Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
فإن قيل: أفليس أباح الله - جل وتعالى - إفطار رمضان في السفر وأذن
فيه، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) .
قيل: وَلا في الرخص والتشديد أراد إلا اليسر، لأنه مهد الرخص
ولم يؤثم القاعد عن الأصعب، بل دل على زيادة فضل، وعلو درجة إن
أخذ بها نالهما، وإن قعد عنه لم يلحقه مأثم. فأي يُسرِ أيسر من هذا عند
من تميزه.
وأرى كثيرا من الناس يحملون هذا الخبر غير محله، ويتناولونه.
على غير جهته، فيرون أن الرخص المذكورة عن أهل العلم داخلة في الخبر
وليس كذلك، لأن رسول الله ﷺ أضاف الرخص
إلى الله - جل وعز - فقال: " إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب
أن يؤخذ بعزائمه "، ورخصه غير رخص غيره، إذ لا يمكن إضافتها
إليه إلا ما بين منها في كتابه، أو شَهِد بها جماعة الأمة عليها، أو أضيف
стр. 1017
بظاهر خبر الثقات إليه. ورخص العلماء محتاجة إلى حجج تشهد
بصحتها، فمن سمى رخص العلماء رخصة فقد افترى على الله
الكذب، وإن أمكن أن تكون في أنفسها حقَّا.
الأكل من بيت الصديق.
* * *
قوله تعالى: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ)
إلى قوله: (أَوْ صَدِيقِكُمْ)
دليل على أن المرء لا حرج عليه أن يأكل من جميع هذه البيوت بغير إذن
بعد أن لا يفسد، ولا يحمل، إذ لو كان بإذن ما كان لاختصاص هؤلاء
معنى، لأن الإذن يبيح من جميع الأمكنة.
стр. 1018
المرجئة.
* * *
وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)
حجة على المرجئة فيما يزعمون أن الأعمال ليست من الإيمان، وقد
جعل الله - جل وتعالى - استئذان الرسول من الإيمان، إذ جعله في صفة
الإيمان، ولم يشهد لهم به إلا معه.
стр. 1019
سورة الفرقان
المعتزلة.
* * *
وقوله: (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا)
حجة على من يرد مشيئة العباد إلى أنفسهم، إذ لو كانت المشيئة إليهم
لكانوا مالكين لضرهم ونفعهم، وقد نفاهما الله تعالى عنهم كما نفى عنهم
الموت والحياة والنشور.
قوله : (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً)
حجة على القدرية والمعتزلة كيف ما صرفوا جعلنا بمعنى الخلق أم
بمعنى الصيرورة.
стр. 1020
المعتزلة.
* * *
وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)
تتعلق به الجهمية والمعتزلة في نفي الرؤية، وهذا جهل
стр. 1021
مفرط أن يكون الله - جل وتعالى - ينكر على الكفار استدعاء رؤيته في
الدنيا فيفهمون به رؤية المؤمنين في الآخرة، ونحن مقرون بأن الكفار
لا يرونه في الآخرة أيضاً، فكيف يحتج علينا لعدمنا رؤيته في الآخرة
بعدم رؤيتهم في الدنيا.
وكان بعض من يتحذلق منهم من يزعم أن قوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ)
دله على أن الله لا يُرى في القيامة من أجل أنهم استدعوا
من نزول الملائكة ورؤية الرب، فأجابهم الله عن واحد.
وهذا إن لم يكن في إفراط حاله من جهل الأول فهو مثله، ومن الذي
قال: إن الكافر يَرى ربه في الآخرة حتى يتدقق عليه بهذا التدقيق، أو
يعلم أن الملائكة الذين يرونهم الكفار ملائكة العذاب، ورؤية الرب
مخصوص بها المؤمنون دونهم.
ولو كان كما زعم أيضاً - ومعاذ الله أن يكون كذلك - ما كان في
стр. 1022
سكوته عما سكت دليل على ما ادعاه الأحمق، فكيف والكافر لاحظ له
في الرؤية بحال.
