Полный текст (1 832 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عن سفيان عن عمار الدهني، عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " الكرسي موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره أحد " وكيف يكون العلم موضع قدميه،
وهل يقرون هم بالقدمين، حتى لا تكون الرواية عن ابن عباس
стр. 107
متعارضة.
وهل حكم ما تعارض من الروايات لو استوت الدعاء مناف إلا لأخذ بأظهرها، وكيف ورواية مطرف عن جعفر لا تكافئ رواية مسلم البطين مع أن الثوري رواه عن مطرف فلم يجاوز به سعيدا كما تجاوزه ابن إدريس وكلاهما وهم، والله أعلم، لأن الروسي في القرآن مثقل وهذه الرواية لم ترد على التخفيف والهمز كما ذهب إليه القوم، ولا نعرف في لغة شاذة ولا معروفة عن عربي أنه سمى العلم بالكرسي المثقل إلا ما جاء في هذه الرواية ويزول به فيها تعارض
стр. 108
عن رجل واحد بعينه.
فلا نترك اللغة السائرة الشهيرة عند الخاصة والعامة من لباب العرب والدخلاء فيهم في الكرسي المثقل، والمخفف المهموز لا أصل له في شيء من اللغات - واللغة لسان مسلم له لا يدرك بالنظر والمقاييس ولا يمكن فيه التبديل.
باب:
* * *
وقوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)
إلى قوله: (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ)
دليل على أن: الميت بعد المساءلة وما يصيبه معها لا يشعر بطول مكثه في البرزخ حتى يبعثه الله يوم القيامة إذ
стр. 109
لو كان يشعر بمكث مائة عام كان لا يقول ما قال.
فإن قيل: فإنما لم يشعر بطول مكثه، لأنها لم تكن موتته المتصلة بحشره الناقلة به إلى آخرته، ولو كانت تلك الموتة - لشعر.
قيل له: فقد قال ﵎: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)
فأخبر عمن قد أماته تلك الموتة بما ترى، فلو كانوا يشعرون لعلموا أنهم أقاموا طويلا ليس قليلا ومثل هذا كثير في القرآن.
فإن قيل: قد روي في الأخبار أشياء تدل على أن الموتى يعلمون ويشعرون
стр. 110
قيل: عامتها أخبار واهية الأسانيد والقرآن مكذب لها فيما ذكرنا، ومحقق ذلك بقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) .
وما كان منها صحيحة فلها معان واضحة مثل وقوف رسول الله صلى
الله عليه وسلم على قليب بدر، ونداء من فيه من قتلى قريش وقوله: " ما أنتم لأسمع منهم، غير أنهم لا يطيقون الجواب.
فهذه الآية لرسول الله ﷺ في وقتها خاصة فيهم ليقر
الله عين رسوله عاجلا بإسماعهم قوله، وتحقيق ما كانوا يكذبون فيه حتى
стр. 111
يقبروا فإذا قبروا لم يسمعهم.
ومثل ما روي في الشهداء، فإنهم وإن قتلوا فهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله.
* * *
قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)
أخنق آية للمعتزلة، لأنهم إن ذهبوا به إلى البيان كفروا فيحصل عليهم أنها إلى الله وحده.
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)
دليل على أن الزكاة في أموال التجارة وفيما
стр. 112
أخرجت الأرض من الثمار والحبوب إذ النفقة في هذا الموضع وفي عامة القرآن لا تكون إلا الزكاة والدليل عليه قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)
إذ لو كانت النفقة على النفس لجاز أن ينفق عليها الرذال
стр. 113
والرفيع، فبان بغير إشكال أنه النفقة على الغير وهو إخراج حقه إليه، والحق عام يدخل فيه المساكين والعيال وصدقة التطوع.
والفرض لا يخرج فيها إلا خيار الأموال لقوله في هذا الموضع وفي قوله (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)
ويقول رسول الله ﷺ في الضب " لا تتصدقوا بما لا تأكلون "
في العسر واليسار:
قوله (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)
دليل على أن من عليه حق محكوما عليه بدفعه، حكمه حكم الموسر حتى تثبت
стр. 114
عليه العسرة، إذ لو كان حكمه حاكم الإعسار ما اشترطه الله ولا جعله منظرا بما عليه إلى ميسرته، ومن جعل أصل الناس الإعسار حتى يظهر يسارهم، فقد خالف عندي معنى هذه الآية.
