Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
تتفق الأمة على فرع شرع قبل أن يفرض أصله؟! ، هذا ما لا وجه
وإيجاب النفقة بالحمل ممكن أن يكون من حق الولد الواجب نفقته على
الآباء، ويحُبس عليه قسمة الميراث، فهذا الاحتمال أبين مما ذكرناه في
الآية الأولى.
من قوله: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بيُوتِهِنَّ) ، والله أعلم كيف هو.
стр. 1612
القياس:
قال محمد بن علي: ولو لم يكن من الدليل على بطلان القياس إلا
إجماع الأمة على إبقاء أحكام بين زوجين قد قطع الطلاق عصمة نكاحهما
لكفى، فعلى أي علة وقع هذا الحكم - ليت شعري - والعلة المسماة
بالنكاح الذي كانت الأحكام تجب بها زائلة بالطلاق الذي يحلها
للأزواج، ويقطع ميراثها بعد انقضاء العدة. لو حدث الموت بعده.
ففي هذا أكبر معتبر لمن اعتبر أن الأحكام لا تقع معللة، إنما تقع
تعبدًا محضًا لا شوب فيه، وعلى المحكوم عليه اتباعها، وترك البحث
стр. 1613
عن عِلَلِها، فضلاً عن أن يحمل عليها أشباهها عنده.
ذكر وجوب نفقة الولد:
* * *
قوله: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
حجة في وجوب نفقة الولد، وفي أن الأمَّ لا تحرم الأجرة وجد الأب متطوعة، من الأجنبيات، أو لم يجد، لأن الله - جل وتعالى - أمر بإيتاء
أجورهن أمرًا عامًا، وهو يعلم أن في الآباء من يجد متطوعة -
مغنى - مع عموم الآية بالأمر.
وفيها -أيضاً - دليل على أن ما لا يمكن تعريته من المجهول، ولا يضبط بالتسمية في الإجارات جائزة.
* * *
وقوله: (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) .
دليل على أن الأم إذا أرادت الإجحاف بالأب في إغلاء أجرة الرضاع، كان للأب دفعه إلى أجنبية، ولم يجبر الأب على أكثر من أجرة مثلها في إرضاعها.
стр. 1614
وقوله: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) .
دليل على أن التقتير في الإنفاق - مع السعة - على الأنفس والعيال مذموم، ولا نعلم رسول الله ﷺ ولا الخلفاء بعده قتروا على أنفسهم مع السعة، وكانوا كما قال الله في هذه الآية -.
(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) .
وفي (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) .
دليل على أن نفس المال يسمى رزقًا، لا أن اسم الرزق لا يقع إلا على ما استهلك بالأكل، واللباس، وما أشبههما.
* * *
قوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)
دليل على أن من وجب عليه نفقة قوم فلم يقدر على تمامها
لم يلزمه الإقحام على ما لا يحل له، ووجب عليه الاقتصار على ما أوتي
من الرزق، وعلى من يمون الصبر معه على انتقال حاله من العسر
стр. 1615
إلى اليسر الذي وعده الله في هذ" الآية، ولو جعل هذا المعنى جاعل حجة
في ترك التفرقة يين المعسر بنفقة أمرأته وجد فيها متفسحا - والله
أعلم - إذ سبيل من أعسر بجميع الكفاية، ومن أعسر ببعضها
واحد لإحاطة العلم بأن ما لابد منه من حد محدود لم يغن بعضه
عن جميعه.
الكافر يحاسب يوم القيامة:
* * *
قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ)
إلى قوله: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) .
دليل على إجازة تأخير المعنى إلى آخر الكلام، والإشارة إليه في أوله، إذ العتو من القرية، وما ذكر من شأنها كله مقصود به أهلها الذين رجحت " الهاء والميم " عليهم في (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ) ، وفيه دليل على أن الكافر يحاسب.
