Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وفيه دليل على أن الكهنة كذابون أفاكون لا يغتر بتلك الكلمة من أقاويلهم.
стр. 1052
الانتصار.
وقوله مستثنى من الشعراء: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا
دليل على أن من تجنب الكذب المحض في شعره، ولم يتشبع به فقوله
للشعر مباح لا حرج عليه، وأن البادي بالهجو ظالم، والمجيب منتصر.
وأن الانتصار يكون باللسان، كما يكون باليد.
ودليل على أن قول رسول الله ﷺ : " من دعا
على مَن ظلمه فقد انتصر" ليس بمنع للدعاء، وكيف يمنع شيء
стр. 1053
أذن الله فيه في هذه الآية، وفي قوله: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) .
وغيره. ولكنه أخبر ﷺ أنه قد انتصر بدعائه، وأحال به على ما ينصفه ولا يظلمه.
стр. 1054
سورة النمل
المعتزلة.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)
حجة قاطعة مسكتة على المعتزلة والقدرية إذ قد أخبر عن نفسه - جل
جلاله - أنه مُزين أعمال الكفار نصَّا بِلا تأويل. ففيه دليل على أن ما أخبر
من تزيين الشيطان فهو تبع لتزيينه، كما أن مشيئة عباده في المعصية تابعة
لمشيئته فيهم، إذ محال أن تكون مشيئة الخالق تبعَا لمشيئة مخلوق، أو تزيينه
تبعا لتزيين الشيطان، فإما أن يجعلوهما تبعَا ويكفروا، أو يجحدوا هذه
الآية فيكفروا أيضاً، وإما أن يفرقوا بما قلناه ويسلموا، ويكلوا علم
العدل فيه إلى من لم يستعبدهم بمعرفته، ولم يلزمهم مزاحمته في سره.
стр. 1055
وقوله: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)
دليل على أن طلب النار مباح، ولا يكون في عداد المسألة. وجائز
للمرء أن يسافر بحرمته إذا خشي عليها الضيعة.
رد على من يقول بخلق القرآن.
* * *
وقوله: (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)
دليل واضح على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد فسرناه قبل
هذا في سورة أخرى.
معرفة القلب دون إقرار اللسان.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)
ولم يقل: هذه، لأنه - والله أعلم - رد على الجائي من
стр. 1056
الآيات. ثم قال: (وَجَحَدُوا بِهَا)
برده على الآيات. وفيه دليل على أن معرفة القلب دون إقرار اللسان
وتوطين النفس على الشيء لا ينفع، ولا الإقرار ينفع دون الضمير حتى
يجتمعا معا، وتستوطن الأنفس عليه ويأخذ في العمل معه.
ذكر الرافضة.
* * *
وقوله: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)
يحتج بها جهلة الرافضة - وإن كانوا جهالا كلهم - يريدون أن يدفعوا
стр. 1057
به إجماع المسلمين ورواية الصادقين أن الأنبياء لا يتوارثون الأموال.
ليتطرقوا به إلى أن أبا بكر الصديق ﵁ ظلم فاطمة -
﵂ في ترك إعطائها فدك، ولا يعلمون أن سليمان
ورث داود - صلى الله عليهم - نبوته لا ماله، وأن النبي ﷺ -
стр. 1058
لو لم يكن خاتم النبيين أيضًا ما كان للإناث حظ في النبوة، فكيف وهو مع ذلك خاتم الأنبياء ﷺ وعلى زوجه.
أولا يعتبرون - ويحهم - أن عليا - رضوان الله عليه - إن كان
مضطهدًا على زعمهم مدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله
عنهم - ومعاذ الله أن يكون كذلك - أجرى حين وَلي فدك مجرى
ما أجروه، ولم يورث الحسن والحسين، وزينب، وأم كلثوم ما
حرموا أولئك بزعمهم أُمهم وهم بعدها، فقد استوى إذَا علي في
الظلم معهم إن كان الأمر كما قالوا، حاشاه وحاشاهم.
стр. 1059
المعتزلة.
وقوله إخبارا عن سليمان: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)
رد على المعتزلة والقدرية، إذ كان - صلى الله عليه - يسأل الله أن
يلهمه الشكر، وينهضه للعمل الصالح، ويدخله برحمته في صالح
عباده. وهل يخلو من أن يكون دعا بما هو مستغن، فينسب إلى أن
دعاءه حشو، ومعاذ الله.
أو دعا وهو يوقن أنه لا يقدر على شيء بتة إلا به، أو بمعونته، فإذا
عدمه لم يقدر.