* * *
وقوله: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)
دليل على أن الله ﵎ خاطب الكفار على ما هو في
سجايا عقولهم، إذا الملك في كل وقت حق له، وكل ما سُمي به من
خلقه فهو مملوك، مملك بما أعطاه الله ومكنه منه، ولكنه لما كان في
عقولهم أن المتفرد بملك يوم من حيث يعرفونه مستولي على السلطان
وحده خاطبهم به.
стр. 1023
وقوله: (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)
دليل على أنه على المؤمنين يسير، وهي بشارة لهم، إذ محال أن يخص
الكفار بصفة عقوبة لهم، إلا والمؤمنون بضد تلك الصفة.
стр. 1024
وقوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)
حجة على من يعدل عنه في الاحتجاج به، ويعيب على من يدعو إليه.
المعتزلة.
* * *
قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)
حجة عليهما - أعني القدرية والمعتزلة - في الجعل كيف صرفوه
стр. 1025
ذكر حفظ الشىء.
* * *
وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) .
دليل على من أدركه حفظ شيء حفظه قليلاً، أو شيئًا بعد شيء
ليرسخ في قلبه، ويأمن من نسيانه.
ودليل على أن التعليق بالأسباب تعلق بالمسبب لا يؤثر في توكل
المتوكلين، كما يزعم جهلة المتصوفة أن طلب المكاسب مؤثر في
التوكل، لا يعلمون أن الله ﷻ كان قادرًا على تثبيت
القرآن جملة واحدة في قلب محمد ﷺ ولكنه لما
جعل سببه الحفظ بصفة أجراه عليها، وهذا نظير ما مضى في سورة
الكهف: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) .
الهوى.
* * *
وقوله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)
стр. 1026
دليل على أن الهوى أشد شيء ضررا على الدين، إذ كان
يبلغ بالمرء أن يتخذه هواه، وكانت قريش تهوى حجرا فتتخذه صنما.
ثم يرون آخر هو أحسن في أعينهم منه فيتركون الأول ويعبدون الثاني على
مقدار هواهم فيه.
المبالغة.
* * *
وقوله: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)
نظير ما مضى في سورة البقرة من قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) .
وذلك أنهم كانوا لا محالة يسمعون بآذانهم، ويعقلون عقلا تلزمهم به
الحجة، ولكنهم لما عدموا العقل الذي ينجيهم، والسماع الذي أريد
منهم نُسبوا إلى افتقاد السماع والعقل، وهو حجة على المرجئة والقدرية
واضحة.
стр. 1027
وقوله: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)
تأكيد لما قلناه من جواز المبالغة في الشيء، ورد على من يأباه من
متنطعي المريدين، والمعتزلة والقدرية، إذ كانوا كالأنعام وأضل
стр. 1028
سبيلاً، وهم مع ذلك مخاطبون معاقبون، والأنعام غير مخاطبين ولا معاقبين.
قضاء النوافل.
* * *
قوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)
حجة في قضاء النوافل.
البيتوتة.
* * *
قوله: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)
стр. 1029
دليل على أن البيتوتة هو ضد الطول بالنهار، لا أنه النوم.
وكيف يكون نومًا وهو يقول: سجدا وقيامًا.
ودليل على أن وَاوَ النسق وإن أخرت في اللفظ فهي مقدمة في المعنى
لأن القيام لا محالة قبل السجود، ففيه أكبر الدليل على أن الذراعين وإن
أخرا في اللفظ على الوجه في الوضوء فَغُسلا قبله لم يكن بمنكر، وإن
стр. 1030
اخترنا أن لا يقدمها، ويأتي به على نسق اللفظ.
الدعاء.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)
دليل على أن الدعاء عبادة يثاب عليه الداعي، ألا ترى أن الله - جل
وتعالى - جعله في جملة ما مدح به عباده في هذا المدح، ويؤيده قوله:
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) ، فسماه عبادة.
стр. 1031
وروى النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ أنه
قال: " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ هذه الآية.
стр. 1032
السرف.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا)
هو - والله أعلم - على ما بيناه في سورة بني إسرائيل، فيكون من
أنفق في معصية مواقعا سرف الخطأ، إذ لا خطأ أخطأ من المعصية.
