Полный текст (1 832 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
مواضع يدل عليه سياق الكلام، فإذا اقتضى الخلق فهو خلق، وإذا اقتضى صيرورة فهو صيرورة.
ضرب الأمثال والنهى عن المراء:
* * *
قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)
حجة: في ضرب الأمثال، ونهي عن المراء، وكان بعض مثبتي القياس يجعله حجة في تثبيت القياس، وهو عندي غلط فاحش، من أجل أن القياس: هو تشبيه الشيء بالشيء، وعيسى لا يشبه خلقه خلق آدم في شيء من الأشياء من أجل أنه مولود، وآدم مصنوع، وهو حادث من أنثى، وآدم غير حادث من أنثى ولا ذكر، وهو ولد، وآدم والد، ففي أي شيء يشبهه، إلا في أنه لحم ودم وصورة مؤلفة يستويان في الأكل والشرب والنوم وأشباهه، وهذا شيء يشاركه فيه جميع الناس، فأي فائدة تكون حينئذ في ضرب الكل به مع آدم ﵉،
стр. 142
إنما الفائدة فيه: أن الناس لم يكن في عرفهم أن تلد أنثى من غير ذكر، فلما أحدث الله خلق عيسى، وأخرجه من بطن مريم من غير مسيس ذكر لها تعاظم عندهم مالم يكن في عرفهم وعادتهم، حتى هلك فيه من هلك، فأعلمهم الله، أنه خلقه بقدرته من غير ذكر في بطن أمه كما خلق آدم، وكانت قدرته محيطة بخلقهما من غير نطفة. فإن كان القائس يزعم: أن الله لما حرم شيئا واحدا كان قادرا على تحريم شيئين، فلعمري إنه قد أصاب الشبه من المثل المضروب في خلق آدم وعيسى صلى الله عليهما وسلم.
وان كان يزعم أنه يحرم شبه ما حرمه الله، وفرض عليه فعله اعتمادا على أن الله لما خلق آدم جعل نظيره في الخلق عيسى، وكان حتما عليه أن يفعله - افترى على الله وأخطأ الشبه من باب المقايسة في المثل.
стр. 143
رد على الجهمية:
وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
حجة: على الجهمية في الكلام والنظر؛ إذ لو كان الكلام على المجاز ما ضرهم حجبه عنهم ولا كان للمسلمين فيه تمتع، ولا نشك أنه جعل حجب كلامه عنهم عقوبة، فإن جاز أن يكون ذلك على المجاز جاز أن يكون - (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) - على المجاز، وإن كان العذاب حقيقة، فالكلام والنظر مثلهما
قوله (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)
حجة على القدرية والمعتزلة بينة؛ إذ قد أخبر نصًا عن نفسه أنه يحجب الهداية عن ظالم
стр. 144
بكفره بعد ماتبين له طريق الهداية فسلكها بإيمانه، فهو لا يستطيع الرجوع إليه للحائل من منعه دونه.
النهى عن مزاحمة الرب:
* * *
قوله تعالى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)
حجة على من يعجب من قولنا فيما نزعم أن الله مضل من يعذبه على ضلاله وقاض على من يعصيه بعصيانه ويدخلهم النار بعدله، فيردونه من أجل أنه متصور في عقولهم بصورة الجور. فيقال لهم: أفيتصور في عقولكم إمكان مكان يمتد فيه طول الجنة إذ كانت السموات والأرض مستفرغة في عرضها، ويكون للنار مكان مع كبرها وكثرة أهلها،.
فإن قال: هو متصور في العقول من حيث تعرفه الخليقة. قال
стр. 145
محالة، إذ العقول نائية عن ذلك من حيث أطباع بشريتها.
وإن قال: ذلك غير ممكن في العقول ولكنه ممكن في قدرة الخالق من حيث لا ارتياب فيه ولا رد لقوله، ولا مزالا عن ظاهرة بالتأويلات المنكرة.
قيل: وكذلك التصور في عقولكم من عذاب من أضل، وقضيت
عليه المعصية والكفر بصورة الجور في علم الخالق - عدل لا ريب فيه، ومسلم فيه له من أن يزال لفظ عن ظاهره، أو يتأول عليه تأويل تدفعه اللغة والنظر معا، وقد حوى فصل غير هذا صنيعه، جل وعلا، بالبهائم في الفلوات ومرض الصغار وتخويل بعضه بعضا والمخول عاص، والخول مطيع، وأشباه ذلك مما لا يتصور في عقول الخليقة بصورة عدل، وهو عدل لا شك فيه وعلم كل هذا عنا موضوع، والفكر في كيفيته مرفوع.