فكيف يزعمون أن العبد على عمله منفردا به، ونبي الله - صلى الله
عليه وسلم - يبرأ من الحول والقوة هذا التبرؤ، ويستلهم الله - جل
جلاله - ما لا يتم أمره إلا به لحظة.
قبول خبر الواحد.
وقوله إخبارَا عن الهدهد: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)
стр. 1060
مع ما ذكره به خبره.
دليل واضح بلا إشكال على قبول خبر الواحد من أي جنس كان من
الناس وغيرهم إذا عرف صدقه.
ألا ترى أن سليمان - صلى الله عليه - إنما كف عن عذابه حيث أتاه
بسلطان مبين، الذي كان استثنى فهلا عذبه لو لم يقبل خبره، وقال له: أنت واحد لا أقبل خبرك عن سبأ حتى يخبر به
معك غيرك من الطير.
وليس في قوله: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)
ما يوهن ما قلناه، ألا ترى ائتمنه في حمل كتابه، ورد جوابه وهو
стр. 1061
واحد.
المعتزلة.
وقوله في تمام القصة: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)
حجة على المعتزلة والجهمية فيما يزعمون أن مَن وصف الله بصفة قد
وصف بها مخلوق فقد شبهه بخلقه. أفتزعم أن عرش ملكة سبأ
عرش الله، أو تشبيه بعرش الله من حيث تكون صفته فى السمك
والطول، والعرض والجوهر، والتركيب، سيما وقد وُصِف
стр. 1062
بعرش عظيم كما وصف عرش الله.
ومن قولهم: إن من قال: إن لله يدان، لزمه أن يقول: موصولة
بذراع، وذراع بعضد ومنكب.
أَوَلا يعتبرون أن الله جل وتعالى - لما كانت ليديه صفة يعرفهما من
نفسه، لم يلزم واصفه بهما أن يقول: إنما كذلك، كما لا يلزم
المسمي عرش ملك سبا بعرش عظيم أن يقول: هو مثل عرش القَه
العظيم، ولكنه وفاق وقع بين الاسم والاسم، بأنه سرير وذلك سرير
مجسدان غير أنهما مختلفان في الخلقة.
الغنائم.
* * *
وقوله: (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)
دليل على أن من أخذ من الكفار قهرَا قبل إسلامهم، وجميع أمتعتهم
إذ كان قبل الاقتدار عليهم.
стр. 1063
فإن قال قائل: أن ما لك تكرر هذا قد ذكرته في سورة الشعراء
ورسول الله ﷺ يقول: " أُحلت لي الغنائم ولم تحل
لنبي قبلي "، وهو أحد الخصال التي فضل بها على النبيين قبله.
قيل: قد يجوز أن يكون أراد ﷺ الغنائم التي هي
مأكولة من الحيوان، وأنواع الأطعمة أحل له ولأُمته أكلها، وكانت
من قبل على عهد الأنبياء سواه تجيء نار من السماء فتأكلها.
стр. 1064
ولا تكون الأرضون والذهب والفضة، وسائر الأمتعة غير المأكول
داخلا فيها، لأن الله - جل وتعالى - يقول نصَا: () فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)
كما قال في النبي ﷺ وأُمته: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)
ذكر الظلم..
وقوله: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا)
دليل على أن الظلم يورث أهله الهلاك، ويعقب ديارهم الخراب
стр. 1065
ثواب لا إله إلا اللَّه.
* * *
قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا)
أجمع أأهل التفسير على أن الحسنة في هذا الموضع لا إله إلا الله.
(وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ)
أجمعوا على أنه الشرك.
فقوله: (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)
يوم النفخ في الصور.
стр. 1066
سورة القصص
شكوى الضر إلى الله.
قوله تعالى إخبارا عن موسى - صلى الله عليه -: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)
دليل على أن شكوى الضر إلى الله مباحة، وسؤاله الغوث جائز.
وليس على من أصابه ذلك أن ينتظر إتيانه من الله قبل المسألة اعتمادَا
على أن الله ﷻ يعلم حاله فيأتيه برزقه.
لأنه وإن كان كذلك فلم يحظر المسألة بل ندب إليها، وعمل بها نبيه -
ﷺ كما ترى فقال: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) ، وقال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، مع أن المسألة
стр. 1067
له ولغيره بإباحته إذ أوى فيهما السائل إلى التعبد لا إلى النظر إلى غيره بغير
نفع أو ضر ليست بموثرة في درجات المتوكلين، بل هي زيادة في
درجاتهم لإقامة تعبد بينهم وبين متعبدهم، والقلوب ساكنة سكون
طاقتها، وإقامة الاجتهاد في رعايتها، إذ قد عفا لهما عما ليس
في طبع بشريتها من هواجس الخاطر عليها من حيث لا يملكه، ولم
يستعبد من صرفه بأكبر من كراهته.
ذكر من تطوع بعمل لآخر.
* * *
وقوله تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)
دليل على أن من تطوع بعمل لآخر فعليه أن يعطيه أجره، إلا أن
يمتنع من أخذه، ويحتمل أن لا يكون فرضا، ولكنه في أخلاق المروة
والديانة أن يعرض عليه فإن امتنع العامل كان صاحبه قد قضى ما عليه
من حق المروة والديانة.
стр. 1068
الاحتراز من الفتنة.
وقوله تعالى إخبارَا عنها: (اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)
دليل على أن ظاهر عمل الطاعة في الإنسان يستدل به على عدالته وأمانته.
ودليل على أن الاحتراز من الفتنة من أخلاق الأنبياء، إذ جعل موسى
- صلى الله عليه - إياها خلفه، ومشيه أمامها دليل على أنه احترز من فتنة
تلحقه.
стр. 1069
وفيه دليل أيضاً على أن تَأَمُّلَ خَلْقِ امرأةِ من وراء الثوب مذموم كتأمله
بَاديَا، وإن كان باديا أعظم، لأن الله ﷻ عالم بخفيات
القلوب، وعارف بما تكن الصدور.
وقد روي في الخبر أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله -
ﷺ فتقدم قوم إلى أوائل الصفوف وتباعدوا عنها خشية
الفتنة على أنفسهم، وتأخر آخرون إلى أواخر الصفوف طمعا في ملاحظتها
فأنزل الله ﵎: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) ، وروي عن حذيفة بن اليمان ﵁ -
стр. 1070
أنه قال " من تأمل خَلْق امرأة من وراء الثوب وهو صائم أفسد صومه "
- ومعنى أفسد صومه - والله أعلم - أنه لم ينزهه عن محارم
стр. 1071
الله لا أنه مفطر بالنظر، لأن الصائم عليه أن ينزه صومه من كل ما عليه
فيه مأثم، ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال: " إذا
كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه
فليقل: إني صائم إني صائم ".
فالمتأمل خلق المرأة في حال صومه مدخل عليه بمقدار ما عليه من خطر التأمل خللاً من الفساد، وهاتكا بعض التنزه، وصومه جائز لا إعادة عليه كما أن المصلي تنثلم
стр. 1072
صلاته بوسواسه فينقص منها تسعها، وثمنها وسبعها على ما جاء في
الخبر، أي ينقص ثوابه عليها ولا إعادة عليه فيها.
стр. 1073
ذكر أن أن تجعل الإجارة ثمنًا للبضع ومهورًا للنساء
وقوله إخبارًا عن شعيب - صلى الله عليه - (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ)
دليل على أن ولي البنت في التزويج أبوها. وعلى أن الإجارة
جائز أن تجعل ثمنًا للبضع ومهورًا للنساء، وعلى أن الأب جائز الحكم
стр. 1074
في صدقات بناته، لأن إجارة موسى - صلى الله عليه - كانت لشعيب
لابنته المزوجة منه. وعلى أن الإجارة على ما لا يمكن أن يخلص من
المجهول، وليس في وسع الأجير والمستأجر جائزة حلال لا يفسدها
المجهول الذي لا يمكن تعريتها منه، إذ لو جهد الراعي أو صاحب
الغنم أن يسميا موضع المرعى، والمسرح ومقداره، والسقي وأوراده ما
قدروا عليه بوجه من الوجوه. ولا الظئر تقدر على تسمية كيفية
رضاع المولود، وإمساكه، وتعاهد تنظيفه عند إحداثه، لأنهما
لا يضبطان، وقد أجاز الله ذلك في قوله: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ، وليس توصل من يجيز سائر المجهولات المقدور على
стр. 1075
استخلاصها منها في الإجارة بهاتين الآيتين بمستقيم، وَلا قاصد فيه
طريق الحق، لأن الله قد تجاوز لعباده عما لا يقدرون عليه، ولم
يكلفهم فوق وسعهم وطاقتهم بقوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، ومن يقدر على شيء غير متجاوز عن إمهال ما فيه من الفساد.
