Полный текст (406 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ويقدمون لها الذبائح والنذور، وغير ذلك مما وصفناه سابقًا؛ فعُبدت من دون الله في سائر الأقطار؛ حتى كاد لا يخلو قطر من أقطار المسلمين من مثل هذا، ولم ينكر عليهم أحد؛ إمَّا لقلة العلم، أو خوفه من العامة؛ فإن الأكثرين قد ولعوا بهذه البدع المضلّة.
فصل
ثم رأى فريق من الناس أن هذه الكتب ـ أعني: كتب الفقه ـ المؤلفة في المذاهب الأربعة وغيرها لا تفي بحال الناس، ولا تلائم حالهم في كل زمان ومكان، وقالوا: إنَّ الشريعة ليست كفيلة بمصالح الناس! وذلك نشأ عن جهلهم بالشرع ومعناه لغة واصطلاحًا، وفهموا أن الشرع محصور في هذه الكتب المؤلفة في الفقه، وأن علوم القرآن والسنَّة قد أحاطت هذه الكتب بها، واحتوت عليها. كلَّا ثم كلَّا؛ بل هذه الكتب مشتملة على ما هو حق وَرَدَ به الشرع، وعلى ما هو باطل مناقض للشرع أعظم تناقض، فلما لم يفهم هذا الفريق ما وصفناه؛ نسب القصور إلى الشرع، وتركوه جملة، وابتدعوا للناس قوانين ملفقة من آراء النصارى والمسلمين، وأوجبوا على الناس التعامل بها والحكم بما فيها، ومن خالفَ أو نازع في شيء منها؛ فإنه يُهَدَّد بالجزاء والحبس والقتل. وهذا القسم لا نطيل البحث فيه؛ لأنَّ [ما] كل ما يعلم يُقال.
فهذا الذي ذكرناه بعض ما طرأ على الإسلام والمسلمين من الأسباب التي أخَّرت المسلمين عن الترقي في العلم والعمل أمام الغربيين، وأوقعت بين أنفسهم العداوة والبغضاء والشحناء، واجتثت عروق المحبة والمودة بينهم؛ فتراهم لا يرحم بعضهم بعضًا،
стр. 72
ولا يألف بعضهم بعضًا إلا لعِلَّة أو غرض، ولا يتحابون في الله ولا يتباغضون لله. فنسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرزق الإسلام والمسلمين بمن يرشدهم ويبصرهم بعيوبهم وينبههم، آمين.
وإذا أردتَ معرفة الأسباب التي أضعفت الإسلام مستوفاة؛ فعليك بكتاب «سِجِل أمِّ القُرَى» وكتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ، وكلاهما للفاضل السّيد عبد الرحمن الكواكبي.
فصل
وقد عاقبَ الله ـ تعالى ـ هذا الفريق ـ أعني: الذين سمّوا أنفسهم علماء التصوف ـ بأن فرقهم أحزابًا وشيعًا؛ فتفرَّقُوا على فِرَق كثيرة: إلى أحمدية نسبة إلى الشيخ أحمد البدوي، وقادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، ودسوقية نسبة إلى السيد إبراهيم الدسوقي، ورفاعية نسبة إلى السيد أحمد الرفاعي، وشاذِلية،
стр. 73
وخَلْوَتِية، ونقشبندية، ورشيدية، وبيومية، وتيجانية، وغير ذلك من الفِرَق التي يكثر تعدادها. وأَخَذَت كل فرقة تدَّعي أنها أفضل من أختها، وأن شيخها أفضل من غيره من الشيوخ؛ فطعن بعضها على بعض؛ فهذه تقول: إن شيخها يأخذ عن الله بلا واسطة! وأخرى تقول: إن شيخها يطلع على اللوح المحفوظ ويأخذ منه! وأخرى تقول: إن شيخها يأخذ عن الخضر ﵇! وأخرى تقول: إن شيخها يأخذ عن النّبيّ ﷺ مشافهة! والكل لا يعتمدون في مسائل الدين إلا على كتب مشايخهم؛ حتى قال لي بعض من يدَّعي علم التصوف: إن طريقة الصوفية في مسائل الدين أعظم وأفضل من طريقة المُحَدِّثين؛ لأن الصوفية ما تكلموا في الدين إلا عن مكاشفة ومشاهدة، وأما المُحَدِّثون إنَّما يتكلمون من جهة الاستدلال، والدليل قد يكون صحيحًا وخطأ [في نفس الأمر] ؛ فغاية أمره أن يَغْلِبَ عليه جانب الصحة بقرائن
стр. 74
قامت عندهم!
وحيث أن الناس قد ولعوا كثيرًا بأهل هذا الفريق؛ فإن شاء الله ـ تعالى ـ لنا عودة نبين فيها حالهم وما هم عليه من ترك الكتاب والسنَّة. والله الموفّق.
فصل
وحيث أن الله قد تكفَّل لدينه بالحفظ، وقضى بأنه لا يخلي الأرض من قائم له بحجة؛ كما جاء في الحديث: «إنَّ اللهَ يبعث على رأس كل قرن أو مائة سنة من يجدد للناس أمر دينهم» ؛ قَيَّضَ لهذا الدين رجالًا هم صفوة خلقه وخيرته من عباده؛ ألا وهم علماء الحديث، كثَّرهم الله ـ تعالى ـ في القديم والحديث؛ فقاموا في وجوه المبتدعين، وذبُّوا عن كتاب الله ـ تعالى ـ وسنَّة نبيه تحريف الجاهلين، وتأويل المبطلين؛ فمن قام [بالرد] على المتكلمين في التوحيد والأصول قديمًا إلا مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ويزيد بن هارون وعبد العزيز بن يحيى الكناني والإمام الحجَّة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري والدارمي وغيرهم. ومن بعدهم بقليل مثل: الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر والإمام أبي محمد علي ابن حزم
стр. 75
وابن بطّة وأضرابهم. ثم جاء بعدهم شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية؛ فقام لله قيامًا مُخْلِصًا في قوله وعمله؛ فمزق شملهم وفرَّق جمعهم. وجاء بعده الإمام الحافظ ابن القيم؛ فنحا نحوه وقام قيامه، ومثله الإمام ابن الوزير اليماني، وغيرهما. وجاء بعدهم الإمام شيخ الإسلام أبو الفضل شهاب الدين أحمد ابن حجر العسقلاني ثم المصري؛ فنَصَرَ الله به السنَّة وخذَّل البدعة. وقريبًا منه الإمام المتقن سعد الدين التفتازاني، وغيرهما. ثم جاء بعدهم الإمام المتقن جلال الدين عبد
стр. 76
الرحمن بن أبي بكر السيوطي وابن المقري الشافعي اليماني، وغيرهما. ثم جاء بعدهم الإمام المحدث محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني والإمام محمد بن علي الشوكاني، وغيرهما.
ثم جاء بعدهم في زماننا الإمام المجتهد المطلق أبو الطيب السيد صديق حسن خان، والعلامة المحدِّث شمس الحق الدهلوي، والفاضل الأستاذ الشيخ محمد عبده ـ مفتي الديار المصرية ـ، والأستاذ المصلح السيد محمد رشيد رضا ـ صاحب مجلة المنار ـ، والأستاذ الجامع بين النسبين السيد محمود شكري الألوسي، والسيد محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي، وغيرهم مما يطول ذكرهم.
وحيث أن المشارب والمذاهب مختلفة؛ اختلف الرادُّون على أهل هذه
стр. 77
الفرق ممن ذكرنا؛ فمنهم من تصدَّى للرد على المتكلمين، ومنهم من ردَّ على المقلِّدين، ومنهم من ردَّ عليهم جميعًا، ومنهم من ردَّ على المتصوفة، ومنهم من ردَّ على الذين قالوا: إن باب الاجتهاد قد انسد وأنكروا أن يكون الاجتهاد في كل زمان فرض. وهم ـ وإن كانوا قليلين في كل زمان ومكان ـ فهم الأكثرون الفائزون؛ ﴿أولئك حزب الله ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون﴾ ، وإليهم الإشارة بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» ، وقوله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء» . وأهل الفِرَق التي ذكرناها فهم ـ وإن كانوا أكثرين في العدد ـ؛ فهم الأقلُّون في العلم والعمل، وتراهم إذا ناظرهم المُحدِّثون نكسوا رؤوسهم وأمالوا ذقونهم، وأخذوا يشنِّعون عليهم، ويقولون فيهم ما يشهد الله ـ تعالى ـ وملائكته وأولوا العلم أنهم منه براء، وطفقوا يغرون بهم الجهَّال من الملوك والحكَّام؛ فهددوهم بالنفي والسجن والقتل، وما صدهم ذلك عن القيام بالحق؛ علمًا منهم بأن فتنة الناس ليست كعذاب الله، وهؤلاء الجهَّال الذين آذوا أهل الله وأولياءه وحزبه وأنصار نبيه سيلقون من الرذائل ما يعجز عن وصفه الواصفون؛ لأن الله قد أخبر عن نفسه بأن من آذى له وليًّا فقد بارزه بالمحاربة؛ فهؤلاء الجهال الذين عادوا أهل الحديث إليهم الإشارة بقوله ﷺ : «إنَّ الله لا يقبِضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعه؛ ولكن يقبضه بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناسُ رؤساء جهَّالًا؛ فسئلوا فأَفْتَوا بغير علم؛ فضَلُّوا وأضَلُّوا» ؛ فلا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم.
