النكاح بغير الصداق:
* * *
وقوله: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)
دليل على أن لا يحل لمسلم وطء كافرة إلا الكتابية المستثناة له في سورة النساء بقوله:
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
قال محمد بن علي: وقوله: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) - ها هنا -
وفي قوله: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
وفي قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ) ، يدل على أن النكاح بغير صداق غير جائز.
لأن الله ﵎ أباح النكاح في هذه الأمكنة مقرونًا بإيتاء
الأجور، وابتغائه بالمال، وليس في إفراد ذكره في أماكن بمؤثر -
стр. 1542
والله أعلم - في المواضع المقرونة بما ذكرنا، بل المفسَّر أحرى أن يحكم
على الجمل.
وقد ذهب قوم إلى أن قوله ﵎: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) ، دليل على أن النكاح بغير صداق ثابت، واحتجوا من السنة بحديث بَرْوَع.
فأما ما احتجوا به من دليل الآية فليس بملفوظ، إنما هو احتمال.
وما ذكرنا من الآي الثلاث ملفوظ، والملفوظ أقوى من الاحتمال.
مع أنه قد يحتمل - والله أعلم - أن يكون (وقد فرضتم لهن فريضة
محدودة) إذ كان النكاح جائزًا - في السُنة - على نعلين، وعلى القبضة
من الطعام، وسورة من القرآن،
стр. 1543
وخاتم حديد وشبهه ما لا تصف له مدركًا بنفسه حتى يتعرف بغيره.
فيكون فرض نصف الصدقات المحدودات للمطلقات بالآية، ونصف
ما نزل بالقيَم والتراضي، أو رده إلى نصف صداق المثل، في
الصداق الفاسد، وفيما لا يوصل إلا على التعديل والتقسيط إلى
стр. 1544
نصفه بالإجماع، فيكون أحد ما تحتمل معنى الآية، وإذا احتملت الآية
وجهين، كليهما غير ملفوظ، كان الحكم بأحد الوجهين - في المراد
بها - غير جائز في حق النظر.
والملفوظ في الآي الثلاث، من إيتاء الأجور وابتغاء النكاح بالمال
مقرونًا بإباحته، مستغن بنفسه غير محتاج إلى تقويته بغيره.
وقد يرد الحرف في القرآن على سعة اللسان فلا يحكم له بكل ما احتمل
سياقه، ألا تراه يقول - جل وتعإلى -: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) ، فهل يقول المستدل على جواز
النكاح بغير صداق بقوله: (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) : إن المطلق امرأته بعد مسيسها، أو تسمية صداقها - وإن أوفاها كاملاً - حرج في الطلاق، آثم في إيقاعه، إذ سياق الآية يدل على أن الجناح مرفوع عمن طلق قبل المسيس، أو تسمية فرض، بل نفس
стр. 1545
هذه الآية أقوى له من التي احتج بها، إذ مع الجناح الذي دل عليه
سياق الكلام، يصفه في طلاق من لم يُسم لها صداق، فلولا أن
النكاح يثبت - بغير تسمية مهر - ما كان لطلاق من ليس بزوجة
وجه يحرج به المطلق، أو لا يحرج.
فإن تجشَّم الاحتجاج بهذه الآية طولب باستعمال جميعها، وإن
اقتصر على الأولى عُورض بما عليه في هذه الآية.
وأما حديث بَرْوَع فمطعون على إسناده عند جماعة، وثابت عند
غيرهم.
الشافعي ﵁ ممن يطعن على إسناده، ويجيز النكاح
стр. 1546
بغير صداق بدليل الآية التي ذكرناها.
وقد عارضه - مع ذلك - حديثان يقاربانه في النقل لا يمكن براءتهما
من الطعن على طريقتهما.
أحدهما: حديث أبي عبد الله بن محمد بن وهب قال: فى ثنا
إبراهم ابن سعيد الجوهري، قال: دثنا عثمان بن خالد
العثماني، قال: دثنا سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان - هو
ابن عفان - قال: دثنا هشام ابن عروة،
стр. 1547
عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل ".