стр. 1616
قوله: (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا)
حجة في استعارة الكلام من المخلوقين، ووضعه موضع غيره إذا دل عليه لفظه، إذ أصل الذوق إنما هو بالفم، فلما أراد الإخبار عن وجود مضض العذاب، وسوء العاقبة، به أخبر، والقرآن نازل بلغة العرب، واذا كان الجليل - سبحانه - يفعل ذلك والكلام غير معوز عنده، ونسبة الضيق -
عنه - إليه كفر ممن توهمه فالمضطر إليه من البشر أحرى أن
يستعمله، ومثله قوله في سورة المائدة: (وَبَالَ أَمْرِهِ)
стр. 1617
قوله: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا) .
حجة في أن الله بنفسه في السماء، أو، هو رد على من ينكره.
* * *
وقوله: (رسولاً)
إضمار - والله أعلم - كأنه قال: (أنزل اللَّه إليكم ذكرًا وأرسل رسولاً) ، لأن الذكر هو القرآن، والله أعلم.
وفي قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)
دليل على جواز التأكيد في لغة العرب، لأن " الخلود " مغن عن " الأبد " ودال عليه، فقوله: (أَبَدًا) تأكيد من غير إشكال.
* * *
قوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) .
المثل - والله أعلم - راجع على العدد، لا على الصورة، وفيه دليل على أن الأرض قد توضع موضع الجمع،
стр. 1618
إذ لم يقل - سبحانه - (ومن الأرضين) ثم يجمع بعد ذلك على
لفظ الجمع أيضاً.
في قوله: (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) ، دليل على أن الأرضين طباق
مثل السموات، وأن بين كل أرض وأرض خلق مستعبدون، ومنزول
عليهم الأمر، والأمر في هذا الموضع والله أعلم، إخبار عن
كلامه - جل وعلا - في كل ما ينزله مما يتعبدهم به من أمر ونهي.
كما قال: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) ، فكان أمره القرآن.
стр. 1619
وفيه - مع الأمر - نهي وإرشاد وندب إلى كل خير، وقصص الأنبياء
وغير ذلك، لا الأمر وحده.
وفيه دليل -أيضاً - على أنه سبحانه في السماء بنفسه، والأمر ينزل
منه إلى الأرضين، لولا ذلك ما كان " للفظ " التنزيل معنى.
* * *
قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)
زوال كل لبسة من أنه في السماء، وعلمه محيط بالأشياء، ولو كان كما يقول الجهلة
لكان - والله أعلم - ((وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ) فقط من غير أن
يكون فيه (عِلْمًا) ، وهذا قد فسر كل محيط في القرآن ليس معه العلم.
وهو أعلم.
стр. 1620
سورة التحريم
قوله ﵎: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) .
يقال: إنه نزل في عسل حرمه على نفسه ألاَّ يشربه.
ويقال: بل نزل في تحريمه مارية
стр. 1621
أم إبراهيم.
والذي يشبه - عندي، والله أعلم - أن يكون في تحريم مارية إذ
стр. 1622
ليس في تركه ﷺ شرب عسل - حرمه عند من كان من
أزواجه، أو جاريته - ما يبتغي به مرضات سائرهن، ولا ما يزول به
غيرتهن، إذا دخل عليها ووطيها بعد أن لا يشرب عندها عسلاً، بل أشبه
شيء أن يقلن له ﵇: نجد منك ريح المغافير، طمعا في
تزييف من شرب عندها ذلك العسل، ليزهد فيها فيحرمها، لا ليترك
شرب العسل عندها.
ومما يزيده تاكيدًا أن العسل داخل في جملة الطيبات، التي نهى الله عن
تحريمها في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) .
نزلت في رجل حرم اللحم
стр. 1623
على نفسه فعمه الله ﷻ هو وسائر المؤمنين بالنهي عن
تحريم ما حللَّه من الطيبات لهم.
ورسول الله ﷺ أجل المؤمنين قد دخل في هذا النهي
مع أمته، والمائدة آخر ما نزل من القرآن، فلو كانت آية المتحرّم نازلة في
العسل لقال النبي ﷺ للرجل - والله أعلم -: حلل
يمينك في تحريم اللحم، ولما سكت عنه حين سأله منتظرًا للوحي حتى نزل.
وما أحل الله في سورة المتحرّم، كلمة جامعة يدخل فيها العسل
واللحم، وغيرها من المأكول والمشروب، بمنصوص على لفظ
العسل فيحتاج - عند من يأبى القياس - إلى نص مجُدّد في تحريم
стр. 1624
اللحم، مع أن قوله: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) .
