← Акыда

Акыда · id 9063

الكشف المبدي

محمد بن حسين الفقيه

Полный текст (406 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

دينكم﴾ ؟! فلو كان شدّ الرحل إلى زيارة القبور أمرًا مستحبًّا في الشرع ولم يفعله الرسول ولم يبينه لأمته؛ لكان هذا الدين لم يكمل إلا من بعد مجيء السبكي! فنبرأ إلى الله من هذا! وكيف يكون مستحبًّا وقد نهى عنه النّبيّ ﷺ بقوله: «لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ؟؟! فلما لم يفعله ﷺ ولم يأمر أمته به بل نهاهم عنه؛ تبيَّن أن شد الرحل لمجرد الزيارة أمر غير مشروع؛ بل هو محدَث في الدين، ولم يعرف في زمان سلفنا الصّالحين. وأما قوله: «ومنها: الحديث الذي رواه الطبراني وصححه ابن السكن» ؛ يشير إلى الحديث الثالث الذي ذكره في الباب الأول؛ وهو: «من أتاني زائرًا لم تنزعه حاجة إلا زيارتي؛ كان حقًّا عليَّ أن أكون له شفيعًا يوم القيامة» . فالجواب: هذا الحديث لو سلمت له صحته؛ لكان نصًّا في المسألة، ولارتفع النزاع، ولم يحتج معه إلى ذكر شيء يريد به ما ذهب إليه. وأنَّى يسلم له ذلك وقد بيَّن هو نفسه حاله في أول الكتاب؛ وذكر أنه حديث مختلف في متنه وسنده، ولكن لما كان هذا الحديث حجة له؛ لم يتكلم عليه من كل وجه؛ بل ذكر شيئًا وسكت عن أشياء، وناقشه فيه الحافظ ابن عبد الهادي. وحيث أن الحافظ ابن عبد الهادي لم يتكلم على بيان حال مَن يدور عليه إسناد هذا الحديث؛ وهو مسلم بن سالم الجهني، إمام مسجد بني حرام ومؤذنهم، ولم يزد على قوله: «هو رجل مجهول الحال» ؛ أردت أن أبيِّن لك حاله وما

стр. 107

قاله أهل العلم فيه؛ فأقول ـ وبالله التوفيق ـ: مسلم بن سالم الجهني: قال في «تهذيب التهذيب» : بصري، كان يكون بمكة، روى عن عبد الله بن عمر العمري، وعن أخيه عبيد الله بن عمر، وغيرهما. وعنه: عبد الله بن محمد العباداني، ومسلم بن حاتم الأنصاري، وغيرهما. قال أبو داود: ليس بثقة. ويقال فيه: مسلمة أيضًا؛ بزيادة هاء في آخره. وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال في نقد أسماء الرجال» ما نصه: مسلم بن سالم الجهني، كان يكون بمكة، قال أبو داود السجستاني: ليس بثقة. قلتُ: ما أبعد أن يكون مسلمة بن سالم الجهني البصري إمام مسجد بني حرام، الذي أخرج له الدارقطني في سننه ما أخبرنا علي بن الفقيه وإسماعيل بن عبد الرحمن قالا: حدثنا ابن الصباح، أخبرنا ابن رفاعة،

стр. 108

أخبرنا الخلعي، أخبرنا أبو النعمان تراب ابن عمر، حدثنا أبو الحسن الدارقطني، حدثنا يحيى بن صاعد، حدثنا عبد الله بن محمد العبادي سنة خمسين ومائتين بالبصرة، حدثنا مسلمة بن سالم إمام مسجد بني حرام، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه مرفوعًا: «من جاءني زائرًا لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقًّا عليَّ أن أكون له شفيعًا يوم القيامة» ، رواه أبو الشيخ عن محمد بن أحمد بن سليمان الهروي، حدثنا مسلم بن حاتم الأنصاري، حدثنا مسلمة بهذا. فانظر

стр. 109

ـ رحمك الله ـ إن كنتَ ممن يتثبت في دينه: هل مثل هذا الحديث المضطرب المتن والسند الذي مداره على رجل حاله كما بيَّنَّا تقوم به حجة في محل النزاع؟؟ اللهم إلا أن يكون هذا وأمثاله يروج على رجل لم يعرف الاستدلال وليست له خبرة بأحوال الرجال. فإن راج هذا على السبكي وأضرابه؛ فلا يروج على شيخ الإسلام ابن تيمية حامل لواء هذا الفن وإمامه؛ حتى قيل فيه: إنَّ الحديث الذي لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث! وعلى تسليم ثبوته؛ فهو معارض بحديث الصحيحين وغيرها ـ وهو: قوله ﷺ : «لا تُشَدّ الرِّحال ... » الحديث ـ، وما قلنا هذا إلا على سبيل التنزُّل؛ وإلا فغاية الأمر أنا لو أحسسنا الظنّ بمسلم الجهني فيكون الحديث ضعيفًا، ولا تعارض بين ضعيف وصحيح، بل ولا بين حسن وصحيح؛ وإنَّما لا يُقال: حديثان متعارضان إلا إذا استويا في الرتبة؛ فحينئذ يذهب إلى الترجيح بأمور خارجة عن الصحة ـ ذكرها أهل الأصول ـ، وأما هنا؛ فلا يُقال: تعارض الحديثان؛ لما علمتَ. والله الهادي. فقد علمتَ مما تقدّم أنَّ العلماء لم يتفقوا على العمل بالحديث الضعيف؛ بل لهم فيه ثلاثة أقوال ـ كما مرَّ ـ. والذي يظهر لي: أنّ أولاها بالصواب قول مَن قال: لا يُعمل بالحديث الضعيف مطلقًا ـ وقد بينَّا حجتهم ـ. وإن كان قول مَن قال: يُعمل به إذا تعددت طرقه حتى بلغت في الكثرة مبلغًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب؛ ليس بعيدًا عن الصواب، ولكن أهل القول الأول أسعد بالحّجة. وأما قول مَن قال: يُعمل به في فضائل الأعمال من ترغيب وترهيب ـ ويدلّ عليه قول الإمام أحمد؛ حيث يقول: «إذا روينا في الحرام والحلال شدّدنا، وإذا روينا في غير ذلك تساهلنا» ـ؛ فهذا القول في النفس منه حزازة؛ لأنّ

стр. 110

الترغيب في فعل شيء يفيد مشروعيّته، ومتى كان مشروعًا كان من الدِّين، والترهيب عن ترك شيء يفيد أنّ هذا الشّيء ليس مشروعًا فعله وليس هو من الدِّين، ولا يجوز لأحد البتة كائنًا مَن كان أن يُدخل في الدِّين ما ليس منه أو يُخرِج من الدِّين ما هو منه، وهذا لا يكون إلا بشيء صحيح تقوم به الحُجّة؛ فهو مثل الحرام والحلال؛ فيجب التثبت فيه كما يجب في الحرام والحلال؛ فكم وقع الناس في أشياء بسبب التساهل في الأحاديث الضعيفة والموضوعة في العبادات ـ كالصلاة وتلاوة بعض السُّوَر من القرآن والذِّكر والزُّهد والإنفاق والصيام ... وغير ذلك ـ؛ فاشتغلوا بهم حتى أدَّاهم ذلك إلى ترك المطلوب منهم، وبسبب الأحاديث الواهية الواردة في فضل صلاة الرغائب؛ ترك الناس صلاة الصبح؛ فإنَّهم يشتغلون بها أكثر الليل ثم يغلب عليهم النّوم فينامون عن صلاة الصبح! وبسببها اشتغل النّاس بالمحافظة على تلاوة بعض السُّوَر حتى أنساهم بقيّة القرآن، وبسببها بالغ النّاس في الزُّهد حتى تركوا العمل وصاروا عالة على الأغنياء، علمًا منهم بأنّ هذا هو المطلوب من العباد، ونسوا الآيات والأحاديث الصحيحة الواردة في فضل الكسب وذمّ المسألة، وبسببها بالغ النّاس في الإنفاق؛ فأنفقوا جميع ما عندهم! فالحاصل أن مساوئ هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة لا تُحصى، وقد كان في الزمان الأوّل لا تنفق على أحد؛ لأنّ دولة الحديث

стр. 111

كانت قائمة، فلما تقادم الزّمان وطال الأمد ومات رجال الحديث؛ اختلط الضّعيف بالصّحيح والطّيب بالخبيث والغثّ بالسّمين؛ فقلّ المميز لهذا من هذا؛ فلا تكاد تجد رجلًا يميز بين صحيح وسقيم، اللهم إلا أفرادًا قليلين يعدون على الأصابع؛ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. وترى كثيرًا من الناس مشهورًا بالعلم ويشحن مؤلفاته بالأحاديث الواهية والموضوعة، من غير أن ينبّه عليها ويبيّن حالها؛ فهذا ذنب عظيم؛ لقوله ﷺ : «مَن كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار» ، وفي رواية: «متعمّدًا» ـ وهذه اللفظة أنكرها الزّبير بين العوام؛ وقال: إنكم تزيدون متعمّدًا؛ وإنِّي والله ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «متعمِّدًا» ـ، وقوله ﷺ : «مَن حدَّث عني حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» ؛ فإذا كان الأمر كما وصفتُ؛ فيجب على كلّ أحد يريد أن يروي حديثًا عن رسول الله ﷺ أن يكون عالمًا بصحته حتى يسلم من هذا الوعيد الشديد. وحيث أن الهمم في هذا الزّمان قد قصرت عن معرفة الصّحيح من السّقيم، وتمييز الطّيب من الخبيث؛ أردتُ أن أذكر لك أنموذجًا لتعرف به طبقات الكتب المصنّفة في الحديث ـ وإن كنتُ أشرتُ إليها فيما سبق ـ؛ لتكون على بصيرة في دينك؛ فأقول ـ وبالله التوفيق ـ: اعلم ـ رحمك اللهُ تعالى ـ أنّ الكتب المصنّفة في الحديث كثيرة جدًّا، لا تكاد تُحصى عددًا، ولكن أصحّها وأنقاها: الصحيحان للبخاري ومسلم، وموطأ مالك بن أنس، وصحيح أبي

стр. 112

عوانة، والمستخرجات على الصحيحين، وصحيح ابن خزيمة، والمنتقى لابن الجارود، والمختارة للضياء المقدسي، وهذه الكتب يفضل بعضها بعضًا. ويلي هذه الطّبقة: كتب السنن الأربعة، ومسند الإمام أحمد، والدارمي، وابن حبّان، وهذه الطّبقة لم تلتزم إخراج الصحيح فقط؛ بل فيها غيره كالحسن والضعيف والمنكر والموضوع، لكنه قليل جدًّا. ومنها: مستدرك الحاكم على الصحيحين، وفيه تساهل كثير؛ حتى قال الإمام الذهبيّ: «إنّ نصفه

стр. 113

يسلم له صحته، وربعه مختلف فيه، وربعه موضوع» ، وقد اختصره هذا الإمام الجليل، وبيّن ما فيه من هذه الأنواع. وما عدا هذه الطّبقة ففيها الغثّ والسّمين؛ مثل: الحلية لأبي نُعَيم، ومصنف ابن مندة، وابن أبي الدُّنيا، والدَّارَقُطنيّ، والبيهقيّ، والطبرانيّ، وبقية المسانيد والأجزاء والمغازي والتّفسير والملاحم والوعظ والتّصوّف، يعرف هذا مَن مهر في هذا الفنّ الشّريف. ثم جاء قوم من المتأخّرين؛ فجمعوا بين هذا وهذا، تارة يبيّن حال الحديث وقد لا يبيّن؛ فقلّدهم النّاس مِن غير علم ولا سلطان بيِّن؛ فخبطوا خبط عشواء، وركّبوا متن عمياء، ضمن الجامعين المكثرين في المتأخّرين: جلال الدين السيوطيّ؛ فصنّف: «الجامع الكبير» ؛ الذي التزم أنّه يذكر فيه الأحاديث النّبويّة بأسرها، واختصر منه «الجامع الصّغير» ،