ومن منع من حق فقد قتر، ولا يقع اسم التقتير إلا على ما يكون
стр. 1033
المرء مطالبا بالإنفاق فيه فيحبسه عنه، لا أنه الاقتصار من الكثير على يسير
يجزي.
* * *
وقوله: (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)
أي عدلا في طاعة كان، أو مباح بعد أن لا يجحف إجحافا
بينا والله أعلم. وقد اختلف فيه أهل التفسير وما قلناه - والله أعلم -
يجمع معاني أقاويلهم.
خصوص.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)
ْدليل على أن قوله في سورة التغابن: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) خصوص لا محالة بمن، إذ قد جعل دعاءهم هاهنا في
إعطائه إياهم الصالحين منهم في جملة ما أثنى عليهم به، ولو كانوا كلهم
صالحهم وطالحهم على العموم فتنة ما كان الدعاء به ثناء.
стр. 1034
ذكر المنزلة الرفيعة.
* * *
وقوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)
دليل على أن حب المنزلة الرفيعة، والإشارة به إلى محبه في الدين ليس
بمنكر، إذا أحبه المحب جلالة للإسلام، وظهورا لنعمة الله عليه فيه.
بل هو طاعة إذ قد أثنى الله على طالبيه فيما دعوه به كما قرى.
وفي ذلك توهين الحديث المروي: " كفى بالرجل شرَّا أن يشار إليه
بالأصابع "، أو يكون مصروفَا إلى من افتتن به.
стр. 1035
سورة الشعراء
رد على من يقول بخلق القرآن.
* * *
قوله: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)
دليل على أن الله - جل وتعالى - متكلم، وأن القرآن كلامه، ولا
يكون كلامه مخلوقا.
وليس لهم فيما في أول السورة من قوله: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) متعلق، إذ كل من لم يكن له عهد بشيء ثم عهد برؤية أو
стр. 1036
سماع كان ذلك العهود محدثَا عنده لا أنه محدث بمعنى المخلوق.
ونحن لا ننكر أن الله - جل وتعالى - قبل أن ينادي موسى - صلى الله
عليه - كان غير مناديه، ولكنه لما ناداه بكلامه، والكلام نعت من نعته لم
يجز أن يكون مخلوقَا.
ونحن لم نزعم أن القرآن خالق حتى يلزمنا بوقوع اسم المحدث عليه أنه
مخلوق، والخالق لايكون مخلوقَا، ولا شيء من نعوته.
فمن أقر منهم بأنه متكلم فالحجة عليه بهذا واضحة، ومن أنكر كلامه
فقد ألزمناه الحجة بقوله إخبارَا عن متخذي العجل: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ) ، وأشباهه في فصول كتابنا هذا، ونفس النداء دليل
أيضا على الكلام بلا إشكال. ودللناهم في باب الجعل على ما فيه
شفاء وبُلغة، فلم يبقَ لهم حجة إلا وقد كسرناها كسرا لا يلبس -
стр. 1037
بنعمة الله - على عالم ولا جاهل.
جمع الاسم: (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)
* * *
وقوله: (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)
حجة على من ينكر السمع واضحة.
* * *
وقوله: (مَعَكُم) بلفظ الجمع، وهما اثنان يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون شملهما ومن آمن معهما، ومنع المبعوث إليه.
بمعنى أنه لا يغيب عنهم يسمع ما يقولون، ويقال لهم.
جمع الاسم.
стр. 1038
وقوله: (فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)
غير مثنى، أي كل واحد منا رسول - والله أعلم - وهو مثل قوله:
: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) أي كل واحد منهم ظهير، وهو من فصيح كلام العرب واستغنائهم بجمع الاسم عن جمع النعت.
وقوله إخبارا عن السحرة: (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)
قد أكد ما قلنا: أن قوله في سورة الأعراف إخبار عن موسى - صلى
الله عليه وسلم -: (وَأَنَا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) أنه أول قومه إيمانَا،
стр. 1039
وكذاك السحرة أول من آمن بموسى لما يلقف حبالهم وعصيهم، إذ
الأنبياء كلهم قبل موسى ﷺ كانوا مؤمنين أن الله
ﷻ لا يُرى في الدنيا.