رد على القدرية والمعتزلة:
قوله (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)
стр. 146
حجة على القدرية والمعتزلة، لأنهم يزعمون أن القتل غير مكتوب على أحد، وأن من قتل آخر فقد قتله بغير أجله، فماذا يقال لقوم يعمدون إلى نص القرآن، فيخالفونه،!
وكان القدماء منهم ينسبون الحسن البصري إلى أنه منهم. فحدثني محمد بن عبد الغفار قال الحسن بن علي الحلواني قال: عبد الصمد بن عبد الوارث عن الأسود بن سنان عن عسل بن
стр. 147
سفيان قال: أتيت الحسن فقلت: إني خارج، وإن الناس يسألوني عن قولك في القدر، فما تقول في رجل عدا على رجل فقتله، قال: قتله بأجله وعصى ربه. فامتحنه عسل بما عرفه من مذهب القوم، فلما أجابه بهذا الجواب برئ من التهمة.
وحدثني محمد قال: الحسن بن علي بن محمد، قال: سليمان بن حرب ويحيى بن آدم قالا:
стр. 148
حماد بن زيد عن خالد الحذاء قال، قدمت من الشام فبلغني أن الحسن تكلم في شيء من القدر، فأتيته فقلت: يا أبا سعيد، حدثني عن آدم أللأرض خلق أم للسماء،
قال: للأرض. قلت: فهل كان يستطيع أن يعتصم من الشجرة، قال: لا والله.
стр. 149
قلت: قوله (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) ،
قال: خلق هؤلاء لجنته، وهؤلاء لناره.
وحدثنا محمد قال: عبد الله بن خالد بن يزيد اللؤلؤي
قال: داود بن محبر قال: مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله ﵎: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢))
قال: الشرك.
стр. 150
وقال في قوله: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)
قال: خلقهم للاختلاف، وفي قوله: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)
قال: أعماله كتبت لابد أن يواقعوها، وفي قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ)
قال: خلقنا.
وفي قوله (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا)
قال: كثرنا مترفيها.
وفي قوله: (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)
قال: يقول: إنكم يا بني
стр. 151
إبليس لن تضلوا من عبادي إلا من أوجبت له النار.
وفي قوله: (يحول بين المرء وقلبه)
قال: يحول بين الكافر وبين الإيمان، وبين المؤمن وبين الكفر.
وحدثنا: محمد قال: عبد الله بن خالد، داود ابن محبر قال: أبو الأشهب عن الحسن في قول الله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)
قال: حيل الله بينهم وبين الإيمان.
وحدثنا: محمد قال الحسن بن على الخلال الحلواني، قال:
стр. 152
الحجاج ابن نصير قال: سهل السراج عن الحسن في قول الله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)
قال: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا.
وحدثنا محمد قال: الحسن بن علي، قال: أبو الوليد الطيالسي وسليمان بن حرب، عن مرحوم العطار،
стр. 153
عن أبيه وعمه قالا: سمعنا الحسن يقول: لا تجالسوا معبدا الجهني فإنه ضال مضل.
والأخبار عن الحسن فيما يبرئه من القدر كثيرة، لو ذكرناها في هذا الفصل لطال، وفيما ذكرنا كفاية عما تركنا.
стр. 154
فإن قيل: فقد قال بعد هذه الآية التي احتججت بها: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا)
فنسب الاستزلال إلى الشيطان والكسب إليهم.
وقال في سورة البقرة: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) .
قيل: قد تقدم قولنا في أن الفعل منسوب إلى فاعله، والقضاء إلى
الله جل الله.
وذكرنا في بعض فصول هذه السورة، ما أخبر عن عيسى ابن مريم
أنه يبرئ الأكمه والأبرص منسوبا إليه.
ولا شك أن الله مبريها مع أنه قد قال في سورة الأنفال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)
فأزال بذلك كل ريب، والملك إذا عاقب عبدا على يدي بعض عبيده، فهو معاقبه وإن لم يتول بيده، ألا تراه يقول في سورة التوبة: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)
стр. 155
والشيطان أيضا عبد له يملكه، فإذا استزل عبدا، فبإطلاقه، وبما سبق في قضائه لا باقتدار نفسه ألا تراه يقول: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)
فليس يتبعه إلا من قضي عليه، والمعصوم لا وصول له إليه.
