَوَّلِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا إلَّا الْقُرْآنَ وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلِيَمْحُهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَالْحُجَّةُ لِلْفَرِيقِ الثَّانِي حَدِيثُ «أَبِي شَاهٍ الْيَمَنِيِّ فِي الْتِمَاسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ خُطْبَتِهِ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ» . وَقَوْلُهُ ﷺ «اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ» وَلَعَلَّهُ ﷺ أَذِنَ فِي الْكِتَابَةِ عَنْهُ لِمَنْ خَشَى عَلَيْهِ النِّسْيَانُ وَنَهَى عَنْ الْكِتَابَةِ عَنْهُ مَنْ وَثِقَ بِحِفْظِهِ مُحَافَظَةَ الِاتِّكَالِ عَلَى الْكِتَابِ أَوْ نَهَى عَنْ كِتَابَةِ ذَلِكَ حِينَ خَافَ عَلَيْهِمْ اخْتِلَاطُ ذَلِكَ بِصُحُفِ الْقُرْآنِ وَأَذِنَ فِي كِتَابَتِهِ حِينَ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ وَلَوْلَا تَدْوِينُهُ لِدَرَسَ فِي الْأَعْصُرِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صِيَانَةً لِلْعِلْمِ عَنْ الِانْدِرَاسِ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ صَارَتْ الْكِتَابَةُ سُنَّةً. وَقَوْلُهُ لِفَقْدِ الْعِصْمَةِ عَنْ النِّسْيَانِ تَعْلِيلٌ لِلْمَجْمُوعِ أَيْ صَيْرُورَةَ الْكِتَابَةِ سُنَّةً لِأَجْلِ الصِّيَانَةِ بِاعْتِبَارِ فَقْدِ الْعِصْمَةِ عَنْ النِّسْيَانِ بِفَوَاتِ النَّبِيِّ ﵇، وَقَوْلُهُ ثُمَّ صَارَتْ الْكِتَابَةُ بَيَانَ الْقِسْمِ الثَّانِي. [بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ] وَهَذَا أَيْ الَّذِي نَشْرَعُ فِيهِ (بَابُ الْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ) : وَهُمَا وَاحِدٌ وَهَذَا أَيْ هَذَا الْقِسْمُ أَوْ هَذَا الْبَابُ يَتَّصِلُ بِبَابِ الضَّبْطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْحِفْظِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْكِتَابَةِ، وَهُوَ نَوْعَانِ أَيْ الْحَاصِلُ بِالْكِتَابَةِ وَالْخَطِّ، وَهُوَ الْكِتَابُ نَوْعَانِ مَا يَكُونُ مُذَكَّرًا، وَهُوَ مَا يُتَذَكَّرُ بِالنَّظَرِ فِيهِ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُ وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الذِّكْرُ فَلَا يُبَالِي بَعْدَ حُصُولِهِ بِأَنْ حَصَلَ بِالتَّفَكُّرِ أَوْ بِالنَّظَرِ فِي الْكِتَابِ وَالنِّسْيَانُ الْوَاقِعُ قَبْلَ التَّذَكُّرِ مَعْفُوٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّ عَدَمِ جَوَازِ الرِّوَايَةِ أَدَّى إلَى تَعْطِيلِ الْأَخْبَارِ وَالْأَحَادِيثِ كَيْفَ وَالنِّسْيَانُ مُرَكَّبٌ فِي الْإِنْسَانِ وَلَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ إلَّا بِحَرَجٍ بَيِّنٍ وَذَلِكَ مَدْفُوعٌ وَبَعْدَ النِّسْيَانِ النَّظَرُ فِي الْكِتَابِ طَرِيقٌ لِلتَّذَكُّرِ وَعَوْدٌ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِفْظِ، وَإِذَا عَادَ كَمَا كَانَ فَالرِّوَايَةُ تَكُونُ عَنْ حِفْظٍ تَامٍّ

стр. 770

وَإِنَّمَا كَانَ دَوَامُ الْحِفْظِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَطُّ أَمَامًا لَا يَذْكُرُهُ شَيْئًا؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ لَا يَحِلُّ الرِّوَايَةُ بِمِثْلِهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْخَطَّ لِلْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ لِلْعَيْنِ وَالْمِرْآةُ إذَا لَمْ تُفِدْ لِلْعَيْنِ دَرْكًا كَانَ عَدَمًا فَالْخَطُّ إذَا لَمْ يُفِدْ لِلْقَلْبِ ذِكْرًا كَانَ هَدَرًا، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْخَطُّ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ فِيمَا يَجِدُ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ مِمَّا لَا يَذْكُرُهُ وَمَا يَكُونُ فِي السُّنَنِ وَالْأَحَادِيثِ وَمَا يَكُونُ فِي الصُّكُوكِ وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِالْخَطِّ فِي الْكُلِّ وَالْعَزِيمَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ــ [كشف الأسرار] وَإِنَّمَا كَانَ دَوَامُ الْحِفْظِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِالْحِفْظِ الدَّائِمِ لِقُوَّةِ نُورِ قَلْبِهِ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ النِّسْيَانُ مُتَصَوَّرًا فِي حَقِّهِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] ، وَقَدْ «وَقَعَ لَهُ ﵇ تَرَدُّدٌ فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى قَالَ لِأُبَيِّ ﵁ هَلَّا ذَكَّرْتنِي» ، وَإِذَا تُصُوِّرَ فِي حَقِّهِ فَكَيْفَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] أَيْ نُعَلِّمُك الْقُرْآنَ وَنَجْعَلُك قَارِئًا لَهُ فَلَا تَنْسَى مِنْهُ شَيْئًا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَنْسَخَهُ فَيُزِيلَ حِفْظَهُ عَنْ الْقُلُوبِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلَا تَنْسَى إلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ إنْسَاءَك؛ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا شَاءَ ثُمَّ هُوَ لَا يُنْسِيك وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ، وَهُوَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَكَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِك لَأُعْطِيَنَّكَ كُلَّ مَا سَأَلْت إلَّا أَنْ أَشَاءَ أَنْ أَمْنَعَك وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ أَنْ تَمْنَعَهُ كَذَا فِي التَّيْسِيرِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَطُّ إمَامًا لَا يَذْكُرُهُ شَيْئًا) بِأَنْ وَجَدَ سَمَاعًا مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ السَّمَاعَ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُجَوِّزُ الرِّوَايَةَ بِمِثْلِهِ بِحَالٍ أَيْ بِمِثْلِ هَذَا الْخَطِّ الَّذِي لَا يَذْكُرُ شَيْئًا سَوَاءٌ كَانَ خَطَّهُ أَوْ خَطَّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكِتَابِ أَنْ يَتَذَكَّرَ إذَا نَظَرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ لِلْقَلْبِ كَالْمِرْآةِ لِلْعَيْنِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمِرْآةُ لِيَحْصُلَ الْإِدْرَاكُ بِالْعَيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ كَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَكَذَا الْخَطُّ لِلتَّذَكُّرِ بِالْقَلْبِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْخَطِّ إمَامًا أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا لَمْ يَسْتَفِدْ التَّذَكُّرَ بِهِ كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى الْخَطِّ لَا غَيْرُ كَاعْتِمَادِ الْمُقْتَدِي عَلَى الْإِمَامِ فَكَانَ الْخَطُّ إمَامَهُ دُونَ الْحِفْظِ وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ إذَا رَوَى الرَّاوِي الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَرَأَهُ عَلَى نَهْجِهِ أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ وَتَذَكَّرَ أَلْفَاظَ قِرَاءَتِهِ وَوَقْتَهَا أَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ جَازَتْ الرِّوَايَةُ وَالْأَخْذُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ فِي الْحَالِ بِأَنَّهُ قَرَأَ جَمِيعَ مَا فِي الْكِتَابِ أَوْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ الْكِتَابَ أَوْ يَظُنَّ ذَلِكَ أَوْ يُجَوِّزْ الْأَمْرَيْنِ تَجْوِيزًا عَلَى السَّوِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهِ أَوْ ظَانٌّ أَوْ شَاكٌّ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ لِمَا فِي الْكِتَابِ وَلَا قِرَاءَتَهُ وَلَكِنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ لِمَا يَرَى مِنْ خَطِّهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵏ يَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَلَى كُتُبِ النَّبِيِّ ﵇ نَحْوَ كِتَابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مِنْ غَيْرِ أَنَّ رَاوِيًا رَوَى ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُمْ بَلْ عَمِلُوا لِأَجْلِ الْخَطِّ وَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَازَ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْخَطُّ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ) أَيْ يَتَحَقَّقُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْخَطِّ وَعَدَمِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِيمَا يَجِدُ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ مِنْ صَحِيفَةٍ فِيهَا شَهَادَةُ شُهُودٍ لَا يَتَذَكَّرُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِذَلِكَ أَوْ سُجِّلَ بِخَطِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْحَادِثَةَ وَمَا يَكُونُ فِي الْأَحَادِيثِ كَمَا بَيَّنَّا وَمَا يَكُونُ فِي الصُّكُوكِ بِأَنْ يَرَى الشَّاهِدُ خَطَّهُ فِي صَكٍّ وَلَا يَتَذَكَّرُ الْحَادِثَةَ. وَالْعَزِيمَةُ أَيْ الْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْخَطِّ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ وَالشَّهَادَةَ وَتَنْفِيذَ الْقَضَاءِ لَا يَكُونُ

стр. 771

وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَاتُهُ وَالرُّخْصَةُ فِيمَا قَالَا فَصَارَتْ الْكِتَابَةُ لِلْحِفْظِ عَزِيمَةً وَبِلَا حِفْظٍ رُخْصَةً وَالْعَزِيمَةُ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَالرُّخْصَةُ أَنْوَاعٌ مَا يَكُونُ بِخَطٍّ مُوَثَّقًا بِيَدِهِ لَا يَحْتَمِلُ تَبْدِيلًا وَكَذَلِكَ مَا يُوجَدُ بِخَطٍّ مَعْرُوفٍ لِرَجُلٍ ثِقَةٍ مُوَثَّقٍ بِيَدِهِ وَمَا يَكُونُ بِخَطِّ مَجْهُولٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فِي الْحَدِيثِ وَالصُّكُوكِ وَدِيوَانِ الْقَاضِي، أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ عَمِلَ بِهِ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِهِ لِلْأَمْنِ عَنْ التَّزْوِيرِ وَعَمِلَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ إنْ كَانَ لِهَذَا الشَّرْطِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ لَمْ يَحِلَّ الْعَمَلُ بِهِ فِي الدِّيوَانِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيرَ فِي بَابِهِ غَالِبٌ لِمَا يَتَّصِلُ بِالْمَظَالِمِ وَحُقُوقِ النَّاسِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ جَائِزٌ إذَا كَانَ خَطًّا مَعْرُوفًا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلَ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ وَيُؤْمَنُ فِيهِ الْغَلَطُ؛ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَالْمَحْفُوظُ بِيَدِ الْأَمِينِ مِثْلُ الْمَحْفُوظِ بِيَدِهِ، وَأَمَّا فِي الصُّكُوكِ فَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ يَدِ الْخَصْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الشَّاهِدِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ إلَّا فِي الصُّكُوكِ؛ فَإِنَّهُ جَوَّزَ الْعَمَلَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ اسْتِحْسَانًا تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ إذَا أَحَاطَ عِلْمًا بِأَنَّهُ خَطُّهُ وَلَمْ يَلْحَقْهُ شَكٌّ وَشُبْهَةٌ وَالْغَلَطُ فِي الْخَطِّ نَادِرٌ ــ [كشف الأسرار] إلَّا بِعِلْمٍ وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ شَبَهًا لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا فَبِصُورَةِ الْخَطِّ لَا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ بَلْ يَقَعُ بِالْبِنَاءِ عَلَيْهِ ضَرْبُ شُبْهَةٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِالْجَدِّ فِي الْحِفْظِ فَلَا يَلْغُو اعْتِبَارُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِنِسْيَانٍ يَكُونُ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْحِفْظِ، وَمَا فَسَدَ دِينٌ مِنْ الْأَدْيَانِ إلَّا بِالْبِنَاءِ عَلَى الصُّوَرِ دُونَ الْمَعَانِي، أَلَا تَرَى أَنَّا لَا نَقْبَلُ رِوَايَةَ الْأَخْرَسِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَعْقُولَةٌ لِضَرْبِ شُبْهَةٍ فِيهَا يَقَعُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِغَيْرِهَا فَاعْتَبَرْنَاهَا وَلَمْ نَعْتَبِرْ فِيمَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا فَيَثْبُتُ بِهَا النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا فِي حَقِّهِ. وَالرُّخْصَةُ فِيمَا قَالَاهُ يَعْنِي مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْعَزِيمَةَ إلَّا أَنَّ مَا قَالَاهُ لَيْسَ بِفَاسِدٍ أَيْضًا بَلْ هُوَ رُخْصَةٌ وَلِلرُّخْصَةِ مَجَالٌ فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ دَوَامِ الْحِفْظِ مِنْ وَقْتِ السَّمَاعِ إلَى وَقْتِ التَّبْلِيغِ قَدْ سَقَطَ وَذَلِكَ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ. وَكَذَا الرِّوَايَةُ بِنَاءً عَلَى الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ، وَالْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ فَلَمَّا كَانَ لِلرُّخْصَةِ مَدْخَلٌ فِي هَذَا الْبَابِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا فَصَارَتْ الْكِتَابَةُ لِلْحِفْظِ أَيْ مَعَ الْحِفْظِ أَوْ لِأَجْلِ الْحِفْظِ عَزِيمَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ أَيْ صَارَتْ الْكِتَابَةُ الَّتِي عَاقِبَتُهَا الْحِفْظُ وَالتَّذَكُّرُ عَزِيمَةً الضَّمِيرُ فِي بِيَدِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ رَاجِعٌ إلَى مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي بِخَطِّهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَيْ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْسَامِ يُوجَدُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ عَمِلَ بِهِ أَيْ بِالْخَطِّ الَّذِي لَا يُفِيدُ تَذَكُّرًا فِي دِيوَانِ الْقَاضِي الدِّيوَانُ الْجَرِيدَةُ، مِنْ دَوَّنَ الْكُتُبَ إذَا جَمَعَهَا؛ لِأَنَّهَا قِطَعٌ مِنْ الْقَرَاطِيسِ مَجْمُوعَةٌ وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ أَيْ رَتَّبَ الْجَرَائِدَ لِلْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِهِ أَيْ مَحْفُوظًا بِيَدِهِ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطٍّ مَعْرُوفٍ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ يَعْجِزُ عَنْ أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ حَادِثَةٍ، وَلِهَذَا يَكْتُبُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِالْكِتَابِ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ النِّسْيَانِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ التَّحَرُّزُ عَنْ النِّسْيَانِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْكِتَابِ عِنْدَ النِّسْيَانِ أَدَّى إلَى الْحَرَجِ وَتَعْطِيلِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَإِذَا كَانَ الْكِتَابُ فِي قَمْطَرَةٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ مَحْفُوظًا بِيَدِهِ أَوْ بِيَدٍ أَمِينَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَقٌّ وَأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ يَدٌ مُغَيِّرَةٌ وَلَا زَائِدَةٌ فِيهِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ فَجَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ التَّذَكُّرُ وَعَمِلَ بِهِ أَيْ بِالْخَطِّ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ فِي الْأَحَادِيثِ أَيْضًا إنْ كَانَ الْخَطُّ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي التَّذَكُّرِ وَالْحِفْظِ فَلَوْ شَرَطْنَا التَّذَكُّرَ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ لَا مَحَالَةَ أَدَّى إلَى تَعْطِيلِ الْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيرَ فِي بَابِهِ أَيْ دِيوَانِ الْقَاضِي غَالِبٌ لِمَا يَتَّصِلُ أَيْ لِاتِّصَالِهِ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ يَعْنِي دِيوَانَ الْقَاضِي يَتَعَلَّقُ بِالْمَظَالِمِ وَهِيَ جَمْعُ مَظْلِمَةٍ بِكَسْرِ اللَّامِ وَهِيَ مَا تَطْلُبُهُ عِنْدَ الظَّالِمِ. وَأَمَّا فِي بَابِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ أَيْ بِالْخَطِّ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إذَا كَانَ خَطًّا مَعْرُوفًا مَأْمُونًا عَنْ التَّبْدِيلِ وَالْغَلَطِ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَلَا يَعُودُ بِتَغْيِيرِهِ نَفْعٌ إلَى مَنْ يُغَيِّرُهُ فَكَانَ الْمَحْفُوظُ مِنْهُ بِيَدِ أَمِينٍ مِثْلَ الْمَحْفُوظِ بِيَدِهِ فَيَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فَأَمَّا فِي الصُّكُوكِ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْخَطِّ مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ؛ لِأَنَّ الصَّكَّ تَحْتَ يَدِ الْخَصْمِ فَلَا يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِيهِ فَلَا يَحْصُلُ الشَّهَادَةُ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ الْحَادِثَةَ حَتَّى لَوْ كَانَ الصَّكُّ فِي يَدِ الشَّاهِدِ جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَذَكُّرٍ لِوُقُوعِ

стр. 772

بَقِيَ فَصْلٌ، وَهُوَ مَا يَحْدُثُ بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ فِي كِتَابٍ مَعْرُوفٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ وَجَدْت بِخَطِّ أَبِي أَوْ بِخَطِّ فُلَانٍ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْخَطُّ الْمَجْهُولُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا وَذَلِكَ بَاطِلٌ ــ [كشف الأسرار] الْأَمْنِ حِينَئِذٍ عَنْ التَّبْدِيلِ كَالسِّجِلِّ الَّذِي فِي يَدِ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي الصُّكُوكِ؛ فَإِنَّهُ جَوَّزَ الْعَمَلَ فِيهَا بِالْخَطِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّكُّ فِي يَدِ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ التَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ يَثْبُتُ بِالْخَطِّ وَالْخَطُّ قَلَّمَا يُشْبِهُ الْخَطَّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا خَلَقَ الْأَجْسَامَ مُتَفَاوِتَةً إظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ خَلَقَ الْأَفْعَالَ كَذَلِكَ فَالْخَطُّ لَا يُشْبِهُ الْخَطَّ إلَّا نَادِرًا وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ وَلَا اعْتِبَارَ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ؛ فَإِنَّ لَهُ أَثَرًا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (بَقِيَ فَصْلٌ) يَعْنِي بَقِيَ فَصْلٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ كِتَابًا بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ إلَى آخِرِهِ قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ وَنَوْعٌ مِنْ الرِّوَايَاتِ الْوِجَادَةُ وَتِلْكَ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا فَإِذَا احْتَاجَ إلَى رِوَايَةِ شَيْءٍ فِي تَصْنِيفٍ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ سَمَاعٌ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابٍ صَحِيحٍ أَوْ سَمَاعِ شَيْخٍ ثِقَةٍ مَعْرُوفٍ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ سَمَاعُهُ الثَّابِتُ وَيَجِبُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ أَوْ يُورِدَهُ فِي كِتَابِهِ وَرِوَايَتِهِ يَقُولُ وَجَدْت فِي كِتَابِ فُلَانٍ بِخَطِّهِ وَسَمَاعِهِ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ أَوْ وَجَدْت فِي سَمَاعِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَخْبَرَهُ أَوْ حَدَّثَهُ ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ فِي وِجْدَانِ سَمَاعِ نَفْسِهِ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ وَهَذَا فِي وِجْدَانِ سَمَاعِ الْغَيْرِ وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ حَلَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ إذَا كَانَ بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الْكِتَابِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ وَلَوْ بَعَثَ إلَيْهِ كِتَابًا حَلَّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ وَيَقُولَ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ فَهُنَا كَذَلِكَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ وَجَدْت بِخَطِّ أَبِي أَوْ بِخَطِّ فُلَانٍ أَوْ فِي كِتَابِ فُلَانٍ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ التُّهْمَةِ هَكَذَا فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ ﵀. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ الْكُتُبَ الْمُصَنَّفَةَ الَّتِي هِيَ مَشْهُورَةٌ فِي أَيْدِي النَّاسِ لَا بَأْسَ لِمَنْ نَظَرَ فِيهَا وَفَهِمَ شَيْئًا مِنْهَا وَكَانَ مُتْقِنًا فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ قَالَ فُلَانٌ كَذَا أَوْ مَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي؛ لِأَنَّهَا مُسْتَفِيضَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ يُوقَفُ بِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا مُعْتَمَدًا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّصْحِيفُ وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي الْمُسْتَصْفَى إذَا رَأَى مَكْتُوبًا بِخَطِّ ثِقَةٍ أَنِّي سَمِعْت عَنْ فُلَانٍ كَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَالَهُ وَالْخَطُّ لَا يَعْرِفُهُ هَذَا نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ بِخَطٍّ ظَنَنْتُ أَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ؛ فَإِنَّ الْخَطَّ قَدْ يُشْبِهُ الْخَطَّ، أَمَّا إذَا قَالَ هَذَا خَطِّي فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَكِنْ لَا يُرْوَى عَنْهُ مَا لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ أَوْ بِقَرِينَةِ حَالِهِ كَالْجُلُوسِ لِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ، أَمَّا إذَا قَالَ عَدْلٌ هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ نُسَخِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَثَلًا فَرَأَى فِيهِ حَدِيثًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ وَلَكِنْ هَلْ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُجْتَهِدَ وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَقَالَ قَوْمٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ إذَا عَلِمَ صِحَّةَ النُّسْخَةِ بِقَوْلِ عَدْلٍ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ صُحُفَ الصَّدَقَاتِ إلَى الْبِلَادِ وَكَانَ الْخَلْقُ يَعْتَمِدُونَ تِلْكَ الصُّحُفَ بِشَهَادَةِ حَامِلِي الصُّحُفِ بِصِحَّتِهَا دُونَ أَنْ يَسْمَعَهَا

стр. 773

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمُومًا إلَى جَمَاعَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ التَّزْوِيرُ فِي مِثْلِهِ وَالنِّسْبَةُ تَامَّةٌ يَقَعُ بِهَا التَّعْرِيفُ فَيَكُونُ كَالْمَعْرُوفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا طَرَفُ التَّبْلِيغِ فَقِسْمَانِ أَيْضًا عَزِيمَةٌ وَرُخْصَةٌ أَمَّا الْعَزِيمَةُ فَالتَّمَسُّكُ بِاللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ، وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَالنَّقْلُ إلَى اللَّفْظِ يَخْتَارُهُ النَّاقِلُ. بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا رُخْصَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَظُنُّهُ اخْتِيَارَ ثَعْلَبٍ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ قَالُوا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ــ [كشف الأسرار] كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ سُكُونَ النَّفْسِ وَغَلَبَةَ الظَّنِّ وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْوِيَ إلَّا مَا يَعْلَمُ سَمَاعَهُ أَوَّلًا وَحِفْظَهُ وَضَبْطَهُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أَدَّاهُ هُوَ الَّذِي سَمِعَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ حَرْفٌ فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ فَلْيَتْرُكْ الرِّوَايَةَ فَإِذَا كَانَ فِي مَسْمُوعَاتِهِ مِنْ الزُّهْرِيِّ مَثَلًا حَدِيثٌ وَاحِدٌ شَكَّ فِي أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ أَمْ لَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ سَمِعْت الزُّهْرِيَّ وَلَا أَنْ يَقُولَ قَالَ الزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ وَلَا تَجُوزُ إلَّا عَنْ عِلْمٍ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ كَمَنْ سَمِعَ إقْرَارًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمُقِرَّ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى زَيْدٍ بَلْ يَقُولُ إنَّهُ لَوْ سَمِعَ مِائَةَ حَدِيثٍ مِنْ شَيْخٍ وَفِيهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ عَيْنُهُ فَلَيْسَ لَهُ رِوَايَةُ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ إذْ مَا مِنْ حَدِيثٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ. وَلَوْ غَلَبَ ظَنُّهُ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ لَمْ تَجُزْ الرِّوَايَةُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ يَجُوزُ وَلَكِنْ فِي حَقِّ الْحَاكِمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَقَّقَ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ أَنْ لَا يَشْهَدَ إلَّا عَلَى الْمَعْلُومِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْمُشَاهَدَةُ مُمْكِنٌ وَتَكْلِيفُ الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِالصِّدْقِ مُحَالٌ فَكَذَلِكَ الرَّاوِي لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الشَّيْخِ وَلَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ قَوْلِهِ بِالسَّمَاعِ فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُرْوَى. قَوْلُهُ (وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمُومًا إلَى جَمَاعَةٍ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا بِخَطٍّ لَا يَعْرِفُ كَاتِبَهُ فِي طَبَقَةِ سَمَاعٍ؛ فَإِنَّ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ فِي آخِرِ مَا سَمِعُوهُ مِنْ كِتَابٍ عَلَى شَيْخٍ سَمِعَ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ الشَّيْخِ فُلَانٍ أَوْ عَلَى الشَّيْخِ فُلَانٍ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ إلَى أَنْ يَأْتُوا عَلَى أَسْمَاءِ السَّامِعِينَ أَجْمَعَ فَإِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا بِخَطٍّ مَجْهُولٍ مَضْمُومًا إلَى سَمَاعِ جَمَاعَةٍ حَلَّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ لِانْتِفَاءِ تُهْمَةِ التَّزْوِيرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَاتِبَ يَخَافُ فِي مِثْلِهِ أَنَّ الْمَكْتُوبَ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِمْ لَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ وَلَظَهَرَ كَذِبُهُ إذْ النِّسْيَانُ وَعَدَمُ التَّذَكُّرِ عَلَى الْجَمَاعَةِ نَادِرٌ فَيُحْتَرَزُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ مُفْرَدًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا بِخُطُوطٍ مُخْتَلِفَةٍ مَجْهُولَةٍ بِأَنْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا بِخَطٍّ لَا يَعْرِفُ كَاتِبَهُ، وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ خُطُوطٌ أُخَرُ تَشْهَدُ بِصِدْقِ مَا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الْخَطُّ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ فِيمَا أَظُنُّ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ مَكْتُوبًا مَجْهُولًا مُفْرَدًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ إلَّا إذَا كَانَ مَكْتُوبًا بِخُطُوطٍ كَثِيرَةٍ؛ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ وَإِنْ كَانَتْ الْخُطُوطُ مَجْهُولَةً؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ هَاهُنَا عَلَى الزُّورِ وَالْكَذِبِ فَقُلْنَا بِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا فَقَدْ تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ فَلَا يَحِلُّ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَهَذَا فِي الْأَخْبَارِ خَاصَّةً فَأَمَّا فِي الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ فَلَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الِاسْتِقْصَاءِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ، وَقَالَ ﵇ «إذَا رَأَيْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ، وَإِلَّا فَدَعْ» وَالنِّسْبَةُ تَامَّةٌ أَيْ كَتْبُ اسْمِهِ وَاسْمُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ شَرْطِ نَقْلِ الْمُتُونِ] الْمُتُونُ جَمْعُ مَتْنٍ وَهُوَ مَا دُونَ الرِّيشِ مِنْ السَّهْمِ إلَى وَسَطِهِ وَاسْتُعِيرَ هَاهُنَا لِنَفْسِ الْحَدِيثِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا سَمِعَ مِنْ أَحَدٍ شِعْرًا مَثَلًا ثُمَّ أَنْشَدَهُ كَمَا سَمِعَهُ يُقَالُ هَذَا شِعْرُ فُلَانٍ وَإِنْ كَانَ

стр. 774

قَالَ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنِّي مَقَالَةً فَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» وَلِأَنَّهُ ﷺ مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ سَابِقٌ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ فَلَا يُؤْمَنُ فِي النَّقْلِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ، ــ [كشف الأسرار] مَا يَقْرَؤُهُ لَفْظُهُ حَقِيقَةً لِكَوْنِهِ مُحَاكِيًا وَمُطَابِقًا لِلَّفْظِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ إذَا كَانَ لَفْظُ الرَّاوِي مُحَاكِيًا لِلَفْظِ الرَّسُولِ ﵇ يُقَالُ هَذَا حَدِيثُ النَّبِيِّ ﵇ وَنَقَلَهُ بِلَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَفْظُ الرَّاوِي حَقِيقَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ مُحَاكِيًا لِلَفْظِ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ كَانَ مُطَابِقًا لِمَعْنَاهُ يُقَالُ نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى وَعَلَى هَذَا الْحُكْمُ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كُلِّ كَلَامٍ. ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ أَوْلَى فَأَمَّا نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ عَارِفًا بِدَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ وَاخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا مَعَ شَرَائِطَ أُخَرَ سَنُبَيِّنُهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى بِحَالٍ وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» حَثَّ عَلَى الْأَدَاءِ كَمَا سَمِعَ وَذَلِكَ بِمُرَاعَاةِ اللَّفْظِ الْمَسْمُوعِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً» حَسَّنَ وَجْهَهُ مِنْ حَدٍّ دَخَلَ وَزَادَ فِي جَاهِهِ وَقَدَّرَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَيُرْوَى نَضَّرَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ نَعَّمَهُ وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَالِ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَإِنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي إدْرَاكِ مَعْنَى اللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» وَلِهَذَا يَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ عَلَى مَعْنًى لَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَقَدْ صَادَفْنَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يَتَنَبَّهُ فِي آيَةٍ أَوْ خَبَرٍ لِفَوَائِدَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهَا أَهْلُ الْأَعْصَارِ السَّالِفَةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَقِفَ السَّامِعُ عَلَى جَمِيعِ فَوَائِدِ اللَّفْظِ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا ذَكِيًّا مَعَ أَنَّهُ ﵇ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَكَانَ أَفْصَحَ الْعَرَبِ لِسَانًا وَأَحْسَنَهَا بَيَانًا فَلَوْ جَوَّزْنَا النَّقْلَ بِالْمَعْنَى رُبَّمَا حَصَلَ التَّفَاوُتُ الْعَظِيمُ مَعَ أَنَّ الرَّاوِيَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ تَبْدِيلُ لَفْظِهِ ﵇ بِلَفْظٍ آخَرَ لَجَازَ تَبْدِيلُ لَفْظِ الرَّاوِي أَيْضًا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ فِي لَفْظِ غَيْرِ الشَّارِعِ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ وَلَجَازَ ذَلِكَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ اجْتَهَدَ فِي تَطْبِيقِ التَّرْجَمَةِ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ تَفَاوُتٍ وَإِنْ قَلَّ، فَإِذَا تَوَالَتْ هَذِهِ التَّفَاوُتَاتُ كَانَ التَّفَاوُتُ الْآخِرُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا بِحَيْثُ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ الْآخِرِ مُنَاسَبَةٌ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبٍ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ وَيَقُولُ إنَّ عَامَّةَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَهَا نَظَائِرُ فِي اللُّغَةِ إذَا تَحَقَّقْتَهَا وَجَدْت كُلَّ لَفْظَةٍ مِنْهَا مُخْتَصَّةً بِشَيْءٍ لَا يُشَارِكُهَا صَاحِبَتُهَا فِيهِ فَمَنْ جَوَّزَ الْعِبَارَةَ بِبَعْضِهَا عَنْ الْبَعْضِ لَمْ يَسْلَمْ عَنْ الزَّيْغِ عَنْ الْمُرَادِ وَالذَّهَابِ عَنْهُ، وَمَعْنَى تَخْصِيصِ الشَّيْخِ إيَّاهُ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ وَأَظُنُّهُ أَيْ أَظُنُّ هَذَا الْقَوْلَ اخْتِيَارَ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِاسْتِخْرَاجِ هَذَا الدَّلِيلِ، وَالتَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ فِي قَوْلِهِ فَلَا يُؤْمَنُ فِي النَّقْلِ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ التَّغْيِيرُ، وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ فِي تَجْوِيزِهِ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي تَجْوِيزِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَلَى الْخُصُوصِ لَا فِي تَجْوِيزِهِ عَلَى الْعُمُومِ مِمَّا رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ اللَّيْثِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا لَهُ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَنَسْمَعُ مِنْك الْحَدِيثَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَى تَأْدِيَتِهِ كَمَا سَمِعْنَاهُ مِنْك

стр. 775

وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ رُخْصَةً لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇ بِكَذَا وَنَهَانَا عَنْ كَذَا، وَمَعْرُوفٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ كَذَا أَوْ نَحْوًا مِنْهُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَفِي تَفْصِيلِ الرُّخْصَةِ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ وَهَذَا لِأَنَّ النَّظْمَ مِنْ السُّنَّةِ غَيْرُ مُعْجِزٍ وَإِنَّمَا النَّظْمُ لِمَعْنَاهُ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، ــ [كشف الأسرار] قَالَ ﷺ إذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا وَلَا تُحَرِّمُوا حَلَالًا وَأَصَبْتُمْ الْمَعْنَى فَلَا بَأْسَ» كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي الرَّشِيدِ الْأَصْبَهَانِيِّ وَأَوْرَدَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ فِي مَعْرِفَةِ أُصُولِ عِلْمِ الرِّوَايَةِ، وَبِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى رِوَايَتِهِمْ بَعْضَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي بِأَلْفَاظِهِمْ مِثْلِ مَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» الْحَدِيثَ. وَمَا رَوَى «أَبُو مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ» وَمَا رَوَى عَامِرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «أَمَرَ النَّبِيُّ ﵇ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» وَمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا» وَمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ» وَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً» وَمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ» فِي شَوَاهِدَ لَهَا كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى فَحَكَوْا مَعَانِيَ خِطَابِهِ ﵇ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى لَفْظِهِ إذْ لَمْ يَقُولُوا قَالَ النَّبِيُّ ﵇ افْعَلُوا كَذَا أَوْ لَا تَفْعَلُوا كَذَا، وَكَانُوا يَنْقُلُونَ أَيْضًا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ الَّذِي جَرَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فِي وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْلَ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَدَعَا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ بَعْدَنَا أَحَدًا أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ لَقَدْ تَحَجَّرْت وَاسِعًا» وَرُوِيَ لَقَدْ ضَيَّقْت وَاسِعًا لَقَدْ مَنَعْتَ وَاسِعًا وَمِثْلَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ ﵀ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً، مَكَانَ نَضَّرَ اللَّهُ وَرُوِيَ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ مَكَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فِي جَمِيعِ مَا قُلْنَا فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى الْجَوَازِ. وَبِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ الرِّوَايَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ نَحْوًا مِنْهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مُنْكِرٌ وَلَا دَفَعَهُمْ دَافِعٌ فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا، وَبِأَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الْأَخْبَارَ مَا كَانُوا يَكْتُبُونَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَمَا كَانُوا يُكَرِّرُونَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَلْ كَمَا سَمِعُوهَا تَرَكُوهَا وَمَا ذَكَرُوهَا إلَّا بَعْدَ الْأَعْصَارِ وَالسِّنِينَ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِتَعَدُّدِ رِوَايَتِهَا عَلَى تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَبِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ شَرْحِ الشَّرْعِ لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ، وَإِذَا جَازَ إبْدَالُ الْعَرَبِيَّةِ بِالْعَجَمِيَّةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ إبْدَالُهَا بِعَرَبِيَّةٍ أُخْرَى أَوْلَى إذْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَتَرْجَمَتِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَقَلُّ مِمَّا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَجَمِيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ تَفْسِيرِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ أَوْ بِالْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْقَلْ بِلَفْظِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَلَوْ قُلْتُمْ بِأَنَّهُ بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِلَفْظٍ آخَرَ عَرَبِيٍّ أَوْ عَجَمِيٍّ يَبْقَى حُجَّةً قُلْنَا لِأَنَّ سُفَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يُبَلِّغُونَ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ إلَى الْبِلَادِ بِلُغَتِهِمْ وَيُعَلِّمُونَهُمْ الشَّرْعَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً بِالِاتِّفَاقِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ جَوَازُ التَّفْسِيرِ بِلُغَةٍ أُخْرَى لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ فِي التَّفْسِيرِ ضَرُورَةً إذْ الْعَجَمِيُّ لَا يَفْهَمُ اللَّفْظَ الْعَرَبِيَّ إلَّا بِالتَّفْسِيرِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى أَلَا تَرَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ جَائِزٌ وَلَمْ يَجُزْ
следующие страницы →