← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) . معناه - والله أعلم - وهو أقل عنده من أن لايقدر عليه - لا أن إبداء الخلق أصعب عليه من إعادته، بمعنى أن إعادته أيسر عليه. هذا كفر لمن يكفر به - وأحسبه كذلك، لأن الله - جل وتعالى - قدرته على الأشياء كلها واحدة لا يتعاظمه شيء، ولا يلحقه صعوبة في خلق شيء سبحانه. ولكنه على ما أعلمتك خرج مخرج الاختصار. وهو أعلم بما أراد به جل وعز.

стр. 1122

ومن المفسرين من قال: هو أهون على الخلق إعادته بقوله: كن فيكون. أهون عليه من ابتدائه مِن نطفة ثم مِن علقة ثم مِن مضغة. قياس. * * * وقوله: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) حجة على من يقول بالتقليد والقياس والاستحسان. وحجة على المعتزلة والقدرية. وهو من المواضع التي يحسن فيها حذف (هاء) المفعول كأنه: من أضله الله.

стр. 1123

خصوص. * * * وقوله: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) خصوص لا محالة، يعني فطر المسلمين عليها دون المشركين. (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) كان بعض المفسرين يقول: " لا تبديل لدين الله " يذهب به - والله أعلم - إلى أن قوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) قد دل عليه.

стр. 1124

اختصار * * * قوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ) فيه اختصار - والله أعلم - لأنه لم يتقدم الكلام بشيء تكون (مُنِيبِينَ) حالا منه، فكأنه أدخلهم في الخطاب الذي خاطب به رسول الله ﷺ من إقامة وجوههم للدين منيبين إليه، أو في خطاب سواه من الأمر بالتوبة، أو ما شاء جل وعز. فإن توهم متوهم، أنه حال من الناس الذي فطرهم على الإسلام غلط عندي، لأنه لو كان كذلك: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ) والله ولي الصواب.

стр. 1125

(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) يحتمل أن يكون دليلا على أن من لم يقمها أشرك، ويحتمل أن يكون نهيا مبتدأ - والله أعلم أيهما هو. قوله: - (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) حجة في جواز خطاب الغائب بلفظ الحاضر. ألا ترى أنه قال في ابتداء الآية: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) فهو - والله أعلم - يقول لهؤلاء بأعيانهم لا لغيرهم: فتمتعوا فسوف تعلمون، لأنه لم يفرغ من تمام المعنى بعد، والدليل عليه قوله: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) . والذي يزيل الريب كله عنه قوله في آخر العنكبوت: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) .

стр. 1126

ذكر الهدايا. (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ) يزعم مجاهد أنها: الهدايا، وكذلك قال الضحاك إلا أنه فسره فقال: " هو رجل يعطي الناس ليثاب، فليس له أجر، ولا عليه وِزر، ونهُي عنه النبي ﷺ خاصة ". فكأنه يعطي الناس ليثاب أكثر من عطيته. فهو يقع عليه اسم الربا بالزيادة وليس بمحرم، وإن كان من دناءات المطامع، فقال الله في هذا:

стр. 1127

(فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ) أي لايزيد كما يزيد الزكاة، ثم بينه فقال: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) أي أولئك الذين يعطون كذلك يضعفون لأنفسهم ثواب عطاياهم التي أرادوا بها وجه الله. ولعل الضحاك أراد فيما قال نهي عنه ﷺ في سورة المدثر: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) . لأنه كذلك فسره هناك فقال: " لا تعطِ لِتُعطى أكثر منه ". فنهي النبي ﷺ عن دناءات الأخلاق والمطامع. وقد حث الله تعالى على التأسي برسول الله ﷺ تأسياً عاماً في قوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ،

стр. 1128

وروي عنه ﷺ أنه قال: " إن الله يحب معالي الأمور، ومعالي الأخلاق ويكره سفسافها) ، وصح عنه ﷺ -

стр. 1129

جملة أنه قال: " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ".

стр. 1130

وقد قال أهل العلم من التابعين والأئمة في الهِبة للثواب لذي الرحم والأجنبين أشياء. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ فيها ما روي، فلا أدري ما أقول فيها إذا فعلها الإنسان. واختار أن لا يفعله اقتداء بالقرآن، وتأسياً برسول الله ﷺ في أخلاقه، وما أخبر عن الله من كراهة سفسافها. * * * وقوله: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) دليل على جواز التأكيد في القرآن وزيادة البيان، وهو رد على من قال: ليس ذلك في القرآن.

