Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
بالمفاتيح، على ما تفعل العرب مثل مصراع الأعشى.
كأننا رعن قف يرفع الآلا
стр. 1087
ومعناه: يرفعه الآل.
قال: ويحتمل عندي أن لا يكون مقلوبا فيوضع (تَنُوءُ) موضع
تثقل، ويجعل (الباء) في العصبة معنى (على) فيكون: ما إن مفاتحه لتثقل على العصبة. والله أعلم كيف هو.
стр. 1088
سورة العنكبوت
ذكر ضمان أوزار الناس.
* * *
قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)
دليل على أن ضمان أوزار الناس بعضهم على بعض باطل، وأن أحدا
لا يجازى إلا بما عمل.
* * *
قوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ)
يحتمل أن تكون أثقالهم ما جنوه على أنفسهم، (وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ)
стр. 1089
ذكر المعتزلة
) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)
دليل على المعتزلة والقدرية، لأنه ذكر بدو الخلق، وإنشائهم
عامة، ولم يذكرهم بعمل صالح ولا طالح، بل ذكر مشيئته في
رحمة بعضهم، وعذاب بعضهم كما ترى.
فهل يكون الكافر على هذا إلا مرادا بالعذاب، والمؤمن إلا مرادا بالرحمة.
سعة لسان العرب.
стр. 1090
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي)
حجة في الإخبار عن لفظ الغائب بلفظ الحاضر، ألا ترى أنه قال:
(بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ) ثم قال: (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) ، ولم يقل: من رحمته.
جواز ترك الخبر قبل إتمامه.
* * *
وقوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ)
حجة في جواز ترك الخبر قبل إتمامه، والأخذ في غيره ثم الرجوع
إليه، ولا يكون ذلك عيبا على قائله، وَلا خطأ من فصاحته. ألا
ترى أنه ﷻ ابتدأ الخبر عن إبراهيم - صلى الله عليه -
بقوله: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ) ، ثم حال بين
стр. 1091
إتمامه بقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) ، وبقوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ)
حتى رجع في تمام قصة إبراهيم
- صلى الله عليه - فقال: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) .
وفي هذا دخول الخلد على قول أبي عبيدة ﵁ في اختياره
في سورة النمل: (أَلَّا يَسْجُدُوا) بالتثقيل اعتمادا على أن لا يحول
стр. 1092
بين قصة الهدهد وملكة سبأ حائل من غيره.
حجة على المعتزلة والقدرية.
(وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)
حجة على المعتزلة والقدرية فيما لا يجعلون مشيئة العباد تبعا لمشيئة الله
стр. 1093
وتزيين الشيطان تبعا لتزيينه، وإضلاله وصده عن سبيل الله تبعا لإضلاله
وصده. لا يعتبرون أن الله ﷻ أخبر عن نفسه بإنجاء لوط ومن
أنجى معه فقال: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) .
وعن إمطاره على من كفر من قومه مطر السوء، ثم أخبر في هذه الآية عن رسله إليهم أنهم قالوا له: (إِنَّا مُنَجُّوكَ)
ولم يقولوا: إن الله منجيك، وقالوا: (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) وليس يخلو بتة من أن تكون الرسل مأمورين بإنزال الحجارة، وإنجاء لوط، فكانوا هم المنزلين ذلك بأمر ربهم، أو غير مأمورين. فلما لم يجز أن لا يكونوا مأمورين، لأنهم لا يكذبون، وبأنفسهم من غير أمر لا يقدرون - حصل أنهم قالوا ذلك بأمره، وفعلوه بتسليط، وقد أخبر الله به عنهم وعن نفسه.
أفليس إن جعلنا فعل الله تبعا لفعلهم كفرنا، وإن جعلنا فعلهم تبعا
لفعل الله صح لنا.