فإن قال: فأصل الإنسان أنه طفل معدم، واليسار حادثة فيه، فلم
لا يحاكم بأصله حتى يعلم حدوث اليسار فيه.
قيل، قد يرث الطفل بالميراث ألوفا ويوصى له بها فيقبلها وصاية له، والشيخ الكبير معدم لا شيء له، فليس لاعتبار حيال العسرة بولادة الإنسان على العدم وجه.
فما كان بالغا صحيح العقل غير محجور عليه، فحكمه فيما لزمه للناس حكم الواجد حتى يثبت عدمه عند الحاكم بالبينة العادلة، تثسهد على ظاهر عدمه، وعليه اليمين فيما غاب عن عيون المشهود من ناض الأموال، ثم يكون منظرا إلى ميسرته.
ورأي مطالبة الحكام البينة بإثبات الشهادة علي يسار
стр. 115
من شهدوا عليه يوم أشهدهم من الحشو الذي لا يحتاج إليه.
وإبطاله شهادتهم إذا عريت من هذا الإثبات وترك القضاء على الشعوب عليه بشهادتهم حتى يشهد من يثبت الشهادة كذلك من الجهل الذي لا يعذر أحد به، واتلاف حقوق المسلمين بلا طائل من حجة ولا التباس من شبهة.
وأرى أكثر حكام زماننا يستعملونه ويبطلون حقوق الناس به، والله المسعان.
الصداق:
ومن طريف ما أحدثوه وقبيح ما استحسنوه، ترك حبس الأزواج المعترفين بصدقات نسائهم المدخول بهن إذا لم يطالبن بها قبل الدخول، واعتلالهم بأن الصداق ثمن بضع، فإذا سلمته قبل أخذ الثمن لم يكن لها أن تطالب بحبسه في الحكم، وعليه أن يعطيها فيما بينه وبين الله.
فيقال لزعيمهم: لم لا تحبس بحق هو معترف بوجوبه ممتنع من أدائه، إلا أنه غير واجب عليه، وهو بالمطالبة مظلوم، أو واجب عليه ظالم بتأخيره،
فإن قال: مظلوم. قيل: لم هو مظلوم، ألأنه لم يجب عليه قط، أم كان منسيا به لم يحن أجله ولن يستطيع أن يقوله.
стр. 116
وإن قال: كان واجبا عليه بالعقد فأبطله الدخول، قيل: فلم يجب عليه أداؤه إليها فيما بينه وبين ربه وقد أبطله الدخول،
وإن قال: هو ظالم لها في الباطن غير ظالم في الظاهر، كابر في الدعوى، وجار في الفتوى.
وإن قال: هو ظالم في الحالين.
قيل: فلم لا تحول بينه وبين الظلم وأنت تقدر عليه،
ويقال له: ألها أن تطالبه به قبل الدخول، فإن قال، بلى.
قيل: فطالبته وامتنع أتحبسه،
فإن قال: بلى، قيل: كيف تحبسه ولم يتلف شيئا، والذي جعل الصداق ثمنه حاصل في يد غيره ومحول دونه.
فإن قال: آخذه من يدي من هو في يديه، بأن أسلم المرأة منه.
قيل: ولم تفعل ذلك، ولأن يزول الظلم عنه بوصوله إلي البضع المشترى بالصداق، وليحق حبسه إذا أخذ شيئا ولم يسلم ثمنه،
فإن قال: نعم. قيل: أفتحبسه بإرادة التحول ولا تحبسه بالتحول نفسه، ما أراك إلا تكابر عقلك ويقال: له أسلمت المرأة البضع
стр. 117
فإن قال: بغير ثمن. كابر عقله. وإن قال: بثمن. قيل: بثمن يجب أو لا يجب، فإن قال: بثمن لا يجب. كفى خصمه محنته. وإن قال: بثمن يجب. قيل: فقد ماطل بدفعه، فكيف الوصول إلى أخذه وأنت لا تحبسه ولا تبيع عليه عقارا، أرأيت إن ماتت في المطالبة قبل أن تأخذه، أيكون الوارث بمثابتها لا يحبس خصمه، فيصير حقا تاليا لا يصل إلى الورود، ولا إلى الوارث إلى القيامة. أم يحبس للوارث بما لم يحبس للموروث، فيكون زيادة في القبح والإحالة.
