ولا يتمانع ذو الحجا - من أهل اللغة - أن المعاصي أكبر المصائب والجنايات من جانبها، والمجني عليه مصيبة واصلة إليه من كتب إليه فعل يفعله، أو يفعل به، فلابد من كونه.
ذكر الطب:
وقوله - تعالى -: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)
حجة في أصل الطب، والمتوصل إلى الشفاء بواسطة
من العلاجات بالأدوية، لأن المنافع وإن كانت راجعة على السلاح
والأدوات وأَثمان الحديد فالَخبَث من منافعه، وهو خارج منه.
حدثنا العِجلي، دثنا أحمد بن عيسى بن اللخمي، دثنا
стр. 1507
إسماعيل بن مسلمة بن قعنب، قال: حدثني سلم بن قتيبة، عن
مسلمة بن قعنب، قال: دخلت عليه فقال لي: اشرب من
شراب كان فيه اللبن يجعل فيه خبث الحديث وأخلاط معه، فقال:
اشرب، حدثني ابن عون،
стр. 1508
عن ابن سيرين، قال: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)
وأرجو أن يكون هذا منه ".
ومثل ذلك قوله - إخبارًا عن النحل -: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) ، هو دليل على إباحة التداوي مع ما
جاء عن رسول الله، ﷺ ، في الأمر بالتداوي لونًا
لونًا.
المعتزلة:
* * *
وقوله: (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) .
* * *
وقوله: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)
في أشباه لهما رد على المعتزلة فيما يجعلون الفسق درجة بين درجتين من الإيمان
والكفر، إذ الفسق في جميع هذه الأمكنة كفر لا شك فيه، لما دل عليه سياق الكلام.
стр. 1509
ذكر الرعايات:
* * *
وقوله: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)
دليل على تثبيت الرعايات، وعلى أن البدعة من العمل الصالح وما يقرّب إلى الله - جل وتعالى - ويكون فيها منافع الخلق غير مذمومة، إذ لو كانت ما
ذموا على تضييع الرعاية في المحافظة عليها، ويؤيد هذا الابتداع حديث
رسول، الله ﷺ : " من سن في الإسلام سنة
حسنة، فعمل بها بعده، كان له، أجرها وأجر من عمل بها ".
ولا شك أن هذه سنة مأذونة في إحداثها، لا سنةً متبعة لغير من
سنها، وقد وعد عليها رسول الله، ﷺ ، من
الأجر ما وعد، أو ليس عمر ﵁ سن قيام شهر
رمضان في جماعة، وعثمان ﵁ الأذان الأول يوم الجمعة
стр. 1510
وكانا داخلين في قول رسول الله ﷺ : "
من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً ".
فإن قال: فما معنى قوله، ﷺ : " كل محدثة
بدعة، وكل بدعة ضلالة " وإياكم ومحدثات الأمور " وأشباه ذلك.
قيل: قد يجوز أن يكون في محدثات لا تؤدي إلى القريات، مثل حلق
الرأس في العقوبات، واتباع العرائس بالنيران عند الزفاف، وما أخذ أخذه، والله أعلم.
سورة المجادلة
* * *
وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ)
حجة في أشياء:
فمنها: أن الظهار لا يكون إلا بالأم " إذ في (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) دليل أنهم كانوا يظاهرون بالأمهات، وإذا كان ذلك تفسير الظهار المجمل، فغير ذلك لا يكون ظهارًا، وإن لفظ به، إلا أن تتفق الأمة على ذات محرم - غير الأم - ويجعلون بها ظهارً، فيُسَلَّم لهم.
فإن قيل: أفليس قد رُوي أن النبي، ﷺ ، سمع
رجلاً يقول لامرأته: يا أخية، فقال له رسول الله ﷺ : " أختك هي؟ قال: لا. فكرهه.
стр. 1513
قيل: هو حديث يرسله أبو تميمة عنه، لا نعلم أحدًا ذكر فيه
أبا سعيد الخدري غير عبد الله بن عصمة، وليس بمشهور في
أصحاب حماد، ولا ممن يقبل حديثه إذا انفرد به، مع أنه لو كان
стр. 1514
ثابتًا لكان تأكيدًا لما قلناه: من أنه لا يكون به ظهار، وإن كره القول
ومنها: أن الظهار من الأمة والحرة واحد لشمول اسم النساء
لهما - معًا - وهو مذكور بشرحه في كتاب الظهار من شرح النصوص.