والآخر: حدثناه الحسين بن إسحاق بن إبراهيم العِجلي، قال: دثنا
стр. 1548
أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، قال: دثنا عبد الرحمن بن قيس -
قال أبو أحمد: هو أبو معاوية الزعفراني - قال: دثنا
نهاس ابن قهم، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ -
стр. 1549
قال: " لا نكاح إلا بولي، وشاهدين، ومهر ما قل أو كثر".
ورُوِّيناه عن علي بن أبي طالب، حدثناه حمويه بن محمد أبو جعفر
الأصبهاني، قال: دثنا محمد بن مِهْران الجمَّال، قال: دثنا
عيسى بن يونس، عن موسى بن عُبيدة،
стр. 1550
عن الأصبغ بن محمد عن علي ﵁ قال: " لا نكاح إلا بولي، وشاهدين، وصداق مسمى ".
стр. 1551
وقد اختلف عنه، روى سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب.
عن عبد خير، عن علي أنه كان يجعل على المرأة التي لا يفرض لها العدة
ويعطيها الميراث، ولا يعطيها الصداق.
وكذا قول ابن عمر،
стр. 1552
وزيد بن ثابت، وابن عباس من رواية ابن جريج، عن عطاء، عنه
خلاف حديثه المرفوع.
قال محمد بن علي: فلما كان سبيل الآية ما ذكرنا عن اعتوار الوجهين
لها، وسبيل الحديث المرفوع ما لحقه من الطعن على النقل، والمعارضة.
لم يجز الحكم بأحدهما دون الآخر، وكان حق النظر، والاحتياط، مع
стр. 1553
شهادة الآيات الثلاث لهما بما أودعت من اقتران الشرط أن
لا يحل فرج امرأة - محرمة بيقين - إلا بنكاح يسلم من الاعتراض عليه
بشيء مما ذكرنا، وهو أن يُسمى معه صداق معلوم القدر والعدد، أو
معلوم العين، فإن عقد بغير صداق - بتة - فاللَّه أعلم كيف هو.
وأنا أتهيب أن أقول فيه شيئًا، لما أعرف من إطباق أكثر العلماء على
جوازه.
وحديث بَرْوَع وإن كنا ذكرنا علته، فقد رويناه من طريق الثوري غير
معلول، أخبرنا محمد بن زكريا القرشي، قال: دثنا أبو حذيفة.
دثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم،
стр. 1554
عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه أفتى في رجل تزوج
امرأة، فمات عنها، ولم يكن فرض لها شيئًا، ولم يدخل بها.
فسألوه شهرًا، فقال عبد الله: أقول برأي: لها صداق نسائها.
وعليها العدة، ولها الميراث.
فقال معقل بن سنان الأشجعي: قضى رسول الله، ﷺ ، في بَرْوَع بنت واشق - امرأة من بني رؤاس بن
كلاب - بمثل ما قضيت. ففرح بذلك.
стр. 1555
قال سفيان: وبه نأخذ.
قال أبو أحمد: فوجهه - عندنا - كون الآية أنه لم يكن فرض لها
شيئًا محدودًا.
ويلزم من قال: إن نهي النبي، ﷺ ، عن
стр. 1556
الشِّغار، هو عن العقد، لا عن المهر - أن يبطل النكاح بغير تسمية
مهر - بلا لبسة - إذ ليس هناك شيء يفسده غير تسمية المهر، والله
أعلم.
стр. 1557
سورة الصف
قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) .
دليل على تعبئة الحرب والتظاهر في القتال، وتشبيه الشيء بما ليس من جنسه، إذ البنيان ليس من جنس الروحانيين من البشر، والذي منهم بالبنيان - والله أعلم - توازرهم على القتال، والإزماع على ترك الفرار، لا زوال تحركهم في الصف، إذ معلوم أن المقاتل لابد له من حركة.