دليل واضح في أنه الجارية، لا العسل.
فإن قيل: لو كان كما ذكرت لكان: لم تحرم من أحل الله لك، ولم
يكن (مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) ، إذ لفظ "من " يخبر بها عن الحيوان، ولفظ " ما "
يخبر بها عن غير الحيوان.
قيل له: فقد قال الله ﵎: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ، فدخل فيه الحيوان وغيره، وأخبر بلفظ "ما" عنهم، كما
أخبر بلفظ "من " في قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) .
بل المفسرون على تسبيح الحيوان مجمعون، وفي غير الحيوان مختلفون.
стр. 1625
ولو لم يكن لنا في الجمع بين "ما" و"من " إلا في هذا الموضع هذا الشاهد -
أيضا - "لأمكن أن تكون "ما" واقعا على تحريم الوطء، فلا يكون لمن
يقصر عن سعة لسان العرب متعلق بما بيناه من قوله.
فلنا الآن أدلة في ذلك:
منها: أن كل حلف - وإن كان بغير الله، ﷻ يسمى
يمينًا، لقوله: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) .
ولم تكن يمينه ﷺ بالله جل وتعالى.
ومنها: أن المباح من فرج الأمة - الذي أباحه ملكها - حَرُم بلفظ
التحريم حتى تحلله الكفارة، كما حَرُمَ فرج الحرة المباح بعقد النكاح
стр. 1626
بلفظ الظهار حتى تحلله الكفارة، إلا أن كفارة الظهار أغلظ من كفارة
التحريم في الأمة، لأن تلك مذكورة، وهذه مبهمة، فهي بردها إلى
* * *
قوله: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) - لاتفاق اللفظين من
الأيمان - أحق من ردها إلى لفظ الظهار، أو لفظ الموعظة في
قوله: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) ، أو لفظ الحدود في قوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) ، بعد ذكر الكفارة في الظهار، فيكون على اللافظ بتحريم فرج أحل الله له من أمَة، أو حرة كفارة يمين، يخير فيها من إطعام، أو كسوة، أو تحرير رقبة.
وعلى اللافظ بالظهار عتق رقبة - لا غير - إن وجدها، وصيام
شهرين إن لم يجدها، وإطعام ستين مسكينًا إن لم يستطع صيامهما.
ليحمل كل على شرط الله ﷻ فيه.
стр. 1627
وليس لإسقاط الكفارة عن محرم الحرة - وإن لم يجعل قوله طلاقًا -
معنى مع قوله: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) ، وقوله على إثره: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) .
وهي مما أحل الله لنا، وإذا كانت مما أحل الله لنا فسواء كانت حرة، أو أمة لا يكون إيجاب الكفارة فيها إلا بالنص، لا بالقياس.
وليس لقول من جعل (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) ، ابتداء لا ردًّا على ما قبله - مع تكفير النبي ﷺ ، قوله هذا - معنى، إذ لو كان ابتداء كما زعم ما كفر النبي ﷺ عنه.
стр. 1628
فقولنا - الآن - فى إبطال الكنايات مستقيم، لا نجعل التحريم في
الحرة طلاقًا، ولا في الأمة عتقًا، غير أنا نجعله مانعا للوطء
حتى يحلله قائله بالكفارة، التي فرضها الله لنا، وأحكام الزوجة
قائمة مع زوجها، وأحكام الأمة مع سيدها كما كان، غير الوطء
وحده.
ومنها: أن محرم غير الزوجة والأمة من المأكول والمشروب لا كفارة
عليه إذ حصلت الكفارة على محرم الزوجات والإماء في هذه
الآية، وقد بان ذلك في سورة المائدة، حتى نهى - سبحانه - عن
تحريم الطيبات ولم يفرض فيه تحلة كما فرضه في سورة التحريم.