стр. 78
فصل
فإن قلتَ: قد أطلتَ الكلام في التشنيع على المتكلمين والمقلدين والمتصوفة؛ فهل كا ما أودعوه بكتبهم ضلال وخطأ؟
فالجواب: لا أقول ذلك؛ ولكن أقول في المقلدين والمتكلمين: قد اشتملت كتبهم على ما هو حق مقبول، وما هو باطل مردود، وليس كل المتصوفة والمقلدين والمتكلمين بالوصف الذي ذكرناه عنهم؛ بل فيهم رجال عالمون بالكتاب والسنَّة قائمون بهما، ورَادُّون على مخالفهما، ولكن نحن ما عنينا بردِّنا هذا إلا الذين وصفنا حالهم. والله الهادي.
فإن قال قائلٌ: أنا كيف أعرف ما هو الحق في هذه الكتب فأتبعه، وما الباطل فأجتنبه وأطرحه؟!
فالجواب: معرفة هذا سهل على من أراد الله ـ تعالى ـ هدايته، ومعرفة ذلك أيسر من معرفة أي مذهب من أهل المذاهب الذي تستفرغ فيه جميع عمرك!
وإن قال قائلٌ: أي طريقة تختارها لي من هذه الطرق التي ذكرتَها؟
فأقول: عليك بطريقة المُحَدِّثين؛ حَمَلَتْ علم الرسول في التوحيد وغيره من الأصول والفروع والتصوف؛ فإنهم ـ والله ـ أعلم بكتاب الله وسنة نبيه من غيرهم بأضعاف مضاعفة، وهم أتقى الناس لربهم وأخوفهم منه من غيرهم، وقد حفظهم الله ـ تعالى ـ من التفرق والتحزب والتشيع الذي وقع لغيرهم، ولله در من قال:
ألم ترَ اختلاف أهل النظرِ ... وحُسْن ما نحاه أهلُ الأثرِ
فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى ... نبيهم فاقنع بهذا وكفى
إذا تبين لك أيها المسترشد حالهم؛ فعليك أن تتيع وتسلك طريقتهم، وتشد عليها يديك، وتعض عليها بالنواجذ. وإياك والآراء لا تلعب بك الرجال، ولا يُمِيلُكَ الهوى عن سبيلهم فتهلك مع الهالكين!
وإن قال قائل: أي كتاب من كتب التفسير والتوحيد والحديث والتصوف أعتمد عليه في معرفة الحق؛ فإن الكتب في هذه الفنون
стр. 79
قد كثرت حتى خرجت عن العدد والإحصاء؟
فأقول ـ وبالله التوفيق ـ: إذا أردتَ معرفة السبيل في تمييز الحق من الباطل والصحيح من السقيم؛ فاعلم أن كتب التفسير أعظمها وأحسنها ما رويت عن النّبيّ ﷺ بالأسانيد الصحيحة؛ مثل ما أودعه المُحَدِّثون في كتبهم، ثم ما رويت عن الصحابة والتابعين من بعدهم ـ رضوان الله عليهم ـ بالطرق المتعددة. فمن الكتب التي جمعت ما ذكرنا: تفسير الإمام البخاري، وتفسير عبد الرزاق، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وتفسير الإمام الكبير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ـ المتوفى سنة ثلاث مائة وإحدى عشر ـ؛ وهو أحسنها وضعًا وأكثرها جمعًا وأعظمها نفعًا؛ كما قال غير واحد من السلف. ثم جاء بعده الإمام المُحدِّث المتقن
стр. 80
الحافظ العماد ابن كثير؛ فجمع كتابه من هذه التفاسير؛ فهو عندي أكثر فائدة وأجدى نفعًا من غيره؛ لأنه تكلم فيه على علل الحديث وبين المقبول منها والمردود.
وأما كتب الحديث: فأعلاها قدرًا وأقواها صحة وأغزرها علمًا: الصحيحان؛ لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، والإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج؛ فإن الأكثرين من علماء هذا الشأن قد قدعوا بصحة ما في هذين الكتابين ما عدا بعض أحاديث فيهما قليلة متنازع فيها، وقد جمعها الحفظ أبو الفضل ابن حجر في مقدمة «فتح الباري» ، وأجاب عنها حديثًا حديثًا. وبعدهما في الرتبة: موطأ الإمام مالك بن أنس، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمختارة للضياء، والمنتقى لابن الجارود، ومستدرك الحاكم
стр. 81
بشرط أن يكون قد أقرَّه الذهبيّ؛ وإلا ففيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة. وبعد هذه الطبعة كتب السنن والمسانيد، وأعظمها وأصحها: مسند الإمام أحمد بن حنبل. وهذه الكتب ـ أعني: كتب السنن والمسانيد ـ لم يلتزم أهلها إخراج الصحيح فقط؛ بل يوجد فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع؛ يعرف هذا من اعتنى بها ودأب في تحصيلها كما يدأب في تحصيل كتب المذاهب.
وأما كتب التوحيد: فأحسنها كتب السلف التي ردُّوا بها على المبتدعين؛ مثل: «خلق أفعال العباد» للبخاري، وكتاب «الإبانة عن أصول الديانة» لأبي الحسن الأشعري، وكتاب «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة، و «إيثار الحق على الخلق» للسيد مرتضى اليماني، و «العَلَم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ» للشيخ صالح المقبلي، و «الفِصَل لابن حزم، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب الإمام ابن القيم؛ فإذا رجعتَ إليهما تعرف حقيقة ما كان عليه المُحَدِّثونَ من صحة الاعتقاد، وأنهم ما خرجوا عن نهج نبيهم، لا في المسائل الاعتقاديات ولا في العمليات.
وأما كتب التصوف: فأحسنها رسالة أبي القاسم القشيري، و «غنية الطالب» للجيلاني، و «إحياء علوم الدين» للغزالي، إلا
стр. 82
في بعض المسائل يعرفها من تبحَّر في علم الكتاب والسنَّة، وكتاب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي، وكتب ابن القيم التي ألَّفها في التصوف؛ كشرحه لـ «منازل السائرين» للهروي، و «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» ، وكتاب «الهجرتين» ، وغيرها من الكتب التي هي قريبة من زمان السلف؛ فكلما كانت لزمان السلف أقرب؛ فهي للصواب أقرب. والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل.
وقد أطلنا الكلام في هذه المباحث لشدة حاجة الناس إليها؛ ولتكون كالمقدمة إلى ما سيتلوها بعد؛ فإني قد أحيل
стр. 83
عليها.
ولنرجع إلى المقصود من ردِّ شُبه هذا المعترض؛ فنقول ـ وبالله نتأيد ـ:
فصل
وقد تبيَّن مما أسلفنا أن حكمة مشروعية زيارة القبور إنَّما [هي] لتذكر الآخرة والاستغفار والدعاء لأهلها ليس إلا، وهذان القسمان هما اللذان جاء الشرع بهما. وأما القسم الثالث الذي ذكره الخصم ـ وهو: زيارتها للتبرك بأهلها إن كانوا من أهل الخيرو الصلاح ـ فهذا القسم لم يرد به كتاب ولا سنَّة؛ بل هو مناقض لشرع الله ورسوله، وما ذكرناه فيه من أنه لفظ مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا إنَّما هو من باب تحسين الظن بهذا المعترض، ومن باب دفع التأويلات البعيدة التي لا يحتملها اللفظ. وإليك ما ذكره أهل اللغة في معنى (تبرك به) .
قال صاحب «القاموس» وشارحه مرتضى وصاحب كتاب «البحر المورود» : تبرك به: تيمن، وتبرك به: فاز منه بالبركة، تبارك بالشّيء: تفاءل به. فإذا عرفت هذا تبين لك أن المعترض لم يرد بهذا القسم إلا المعنى الذي ذكرناه عن أهل اللغة.