وفي ذلك دليل على أن إعداد القائسين هذه الآية، وشكلها من
الآيات ليس بحجة لهم في إطلاق القياس، إذ سبيل القياس - عند
أهله - رد الشيء إلى نظيره، وما يشاكله في شبهه من أكثر جهاته.
وهذا تشبيه شيء بغير نظيره.
وما هو -أيضاً - نظير من البنيان وثبات القدم في الحرب فهو - في
الحقيقة - جمع بين متحرك وساكن، فإن كان القائس يسومنا أن نقر له
стр. 1558
بأن مشابه ما في الحنطة من الكيل والقوت والنبات نظير ما في الأرز
والعدس والحمص، كما أن شبه ثبات القدم في الحرب موجود في
البناء المرصوص، الذي لا يزعزعه إلا الهدم، ولا يفرق نظام الصف
إلا الفشل والفرار والهزيمة، فنحن نعترف له به، وإن كان يريد أن الحنطة لا ائتلفت بما ذكرنا من مشابهها مع الأرز والعدس والحمص لم يكن بد من أن يحرم التفاضل فيها، لزمه ألا يبطل نظام صف المقاتلين وثبات أقدامهم في الحرب، لما أشبه ثبات البنيان لم يمكن فيهم الفشل، والهزيمة محال إلا عند تهدم البنيان، فيورد ما ليس في العرف والعادة وجواز تفرق نظام صف القاتلين فارين أو مغلوبين، كما ليس بدًّا - عنده - من أن يكون مشابه الحنطة في شيء يلحق أشباهها في التحريم بها، أو يقول: إن جائزًا على الحنطة التي هي الأصل، والعدس الذي هو الفرع - معًا - أن يزول تحريم
التفاضل فيهما، كما جائز على الصف الذي هو الفرع، والبنيان الذي
هو الأصل زوال المشابه عنهما، بأن يتهدم البنيان، ويتفرق نظام
الصف بالفرار وغيره، فيقع فيما هو أقبح من الأول أو ينصف -
стр. 1559
من نفسه - فيقول: إن ائتلاف مشابه الحنطة والأرز لم يصيّر الأرز حنطة.
كما لم يصيِّر مشابه الصف من البنيان الصف بنيانًا، وحكم التحريم غير
المشابه، لأن التحريم لا يدرك عينه في الحنطة، كما يدرك عين الكيل
فيها وفي الأرز، ويدرك ثبات المقاتلين في الحرب وثبات البنيان معًا.
فنفس ادعاء مشابهة التحريم من الحنطة والأرز خطأ ومكابرة قبل أن
يسلكا في التحريم مسلكا واحدًا، وادعاء مشابه ثبات البنيان والصف
صواب في الحكاية.
ولو ادعى مدع أن المقاتلين في الصف ثبتوا من أجل أن البنيان حكمه
أن يثبت، لا أن ثباتهم كان بمعنى آخر، وإنما شبه نفس ثباتهم بالبنيان
لكان حينئذ مساويًا في الخطأ المدَّعَى مشابه التحريم من الحنطة والأرز.
فلما علم بلا إشكال أن ثبات المقاتلين في الصف ليس من أجل
ثبات البنيان في الأس، وإنما ثباتهم في الصف، أو إزماعهم على
المظاهرة يشبه ثبات البنيان علمنا أن التحريم في تفاضل الحنطة لم يقع
من أجل أنها مأكولة مكيلة فيلزمنا حمل الأرز عليه من أجل أنه مأكول
مكيل.
стр. 1560
قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) .
دليل على أنهم كانوا يجحدون نبوته فيكفرون بها على بصيرة، وكذا كان - عندي - سبيل كل نبي مع قومه، يعرفونه، ثم ينكرونه، لتكون الحجة ألزم لهم، ألا تراه يقول - سبحانه في
محمد، ﷺ : (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) .