مال الكافر.
* * *
وقوله: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)
دليل على أن مَن قُهر مِن الكفار كان مالهم فيئاً لمن قاتلهم
стр. 1040
ناضَّة أو غير ناضَّة.
стр. 1041
المعاينة والتجربة.
* * *
وقوله تعالى: (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)
دليل على أن المعاينة والتجربة أقوى في نفوس البشر، وقلوبهم إليها
стр. 1042
أشد طمأنينة، صالحة كانت النفس أو طالحة، لأنها على ذلك مجبولة
لا تقدر أن تغيره من أنفسها. لأن موسى خاف عصاه حين تحولت
ثعبانا في بُدوِّ أمره. وخاف حبال السحرة وعصيهم يوم ألقوها، فلما
تمكن في النبوة، وكثرت آيات الله الجميلة عنده، وعاينها منه وقتَا
بعد وقت، أيقن أنه لا يسلمه لشدة وقد سلمه منها مرة بعد أخرى.
فقال ما قال ثقة بربه وتوكلا عليه.
* * *
وقوله: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)
ولم يقل: أعداء، نظير قوله: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)
مع أن العدو أظن لفظَا للجمع أيضاً مثل العدل.
المعتزلة.
وقوله إخبارَا عن إبراهيم - صلى الله عليه: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)
стр. 1043
رد على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون أن أفعال العباد لا صنع فيها بتة
ولا يقولون: إن أفعالهم وإن كانت منسوبة إليهم فهم في الحقيقة
مهيضون إليها وميسرون لها.
أفيشك أحد أن إبراهيم - صلى الله عليه - كان يتناوله مأكوله.
ومشروبه بيده، ويرفعه إلى فيه، ويبتلعه بحلقه، ويكون فعله بها
منسوبا إليه، وقد قال كما ترى: إن الله مطعمه وساقيه.
ويقال للميت: مات في اللفظ، ولا يقال: موت، وهو في الحقيقة ممات.
فيما ينكر أن تكون هداية إبراهيم وغيره وإن كانت منسوبة إليهم.
فالله هاديهم كما هو مطعمهم وساقيهم، وضلال من ضل وإن كان
منسوبًا إليه فالله مضله وخاذله، كما هو مميته ومحييه، وتكون معرفة
العدل عنده دونهم منفردًا به ﷻ .
стр. 1044
تخويف المؤمنين.
* * *
قوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)
تخويف للمؤمنين شديد أن يعملوا ولا يتكلوا، إذ كان خليله - صلى
الله عليه وسلم - طامعًا في غفران خطيئته غير حاتمٍ بها على ربه.
فمن بعده من المؤمنين أحرى أن يكون أشد خوفَا من خطاياهم.
стр. 1045
حب الإنسان الثناء الحسن.
* * *
وقوله: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)
يؤكد ما قلنا من جواز حب الإنسان الثناء الحسن.
ْالشفاعة.
قوله إخبارًا عن أهل النار: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)
دليل على أن الله ﷻ يُشفع غير رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قوما من المؤمنين بعضهم في بعض، وأن الصديق يشفع
لصديقه.
стр. 1046
المعتزلة.
وقوله إخبارا عنهم: (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)
دليل على أن من يخلد في النار فبكفره لا بذنبه، إذ لو خلف بذنبه
لقالوا - والله أعلم -: فنكون من الصالحين.
وهو رد على المعتزلة في باب الوعيد لو تميزوه.
стр. 1047
قوله: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)
دليل على أن الله ﷻ قد بعث إليهم قبل نوح غيره
فكذبوه. وَكذلك عاد وثمود أرسل إليهم قبل هود وصالح صلى الله
عليهما غيرهما لقوله: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) ، (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) ، وكذا أصحاب الأيكة بعث إليها غير شعيب - صلى
الله عليه - لقوله: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) .
تبصر البيان.