وفي قوله: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)
زوال كل ريب أن أحدا لا يملك مع الله شيئا، وأنه المالك وحده، فمن زعم أنه يملك أمر نفسه في ضر أو نفع أو إيمان أو كفر، فقد افترى على الله، وجعل نفسه شريكا لله، تعالى الله.
في القدرية والمعتزلة: وقولهم: إن المقتول ميت بغير أجله.
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ)
موجب على القدرية والمعتزلة: الكفر فيما يزعمون
стр. 156
أن المقتول ميت بغير أجله، لإخبار الله ذلك عنهم، ثم قال ردا عليهم: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) .
فإن قيل: فقد فرق بين الموت والقتل بقوله: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) .
قيل: خاطبهم على ما يعرفون من ألفاظهم باختلاف الأسباب، والمرجوع فيه إلى مفارقة الحياة، وهذا بأي اسم تقدمه من معاني أسبابه يسمى موتا.
ألا تراه - جل وعلا - حين رد عليهم قولهم: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) ، رد بلفظة واحدة فقال: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ)
ولم يقل يميت ويقتل كما قال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) إذ الموت آت عليهم، والعرب تسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة كقولهم قدم، ووافى، وجاء، وهم به يريدون في كل هذه الألفاظ حلوله بالموضع.
ويقولون: ذهب، وانطلق، وخرج، وشخص، وهم يريدون
стр. 157
مفارقته المكان الذي كان حالا به، وأكثر بلية المبتدعة ضيقهم عن سعة لسان العرب التي نزل القرآن بلسانها، فإذا أرادوا الاقتداء بها في بعض الأمكنة غلطوا عليها، فيأتون بمثل ما قدمنا ذكره من الكرسي والإذن والأصبع، وما سنأتي عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)
حجة عليهم: لأنهم ينكرون أن يكون الله جل وعز يخذل أحدا.
وهذا شيء خالفوا فيه الإجماع مع مخالفة الكتاب، إذ الناس بأجمعهم عالمهم وجاهلهم يقولون عند الشتيمة: مالك خذلك الله، يريدون الدعاء عليه بالخذلان، كما يقولون: قاتلك الله، ولعنك، متواصين على جوازه على الله، وإن كرهوه في التشاتم.
رد على الجهمية:
* * *
قوله: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ)
حجة على
стр. 158
الجهمية في السخط وعلى القدرية: في البوءة، إذ ما باءوا به من سخطه ضد الخير ما كان
* * *
وقوله: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)
لم يغادر لبسة تشبه عليهم قولهم في القتل لو أنصفوا.
* * *
وقوله: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ)
حجة عليهم، لأن إرادة الله - جل وتعالى - في حرمان حظهم من الآخرة حائلة بينهم وبين المسارعة إلى الإيمان - الذي ينمي لهم حظ الآخرة، وكيف يقدرون أن يكتسبوا بالطاعة حظ الآخرة، والله يريد ألا يجعله لهم، وهذا من العدل الذي لا يحيطون بمعرفته فيتصور عندهم بصورة الجور.
رد على القدرية:
* * *
وقوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)
حجة عليهم في الإملاء منه للكفار، ولقد
стр. 159
بلغني أن بعض جهلة القدرية كاشف الأمة بالخلاف فيما أطبقوا عليه من فتح " أنما " الأولى وكسر الثانية، فكسر في قراءته الأولى، وفتح الثانية جرأة على الله، واغترارا بحلمه. يريد بذلك أن يحعل الإملاء من الله لهم لخير يريده بهم لا للازدياد في إثمهم. ولا يبالي بما يلحق الكلام من الخلل والقلب، وسوء النظم، وبما لا يليق بالله في حكمته وجليل علمه. وهذا ما زعمنا: أنهم إذا أرادوا متابعة العرب تبعوها بأقبح الوجوه وأفحش الغلط، وماذا عسى يحسن أن يكون إملاؤه لهم في الخير حتى يزيلوا الكلام عن جهته، ويجعلوا بدل الإثم خيرا،
أيعدوا هذا الخير الذي جعلوه بدل الإثم لهم من أن يكون في طول
стр. 160
عمر أو مال أو ولد، وكل ذلك مما يزيد في إثمهم، ولا ينجيهم من عذاب ربهم، قال الله ﵎: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ)
وقال: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)
وقال: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)
وأشباه ذلك فكيف يملي لهم فيما هو خير لأنفسهم.
وفي قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)
رد على الإمامية، فيما يزعمون: أن الإمام لابد
стр. 161
من علمه الغيب.