فكل إجارة يمكن تعريتها من المجهول فغير محمولة على ما لا يمكن
تعريته منه، فمن استأجر فهي باطل تفسخ، فإن عمل العامل وهو
لا يعلم بفسادها فله أجر مثله لا الأجر المسمى، فإن أراد إنسان أن يجيز
إجارة على عمل بعينه بأجل شهر أو شهرين اعتمادًا على قصة موسى في
سببه فقد أغفل كل الإغفال، إذ موسى - صلى الله عليه، - لم يعقد إجارته إلا على ثماني حِجَج، وجعل الأمر في إتمام العشر إليه، إن أتمه كان محسنَا، وإلا فالثماني هي الأجل المضروب بينه وبين مستأجره، ومن يستأجر الأجير شهرا أو شهرين فلم تنعقد إجارته على أحد الأجلين فيكون مخيرَا في الأجر، وما كان هذا سبيله
стр. 1076
فهو فاسد لا يجوز. فعمل موسى - صلى الله عليه - أجله المضروب له من
الثمانية الحجج، وأَوفَى السنتين الباقيتين لتتمة إحسانه.
سعة لسان العرب.
* * *
وقوله تعالى: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ)
دليل على إباحة وضع الكلمة موضع غيرها، لأن الجناح للطائر وليس
لابن آدم جناح، فكأنه كناية عن الاستقرار والسكون، وذهاب الفزع
الذي قد خامره من تحويل عصاه ثعبانا، ومثله: (وَاخفِض لَهُمَا
جَنَاحَ اَلذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) وليس للذل جناح، ولكنه كناية عنِ اللين
والتواضع. والله أعلم.
стр. 1077
قوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)
دليل على أن ما أقيم عليه البرهان حق، وإن لم يسبق به قول متقدم.
وأن الراد لما لم يسبق به قول متشبه بهؤلاء القوم.
وقال رسول الله ﷺ : " مَن تشبه بقوم فهو
منهم "، وقال ابن مسعود: " الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت
стр. 1078
وحدك ".
قوله إخبارا عن فرعون: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى)
حجة على من يزعم أن الله بنفسه في الأرض، حال في كل مكان.
وينكر كينونته بنفسه في السماء وعلمه في الأرض. إذ محال أن يقول
فرعون هذا القول إلا وقد دَلَه موسى - صلى الله عليه - أن إلهه في
السماء دون الأرض.
فإن كان فرعون أنكر كينونته في السماء وثبته في الأرض فقد وافق
стр. 1079
القوم فرعون في قوله.
وإن كان أنكره في السماء والأرض معا فقد خالفوا موسى - صلى
الله عليه - مع خلافهم لجميع الأنبياء والناس، وأهل الملل كافة سواهم.
ولا أعلم في الأرض باطلاً إلا وهذا أوحش منه، نعوذ بالله من الضلالة.
بناء القبور بالأجر.
قال محمد بن علي: ولا أحسب كراهية من كره بناء القبور وغيرها
بالآجر إلا لهذا، لأن الآجر فيما يزعمون من بِدَع فرعون اللعين.
وهو من عمله، وبنى به، ولعمري إن الاقتداء ببدع الفراعنة ما
قل منها وما كثر غير محمود ولا مرضي من أخلاق المؤمنين. فأحب
اجتناب البناء به على كل حال، خلاف أغلبه من غير أن أحرمه إذا
عريت نِية الباني به من نيته.
стр. 1080
وقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)
دليل على أن الإمامة تكون في الشر كما تكون في الخير، لأن معناها
أن يصير المرء قدوة يؤتم فيما يكون به بسبيله ومقيمَا عليه، ومثله قوله
(فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) .
وفيه رد على المعتزلة،، لأن جعله لهم أئمة لا يخلو من أن يكون خلقَا أو صيرورة، وكلاهما حجة عليهم خانقة.
стр. 1081
قياس.
* * *
وقوله: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) .
حجة في إبطال الاستحسان والتقليد والقياس، إذ كل ذلك أهواء غير
مؤدية إلى حقائق الحق.
وفيه دليل على أن الهوى قد يكون في الحق أيضاً إذا كان فيه هُدى
من الله. وهدى الله في هذا الموضع حجته، ولا حجة له غير كتابه، ورسوله ﷺ وإطباق جماعة المسلمين على
شيء واحد.
وقوله (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)
إلى قوله (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ)
стр. 1082
دليل على أن من لحق محمدا ﷺ وكان على شريعة
من مَضَى قبله لم يغير ولم يبدل فآمن به، وبما جاء به - ضُوعِف له الأجر
مرتين.
المعتزلة.