إن الله وإن أخبر بالفعل عن فاعل فهو مؤهله ومقويه عليه، وفاعله
بإرادته ومشيئته كما نجى الرسل لوطا ومن معه، وأنزلوا الرجس على من
هلك من قومه بإرادة الله ومشيئته. وكذا قال ﵎: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ثم قال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)
стр. 1094
ثم قال: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) ، فعلم أن الإرادة والمشيئة والقوة لله، وأن الفعل منسوب إلى فاعله، فإن كان مطيعا فيه أجر بفضله، وإن كان عاصيا عوقب بعدله. والنظر في كيفيته ذلك
العدل، ومعرفته من الخلق له كهيئة ما عنده مزاحمة في ملكه، وتأميل
إدراك ما لا سبيل إليه من كشف سره.
* * *
قوله تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)
لا متعلق لهم فيه، لأنه على ما علمتك من أن تزيينه تبع لتزيينه.
وصدوده تبع لصدوده.
وقال المفسرون في (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) : أي في ضلالتهم معجبين
بها.
стр. 1095
قوله: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)
دليل على فضيلة العلماء، وجواز لضرب الأمثال.
معنى الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
* * *
وقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)
آية يحملها الناس على غير وجهها، فيرون أن نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر هو أن تحول دونها حتى لا يعمل بشيء منها، وليس كذلك إنما نهيهما ما يجده المصلي من الزاجر في نفسه عن الفحشاء والمنكر، وتصورها في عينه بصورة القبح، فلا تعلم مصليا يقيم الصلاة لله قائما فيها بأمر الله محتسبا ما وعده الله من الثواب عليها إلا وهو يجد هذا في نفسه، والفواحش والمناكر عنده ممقوتة، ممقوت
стр. 1096
فاعلها وإن كان يقع فيها.
وكذا لفظ ظاهر الكلام: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى) ولم يقل: إن الصلاة تحول بين الفحشاء والمنكر.
وقد نهى الله - جل وتعالى - عن الفواحش والمناكير قبل نهي الصلاة
ولم يحل بين جميع من نهاه وبينها.
والنهي في اللغة: زجر عن الفعل والترك لفعل غيره.
وقول من قال: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها
стр. 1097
من الله إلا بعداً " صحيح كما قال، ولكنهم المنافقون الذين لا يأتون
الصلاة إلا وهم كسالى يراؤون الناس، كما قال الله
فهؤلاء لا تنهاهم صلاتهم عن شيء، لأنهم لا يقيمونها ديانة، ولا ائتمارا ولا احتساب ثواب، ولا يؤمنون بأمرها ومن حرم الفواحش
стр. 1098
والمناكير،، وكيف تنهاهم صلاتهم عما لايحذرون عاقبته، ولا يخشون
عقوبته، إنما تنهى المؤمن الذي قد آمن بالله وبما أنزل في كتابه، وأيقن بالوعد
، ألا ترى أنه قال لنبيه ﷺ : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ)
فبدأ به، (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)
فإنما تنهى من قد دخل مع النبي ﷺ
الإيمان، وبري من الكفر والنفاق. ومن كان هكذا من
وإن كان في جملة المخلطين فهو غير فاقد نهي الصلاة عن
والمنكر، والزاجر الذي ذكرناه من قبله، ويوشك المنهي إذا
نهي الناهي أن يوفقه الله فيستحي من ناهيه، ويترك ما ينهاه
وينزجر عما يزجره عنه وإن لم يتركه جملة واحدة.
قال: أليس قد روي أن النبي ﷺ قيل له: إن فلانَا
يصلي بالليل ويسرق. فقال: " صلاته تنهاه ".
стр. 1099
وهذا يدل على أن النهي هو المنع الحائل
قيل: لو كان الحديث صحيحا ما كان إلا حجة لقولنا، فكيف وهو
سقيم،. فأما ما فيه من تأييد قولنا، فإن (لعل) يتوقع بها ما يكون منها، وهو
ما قلناه: إن المنهي إذا كثر عليه نهي الناهي يوشك أن ينتهي، ولو كانت
الصلاة تحول بين المعاصي لحالت بين هذا السارق وبين سرقته، ولكفته
صلاة النهار قبل أن يصلي بالليل، بل كانت تجزيه صلاة واحدة.
