← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

عن نفسه، وعن عَدوه الشيطان، أخبر به في هذا الموضع عن الهوى وأخبر بعد الهوى عمن له الهوى بأنه يضل هو عن الهوى. فأي شيء يلتمس أوضح من هذا، وهل يكون كل من أخبر عنه بذلك إلا تَبعا له، إذ لا يجوز بتة أن يجعل تبعا لهم، فقد بَان كل البيان أن الضلال مقضي به على صاحبه أضيف إليه أو إلى غيره. * * * قوله: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) حجة لمن يجعل القرآن نصب حججه في أحكام إسلامه، وشرائع دينه وانتزاعاته في جميع علومه، فمن تدبر آياته أدته إلى حقائق الأحكام. وتذكر أولي الألباب لا يكون إلا به، وكذا قال: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) ، ولهما أشباه في القرآن.

стр. 1262

قو له: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ) دليل على أشياء. فمنها: أن الولد من هِبة الله لأبيه، فإذا كان صالحا لم يكن عليه فِتنة. ومنها: الاستغناء بأجزاء الكلام عن أوله بما يدل عليه سياقه، لأنه لم يذكر فوات الذكر له قبل الإخبار عن سليمان بقوله، ومعاقبة نفسه. ومنها: الاستغناء بالإشارة إلى المعنى في الأوقات عن اللفظ. لقوله: (حَتَّى تَوَارَت بِاَلحجَابِ) ولم يجر للشمس ذكر.

стр. 1263

ومنها: إجازة التكرير والتأكيد مع ذلك تارة وتارة (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) ومنها: أن الصلاة يقال لها: ذكر كما هي، وفيها أفعال. ومنها أن هذه الصلاة كانت صلاة العصر، لذكره العشي، وتواري الشمس بالحجاب بعده.

стр. 1264

ومنها: أن النفس تعاقب على اشتغالها بالدنيا عن الآخرة، إذ فعل سليمان ﵇ في الجياد عقوبة لنفسه، وحملها على ما كرهته من فوات ما أحبته ونبي الله سليمان ﵇ قدوة مَنِ اقتدى به، وقد اقتدى به عمر بن الخطاب ﵁ حيث خرج إلى أرضِ له، ففاتته صلاة العصر فتصدق بها. وقيمتها مائة ألف. ومنها: أن أكل الخيل جائز، إذ لا يجوز على نبي الله سليمان في

стр. 1265

منزلته من الله أن يعاقب نفسه تقربا إلى الله في شيء يعود ظلمه على بهيمة أو حيوان إلا وتلك البهيمة تمسح بالسوق والأعناق مجعولة

стр. 1266

للمساكين يأكلونها، فتكون زيادة في قربته، ولا تكون إفاتة نفسها إلا منفعة لا عبثا وظلما. ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال: " من قتل عصفورًا عبثًا عَجَّ إلى الله ﵎ فقالت: يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة ".

стр. 1267

ونهى عن صبر البهائم.

стр. 1268

وأن تتخذ شيئا فيه الروح غرضَا، لأن الله ﷻ لم يبح قتل الروحانيين من غير الناس إلا ما ذبح لمأكلة مما أباح لحَمه، أو كان مؤذيا فيقتل مثل الحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، وأشباه ذلك مما أباح قتله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ،

стр. 1269

فكل هذا دليل على أن سليمان - صلى الله عليه - وإن عاقب نفسه بقتل جياده فلم يقتلها إلا لمنفعة المساكين ومأكلهم. ومنها: أن المذبوح إذا أبين رأسه جاز أكله، ولم يكن مكروها في الذبائح، لأنه روي أن سليمان ﵇ ضرب أعناقها بعدما عقر سُوقها.

стр. 1270

ومعنى عَقْر السُوق - والله أعلم - كمعنى الإشعار في البدن في شريعتنا ليدل بها على أنها مجعولة شعائر تذبح لله، فكأنه مسح سوقها ليدل بها على أنها مجعولة لله. * * * قوله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) دليل على جواز ضرب النساء فيما دعا إلى صلاحهن وأدبهن. وأوبهن إلى الله - جل وتعالى - لأن امرأة أيوب - صلى الله عليه - كان لقنها إبليس شيئا تُشير به على أيوب، وأريها أن شفاءه من بلائه في ذلك، فكان قبولها ذلك منه، ومشورتها به على أيوب معصية. فحلف أن يضربها عليه مائة جلدة. وفي هذا تأكيد قول أهل الشام

стр. 1271

فيما رأوا التعزير مائة. وقد أباح الله ضرب الناشز في كتابه، ونشوزها معصية. فللزوج أن يضربها على كل ما كان معصية منها، وأذى عليه. فأما ما آذاه مما ليس بمعصية منها فليس له أن يضربها، بل ينهاها بلسانه نهيا، ولا يفضي إلى الضرب.