وكيف يطلب الزائر تحصيل البركة والفوز بها من صاحب القبر، وقد انقطع عمله بموته؟! فما هذا إلا فتح باب شر على المسلمين لما وصفنا، وقد نقل هذا المعترض نفسه عن الإمام أبي محمد الشارمساحي المالكيّ: «أن قصد الانتفاع بقبر الميت بدعة إلا في زيارة قبر المصطفى ﷺ وقبور المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين» ، وهذا الذي
стр. 84
استثناه من قبور الأنبياء والمرسلين صحيح، وأما حكمه في غيرهم بالبدعة ففيه نظر، ولا ضرورة بنا هنا إلى تحقيق الكلام فيه؛ لأنَّ مقصودنا أن زيارة قبر النّبيّ ﷺ وغيره من الأنبياء والمرسلين للتبرك بهم مشروعة وقد صرَّح به» . فانظر؛ كيف وافق هذا المعترض أبا محمد الشارمساحي المالكيّ على قوله هذا، فلِمَ لم يوافقه مقلدوه على الاقتصار في التبرك بقبور الأنبياء والمرسلين بل أجازوا ذلك وزادوا عليه الذي ذكرناه عنهم سابقًا في قبور غيرهم؛ [فلعلهم تمسكوا بقول السبكي عقب كلام أبي محمد: «وأما حكمه في قبور غيرهم] ففيه نظر» . وهذا صحيح لو سلم له صحة ما ادَّعاه: من أن قبر النّبيّ ﷺ وغيره من الأنبياء والمرسلين يُزار للتبرك به، وأن زيارته لهذا الغرض مشروعة، وأنى يسلم له ذلك، ونحن نعلم أنه ليس لأحد بعد الله ورسوله أن يشرع في الدين ما ليس فيه؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿اليوم أكملتُ لكم دينكم﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ ، ولقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ـ وفي رواية: في ديننا ـ ما ليس منه فهو ردٌّ» .
وقد تتبعنا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة؛ فلم نجد فيها أن القبور تُزارُ لطلب الخير من أهلها؛ بل وجدنا في القرآن والسنة ما يناقضه ويباينه أشد مناقضة ومباينة، وأنه من جنس أفعال المشركين التي كانوا يفعلونها بقبور صالحيهم؛ ولذلك نهى الرسول ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن فاعل ذلك، وسأل ربه ـ تعالى ـ «أن لا يجعل قبره وثنًا يُعبد» .
стр. 85
وإذا كان ما ذكره السبكي جائزًا مشروعًا؛ فكيف يُسَلَّم له ما ادَّعاه مع نهيه ﵊ عن اتخاذ القبور مساجد، وطلبه من ربه أن لا يجعل قبره وثنًا يُعبد؟! وإذا سلمنا للسبكي ما قاله؛ فقد عارضنا النّبيّ ﷺ وحكمنا عليه بأن الله لم يستجب له دعاءه! فأي عبادة للقبر أعظم من طلب حوائج الدنيا والآخرة من صاحبه، والاستغاثة والالتجاء له في جلب المنافع ودفع المضرات، فما هذا إلا من محض الرأي الفاسد؛ فنعوذ بالله من اتباع الهوى.
وقوله: «مشروعة» استنادًا إلى ما قاله الشارمساحي في غاية البعد؛ لأنه لا يليق بالشارمساحي ولا غيره من الناس كائنًا من كان أن يكون مُشَرِّعًا ومحدثًا في دين الله ما ليس منه، بل نهى الله ورسوله عنه. وأما زيارة قبر النّبيّ ﷺ وغيره من النبيين والمرسلين [فهي تُزار] كغيرها من قبور سائر المؤمنين [للدعاء] وطلب الرحمة لهم والسلام عليهم؛ فهي مشروعة، وشيخ الإسلام لم ينكر هذا؛ وإنَّما أنكر شد الرحل لمجرد الزيارة، وقد سبقه إلى ذلك أئمة السلف؛ كما ببَّنَه الحافظ النووي في شرحه لمسلم، والغزالي في «الإحياء» ، والحافظ ابن عبد الهادي في كتاب «الصارم
стр. 86
المنكي في الرد على السبكي» ، فجاء شيخ الإسلام وانتصر لأهل هذ القول، واحتجَّ له بالأحاديث الصحيحة الثابتة المروية في الصحيحين وغيرها؛ كما ستقف عليه ـ إن شاء الله تعالى ـ. فإذا ثبت لديك أن شيخ الإسلام لم ينكر زيارة قبور المرسلين ولا غيرهم من المسلمين، بل ولا قبور الكافرين؛ بل ذكر بيان الزيارة الشرعية والبدعية بما نقلناه عنه؛ تبين لك أن نسبة إنكاره زيارة القبور [إليه] وجعلها بدعة من السبكي ظلم وميل عن الحق، وما قصد بنسبة ذلك إلى الشيخ إلا التشنيع عليه والوقوع في عِرْضه من غير علم ولا سلطان بيِّن.
فصل
فإن قال قائل: إنّ السبكي لم يحكم بمشروعية التبرك بقبر النّبيّ ﵊ وقبور غيره من الأنبياء والمرسلين بمجرد قول أبي محمد الشارمساحي المالكيّ فقط؛ وإنَّما حكم به للآيات والأحاديث التي أوردها في الأبواب السابقة.
فالجواب: أنّ هذه المسألة خارجة عن محل النزاع؛ وإنَّما المسألة المتنازع فيها بينه وبين شيخ الإسلام ابن تيمية هي: هل شد الرحل لمجرد زيارة قبر النّبيّ ﷺ وقبور غيره من الأنبياء والصّالحين مشروع أم لا؟ فهذا المعترض يقول: إنَّ شد الرحل لجميع ما ذكر مشروع، وشيخ الإسلام ومن تقدمه يخالفونه، وحُجَّة هذا المعترض الآية القرآنية ـ أَعني: قوله ـ تعالى ـ: ﴿ولو أنَّهم إذ ظلموا أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿رحيمًا﴾ ـ، والأحاديث التي أوردوها سابقًا. وأجاب مخالفوه بقولهم: إن الآية لا تدلُّ على ما ذهب إليه هذا المعترض؛ لأنها خاصة به ﷺ في حال حياته؛ كما نقل ذلك عن جميع المفسرين من السلف.
стр. 87
وأما الأحاديث المتقدم ذكرها؛ فالصحيح منها لا يدلُّ على مقصوده؛ فغاية ما يُستفاد منها أن زيارة قبره ﷺ وغيره مشروعة، ونحن لا نخالف في هذا، والذي يدلُّ منها على ما ذهب إليه هذا المعترض ضعيف أو موضوع لا تقوم به حُجَّة ولا يصح للاستدلال في مورد النزاع؛ يعلم ذلك من رجع إلى كتاب «الصارم المنكي في الرد على السبكي» . وأمَّا المسألة التي ذكرها هذا المعترض هنا ـ وهي: أن التبرك بقبور الأنبياء والمرسلين أمر مشروع ـ؛ فهذا ما تقدم له دليل يُستفاد منه ذلك.
فقد تبيَّن أنه لم يستند في مشروعية ذلك إلا إلى قول أبي محمد المالكيّ ـ كما وصفنا ـ، وأنت تعلم أن الأصول التي تدور عليها أحكام الشرع أربعة: اثنان متفق عليها بين كافة المسلمين، واثنان مختلف فيهما بينهم؛ فالاثنان المتفق عليها بين كافة المسلمين: الكتاب والسنة، والاثنان المختلف فيها: الإجماع والقياس، وقد نظرنا في هذه الأصول الأربعة فلم نجد فيها دليلًا يسوغ للسبكي أن التبرك بالقبور أمرٌ مشروع محبوب لله ورسوله؛ بل وجدنا فيها ما يناقض ذلك ويأباه. وهذا الذي ذهب إليه السبكي ـ وهو مشروعية التبرك بقبر النّبيّ ﵊ وغيره ـ هو الذي أنكره شيخ الإسلام وغيره من أئمة المسلمين، وحججهم ظاهرة مستفيضة في
стр. 88
الكتاب والسنة والإجماع. وهذا المخالف لم يأتِ بشيء يصلح للاستدلال على ما قاله؛ فبطل ما ادَّعاه، وبالله نتأيد.