فاستوجبوا اللعنة بجحودهم به بعد العرفة.
* * *
قوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) .
حجة على المعتزلة والقدرية، إذ قد أخبر - في كلام واحد - عن زيغهم وإزاغتهم، كما ترى.
* * *
قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) حجة على كل من يسر دينًا بعد دخوله في دين الإسلام.
من أهل الأهواء جميعًا، وقد بيناه في سورة التوبة.
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)
стр. 1561
دليل على أن التجارة اسم واقع على طلب الأرباح ونماء الأموال، ومحابّ النفوس معًا، وقد لخصناه في سورة البقرة.
* * *
قوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .
إلى (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) .
دليل على أن الطاعة تثمر للمرء محاب الدنيا والآخرة، وأن طلب الأرباح - في الدنيا والآخرة - بالطاعة أسرع إدراكًا لطالبه منه بغيرها.
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) .
حجة واضحة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لا يشك أحد أن نصر الله إنما هو نصر دينه، ولا يكون نصره إلا بالمعونة على إقامة
أمره ونهيه وعلوهما، والأخذ على يدي من يريد ذله وإهانته، ولا
يكون ذله وإهانته إلا في تضييع أمره ونهيه اللذين قوام الدين بهما.
فأي حجة تلتمس على وجوبها من نصر قوله في الأمر
سورة الجمعة
* * *
قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) .
من الكلام الذي خوطب الناس بباطنه دون ظاهره -
إذ معناه: أنهم حملوا العمل في التوراة فلم ينتهوا إليه، ونبذوه وراء
ظهورهم، لا أنهم أمروا بحمل المكتوب من التوراة، وهذا دليل على
سعة اللسان، ففيه حجة في ضرب الأمثال، وبيان ضرب الأمثال
مخالف للقياس، إذ لا يشك أحد أن حمل هؤلاء التوراة إذ لم يعملوا
بما فيها يشبه حمل الحمار الكتب لا يعلم ما فيها، فلم يفعلوا ذلك.
من أجل أن الحمار يحمل الكتب، ولا الحمار حمل الكتب من أجل أن
في الناس من يحمل كتابًا لا يعمل بما فيه، كما يزعم القائسون: أن
الحنطة حرم التفاضل فيها لعلة القوت والنبات والكيل، فيحمل كل ما
كان ذلك فيه - في التحريم - عليه، فليس لاستشهادهم بهذه الآية
وجه.
فإن سامونا القول بالقياس، فليدلونا على أن الله ﷻ
حرم التفاضل في الحنطة لما ذكرناه من عللها، لا أنه ابتدأ تحريم ذلك على لسان رسوله ﷺ كيف أراد
стр. 1564
ولا يجعلوا توهمهم حجة علينا.
المعتزلة:
* * *
وقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)
حجة على المعتزلة والقدرية، إذ لو كان كل مبعوث إليه رسولاً، ومدلول على طريق الهداية يقدر بنفسه - أن يهتدي من غير أن يهديه الله ما كان في
ذلك فائدة، ولا كان عليهم عقوبة، وهذا - لا محالة - إخبار عن
قوم حمّلوا التوراة، وبعث إليهم موسى - صلى الله عليه - فهل كان
بقي عليهم بعد بعثة الرسول، وإنزال الكتاب إلا المعونة من الله في
السلك بهم سبيل ما أريد منهم، أفليس بينًا لا إشكال دونه، أن هذا
من العدل الذي نستيقن كونه، ونجهل كيفيته، إذ قد سمى قومًا
محتاجين إلى معونته على الهداية، ظالمين مع منعها منهم، وإخباره عن
نفسه بأنه هو ما نفعهم سبحانه.
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)
رد على من يزعم أن المتيمم من الجنابة إذا وجد الماء ليس بفرض عليه أن يغتسل لما يستقبل من الصلاة حتى يجنب
стр. 1565
ثانية، معتلاًّ بقول رسول الله ﷺ لأبي ذر:
" إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك، فإنه خير.