وقد رأينا الله - جل وعلا - جعل الدخول سببا لوجوب جميع الصداق، فلا يبطل نصفه بالطلاق.
فأرى هذا الزاعم يوهن ما وكده الله، وليت شعرى ما الفائدة إذا
في قوله: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) ، وفي قوله: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)
وهذا لا محالة بعد الدخول لكنايته بالإفضاء عنه، ومتى وقته الذي يجب دفعه فيه إذا كان قبل الدخول لا يحبس به مسلم
стр. 118
يعقل من أجل أن لكل واحد منهما أن يقول: لا أدفع حتى أقبض، وبعد الدخول لا يحبس من أجل تسليم المرأة بضعها قبل الأخذ. فأرى الصداق من بين الحقوق قد عاد متلاشيا تالفا وأهملت تلاوة هذه الآيات وغيرها فيه، والله يعظم سماعه فكيف احتباؤه، ولا أعلم حكمين أحدثا في الإسلام أوحش منهما، أحدهما هذا والآخر الذي قابله من طرح بينه لم يشهد - يعني من أشهدهم عليه.
وجوب كتابة الدين:
قال محمد بن علي: أرى الناس تركوا استعمال آيات من القرآن محكمات وأغفلوا الإصابة في تخريج إهمالها: فمنها ترك كتابة ما داينوا، والكتاب موجودون ولم يستثن منها إلي التجارة المدارة بينهم، وقالت ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)
стр. 119
إلى قوله: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ)
ثم إلى قوله (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) .
ومنها: أنهم إذا كتبوها أيضا لم يتول إملاءه من عليه الحق استطاعه أو
لم يستطعه.
ومنها: أن وليه - إذا عجز عنه بأحد وجوه العجز - لا يتولاه عنه.
أحسنه أو لم يحسنه.
ومنها: ترك إشهادهم في مبايعاتهم، وكل هذا قد نص عليه أمر من
الله جل وتعالى فيه، قال الله تعالى (فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) ، وقال: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)
وفي البيوع قال:
стр. 120
(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) فهذا ما أهملوا استعماله من هذه السورة سوى ما في غيرها مما سنأتي عليه في موضعه إن شاء الله، ورأيت بعض من تطرق إلى التسهيل فيها - بل رمقها بعين المنسوخ بما لا التباس فيه أنه وضعه غير موضعه - زعم أن قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)
دله على ترك الكتابة وقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)
دله على ترك الإشهاد.
стр. 121
فلولا أن الغفلة شاملة للخلق والنقص لاحق بهم لكان هذا الإفراط فيها يكشف عن عورة قائله، وينبئ عن عتهه. إذا كان الله بجوده اشترط عدم الكتاب في السفر فما بال الكتابة تسقط في الحضر مع وجود الكتاب، أم كيف تسقط في سفر فيه كاتب في الرفقة وإذا أباح ترك الارتهان الذي جعله عن ما من الكتاب عند عدم الكاتب فكيف يسقط الإشهاد في التباين، لأنه أباح ترك الارتهان إذا أمن بعضنا بعضا، ولكن صاحب هذا القول رجل جليل لا يصرف هذا منه إلا إلى السلامة والسهو والغفلة
стр. 122
سورة آل عمران
حجة على القدرية والمعتزلة:
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)
حجة على القدرية والمعتزلة واضحة لو تدبروه، ولاكتفوا به من سائر
ما عليهم في غيره من كتابه، وذلك أنه وصف الزائغة قلوبهم باتباع متشابهه ابتغاء تأويله، ثم آيسهم من بلوغه بما أخبر من انفراده بعلمه دون جميع الخلق، ووصف بالفتنة من ابتغى علمه فصار الطمع في بلوغ علم التشابه به بعد انفراد الجليل به، والخوض في تصرفه تقدما إلى الباطل على بصيرة، وجهلا لا يعذر أحد به.