وأما سقمه فإن مداره على الأعمش وقد اختلف عليه، فروى زياد بن
عبد الله البكائي عنه،
стр. 1100
عن أبي صالح عن جابر وروى عنه وكيع فقال: أرى أبا صالح
ذكره عن أبي هريرة فشك فيه وقال عن أبي هريرة ولم يقل: عن جابر، ورواه سعد بن الصلت عنه فقال: عن أبي سفيان
- ليس عن أبي صالح - عن جابر. وأبو سفيان لم يسمع من جابر -
ورواه بغير لفظ أبي صالح فقال: أتى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - رجل فقال: إن فلانا يقرأ الليل كله وإذا أصبح سرق.
قال: " ستنهاه قراءته "
فلو صح لكان معناه أنه سيقرأ في جملة ما يقرأه: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) فينزجر بها يومًا، وكذا - والله أعلم - قوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)
أي تنهاه ما يتلو فيها من القرآن - والله أعلم.
стр. 1101
وكان بعض أهل التفسير يذهب إلى أن مدة قيام المرء في الصلاة إلى
الفراغ منها مشغول بها عن الفحشاء والمنكر، فذلك نهيه عنها عن
الفحشاء والمنكر.
* * *
قوله: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)
دليل على كل من لم يؤمن بهذأ القرآن أو شيء منه فهو كافر.
ذكر معنى النبى الأمى.
* * *
قوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)
دليل على أن النبي ﷺ لم يدرس الكتب المنزلة
قبله. ولا كان كاتبا، وأن معنى الأمي فيه أنه لا يكتب ولا يحسب ليكون
ذلك أتم في آيات نبوته، ولتنقطع حجة المبطلين عليه بأن يقولوا: حفظ
هذا الكتاب من كتاب قبله، أو انتسخه.
وكذا قال رسول الله ﷺ -
стр. 1102
" إنا أُمة أُمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذ! " وكسر الإبهام في الثالثة كأنه أشار بأصابع يديه مرتين ليكون عشرين، وأشار في الثانية بخمسة وأربعة ليكون تسعا وعشرين. يريد أن الشهر يكون كذلك أيضا.
وقال لعلي بن أبي طالب ﵁ حين أنكر سهيل بن عمرو إملاءه، هذا ما قضى عليه محمد رسول الله ﷺ : " أرني موضعه " فمحاه وأمره أن يكتب محمد بن
стр. 1103
عبد اللَّه.
فدل أنه كان لا يقرأ ولا يكتب. وليس كما يقول المتحذلقون في الجهل
أنه كان يكتب ويقرأ.
والأمي في نعته منسوب إلى مكة، لأنها أم القرى.
* * *
وقوله: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) .
стр. 1104
دليل على أن القرآن من كبار آيات النبي ﷺ لآن
المشركين قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ) : فقال: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ)
* * *
وقوله: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ)
دليل واضح على أن الله ﷻ في السماء لا في الأرض
وأن الذي في الأرض علمه المحيط بما فيها.
стр. 1105
المعتزلة.
* * *
وقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)
حجة على المعتزلة والقدرية واضحة، لأن العذاب في هذا الموضع
لا يخلو من أن يكون هلاك بهِلاك موت أو غيره من أنواع العذاب وأيهما كان فلا يتقدم أجل المضروب. وهم يزعمون أن الإنسان قد يموت بغير أجله، وينكرون أن الله ﷻ ضرب أجلا - لأحد في هلاك مخافة ما يلزمهم في الكتاب السابق بشيء من الأشياء.
اختصار
стр. 1106
وقوله: (وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
فيه لا محالة اختصار، وهو أشد ما يكون من الاختصار كأنه - والله
أعلم - ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون، أو عقوبة ما كنتم تعملون، أو ما
يقارب هذا المعنى، لأنهم كانوا يعملون المعاصي، والمعاصي لا تُذاق. فأي لسان أشرف من لسان العرب، وأعلى مرتبة أن يجوز فيه هذا الاختصار الشديد والإشارة إلى المعنى.
اختيار الأرض.
* * *
وقوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)
دليل على جواز اختيار الأرض، والنقلة من موضع إلى موضع فرارا
من المعصية، وصيانة للدين، وخلاصا ممن لا يساعد على الآخرة ويدعو
إلى الدنيا
стр. 1107
سورة الروم
المعتزلة.