ومنها: تأكيد ميراث ولد الملاعَنة، وولد الزنا، لشمول اسم
الأمومة لمن ولد بهما، وهو نظير قوله: (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) .
* * *
قوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)
стр. 1515
دليل على أن التحريم لا يكون طلاقًا من حيث
لا إشكال فيه - لمن تدبره - إذ لو كان الحرام طلاقًا - بوجه من الوجوه -
ما جاز وطء المظاهر منها بعد الكفارة، لأن الطلاق حل لا تعقده
الكفارة، والبينونة لا تعود وصلاً بها، والمحرمة بالظهار إن لم تكن
أغلظ تحريمًا من المحرمة بغير الظهار فهي مثلها، فكيف يجوز إبانة
تحريم امرأة عن زوجها بالطلاق، وهو إنما حرمها كتحريم المظاهر
المؤكد تحريمه بالظهار.
* * *
قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)
موضح - والله أعلم - أن المراد
في (يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) هو إرادة العود إلى الوطء الذي حظره
بالظهار على نفسه، إذ لو كان حبسها - بعد القول مدة يمكنه تحريمها
стр. 1516
فيها بالطلاق ولا يطلقها - موجب عليه الكفارة ما كان لتقديمها على
المسيس@ معنى عند من تدبره ولوجبت الكفارة على من يحبسها
بعد القول بالظهار ساعة ثم يطلقها ثلاثًا، والمسيس قد حرمه عليه
الطلاق، فكيف يعود لما قال بعد الطلاق، أم كيف تجب عليه
الكفارة، وهو لا يمكنه المسيس، والكفارة - لا محالة - محللة له في
حكم التلاوة، وإذا كان ذلك كدلك كان مجاز الآية - والله أعلم - أن
تكون اللام في (لما) بمنزلهّ " إلى " كأنه ثم يعودون إلى ما منعوه
بتحريم الظهار من الوطء فيريدون فعله، أو يكون
(لما) بمعنى " فيما " على هذا التأويل، إذ اللغة محتملة له، والله أعلم كيف هو.
وقال قتادة وطاووس - جميعا - في قوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) هو الوطء.
стр. 1517
وروي عن الزهري في الرقبة فقال: يجزئ - ها هنا - الطفل.
وروي عن النبي، ﷺ ، من حديث معمر، عن عكرمة، أن النبي، ﷺ ، لما سألته المرأة عن ذلك، فقال: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " قاله ثلاثًا.
стр. 1518
وروي عن قتادة قال: حرمها ثم يريد أن يعود لها يطأها.
* * *
قوله: (فَتَحريرُ رَقَبَةٍ)
إضمار، كأنه - والله أعلم - فعليه تحرير رقبة.
وفي إرساله - جل وتعالى - الرقبة بلا شرط، ولا صفة دليل على أنه
تجزئ الصغيرة والكبيرة، والمسلمة والذمية، والسوداء والبيضاء.
ويجزئ فيها الذكر والأنثى، والسليمة والمعيبة، وأنه من منع إجازة
стр. 1519
شيء منها فعليه إقامة البرهان عليه، ولا برهان - في هذا الموضع - عند
من أنصف من القائسين وغيرهم، إلا من النصوص الثلاثة المؤدية إلى
الحقائق، إذ تخصيص العموم، وتفسير الجملة لا يجوز بالمقاييس والأوهام
المظنونة.
فإن قيل: استدللت بإرسالها على جواز كل ما قلته، هلا جعل
الإيمان من شرطها اعتمادًا على ما شرطه الله في كفارة القتل، كما
جعلت شرط الشهود عدولاً في كل مكان، وإن كان شرط العدالة في
بعض الأمكنة دون بعض.
قيل: إنما جعلت ذلك في الشهود بما شرطته من أحد النصوص
الثلاثة، وهو الإجماع، وأطلقت في رقبة الظهار على الإرسال إذ
هو موضع اختلاف، والاختلاف لا يخص به العام ولا تفسر به الجملة.
قال محمد بن علي: وليسى إجازة وطء المظاهِر - إذا عَجَزَ عن الرقبة
الصيام قبل الإطعام - من هذا في شيء وهو عندي إغفال مفرط من
стр. 1520
مجيزه، وذلك أن الوطء لما حُظر قبل الكفارة - من تحرير الرقبة - عُلم أن
الكفارة هي المحللة له، والصيام بدل عن الرقبة، والإطعام بدل عن
الصيام، كل واحد بعد عدم الآخر وقصور الطاقة عنه، فليس
بجائز للمظاهِر أن يطأ وإن كفر بالإطعام إلا بعد فراغه منه، والله ولي الصواب.