ووصف الراسخين في العلم بصفة ومدحهم بقول ظن القدرية والمعتزلة أنهم أسعد بهما من خصومهم، وأن خصومهم هم المتبعون متشابهه، ولو تأملوا بعض ما مدح به الراسخون لانعكست ظنونهم وفضلوا بالتزام ما نحلوا خصومهم من حيث لا التباس فيه وهو قوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) فمدحهم
стр. 123
بالدعاء المحال لديه، ونسبتهم زيغ القلوب إليه، وهذا عندهم كالافتراء عليه، ولا يعتبرون أن الله ﷻ ما مدحهم إلا بالحق ولا دعوه إلا بالصدق، فإنه مزيغ القلوب وهاديها فسألوه التثبيت على الإيمان بما أخبر عنهم في صدر المدح حيث يقول: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) خشية أن يلحق قلوبهم زيغ يسلك بهم سبيل الزائغين من المتبعة متشابه القرآن الموصوفين بالفتنة في ابتغائه. فأي حجة تلتمس أوضح من هذه لو أضربوا عن اللجاج، ولم يصروا على البهت والعناد، وهل دون ما شرحناه في هذا الفصل إشكال، أو تناقض أو محال، أوليس ما مدح به الراسخون - في هذه الآية - الراهبون من الزيغ بعد الهداية يوافق ما كان رسول الله ﷺ ، يدعو به، فيقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك " فقالت له امرأة من نسائه: أو تخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به، فقال: " إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمها أقامها وإن شاء أن يزيغها أزاغها.
стр. 124
وهذا حديث يؤمنون به ولا يردونه إلا أنهم يتأولون في الأصابع أنها النعم حذرا من نقض قولهم في إنكار الصفات ويحتجون بأن العرب تسمي المنظر الحسن من العشب الخضر الريان الزهر بالأصبع، فيزعمون أن كل نعمة يقع عليها اسم أصبع، وأن معنى قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن: بين نعمتين من نعمه، وليس قصاراهم إلا وضع الشيء في غير موضعه، أولا يفكرون أن العرب وإن سمت النعمة بالأصبع فهذا الموضع منه بعيد؛ إذ القلوب لو كانت محروسة بين نعمتين ما خشي الزيغ عليها، فكيف يدعو رسول الله، ﷺ بثباتها، وهي مثبتة بغاية التثبيت محروسة بنعمتين عندهم ولئن كان زيغها ممكنا عندهم مع النعمتين، فكان
стр. 125
رسول الله يدعو بتثبيتها إذ لا يجوز عندنا وعندهم عليه أن يدعو بالمحال - إنه لأبلغ - في تثبيت ما أنكروه وتصديق ما جحدوه، ونحن نسامحهم في تثبيت الصفات عليهم من هذا الحديث، إذ لنا في غيره من الأخبار وفيما هو مسطر في القرآن سعة ومندوحة بحمد الله ونعمته.
رد على الجهمي:
* * *
وقوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)
حجة على الجهمية، إذ قد بين الله نصاً أنه يحب من تبع رسوله ﷺ بأن جعله جزاء لما أحبوه، ومقابلة لهم على ما
стр. 126
أضمروه، ثم قال: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)
فأخبر عن نفسه ﷻ أنه يحب قوماً ولا يحب آخرين.
خصوص في ذكر العموم:
* * *
قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)
دليل على الخصوص في ذكر العموم لإحاطة العلم بأنه لم يصطفهم على محمد ﷺ كذلك قوله في البقرة: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)
إذ لم يفضلهم على من كان قبلهم من الأنبياء، من غير ولد إسرائيل، ولا فضلهم على، محمد، ﷺ ، وعلى جميع الأنبياء، فكأنه أراد عالم زمانهم. ومثله قول موسى ﵇ -
стр. 127
(وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)
يعني - والله أعلم - أول مؤمني قومه، إذ تقدمه بالإيمان آدم ومن بينهما من الأنبياء والرسل، ومن آمن بهم من الدهم الكثير. وكان بعضهم يقول في: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)
أي أول من آمن أنك لا ترى في الدنيا، وهذا ليس بشيء، لأن كل من قبله من الأنبياء كان يؤمن أن الله لا يرى في الدنيا والقول هو الأول، والله أعلم.