لأن الله نفاه عن جميع خلقه نفيا عاما ومنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضى الله عنه، فلم يستثن به ولا بأحد من ولده، وأكد ذلك بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)
أي يجتبيه فينزل عليه الغيب.
إنه لا يعلمه إلا بالوحي لا بغيره، والإمام لا يوحى إليه، وكذلك
في سورة الجن: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)
стр. 162
سورة النساء
في الإماء:
* * *
وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .
دليل على أن الإماء لا قسم لهن. إذ كان الله جعلهن والحرة الواحدة عوضا من الأربع مع خيفة الجور في ترك الخروج إليهن بحقوقهن والقسم منها.
* * *
وقوله: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) .
يثبت نفقة الزوجات، وصغار الأولاد، لأن السفهاء في هذا الموضع النساء والصبيان، فلما أمر، جل وتعالى، برزقهم وكسوتهم علمنا: أنهم نساؤه وصبيانه، إذ ليس ذلك بفرض عليه في الأجنبيين.
стр. 163
وفي نهيه عن إيتائهم المال توكيد لحظر الشرى والبيع مع الصبيان، من أجل أن من لم يجز إيتاؤه مالا بلا عوض فهو بعوض أشد حظرا لعجزه عن معرفة ما يدخل عليه من الغبن والتضييع.
والنساء وإن كن قد دخلن معهم في ذلك، فإجازة الشرى والبيع جائز معهن من موضع آخر، وهو جري القلم عليهن بالبلوغ، وإحاطة معرفتهن بالغبن، واحترازهن من الخلابة، وقد أمر الله بدفع أموال اليتامى إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، واسم اليتم واقع على الذكور والإناث، قال الله، جل وتعالى، على أثر هذه الآية: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)
في أكل مال اليتيم:
* * *
وقوله: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) .
стр. 164
يبيح عندي للفقير إذا ولي مالي يتيم أن يأكل منه بلا قرض، ولكن لا يجوز له أن يتجاوز ما لا غني عنه، وذلك ما يتماسك به بدنه عندما يخاف تلفه ويواري عورته، ويقيه من حر أو برد غير متبجح في الشهوات، وفضول الكسوة، ولا يفعل ذلك إلا عند انقطاع جميع حيله، ونزول الضرورة به التي يسمى معها فقيرا، ولا أعرف وجه من قال: " المعروف " هو القرض، إذ القرض يباح للغنى أيضا أن يأخذه لنوائبه ثم يرده من مكانه، بل يكون ذلك من صلاح مال اليتيم إذ
стр. 165
ما أخذه وليه قرضا مضمونا عليه حتى يرده، وما لم يأخذه قرضا فهلاكه من مال اليتيم، إذا هلك بغير عدوان، وإذا كان ذلك كذلك، فأين يبين موضع الرخصة للفقير،.
وكان الحكم بن عتيبة يقول في قوله: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) .
قال يأكل من مال نفسه بالمعروف حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم.
فهذا لا أدرى ما وجهه، إذ لو كان له مال يأكل منه بمعروف أو سرف ما سمى فقيرا، ولا خرج من خطاب المتعففين إلى خطاب المتوسعين.
стр. 166
وصايا:
* * *
وقوله: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)
كان سعيد بن المسيب يعده منسوخا بآي المواريث، وكان ابن عباس يذهب به إلى أنه حث للميت على الوصية لهم.
стр. 167
وكان الحسن ومجاهد يجعلونها محكمة.
فأما: قول ابن عباس، فلا أدرى ما وجهه،! وقد ذكر الله القسمة، والقسمة تكون بعد الموت. اللهم إلا أن يكون فيهم من كان يقسم ماله عند الموت على فرائض الله، فأمر أن لا يستفرغ ماله في القسمة ويوصى لهم، وكيف تمكن القسمة عند الموت وفي الناس من تكون زوجته حبلى، وهو لا يدري ما في بطنها.
فأما قول سعيد فإن كانت آي المواريث أينما نسخته، فلم تنسخ إلا رزق من يرث من ذوى القربى، فما بال من ليس منهم وارثا، واليتامى والمساكين يحرمون من أجلهم،
ولا أحسب القول إلا ما قال مجاهد والحسن، لأن ظاهر الآية يوجب إعطاءهم إذا حضروا، فيعطى اليتامى والمساكين، ومن ليس بوارث من الأقربين ما طابت به أنفسهم قل أم كثر، لأنه جل وتعالى يحد فيه حدا، والمخاطب بإعطاء هذا الوارثون وأولياؤهم، فمحال أن
стр. 168
يعطوا أنفسهم شيئا جعله الله في أموالهم لغيرهم.