стр. 114

وله مصنّفات في الحديث والتفسير كثيرة، ولكن لم يتحاش فيها من إخراج الصّحيح والضّعيف والموضوع؛ فتارة يُنَبِّه على حال الحديث، وفي الكثير لا ينبِّه اتِّكالًا على الكتب التي عزا إليها، وكثير ما يوجد فيها الموضوع، خصوصًا في «الجامع الكبير» و «الصّغير» ، وفي تفسيره المسمّى بـ «الدُّرّ المنثور في التّفسير بالمأثور» ، والحال أنّه قال في ديباجة «الجامع الصّغير» : «لا أذكر فيه إلا الصّحيح والحسن» ، والحال أنّه قد ذكر منه أحاديث في كتاب «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» ! ونبّه على وضعها، وبالجملة: إنّك ـ يا أخي ـ لا تغترّ بكل حديث رأيتَه في كتاب ـ ما عدا الصحيحين؛ فإنّ جميع ما فيها مقطوع بصحّته عند المحققين، إلا أحاديث قليلة؛ ذكرها الحافظ ابن حجر في مقدّمة «فتح الباري» ـ، أو سمعتَه من عالم؛ خصوصًا في زماننا هذا؛ فإنّ العالِمين بالحديث قليلون جدًّا؛ بل من قرون عديدة، وليس كلّ مَن مهر في فنّ يكون ماهرًا في سائر الفنون؛ بل كلّ فنّ له رجال مشهورون به؛ فهذا حُجّة الإسلام الغزاليّ ـ مع جلالة قدره ـ كانت بضاعته في الحديث مُزجاة؛ كما شهد به هو على نفسه! وهذا الزمخشريّ ـ مع كثرة تفنّنه ـ كان قليل البضاعة في الحديث؛ يدلّك على ما قلنا في هذين الإمامَين: كتاب «الإحياء» للغزاليّ، وسائر مصنفاته؛ فإنّها

стр. 115

مشحونة بالأحاديث الضّعيفة والموضوعة؛ يعلم هذا مَن رجع إلى تخريج أحاديث «الإحياء» للحافظ العراقيّ، وإلى شرحه للسيد مرتضى الزبيديّ، وكتاب «الكشاف» للزمخشريّ؛ فإنّه ذكر فيه أحاديث موضوعة باتّفاق أهل الصّناعة الشريفة، وتبعه فيها القاضي البيضاويّ في «تفسيره» ، وقد خرّج جميع ما فيه من أحاديث الحافظ جمال الدين الزّيلعيّ ـ صاحب كتاب «نصب الرّاية» ـ، واختصره الحافظ

стр. 116

ابن حجر في مجلّد ـ رأيتُه أنا بمكتبة دمشق ـ، وهذا الرَّازي ـ مع سعة علومه ـ قد ذكر في «تفسيره» أحاديث موضوعة، وهذا السُّبكي ـ الذي نحن بصدد الرّدّ عليه ـ قد شحن كتابه هذا مع صغر حجمه بالأحاديث الواهية والموضوعة. فإذا عرفتَ هذا؛ فأقول لك: إنّ هذه الأحاديث التي أوردها السُّبكي مستدّلًا بها على أنّ السّفر لمجرد الزيارة الخالية عن الصّلاة في مسجده ﷺ قُربة من أعظم القُربات؛ في غاية البُعد والسُّقوط، وإنّ تصحيح ابن السكت هذا الحديث لا يُلتفت إليه؛ لمخالفته أهل الفنّ، وكيف يكون هذا الحديث صحيحًا وفيه ثلاث عِلَل: الكلام في مسلم بن سالم الجهني الذي يدور عليه إسناده، والاضطراب في متنه وسنده ـ وكلها قادحة ـ، وأيضًا ليس هذا الحديث من مرويات الصحيحين، ولا من مرويات أحد من أهل الطّبقة العُليا ولا التي تليها؛ فإذا انضمّ ما قلناه إلى الذي قاله صاحب «الصّارم المُنكي في الرّد على السُّبكي» ؛ [تبيّن] ردّ كل هذه الأحاديث التي ما عليها أثارة من الصّحّة. فإن قلتَ: قد احتجّ مَن يرى استحباب زيارة القبر الشّريف وقبور سائر المسلمين بهذه الأحاديث. فالجواب: أنّهم لم يحتجّوا بها؛ بل احتجّوا على ذلك بالأحاديث الصّحيحة المرويّة من قوله وفعله ﷺ ؛ فمنها: قوله ﵊: «كنتُ نهيتُكم عن زيارة القُبور؛ فزوروها» ، وقوله: «زوروا القبور؛ فإنّها تذكّركم الآخرة» ، وفعله ﷺ من زيارة أهل البَقيع وغيرهم، وقبره ﷺ داخل في مسمّى القبور؛ لأنّه اسم جنس

стр. 117

يشمل كلّ قبر، وإنّما منعنا من السّفر وشدّ الرّحل لمجرد زيارتها من غير قصد شيء آخر معها؛ للحديث الصّحيح الوارد في النّهي عن ذلك، وتَتَبّعنا ما ورد في زيارته ﷺ لقبور المسلمين الذين كانوا في زمانه، وزيارة أصحابه من بعده لقبور إخوانهم من المؤمنين؛ فما وجدنا فيها شيئًا يدلّ على أنّه ﷺ سافر أو شدّ رحلًا لزيارة قبر أحد من الأنبياء ولا غيرهم، ولا فعل هذا أحد من أصحابه؛ فعلمنا قطعًا أنّ السّفر لمجرد زيارة القبور ليس مشروعًا؛ بل هو منهيّ عنه، ومعاذ الله أن يكون أمرًا مشروعًا في الدِّين محبوبًا لله ولا يفعله الرسول ﷺ ، ولا أحد من أصحابه ـ الذين هم صفوة هذه الأمّة وخيرة الله من خلقه بعد المرسَلين ـ، ويفعله هذا السُّبكيّ وأضرابه! فخلاصة القول: أنّ زيارة قبره ﷺ وقبور غيره مشروعة من غير سفر ولا شدّ رحل؛ بل يقصد المسافر الصّلاة في مسجده ﷺ ؛ فإن شاء ضمّ لنيّته هذه نيّة الزّيارة وقت السّفر، وإن شاء أخَّرها؛ حتى إذا وصل إلى المسجد الشّريف وصلَّى فيه؛ زار قبره ﷺ وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر وقبور أهل البَقيع، وغيرهم من قبور المسلمين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة، وعليه تدلّ الأحاديث الصّحيحة الواردة عنه ﷺ من قوله وفعله وفعل أصحابه من بعده. وأما قبور سائر المسلمين ما عدا ذلك؛ فلا يُسافر إليها بقصدها؛ بل إذا قصد بلدة لحاجة من حوائج الدُّنيا أو الدِّين؛ فإنّه يُستحب له أن يزور القبور التي فيها سواء كانت قبور صالحين أو غيرهم. فهذا الذي نقوله ونديه الله به؛ فلا نزيد على ما ورد في الشَّرع ولا ننقص منه شيئًا. وأما التّبرّك بالقبور؛ فهذا شيء لا نقول به ولا ندين الله به؛ بل نزور القبور لتذكّر الآخرة، والدُّعاء والتّرحّم والسّلام على أهلها والاستغفار لهم ـ كما جاءت به السُّنَّة المطّهرة ـ. والله أعلم. وقوله: «فإنّ لفظ (الزّيارة) يتناول الزّائر من بُعد ومن قُرب وسَفر» . فالجواب: هذا صحيح، ولكننا لما نظرنا في أقواله وأفعاله ﷺ وأفعال أصحابه؛ فلم نجد فيها شيئًا يُستدلّ به على استحباب السّفر لمجرد الزّيارة؛ علمنا يقينًا أنّ السّفر لمجرد الزّيارة

стр. 118

ليس مشروعًا؛ إذ لو كان مشروعًا لم يتركه النّبيّ ﷺ وأصحابه، وهم أحرص النّاس على فعل الواجب والمندوب وكيف يكون هذا مستحبًّا ولم يثبت عن أحد منهم أنّه شدّ رحله وسافر لزيارة قبر من القبور، لا قبر نبيّ ولا غيره، ومعلوم أنّ القبور موجودة كثيرة في كلّ زمان ومكان، وهذا لو فُرِضَ أنّه لم يأتِ نهيٌ في ذلك؛ فكيف وقد جاء النهي مصرّحًا به في الصحيحين وغيرهما؛ وهو حديث: «لا تُشَدّ ... » ـ بصيغة الفعل المضارع المبني للمجهول للمؤنثة الغائبة، لا بصيغة الأمر [للجمع من الذُّكور]ـ « ... الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ؛ فعُلِمَ بهذا تخصيص عموم لفظ (الزّيارة) لو سلم عمومه، وأما الزّيادة التي جاءت من طريق مسلم بن سالم الجهنيّ؛ فقد علمتَ ما فيه من كلام العلماء، ومقلها لا يثبت به حكم شرعيّ، ولو صحّت هذه الزّيادة؛ لكانت نصًّا في الرّسالة لم يحتج معه إلى قيل وقال، ولكن حيث أنها موافقة لرأي السُّبكيّ وسكت عما لها وما عليها، ونحن قد بيّنّا ـ فيما مضى ـ سقوطها؛ فلم يبقَ إلا عموم لفظ الزّيارة، وقد تقرّر في الأصول: أنّ اللفظ إذا كان محتملًا لعدّة معان؛ حُمِلَ على معنى منها بقرينة؛ لأنّ استعمال اللفظ في جميع معانيه لا يسوغ، وحيث أنّنا بيّنّا كيفية زيارته ﷺ وأصحابه للقبور، وليس فيها شدّ رحل ولا سفر؛ تعيّن حمل اللفظ على معنى واحد؛ وهو الزّيارة من غير سفر ولا شدّ رحل ـ كما فعله النّبيّ ﷺ وأصحابه ـ، وهذا كافٍ في التّخصيص؛ فكيف وقد جاء المخصّص لهذا العموم ـ وهو حديث الصحيحين (كما مرّ ذكره) ـ؟! وقوله: «فإن كانت كل زيارة قُربة؛ كان كلّ سفر إليها قربة» : صحيحٌ لو سلمت هذه الزّيادة من التّخصيص المتقدّم ذكره ـ وهو: نهيه ﷺ عن إعمال المطي إلى غير المساجد الثّلاثة ـ؛ فعليه؛ لا يكون السّفر لمجرد الزّيارة قُربة، وكيف يكون قُربة وينهى عنه النّبيّ ﷺ ولا يفعله ولو في العمر مرّة، ولا يفعله أحد من أصحابه؟! وهل يقول