حجة للمتنسكين:
قوله إخبارا عن امرأة عمران: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) حجة للمتنسكين، فيما يقولون: فلان في رق الدنيا،
стр. 128
وفلان عبد شهوته، وترك الشهوات فصار حرا، ولا يكون شيء من ذلك كذبا، فيقال: كيف يصير حراً من لم يزل حراً، وكيف يكون للدنيا رقٌ على الأحرار، ألا ترى أن جنينها كان حرا فنذرت أن تحرره أي لا تشغله عن العبادة بشيء فأخبر الله عنها بما قالت وتقبل منها نذرها.
حجة في تسمية المخلوقين بالسيد:
وفي قوله: (وَسَيِّدًا وَحَصُورً)
دليل على أن تسمية المخلوقة بالسيد من أجل أن الله جل وعلا، يسمى به ليس بمنكر لأن يحيى، ﷺ ، وإن كان نبيا فهو مخلوق مع أن السيد من أسامي الله، ، غير نازل في القرآن. وقد يسمى بما نزل في القرآن المخلوق فلا يكون منكرا،، فالمؤمن والعالم والبصير والحكيم من أساميه، وهي تسمى بها الناس، فلا يكون منكرا. والسيد وإن لم يكن من أساميه في القرآن، فقد روي عن رسول الله ﷺ ،
стр. 129
وإجماع الناس أنه في أساميه جل وعز، فإن كان نكيره عند من ينكره من أجل أنه مزاحمة حقه في اسمه، فقد دللنا على جوازه بما يغني عن إعادته، وإن كان من أجل أنه يسمى به فاسق، فالله، جل وعلا، سمى به نبيا، والمؤمن والعالم والحكيم يسمى به الصالحون والفاسق.
والفاسق وإن كان فاسقا بذنوبه فقد سمي مؤمنا بإيمانه والبصير ضد الأعمى، وقد يكون فاسدا وصالحا. والحاذق بالصنائع يسمى حكيما، وبصيرا، وعالما، وربما كان في دينه فاسقا.
فما بال السيد من بينها يخص بالنكير، ويباح سائره، ونرى الفاسق المتسلط يسمى جبارا ويسمى متكبرا، وكلاهما من أسامي الله، وهما في الله ﷻ مدح، وفي الفاسق ذم، فلا يكون شيء من ذلك منكرا، إذ الأسامي أمارات يعرف بها الأشخاص لا غير.
ولو كان كل اسم سمي به مسمى لا يجوز أن يسمى به غيره إلا أن يشبهه بجميع صفاته، ما جاز أن يسمى أحد بأسامي الأنبياء، والملائكة من أجل أنهم يخالفونهم في بعض صفاتهم وإن وافقوهم في بعضها، وذلك مخالفة القرآن وهدم اللغة والخروج من العرف والعادة، ولا أحسب إعداد تسمية الناس بالسيد نكيرا إلا من
стр. 130
نسك العجم والجهال بلغة العرب. أليس مالكها المماليك يسمون سادة، وقد تكلم به رسول الله ﷺ والصحابة، وهم عرب نساك أفضل من أظلته الخضراء بعد النبيين وتكلم به التابعون بعدهم والفقهاء، والأئمة ودونوه في المصنفات ورددوه في المناظرات، لا ينكره منكر ولا يعيبه عائب، وقال رسول الله ﷺ لوفد قدم عليه: " من سيدكم والمطاع فيكم،.
وقال: " إن ابني هذا سيد، وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين "
стр. 131
وقال في سعد بن معاذ: " قوموا إلى سيدكم، وأشباه ذلك مما يطول الكتاب بذكره.
وإن كان ينكر أن يسمى به غير رئيس، لأنه واقع على الرؤساء، فإذا سمي به غيرهم كان كذبا عنده - فقد دللنا في سورة البقرة على أن: من أراد المبالغة في مدح الشيء، أو ذمه فتكلم بما يكون ظاهره إفراطا لم يكن كذبا، واحتججنا فيه بقوله : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) .