فيقال: إن كان قوله: " فإنه خير " يدل على أنه اختيار، لا فرض.
فقل إذا: إن السعي إلى الذكر - عند الأذان - وترك البيع اختيار لا
فرض، لقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) ،
стр. 1566
فإن سوّى بينهما وقال: هذا -أيضاً - اختيار لا فرض، قابل الأمة
بالخلاف، إذ لا نعلم أحدًا يعده خلافًا يشك في أن إتيان الجمعة.
وترك البيع فرض، لا اختيار.
وإن قال: لا يدل هذا على الاختيار.
قيل له: ولا ذاك يدل، إنما معناه - والله أعلم - أن غسلك بعد
وجود الماء خير من أن تبقى بعد زوال رخصة التيمم، على حال لا تكون
لك صلاة مستقبلة، وكذاك هو ها هنا: إن طاعتكم للَّه - جل وتعالى -
في ترك البيع، وإتيان الجمعة خير لكم من معصيته في ترك الجمعة.
والاشتغال بالبيع، والله أعلم.
وهذا، وإن كان بذكر الخير قد تشاكلا، فإنهما في المعنى قد اختلفا
بما تقدمهما من الكلام، إذ المتَيَمَّم قد شهد له بالطهارة، وأقيم
مقام الوضوء، عشر من سنين، وأدّى فرضه - فيه - فصار ذكر الخير له
فضيلة بيقين، والساعي إلى الجمعة، وترك البيع - حينئذ - إن لم يسع.
ولم يترك البيع كان عاصيًا فصار ذكر الخير له فريضة بيقين.
ترك لفظ الظاهر:
* * *
وقوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)
стр. 1567
من المواضع التي يترك فيها لفظ الظاهر، لقيام الدليل على أنه
وإن كان من ألفاظ الأمر فهو إطلاق بعد حظر، ومثل هذا قوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) ، هو إباحة بعد حظر، لا أعلم في ذلك خلافًا
يعتمد، وهو كذلك، والله أعلم.
وكذلك قوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) -
والله أعلم - حض على سبيل الفلاح، وبلوغه بكثرة ذكره، لا أن
حد الكثير مفروض بلوغه، لقيام الدليل على إعواز معرفة حد غير
محدود، فكلما أكثر المرء ذكر الله، كان أزيد لفلاحه، وأجدر
لنجاحه، وأقرب إلى النجاة من عذاب ربه، ولا تلحق به المعصية إلا
في وقت لا يذكره - بتة - ولا يحذر نظره عند معصية أو الاهتمام
ببليّة، وهذا غير ممكن فيمن يقيم الصلوات الخمس، ويؤذن.
ويتلو القرآن، ويشكر الله - جل وتعالى - على النعم الظاهرة
والباطنة، وهذا كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ، وكقوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)
والله أعلم.
стр. 1568
قوله: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) .
دليل على أن الخطبة تخطب من قيام، والهاء في (إليها) راجعة على
التجارة، أو على الفعلة السيئة في الانفضاض عن ذكر الله، وترك
رسول الله ﷺ والله أعلم.
(قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) .
نظير ما مضى في سورة المائدة من قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ)
стр. 1569
سورة المنافقين
ذكر الزنديق:
* * *
قوله: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) إلى قوله: (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) .
حجة على من قال: الزنديق لا يستتاب، ولا تقبل توبته، بل يقتل إذا عرفت زندقته، ألا ترى إلى إخبار الله ﵎ عن المنافقين بإضمار الكذب، وخلاف الطوية لما يعلنون به من شهادة الحق، وجعل الأيمان جنة ليسلموا من
стр. 1570
القتل، فكيف يجوز إذا أظهر بلسانه ما هو عَلَم لحقن الدماء وزوال القتل
عن فساد الطوية، مع تخلية الله، وتخلية رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، بين المنافقين وسوء طواياهم، وحقن دمائهم بظاهر القول.