стр. 119

عاقل هذا القول؟! فعُلِمَ بها عقم هذه النتيجة. والله المستعان. وقوله: «إذا جاز الخروج إلى القريب؛ جاز إلى البعيد» : فانظر إلى تخليط هذا الرّجل وتغافله واتّباع هواه! كيف يجوّز ويمنع برأيه من غير نصّ ولا استناد إلى فعل أحد من الصحابة الذين هم أعلم النّاس بمقاصد نبيّهم؟! فإذا كان السّفر وشدّ الرّحل إلى القبور جائزًا؛ فلِمَ لم يفعله النّبيّ ﷺ ومَن بعده؟! فهل كانوا لا يعلمون جواز ذلك؛ فقصّروا في فعل أمر هو قُربة من القرب، وفعله السُّبكيّ وأضرابه؟! فنبرأ إلى الله من الاعتداء على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ فهذا هو التنقيص لهم بعينه، لا الذي يتمسّك في جميع الأمور الدينيّة بالكتاب والسُّنّة وأفعال الصّحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ؛ فقد عسكوا الأمر بجعلهم المتمسّك بنصوص الشّريعة المطهّرة، المقدّم لها على رأي كلّ أحد من النّاس؛ ضالًّا بدعيًّا! والذي يجعل نصوص الشّريعة تابعة لرأيه وآراء متبوعه؛ هاديًا مهديًّا، معظّمًا لله ـ تعالى ـ ونبيه ﷺ وأصحابه ﵃! سبحانك هذا بُهتانٌ عظيمٌ! والآثار التي ذكرها عقب هذا، الدّالّة على خروجه ﷺ مع أصحابه لزيارة قبور الشّهداء؛ صحيحة، ولكن ليس فيها سفر ولا شدّ رحل؛ فكيف يستدلّ بها على جواز شدّ الرّحل والسّفر المتنازَع فيه؟! فقد علمتَ ـ بما سلفَ ـ أنّ هذا المعترض لا حُجَّة له في السُّنَّة الصّحيحة على ما ذهب إليه، كما أنّه لا حُجَّة له في الآية الشّريفة التي استدلّ بها على مقصوده، بل القرآن والسُّنَّة الصّحيحة يصادمان ويناقضان مقصوده أشدّ تصادُم. فصل وأما الأصل الثالث (وهو: القياس) ـ وكان حقّه أن يؤخّر عن (الإجماع) ؛ لأنه يليه في الرُّتبة، ولكن حيث أنّه قدّمه هو فوجب أن نتكلّم عليه ـ؛ وهو قوله: «وإذا ثبت مشروعيّة الانتقال إلى قبر غيره؛ فقبره ﷺ أولى» . وجوابه أن يُقال: هذه مُغالطة بيّنة؛ لأنّا نقول: الذي ثبت مشروعيته إنَّما

стр. 120

هو زيارة القبور لتذكّر الآخرة، والدُّعاء والتّرحّم والسّلام على أهلها والاستغفار، من غير سفر ولا شدّ رحل؛ فإن جعلنا هذا الأصل وزيارة قبره ﷺ مقاسة على هذا الأصل؛ فلا يُشرع لها السّفر ولا شدّ رحل، كما أنّه لا يشرع ذلك للأصل والفرع تبعًا للأصل؛ فلا يكون الفرع مختصًّا بأشياء على أصله؛ وإلا لاختلّ القياس، والزيارة المُجرّدة عن شدّ الرّحل والسّفر، سواء كان زيارة قبر النّبيّ ﷺ أو قبر غيره لا ينكرها شيخ الإسلام ابن تيمية؛ بل يستحبّها ويندب إليها ـ كما ذكر ذلك في غير كتاب من كتبه ـ، ولكن منع شدّ الرّحل والسّفر إليها إذا كانت مجرّدة من غير قصد شيء آخر؛ اتباعًا لظاهر الحديث الصحيح المتقدّم، وموافقته لأئمة السلف، وعند التأمّل تجد الخلاف بينه وبين مخالفه يسيرًا جدًّا لا يحتاج إلى تأليف كتاب؛ لأنه يقول هو ومَن تقدّمه بهذا القول: ينبغي لمن شدّ رحله وسافر إلى المدينة المنوّرة ـ على ساكنها أفضل صلاة وأزكى تحيّة ـ أن يقصد بسفره وشدّ رحله الصّلاة في مسجده ﷺ ، ثم إذا أتى إلى المسجد الشّريف صلَّى فيه، ثم انثنى لزيارة قبره ﷺ وقبر صاحبيه وقبور أهل البقيع وغيرهم، والمسافر لهذا القصد مخيَّر إمّا أن ينوي الزيارة مع الصلاة في المسجد الشريف حال شدّ الرّحل، أو يؤخّرها حتى إذا وصل نواها وفعلها ـ عملًا بالحديث الصحيح الوارد في ذلك، وخروجًا من خلاف العلماء ـ؛ فأي ملامة تلحق هذا الإمام على قوله هذا؟! بل كلّ منصف يعلم أنّ هذا القول هو الأحوط، ولكن هذا السّبكيّ وأضرابه أرادوا أن يوسّعوا الخرق بكثرة القلاقل، ويعظّموا هذا الأمر بشيء لا طائل تحته ولا فائدة فيه إلا التّفرّق والاختلاف بين المسلمين، حتى أدّى ذلك إلى معاداة وتباغض، وغير ذلك من المفاسد التي لا يحصيها إلا الله ، وشنّعوا على هذا الإمام بغير حقّ ـ كما علمتَ ـ. وفي الحقيقة ما شنّعوا عليه فقط؛ بل على أبي هريرة، وبصرة الغفاريّ، والشعبيّ، وابن سيرين،

стр. 121

وإبراهيم النخعيّ، ومالك بن أنس إمام دار الهجرة ـ الذي قال فيه ﷺ : «تُضرب أكباد الإبل فلا يجدون عالمًا سوى عالم المدينة» ؛ فحمل هذا الحديثَ أهلُ العلم على هذا الإمام؛ وذلك من دلائل نبوته ﷺ ، وابن الجوينيّ، والقاضي حسين، وطائفة غيرهم. فلو فَقِهَ هذا المعترض وأضرابه ما قلناه؛ لم يتسرّع إلى الطعن في عرض الإمام محيي السُّنّة الذي شهد بفضله واجتهاده سبعون مجتهدًا في زمانه، لم يشهد منهم أحد بهذا للسبكيّ ـ الذي تصدّى للرّد عليه ـ؛ بل قام في وجهه كثير؛ مثل: الإمام الصرصريّ، والإمام اليافعيّ الشافعيّ، وغيرهما؛ يعلم هذا مَن رجع إلى كتاب «الرّد الوافر» لناصر الدّين الدمشقيّ، وكتاب «الكواكب

стр. 122

الدّريّة» للشيخ مرعي. والذي يظهر لي: أنّه ما حمل السبكيّ على الرّدّ على هذا الإمام ـ الذي علمتَ فضله بشهادة أهل العلم النّبويّ ـ إنّما هو محضّ التّعصّب والحسد؛ لأنّه لم يفعل ذلك مع الذين تكلّموا في الدّين بالكلمات الكفريّة؛ بل جعلوهم أولياء لله، وأوّلوا كلامهم بما يوافق أهواءهم تأويلًا كاسدًا يخالف ما عليه المسلمون؛ فهذا الغزاليّ الذي قال: «ليس في الإمكان أبدع مما كان» ، وهو القائل أيضًا: «مَن لا منطق له لا ثقة بعلمه» ، ومعلوم أن الأئمة الأربعة ما كانوا يعلمون المنطق؛ بل صحّ النّهي عنه عن الشافعيّ ومالك؛ فهل يقول مسلم: لا ثقة بعلم مالك والشافعيّ؟! وهذا ابن عربيّ القائل: «والعبد رب والرب عبد؛ ليت شعري مَن المكلّف؟» ، وهذا ابن عطاء الله السكندريّ القائل في حكمه: «طلبك منه اتهام له» ، وقوله فيها أيضًا:

стр. 123

«اشتغالك بما ضمن لك دليل على انطماس البصيرة منك» ، ومعلوم لدى كلّ أحد أنّ الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله عليهم ـ وغيرهم من صالحي هذه الأمّة أنّهم كانوا يطلبون من الله ـ تعالى ـ ويسألونه حوائجهم، ويطلبون المعيشة والكسب والعمل؛ فهل يقول مسلم: إنّ هؤلاء اتهموا الله ـ تعالى ـ بطلبهم منه حوائجهم، وانطمست بصائرهم بالاشتغال في أمر معيشتهم؟! فيا لله العجب! هؤلاء يُعَدُّون من الأولياء، ويُؤوّل كلامهم هذا، وشيخ الإسلام لا يُعذر في كلامه! لو فرضنا أنّه أخطأ في مسألة من المسائل، والحال قد شهد له الرسول ﷺ بأنّه مأجور؛ حيث يقول: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد وأصاب فله أجران» . ومعلوم ـ عند المخالف والموافق ـ أنّ هذا الإمام ما تكلّم في مسألة ما إلا بالدليل الشّرعيّ؛ فلا ملامة عليه إن أخطأ؛ لأنّه من أهل الاجتهاد، ولكن كما قال الشاعر: الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... كما أنّ عين السّخط تُبدي المساويا وكما قال الآخر: إذا كان المحبّ قليل حظّ ... فما حسناته إلا ذنوب فيجب على كلّ أحد ألَّا ينتصر لأحد غير الله ورسوله بمجرّد اتباع الهوى والعصبيّة الجنسيّة أو المذهبيّة، ويكون قيامه بنصر الحقّ بالحقّ حتى يكون محبوبًا لله ورسوله وللمؤمنين؛ فنسأله ـ تعالى ـ أن يتضمنا في سلك عباده المتّقين.

стр. 124

فخلاصة القول في هذا الأصل الثالث (وهو: القياس) أَن يُقال: إذا جعلنا الأصل مشروعيّة زيارة القبور بالنّصوص الشرعيّة الصحيحة، وزيارة قبر النّبيّ ﷺ مقاس عليها؛ فلا يُشرع في المقاس زيادة على أصله؛ لأنّ الأصل لم يشرع فيه شدّ رحل ولا سفر؛ وإنّما شُرع فيه الزيارة المُجرّدة عنهما؛ فالمقاس عليه مثله. وعند التّحقيق يظهر أنّه لا قياس؛ لأنّا نقول: لفظ «زوروا القبور» لفظ عام يشمل كلّ قبر حتى قبره ﷺ وقبر غيره من الأنبياء والمرسلين ـ صلوات الله عليهم ـ، ولكن لم يرد دليل في الشّرع على استحباب شدّ الرّحل والسّفر لمجرد زيارة القبور من غير قصد شيء آخر؛ فلم نقل به، وإن كان لفظ الأمر يشمل السّفر وشدّ الرّحل للزّيارة، والزّيارة من قرب ومن بعد ـ كما قال السّبكيّ ـ، ولكن فعله ﷺ في زيارة القبور يخصّص هذا العموم، ويصيره قاصرًا على الزّيارة من غير سفر ولا شدّ رحل؛ إذ لو كان هذا مستحبًّا لم يتركه النّبيّ ﷺ ولا أصحابه من بعده مع وجود القبور البعيدة في زمانهم، وهذا لو فرض عدم مجيء النهي في ذلك؛ كيف وقد جاء النّهي مصرّحًا ـ كما تقدّم ـ؟! والله الموفّق. فقد تبيّن بما قلناه أنّ السّبكيّ لا دليل له من القرآن، ولا من السُّنّة الصّحيحة، ولا من القياس المعتبر؛ على استحباب شدّ الرّحل والسّفر للزّيارة المُجرّدة عن كلّ قصد سواها ـ كما علمتَ ـ. فصل الأصل الرّابع (الإجماع) ـ وإليه الإشارة بقوله: «وأمّا الإجماع: لإطباق السّلف والخلف؛ فإنّ النّاس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحجّ يتوجّهون إلى زيارته ﷺ ... إلى آخره» ـ. فجوابه من وجوه: الأول: هذا الإجماع لا حُجّة فيه؛ لأنّه محتمل أنّهم يتوجّهون عقب الحجّ إلى الصّلاة في مسجده ﷺ وبعدها يزورون قبره ﷺ ، وقصدوا مع السّفر للصّلاة في المسجد الشّريف الزّيارة، ونحن لا ننازع في هذا، ويحتمل على سبيل التّنزّل مع السّبكيّ أنّهم قصدوا بسفرهم الزّيارة المُجرّدة عن الصّلاة في المسجد وغيرها من