стр. 132
فليس فيه معنى النكير بوجه من الوجوه إلا في حالة واحدة أكرهها.
بل أنهى عنها، وهو أن يعرف إنسان بعينه بنفاق فلا يسمى به، لحديث بريدة الأسلمي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا تقولوا للمنافق سيد فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم "
وهذا الحديث أيضا: حجة في جوازه، إذ في نهيه أن يسمى المنافق به دليل على أن تسمية غير المنافق به جائز.
قال محمد بن علي: وكذلك المولى إذا سمي به إنسان يجري في الجواز مجرى السيد لا يخالفه، والحجة فيه واحده، لأنه يقال: مولى العبد ومولى الأمة، ومولى النعمة، وأشباه ذلك، قال الله ﵎ إخبارا عن زكريا: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)
стр. 133
وقال النبي ﷺ : " من كنت مولاه فعلي مولاه، والمولى في اللغة. هو الناصر قال الله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)
فالعلم يحيط أنهم خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم كهو للمؤمنين منفرد بنصر المؤمنين دونهم.
حجة لمن يقول بالقرعة:
* * *
قوله: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) .
رد على من يقول القرعة قمار،
стр. 134
وقال الله ﵎ في سورة الصافات إخبارا عن يونس، ﷺ ،: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) .
وكان رسول الله ﷺ إذا سافر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وأقرع في ستة مملوكين لرجل أعتقهم عند موته لا مال له غيرهم، فأعتق بالقرعة اثنين، وأرق أربعة. وعمل بها الصحابة من بعده، والأئمة الصالحون، فكيف يكون قمارا مع هذه الحجج الواضحة، والأعلام النيرة، ولكن من شاء جنَّن نفسه.
وضع الكلمة موضع غيرها:
قوله في عيسى، ﷺ : (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)
стр. 135
دليل على أن من وضع الكلمة موضع غيرها، لا يكون كاذبا إذ لا يشك أحد من المسلمين أن عيسى ليس بخالق، وإنما أراد - والله أعلم - أنى أصور لكم صورة طير، فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله - أي بإطلاق الله - لا محالة لا بعلمه كما تزعم القدرية: أن الإذن بمعنى العلم، إذ لو كان
(فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)
بمعنى علمه، لا بإطلاقه لكان خالق الطير عيسى لا ربه، إذ كان، جل وتعالى، لا يخلق بعلمه إنما يخلق بقدرته، ويدبر بعلمه، وهذا من قولهم: هي النصرانية بعينها، بل زيادة عليها.
في القضاء والقدر:
قوله تعالى، إخبارا عنه ﷺ (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ)
حجة عليهم في إنكارهم إضافتنا الأفعال إلينا وقضاءها وخلقها إلى الله، جل جلاله
стр. 136
إذ لا محالة أن الله هو: مبرئ الأكمه والأبرص، ومحيي الموتى، وقد نسبه إلى عيسى في الإخبار عنه، بما جعله له آية، وكذا نقول: إن الله ﷻ خالق أفعالنا، والقاضي علينا بذنوبنا ونحن فاعلين لها، وهو واضح لمن تميزه واستعان بالله على معرفته ولحوق لطيفة نكتته.
ناسخ ومنسوخ:
* * *
قوله تعالى: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)
دليل: على أن في الكتب المنزلة قبل الفرقان ناسخا ومنسوخا كهو فيه. وأن الله ينسخ على ألسنة أنبيائه ما أنزله من وحيه كما ينسخه بوحيه.
قوله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) دليل: على أن الإيمان والإسلام وإن فرق بينهما اسم فقد يجمعهما اسم، وهو رد على المرجئة.
قوله (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) .
رد على الجهمية ولا أراهم إلا متحكمين مع جهلهم فيما يجعلون المكر وأشباهه منه على المجاز
стр. 137
أفتجيزون لمن يقوله إن قوله: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ)
على المجاز لا على الحقيقة، كما المكر وأشباهه على المجاز لا على الحقيقة - فيوافق الدهري في قوله، وينسب السموات والأرض إلى الأزل. وما الذي جوز لهم دعواهم فيما يشتهون من المجاز، ولم يجوز لغيرهم فيما يشتهيه، هل هذا إلي التحكم بعينه بعد الجهل في نفسه،!