ثم أطال هذا المعترض في هذا الباب بأشياء خارجة عن الغرض؛ كالاستدلال على استحباب زيارة القبور والخلاف فيه، والتعريفات الفقهية. وهذا القدر لا يحتاج إلى مناقشة؛ لأنَّ شيخ الإسلام لم ينكر ذلك؛ وإنَّما أنكر شد الرحل لمجرد الزيارة، وأنكر أيضًا التبرك والانتفاع بالمقبور، وهذا المعترض لم يأتِ بدليل شرعي يجوز له ذلك ـ كما قدمنا ـ، وإطالته في هذا الباب بالوصف الذي ذكرناه مغالطة وخروج عن المقصود؛ لأنَّ الشيخ لم ينكر زيارة القبور ولا زيارة قبر النّبيّ ﷺ ولا قبر غيره من الأنبياء والمرسلين؛ يعرف هذا من نظر في كتبه؛ وإنَّما أنكر الزيارة البدعية؛ وهي قصد الانتفاع بالميت وطلب حوائج الدنيا والآخرة منه، وهذا الذي أنكره هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنَّة الصحيحة والإجماع، وقد أجاز السبكي جميع ما أنكره شيخ الإسلام ابن تيمية، بل ندب إليه ورغَّبَ فيه من غير دليل شرعي ولا فعل صحابي من أصحاب النّبيّ ﷺ معروف بالعلم والفُتيا، فمن كان هذه صفته فلا يحتاج إلى ردٍّ ولا نضيع فيه وقتًا؛ لأنَّنا لسنا متعبدين إلا بما جاء في كتاب الله وصحَّ عن نبينا محمد ﷺ بالإسناد الصحيح العاري عن العلة والشذوذ، وما عدا ذلك فهو محل نظر واجتهاد، والله الموفّق.
فإذا تأمَّلت بعين الإنصاف في الكتاب العزيز والسنَّة الصحيحة وأفعال الصحابة؛ علمتَ أن زيارة القبور المشروعة [هي:] الدعاء والترحم والسلام على الأموات وتذكُّر الآخرة وذكر الموت برؤية القبور، ليس إلا. وأما زيارتها للتبرك بأهلها وطلب حوائج الدنيا والآخرة من أهلها فأمرٌ محدَث في الدين؛ ما ورد به كتاب ولا سنَّة، ولا دلَّ عليه أثر عن صحابي معروف بالعلم والفُتيا، بل جاء في القرآن العظيم وسنَّة النّبيّ
стр. 89
الكريم وقول الصحابة ما يناقض ذلك، وكيف يكون هذا الأمر مشروعًا وقد نهى رسول الله ﷺ عن ما هو أقل من ذلك؛ كاتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، وتحريم تجصيصها، والحلف بغير الله، والنذر لمخلوق؛ فصلى الله على مَن بُعِثَ لمحو الشرك جليله ودقيقه، وقطع شجرته من أصولها، ولأجل أن يكون الدين كله لله. فإن كنتَ يا هذا تدَّعِي محبَّة الله ورسوله؛ فلا تقدِّم على قولهما رأي أد من الناس كائنًا من كان، وإن كنتَ ممن لا يعرف الدليل ولا يفهم معاني القرآن الحكيم، ولا يعلم ما جاء في السنَّة من صحيح وسقيم؛ فالأولى بك أن تبكي على نفسك على ما فاتك من هذا الخير الجسيم؛ فإنك مهما كنت عالمًا بآراء الرجال فإنَّك لا تعد من أهل العلم عند المحققين؛ بل أنت عندهم كحاطب ليل وجارف سيل، تحسب القربة حطبة، والحصا مرجانًا، والنور ظلامًا، والظلامُ نورًا، فإن صواب الرأي وخطأه لا يعرفان إلا بمعرفة الدليل. وإياك ـ متى كنتَ بهذا الوصف ـ أن تخوض في أعراض العلماء أئمة الدين، وحُماتِه من آراء الغالطين؛ فإنَّك بهذا تكون مرتكبًا إثمين: إثم الجهل، وإثم الخوض في أعراض العلماء العاملين. فنسأل الله ـ تعالى ـ أن يجعلنا
стр. 90
وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
فصل
ثم قال المعترض: «الباب السادس: في كون السفر إليها قُربة. وذلك من وجوه:
أحدها: الكتاب العزيز: في قوله ـ تعالى ـ ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ الآية. وقد تقدَّم تقريرها في الباب الخامس. والمجيء صادق على المجيء من قرب ومن بعد، بسفر وبغير سفر، ولا يُقال: إنَّ (جاءوك) مطلق، والمطلق لا دلالة له على كل فرد وإن كان صالحًا؛ لأنَّا نقول: هو في سياق الشرط فيعم ممن حصل منه الوصف المذكور وجد الله توابًا رحيمًا.
الثاني: السنَّة. من عموم قوله ﷺ : «من زار قبري» ؛ فإنه يشمل القريب والبعيد، والزائر عن سفر وعن غير سفر، كلهم يدخلون تحت هذا العموم، لا سيّما قوله في الحديث الذي صححه ابن السكن: «من جاءني زائرًا لا تحمله حاجة إلا زيارتي» ؛ فإن هذا ظاهر في السفر، بل في تمحيص القصد إليه وتجريده عما سواه، وقد تقدَّم [أن حالة الموت] مراده منه، إما بالعموم وإما هي المقصود. فإ'ذا كانت كل زيارة قربة؛ فالسفر إليها قربة. وأيضًا فقد ثبت خروج النّبيّ ﷺ من المدينة لزيارة القبور، وإذا جاز الخروج إلى القريب جاز إلى البعيد. فمما ورد في ذلك: خروجه إلى البَقيع ـ كما هو ثابت في الصحيح ـ، وإذا ثبت مشروعية [الانتقال] إلى قبر غيره [فقبره] صلى الله عليه وسلم
стр. 91
أولى.
الرابع: الإجماع. لإطباق السلف والخلف؛ فإن الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجَّهون إلى زيارته ﵊، ومنهم من يفعل ذلك قبل الحج، هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة ـ كما ذكرنا في الباب الثالث ـ.
فإن قلتَ: إنَّ هذا ليس مما يسلمه الخصم؛ لجواز أن يكون سفرهم ضم فيه قصد عبادة أخرى إلى الزيارة، بل هوا الظاهر؛ كما ذكر كثير من المصنفين في المناسك: أنه ينبغي أن ينوي مع زيارته التقرُّب بالتوجه إلى مسجده ﷺ والصلاة فيه. والخصم ما أنكر أصل الزيارة؛ إنَّما أراد أن يبين كيفية الزيارة المستحبة؛ وهي: أن يضم إليها قصد المسجد؛ كما قاله غيره.
قلتُ: أما المنازعة فيما يقصد الناس؛ فمن أنصف من نفسه وعرف ما الناس عليه؛ عَلِمَ أنهم إنَّما يقصدون بسفرهم الزيارة من حيث يعرّجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلا ببال قليل منهم، ثم مع ذلك هو مغمور بالنسبة إلى الزيارة في حق هذا القليل، وغرضهم الأعظم هو الزيارة حتى لو لم يكن ربما لم يسافروا، ولهذا قلَّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسر إتيانه، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ... » ، وأخذ يتكلم في إيضاح ذلك إلى أن قال: «وصاحب هذا السؤال إن شك في نفسه فليسأل [كل] من توجَّه إلى المدينة ما قصد بذلك ... » ، وأطال الكلام في هذا الباب جدًّا، ومعظمه قد تقدَّم في الباب الثالث والرابع والخامس؛ فليس في إعادته هنا فائدة، ولكن هذا المعترض أراد بذلك تكبير حجم كتابه.
وليس من غرضنا الرد على جميع ما ذكره ـ فإن ذلك يجرنا إلى الملل ـ؛ ولكن نتكلم على المهم منها؛ وهي الأصول الخمسة التي ذكرها هنا، ونترك له الكلام على ما عدا ذلك، إلا إذا رأينا محل شبهة له فنتكلم عليها، وهو ما بنى هذه الفروع الفقهية والأصولية إلا على هذه الأصول التي ذكرها هنا، ونحن ـ إن شاء الله تعالى ـ نتكلم
стр. 92
عليها جميعًا، وننقضها واحد ة واحدة؛ لنستغني بذلك عن إبطال الفرع؛ لأنه متى بطل الأصل بطل الفرع؛ فهو وإن كان الإمام الحافظ ابن عبد الهادي أبطل هذه الأصول في أول الباب الخامس؛ فكان يحسن بنا أن نكتفي بما قاله، ولكن رأينا من الصواب أن نخوض مع هذا الخصم الذي تارة يجعل نفسه مجتهدًا، وتارة يجعل نفسه مقلدًا، وإذا تأملتَ في هذه الجمل التي نقلناها عنه في هذا الباب؛ رأيتَ فيها من الخلل والتناقض والتحامل واتباع الهوى ما يعلمه كل منصف، ولو صح له من هذه الأصول شيء؛ لما أحوجنا إلى ذكر شيء معه، ولكن أنى يسلم له ذلك؛ ومبانيها كلها مختلَّة ـ كما ستراه إن شاء الله تعالى ـ، ومن الله التوفيق.