* * *
وقوله: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)
حجة على المعتزلة والقدرية في باب العدل الذي يدعون معرفته لجهلهم.
فيقال لهم: ما وجه نصرة الله الروم على فارس وكلاهما كافر، الروم
بالتنصر، وفارس بالتمجس، في فطرة عقولكم التي تعدون بها
طوركم، ولا تسلمون فيها لربكم منفردا بها دونكم.
فإن قيل: فما معنى فرح المؤمنين بنصره غيرهم،
стр. 1108
قيل: فرحهم - والله أعلم - بأخذ القمار الذي وجب لهم عند ذلك.
وذلك أنهم كانوا قامروا المشركين قبل تحريم القمار على نصرة الروم على
فارس، وغلبهم عليه في بضع سنين، فلما أظهرهم الله عليهم فيها
استوجبوا قمارهم، وبان صدقهم، وعلا كتابهم المنزل على نبيهم -
صلى الله عليه - بأن لا ينزل فيه إلا ما يكون حقا ففرحوا بذلك.
стр. 1109
قوله: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ)
حجة عليهم في باب الوعيد، لأنه ﷻ قد أكد في إنجاز
وعده، وأخبر عن الوفاء به في غير موضع من كتابه.
ولم يفعل ذلك في باب الوعيد، لأن ترك إنجازه كرم كما قد بينا ذكره
قبل هذا لا خُلف.
ذكر الصلاة.
* * *
قوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) .
فى ليل على أنها الصلاة كما قال ابن عباس، ﵁.
стр. 1110
إذ لو كان تسبيحا على ظاهر قوله لاستحال أن يكون الله منزها في هذه
الأوقات دون سائرها، منزه عن السوء في جميع الأوقات. وقدِ اتفق
المسلمون لا اختلاف بينهم على أن الله لم يأمر أحدا بأن
يسبح في هذه الأوقات، ولا غيرها تسبيح قول، ولا تسبيح بعد ذلك
إلا الصلاة.
والصلاة تسمى في لغة العرب تسبيحا، قالت عائشة - رضي الله
عنها -: " والله ما سبح رسول الله ﷺ سُبحة
الضحى قط، وإني لأسبحها ".
стр. 1111
واتفق المفسرون فيما أعلم على أن قوله في يونس: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) أنه من المصلين.
وهذا من المواضع التي يترك فيها الظاهر بشاهد من الكتاب والسنة
стр. 1112
والإجماع.
الاختلاف.
* * *
وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)
اختلف المفسرون فيه، فقال الضحاك بن مزاحم: " يخرج الرجل
الحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الرجل الحي ".
وقال الحسن وقتادة: " يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من
المؤمن ".
стр. 1113
كأن الحي عندهما المؤمن، والميت الكافر.
فإن كان ما قالا فهو حجة على المعتزلة والقدرية، وبراءة لهما مما نُسِبا
إليه من القدر، لأن إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن لا يكون
إلا عند إلاد الأم بهما، فأما ما يستوجبانه من الاسم بعد البلوغ بما
يصيران إليه من الإيمان والكفر فلا معتبر فيه.
ولا يخلو من أن يكون ولدا كما سميا، أو على غير ما سميا ثم
انتقلا. فلما كان إزالة الاسم عنهما قبل إحداث الإيمان والكفر بعد
البلوغ، وعند الخروج مزيلا للفظ نص القرآن، ثبت أنهما ولدا كذلك
فلم يستطيعا النقلة عما ولدا عليه بعد البلوغ، ولحوق الخطاب بهما،
стр. 1114
ويؤيده قصة المولود الذي قتله الخضر - صلى الله عليه، وولادته
стр. 1115
لا محالة على الكفر، إذ لا يجوز على الخضر أن يقتل طفلا لا يدري - على زعم الجهلة - يكون بعد البلوغ مسلما أو كافرا.