دليل على أن العرب تسمي باسم واحد المعاني الكثيرة:
* * *
وقوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)
دليل على أن العرب تسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة
إذ وفاة عيسى، ﷺ ، ليست بوفاة موت وتسمى وفاة الميت وفاة. ومثل هذا
стр. 138
قوله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)
فسوى في الاسم بين الوفاتين مع اختلاف المعنين وفيه حجة على الجهمية في امتناعهم من تسمية الشيء باسم غيره إذا خالفه في بعض صفاته
* * *
وقوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
مثله قولنا بكون الطهارة واقعة على الأقذار وغيرها على ما بينت في قوله: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) .
* * *
وقوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ،
دليل على أن الجعل لا يكون بمعنى الخلق في كل موضع كما تزعم الجهمية أن قوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) هو بمعنى خلقناه. وقد غلطوا، إنما هو بمعنى صيرناه، وكذا
стр. 139
قوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ)
أي: ومصير الذين اتبعوك فوق الذين كفروا. وكان بعض ملطفي نحلتنا يزعم: أن الجعل إذا تعدى إلى مفعولين، كان بمعنى الصيرورة، وإذا تعدى إلى مفعول واحد كان بمعنى المخلوق، ولا أحسب هذا منه إلا هفوة، لأن قوله ﵎: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورً)
متعدي إلى مفعولين، والشمس مخلوقة، وقد يجوز أن يقال: " جعل " في الشمس والقمر ها هنا بمعنى صير، على تأويل أن الشمس خلقت غير مضيئة، والقمر غير منور، ثم صير لهما ضياء ونورا، وأصل المجعولين من متبعي عيسى فوق الذين كفروا مخلوق، ثم صيروا فوقهم. فهذا توجيه قول اللطف فيما قال في الجعل المتعدي إلي
стр. 140
مفعولين - ولكنه يكسره من جهتين:
إحداهما: أن ضوء الشمس ونور القمر خلقة فيهما ونعوت من نعوت ذاتهما، وليست رفعة متبعي عيسى على الذين كفروا خلقة فيهم ولا نعتا من نعوت ذاتهم، فالصيرورة تحسن فيما ليس من نعوت الذات، ولا تحسن في النعوت الذاتية.
والأخرى: أن هذا الملطف أراد أن يجعل الفرق بين الجعلين بذكر المتعدي إنما المفعولين ذريعة إنما نفي الخلق عن القرآن، إذ الجعل فيه متعدي إلى مفعولين، وقوله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)
متعدي إلى مفعول واحد وأصل القرآن ليس بمخلوق، ثم صير عربيا، كما يحتمل أن تكون الشمس خلقت غير مضيئة، ثم صير لها ضوء، ولكنه كلام الله غير مخلوق، أنزله بلسان العرب، ليفهم عنه كما أنزل التوراة بالعبرانية والإنجيل بالسريانية، ليفهم كل عنه، وبأي لسان أنزل كتبه فهي غير مخلوقة.
والنكتة التي هي أم الاحتجاج في نفي الخلق عن القرآن وسائر الكتب المنزلة هي تثبيت الكلام على الخالق، والدالة على أنه متكلم، فإذا أخذ اعتراف المنكر بهذا استغني به عن سائر الحجج، إذ الكلام يكون نعتا من نعته ولا يقدر الخصم على أن يقول بخلقه، فنفي الخلق عن القرآن بما خرج من معنى الجعل دعامة تضعف عند الاحتجاج، وللجعل
стр. 141
مواضع يدل عليه سياق الكلام، فإذا اقتضى الخلق فهو خلق، وإذا اقتضى صيرورة فهو صيرورة.