стр. 1131

قوله: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا) (الهاء) - والله أعلم - راجعة على النبت، أو علي الأثر الذي قال: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى) أي يحييها بإخراج النبات من الزرع والحشيش وغيره. إيمان. * * * وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ) حجة على المعتزلة فيما يزعمون أن الإيمان مكتسب غير موهوب.

стр. 1132

قوله: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) حجة عليهم واضحة.

стр. 1133

سورة لقمان * * * وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) هو - واللَه أعلم - مثل قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) يؤثره ويشتغل به، لا أنه يخرج فيه مالا. ويحتمل أن يكون رفع الأموال إلى المغنين، وإخراجه في شِرى القينات المغنيات.

стр. 1134

وفيه دليل على تحريم الغناء وما أخذ أخذه مما يضل عن سبيل الله. وكذا قال ابن عباس ومجاهد ﵄: أنها نزلت في الغناء وأشباهه (١) . فهي تخبر عن تحريم جميع ذلك. * * * قوله: (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) (الهاء) - والله أعلم - راجعة على السبيل، لأنها مؤنثة. وقد يحتمل أن تكون الآية - وإن كان الغناء محرما من موضع آخر - نازلة في حديث الكفر وما دعا إليه، لأن ما بلي من المسلمين باستماع الغناء لا يضع نفسه موضع المتخذين سبيل الله هزوَا، والدليل على ذلك * * * قوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) فهذا فعل الكافر. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في الكفار ومن يؤثر استماع الغناء واللهو على استماع القرآن فيدخل فيها تفسير ابن عباس ومجاهد، ويكون السبيل القرآن. والله أعلم

стр. 1135

كيف هو. * * * قوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا) نظير ما مضى في سورة العنكبوت من قوله، (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) . وجواز الحائل بين تمام الخبر بغيره ثم الرجوع إليه. ذكر احتقار الناس. وقوله إخبارَا عن لقمان في وصيته ابنه: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)

стр. 1136

زجر عن احتقار الناس، ومشية الخيلاء، وحث على التواضع وأخذ السكينة والوقار. الإجهار فى المنطق. * * * قوله: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) دليل على أن الإجهار الشديد في المنطق مذموم. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إن الله يحب الحافض الصوت الرقيقه، ويبغض المجهار ".

стр. 1137

قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) .

стр. 1138

حجة على المقلدين في تركهم اتباع كتاب ربهم سلفهم، لأن الله - جل جلاله - لم ينكر منهم اتباع الآباء خاصة من جهة النسب، إنما أنكر ترك كتابه. وليس في إيمان هؤلاء، وكفر أولئك ما يزيل عنهم اسم الترك، إذ الترك من كل تارك ترك، وليس حسن ظن المقلِّد بالمقلَّد أكثر من تلاوة القرآن في الشيء. والغلط في المقلَّد ممكن، وفي القرآن غير ممكن. وجائز أن يكون ما يظنه به من سبب عرفه من القرآن الذي شهد خلافه من نسخ أو تأويل إغفال لا ما ظنه. وقد وضع الله عنه مثل هذا ولم يعذره بترك كتابه بل أمره باتباعه مطلقا بلا شرط، ونهاه عن اتباع ما سواه فقال: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) .

стр. 1139

المعتزلة: * * * وقوله: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) حجة على المعتزلة شديدة إذ لابد لهم من أن يقولوا ما لم تدره النفس من كسبها غدا يدريه الله، بل قدم ذكره بأن علمه عنده فقال: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) كذا وكذا وكذا. فإن قالوا: يقدر على أن لا يكسب ما علمه الله من كسبه، فقد كفروا لأن الله أعلم ما يكون من أمره في كسبه فلا يقدر الحيدة عنه، كما علمه منه موته بأرض فلا يقدر أن يموت بغيرها. وإن قالوا: لا يقدر أن يحيد عما علمه منه، وما علمه من شيء فهو الذي علمه لا غير. أقروا بكل ما أنكروه، ولزمتهم الحجة فيما جحدوه. ولا بُد من القول بأحدهما، والعلم لا يمكن فيه الاختيار كما يزعمونه في الإرادة، وَلا في الإرادة يمكن لو أنصفوا. فإن قالوا: إنما العلم أنه سيختار غدا كسبا، لا أنه يعمل كسبا بغير اختيار. قيل: أفيعلم على أيهما يقع اختياره، أو لايعلم. فلا بُد من أن يقولوا: يعلم، وإلا كفروا.