مواريث:
* * *
قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) .
مثبت للاثنتين ثلثي التركة، ومغني عن التطرق إلى التأويلات في
فوق، ثم يكون فوق، واقفا على ثلاث فصاعدا، لأن تسمية حظ الذكر يمثل حظ الأنثيين نص لا تأويل فيه.
ألا ترى أن نصيب الابن الواحد مع الابنة الواحدة ثلثي المال،
стр. 169
وقد سماه الله جل وتعالى حظ الأنثيين، فهو واضح لا إشكال فيه.
ووجه آخر واضح أيضا، وهو أنه لما قال: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)
وجب أن يكون للثلاث فصاعدا الثلثان، فلما فصل ميراث الواحدة بالنصف كان لما زاد عليها الثلثان بالنص للأولي وهو بين.
* * *
قوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)
حجة لمن جعل لها مع الزوج والمرأة ثلث ما يبقى بعد نصيبهما، إذ لا وارث بعدهما غير الأبوين، وقد أخبر الله نصا أن ما لا يرثه أبَوَا هالكٍ
стр. 170
لم يكن للأم إلا ثلثه، فإذا أعطيناها ثلثيه، لم نكن في الظاهر سالكين بها مسلك ما سمي لها.
ولا أعرف فيما انتحلناه من هذا بين أهل الفرائض خلافا، إلا ما روي عن ابن عباس: أنه جعل لها ثلث جميع أصل التركة، وهو ﵀ وإن كان تأسى بنمط ساير القسم في التركات، فقد فضل الأم على الأب، ولا نعلم أن الله جل وعلا فعله في شيء من الأمكنة.
مواريث خصوص:
* * *
قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)
خصوص وهو - والله أعلم - من بعد وصية تبلغ الثلث فأدنى، وأرى الناس قد ألقوا رواية الحارث عن على ﵁ أن رسول الله ﷺ -
стр. 171
قضى: بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرءون: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) ، وهذا - والله أعلم - مما يوهن رواية الحارث، ويحقق عليه ما نحل من الكذب، إذ على - رضى الله عنه - في جلالته ومنزلته من الإسلام لا يخفي عليه أن الله ﵎ لم يقدم الوصية على الدين ليبقى الدين على الميت إذا هلك، ويسعد أهل الوصايا بما أوصي لهم.
إنما أفادنا أن الدين والوصايا مقدمان على الميراث، فليس في ذكر
стр. 172
الوصية في اللفظ قبل الدين ما يوقع لبسه، والله أعلم.
نكاح:
* * *
وقوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) .
نص على تحريم الجمع بينهما بنكاح كان أو بملك اليمين. ولا أعرف للالتباس الواقع في أمرهما إذا كانتا مملوكين - من أجل أن الله قال في موضع: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وجها، إذ لو جاز أن يقع فيها التباس جاز أن يقع، في الأخت من النسب والرضاع والعمة والخالة، ونساء الآباء، وحلائل الأبناء إذا ملكن، إذ لا خلاف بين الناس أن نساء الآباء وحلائل الأبناء قد يملكن
بعد وقوع هذا الاسم عليهن ونحن وكثير من العلماء نجيز ملك
стр. 173
الأخت - من نسب ورضاع - والعمة والخالة، وقد شملتهن الآية بالتحريم، فما بال الالتباس يقع في الأختين المملوكتين من بينهن، والآية المحرمة للجمع بينهن، والمحرمة من ذكر معهما واحدة، وهل قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) في أول سورة النساء إلا مبيحة لجمع أكثر من أربع إماء للوطء، وفي سورة "سأل سائل " إلا مبينة وجه الوطء المحلل الذي لا يخرج من حفظ الفروج، وليس في هذا من الإشكال ما يحتاج إلى هذا الشرح كله، ولا أحسب الرواية عمن قال: " أحلتهما آية، وحرمتهما آية " إلا وهما من الراوي، إذ المحكي عنه هذا أجل من أن يشتبه عليه ما ليس بمشتبه.
стр. 174
وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
واقع - والله أعلم - على المحصنات بالأزواج خصوصا دون المحصنات بالإسلام عموما، إذ لو كان واقعا على المسلمات عموما ذوات الأزواج، وغير ذواتهم ما حلت امرأة أبدا باسم التزويج، ولكان التحليل في الوطء بملك اليمين دون غيره، ولكان قوله ﷻ : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) فارغا من الفائدة أو ناسخا لقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)
في أشباه له، لأنهن كن يحرمن باسم الإحصان الشامل للإسلام والتزويج.