فصل
في الكلام على الأصل الأول؛ وهو: الآية الكريمة ـ أعني: قوله ـ تعالى ـ: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم﴾ الآية ـ
قبل الخوض في تفسير هذه الآية: نسأل هذا الخصم: هل هو من المجتهدين أو من المقلدين؟ فإن كان من الأول؛ فقد خالف ما عليه أصحابه؛ فإنهم قد أجمعوا على سدِّ باب الاجتهاد، واختلفوا: متى سدّ؟ فقال بعضهم: ليس لأحدٍ بعد الأئمة الأربعة أن يستدلَّ على أي حكم من الأحكام بالكتابو السنة، وبعضهم قال: إنَّ باب الاجتهاد قد انسدَّ بعد المائة الخامسة، ولهم في ذلك عبارات مختلفة. ومعلوم أن الخصم كان في المائة الثامنة؛ فعلى كل قول ما أدرك زمان فتح باب الاجتهاد!
وإن كان يقول: أنا لا أسلم أنَّ باب الاجتهاد قد انسدَّ؛ بل هو باقٍ إلى يقوم القيامة؛ فنقول له: هذا مسلَّم، ولكنكم قد شرطتم للمجتهد شروطًا؛ منها: أن يكون عالمًا بمسائل الإجماع لئلا يخرقه، وكيف أنت خرقت هذا الإجماع بتفسيرك للآية بهذا التفسير الذي ما سبقك إليه أحد، لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم؟! فهذه التفاسير التي جمعت أقوال السلف وغيرهم ليس فيها هذا الذي فهمته من الآية.
وإن كان من الثاني؛ فنقول له: أوجِد لنا هذا الذي قلَّدته في فهم الآية، ولِمَ لَم
стр. 93
يكن يفهم الإمام الشافعي من الآية هذا الفهم الذي فهمته؟ فهل أنتَ أعلم بمعاني القرآن منه؟ بل من ابن عباس، وأُبَيّ، وعلي، وابن مسعود، ومجاهد، وعلي بن طلحة، والضحاك بن مزاحم، والسدي، وابن أبي نُجيح،
стр. 94
وابن [أبي] مليكة، وابن أبي حاتم، والبخاري، وابن جرير، والرازي، وغيرهم ممن لهم قدم في التفسير؟! فإنَّ هؤلاء كلهم ما فسَّروها هذا التفسير الذي فسرتها به؛ فهل يُقال: هؤلاء كلهم جهلوا معنى الآية وعلمه السبكي؟!!! فسبحانك هذا بهتان عظيم!
فهل يقول عاقل أو مسلم أن السبكي وأضرابه أعلم بمعاني كتاب الله ـ تعالى ـ من ابن عباس الذي ضمه الرسول ﷺ إلى صدره ودعا له بقوله: «اللهم علِّمه الفقه والتأويل» ؟! أو أعلم من ابن مسعود الذي كان يقول: «والذي لا إله غيره؛ ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تناله المطايا لأتيتُه» ؟! وغيرهما ممن يطول ذكرهم.
والحاصل: أن من يجعل نفسه أعلم بمعاني القرآن من أصحاب النّبيّ ﷺ فقد نادى بفضيحته وكشف عورته أمام الناس؛ فإن ذلك ضرب من الهوس، ولكن من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
وإن قال: ليس من شرط المجتهد أن يوافق غيره؛ بل كل أحد أداه اجتهاده إلى استنباط حكم من القرآن والسنَّة فله ذلك.
فنقول له: ولِمَ لَم تسلم هذا لمخالفك ـ وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ـ، وقد شهد له بالاجتهاد المطلق
стр. 95
سبعون مجتهدًا في زمانه؟! وأما أنتَ لا نعلم أحدًا شهد لك بالاجتهاد المقيد فضلًا عن المطلق، إلا ولدك في «طبقات الشافعية» !
وإليك ما قاله أهل التفسير في هذه الآية الشريفة:
قال العلامة المحقق خاتمة المحدثين ومجدد القرن الثالث عشر، أبو الطيب، السيد صديق خان، في تفسيره المسمى بـ «فتح البيان» ، المطبوع في المطبعة الأميرية بمصر، ما نصّه: « ﴿وما أرسلنا من رسول﴾ : (مِن) زائدة للتوكيد، قاله الزجاج. والمعنى: ما أرسلنا رسولًا إلا ليطاع فيما أمر به ونهى عنه، وهذه لام كي، والاستثناء مفرغ؛ أي: ما أرسلنا لشيء من الأشياء إلا للطاعة، (بإذن الله) : بعلمه، وقيل: بأمره، وقيل: بتوفيقه. وفيه توبيخ وتقريع للمنافقين الذين تركوا حكم رسول الله ﷺ ورضوا بحكم الطاغوت.
﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم﴾ : بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك من الطاغوت وغيره. ﴿جاءوك﴾ : متوسلين إليك، تائبين من النفاق متنصلين عن جناياتهم ومخالفاتهم؛ ﴿فاستغفروا الله﴾ : لذنوبهم بالتوبة والإخلاص، وتضرعوا إليك حتى قمتَ شفيعًا لهم فاستغفرت لهم؛ وإنَّما قال: ﴿واستغفر لهم الرسول﴾ على طريقة الالتفات لقصد التفخيم بشأن الرسول ﷺ ، وتعظيمًا لاستغفاره وإجلاله لا للمجيء إليه؛ ﴿لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ ؛ أي: كثير التوبة والرحمة لهم. وهذا المجيء يختص بزمان حياته ﷺ . وليس المجيء إليه بمعنى مرقده المنور بعد وفاته ﷺ مما تدلُّ عليه هذه الآية؛ كما قرره في «الصارم المنكي» ؛ ولهذا لم يذهب إلى هذا الاحتمال البعيد أحد من سلف الأمة وأئمتها، لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من تبعهم بالإحسان» انتهى.
وقد أحببنا إيراده بحروفه ليعلم [المنصف] أنه لم يستدلّ أحد من السلف ولا من الخلف على استحباب السفر إلى زيارة قبر النّبيّ ﷺ لمجرد الزيارة ولا لقبر غيره من الأنياء والصاحين لهذه الآية، اللهم إلا أن يكون أناس قد قلَّدُوا السبكي في هذا
стр. 96
الاستدلال من غير نظر، علمًا منهم بأن السبكي قد قلَّد غيره. وقد علمتَ بما سلف أنه لم يفهم هذا أحد من المفسرين؛ فعلم قطعًأ أن هذا الرجل قد فسَّر الآية برأيه وهواه؛ فقد دخل في قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود في «سننه» : «من فسَّر القرآن برأيه ـ وفي رواية: بغير علم ـ؛ فليتبوأ مقعده من النار» ؛ فهذا الحديث ـ وإن كان في سنده مقال ـ فلم يحكم عليه أحد من أهل الحديث بالوضع؛ ولكن أوَّلُوه بمن فسَّر القرآن بالآراء الفاسدة التي لا يشهد لها كتاب ولا سنَّة ولا قول صحابي ـ كما فسَّر به المعترض الآية ـ! ولَيْتَهُ كان فسرها بما هو أقرب إلى الآية من هذا؛ كأن يقول: لما شرط الله ـ تعالى ـ في قبول توبة الظالم لنفسه من المنافقين في حياته ﷺ المجيء والاستغفار عنده واستغفار الرسول له ﵊؛ اعتبر هذا أيضًا بعد موته؛ بأن من ظلم نفسه بعد وفاته ﵊ بتقديم آراء الرجال على الكتاب والسنَّة وجعلهما تبعًا وآراء متبوعه أصلًا؛ استغفر الله ـ تعالى ـ من هذا الذنب العظيم، وجاء إليه ﷺ ؛ بمعنى: جاء إلى سنته، وعمل بها، وقدمها على قول كل أحد؛ كما قال ـ تعالى ـ: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ . قال أهل التفسير: الرد إلى الرسول بعد وفاته هو الرجوع إلى سنته. فاستقام بهذا التفسير.