стр. 1140

قيل لهم: أفيقدر بعد ما يقع اختياره على أحدهما أن لا يعمل ويعمل الآخر. فإن قالوا: بلى. قيل: فالاختيار بعد حادث في العزم على الكسب، لا في الكسب نفسه والله يقول: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) ، ولم يقل: ماذا تعزم على كسب غد. مع أن الخلاف بيننا وبينهم في الكسب لا في العزم. فيقال لهم: فبد لهذا العزم من أن يكون له آخر يودي إلى كسب. فإن قالوا: لابد من ذلك. قيل: أفليس هذا الذي لابد منه يعلمه الله منه قبل غدِ كيف يكون. فلا بد من الإقرار به. فيقال: أفليس إن لم يعمله وعمل غيره قد عمل خلاف ما علمه ربه. فإن قالوا: بل لابد لمن أن يعمل ما علمه ربه ولا يقدر على خلافه. وكل ما عمله فهو الذي علمه. قيل: فعمل معصية وقد أقررت بأن كل ما عمله فهو الذي منه علمه. ولم يجد بداً من عمله. ومع ذلك فقد أمره بان لا يعملها. فليس دون هذا

стр. 1141

التباس عند عالم ولا جاهل، ولم يبق فيه إلا الإذعان بالجهل عن بلوغ معرفته هذا العدل عليه المتصور في العقل بضده، وهو الذي قلناه إنه سر ربنا - جلا وعلا - لم يُطلِع عليه ملكَا مقربَا ولا نبيَّا مرسلَا. وهو الذي عوتب فيه موسى وعيسى - صلى الله عليهما - ويجيء بالإلحاح في الاطلاع عليه عزيز ولو جاز لأحد أن يكابر بعد هذا الوضوح فيه جاز أيضاً المكابرة في موت النفس بالأرض التي تموت فيه. فيقال: ليست هي الأرض التي علمها الله وقدر موته كما يزعمون أن الكسب ليس هو الذي علم، لأنه منها. وهذا هو الكفر الصراح. والمكابرة الظاهرة.

стр. 1142

سورة السجدة ذكر الرد على الباهلى. * * * وقوله تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ) دليل واضح لمن عدل عن المكابرة. أن الله ﷻ " - بنفسه في السماء، وليس كما يقول الباهلي وأصحابه، والحلولية وأشياعهم. إذ كان ﷻ يدبر أمر الأرض من السماء، ثم يعرج من الأرض إليه، وهو نص لا تأويل كما ترى.

стр. 1143

المعتزلة. * * * قوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) حجة على المعتزلة والقدرية خانقة لهم، مستغنية بجملتها عن تفصيلها عليهم. ذكر السجود. * * * وقوله تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) دليل على أشياء: منها: أن السجود من الإيمان، وهو رد على المرجئة، إذ في قوله : إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا) دليل على أنهم لو لم يخروا سجدا لم يكونوا مؤمنين، وهذا إذا امتنعوا من سجدةٍ

стр. 1144

فرضِ أو تطوع استكبارَا. فإذا رأوها حقا وهي تطوع فتركوها كسلاَ، أو علما بأنها غير مفترضة لم يأخذوا ثواب الساجدين، ولم يكونوا حرجين. وعلى كل حال جاءوا بها فهي من الإيمان، فإن كانت فرضا كانت جزءا من أجزاء فرضه، وإن كانت تطوعا فهي من أجزاء نوافله. ألا ترى أن من أصحاب رسول الله ﷺ من كان يقول: " تعالوا نؤمن ساعة " يقولها في المسجد.

стр. 1145

فرأى قعوده فيه إيمانا، وليس القعود فيه مفروضا، فهو من الإيمان الذي يكون تطوعا. ومنها: أن من وُعِظ بالله كان من تمام اتعاظه إتراب جبينه بالسجود لله تواضعا له، وتذللا لجلاله، وهو مندوب إليه بهذه الآية - والله أعلم - خلافا على الجبابرة والكفار، ومن تأخذه العزة بالإثم، قال الله - تبارك وتعالى -: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) ، وقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا) ، فالخلاف على هؤلاء من أقرب القربة إلى الله - جل وعلا - وروي أن رجلا قال لمالك بن مِغول: " اتقِ الله،

стр. 1146

فألزق خده بالأرض ". ومنه: أن السجود يجُمع فيه بين التسبيح والتحميد، وفيه تقوية لحديث حذيفة أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: " سبحان ربي الأعلى وبحمده "، بل قد روي عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده وركوعه: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي " يتأول القرآن ".