стр. 125

أنواع القرب، فإذا كان هذا السّفر محتمل لجميع هذه المعاني كلها؛ فليس حمله على معنى منها بأولى من حمله على غيره، وقد تقرّر عند أهل الأصول: أنّ «الدّليل إذا تطرّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال» ؛ فلا حُجّة له حينئذ في هذا الإجماع، وهذا لو سلمنا للسّبكيّ أنّ هذا إجماع، وكيف يسمّى إجماعًا وقد شرط أهل الأصول للإجماع شروطًا، وبيّنوا ما يسمى إجماعًا وما لم يُسَمّ، وقد اختلف المسلمون في الاستدلال بالإجماع؛ فقال بعضهم: لا حُجّة فيه إذا كان مخالفًا للكتاب والسُّنّة، وبعضهم قال: معرفته ليست ممكنة، ولهم في هذا تفاصيل كثيرة، وإليك بعض ما قالوه: (مبحث الإجماع) : يتُكَلَّم في الإجماع من وجوه: كبيان معناه شرعًا، وبيان جواز وقوعه، وإمكان العلم به ونقله، وبيان ركنه وشروطه، وحجّيته، ومستنده، ومراتبه. الإجماع شرعًا: اتفاق مجتهدي أمّة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر على حكم شرعيّ، وليس هو ولا العلم به ولا نقله إلينا مستحيلًا؛ فإنَّا قاطعونت بإجماع أهل كلّ عصر على تقديم القاطع على المظنون، حتى صار ذلك من ضروريّات الدّين، ولا اعتبار بخلاف النّظَّام وبعض الشيعة في ذلك ـ مستندين لأمور واهية ـ. ركن الإجماع: تكلُّم المجتهدين على الحكم في العصر الذي حصل الإجماع فيه أو فعلهم كما أجمعوا عليه كذلك، كشروعهم في المزارعة والمساقاة، أو تكلُّم البعض أو فعلُه وسكوت الباقي بعد علمه، ومُضِيّ مدّة التّأمّل التي أقلّها ثلاثة أيام. انتهى من كتاب «أقرب طرق الوصول إلى قواعد علم الأصول» . والحاصل: أنّ للأمّة كلامًا كثيرًا في الإجماع، ونحن نقول بجواز وقوعه وحُجّيته، ولكن أي دليل لهذا المعترض فيما ادّعى فيه أنّه إجماع، والحال قد نقضه هو بنفسه ـ كما سنبيّنه ـ. وقبل المناقشة معه نذكر لك أمورًا تعلم منها أنّ هذا ليس إجماعًا؛ وهي: أنّهم قد عرَّفوا الإجماع بأنّه: «اجتماع مجتهدي هذه الأمّة على حكم شرعيّ، لا يُعلم لهم مخالف في هذا الحكم» ، ومعلوم أنّ مسألتنا هذه ليس لها نصيب من هذا التّعريف؛ لأنّ الخلاف فيها مشهور

стр. 126

معروف بين السّلف والخلف، وقد بيّنّا ـ فيما مضى ـ نقل الخلاف بينهم؛ فممّن لم يجوّز شدّ الرّحل والسّفر إلى غير المساجد الثّلاثة من الصّحابة: أبو هريرة وبصرة الغفاريّ، وممّن كره زيارة القبور من التّابعين ومَن بعدهم: محمد بن سيرين، وإبراهيم النّخعيّ، والشّعبيّ، ومالك بن أنس ـ إلَّا أنّه نُقِلَ عنه الرّخصة في زيارتها ـ. فإن قلتَ: إنّ التّابعين الذين كرهوا زيارة القبور لم يكرهوا زيارة قبر النّبيّ ﷺ . فالجواب: الذين نقلوا عنهم كراهة ذلك لم يذكروا استثناء؛ فعُلِمَ أن ترك الاستثناء يفيد كراهة العموم. وأما إمامنا مالك بن أنس؛ فقد نقل عنه صاحب «المبسوط» كراهة الزيارة مطلقًا ـ كما بيّنه الحافظ ابن عبد الهادي ـ. وممّن نُقل عنه كراهة شدّ الرّحل والسّفر إلى زيارة القبور من غير استثناء من المتأخّرين: ابن الجوينيّ، والقاضي حسين، وطائفة ـ كما ذكره الغزاليّ في «الإحياء» ، والنّوويّ في «شرح مسلم» ، وشيخ الإسلام ومَن وافقه من أهل زمانه ـ. فإذا تبيّن لك هذا؛ علمتَ أنّ المسألة ذات خلاف قديمًا وحديثًا، وأنّها ليست من الإجماع في شيء، ودعوى السّبكيّ أنّها من المسائل المجمع عليها في غاية السّقوط والبعد بما بيّنّاه، ولا أدري: هل هذا المعترض كان يجهل معنى الإجماع أو يتجاهل؟! والذي يظهر لي: أنّه كان يتجاهل؛ لأنّ معنى الإجماع لا يخفى على مثله، ولكن حمله على ترك بيانه تعصّبه على شيخ الإسلام، وكيف يجعل معناه وهو نفسه قد نقل الخلاف في زيارة القبور، وقبر النّبيّ ﷺ داخل بالعموم، وقد

стр. 127

صرّح به مالك ـ كما تقدّم ـ، ولكن اتّباع الهوى يحمل الإنسان على إنكار الحقّ! فنعوذ بالله من اتّباع الهوى. فقد علمتَ بما تقدّم من تعريف الإجماع ـ وأنّه: «اتّفاق مجتهدي هذه الأمّة في عصر على حكم شرعيّ» ـ؛ فعُلِمَ بهذا التّعريف: أنّه لو خالف واحد لا يُسمّى إجماعًا؛ فكيف وقد خالف عدد كبير، وقد ذكرنا أسمائهم فيما مضى؟! والذي يظهر ويتّجه: أنّ شيخ الإسلام هو السعيد بدعوى الإجماع لو ادّعاه، وإليه يرشد قول مالك في «المبسوط» حيث يقول: «أكره أن يقول الرجل: زرنا قبر النّبيّ ﷺ » . ومن المعلوم أنّ مالكًا من أجلَّاء علماء المدينة، وقبر النّبيّ ﷺ في المدينة؛ فلو كانت هذه التّسمية سائغة ذائعة عند السّلف؛ ما أنكرها مالك؛ فدلّ قول مالك أنّ أهل المدينة لم يعرفوا لفظة زيارة القبر الشّريف؛ وإلَّا لو كانوةا يعرفونها لما جاز لمالك كراهتها. فإن قلتَ: إنّما كره مالك لفظة: «زرنا قبر النّبيّ ﷺ » لما فيها من التّحقير؛ فالأولى أن يقولوا: حججنا وقصدنا قبر النّبيّ ﷺ ، وقد أوَّل [ما قاله] مالك بهذا التأويل خلقٌ من أتباعه. فالجواب: أنّ مالكًا أجلّ وأعظم قدرًا من أن يتنزّل إلى مثل هذا؛ لأنّ مثل هذا القول لا يصدر إلّا عن رجل جاهل بالكتاب والسُّنّة ولغة العرب، وحاشا أن يكون مالك جاهلًا بلغة قومه؛ فإنّ لفظة (الزّيارة) استُعْمِلَت بكثرة في القرآن والسُّنّة ولغة العرب؛ [فمما] ورد في السُّنّة: «زيارة المؤمنين ربّهم في الجنّة» ؛ فهل يقول أحد في مثل هذا: لا يُقال ذلك لأنّه يُشعر بالتّحقير، وأنّ الزّائر أفضل من المزور؟! اللهمّ إلَّا أن يكون هذا القائل مُتَفَيقهًا أو مُتَمَعْلِمًا؛ فإنّ العالم بالفقه هو الذي يعرض ما يقوله على الكتاب والسُّنّة ولغة العرب، ومالك أجلّ قدرًا من أن يقصد بقوله هذا المعنى، وكيف يقصد هذا التّأويل المخالف لما عليه عامّة أهل اللّسان العربيّ، وينُكر لفظًا

стр. 128

وردت به السُّنّة المطهّرة في زيارة المؤمنين لربّهم ـ كما تقدّم ـ، ووردت في الأحاديث الضّعيفة التي أوردها السّبكيّ للاستدلال على مشروعيّة الزّيارة؟! فهل يكون مالك أعلم بلغة العرب من النّبيّ ﷺ وقد نطق بها ورواها عنه أصحابه من غير تأويل كما أوَّلها هؤلاء المتشدّدون؟! فما هذا إلَّا جناية على الله ورسوله وأئمّة الدّين، ولو كان ما أوَّلُوا به مقالة مالك صحيحًا؛ لجاء ذلك في القرآن والسُّنّة؛ لأنّ لفظة (الحجّ) ما جاءت في القرآن والسُّنّة إلَّا للبيت الحرام؛ فانظر ـ رحمك الله ـ كيف أدّى الجهل بالمسلمين إلى مثل هذا حتى صنّفوا كتابًا سمّوها «حجّ المشاهد» ـ يريدون بذلك: زيارة قبور الصّالحين ـ؛ فترفَّعُوا عن قولهم: زرنا قبر فلان ـ علمًا منهم أنّ هذا تحقيرًا له ـ؛ فعدلوا به إلى قول: حججنا! فمَن وصل به الجهل إلى مثل هذه ـ كما علمتَ ـ. بل هي من المسائل المتنازَع فيها قديمًا وحديثًا، وشيخ الإسلام لم ينكرها؛ بل هو مسبوق بها؛ وإنّما اختار منها القول الذي ذكرناه عنه، وانتصر له بالدليل الشّرعيّ والنظّريّ، ولا مَلامة تلحقه في ذلك؛ لأنّه مجتهد، وليس من شرط المجتهد أن يوافق فيما اجتهد فيه أحدًا من النّاس؛ بل له أن يجتهد في الحكم الشّرعيّ ـ وإن خالف غيره من المجتهدين ـ؛ فهذا أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد وغيرهم من أئمّة الدّين؛ كلّ منهم قد خالبف مسائل لا يوافقه عليها أحد غيره؛ فهل قال أحد: لا يُقبل اجتهاده فيما خالف فيه غيره؛ فكلٌّ منهم مأجور ومعذور فيما أخطأ فيه، وقد قدّمنا أنّ هذا الإمام قد شَهِدَ له بالاجتهاد المطلق سبعون مجتهدًا في زمانه؛ فلا بدع إن خالف غيره من المجتهدين في بعض المسائل؛ كيف وقد علمتَ مَن وافقه عليها من السّلف والخلف، ومَن تتبّع كتب المتقدّمين؛ وجد فيها ما قلناه، وأنّهم كانوا يستعملون بعد أداء النُّسُك لفظ: (قصد الصّلاة في مسجده ﷺ ـ كما حكاه السّبكيّ وغيره ـ؛ فلم يستعمل لفظ (الزّيارة) بعد الحجّ إلا المتأخّرون وقليل من المتقدّمين من أهل الحديث، لم يذكروا منها لفظًا واحدًا في كتبهم؛ بل اقتصروا فيها على ذكر فضل المساجد الثّلاثة، والنّهي عن شدّ الرّحل [لغيرها]ـ بعد كتاب المناسك ـ؛ فهذا الإجماع لو ادّعاه أحد؛ لكانت له شبهة قويّة؛ فممّن لم يذكر لفظة (الزّيارة) في كتابه ـ بل اقتصر على ما قلناه ـ: البخاريّ، ومسلم، ومالك، والنّسائيّ، والتّرمذيّ، وابن ماجه، وخلق سواهم، وأمّا أبو داود فقد ذكرها، ولكنّه لم يستدلّ