لنزولها بعدها، وهي وإن نزلت بعدها فليس يتبين أنها ناسخة لما
قبلها، فتسقط بها الكفارة عن محرم الفروج المحللة الطيبة بالملك
والنكاح، إذ لو جاز أن يقال ذلك ما كان على من حرم زوجته
بالظهار - أيضا - كفارة، والإجماع محصل في وجوبها عليه فكان تحريم
стр. 1629
الفروج مخصوصًا بها، وموضوعًا عن غيرها من المأكول والمشروب، وما أشبههما، والله أعلم كيف هو.
وما يزيد ما قلناه تأكيدًا من أن فرض تحلة الأيمان راجع على ما قبله
وليس بمبتدأ ذكره المغفرة - سبحانه - على إثر التحريم، ِ كما ذكره
على إثر التحريم بالظهار فقال - ها هنا -: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) ، وقال - هناك -:
(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) .
فدل على أنه جعل الكفارة بعد المغفرة للقولين زيادة في ستر ما غفره
من تحريم المحلل ليمحو بها المنكر من لفظ "الظهار" و "التحريم " والله
أعلم.
قوله (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا)
إلى قوله: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)
ذكر فى هذا "السر" تفسيران:
أحدهما: أنه ما أسره النبي ﷺ إلى حفصة من
стр. 1630
تحريم جاريته مارية، فأخبرت به عائشة، وهذا يروى عن عمر بن
الخطاب ﵁، وعنهما.
والآخر: أنه أسر إليها بأن أباك وأباها يليان بعدي
وهذا يروى عن حبيب بن أبي ثابت.
стр. 1631
فإن كان السر كما فسره حبيب فهو يثبت خلافتهما من القرآن
كما بينها (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ) .
لأبي بكر. وأن كان ما فسره عمر، رحمة الله عليه، ففي تلك لأبي بكر -
﵁ كفاية من القرآن، مع ما فيه من السنن، ولعمر
باستخلاف أبي بكر إياه، مع ما ذكر فيه -أيضاً - من سنن قد
حواها كتابنا "المجرد في الرد على المخالفين بالأخبار".
* * *
قوله: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) .
دليل على أن إفشاء السر ذنب من مفشيه، لولا ذلك ما دُلتا - والله أعلم - على التوبة منه، وهما وإن كانتا أفشتا سر رسول الله ﷺ
بعد ما أمرتا بالتحفظ به، وكتمانه، وطاعته فرض في حال وندب في
стр. 1632
أخرى، لا يشاركه فيهما أحد من أمته، فمن دونه ﷺ
أيضًا من المؤمنين إذا ائتمن إنسانًا بوضع سره عنده فخانه بإفشائه عليه
فهو لا محالة آثم " إذ لو لم يكن آثماً إلا بإبدائه لكفاه عما سواه.
* * *
قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ)
بعد ذكر التظاهر دليل واضح أن
المولى هو الناصر، لا المالك، إذ لو كان مالكًا لما شاركه فيه
جبريل، وصالح المؤمنين، فهو - الآن - رد على الرافضة فيما
يحملون عليه قول النبي صلى الله عليه زسلم: "من كنت مولاه فعلي
مولاه) ، أنها ولاية النصرة، لا ولاية التمليك، وهذا من
стр. 1633
حماقات الرافضة التي لا تشكل على عالم، ولا جاهل، فلم ابتاع إذًا -
ليت شعري - الجواري والمماليك بالأثمان الغالية إن كان على زعمهم
مالكهم، ومالك ساداتهم،!.
بل لم أصدق حرائره إن كن بالملك جواريه،، أم لم فعله رسول
الله ﷺ قبله الذي ورث الولاية عنه، واستحقا
به؟!.
إن هذا لأقبح مقال، وأجدره بطرق المحال، نعوذ بالله من الضلال.
ويقال: إن صالح المؤمنين هو عمر بن الخطاب ﵁ خاصة.
ويقال: هو أبو بكر وعمر ﵄.
стр. 1634
وهو في القرآن موحد، وقد يجوز أن يكون اللفظ موحدًا والإشارة
إلى أكثر منه، على سعة اللسان، كما ذكرناه في غير موضع من
هذا الكتاب والله أعلم كيف هو.