стр. 1272

وفي براءة أيوب - صلى الله عليه، - من يمينه وبِرّه فيها بإعمال الضِغث مرة واحدة دليل واضح، وحجة لمنِ يقول: الأيمان على الأسماء ليس على المعاني، لإحاطة العلم بأن ممُاسة شماريخ الضِغث لا يؤلم المضروب كما يؤلمه تفريق عدد الضرب عليه. وأيوب ﵇ لا محالة حين حلف عليها قَصد لضرب مفرقٍ يُعدُّ عدَّا واحدًا بعد آخر. إذ محال أن يكون عَرَف الضِغث قبل أن يأمره الله به، وكذا ضَرْب النبي ﷺ الزاني النّضْو الخلق بِعثكال النخل ضربة واحدة بما فيه مائة شمراخ، وقد أمر الله بجلد

стр. 1273

مائة، فهو يؤكد هذا. وكان وكيع بن الجراح يفتي فيمن حلف أن يضرب رجلا ضربة بالسيف أن يضربه بعرضه، فيخرج به من يمينه، وقصد الحالف

стр. 1274

لم يكن للعرض، فهذا حجة له، لأن اسم الضرب في الظاهر شامل لما كان بالعرض والحد، فيخرج من هذا أن الحالف على ترك لبس ما غزلته امرأته، إذا باعه واشترى بثمنه غيره فلبسه لم يحنث. وما ضاهى هذا من أيمان الحالفين. * * * وقوله: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) حجة على المعتزلة والقدرية.

стр. 1275

سورة الزمر * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) فيه ضمير " يقولون "، أو " قالوا " وما أشبهه، والله أعلم. * * * قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) دليل على أن المؤمن هداه الله إلى إيمانه. وهو حجة على المعتزلة في أشياء:

стр. 1276

فمنها: ما يزعمون: أن الله ﷻ ليس له في فعل العبد صنع بمعونة ولا غيرها، وقد أخبر - نصًّا ها هنا - أن الكافر محتاج إلى هداية الله إيَّاه - والمؤمن به اهتدى. ومنها: ما يلزمهم في ادعاء العدل - الذي لا يعقلونه - من مطالبة الكافر بالإيمان، وعقوبته على الكفر، وليس يقدر على ما أمر به إلا بهداية آمره، كما ترى. ومنها: يزعمون: أن إخراج أهل الكبائر من النار لا يجوز على الله

стр. 1277

من جهة أنه خُلْف، وقد قال - نصًّا ها هنا -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) وقد هدى من الكفار من لا يحُصى. أفليس بينًا - لمن تدبره - أن الموعَد بالعقوبة، إذا تركت له فهو من تاركه كرم، لا خلف وأن من قال: لا يهديه من الكفار، والكذابين، إما أن يكون خصوصًا في قوم بأعيانهم، حتم أن لا يهديهم، لما سبق في قضائه من شقوتهم، أو يكون بمعنى لا يهديهم طريق الجنة، إذا ماتوا على كفرهم وكذبهم، كما قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) . فهو لمن مات على شركه. * * * وقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) . لمن تاب في حياته. وأيهما كان - من هذين المعنيين

стр. 1278

- فهو حجة عليهم، إذ توهم معنًى سواهما كفرٌ صراحٌ لا التباس فيه. * * * قوله: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) . نظير ما مضى من قوله: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) . هو حجة فيما نمثله - للمخالفين - في الاحتجاج عليهم. * * * قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) دليل على أن الله ﷻ خلق ذرية آدم في صلبه، مودعين على صور الذر، كما روي في الخبر، قبل خلق حواء، لأن " ثم "

стр. 1279

حرف يستأنف به الكلام، ويقطع الأول عن الآخر. * * * قوله: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) دليل على أنها منزلة من الجنة. ويؤيده حديث رسول الله، ﷺ ، في الماعزة: " امسحوا رُغامها فإنها من دواب الجنة ". فإن قيل: أليس قد رُوي عنه في الإبل: " فإنها جنٌّ، من جنٍّ خُلقت ".