* * *
وقوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)
حجة على المعتزلة والقدرية خانقة لهم من جهتين:
إحداهما: نسبة الهداية إليه - جل وتعالى - جملة كما هو في سائر القرآن.
стр. 1083
والأخرى: أن قولهم في تأويل الهداية أنها البيان لا الاضطرار إليها خطأ
لا محالة بهذه الآية من حيث لا ينكرون أنصفوا واستبصروا.
فإنا لا نشك وَلا هُم أن الله ﷻ قد بين لكل من خاطبه
بالإيمان طريق الهداية، ورسول الله ﷺ قد بينها
لكل من أرسل إليه، وأحبها له، وأنه لم يحرص على إيمان عمر إلا وقد
بين له طريق الهداية مرة بعد أخرى.
فهل تكون الهداية التي لم يقدر عليها محمد ﷺ
لعمه إلا هداية الاضطرار والإجبار، لا هداية البيان التي قد كان فرغ
منها، وأدى أمر الله إلى أهله فيها.
ونحن مع هذا البيان الذي لا إشكال فيه نسامحهم في هداية الاضطرار
والإجبار في هذا الموضع، لتكون أشد لخزيهم، وأبلغ في كسر قولهم.
ونسألهم عنها سؤالا فنقول: إن كانت الهداية لا تكون عندكم إلا بيانا،
стр. 1084
والإنسان لا محالة غير مهتد لما لم يبين له، فهل يكون قوله: (إِنًكَ لَا تهدِى
مَن أَحببتَ) إلا خاصَّا في البيان بشاهد العيان، إذ كل من كفر لم يبين
له، ولا الله شاء أن يبين له على دعواهم طريق الهداية وليس لله على أبي
طالب حجة إن كان ابن أخيه لم يبين له، ولا الله شاء أن يبين
هدايته، وهو لا يقدر عليها إلا بالبيان أو بالاضطرار والإجبار، فأي
قول أوحش وأبين غلطا من قول يؤدي نفس قَلبه على قائله إلى هذه
الفضيحة العظيمة، والقبح الظاهر. نعوذ بالله من غضبه.
اختصار الكلام.
وقوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)
حجة في اختصار الكلام، والإشارة إلى المعنى، لأنه ﷻ -
стр. 1085
ذكر الليل والنهار، ثم ذكر السكون فيه ولم يقل: في الليل.
وذكر الابتغاء من فضله ولم يقل: في النهار استغناء - والله أعلم - بما
ذكره في موضع آخر.
* * *
قوله: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ)
الهاء - والله اْعلم - راجعة على (من) .
(لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) .
كان بعض أهل الإعراب يزعم أنه من المقلوب: كان العصبة تنوء
стр. 1086
بالمفاتيح، على ما تفعل العرب مثل مصراع الأعشى.
كأننا رعن قف يرفع الآلا
стр. 1087
ومعناه: يرفعه الآل.
قال: ويحتمل عندي أن لا يكون مقلوبا فيوضع (تَنُوءُ) موضع
تثقل، ويجعل (الباء) في العصبة معنى (على) فيكون: ما إن مفاتحه لتثقل على العصبة. والله أعلم كيف هو.
стр. 1088
سورة العنكبوت
ذكر ضمان أوزار الناس.
* * *
قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)
دليل على أن ضمان أوزار الناس بعضهم على بعض باطل، وأن أحدا
لا يجازى إلا بما عمل.
* * *
قوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ)
يحتمل أن تكون أثقالهم ما جنوه على أنفسهم، (وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ)
стр. 1089
ذكر المعتزلة
) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)
دليل على المعتزلة والقدرية، لأنه ذكر بدو الخلق، وإنشائهم
عامة، ولم يذكرهم بعمل صالح ولا طالح، بل ذكر مشيئته في
رحمة بعضهم، وعذاب بعضهم كما ترى.
فهل يكون الكافر على هذا إلا مرادا بالعذاب، والمؤمن إلا مرادا بالرحمة.
سعة لسان العرب.
стр. 1090
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي)
حجة في الإخبار عن لفظ الغائب بلفظ الحاضر، ألا ترى أنه قال:
(بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ) ثم قال: (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) ، ولم يقل: من رحمته.
جواز ترك الخبر قبل إتمامه.
* * *
وقوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ)
حجة في جواز ترك الخبر قبل إتمامه، والأخذ في غيره ثم الرجوع
إليه، ولا يكون ذلك عيبا على قائله، وَلا خطأ من فصاحته. ألا
ترى أنه ﷻ ابتدأ الخبر عن إبراهيم - صلى الله عليه -
بقوله: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ) ، ثم حال بين
следующие страницы →