﴿واستغفر لهم الرسول﴾ بمعنى: رضي فعلهم هذا ودعا لهم وقرَّبهم وأدناهم منه يوم اليامة؛ فإنه قد ورد في الحديث أن أقوامًا يردون عليه الحوض؛ فيقول ﷺ : «هلموا أصحابي» ؛ فيُقال له: «أما تدري ما أحدثوا بعدك؛ بدَّلُوا وغيَّرُوا» ؛ فيُقال لهم: «سحقًا سحقًا» . ويكون حكم هذه الآية
стр. 97
مستمرًا في حياته ﷺ وبعد وفاته؛ فإنه ـ تعالى ـ ما ذمَّ المنافقين إلا على ميلهم عن حكمه، ورجوعهم إلى التحاكم بالطاغوت، وتخلفهم عن المجيء إليه ﷺ . ويقال حينئذ: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ـ وهو الحق ـ، والعلة الموجودة في المنافقين الذين كانوا في زمانه ﷺ [هي مخادعتهم] للناس باللسان [و] التي ذمَّهم الله ـ تعالى ـ بسببها؛ موجودة في الذين أظهروا حبه ﷺ وتعظيمه وأبطنوا حب متبوعهم؛ ولذلك تراهم يقدمون آراءهم على الكتاب والسنَّة، وإذا نقم عليهم أحد يقولون: نحن ما تركنا الكتاب والسنّة؛ ولكن قدَّمنا آراء مشايخنا؛ لأنَّهم أحاطوا علمًا بالكتاب والسنَّة! وقد أودعوا علم ذلك في كتبهم. فهذه دعوة منهم مجردة عن الدليل، وتظهر بادي الرأي أنها أوهى من بيت العنكبوت، والكلام في ردِّها يطول جدًّا، وقد رد عليها كثير من العلماء قديمًا وحديثًا، وبيَّنوا ما فيها من التزوير والتلبيس، وأنها لا تجديهم نفعًا ولا تقيم لهم عذرًا؛ بل الحجة لله ولرسوله قائمة عليهم.
والغرض من هذا: أنَّ السبكي لو فسَّر الآية بالتفسير الذي ذكرناه لكان أقرب للصواب، ولكن تغافل عن حمله على ما ذهب إليه حب الهوى والتعصب على أئمة المسلمين؛ فأي حجة له في هذه بعد هذا البيان يقيمها على شيخ الإسلام ومَن وافقه؟! ونعوذ بالله من الخذلان واتباع الهوى؛ فكأنّ هؤلاء الذين فسَّروا القرآن بآرائهم وبما يوافق أهواءهم؛ جعلوا القرآن موافقًا لطبق مرادهم؛ فالذي لهم فيه هوى ورغبة يقولون القاعدة المشهورة؛ وهي: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والذي يصادم آراءهم وأهواءهم يقولون فيه: هذا خاص بالكافرين والمنافقين؛ ولذلك جرى السبكي في تفسير الآية على القاعدة التي ذكرناها. وأما مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
стр. 98
الكافرون﴾ ، وفي الآية الثانية: ﴿الظالمون﴾ ، وفي الآية الثالثة: ﴿الفاسقون﴾ ، وفي مثل قوله ـ تعالى ـ حكاية عن الذين اتخذوا له الوسائط والشفعاء: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ، وأمثال ذلك مما يطول ذكره؛ هذا خاص بالكفار قاصر على ما ورد فيه، ويمنعون أن يكون هذا متناولًا لكل من اتصف بهذه الصفات ومن قال قولهم، واتخذوا له الوسائط والشفعاء زعمًا أن هذا ليس بعبادة؛ وإنما يسألون الله له حوائجه؛ لأنهم مقبولون عنده، ولا يردُّ سؤالهم.
ويقولون في مثل ما ورد في المنافقين الذين تخلَّفُوا عن المجيء إلى رسول الله ﷺ ولم يرضوا بحكمه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيتَ ويسلموا تسليمًا﴾ : هذا خاص بالمنافقين الذين نزلت فيهم هذه الآية، ومنعوا أن تكون متناولة لكل من لم يحكم بما أنزل الله وبما جاء في السنة، ولم يقدم ذلك على آراء الرجال وأهوائهم، ويقابلوه بالتسليم وانشراح الصدر له، والتبرؤ إلى الله مما يخالفه. فقد دخلوا بفعلهم في الذين قال الله فيهم: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ ، وفي الذين قال الله فيهم: ﴿وإذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون﴾ . جعلنا الله ـ تعالى ـ بكرمه من الذين قال الله فيهم: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ .
واعلم أن كلمة (لو) من جملة معانيها: أنها حرف امتناع لامتناع، ومعناها على تفسير السلف ظاهر؛ فإن قبول الله ـ تعالى ـ توبتهم متوقفة
стр. 99
على مجيئهم لرسول الله ﷺ واستغفارهم الله ـ تعالى ـ واستغفار الرسول لهم؛ فإن لم يحصل منهم ذلك لم تحصل توبة الله عليهم، وهذا صحيح؛ كما تقول ممثلًا لذلك: «لو جاءني لأكرمته» ؛ فامتنع إكرامك له لامتناع مجيئك إليك. وعلى تفسير السبكي ومن وافقه من أن الآية حكمها مستمر؛ فكما أن مجيء من ظلم نفسه إليه ﷺ في حياته واستغفاره عنده واستغفار الرسول له شرط لقبول توبته؛ فهو شرط أيضًا في قبول توبة من ظلم نفسه بعد وفاته ﷺ ؛ فلا بد من مجيئه إلى قبره ﷺ واستغفاره عنده واستغفار الرسول له. ولا يخفى ما في هذا من المناقضة لكتاب الله ـ تعالى ـ وسنَّة نبيه وما عليه المسلمون:
فأما وجه مناقضته للقرآن العزيز؛ فإن الله يقول: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ ، وغير ذلك من الآيات المتضمنة لحصول توبة الله ـ تعالى ـ على عبده إذا استغفره وأناب إليه وأقلع عن ذنبه، ولم يشترط لقبول ذلك مجيئه عند قبره ﷺ وتوبته عنده، ولو كان قبول التوبة متوقفًا على هذا؛ لكان فيه من العسر والشدَّة ما لا يحتمله إلا القليل من الناس، ولكان مخالفًا لما جاءت به الشريعة السمحة السهلة، العارية عن الإصر والعسر والشدة، وإذا لم يكن ذلك كذلك؛ وجب حمل الآية على ما فسَّر به السلف ـ كما مرَّ ـ، وعدم الالتفات إلى ما قاله السبكي وأضرابه، وأنهم لا دليل لهم في الآية على استحباب السفر وشد الرحل لمجرد زيارة قبر النّبيّ ﷺ من غير قصد الصلاة في مسجده كما ذهبوا إليه. وبالله التوفيق.
стр. 100
فصل
وجماع القول في هذه الآية الكريمة: هو أن الله قد شرط لِوَجْدِه توابًا رحيمًا للمنافقين، الذين يزعمون أنهم آمنوا بالله وما أُنزل على رسوله ويريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ويصدون صدودًا عن حكم الله ورسوله؛ ثلاثة شروط: بمجيئهم إليه ﷺ ، واستغفارهم عنده، واستغفار الرسول لهم؛ فلو أخلُّوا بشرط من هذه الشروط الثلاثة لم يقبل الله توبتهم.
ومعلوم أن هذا الحكم قد انقطع بوفاته ﷺ باتفاق المسلمين؛ فلم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف أنه قال: من شروط التوبة المجيء إلى قبره ﷺ ولو من الأماكن النائية، والاستغفار عنده، واستغفار الرسول لهم، ولو قال أحد هذا لكان مناقضًا لكتاب الله ـ تعالى ـ وسنة نبيه ﷺ ولإجماع المسلمين؛ لأنَّ الله يقول: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾ ، والأحاديث الواردة في فضل التوبة مشهورة، وليس فيها اشتراط المجيء إلى قبر أحد؛ فعلم بهذا أن قول السبكي قول ساقط ليس عليه أثارة من علم ولا سبقه إلى مثله أحد من أهل التفسير، ولو كان معنى الآية كما زعم هذا المعترض؛ لكان المجيء إلى قبره ﷺ والسفر إليه فرضًا كالصلاة والحج، ومن تخلف عنه يموت عاصيًا؛ إذ هو لم يتب من ذنبه ولو تاب في اليوم مائة مرة؛ لأنَّ ذلك لم تتوفر فيه هذه الشروط الثلاثة المتقدمة، وهذا السبكي لا يقول بهذا؛ فكيف يجعل هذا مستحبًّا فقط.
وقوله: «لأن المجيء يصدق على المجيء من بعد ومن قرب ومن سفر» .
فجوابه: نعم؛ هذه المعاني كلها يحتملها لفظ (المجيء) ، ولكن لما كان هذا ليس شرطًا مستمرًا لقبول توبة كل من تاب؛ فتعين حمل (المجيء) بهذه المعاني على: المجيء إليه في حياته ﷺ كما بينّا ـ.