وفي تسمية الكافر بالميت دليل علي إجازة الإفراط في ذم الإنسان
ومدحه بما يكون ظاهره خلاف باطنه ولا يكون كذبا. وبيان على أن
الإرادة في تسميته بالميت زوال منفعة الحياة التي تنجيه عنه وإن كان ذا
روح.
وتسمية المؤمن بالحي مدح له، حيث كان بضد الكافر من المسارعة إلى
الإيمان، وما ينجيه من عذاب الرحمن، لأنه ذو روح.
وإن كان كما قال الضحاك ففيه حجة على وقوع اسم الميتة على الشيء
لايكون دليلا على نجاسته حتى تقوم حجة ثابتة بنجاسته، لأن رسول الله
ﷺ قد دل على طهارة النطفة.
стр. 1116
وفي نفس قوله: (وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)
دليل على ذلك، لأن الأرض طاهرة، ومعناه أنها أحييت بالنبات بعد أن كانت جردا لا نبات فيها.
وبلغني أن بعض مثبتي القياس كان يجعل قوله: (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)
وماضاهى من القرآن حجة في تثبيته.
وهو عندي جهل بين، وذلك أن القياس عندهم تحريم غير المسمى
وتحليله من أجل علة في المسمى أوجبت به مسلكه. وليس إخراج الله من
مات من قبره وإعادة الروح فيه من أجل أنه أخرج الحي من الميت، والميت
من الحي، وإحياء الأرض بعد موتها، ولكنه بيان لذوي العقول أن الذي
فعل ذلك قادر على إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم. وبطلوا القياس
كلهم مقرون بأن المحرم للأنواع الستة قادر على تحريم غيرها، ولكنها لم
يحرمها في الدنيا ولا حاجة بأحد إلى تحريمها يوم الحشر كما دل على أن من
أحيى الأرض بعد موتها قادر على إحياء أهل القبور، وإنما يحييهم يوم
стр. 1117
النشور.
سعة لسان العرب.
* * *
قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ)
خارج على سعة اللسان، لأن المخلوق من تراب آدم وحده.
والمخلوق له من نفسه زوجته قال الله ﵎ (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) ، فلما كان البشر جميعاً من نسله سماهم بذلك على سعة اللسان. والله أعلم.
حجة الشافعي ﵁ فيما يسقط (أن) من كلامه.
стр. 1118
(وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا)
حجة للشافعي ﵁ فيما يسقط (أن) من كلامه في
هذا الموضع كقوله: ولو صلت أَمَةٌ مكشوفة الرأس فعليها تستتر. ولم
يقل: أن تستتر.
ألا ترى أنه قال: (خَوْفًا وَطَمَعًا) ولم يقل: أن يريكم.
ولا يسلك به مسلك ما تقدمه من قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) ، ولا جعل خبر الابتداء على لفظ المصادر والأسماء كما قال:
(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ، ولكنه جاء به على لفظ المستقبل من الأفعال وأسقط
(أن) فكلاهما لغتان فصيحتان واردتان معا في القرآن. إلا أن ما كان
على لفظ الأفعال الماضية فلابد من إثبات (أن) فيها، وما كان على
لفظ المستقبل فالمتكلم بالخيار إن شاء أثبت وإن شاء أسقط، فإذا أسقط
стр. 1119
كانت حجته ما ذكرناه من قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا) .
وإذا أثبت كانت حجته: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) ، وإذا لم يجز له إلا الإثبات كانت حجته: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) .
المعتزلة.
* * *
وقوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)
حجة على المعتزلة والقدرية في إضافة الفعل إلى فاعل ذلك الفعل
مفعول به. ألا ترى أنه قال قبل هذا: (وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) ، ثم قال هاهنا: (إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)
فما ينكرون ويحهم أن تكون أفعال المعاصي يفعلها
стр. 1120
العاصون وتنسب إليهم، وتكون محكوم عليهم بها جارون على محتوم
القضاء عليهم فيها، فلا يبقى عليهم عند ذلك إلا الإقرار بعزوب
علمهم عن عدل عادل، لا يضرهم جهله. ولو كان جل وتعالى
لا يكون عادلا إلا فيما تعقله الخليقة من عدله دون أن يكون له عدل
لا يعقله، كانت فيه صفة تحيط الخلق نكتها، ولجاز لمن يزاحمه في
معرفة عدله - ولا يعده منكرا من نفسه - أن يزاحمه في معرفة قدرته.