стр. 1280

قيل: وما في ذاك ما يمنع أن تكون من دواب الجنة، كأن الجن محرمٌ عليهم دخول الجنة؟! أليس مسلمو الجن يدخلونها،. وما ينكر أن يكون من الجنِّ من كان في الجنة، فأهبط إلى الأرض، كما أهبط آدم. أليس إبليس رأس الجن وأصلهم،

стр. 1281

وكان في الجنة، فأهبط مع آدم إلى الأرض، قال الله - تبارك وتعالى -: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) ، قال: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) . * * * قوله: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) آية يتعلق بها المعتزلة والقدرية

стр. 1282

ويُغالطون بها العامَّة منّا. وليس في زوال رضاه عنه ما يحيل أن يكون هو خالقه، فقد خلق إبليس، وهو رأس الشر، وليس بمرضي عنده، وخلق الدنيا، وهي بغيضته، يُزَهِّد فيها أولياءه، ويُمتِّع فيها أعداءه. فما يمنع أن يكون الكفر من خلقه، وهو يبغضه، ولا يرضاه، ولا يرضى لعباده أن يأخذوا به، كما لا يرضى لهم أن يأخذوا الدنيا، إذ هي متاع الغرور، و (لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ) في الحياة، كما قال اللَّه ﵎. فإن قيل: فكيف خلق ما لا يرضاه؟. قيل: ليس علمُ هذا إلى عباده، وما خاطبهم به في كتابه، ولا على

стр. 1283

لسان رسوله، ﷺ . * * * قوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) . تقريع لمن يهمل الدعاء في الرخاء، ويفزع إليه في الشدة، وليس ذلك من أخلاق المؤمنين، إذ من أخلاقهم إكثار الدعاء في الرخاء عُدة للشدة، واستغنامًا لشفاعة الملائكة - إلى ربهم - في إجابته، فقد رُوي أن النبي، ﷺ ، قال لابن عباس: " تعرَّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة ".

стр. 1284

ورُوي: " أن العبد إذا أكثر الدعاء في الرخاء، ثم نزلت به الشدة فدعا. قالت الملائكة: صوت معروفٌ، من آدمي كان يكثر الدعاء في الرخاء. فنزلت به الشدة، فتشفع له إلى الله، وإذا لم يكثر الدعاء، فنزلت به الشدة، فدعا، قالت الملائكة: صوت مجهول من آدمي لم يدع الله في الرخاء، فنزلت به الشدة فدعا، ولا يشفعون له ". ومثل هذا في القرآن في مواضع، مثل قوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ، وقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، وغير ذلك. فلا ينبغي للمؤمن أن يستن بالكافر، ولا يفزع إلى الدعاء إلا عند الشدائد. * * * وقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) دليل على أن أوقات الليل - كلها - في الصلاة

стр. 1285

ممدوحة، وأن القانت هو المطيع، لا القائم، وأن الواو وإن كانت ناسقة باللفظ، فغير موجبة أن تكون ناسقة بالمعنى في كل موضع، ألا تراه ذكر القيام بعد السجود، فهل يجوز لأحد أن يقدم السجود على القيام؟. وهذا رد على من يرى ترتيب أعضاء الوضوء في الغَسل فرضًا. * * * وقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) مَدَحَ العلماءَ، وذم الجهلاءَ، ودليلٌ على أن التذكر لا يمكن إلا بالعلم. وفيه حجة لمن قال: العالم - وإن لم يعمل بعلمه -

стр. 1286

أفضل من جاهل لا يعمل بالخبر، لأن الله - جل وتعالى - فرض العلم والعمل - معًا - فمن أطاعه في العلم فقد جاء بشطر الأمر، وبقي عليه الشطر، ويوشك الشطر الذي أطاع فيه أن يُلحقه بالشطر الآخر، والجاهل مضيعٌ لجميعه. وغير آخذ عدة العمل، ودليل النجاة. والخبر المروي: " يُغفر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد" ليس هو عن رسول الله، ﷺ ، وليس بشيء، لأنَّا لا نعلم الله مدح الجهل في كتابه، ولا على لسان رسوله، ﷺ ، ولو كان كذلك، لكان الجهل أرفع درجة من العلم، والجاهل إلى أن يكون عمله الذي يحسبه صالحًا - غير مقبول منه - أقرب إلى أنْ يغفر له خطيئته، لأنه لا يقيمه بعلم. ولا يخلصه لربه. وربما أعدَّ الخطيئة طاعة، والطاعة خطيئة، والإعجاب بعمله أسرع إليه منه إلى العالم، الذي إذا عمل خيرا شكر من وفَّقه له، وعلم أنه