وقوله: «لأنَّ العلة وجد أن الله ـ تعالى ـ توابًا رحيمًا» .
فجوابه أن يُقال: ليس هذا مختصًّا بزمان دون زمان ومكان دون مكان؛ بل متى أقبل العبد على ربه، وجاءه مستغفرًا، مقلعًا عن ذنبه، صادقًا من قلبه، خاشعًا
стр. 101
بجوارحه، مقدِّمًا أمام الله ذلك حمد الله ـ تعالى ـ والصلاة والسلام على نبيه، وختمها بمثل ذلك؛ فهذه باتفاق المسلمين توبة نصوح؛ لا يردّ الله ـ تعالى ـ من أتى بها، ويجده توابًا رحيمًا، سواء كان هذا التائب بهذه الصفة إلى ربه في مصر أو في الشام أو في اليمن. فهل يستحب هذا السبكي السفر من جميع هذه الأماكن التي سميناها لكل من أراد أن يتوب ليجد الله توابًا رحيمًا؟! أو يقول: أنه متى تاب العبد إلى ربه وأقبل عليه في أي مكان وفي أي زمان؛ وجدَ الله توابًا رحيمًا؟ فإن قال هذا؛ فقد رجع عن قوله باستحباب السفر إلى مجرد الزيارة، وإن قال: بل لا بُدَّ من سفره إلى القبر المعظم لأجل أن يتوب هناك؛ فقد خالف بقوله هذا ما عليه عامة المسلمين، وتبين أنه لا حجَّة [له] في هذه الآية على ما ذهب إليه، وأنَّ شيخ الإسلام مُحِقٌّ في قوله. وبالله نتأيد.
واعلم أننا غير مرة ذكرنا طريقة شيخ الإسلام في الزيارة؛ وبيَّنَّا أنه لا ينكرها؛ بل يستحبها كغيره من العلماء؛ وإنَّما أنكر السفر وإعمال المطي إلى مجرد الزيارة من غير قصد الصلاة في مسجده ﷺ ؛ عملًأ بالحديث الصحيح المروي في الصحيحين وغيرهما، ولم ينفرد هذا الإمام بهذا القول؛ بل سبقه إليه أبو هريرة، وبصرة الغفاري، وابن سيرين، والشعبي،
стр. 102
والنخعي، ومالك بن أنس، وابن الجويني، والقاضي حسين، وطائفة. فأي ملامة على هذا الشيخ إذا ذهب إلى هذا القول، سيّما وقد علمتَ من سبقه إليه من الأئمة؟! فإن كان مقلدًا في ذلك فكفاه هؤلاء الأئمة، وهم يجوزون تقليد إمام واحد ولو خالف بقوله سائر الأئمة؛ فكيف بمن قلد أئمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟؟! وإن كان مجتهدًا؛ فدليله ظاهر من حديث الصحيحين؛ وهو قوله ﷺ : «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ، ولم يأتِ مخالفوه بشيء يصلح للاستدلال، وقد بيَّنَّا أن الآية الكريمة لا حجة لهم فيها. والله وليّ التوفيق.
فصل
الأصل الثاني: السنَّة.
قوله: «وأما السنَّة: فمثل قوله ﷺ : «من زار قبري» ، والزيارة اسم جامع يصدق على الزائر من بعد ومن قرب ومن سفر ... » إلخ.
فالجواب: أنّ هذه الأحاديث ليس فيها شيء يعتمد عليه؛ بل هي أحاديث ملفقة مختلقة الأسانيد، والسند ما بين ضعيف شديد الضعف وموضوع؛ فكيف يستدلّ بأحاديث هذا حالها على حكم شرعي من أحكام الله ـ تعالى ـ؟!
فإن قال قائلٌ: قد ذكر بعض الناس: أن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه يرتقي من درجة الضعف إلى درجة الحسن، ويكون من باب الحسن
стр. 103
لغيره.
فالجواب أن يقال: هذا القول ليس ما اتفق عليه؛ بل للعلماء في الحديث الضعيف ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يقبل مطلقًا، ولو بلغت طرقه في الكثرة ما بلغت. فممن قال ذلك: مالك، والبخاري، ومسلم، وابن حزم، وداود. وهذا يعرفه من رجع إلى مصنفاتهم؛ فإنَّهم لم يدخلوا فيها إلا ما صحَّ عندهم. وحجتهم على هذا القول ظاهرة واضحة؛ وهو أن الله لم يتعبدنا إلا بما صح عندنا، وتبيَّن صحة مأخذه، وأما المشكوك في صحته فنحن مأمورون بتركه؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ ؛ فهذا الحديث الضعيف لا علم لنا بصحته؛ فكيف نثبت به حكمًا شرعيًّا في دين الله، وهو يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ ، وفي القراءة الأخرى: (فتثبتوا) ، وحيث أننا لم نتمكن من التثبت ولم يتبيَّن لنا صحته؛ فوجب علينا تركه؛ لقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلا ما لا يريبك» .
القول الثاني: أنه يقبل إذا تعددت طرقه واختلف مخرجه بحيث إذا اجتمعت يتحصل منها أن للحديث أصلًا. وهو قول الحافظ ابن حجر العسقلاني.
القول الثالث: أنه يعمل به في فضائل الأعمال من ترغيب وترهيب.
ومحل هذا الخلاف ما لم يكن في إسناده كذابون أو متهمون بالتدليس والوضع.
فإذا عرفتَ هذا؛ فهذه الأحاديث لا تقوم بها حجة عند المحققين من العلماء، وقد بيَّن حالها الحافظ ابن عبد الهادي في أول كتابه «الصارم المنكي في الرد على السبكي» ؛ فلا حاجة بنا هنا
стр. 104
للكلام عليها، ويكفينا عن بيان حالها عدم تصريح أحد من أهل السنن الذين أخرجوا الصحيح والحسن والضعيف؛ فدلَّ ذلك على أن هذه الأحاديث لم يكن لها أصل عندهم؛ وإلا لو كان لها أصل ما وسعهم تركها وهي مستقلة بإثبات حكم شرعي، وهل يقول عاقل: إن البخاري ومسلمًا ومالكًا والنسائي وأبا داود والترمذي وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة وغيرهم ممن صنفوا في جمع الأحاديث قد أخلُوا كتبهم من هذه المسألة؟! سيّما وهم يعلمون أنها ذات خلاف بين السلف ـ كما بيَّنَّاه سابقًا ـ؛ فلما لم يعرّج أحد منهم عليها علمنا أنها لا تصلح للاستدلال، وذكر مثل الدارقطني والبيهقي لها لا يفيدها قوة؛ لأنَّ الدارقطني
стр. 105
ما قصد في سننه إلا جمع الغرائب؛ ولذلك تراه يذكر الصحيح والسقيم والموضوع؛ فتارة يبين حال الرواية وقد لا يبين حالها؛ اتكالًا على ظهوره عنده، وقد كتب عليها في زماننا العلامة شمس الحق العظيم آبادي الدهلوي حاشية سمَّاها: «التعليق المغني على سنن الدارقطني» ؛ أجاد فيها وأحسن. وأما البيهقي فقد جمع في سننه مثل الدارقطني؛ ولذلك احتوت سننه على الغث والسمين، وقد اختصرها الحافظ شمس الدين الذهبي؛ فجردها من الأحاديث الواهية، وللإمام علاء الدين المارديني التركماني ردّ عليها في سفرين سمَّاه: «الجوهر النقي في الرد على البيهقي» .