مراعاة عدد الذنوب:
وقوله - تعالى -: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ) دليل على أن مراعاة عدد الذنوب واجبة، إذ لا يجعل نسيانها في جملة ما يعيبهم به إلا وقد أوجب عليهم حفظها، وهو أعلم.
стр. 1521
المعتزلة:
* * *
وقوله: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)
حجة على المعتزلة والقدرية في إخباره عن الشيطان بهما. وزوال ضرره عنه إلا بإذنه.
* * *
قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)
حجة على المعتزلة والجهمية في إخباره عن نفسه بالغفسب، كما ترى..
معنى الإنساء:
(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) ، الإنساء على معنى
التزيين منه كأنه مقيض لهما جميعًا، ألا تراه يقول في سورة الحشر: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) ، فأخبر بالنسيان عن أنفسهم
مرة، وأخبر ثانية عن الشيطان بأنه أنساهم، وثالثة عن نفسه بأنه
стр. 1522
أُنسيَهم، فدل أن جميع ما ذكره عن الشيطان مثل قوله: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) ، هو تابع لإنساء الله إياهم ذلك، إذ هو الخالق للشيطان المقيِّض له المسلط هذا الشيطان عليهم، ولا يجوز أن يكون الله ﷻ بما أخبر عن نفسه تابعًا له، ولا لهم.
وقد لخصنا ذلك في فصل التزيين، وفصل المشيئة - قبل هذا -
في سورة الأنعام، وغيرها.
* * *
قوله: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)
حجة على المعتزلة والقدرية في الكتاب الذي لا يؤمنون به - أصلاً - ولا يقرون به بتةً.
وفيه دليل على إجازة الرجوع من لفظ الخبر إلى لفظ المواجهة
لقوله: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) ، ولم يقل: ليغلبن هو ورسله.
* * *
قوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، إلى آخر الآية، زجر إلى التودد إلى من كان على غير دين الإسلام، والتحبب إليه، والموالاة له، إذ في ذلك ذهاب
стр. 1523
العداوة وانغراس المحبة لمن يعادي الله ﷻ ألا ترى أن
اللَّه ﷻ سماهم أعداءه، حيث يقول: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) ، ومثل - هذا - قوله: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) ، إلى آخر الآية.
ويقال: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، حيث كاتب كفار مكة
بمسير النبي، ﷺ ، إليهم.
* * *
قوله: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)
حجة على المعتزلة والقدرية في الكتاب.
стр. 1524
سورة الحشر
* * *
قوله: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)
حجة في إخراب بلاد العدو للنكاية.
* * *
قوله: (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا)
حجة في الكتاب على من ينكر.
* * *
قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا) .
حجة في قطع الشجر المثمر، وغير المثمر في بلاد العدو، ودليل على أن
الناس فيه بالخيار إن شاءوا قطعوا، وإن شاءوا تركوا، والاختيار
القطع كما قطع النبي، ﷺ ، نخل بني النضير،
стр. 1525
والآية نازلة - والله أعلم - فيهم.
* * *
قوله: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ)
رد على القدرية الذين يجعلون الإذن
بمعنى العلم، إذ لو لم يكن الإذن إطلاقًا ما عُلم أن قطع الشجرة
مباح، أو غير مباح، ألا ترى أن علمه - سبحانه - محيط بالمحظور
والمباح معًا وليس كل ما أحاط بفعله علمه جاز لفاعله فعله، دون
إطلاقه، فقد دل هذا - بغير إشكال - على أن إعداد الإذن علمًا
خطأ، لا يُشك فيه.
قال محمد بن علي: ذكر الله أصحاب نبيه، ﷺ .
في هذه الآية - على ثلاث فرق، وهو قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) ، فهذه فرقة.
والثانية قوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ) .
والفرقة الثالثة: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) .
стр. 1526
وأثنى على الثلاثة - معًا - مما حوته الآيات الثلاث، فليس يخلو أحد
صاحب النبي، ﷺ ، ولو ساعة واحدة إلا وهو
داخل في أحد الفرق الثلاثة. فهذا - الآن - حجة على كل من سب
واحدًا منهم، أو تنقصه، ودليل على أن من أتى في أصحاب نبيه.