стр. 1147

كأنها تعني هذه الآية. والله أعلم. ومنها: أن التكبر هو في الامتناع من السجود، وأن من سجد لله وتواضع وتذلل بترب وجهه لله برئ منه. أسماء الفسق. * * * وقوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) دليل على أن اسم الفسق واقع على الكفر والمعصية معا، لأنه توثب على الكفر أو على الذنب، فهو متوثب على النهي. فمن توثب على الكفر أو على الذنب فهو متوثب، إذ كان الله - جل وتعالى - قد سوى بين النهي عنهما، وإن جعل أحدهما أغلظ من

стр. 1148

صاحبه، وهو في هذا الموضع كفر، لقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) . فعلم أنه لا يكذب بعذاب النار إلا كافر. وفيه رد على المعتزلة فيما لا يفرقون بين المكذب والمصدق به في الخلود فيه، وهذا من قولهم تحكم مع ما يلزمهم فيه من ثلم العدل الذي يتحذلقون في معرفته. * * * قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) دليل على أن الأئمة يتبعون على الهداية بأمر الله لا بآرائهم، وأن فضل إمامتهم لا تثبت حجة على غيرهم، إذ لم يهدوهم بأمر الله. وأمره كتابه. والله أعلم. وهذا وإن كان في أئمة بني إسرائيل فليس بين أئمتنا وأئمتهم فرق. لأن الله ﷻ لم يجعل لأحد من خلقه أن يقول من تلقاء نفسه شيئا، وإذا لم يجعل له أن يقول فلم يجعل لأحد أن يقتدي به إلا فيما هداه بأمره، فمن كان مميزًا فالتقليد محرم عليه، ومن أعوزه تبصر الحجة فهو

стр. 1149

كالأعمى يتبع البصير أنجاه أم أهلكه، وليس عليه غيره. ألا ترى أن الله ﷻ لم يلزم الخلق الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والائتمار له والتأسي به إلا بعد ما شهد له بأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يبدل من تلقاء نفسه، ويحكم بين الناس بما أراه الله ثم حينئذ قال: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) ، لأنه يهديهم بوحي الله ورسالته، وما وفقه له من عصمته، وليس هذا لأحد بعده وإن كان فاضلاً جليلاً.

стр. 1150

سورة الأحزاب * * * وقوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) فيه أدلة: فمنها: أن الإنسان يُدعى لأبيه بظاهر فِراش أُمهِ، ويثبت به النسب والميراث، وتجري به الأحكام، وأن الله ﷻ قد تجاوز عما يمكن في الباطن من إحداث الأم. ومنها: أن ظاهر الدعوة علم لا جهل لقوله: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ) وهم لا يقدرون أن يعلموه إلا بظاهر الفِراش دون حقيقة

стр. 1151

العلم. ومنها: أن الإضمار في الكلام جائز وإن استطيع إظهاره، إذ في قوله فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) لا محالة إضمار، كأنه - والله أعلم - فهم إخوانكم. ومنها: أن المولى اسم واقع على أشياء، ويُسمَّى به الأعلى والأسفل. والحر والعبد، والرب والخلق. ذكر الخطأ. * * * وقوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) دليل على أن الخطأ مرفوع عن الناس في هذا، وفي الأيمان وغيرها دون مادل عليه القرآن من أنه غير مرفوع مثل قَتْل الخطأ وجَرحِه، وما

стр. 1152

يحدث من أفعال المخطين على أموال المسلمين. وقد يكون في الخطأ من الدعوة زوال مال بالميراث، ولكنه مرفوع بنص الآية كما ترى، وكل هذا دليل على إبطال القياس، إذا الخطأ كله لا يجري مجرى واحدا. ولا يكون جميعه هدرا. فكان مجاهدٌ يذهب إلى أن الجناح مرفوع فيما دعوهم إلى غير آبائهم بالتبني قبل النهي. وقد يجوز أن يكون كما قال ﵀، ويكون مثل رفع المآثم في نكاح نساء الآباء في الجاهلية، ولكن ليس فيه دليل على أن من دعا بعد النهي مدعواً إلى غير أبيه وهو يرى أنه أبوه حَرَج لعدم طاقته عن إصابة حقيقة أبوته، والحرج لاحِقٌ بمن يدعوه إلى غير أبيه بعد ما عرف أباه.