والمسميات قبلهن من الأمهات ومن معهن بالتسمية فكان يكون
стр. 175
عاما، وفي ذلك هدم الإسلام ومنع أهله من التزويج.
* * *
وقوله تعالى: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
مقصود به السبيات من المشركات اللواتي يسترققن بالاستيلاء دون الإماء ذوات الأزواج من المؤمنات.
وذلك لأن سبيهن يفرق بينهن وبين أزواجهن بلا إحداث طلاق منهم، ويحلهن لمن صرن له إماء بعد حيض الحائل ووضع الحامل.
ولا أحسب الرواية عن ابن مسعود ﵁ في نزول الآية في المسلمين والمشركين تصح
стр. 176
إذ حكم الإسلام، وإجماع أهل الملة كافة على أن لا يحل فرج واحد لرجلين في حال، فإن كانت الآية نازلة في المسلمة أيضا فهي إذا تبيح للمالك الأول وطي أمة شغلها بزوج قبل أن يكون بيعها طلاقها للمالك الثاني - إذ كلاهما مالك رق، والمرقوق ملك يمينه - فالاقتصار بتحليل الوطء على أحدهما: تحكم في معنى الآية إن كانت نازلة فيه.
ولئن كان بيع الأمة طلاقها من أجل أنها محصنة مستثناة بالملك في تحليل الوطء لتزويج سيدها إياها من غيره ما دام ملكه عليها قائما خطأ، لأن الملك الحادث عليها بالبيع إن كان يحرمها على الزوج لفضل قوته على عقدة النكاح - فالملك الأصلي أحرى أن يمنع من ثبوت عقد النكاح أو يبيح وطئها بعد النكاح.
стр. 177
وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه جعل بيعها طلاقها، وما أحسبه ثابتا عنه، إذ هو وابن مسعود ﵄ أعظم قدرا، وأفقه نفرا من أن يذهب عليهما هذا مع وضوحه وقلة تشابهه.
فأما احتجاج من احتج لإبطال طلاق الأمة إذا بيعت بتخيير النبي، ﷺ ، بريرة بعد ما اشترتها عائشة وأعتقها، فهو عندي بعيد منه، لأن عائشة - رضى الله عنها - امرأة لا يحل لها ملكها الإماء وطيا، كما يحل للرجال، حتى يلحقها حظ من استثناء قوله: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .
فليس لاعتباره بأن النبي ﷺ لو كان رأى بيعها طلاقا لم يخيرها، وقد أبانها الطلاق الحادث عليها بالشرى - وجه، بل هو وهم منه أغفل فيه مقصده، والله يغفر لنا وله.
стр. 178
فالتحريم في الآية واقع على المحصنات ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين، وإباحة ما وراءهن على سائر النساء، إلا تزويج المرأة على عمتها، أو خالتها بسنة رسوله الله ﷺ والاستثناء على السبايا دون سائرهن والمسميات من الأمهات وغيرهن مستغنيات بالتسمية.
الشريعة:
* * *
قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)
стр. 179
دليل على أن لنا أسوة بمن مضى في جميع الشرائع والأحكام، إلا ما دلنا عليه كتاب، أو سنة، أو إجماع من نسخه عنا وتبديله بغيره لنا.
في تفسير حلائل أبنائكم:
* * *
قوله: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ)
يحتج قوم من أهل الكلام به، فيزعمون أن حليلة السبط حلال للجد، لاشتراط الله - جل وتعالى - ولد الصلب، وذلك غلط، إنما نزلت هذه الآية - فيما بلغنا - حيث أنكر المشركون تزويج رسول الله، ﷺ ، امرأة زيد بن حارثة، وكان قد تبناه، فكان يدعى زيد بن محمد،
стр. 180
فقالوا: كيف يتزوج بحليلة ابنه، ويزعم أن الله حرم على المسلمين حلائل الأبناء، فنزلت الآية: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) .
ونزلت: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)
ونزلت: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)
فإن قيل: فكيف يجوز أن يكون النبي ﷺ نهى
عن حلائل الأبناء قبل أن ينزل الله هذه الآية في تحريمهن مع من حرم معهن، قيل: قد يجوز أن تكون نزلت: ((وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) ، (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) فلما قال مشركو مكة ما قالوا في تزويجه امرأة زيد، نزل هذا الحرف، فضم إليه
следующие страницы →