стр. 129

بشيء من هذه الأحاديث؛ بل استدلّ بقوله ﷺ : «إذا سَلَّم عليَّ أحد عند قبري؛ ردَّ الله عليّ روحي حتّى أرُدَّ ﵇» ـ أو كما قال ـ، وقوله: «فإنّ النّسا لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحجّ يتوجّهون إلى زيارته ﷺ » . أقول: هذا الذي ذكره مَن توجّه النّاس في كلّ عام بعد قضاء الحجّ صحيح، ولكن مِن أين لهم علم سرائرهم وأنّهم ما يتوجّهون إلَّا للزّيارة المُجرّدة عن كلّ قصد سواها ـ كالصلاة في مسجده ﷺ ؟! فإن قال: إنّ النّاس يقصدون بتوجّههم هذا الزيارة مع الصّلاة في مسجد النّبيّ ﷺ ؛ فقد وافق شيخ الإسلام ولا نزاع حينئذ؛ فإنّ شيخ الإسلام قائل بذلك. وإن قال: لا يتوجّهون إلَّا لقصد الزّيارة ليس إلَّا؛ فقد خالف بقوله هذا ما عليه المسلمون، وجنى عليهم جنابة عظيمة بتحكّمه على مقاصدم ونيّاتهم التي لا يعلمها إلَّا خالقهم، والحال أنّ أفعالهم في المدينة تبيّن لكلّ أحد مقاصدهم؛ فإنّهم إذا شدُّوا الرّحل وسافروا إلى المدينة المنوّرة أتوا مسجد النّبيّ ﷺ وصلُّوا فيه، ثم انثنوا بعد ذلك إلى زيارة القبر المعظم، وكذا قبر أبي بكر وعمر، وهذا الذي يقوله شيخ الإسلام وعامّة المسلمين، ومَن تأمّل حال النّاس اليوم وقبل اليوم؛ عَلِمَ يقينًا أنّهم لا يفعلون غير ما وصفنا، سواء في ذلك العالم منهم والجاهل من غير فرق. وقوله: «معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة» : أقول: نعم ـ وبه يقول شيخ الإسلام ـ إذا كان شدّ الرّحل والسّفر إلى ما وصفنا، وهو ـ ولله الحمد ـ لا يفعل غيره؛ فإنّ العالم من النّاس لا يتوجّه إلَّا لقصد الزّيارة والصّلاة في المسجد ـ كما علمتَ ـ،

стр. 130

والجاهل ـ وإن قصد بسفره غير ذلك ـ فهو ـ ولله الحمد ـ لا يفعل إلَّا ما يرى العلماء يفعلونه من الصّلاة والزّيارة وغير ذلك، ومعلوم لدى كلّ منصف أنّ العبرة بفعل العلماء ومقاصدهم، وأمّا الجاهل فلا التفات لفعله ولا لقصده؛ فإنّ العوام تبعٌ للعلماء، وقد نظرنا في كتب العلماء قديمًا وحديثًا فلم نجد فيها غير ما وصفنا، ولم نجد فيها أحد يقول: لا يقصد بالسّفر وشدّ الرّحل إلَّا للزّيارة من غير قصد إتيان المسجد والصّلاة فيه، ولو قاله أحد لكان بقوله هذا معلنًا بين العلماء لما يلزم على قوله هذا من مخالفة الحديث الصّحيح المتّفق عليه من قوله ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد» . فعلى قوله هذا: لا يلزم أحد أن يأتي مسجد النّبيّ ﷺ ولا يُصَلِّي فيه، فإن عمَّم المسجدين الآخرين؛ فقد تغالى في مخالفة النّبيّ ﷺ . وإن قال: بل يُشدّ الرّحل إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وأما مسجده ﷺ لا يُقصَد بشدّ الرّحل ولا بالسّفر؛ بل يُقصد بالزّيارة للقبر الشّريف فقط؛ فقد شَهِدَ بجهله وفضيحته أمام العلماء، وكلّ أحد له أدنى فهم يعلم بطلان هذا القول. وإن قال: أنا لا أقول ذلك؛ وإنّما أقول: يقصد بسفره المسجد والزّيارة، فإذا وصل يُصَلِّي في المسجد الشّريف، ثم يزور قبر النّبيّ ﷺ ؛ فقد رجع عن قوله ووافق شيخ الإسلام وغيره. فقط يبقى بينه وبينهم خلاف قليل في النّيّة، لا تأثير له إذا كان الفعل مُطابقًا على فعل مَن نوى بسفره الزّيارة والصّلاة في المسجد ـ كما علمتَ ـ؛ فتأمّل. وقوله: «وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرق ومغاربها على مرّ السّنين، وفيهم العلماء والصُّلحاء وغيرهم؛ يستحيل أن يكون خطأ» : أقول: [ما] ذكره إن

стр. 131

أراد به إطباقهم على ما وصفنا؛ فهو صحيح، وعليه يدلّ ما ذكروه في مصنفاتهم قديمًا وحديثًا ـ كما سبق ـ، ورأيناه في فعلهم، لا فرق في ذلك بين عالم وجاهل، وهذا هو الذي يستحبّه شيخ الإسلام ابن تيميّة وغيره. وإن أراد بهذا الإطباق أمرًا آخر غير ما ذكرنا؛ بأنّهم أطبقوا على شدّ الرّحل والسّفر إلى الزّيارة المُجرّدة من غير أن يُصَلِّي في مسجده ﷺ ؛ فهذا ـ وايم الحقّ ـ قول لا يقول به أحد من العلماء، ولا يفعله أحد، ولو كان من أجهل الجاهلين؛ بل رأينا ـ ولله الحمد ـ كلّ أحد يفعل ما قاله شيخ الإسلام وغيره من إتيان المسجد الشّريف ويُصَلِّي فيه، ثم يزور قبر النّبيّ ﷺ وقبر صاحبيه، وإن عجز عن تعبير ما في ضميره؛ فعُلِمَ بهذا أنّ السّلف والخلف متّفقون ومجمعون على ما ذهب إليه شيخ الإسلام قولًا وفعلًا؛ فأمّا القول: فما ذكروه في كتبهم من صفة الزّيارة، وإن اختلفت عباراتهم، وأمّا الفعل: فكما رأيناه وسمعناه نحن ومَن قبلنا، ولا تكاد ترى أحدًا يفعل سوى ما ذُكِرَ في كتب العلماء من صفة الزّيارة، وهذا الذي وصفناه وذكرناه هو الإجماع الذي يستحيل معه الخطأ، وشيخ الإسلام أسعد به من مخالفه. والله الموفّق. والذي يتحصّل من هذ االكلام الطويل؛ أنّ في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: شدّ الرّحل والسّفر يُقصد به الزّيارة والصّلاة في المسجد. الثاني: شدّ الرّحل والسّفر بنيّة الزّيارة فقط، وإذا وصل هذا المسافر المدينة أتى المسجد وصلّى فيه، وزار قبر النّبيّ ﷺ . الثالث: شدّ الرّحل والسّفر إلى الزيارة المُجرّدة، من غير قصد الصّلاة في المسجد، والتّمادي على هذه النّيّة حتى يزور، من غير أن يُصَلِّي في المسجد، ثم ينصرف.

стр. 132

فالقول الأول: هو الأحوط والأولى، وعليه يدلّ كلام أهل العلم قديمًا وحديثًا، ولا تكاد ترى في كتب العلماء غيره، وإليه أشار السّبكيّ فيما يأتي، وعليه يدلّ الحديث الصحيح ـ وهو: «لا تُشَدُّ الرِّحال ... » الحديث ـ. وأما القول الثاني: فهو ـ وإن خالف القول الأول بتركه نيّة الصّلاة مع الزّيارة حال شدّ الرّحل ـ؛ لكنّه وافق في فعل ما هو المطلوب؛ فهذا أرجو أن لا بأس به؛ لأنّ المقصود من شدّ الرّحل والسّفر قد حصل ـ وهو الصّلاة في مسجده ﷺ وزيارة قبره الشّريف ـ، وإن لم ينوِ الصّلاة حال شدّ الرّحل. وأما القول الثالث: فهذا مخالف لما عليه عامّة المسلمين، وأظنّ لا أحد يقوله، اللهمّ إلَّا مَن غلا في العِناد وترك السُّنّة. فأمّا القولان الأولان فيقول بهما شيخ الإسلام ابن تيميّة، وعليهما يدلّ كلامه، ويرى أنّ السّفر وشدّ الرّحل على هذين القولَين قُربة. فإن قلتَ: قد نقل النّاس عنه أنّه كان يفتي بتحريم شدّ الرّحل والسّفر للزّيارة المُجرّدة عن الصّلاة في المسجد الشّريف. فالجواب: نعم؛ أفتى بذلك، ومقصوده بالتّحريم إذا تمادى المسافر على هذه النّيّة حتى وصل المدينة، وزار قبر النّبيّ ﷺ ، وانصرف من غير أن يُصَلِّي في مسجده الشّريف ـ كما أشرنا إليه في القول الثالث ـ. وأمّا لو نوى الزّيارة حال شدّ الرّحل فقط، ولكنّه لما وصل المدينة فعل ما هو المطلوب من الصّلاة في المسجد والزّيارة؛ فهذا لا يحرم السّفر لمثله؛ فهو ـ وإن كان السّفر بهذه النّيّة غير مشروع؛ لأنّ زيارة القبور المُجرّدة عن كلّ قصد سواها لا يشرع؛

стр. 133

بل يكون معصية مخالفة لنصّ الحديث الصحيح ـ، ولكن حيث إنّه لما فعل ما هو المطلوب والمقصود من شدّ الرّحل والسّفر كالصّلاة والزّيارة ـ كما تقدّم ـ؛ قلنا بأنّ هذا السّفر قربة من القُرب. فإن قلتَ: هذا مشكل جدًّا؛ كيف يكون السّفر بقصد الزّيارة المُجرّدة عن كلّ شيء سواها معصية، ثم إذا أتبعها بقصد شيء آخر يكون قُربة؟! أقول: لا إشكال هنا؛ فإنّ هذا له أمثلة جاء الشّرع بها: فمنه: قوله ـ تعالى ـ في سورة الفرقان: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلَّا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا * إلَّا مَن تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ . فانظر؛ كيف بدَّل الله لمن تاب عن الأعمال السّيئة وعمل عملًا صالحًا السّيئة حسنة! ومنه: قوله ﷺ : «مَن هَمَّ بحسنة فعملها كُتِبَت له عشر حسنات، ومَن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كُتِبَت له حسنة» . فانظر؛ كيف كتب الله له همّه بالسّيئة ـ وهو معصية ـ حسنة؛ حيث إنه تركها ولم يعملها. ومسألتنا هذه ـ وإن كانت ليس من هذا الباب من كلّ وجه ـ؛ ولكن لما كان السّفر لمجرد زيارة القبور غير مشروع؛ بل هو معصية لمخالفة الحديث الصّحيح، ولكن فعل ما هو المراد والمقصود من شدّ الرّحل والسّفر ـ وهو الصلاة في مسجده ﷺ ؛ فإنّ ذلك مشروع ومطلوب. وأمّا الزّيارة فهي مشروعة أيضًا، ولكن لم يشرع لها شدّ رحل ولا سفر، بخلاف الصّلاة في المساجد الثّلاثة، فلما فعل هذا ما ليس مشروعًا ثم أتبعه بفعل ما هو المشروع والمرغّب فيه؛ انقلب سفره هذا طاعة بعد أن كان معصية؛ لأنّه صار حينئذ وسيلة إلى ما هو مشروع؛ إذ الصّلاة في مسجده ﷺ مشروع لها السّفر، وحيث إنّ هذا لم يقصده بالسّفر، ولكن فعل ما هو المراد من السّفر، وزار القبر الشّريف وغيره من القبور ـ وزيارتها