ضرب الأمثال والنهى عن المراء:
* * *
قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)
حجة: في ضرب الأمثال، ونهي عن المراء، وكان بعض مثبتي القياس يجعله حجة في تثبيت القياس، وهو عندي غلط فاحش، من أجل أن القياس: هو تشبيه الشيء بالشيء، وعيسى لا يشبه خلقه خلق آدم في شيء من الأشياء من أجل أنه مولود، وآدم مصنوع، وهو حادث من أنثى، وآدم غير حادث من أنثى ولا ذكر، وهو ولد، وآدم والد، ففي أي شيء يشبهه، إلا في أنه لحم ودم وصورة مؤلفة يستويان في الأكل والشرب والنوم وأشباهه، وهذا شيء يشاركه فيه جميع الناس، فأي فائدة تكون حينئذ في ضرب الكل به مع آدم ﵉،
стр. 142
إنما الفائدة فيه: أن الناس لم يكن في عرفهم أن تلد أنثى من غير ذكر، فلما أحدث الله خلق عيسى، وأخرجه من بطن مريم من غير مسيس ذكر لها تعاظم عندهم مالم يكن في عرفهم وعادتهم، حتى هلك فيه من هلك، فأعلمهم الله، أنه خلقه بقدرته من غير ذكر في بطن أمه كما خلق آدم، وكانت قدرته محيطة بخلقهما من غير نطفة. فإن كان القائس يزعم: أن الله لما حرم شيئا واحدا كان قادرا على تحريم شيئين، فلعمري إنه قد أصاب الشبه من المثل المضروب في خلق آدم وعيسى صلى الله عليهما وسلم.
وان كان يزعم أنه يحرم شبه ما حرمه الله، وفرض عليه فعله اعتمادا على أن الله لما خلق آدم جعل نظيره في الخلق عيسى، وكان حتما عليه أن يفعله - افترى على الله وأخطأ الشبه من باب المقايسة في المثل.
стр. 143
رد على الجهمية:
وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
حجة: على الجهمية في الكلام والنظر؛ إذ لو كان الكلام على المجاز ما ضرهم حجبه عنهم ولا كان للمسلمين فيه تمتع، ولا نشك أنه جعل حجب كلامه عنهم عقوبة، فإن جاز أن يكون ذلك على المجاز جاز أن يكون - (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) - على المجاز، وإن كان العذاب حقيقة، فالكلام والنظر مثلهما
قوله (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)
حجة على القدرية والمعتزلة بينة؛ إذ قد أخبر نصًا عن نفسه أنه يحجب الهداية عن ظالم
стр. 144
بكفره بعد ماتبين له طريق الهداية فسلكها بإيمانه، فهو لا يستطيع الرجوع إليه للحائل من منعه دونه.
النهى عن مزاحمة الرب:
* * *
قوله تعالى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)
حجة على من يعجب من قولنا فيما نزعم أن الله مضل من يعذبه على ضلاله وقاض على من يعصيه بعصيانه ويدخلهم النار بعدله، فيردونه من أجل أنه متصور في عقولهم بصورة الجور. فيقال لهم: أفيتصور في عقولكم إمكان مكان يمتد فيه طول الجنة إذ كانت السموات والأرض مستفرغة في عرضها، ويكون للنار مكان مع كبرها وكثرة أهلها،.
فإن قال: هو متصور في العقول من حيث تعرفه الخليقة. قال
стр. 145
محالة، إذ العقول نائية عن ذلك من حيث أطباع بشريتها.
وإن قال: ذلك غير ممكن في العقول ولكنه ممكن في قدرة الخالق من حيث لا ارتياب فيه ولا رد لقوله، ولا مزالا عن ظاهرة بالتأويلات المنكرة.
قيل: وكذلك التصور في عقولكم من عذاب من أضل، وقضيت
عليه المعصية والكفر بصورة الجور في علم الخالق - عدل لا ريب فيه، ومسلم فيه له من أن يزال لفظ عن ظاهره، أو يتأول عليه تأويل تدفعه اللغة والنظر معا، وقد حوى فصل غير هذا صنيعه، جل وعلا، بالبهائم في الفلوات ومرض الصغار وتخويل بعضه بعضا والمخول عاص، والخول مطيع، وأشباه ذلك مما لا يتصور في عقول الخليقة بصورة عدل، وهو عدل لا شك فيه وعلم كل هذا عنا موضوع، والفكر في كيفيته مرفوع.
رد على القدرية والمعتزلة:
قوله (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)
следующие страницы →