ﷺ خلاف الجميل أنه راد على الله، وغير راض
لدينه - جل وتعالى - بما رضيه هو له بنص القرآن الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، قبل أن يصير إلى ما عليه في
الأخبار من إيجاب اللعنة.
وكان مالك بن أنس يقول: من سب أصحاب رسول الله، ﷺ ، لم يكن له في الفيء والغنيمة نصيب، وهو كما قال.
﵀.
* * *
قوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا)
جملة دليل على أن من لم يكن - له - سليم الصدر لأصحاب رسول الله ﷺ محبًا
стр. 1527
لكافتهم، داعيًا لجميعهم فهو مسلوك به غير سبيل الممدوحين، منوط
في طرق المذمومين غير مقبول منه - فيهم - شيء يأوي له.
ومُنحرض باطله.
وفي دعوتهم بأن لا يجعل ﷻ لهم غلاَّ في قلوبهم رد على
المعتزلة والقدرية، إذ محال أن يدعوه بما هو منكر عنده - على زعمهم -
في صفاته فيثني به عليهم، وهو واضح لا لبسة فيه.
قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) إلى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) .
دليل على أن سجايا المنافقين مجبولة على منافقة أوليائهم وأعدائهم - معًا - فهو الآن تنبيه بيِّن أن الاستنامة إلى ود من ليس يتقي، والمعول على ولايته
ليس من فعل ذوي التحصيل، ولا يغتر به من خليل، ويؤيد هذا
قوله - سبحانه -: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) ، فلو كانت خلتهم في الدنيا مستقيمة لكانوا بها
стр. 1528
محسنين - والإحسان لا يعود سيئًا فيضمحل، كما لم تضمحل خلة
المتقين - وكانت في الدنيا والآخرة متصلة لهم غير منقطعة بهم.
تخويف المنافق بالناس:
* * *
وقوله: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ)
حجة لمن يقول: خوف المنافق بالناس، والمؤمن بالله جل وعز.
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)
حجة واضحة لمن أراد المبالغة في وصف شيء أن يبالغ فيه كيف أراد، ولا يكون كاذبًا، ولا آثمًا، لأن الله ﷻ
سمى الآخرة بغدٍ كما ترى، وبين نزول الآية وبينها دهر طويل، وقد
اقتدى بهذا المعنى أصحاب رسول الله، ﷺ ، فقال
أبو بكر الصديق ﵁ في بعض ما مُدح به عمر -
﵁: وأنى لعمر الشهادة، وهو في جزيرة أضيق من
هذه، وعقد بيده تسعين.
стр. 1529
وقال غيره - في بعض مواعظه -: المضمار اليوم والسباق غدًا.
ومثله كثير.
وفي هذا حجة لنا أن الذين روي - في الأخبار - أنهم تكلموا بعد
الموت لم يكونوا - في الحقيقة - أمواتًا فعاشوا، ولكنهم سموا به
стр. 1530
لمقاربتهم منه، ودخولهم في غشية تشبهه وأن ما رأوه من الجنة والنار.
وقالوه فشيء رأوه في الغشية، كما يُرى في المنام.
وليس للقائلين بالرجعة فيها متعلق، لأنه إذا جاز أن يسمي اللَّه الساعة - التي تكون بعد دهر طويل - بغدٍ جاز أن يُسمى بالموت
ما يكون فيه يومه، بل في ساعته.
стр. 1531
سورة الممتحنة
* * *
قوله: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ)
نظير ما مضى - في سورة الحشر - من قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا) ، وبيان أن خلة غير المتقين المؤمنين لا معول عليها، ألا ترى أن الموالين الملقى إليهم بالمودة - في أول هذه السورة - لم يراعوا للمسرِّين إليهم بها، ولم يحاموا عليه من أجلها.
كما ذكره - جل وتعالى - وهو الصادق.
(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) .
دليل على جواز الاقتداء بمن لم يكن فيه الخطأ.
* * *
قوله: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)
دليل على أن الله - جل وتعالى - قد يفتن الكافرين بما شاء، لولا ذلك ما كان لهذا
الدعاء معنى، فهو رد على المعتزلة والقدرية.