стр. 1287

مستعمل، لا عالم بقوته، فالإعجاب بعيد من هذا، والشكر عمل برأسه، وإذا عمل سيئة عرف وزنها، وطريق الاستغفار منها. والندم عليها، فتسره حسنته، وتسوؤه سيئته، فيستوجبُ الإيمان. كما قال رسول الله ﷺ : " من سرته حسنتة، وساءته سيئته، فهو مؤمن ". والجاهل لا للخطيئة يعرف وزن ثقلها، وعظم بليتها، ولا للحسنة يعرف وزنها، بل يرى نفسه مستعليًا بها، ومتكبرًا على القاعدين عنها. وكل هذا خطايا برؤوسها، فكيف يستويان، ومتى يلتقيان؟!. فلو قُلب هذا الخبر، وقيل: يُغفر للعالم سبعون ذنبًا، قبل أن يُغفر

стр. 1288

للجاهل ذنب واحد، لكان الكتاب والسنة والإجماع ونظر المحصلين أدل عليه، إن شاء الله. وعلى العالم - مع ذلك - أن يعرف حق المنعم عليه فيما علمه. ويصون ما أكرم به من تدنيسه، وسلكه به مسلك الجاهلين، ويحذر سطوة الله في تضييع شُكره - فعلاً وقولاً - على ما أعطي. فعليه أن يَنْفِس على ميراث الأنبياء، فلا يخلطه بميراث إبليس. وأعدائه من الشياطين. * * * وقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) دليل على الإخلاص فرض عليه، وعلى أمته مع أنه قد نص القرآن على أمر الأمة -أيضاً - حيث يقول: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) . * * * وقوله: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) يحتمل أن تكون اللام فيه بمعنى " الباء "، ويحتمل أن يكون وأمرت بالعبادة المُخْلَصة، لأن أكون أول المسلمين. والله أعلم كيف هو.

стр. 1289

وهذا يؤكد أن قوله - في الأعراف، إخبارًا عن موسى -: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) ، أنه أول مؤمني زمانه، إذ محال أن يؤمر النبي. ﷺ ، أن يكون أول من أسلم، من الخلق - كلهم - وقد تقدمه بالإسلام من تقدم. ولكنه أول من يسلم من أمته. * * * وقوله: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) . هو على طريق التهدد ليس على ما يتأوله المعتزلة والقدرية. وهو نظير قوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) ، وقد أجبناهم عنه. وجه التأكيد فيه: أن موسى وصف أنه أول المؤمنين، ووصف نبينا محمد، ﷺ ، أنه أول المسلمين فلو كان المراد الأولية بالنسبة للناس جميعا لاقتضى التناقض، إذ كيف يصف نبيا أنه أول المؤمنين جميعًا، ثم في مكان آخر يصف نبيُّا - آخر أنه هو الأول، فما جاء هنا أكد أن المراد بالأولية هناك أولية نسبية، لا مطلقة.

стр. 1290

وقوله: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ) رُوي عن قتادة أنه قال: هم أهلوهم الذين أعدوا لهم في الجنة. فخسروهم بكفرهم. وما أظنه إلا كما قال. فقد رُوي عن رسول الله، ﷺ ، حديث يصدّقه: " ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار. فإن مات فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله. فذلك قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) ".

стр. 1291

وفي بعض أخبار المساءلة في القبر عن النبي، ﷺ . أنه قال - في الكافر -: " ثم يفتح له باب من الجنة، فيُقال له: هذا كان مكانك، لو آمنت بربك. فأمَّا إذ، كفرت به، فإن الله أبدلك به هذا. فيفتح له باب من النار. ويفتح للمؤمن باب من النار، فيقال له: هذا مكانك لو كفرت بربك فأمَّا إذ آمنت به، فإن اللَّه أبدلك به هذا، فيفتح له باب إلى الجنة ".