أترى معرفة الحاكم بطوايا المعروفين بالزندقة، إذا تابوا - بظاهر
القول -. أكثر من معرفة الله - جل وتعالى - بطوايا المنافقين؟!.
قد يمكن - لا محالة - أن يكون المعروف بالزندقة قد استوى باطنه
مع ظاهره من حيث قد خفي على الحاكم الذي لا يقدر أن يظهر على
الطوايا، كما يظهر عالم الخفيات على سرائر خلقه، فإذا كان من
لا شك في كفره - ممن يشهد الله بكذبه من المنافقين - قبل منه ظاهره
ولم يقتل، فالمعروف بالزندقة إذا أظهر القول بالتوبة، مع إمكان انتقال
حاله، وعدم ظهور الحاكم على سره أحرى أن يقبل قوله، ولا يشاط
دمه، فهذا واضح لا إشكال فيه.
ولولا أن النبي، ﷺ ، عذر المخطئ من
المجتهدين، ووعده عليه أجرًا واحدًا لكان مشيط دم المعروف
стр. 1571
بالزندقة - بعد توبته - لا عذر له مع ظهور هذه الحجة، وزوال التشابه
عنها من كل جهة.
وقد أخرج رسول الله، ﷺ ، من المسجد ناسًا
منهم، حين أنزل الله - جل وتعالى -: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ) ، ولم يقتلهم.
الزكاة:
* * *
وقوله: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)
دليل على أن المرء ممنوع من ماله عند حضور أجله، وغير مسلط على إنفاذ إرادته فيه، كهيئة ما كان في
стр. 1572
صحته، وأن لا سبيل له على أكثر من ثلثه الذي أباح الله له على لسان
رسوله، ﷺ .
ودليل - واضح - على أن ما فرط فيه من إخراج زكاته لا يجاوز ثلثه
إن أوصى به، ويلقى الله ببقيته، إذ النفقة في القرآن هي الزكاة
المفروضة، فلو قدر على إخراجها بعد ندامته، بعد دنو منيته، أو
الوصية بها من رأس ماله، ما كان في مسألة تأخيره إلى أجل قريب
стр. 1573
يَصَّدق فيه فائدة، ولكان ممهدًا له تلافي تفريطه - إذا شاء - قبل
خروج روحه، فهذا بين لمن تدبره.
فإن قيل: أفلا تكون الزكاة أسوة الديون المقدمة على الميراث مع
الوصية؟.
قيل: إن الزكاة وإن كان وجوبها كوجوب الدين فلا يقع عليها - في
اللغة - اسم دين " لأن الدين ما يستدان، والزكاة الواجبة عليه - في
ماله - لم تصر في يد الفقراء قط، ثم أخذها منهم فيكون مستدينًا أو
غاصبًا، إنما هي شيء اؤتمن المسلم عليها، يخرجها من أمواله بحد
معلوم، وحول كامل، ولا مالك لها بعينه إلا بعد وصولها إليه،
стр. 1574
كما يكون للديون والمظالم أرباب بأعيانهم، فإذا فرط في
إخراجها - بعد مضي الحول - فهو خائن بحبسها، ظالم فيما بينه وبين
ربه، فإذا أداها قبل حظر ماله عليه فذاك، وإلا لم يكن له سبيل
على مال وارثه، المجعول له بعد موته، إلا الثلث المؤقت له.
والمسلط عليه دون سائره.
فإن قيل: فما تقول في الحجة الواجبة، أهي من رأس المال، أم من
الثلث؟.
قيل: بل من الثلث كالزكاة، لا يختلفان في هذا المعنى بل الحجة أضعف من الزكاة، لأن الزكاة في المال - وحده - والحجة على بدنه وماله، ألا ترى أن كثيرًا من أهل العلم والمفسرين جعلوا الاستطاعة إلى الحج في الصحة، لا في الزاد والراحلة، لأن الخبر
стр. 1575
في الزاد والراحلة واهي، الإسناد، فإذا كان الأمر كذلك. فهي
في الثلث إن بلغت، وإلا لقي الله - جل وتعالى - بوزرها، إن شاء
عذبه، وإن شاء عفا عنه.