стр. 134

مشروعة له إذا وصل ـ؛ فلا شكّ أن يكون فعله هذا كله طاعة وتقرُّبًا إلى الله ؛ فتفطّن، والله يؤيّدك. فصل واعلم أنه لم يكن من غرض شيخ الإسلام الكلام في هذه المسألة؛ ولكن اضطرّ للكلام فيها لما سُئِلَ عن حكم شدّ الرّحل والسّفر إلى قبور الأنبياء والصّالحين؛ فأفتى بعدم جوازه؛ محُتجًّا على ذلك بحديث الصحيحين المتقدّم؛ فجادله خصماؤه؛ مُحتَجّين عليه بالأحاديث المتقدّمة المتضمّنة لاستحباب شدّ الرّحل والسّفر إلى زيارة قبره ﷺ ومشروعية زيارته؛ وقالوا له: إذا كان هذا مشروعًا في زيارة قبره ﷺ ؛ فقبور غيره من الأنبياء والصّالحين مُقاسة عليه؛ فانجبر على الكلام في هذه المسألة، وتكلّم على الأحاديث التي أوردوها، وبيَّن ما فيها من صحيح وضعيف وموضوع، وأنّ الصّحيح منها لا يُفيد مشروعيّة شدّ الرّحل والسّفر بقصد الزّيارة، والضّعيف منها لا يفيد إلَّا مشروعيّة الزّيارة المُجرّدة عن شدّ رحل وسفر، وذلك بعد جمع طرقه ـ جريًا على القول بأنّ الحديث الضّعيف يُعمل به إذا كثرت طرقه وتعددت ـ، وأنتَ خبير بأنّ قبور غيره لا تُقاس عليه؛ لأنّا نقول: المسافر إلى المدينة إمّا بنيّة الزّيارة وحدها فقط، وإمّا بنيّة الزّيارة والصّلاة في مسجده ﷺ . وعلى كلٍّ؛ فلا بُدّ أن يأتي المسجد الشّريف ويُصَلِّي فيه، ثم يزوروها؛ فالمقصود من شدّ الرّحل والسّفر إلى المدينة قد حصل، نوى ذلك أم لم ينوِه. وأمّا المسافر إلى قبور الأنبياء والصّالحين فلا قصد له إلَّا الزّيارة، ولا شيء هناك يقصد سواها، فلما علمنا ذلك؛ نظرنا في قوله وفعله ﷺ ؛ ولم نجد إلَّا قوله ﷺ : «كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور؛ فزوروها» ، وقوله: «زوروا القبور؛ فإنّها تُذَكِّر الآخرة» ، وهذا لا يفيد إلَّا العِظَة وتذكّر الآخرة، ولا يختصّ به قبر دون قبر؛ بل أي قبر زاره ورآه حصل له ذلك، وأي بلد من بلدان المسلمين حتّى الكافرين خالية من المقابر؛ فليس في السّفر إلى زيارة القبور فائدة؛ لأنّ المقصود من زيارة القبور يحصل من القريبة كما يحصل من البعيدة؛ إذًا العِلّة واحدة. وتتبّعنا فعله ﷺ في زيارة القبور؛ فلم نجد فيه أنّه ﷺ شدّ رحله وسافر إلى زيارة قبر أحد الأنبياء والصّالحين؛ بل اقتصر على زيارة أهل البقيع

стр. 135

والشّهداء ممن كانت قبورهم بالمدينة، وكذا تتبّعنا آثار أصحابه ﷺ ؛ فلم نجد فيها أحدًا منهم فعل ذلك؛ فعلمنا قطعًا أنّ شدّ الرّحل والسّفر لزيارة القبور غير مشروع أصلًا؛ إذ لو كان مشروعًا لما تركه النّبيّ ﷺ ، [ولفعله ولو] مرة واحدة في عمره، وكذا أصحابه من بعده ـ كما تقدّمت الإشارة إليه فيما سبق ـ. والله الهادي. وأمّا قوله: «فإن قلتَ: إنّ هذا ليس مما يُسَلِّمه الخصم؛ لجواز أن يكون سفرهم ضُمَّ فيد قَصد عبادة أخرى إلى الزّيارة، بل هو الظّاهر؛ كما ذكر كثير من المُصَنّفين في المناسك: أنّه ينبغي أن ينوي مع زيارته التّقرّب بالتّوجه إلى مسجده ﷺ والصّلاة فيه، والخصم ما أنكر أصل الزّيارة؛ إنّما أراد أن يبيّن كيفية الزّيارة المستحبّة؛ وهي أن يضُمّ إليها قَصد المسجد ـ كما قاله غيره ـ» : أقول: هذا الذي ذكره العلّامة السّبكيّ هو الذي ذكره عامّة المسلمين من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في صفة الزّيارة، حتى المتعصّبون على شيخ الإسلام ـ كابن حجر المكيّ؛ في شرحه لـ «مناسك النّوويّ» ، وكتابه «الجوهر المنظم» ـ، وهو الذي قال به شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ فأيّ إجماع أعظم من هذا؟! وقد شهد به السّبكيّ نفسه؛ فلا خلاف ـ حينئذ ـ بين شيخ الإسلام وبين غيره من سائر العلماء من المتقدّمين والمتأخّرين؛ ومنه تعلم أنّ تشنيع السّبكيّ وابن حجر عليه في غير محلّه؛ فانظر ـ رحمك الله ـ بعين الإنصاف إلى السّبكيّ؛ كيف أنكر الحقّ ومال عنه، بعد أن شَهِدَ به وعزاه إلى أكثر المُصَنّفين في المناسك، ثم أخذ يُبطل هذا بقوله: «قلتُ: أمّا المنازعة فيما يقصده النّاس؛ فمَن أنضف نفسه وعرف ما النّاس عليه؛ علم أنّهم إنّما يقصدون بسفرهم الزّيارة من حين يُعرِّجون إلى طريقة المدينة، ولا يخطر غير الزّيارة من القربات إلَّا ببال قليل منهم، ثم مع ذلك هو مغمور بالنّسبة إلى الزّيارة في حقّ هذا القليل، وغرضهم الأعظم هو الزّيارة، حتّى لو لم يكن ربما لم يسافروا؛ ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس» انتهى!

стр. 136

والجواب أن يُقال له: ما أردتَ بالنّاس؟ فإن أردتَ بالنّاس العلماء؛ فهم قد ذكروا ما قاله شيخ الإسلام في كتبهم؛ من استحباب السّفر للزّيارة والصّلاة في مسجده ﷺ كما ذكرتَه أنتَ في الجملة الأولى ـ، وما كانوا ليذكروا شيئًا في كتبهم ويخالفونه بأفعالهم؛ فإنّ هذا ليس من شأن العلماء؛ فلأنّ العالم هو الذييوافق فعله قوله، وحاشاهم أن يقولوا شيئًا ويخالفونه بفعلهم ضدّه. وإن أردتَ بالنّاس العوام الذين لا علم لهم؛ فهؤلاء لا عبرة بخلافهم؛ فإنّا مأمورون بالاقتداء بأهل العلم، لا بأهل الجهل! وقد تتبّعنا مُصَنّفات العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة؛ فلم نجد فيها غير الذي نقلتَه أنتَ عنهم. وأمّا كونهم قصدوا غير ذلك؛ فهذا لا يعلمه إلَّا الله ؛ فإنّنا لسنا مُكَلّفين إلَّا بما ظهر لنا من أقوال العلماء، وأمّا قصدهم ونيّتهم؛ فمفوّض إلى الله ـ تعالى ـ. قوله: «ولا يخطر غير الزّيارة من القربات إلَّا ببال قليل منهم» : أقول: القليل منهم الذي ذكرتَه هم العلماء، والعبرة بأقوالهم، وقد ذكروها في كتبهم ـ كما علمتَ ـ، وما عداهم من النّاس فلا التفات إليهم. وقوله: «وغرضهم الأعظم هو الزّيارة ... » إلى آخره: أقول: هذا تحكّم محض على مقاصد العلماء ونيّاتهم التي لا يعلمها إلَّا خالقهم. فإن قال: لم أذكر هذا إلَّا أخذًا من أقوالهم: فالجواب أن يقال: إنّك نقلتَ عنهم قريبًا أنّهم لم يذكروا في كتبهم إلَّا استحباب السّفر والصّلاة في مسجده ﷺ ، وعزوتَه للكثير من العلماء الذين صَنّفوا في المناسك؛ فمن أين لك أنّ مقصودهم الأعظم هو الزّيارة فقط، حتّى إذا لم يكن هناك قبره ﷺ ؛ فلم يُسافر إلى مسجده ﷺ للصّلاة فيه أحد؟! فهل يقول هذا أحد، وينسب كافة المسلمين إلى مخالفة السُّنّة الصّحيحة، وترك العمل بها وتفويت فضلها، وهم يروون عنه ﷺ قوله: «صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه» ؟! فحاشاهم من ذلك؛ وإنّما الذين يُظَنُّ بهم: أنّهم قصدوا بالسّفر زيارته ﷺ والصّلاة في مسجده ـ كما ذكروا ذلك في كتبهم، ونقله عنهم السّبكيّ وغيره، ورأينا في مصنفاتهم في المناسك ـ، والله أعلم بما هناك. ثم أخذ يقرّر هذا بكلام لا يُجاوَب عليه؛ لأنّه حُكْمٌ على ما في ضمائر النّاس، وهذا لا يعلمه أحد إلَّا الله ـ تعالى ـ. وأمّا قوله: «وأمّا ما ذكره المُصَنّفون في المناسك؛