فيقول: لا أقبل من قدرته إلا ما يتسع لها عقلي، وإلا صرفته في باب
المحال، كما أصرف ما لا أعقله من عدله في باب الجور فلا أنسبه إليه.
فيلزمه أن يقول: لما كان محالا في عقلي أن يكون عادل يجمع على نفس
واحدة حكما لشيء وقضى عليه به ثم يطالبه بتركه، ويعاقبه على فعله.
فلم أنسب هذا إليه، ولم أبالِ بمخالفة آي القرآن فيه، وشهادة الرسول
وجماعة الأمة غيره عليه، فهو فيه أيضاً محال أن يكون للنار موضعا
يكون فيه والجنة عرضها كعرض السماء والأرض قد أخذت جميع
الموضع.
ومحال أن يكون مدبر واحد يدبر جميع الأشياء لا يشغله شيء عن
شيء، وما أشبه هذا من القدرة التي هي من صفة الرب تبارك
وتعالى، ولا يتسع لها عقول الخلق، وإلا فما الفرق، هذا مع ما بينا
عليهم من نظائر نفس ما ينكرونه من العدل مفرقا في فصول كتابنا
هذا، والمجرد في الرد عليهم.
стр. 1121
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) .
معناه - والله أعلم - وهو أقل عنده من أن لايقدر عليه - لا أن إبداء
الخلق أصعب عليه من إعادته، بمعنى أن إعادته أيسر عليه. هذا كفر لمن
يكفر به - وأحسبه كذلك، لأن الله - جل وتعالى - قدرته على الأشياء
كلها واحدة لا يتعاظمه شيء، ولا يلحقه صعوبة في خلق شيء سبحانه.
ولكنه على ما أعلمتك خرج مخرج الاختصار. وهو أعلم بما أراد به
جل وعز.
стр. 1122
ومن المفسرين من قال: هو أهون على الخلق إعادته بقوله: كن
فيكون. أهون عليه من ابتدائه مِن نطفة ثم مِن علقة ثم مِن مضغة.
قياس.
* * *
وقوله: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)
حجة على من يقول بالتقليد والقياس والاستحسان. وحجة على
المعتزلة والقدرية.
وهو من المواضع التي يحسن فيها حذف (هاء) المفعول كأنه: من
أضله الله.
стр. 1123
خصوص.
* * *
وقوله: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)
خصوص لا محالة، يعني فطر المسلمين عليها دون المشركين.
(لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)
كان بعض المفسرين يقول: " لا تبديل لدين الله " يذهب به - والله
أعلم - إلى أن قوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) قد دل عليه.
стр. 1124
اختصار
* * *
قوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ)
فيه اختصار - والله أعلم - لأنه لم يتقدم الكلام بشيء تكون
(مُنِيبِينَ) حالا منه، فكأنه أدخلهم في الخطاب الذي خاطب به
رسول الله ﷺ من إقامة وجوههم للدين منيبين
إليه، أو في خطاب سواه من الأمر بالتوبة، أو ما شاء جل وعز.
فإن توهم متوهم، أنه حال من الناس الذي فطرهم على الإسلام
غلط عندي، لأنه لو كان كذلك: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ)
والله ولي الصواب.
стр. 1125
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)
يحتمل أن يكون دليلا على أن من لم يقمها أشرك، ويحتمل أن يكون
نهيا مبتدأ - والله أعلم أيهما هو.
قوله: - (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)
حجة في جواز خطاب الغائب بلفظ الحاضر. ألا ترى أنه قال في
ابتداء الآية: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ)
فهو - والله أعلم - يقول لهؤلاء بأعيانهم لا لغيرهم: فتمتعوا فسوف
تعلمون، لأنه لم يفرغ من تمام المعنى بعد، والدليل عليه قوله: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) .
والذي يزيل الريب كله عنه قوله في آخر العنكبوت: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) .
следующие страницы →