ذكر وداد الختن صهره:
* * *
قوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)
стр. 1532
دليل على أن وداد الحنتن صهره من ممدوح الأمور ومرضي الأخلاق، لأن
أبا سفيان بن حرب كان لرسول الله، ﷺ ، عدوًّا قبل
إسلامه، فلما صاهره - والصهر لممبب للمودة - هذاه الله إلى الإسلام
ليتصل سبب ودادهإ٢ (.
وفيه فضيلة لأبب سفيان ﵀ وعظة لمن يشنأ الأصهار من
الأختان، والله أعلم.
ذكر إسلام المرأة قبل الزوج:
* * *
قوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)
стр. 1533
على أن إسلام المرأة فسخ لنكاحها من زوجها الكافر، وفيه تقوية
قول من قال: إن زوجها وإن أسلم قبل انقضاء العدة فلابد من تجديد
نكاح بينه وبينها، لأن الله ذكر رفع الجناح في نكاحهن - جملة - ولم
يستثن مدخولة بها، من غير مدخولة، فهو الآن حاكم لإحدى
الروايتين من تجديد النبي، ﷺ ، نكاح أبي العاص
стр. 1534
بينه وبين زينب، وأنها أثبت من الرواية التي فيها ردها عليه
بالنكاح الأول، فكل امرأة تحت كافر أسلمت - وهي غير مدخول
стр. 1535
بها، أو مدخول بها، ثم أسلم زوجها - جدد نكاحها على هذا المعنى.
ومن زعم أن المدخول بها غير محتاجة إلى تجديد النكاح - إذا أسلم
زوجها قبل انقضاء عدتها - فهو يخص عموم الآية الدالة على قطع
العصمة بالنكاح، وخصوص العموم لا يجوز إلا بالنصوص وهي
معدومة ها هنا.
فإن شبه على أحد، وتأول أن الرواية في تجديد النبي، صلى الله عليه
وسلم، نكاح زينب كان من أجل انقضاء عدتها، فقد ادعى على الخبر ما
لم يؤده بتوهمه، وكذب الرواية الأخرى في أنه ردها عليه بالنكاح الأول
بإجماع الأمة، إذ لا خلاف بينهم - وهو من الإجماع المحصل - أن إسلام
الزوج إذا كان بعد انقضاء العدة لم يكن من تجديد النكاح بد، فكيف يحتمل تعارض الروايتين في شيء أحدهما خطأ
بيقين، هذا ما لا يتوجه - أصلاً - ولا يجوز توهمه على ناقل.
стр. 1536
فإن قيل: فكيف لم تبحها قبل انقضاء عدتها لغيره من المسلمين بظاهر
الآية، إذ كانت عندك على جميع الأزواج؟.
قيل: لشهادة الكتاب والسنة والإجماع بأن كل مصابة من النساء
باسم النكاح لا تحل لغير مصيبها إلا بعد استبراء يكون من مائه، وإن
كان فيهم من يسميه عدة، ومختلف في كميتها.
فإن قيل: فمتى تحل لغيره - إذا أسلمت - مدخولاً بها؟.
قيل: لما دلت الآية على قطع العصمة، واخترنا - بدليلها - على أن
زوجها -أيضاً - لو أسلم قبل انقضاء عدتها احتاج إلى تجديد نكاح؟.
قلنا: تحل للأزواج بعد حيضة واحدة، لأنها ليست بمطلقة تحتاج إلى
ثلاثة قروء، وإنما هي امرأة منفسخة النكاح بينها وبين زوجها.
ومتلطخة بما تحتاج إلى الاستبراء منه، لئلا يفسد نسب المتزوج بها.
وهو نص حكم رسول الله، ﷺ ، في التلوم (١)
بوطء السبايا الموقوفات، ذوات الأزواج، حيضة في الحائل منهن.
стр. 1537
ولا فرق بين منفسخة نكاحها بالرق، وبين منفسخة نكاحها بالإسلام.
إذ المحصول من الأمرين تحريمها على الزوج الأول بالحادث عليها
من الإسلام والرق.
وكذا نقول في المختلعة، وأم الولد المتوفى عنها سيدها.
وكل من حرمها على زوجها غير الطلاق أنها لا تزيد في العدة على
حيضة ثم تحل بعده إلى أن يخص الكتاب أو السنة أو الإجماع - في
موضع - فسخًا بالأقراء فيسلم له، وإلا فالحيضة استبراء تام في كل
موضع.
والمطلقة -أيضاً - تبرأ بحيضة واحدة من الحبل، إلا أن الحيضتين
стр. 1538
الباقيتين تعبد عليها، وتمام أجل خلوها منه، لا من الاستبراء.