стр. 137

فإنّهم لم يريدوا به أنّه شرط في كون السّفر للزّيارة قُربة، ما قال هذا أحد منهم، ولا يتوهّمه، ولا اقتضاه كلامه» : فالجواب أن يقال: ما هذا التغافل والتّعامي من هذا الشّيخ؟! كيف نقل عنهم فيما مرّ أنّهم ذكروا في كتبهم استحباب السّفر للصّلاة والزيارة، ثم نفاه عنهم، وحكم عليهم هنا أنّه ما قاله منهم أحد ولا توهّمه ولا اقتضاه كلامه؟! فما هذا التّناقض، وهل مثل هذا يحتاج إلى ردّ ومناقشة؟! كلَّا؛ ولكن أقول له: إنّ كتب المتقدّمين من أهل الحديث وغيرهم لم يذكر فيها مُصَنّفوها بعد المناسك إلَّا فضل مسجده ﷺ وفضل الصّلاة فيه، من غير أن يذكروا لفظة (الزّيارة) ، وأمّا كتب المتأخّرين من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لم يذكروا في صفة الزّيارة إلَّا ما نقلتَه أنتَ عنهم ورأيناه؛ فكيف يليق بك أن تقول: ما ذكره أحد ولا توهّمه ولا اقتضاه كلامه؟! تقول شيئًا ثم تنقضه في ورقة واحدة! فما هذا إلَّا تعصّب وميل عن سبيل الجادة؛ فالله يحفظنا! وكلّ مَن رجع إلى كتب المُحَدّثين الذين صَنّفوا في الصّحيح والحسن وغيرهما ـ مثل: البخاريّ، ومسلم، وأهل السُّنَن، وغيرهم ـ؛ لم يجد فيها إلَّا ذكر المدينة وفضلها، وفضل الصّلاة في مسجده ﷺ ، وذكر شدّ الرّحل إليه، من غير لفظ (الزّيارة) ؛ فهذا يدلّ على أنّهم ما أرادوا إلَّا شدّ الرّحل والسّفر للصّلاة في مسجده ﷺ ، من غير قصد شيء آخر؛ وإلّا لو أرادوا شيئًا غير الصّلاة لذكروه، سيّما وأنتَ تقول: إنّ شدّ الرّحل والسّفر للزّيارة المُجرّدة هو الأصل، وهو المراد بالسّفر، والصّلاة في مسجده الشريف تابع لها! فكيف يُظَنُّ بأهل الكتب السّتّة وغيرهم أنّهم تركوا الأصل ولم يُعَرِّجوا عليه، وذكروا ما هو تابع له؟! فلا يُكتفى بذكر المتبوع عن التّابع! وقد سمعتُ شيخنا الأستاذ محمد جمال الدين القاسميّ بدمشق يقول: «ما

стр. 138

ترك البخاريّ ومسلم حديثًا إلَّا وله علّة قادحة منعتهما عن إخراجه» ؛ فقلتُ له: يا سيدي! قد رُوي عن البخاريّ أنّه قال: «ما تركتُ من الصّحيح أكثر» ، ورُوي عنه أنّه قال: «ألّفتُ كتابي هذا من مائتي ألف حديث صحيح» ، ومعلوم لكلّ من سبر كتابه؛ يعلم أنّه ما يبلغ مِعْشار عُشر هذا. فقال لي: مراده ـ رحمه الله تعالى ـ بقوله: «ما تركتُ من الصّحيح أكثر» ؛ يعني بذلك: ما إذا كان في الباب عشرة أحاديث ـ مثلًا ـ؛ فإنّه يكتفي بذكر حديث أو حديثين منها، وأمّا أنّه يترك حديثًا صحيحًا هو أصل في الباب ونصّ على حكم شرعيّ، لم يتقدّم له نظير؛ فبعيد جدًّا، ومن تأمّل صنيعَه في «صحيحه» ؛ علم ما قلناه؛ لأنّه كثيرًا ما يذكر الحديث مستدلًّا به على المسألة الثانية، لم يحتج إلى تكرار. فعُلِمَ بذلك أنّ البخاريّ ما ترك حديثًا صحيحًا في كتابه هو أصل إلَّا وذكره؛ فكيف إذا انضمّ له مسلم ومالك وأهل السُّنَن وغيرهم؟! فهل يقول قائل: إنّ هؤلاء كلهم قد أجمعوا على ترك حديث هو أصل في بابه، لم يتقدّم له نظير، حتّى يكتفي به عن ذكر ما تركوه، ويذكروا حديثًا هو تابع لهذا الأصل الذي تركوه؟! كلَّا؛ فوالله ثم والله؛ لو صَحَّ عندهم حديث نصّ في الزّيارة؛ لذكروه عند ذكرهم فضل المدينة وفضل الصّلاة في مسجده ﷺ ؛ فكيف يقول السّبكيّ: ما قاله أحد ولا توهّمه ولا اقتضاه كلامه؟! وهذا الإمام الشّافعيّ في كتاب «الأمّ» لم يذكر بعد الحجّ (الزّيارة) ـ كغيره من المتأخّرين ـ، ومثله سحنون في «المدونة» ؛ فلو كان لفظ (الزّيارة) شائعًا، وأنّه يُقصَد بشدّ الرّحل والسّفر في مسجده ﷺ إلَّا ناس بعد هذه الطبقة ـ أعني: طبقة البخاريّ ومسلم والشّافعيّ وسحنون وابن القاسم وأهل السُّنَن ـ؛ وذلك لما ظهرت هذه

стр. 139

الأحاديث الواهية والموضوعة التي أوردها السّبكيّ في كتابه هذا، وقلدّهم النّاس في ذلك، حتّى إذا عمّت مصيبة التّقليد؛ تركوا ما هو الأصل والمراد من شدّ الرّحل والسّفر، وذكروا الذي لم يُشرَع له ذلك، حتّى قال السّبكيّ ما قال! وأمّا قوله «وما قاله منهم أحد» : أقول: [هل] لم يطّلع السّبكيّ على ما قاله الغزالي في كتبه عن ابن الجوينيّ والقاضي حسين وطائفة ـ وكذا ذكره عنهم النّوويّ في «شرحه لصحيح مسلم» ـ، وأنّهم حرّموا شدّ الرّحل والسّفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصّالحين، من غير استثناء في ذلك؟! وما ظننتُ أنّ التّعصّب يفضي بصاحبه إلى هذا، سيّما ابن الجوينيّ والقاضي حسين [وكذا الغزاليّ] من أئمّة الشافعيّة! وأمّا قوله: «وإنّما أرادوا أنّه ينبغي أن يقصد قربة أخرى؛ ليكن سفرًا إلى قُربَتين؛ فيكثر الأجر بزيادة القُرَب، حتّى لو زاد من قصد القُربات زادت الأجور ... » إلخ: فالجواب أن يقال: من أين لك أنّهم ما جعلوا ذلك شرطًا، وأنّهم أرادوا أنّه ينبغي أن يقصد قُربة أخرى ... إلى آخر ما قلتَ؟! وهم قد أطلقوا كلامهم؛ فلِمَ جعلتَ الأصل من كلامهم شدّ الرّحل والسّفر إلى الزّيارة، والصّلاة في المسجد تبعًا له، من غير دلسل يدلُّك عليه من كلامه؟! فإذا قال رجل لآخر: اذهب إلى زيد وعمرو؛ فهل يقول أحد: إنّ زيدًا هو الأصل وعمرًا تبع له ـ والحال أنّ الواو جمعت بينهما ـ؟! ولو قاله أحد؛ لكان مخالفًا بقوله هذا ما هو المعلوم والمعروف من لغة العرب! فغاية ما يُقال: إنّ الأمر بشدّ الرّحل والسّفر يتناول الأمرين: الزّيارة والصّلاة في المسجد الشّريف؛ فكيف خصّصتَ الأمر بشيء دون شيء بغير مخصّص؟! ولولا ما ذكرتَه عن الأكثرين ممن صَنَّف في المناسك؛ لم تُعَرِّج على ذكر الصّلاة في مسجده ﷺ ، ولكن منعك منه امتلاء كتب القوم به. وما ذكره عن ابن الصّلاح: فإن صَحَّ؛ حُمِلَ على تغاليه في التّقليد، مع جلالة قدره في الحديث،

стр. 140

ويُقال له: إنّك من أهل الحديث العالمين بالصّحيح منه والسّقيم؛ فهل رويتَ لنا حديثًا في موطإ مالك، أو في صحيح البخاريّ ومسلم، أو في السُّنّن الأربعة، أو المُنتقى لابن الجارود، أو المختارة للضياء المقدسيّ، أو المستدرك للحاكم ـ على ما فيه ـ؛ يدلّك على ما ذهبتَ إليه من مشروعيّة شدّ الرّحل والسّفر إلى مجرد الزّيارة من غير قصد الصّلاة في مسجده ﷺ ؟! وما نراك رويتَ لنا في هذه الكتب التي سمّيناها إلَّا حديث: «لا تُشَدّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد» ، وحديث فضل المدينة، وفضل الصّلاة في مسجدها! فإن كنتَ رويتَ حديثًا يخالف هذه الأحاديث الصّحيحة ويُقَدّم عليها؛ فأوجده لنا؛ حتى ننظر فيه، وإن كنتَ ما رويتَ في ذلك إلَّا الأحاديث الملفّقة والواهية والموضوعة، وزعمتَ أنّ العمل بمقتضاها يُقَدّم على العمل بمقتضى الأحاديث الصّحيحة التي تقدّمت الإشارة إليها؛ فقد خالفتَ بقولك هذا ما عليه أئمّة الحديث والأصول؛ إذ لا نسبة بين موضوع وضعيف، وبين ضعيف وصحيح، فضلًا عن أن يُقَدَّم عليه! وكنتُ أتعجّب من الحافظ أبي عمرو ابن الصّلاح هذا لما نقلوا عنه قوله: «ولا يجوز تقليد غير الأئمّة الأربعة؛ لأنّ مذاهبهم لم تدوّن ولم تُحَرّر مثل مذاهب الأربعة» ! فلو قالها أحد غيره من أهل الفقه فقط؛ فلا غرو؛ لأنّهم لم يُعانوا صناعة علم الحديث، وأمّا مثل ابن الصّلاح فغريب منه صدور مثل هذا عنه؛ ومن المعلوم لدى كلّ مَن مارس علم السُّنّة واطّلع على دواوين أهل الإسلام المؤلّفة في الحديث ـ كموطإ مالك والأصول السّتّة والمسانيد ومُصَنّف عبد الرّزّاق وابن أبي شيبة وغيرها ـ أنّ هذه الكتب كلّها مشحونة بأقوال الصّحابة والتّابعين وغيرهم ممّن أتوا بعدهم غير الأربعة! فإن قال: لا يُعبأ بتلك الأقوال؛ لأنّنا لسنا على ثقة من صِحّتها ونسبتها إلى أهلها؛ فالجوابُ أن يقال: الذي روى الأحاديث النّبويّة التي فيها روى هذه الأقوال عن أهلها، فلِمَ صدّقناه في رواية الحديث واتّهمناه في رواية هذه الأقوال عن أهلها؟! فإن كنّا قد صدّقناه في رواية الحديث؛ فقد وجب علينا أن نُصَدّقه في رواية