стр. 1153

وقوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) دليل على أن ذوي الأرحام أولى بالميراث من المؤمنين والمهاجرين على ما فرض في آي المواريث، وهم أولوا الأرحام المسمون في سورة النساء لا مَن لم يُسم منهم، لأنا لا نعلم أحدا روى في شيء من الأخبار أن المؤمنين والمهاجرين كانوا يرثون ميراث مَن لم يترك من أهل الفرائض المسمين أحدًا، فكانوا يرثون دون من لم يُسم من ذوي الأرحام، ولو كان ميراثهم على ذلك لكان توريث من يورث من ذوي أرحام لم تسم أشبه، ثم كان يحتاج حينئذ إلى نص يفصل ميراثهم كما فصل ميراث المسمين، فأما والتوارث كان بالإسلام والهجرة دون توريث أولي الأرحام المسمين وغير المسمين. فالاعتبار على ميراث من لم يسم منهم بهذه الآية لا وَجْهَ له. وقد ذكرنا تمام الاحتجاج في كتاب الفرائض في شرح النصوص

стр. 1154

تفسبر سورة الأحزاب * * * قوله: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا) فأبدل سياق الآية على أن الاستثناء في فعل المعروف واقع على من كان وَليا للميت من المؤمنين والمهاجرين، ويكون المعروف وصية يوصى له حيث نسخ الميراث عنه إلى ذي الرحم. ولكن الحسن وقتادة جميعا قالا: " إن الاستثناء واقع على أقرباء الميت من المشركين يوصى لهم لا حرموا الميراث "، ولا أحفظ عن غيرهما قولاً ولم يجرِ في الآية ذكر

стр. 1155

المشرك. فالله أعلم كيف هو. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) رد على من يقول: إن الاسم إذا وقع على شيء لم يجز أن يقع على غيره إلا أن يشبهه بجميع صفاته. وهذه الملائكة والمشركون من الأحزاب قد شملهما معا اسم الجنود على اختلاف صفاتهما، فكيف لا تتفق الأسماء وتختلف الصفات، أم ما في اتفاق الشخصية ما يوجب اتفاق صفة الأشخاص لولا جهل الجاهلين. وتعسف المبتدعين. المعتزلة. * * * وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً)

стр. 1156

حجة على المعتزلة والقدرية شديدة مسكتة، لذكر إرادة السوء بلفظه. فإن قالوا: لايريد سوءا، إنما مثل فقال: إن أراد، وهو لا يريد. قيل له: فما تنكرون على من يقول لكم: والرحمة أيضاً لم يردها ولكنه مثل، وهذا وذاك جهل. يريد الله بخلقه السوء لا معقب لحكمه، ويريد بهم الرحمة، وهو متفضل بالسوء بعدله، والرحمة بفضله. * * * قوله: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا) وحد (هَلُمً) - والله أعلم - على لغة من يوحده في التثنية والجمع. كما يوحده في الواحد. قوله: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ) إلى قوله: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)

стр. 1157

حجة على المرجئة في زيادة الإيمان. * * * قوله: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُ لُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) حجة على المعتزلة في باب الأعمال التي يضيفها تارة إلى نفسه، وتارة إلى عباده، ولا يكون أحدهما مؤثرا في صاحبه من حيث يذهبون إليه، ألا تراه يقول: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ) ، وقال: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ) ، ثم قال: (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ) ، وقد قال في سورة الأنفال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)

стр. 1158

وقد مضى هذا المعنى في كثير من فصول هذا الكتاب، وفي بعضه كفاية لنقض قولهم. وإنما تكريرنا إياه على نسق الآيات كما شرطناه ليتبصروه إن وفقوا لفهم، ويعلموا أن الفعل وإن كان مضافا إلى فاعله من الخلق فغير مانعه أن يكون محمولا عليه. وعامله بتيسير خالقه له ﷻ . ذكر الرافضة. * * * وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) إلى قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) . حجة على الرافضة فيما ينتقصون أم المؤمنين عائشة ﵂ - من جهتين.

стр. 1159

إحداهما: أن النبي ﷺ بدأ بها مع حداثة سِنها. ْوأمر أن تستشير أبويها فاختارت الله ورسوله قبل استشارتهما. فاستن بها سائر أزواجه، فسعدت بفضل المبادرة بمثل هذه المنقبة الجليلة، والله يقول: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ، وقال: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) . وقال النبي ﷺ : " مَن سَن في الإسلام سنة حسنة " فدل الكتاب والسنة على

стр. 1160

أن للمباردين إلى الفضائل والقربات فضل على المتبعين. والثانية: أن الله - جل وتعالى - لم يكذبها فيما اختارت، وعرف صدقها، فأوجب لها ما وعدها من الأجر العظيم فكيف تنتقص امرأة قد صدقها الله - جل وتعالى - في إرادتها الله ورسوله والدار الآخرة. أم أي شيء يضرها مسيرها يوم الجمل، والله - جل وتعالى - قد
следующие страницы →