وقد رُوّينا عن ابن عباس، والرُّبيّع بنت مُعَوّذ بن عَفْراء أن النبي.
ﷺ ، أمر امرأة ثابت بن قيس بن شَمَّاس - حين
اختلعت منه - بحيضة واحدة.
стр. 1539
وحكم به عثمان بن عفان - في خلافته - وأصحاب رسول الله.
ﷺ ، متوافرون، لا نعلم أحدَا عارضه فيه.
стр. 1540
وروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن وعكرمة والحَكَم: إذا
أسلمت بانت من زوجها من ساعتها، وإن أسلم بعد ذلك فهو
خاطب لا تحل له إلا بنكاح جديد، وهو قول أبي ثور.
قال أبو عبد الله المروزى: هذا أصح الأقاويل في النظر، واللِّه أعلم.
стр. 1541
النكاح بغير الصداق:
* * *
وقوله: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)
دليل على أن لا يحل لمسلم وطء كافرة إلا الكتابية المستثناة له في سورة النساء بقوله:
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
قال محمد بن علي: وقوله: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) - ها هنا -
وفي قوله: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
وفي قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ) ، يدل على أن النكاح بغير صداق غير جائز.
لأن الله ﵎ أباح النكاح في هذه الأمكنة مقرونًا بإيتاء
الأجور، وابتغائه بالمال، وليس في إفراد ذكره في أماكن بمؤثر -
стр. 1542
والله أعلم - في المواضع المقرونة بما ذكرنا، بل المفسَّر أحرى أن يحكم
على الجمل.
وقد ذهب قوم إلى أن قوله ﵎: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) ، دليل على أن النكاح بغير صداق ثابت، واحتجوا من السنة بحديث بَرْوَع.
فأما ما احتجوا به من دليل الآية فليس بملفوظ، إنما هو احتمال.
وما ذكرنا من الآي الثلاث ملفوظ، والملفوظ أقوى من الاحتمال.
مع أنه قد يحتمل - والله أعلم - أن يكون (وقد فرضتم لهن فريضة
محدودة) إذ كان النكاح جائزًا - في السُنة - على نعلين، وعلى القبضة
من الطعام، وسورة من القرآن،
стр. 1543
وخاتم حديد وشبهه ما لا تصف له مدركًا بنفسه حتى يتعرف بغيره.
فيكون فرض نصف الصدقات المحدودات للمطلقات بالآية، ونصف
ما نزل بالقيَم والتراضي، أو رده إلى نصف صداق المثل، في
الصداق الفاسد، وفيما لا يوصل إلا على التعديل والتقسيط إلى
стр. 1544
نصفه بالإجماع، فيكون أحد ما تحتمل معنى الآية، وإذا احتملت الآية
وجهين، كليهما غير ملفوظ، كان الحكم بأحد الوجهين - في المراد
بها - غير جائز في حق النظر.
والملفوظ في الآي الثلاث، من إيتاء الأجور وابتغاء النكاح بالمال
مقرونًا بإباحته، مستغن بنفسه غير محتاج إلى تقويته بغيره.
وقد يرد الحرف في القرآن على سعة اللسان فلا يحكم له بكل ما احتمل
سياقه، ألا تراه يقول - جل وتعإلى -: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) ، فهل يقول المستدل على جواز
النكاح بغير صداق بقوله: (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) : إن المطلق امرأته بعد مسيسها، أو تسمية صداقها - وإن أوفاها كاملاً - حرج في الطلاق، آثم في إيقاعه، إذ سياق الآية يدل على أن الجناح مرفوع عمن طلق قبل المسيس، أو تسمية فرض، بل نفس
стр. 1545
هذه الآية أقوى له من التي احتج بها، إذ مع الجناح الذي دل عليه
سياق الكلام، يصفه في طلاق من لم يُسم لها صداق، فلولا أن
النكاح يثبت - بغير تسمية مهر - ما كان لطلاق من ليس بزوجة
وجه يحرج به المطلق، أو لا يحرج.
فإن تجشَّم الاحتجاج بهذه الآية طولب باستعمال جميعها، وإن
اقتصر على الأولى عُورض بما عليه في هذه الآية.
وأما حديث بَرْوَع فمطعون على إسناده عند جماعة، وثابت عند
غيرهم.
الشافعي ﵁ ممن يطعن على إسناده، ويجيز النكاح