стр. 141

تلك الأقوال؛ فتأمّل. وغاية ما يُقال في ابن الصّلاح: أنّه ـ وإن كان إمامًا في الحديث ـ لكنّه كان يَغْلِب عليه التّعصّب للمذاهب كغيره ممّن اعتنى بهذا الشّأن، ولم يقدّمه على أقوال الرّجال! والحال أنّنا نقول: إنّ التّقليد في أمثالهم حرام؛ لأنّهم أعلى قدرًا من أن يُقَلِّدوا أحدًا غير رسول الله ﷺ ، وهم عالمون بصحيح السُّنّة وسقيمها، لايختلف في هذا اثنان، ولكن كما قيل: «حُبّك الشّيء يعمي ويصمّ» ! فنسأل الله أن يرحمهم ويُجازيهم على حسن نيّاتهم. وقد علمتَ مما مرّ أنّ السّبكيّ لا دليل [له] في القرآن ولا في السُّنّة ولا في القياس ولا في الإجماع على جواز شدّ الرّحل والسّفر إلى زيارة القبور، من غير قصد شيء آخر يكون السّفر مشروعًا له، فضلًا عن استحبابه! وأنّ شيخ الإسلام أسعد بصحّة الحُجّة على ما ذهب إليه من تحريم شدّ الرّحل والسّفر لزيارة القبور المُجرّدة عن كل قصد سواها، وأنّ زيارة القبور مشروعة من غير شدّ رحل وسفر؛ فهما مسألتان؛ فاحذر من جعلهما مسألة واحدة ـ كما بيّنّاه فيما سبق ـ. والله وليّ التّوفيق. فصل ثم ذكر السّبكيّ بعد الإجماع أصلًا خامسًا؛ أشار [إليه] بقوله: «الخامس: وسيلة القُربة قُربة» ، وأطال الكلام جدًّا في تقرير هذا الأصل؛ مستدلًّا عليه بأحاديث نبويّة ومباحث أصوليّة لا تحتاج إلى مناقشة؛ لأنّه لا حاجة بنا إلى ردّ شبهته؛ لوجهين: أحدهما: أنّنا قد أبطلنا حُجّته من الأصول الأربعة على ما ذهب إليه، وهو ما بنى هذا الأصل الخامس إلَّا على تصحيح ما ادّعاه بالأصول الأربعة، وإذا تبيّن لك بطلان ما ادّعاه، وأنّ الأصول الأربعة شاهده على سقوط دعواه؛ علمتَ قطعًا سقوط احتجاجه بالأصل الخامس. الثاني: أن يُقال: وسيلة القُربة قُربة إذا كانت الوسيلة إليها مشروعة، وبحيث يتوقّف فعل القُربة على هذه الوسيلة، وأمّا إذا كانت هذه الوسيلة غير مشروعة، أو أنّ فعل القُربة لا يتوقّف عليها؛ فليست مشروعة. فإذا تقرّر هذا الأصل؛ فنقول: إنّ مسألتنا هذه ليست من هذا الباب؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الزّيارة مشروعة، ولكنّ شدّ الرّحل والسّفر

стр. 142

إليها منهيّ عنه؛ فتكون ـ حينئذ ـ مشروعة في حقّ القريب، وفعلها لا يتوقّف على هذه الوسيلة؛ لأنّه ما من بلد إلَّا وفيها قبور؛ فالفائدة التي تحصل من الزّيارة المقصودة بالسّفر وشدّ الرّحل تحصل بزيارة قبور البلدة. وأعني بالفائدة: تذكّر الآخرة بزيارتها، والدُّعاء والتّرحّم والسّلام على أهلها. وهذا هو الذي صحّ في السُّنّة من قوله وفعله ﷺ . ومَن ادّعى شيئًا آخر زائدًا على هذه الفائدة الحاصلة من زيارة القبور؛ فعليه الدّليل. وأيضًا يُقال في الجواب: ليست كلّ قُربة يُشرع إليها السّفر وشدّ الرّحل؛ فهذه الصّلاة من أعظم القُربات وأفضلها، ولكن لم يُشرَع لها شدّ رحل ولا سفر لغير المساجد الثّلاثة، وهذا النّذر أصله قُربة ـ وهو: الإنفاق في أوجه الخير ـ، ولكن لم يُشرَع؛ بل نُهي عنه. وما أجاب به السّبكيّ لا يكفي في رَدّه؛ بل الحُجّة قائمة لمخالفيه، ولو أخذنا نناقشه في جميع ما أورده؛ لطال بنا الكلام، وردّه ظاهر من الأصل الذي قرّرناه في أوّل الفصل. والله الهادي. واعلم أنّ السّبكيّ قد أسهب جدًّا في تقرير هذه القاعدة بكلام لا طائل تحته، ويُورِد على نفسه إشكالات ويجاوب عنها بأجوبة ضعيفة، وحيث أنّنا ما وضعنا كتابنا هذا إلَّا لردّ ما ظنّه دليلًا من الكتاب والسُّنّة والإجماع والقياس؛ فلا تحتاج لردّ ما أورده من هذه المباحث؛ لأنّ الحُجّة في قول الله ورسوله، وحيث أنّنا قد بيّنّا ردّ ما استدلّ به منهما؛ فلا نحتاج لردّ ما بناه على ذلك؛ فإنّه بناه على باطل، وما بُني على باطل فهو باطل؛ فتدبّرها. ثم إنّ هذه الشُّبه والمباحث التي أوردها السّبكيّ في هذا الباب والذي بعده؛ قد ناقشه فيها كثير من العلماء؛ فمنهم: الإمام الحافظ شمس الدين ابن القيم في «نونيّته» وغيرها، ومنهم: الإمام الحافظ شاه ولي الله المحدّث الدهلويّ، ومنهم: العلّامة الشّيخ عبد اللّطيف النّجديّ في كتابه المُسمّى «منهاج

стр. 143

التّأسيس في الرّدّ على داود بن جرجيس» ، ومنهم: الإمام المفضال السّيد صدّيق حسن ملك بهوبال في كتابه المُسمّى بـ «رحلة الصّديق إلى البيت العتيق» ، وفي كتابه «عون الباري شرح أدلّة البخاريّ» ، وفي كتابه المُسمّى «السّراج الوهّاج بشرح مختصر [مطالب] بن الحجاج» ، وفي كتابه المُسمّى «الدّين الخالص» ، وغير ذلك من كتبه؛ فلقد أجاد وأفاد. ومنهم: الإمام السّيد محمود شكري الألوسيّ في كتابه المُسمّى بـ «غاية الأماني في الرّدّ على النبهانيّ» ، ومنهم: الإمام مفتي بغداد السيد نعمان في كتابه المُسمّى بـ «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» ، وغيرهم من أئمّة الدّين قديمًا وحديثًا. وحيث أنّ هذه الكتب قد طبع أكثرها، بعضها بمصر وبعضها بالهند؛ فلا حاجة بنا إلى نقل ما فيها؛ لأنّ ذلك يفضي إلى التّطويل المُمِلّ، وحسبنا أنّنا أشرنا إليها، وهي متيسرة لمن أراد الرّجوع. ثم إنّ الإمام نعمان أفندي الألوسيّ ـ صاحب كتاب «جلاء العينين» ـ بعد أن ذكر أقوال العلماء وما رَدُّوا به على السّبكيّ وأضرابه؛ قال ما حاصله: «والذي أختاره: جواز شدّ الرّحل والسّفر إلى مرقده الشريف ﷺ ، وهذا خاصّ به؛ لا يجوز السّفر إلى زيارة قبر غيره» . والذي ذكر هذا الإمام هو

стр. 144

وجيه؛ إلَّا أنّنا نقول: الذي ندين الله به أنّ الأحوط والأولى: شدّ الرّحل والسّفر بنيّة الزّيارة والصّلاة في مسجده ﷺ كما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة ومَن وافقه من علماء المذاهب ـ؛ وذلك لوجهَين: أحدهما: أنّ المسافر إذا قصد بشدّ رحله الزّيارة والصّلاة في المسجد؛ حصل له ثواب النيّتين، بخلاف ما إذا قصد الزّيارة فقط. الثاني: أنّ قصد الزّيارة المُجرّدة فيه تعطيل للحديث الصّحيح ـ وهو قوله ﷺ : «لا تُشَدّ الرِّحال ... » الحديث ـ؛ فإنّه لو كان كلّ مَن سافر إلى المدينة لم يقصد بشدّ رحله إلَّا الزّيارة فقط؛ للزم منه ألا يكون أحد قد عمل بهذا الحديث. فإن قلتَ: الصّلاة في مسجده ﷺ حاصلة لكلّ أحد نوى الزّيارة فقط؛ لأنّه [إذا] وصل المدينة قدّم الصّلاة في مسجده ﷺ ثم زار قبره الشّريف. قلنا: هذه دعوى مقابلة بمثلها؛ فإنّا نقول: مَن نوى الصّلاة في المسجد والزيارة معًا، أو نوى الصّلاة في المسجد فقط؛ فلا بُدّ من فعل ما ذكرتُ في هذا الإشكال. وأمّا قصد الزّيارة الخالية عن قصد الصّلاة في مسجده ﷺ ؛ فالذي يظهر لي: أنّه قول ما قاله أحد، ولا دلّ عليه أثر يُعتمَد عليه. فإن قلتَ: يدلّ على هذا القول: ما رواه الطّبرانيّ من قوله ﷺ : «مَن أتاني زائرًا لا تُعمِله حاجة إلَّا زيارتي؛ كان حقًّا عليّ أكون له شفيعًا يوم القيامة» ؛ فهذا الحديث صريج في الجواز، بل استحباب السّفر إلى الزّيارة، من غير قصد عبادة سواها. أقول: هذا الحديث قد تقدّم الكلام عليه من الحافظ ابن عبد الهادي في أوّل كتابه «الصّارم المُنكي في الرّدّ على السّبكيّ» ، وقد تكلّمنا عليه أيضًا في أوّل هذا الباب عند ذكر السّبكيّ له، وبيّنّا أقوال العلماء على ما يدور عليه إسناده، وأنّه لا يصلح للاحتجاج في محلّ النّزاع، وعلى تقدير صلاحيته؛ فيكون معناه ـ

стр. 145

والله أعلم ـ: لا تُعمِله حاجة من حوائج الدُّنيا ـ كالتّجارة ونحوها ـ ممّا هو ليس عبادة؛ فلا يتناول قصد الصّلاة في مسجده ﷺ . وهذا الذي اخترناه هو الأحوط في هذه المسألة؛ جمعًا بين الأدلّة وخروجًا من الخلاف الوارد فيها، ولا تقيس قبور غيره من الأنبياء والصّالحين على قبره ﷺ ؛ لأنّ الفرق ظاهر؛ فإنّ زيارة قبره ﷺ متضمّنة للصّلاة في مسجده، وأمّا قبور غيره فلا تقصد بشدّ رحل ولا سفر، ولا هناك شيء آخر قد شُرِعَ له ذلك، سيّما وقد آل الأمر بالنّاس إلى أمور منكرة مُبتدعة في زيارة القبور، وقد تركوا ما هو الحكمة في زيارة القبور، وعمدوا إلى طلب حوائج الدُّنيا والآخرة من أهلها، حتى عُبِدَت من دون الله ! فما لهذا شُرِعَة زيارة القبور؛ بل من أجله نهى رسول الله ﷺ عن زيارتها في أوّل الأمر، ثم أَذِنَ فيه بعد أن وقر الإيمان والتّوحيد في قلوب أصحابه. والعجب من السّبكيّ كيف جزم بتخطئة الإمام النّوويّ في نقله الخلاف في هذه المسألة ـ عند شرحه حديث: «لا تُشَدّ الرِّحال ... » ، الوارد في صحيح مسلم ـ، وحكم بتغليطه! وقد غفل ـ رحمه الله تعالى ـ عمّا ذكره غيره من نقل الخلاف فيها قديمًا وحديثًا؛ فمِمّن ذكر الخلاف فيها، واختار القول بتحريم شدّ الرّحل إلى غير المساجد الثّلاثة: القاضي عياض ـ في شرحه لصحيح مسلم ـ، ومنهم: الإمام ابن عقيل الحنبليّ، ومنهم: ابن الجوينيّ، والقاضي حسين ـ من الشّافعيّة ـ، واختار المنع وإليه أشار: الإمام الغزاليّ ـ في كتابه «الإحياء» ـ. فقد تبيّن بما ذكرناه عن هؤلاء الأئمّة من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ الإمام النّوويّ ـ رحمه الله تعالى ـ لم ينفَرِد بذكر الخلاف في هذه المسألة؛ بل هو مسبوق به، كما أنّ شيخ الإسلام ابن تيميّة لم ينفَرِد
следующие страницы →