* * *
وقوله: (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)
стр. 1048
دليل على أن كل من عمي عن الحجة وترك تبصر البيان، وعول على
عقل غيره أهلكه، إذ لا يعلم أحد ممن هلك من القرون الخالية إلا صادَّا
عن بيان الرسل، معولا على الآباء الماضين، واختيار عقولهم على عقول
أنفسهم.
ألا ترى أن عادا كيف أهملوا موعظة هود - صلى الله عليه - وتركوا
الإصغاء إليه، مستنيمين إلى ما كان آباؤهم يقولون، ويأملون أنهم إذا
ماتوا لم يبعثوا ولم يحاسبوا.
стр. 1049
قياس.
وقوله إخبار عن ثمود وأصحاب الأيكة لرسولهم: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)
دليل على أن القياس ظاهر على هلاكهم، حين قدروا في قياسهم أن
بشرين لا يجوز أن يستويان في البشرية، ويفترقانه في المرتبة. إما أن
يبعثوا رسلا كما بعث غيرهم، وإما أن يكون محالا عندهم أن يبعث
من لم ينابهم في البشرية.
وكما قال غيرهم: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا.
فرأوا أن من أكل أكللهم، ومشى في أسواقهم، وليس له شيء مفرد يأكله ويسكنه لا يجوز أن يخالفهم فيما هم بسبيله من ذلك.
فالقياس يورد هذه الموارد، وما أعلم أحدا من المتقدمين من أصحاب
رسول الله ﷺ والتابعين ثبت عنهم قول
стр. 1050
بقياس.
وعامة ما روي عنهم مما يحمله الناس منهم على القياس ليس بقياس
سيجده الناظر في كتابنا المترجم بشرح النصوص إذا تأمله في فصوله.
الكاهن.
* * *
وقوله: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)
يصحح الحديث المروي في الكاهن: " أن وليه من الشيطان يلقي إليه
السمع، فيخلط معه أكثر من مائة كذبة ".
стр. 1051
وفيه دليل على أن الكهنة كذابون أفاكون لا يغتر بتلك الكلمة من أقاويلهم.
стр. 1052
الانتصار.
وقوله مستثنى من الشعراء: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا
دليل على أن من تجنب الكذب المحض في شعره، ولم يتشبع به فقوله
للشعر مباح لا حرج عليه، وأن البادي بالهجو ظالم، والمجيب منتصر.
وأن الانتصار يكون باللسان، كما يكون باليد.
ودليل على أن قول رسول الله ﷺ : " من دعا
على مَن ظلمه فقد انتصر" ليس بمنع للدعاء، وكيف يمنع شيء
стр. 1053
أذن الله فيه في هذه الآية، وفي قوله: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) .
وغيره. ولكنه أخبر ﷺ أنه قد انتصر بدعائه، وأحال به على ما ينصفه ولا يظلمه.
стр. 1054
سورة النمل
المعتزلة.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)
حجة قاطعة مسكتة على المعتزلة والقدرية إذ قد أخبر عن نفسه - جل
جلاله - أنه مُزين أعمال الكفار نصَّا بِلا تأويل. ففيه دليل على أن ما أخبر
من تزيين الشيطان فهو تبع لتزيينه، كما أن مشيئة عباده في المعصية تابعة
لمشيئته فيهم، إذ محال أن تكون مشيئة الخالق تبعَا لمشيئة مخلوق، أو تزيينه
تبعا لتزيين الشيطان، فإما أن يجعلوهما تبعَا ويكفروا، أو يجحدوا هذه
الآية فيكفروا أيضاً، وإما أن يفرقوا بما قلناه ويسلموا، ويكلوا علم
العدل فيه إلى من لم يستعبدهم بمعرفته، ولم يلزمهم مزاحمته في سره.
стр. 1055
وقوله: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)
دليل على أن طلب النار مباح، ولا يكون في عداد المسألة. وجائز
للمرء أن يسافر بحرمته إذا خشي عليها الضيعة.
رد على من يقول بخلق القرآن.
* * *
وقوله: (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)
دليل واضح على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد فسرناه قبل
هذا في سورة أخرى.
معرفة القلب دون إقرار اللسان.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)
ولم يقل: هذه، لأنه - والله أعلم - رد على الجائي من
следующие страницы →