стр. 1292

وقوله: (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) آية يغلط فيها القائلون بالاستحسان. فيحتجون بها، وليست لهم، بل هي عليهم، لأنه يستمعون

стр. 1293

القول، والقول المسموع لغيرهم. والاستحسان لهم. فمحال أن يتبعوا أنفسهم في الاستحسان. ويكون القول المسموع لغيرهم، فيُمدحُوا بغير ما وُصفوا. والآية - بعد بيان غلطهم - حُجَّةٌ على المقلدين، إذ القول

стр. 1294

المسموع لا يخلو من أن يكون قول من يكون قوله حجة، أو قول من لا يكون قوله حجة. فلما كان قول من يكون حجة، حسنًا كله، لا تزييف فيه، عُلم أنه المتبع، دون قول من لا يكون حجة. وقد لخصناه في كتاب الأصول من " شرح النصوص " ما أغنى عن إعادته ها هنا. * * * وقوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) نظير ما مضى من قوله: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) في جواز تذكير فعل المؤنث، لما يدل عليه اسمه. وهو حجة على المعتزلة، وهو - والله أعلم - مثل قوله: (أَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)

стр. 1295

وقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) إلى قوله: (فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) حجة على المعتزلة والقدرية. * * * وقوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) دليل على أن الصدق الثاني ليس بعطف على الصدق الأول " لأن " الذي " يخُبر به عن واحد، و " أولئك " عن جميع، ففيه دليل على أن الذي جاء بالصدق هو رسول الله، ﷺ ، جاء بالقرآن، وهو صدق، وصدق به أصحابه في حياته، وسائر المؤمنين بعد وفاته. وكل من صدَّق بالقرآن استحق اسم التقوى، واستوجب ما وُعد - هؤلاء - المصدِّقون من الثواب، وتكفير السيئات. * * * وقوله: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) دليل على أنه يكفي من

стр. 1296

توكل عليه، واعتصم به، ويقيه شر كل محذور - دونه - فاستعلى على كل متسلط سواهم فليتق المؤمنون بهذا منه، إذا استكفوه، وفوضوا أمورهم إليه، فلن يُغلب من تولاه، ولن يهُضم من حرسه وكفاه. * * * وقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ) رد على المعتزلة والقدرية. وهو من المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول. * * * قوله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ردّ على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون: أن المقتول ميت بغير أجله. وقاتله قاطعٌ حياته الموهوبة له من عند ربه. * * * قوله: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) إلى قوله: (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)

стр. 1297

دليل على أنهم ليسوا بمؤمنين - لأن المؤمن لا يستهزئ بوعيد ربه، وإنْ اغترَّ بذنبه - وهم اليهود والنصارى، ومن يرى من الكفار أن عمله الذي يتقرب به إلى اللَّه يجُازى عليه بخير، فيبدو له - من ربه - خلافُ ما قدَّر. والله أعلم. * * * وقوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) الآية، حجة على المعتزلة في باب الوعيد، وقد بيناه في غير هذا الموضع.

стр. 1298

وقوله: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) دليل على أن استكشاف العذاب، والعقوبات بالمسارعة في الطاعات، والمسارعة إلى التوبة والندامات. ويدخل في هذا المعنى ما نُدب إليه الناس من إحداث التوبة، والتقدّم في الطاعة إذا أرادوا الخروج إلا الاستسقاء، في حين الجدب. والقحط، وذلك أن منع القطر لا يكون إلا بسخطة، ولا السقيا إلا برحمة. فإذا قدموا الطاعات، كانوا أقرب إلى الإجابات، وأجدر برفع العقوبات. * * * وقوله: (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) لا متعلق للمعتزلة فيه، لأنه نظير ما مضى - في سورة الأنعام - من قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) يعيب احتجاجهم بما لا حجة فيه، لا أنهم يقولون غير الحق.

стр. 1299

وقوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) لا متعلق لمن يقول بخلق القرآن لله، إذ قد دللنا على أن القرآن كلام الله، تكلم به، وإذا كان كذلك فهو نعت من نعته ولا يكون نعتُه - وإن سُمي شيئًا - مخلوقًا، لأنه شيء غير مخلوق. مع أنا لم نعلم أن الله خالق كل شيء إلا بهذا القول، فمحال أن يدخل في الشيء ما عرف به الشيء. * * * وقوله: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) دليل على غير شيء: فمنه: إعمال الفعل

стр. 1300

الأول، دون الثاني، والإخبار عنه على التوحيد، وإهمال الثاني على الإشراك، وعلى الإفراد - معًا - بالإخبار عنه، لا بالإشارة إلى المعنى. وفي ذلك دخول الخلل على اختيارات أبي عبيد ﵁ في القراءات إعمال الفعل الأقرب، دون الأبعد، مثل قوله: (أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى) بالياء، لأنه يلي النعاس، والأمنة قبله.
следующие страницы →