فقد تبيَّن لك حال هذه الأحاديث التي ذكرها السبكي. وعلى تسليم ثبوتها؛ فهي لا تفيد إلا مشروعية الزيارة فقط، وشيخ الإسلام لا ينكر مشروعية الزيارة ـ كما شهد له بذلك هذا المعترض نفسه ـ؛ وإنَّما النزاع في مسألة: استحباب شدّ الرحل إلى مجرد الزيارة من غير قصد الصلاة في مسجده ﷺ . وهذه الأحاديث لا تفيد بمنطوقها إلا الزيارة، وقول السبكي: «إنّ لفظ (الزّيارة) يتناول شدّ الرحل وغيره من المعاني» ؛ فمردود بفعله ﷺ ؛ لأنَّه ما ثبت عنه في حديث صحيح ولا ضعيف ولا مكذوب أنه شد رحله إلى زيارة قبرٍ من قبور الأنبياء ولا غيرهم من قبور المؤمنين، ومعلوم أن قبور الأنبياء وغيرهم كانت موجودة في زمانه ﷺ وفي زمان أصحابه؛ فما ثبت عنه ﷺ إلا أنه كان يزور قبور أهل البَقيع وغيرهم، من غير شد رحل ولا سفر؛ فهل يقول مسلم: إنَّ النّبيّ ﷺ وأصحابه تركوا أمرًا مشروعًا محبوبًا لله واهتدى إليه السبكي وأضرابه؟؟! فسبحانك هذا بهتان عظيم. وكيف ينطبق هذا على قوله ﷺ : «أنا أعلمكم بالله وأتقاكم له» ، وعلى قوله ـ تعالى ـ: ﴿اليوم أكملت لكم
стр. 106
دينكم﴾ ؟! فلو كان شدّ الرحل إلى زيارة القبور أمرًا مستحبًّا في الشرع ولم يفعله الرسول ولم يبينه لأمته؛ لكان هذا الدين لم يكمل إلا من بعد مجيء السبكي! فنبرأ إلى الله من هذا! وكيف يكون مستحبًّا وقد نهى عنه النّبيّ ﷺ بقوله: «لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ؟؟! فلما لم يفعله ﷺ ولم يأمر أمته به بل نهاهم عنه؛ تبيَّن أن شد الرحل لمجرد الزيارة أمر غير مشروع؛ بل هو محدَث في الدين، ولم يعرف في زمان سلفنا الصّالحين.
وأما قوله: «ومنها: الحديث الذي رواه الطبراني وصححه ابن السكن» ؛ يشير إلى الحديث الثالث الذي ذكره في الباب الأول؛ وهو: «من أتاني زائرًا لم تنزعه حاجة إلا زيارتي؛ كان حقًّا عليَّ أن أكون له شفيعًا يوم القيامة» .
فالجواب: هذا الحديث لو سلمت له صحته؛ لكان نصًّا في المسألة، ولارتفع النزاع، ولم يحتج معه إلى ذكر شيء يريد به ما ذهب إليه. وأنَّى يسلم له ذلك وقد بيَّن هو نفسه حاله في أول الكتاب؛ وذكر أنه حديث مختلف في متنه وسنده، ولكن لما كان هذا الحديث حجة له؛ لم يتكلم عليه من كل وجه؛ بل ذكر شيئًا وسكت عن أشياء، وناقشه فيه الحافظ ابن عبد الهادي. وحيث أن الحافظ ابن عبد الهادي لم يتكلم على بيان حال مَن يدور عليه إسناد هذا الحديث؛ وهو مسلم بن سالم الجهني، إمام مسجد بني حرام ومؤذنهم، ولم يزد على قوله: «هو رجل مجهول الحال» ؛ أردت أن أبيِّن لك حاله وما
стр. 107
قاله أهل العلم فيه؛ فأقول ـ وبالله التوفيق ـ:
مسلم بن سالم الجهني: قال في «تهذيب التهذيب» : بصري، كان يكون بمكة، روى عن عبد الله بن عمر العمري، وعن أخيه عبيد الله بن عمر، وغيرهما. وعنه: عبد الله بن محمد العباداني، ومسلم بن حاتم الأنصاري، وغيرهما. قال أبو داود: ليس بثقة. ويقال فيه: مسلمة أيضًا؛ بزيادة هاء في آخره.
وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال في نقد أسماء الرجال» ما نصه: مسلم بن سالم الجهني، كان يكون بمكة، قال أبو داود السجستاني: ليس بثقة. قلتُ: ما أبعد أن يكون مسلمة بن سالم الجهني البصري إمام مسجد بني حرام، الذي أخرج له الدارقطني في سننه ما أخبرنا علي بن الفقيه وإسماعيل بن عبد الرحمن قالا: حدثنا ابن الصباح، أخبرنا ابن رفاعة،
стр. 108
أخبرنا الخلعي، أخبرنا أبو النعمان تراب ابن عمر، حدثنا أبو الحسن الدارقطني، حدثنا يحيى بن صاعد، حدثنا عبد الله بن محمد العبادي سنة خمسين ومائتين بالبصرة، حدثنا مسلمة بن سالم إمام مسجد بني حرام، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه مرفوعًا: «من جاءني زائرًا لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقًّا عليَّ أن أكون له شفيعًا يوم القيامة» ، رواه أبو الشيخ عن محمد بن أحمد بن سليمان الهروي، حدثنا مسلم بن حاتم الأنصاري، حدثنا مسلمة بهذا. فانظر
стр. 109
ـ رحمك الله ـ إن كنتَ ممن يتثبت في دينه: هل مثل هذا الحديث المضطرب المتن والسند الذي مداره على رجل حاله كما بيَّنَّا تقوم به حجة في محل النزاع؟؟ اللهم إلا أن يكون هذا وأمثاله يروج على رجل لم يعرف الاستدلال وليست له خبرة بأحوال الرجال. فإن راج هذا على السبكي وأضرابه؛ فلا يروج على شيخ الإسلام ابن تيمية حامل لواء هذا الفن وإمامه؛ حتى قيل فيه: إنَّ الحديث الذي لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث! وعلى تسليم ثبوته؛ فهو معارض بحديث الصحيحين وغيرها ـ وهو: قوله ﷺ : «لا تُشَدّ الرِّحال ...
» الحديث ـ، وما قلنا هذا إلا على سبيل التنزُّل؛ وإلا فغاية الأمر أنا لو أحسسنا الظنّ بمسلم الجهني فيكون الحديث ضعيفًا، ولا تعارض بين ضعيف وصحيح، بل ولا بين حسن وصحيح؛ وإنَّما لا يُقال: حديثان متعارضان إلا إذا استويا في الرتبة؛ فحينئذ يذهب إلى الترجيح بأمور خارجة عن الصحة ـ ذكرها أهل الأصول ـ، وأما هنا؛ فلا يُقال: تعارض الحديثان؛ لما علمتَ. والله الهادي.
فقد علمتَ مما تقدّم أنَّ العلماء لم يتفقوا على العمل بالحديث الضعيف؛ بل لهم فيه ثلاثة أقوال ـ كما مرَّ ـ.
والذي يظهر لي: أنّ أولاها بالصواب قول مَن قال: لا يُعمل بالحديث الضعيف مطلقًا ـ وقد بينَّا حجتهم ـ. وإن كان قول مَن قال: يُعمل به إذا تعددت طرقه حتى بلغت في الكثرة مبلغًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب؛ ليس بعيدًا عن الصواب، ولكن أهل القول الأول أسعد بالحّجة. وأما قول مَن قال: يُعمل به في فضائل الأعمال من ترغيب وترهيب ـ ويدلّ عليه قول الإمام أحمد؛ حيث يقول: «إذا روينا في الحرام والحلال شدّدنا، وإذا روينا في غير ذلك تساهلنا» ـ؛ فهذا القول في النفس منه حزازة؛ لأنّ
стр. 110
الترغيب في فعل شيء يفيد مشروعيّته، ومتى كان مشروعًا كان من الدِّين، والترهيب عن ترك شيء يفيد أنّ هذا الشّيء ليس مشروعًا فعله وليس هو من الدِّين، ولا يجوز لأحد البتة كائنًا مَن كان أن يُدخل في الدِّين ما ليس منه أو يُخرِج من الدِّين ما هو منه، وهذا لا يكون إلا بشيء صحيح تقوم به الحُجّة؛ فهو مثل الحرام والحلال؛ فيجب التثبت فيه كما يجب في الحرام والحلال؛ فكم وقع الناس في أشياء بسبب التساهل في الأحاديث الضعيفة والموضوعة في العبادات ـ كالصلاة وتلاوة بعض السُّوَر من القرآن والذِّكر والزُّهد والإنفاق والصيام ...
وغير ذلك ـ؛ فاشتغلوا بهم حتى أدَّاهم ذلك إلى ترك المطلوب منهم، وبسبب الأحاديث الواهية الواردة في فضل صلاة الرغائب؛ ترك الناس صلاة الصبح؛ فإنَّهم يشتغلون بها أكثر الليل ثم يغلب عليهم النّوم فينامون عن صلاة الصبح! وبسببها اشتغل النّاس بالمحافظة على تلاوة بعض السُّوَر حتى أنساهم بقيّة القرآن، وبسببها بالغ النّاس في الزُّهد حتى تركوا العمل وصاروا عالة على الأغنياء، علمًا منهم بأنّ هذا هو المطلوب من العباد، ونسوا الآيات والأحاديث الصحيحة الواردة في فضل الكسب وذمّ المسألة، وبسببها بالغ النّاس في الإنفاق؛ فأنفقوا جميع ما عندهم! فالحاصل أن مساوئ هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة لا تُحصى، وقد كان في الزمان الأوّل لا تنفق على أحد؛ لأنّ دولة الحديث
следующие страницы →