فإن قيل: أفليس النبي، ﷺ ، سماها دينًا، حين
стр. 1576
قال للخثعمية: " فدين الله أحق " فَلِمَ لا تحجعها مقدمة على الميراث
стр. 1577
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) ؟.
قيل له: إن في حديث الخثعمية معاني تمنع من سلك الحجة - في
ذلك - مسلك ديون العباد.
فمنها: أن الخثعمية لا تخلو من أن تكون حاجة عن أبيها بمالها، أو
بمال أبيها، أو بأمره، أو بغير أمره.
فإن كانت حجة عنه بمالها فهي متطوعة، وإن كان بماله فإنما عمل
عنه عملاً وجب عليه في حين أمره جائز في ماله، إذ لم يحضره الموت
الذي يحجر مالَه.
وظاهر ما يدل عليه الحديث أنها كانت متطوعة عنه " إذ لفظ الحديث
أنها قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده - في الحج -
أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، فهل ترى أن
стр. 1578
أحج عنه؟.
ولو كانت قالت - أيضاً -: " بماله "، ما كان فيه شيء، لما دللنا
عليه من أنه في حين يكون مسلطًا على جميع ماله.
ومنها: أن تفسير السبيل بزاد وراحلة لم يثبت في الأصل حتى
نصرف إدراك فريضة الله - له - إلى الزاد والراحلة.
وليس في قولها: " لا يستطيع أن يثبت على الراحلة " ما يجُعل به
الراحلة من سبيل الحج، لأن الناس قد يركبون رواحلهم في أسفارهم
إلى الحج وغيره، مستطيعين، وغير مستطيعين.
وقد صرحت في الحديث لرسول الله، ﷺ ، بأنه
لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، فلا أدري كيف وجه الحديث في هذا
الشيخ، مع ذهاب طاقته، وفقد صحته، وضعف الدليل على أن
الاستطاعة هي الزاد والراحلة، أكثر من أنه فرط في صحته فقضت عنه ابنته ما عجز عنه بعد فقدها.
ومنها: أن المرأة مختلف في أداء فرضها - في حجة الإسلام - عن
نفسها بغير محرم، فكيف عن غيرها؟.
стр. 1579
فإن كانت حاجّة عنه بغير أمر قاطع من أبيها لها فحجها عنه تطوّع -
بغير شك - وما كان من الأسفار تطوعًا لم يجز خروجها فيه بغير محرم.
لقول رسول الله، ﷺ ،: " لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه
واليوم الآخر أن تسافر سفرًا "
غير مؤقت في حديث ابن عباس ومؤقت - في حديث غيره - بيوم وليلة، وبثلاثة أيام
стр. 1580
" إلا مع ذي محرم منها " وسيما الشابة.
وفي الحديث أن الخثعمية كانت شابة، يصرف النبي، ﷺ ، وجه الفضل بن عباس عنها.
وإن كان بأمر قاطع من أبيها فلا يجوز لها أن تطيعه فيما هو معصية
عليها من خروجها بغير محرم.
وإذا كان محرمها لا يجبر - بإجماع الأمة - على الخروج معها وهي
حاجة عن نفسها، لم يجبر عليه إذا حجت عن غيرها.
فالحاجة عن أبيها لا تقدر أن تخرج عنه سالمة من العصيان، إلا في
حين يتطوع محرمها بالخروج معها، وهذا يقل.
ولو ذهب ذاهب إلى توهين هذا الحديث، ونفيه عن رسول الله ﷺ لما اعتوره من هذا المعنى، وقال بقول من قال: لا يحج أحد عن أحد، أوجد مساغًا فيه.