قوله (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)
إلي قوله (وَأَبْكَارًا) ، دليل على المرجئة فيما يزعمون أن الإيمان لا يزيد
ولا ينقص، إذ لا يشك أحد أن نساء النبي ﷺ كن لا
محالة مسلمات مؤمنات، ولم يكن كوافر، فهل تكن المفضلات عليهن بالإسلام والإيمان إن طلقن يكن خيرًا منهن إلا بزيادة في الإيمان والإسلام، وهو بين لمن أنصف من نفسه، ولم يكابر عقله.
وفي إدخال الثيب مع البكر - في موضع المدح - دليل على أنها
ممدوحة أيضاً، وإن كانت البكر أفضل منها بما بين على لسان النبي
ﷺ في قوله لجابر
стр. 1635
وغيره: " فهلاَّ تزوجت بكرًا، تعضها وتعضك، وتلاعبها وتلاعبك "
стр. 1636
وفي قوله: (عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وأرضى باليسير ".
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) ،
стр. 1637
دليل على أن تعليم الأهلين، وتأديبهن فرض، وهو اسم جامع
للزوجة، والولد، والإخوة، والأخوات، وغيرهم، إذ لا يقدر
أحد يقي غيره النار - وهو لا يملكها - إلا بما يدله على ما يباعده منها
من العمل الصالح، واجتناب الطالح، وكذا جاء في التفسير -
أيضًا - أنه تعليمهن، وتأديبهن.
وقد أفرد الأهل - في سورة طه - بالأمر بالصلاة والاصطبار
عليها، وهو يؤكد ما قلناه، وقاله المفسرون قبلنا.
ويؤيده حديث رسول الله ﷺ : "كلكم راع.
وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول
стр. 1638
عنهم ".
وأخاف أن يكون الفرض أغلب عليه من الندب، إذا ظاهر لفظ
القرآن أمر، والسؤال لا يكون في إهمال الندب، والله أعلم.
* * *
قوله: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) - لا محالة - خصوص " إذ ليس بواقع على جميع الناس، ولا على كل الحجارة.
ويقال: إنها حجارة خلقه الله من كبريت أحمر.
стр. 1639
ولو لم يكن من الدليل على سعة اللسان إلا خروج النار - في اللفظ -
مخرج النكرات وهي معرفة، لنعتها بوقود الناس والحجارة، اللذين
لفظهما لفظ معرفة، وإن كان فيهما خصوص.
والإشارة إلى نار بعينها قد جرى ذكرها في كثير من آي القرآن.
والعرب تعرف المشار إليه في كلامها، وإن كان لفظه لفظ نَكِرٍ.
قال الأعشى:
قالت هريرة لما جئت زائرها
ويلي عليك وويلي منك يا رجل
فرفع "رجلا" وهي نكرة مفردة مناداة، لإشارة المرأة إليه.
* * *
قوله: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) .
قد دخل في ظاهر الكلام الصحابة ﵃ -
стр. 1640
بلا شك، واستوجبوا ما وعدهم الله ﷻ في
الآية، فمن تنقص واحدًا منهم، أو أخرجه مما وعده الله، فقد رد على الله.
وأرجو أن يكون سائر المؤمنين داخلين معهم في ذلك، لأن من آمن
بعده فقد دخل في الاسم معه وإن لم يكن في الرؤية والفضيلة أسوة
الصحابة.
والباء في (وَبِأَيْمَانِهِمْ) هي - والله أعلم - في معنى عن، مثل
قوله في الفرقان: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) ، أي عنه،، إن شاء الله.
قال علقمة ابن عَبَدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني
بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله
فليس له من ودهن نصيب.
أي عن النساء.
стр. 1641
سورة الملك
قوله ﵎: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ، دليل على أن ترقب الموت أكبر مواعظ الله - جل
جلاله - وأجدر بالمعونة على العمل الصالح، إذ ترقبه مقصر للأمل.
ومهوّن مضض المصائب، وتجرع مرارات الفقر إذا ترك، وتزهد في
شهوات النفس إذا اتصل.
* * *
قوله: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ)
دليل على أن العرب
تسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، ألا ترى أن الله - جل
وتعالى - سمى الكواكب ها هنا بمصابيح وفي الفرقان، (سِرَاجًا)
في قوله ﵎: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا) ، ويحتمل أن يكون السراج الشمس، وفي الصافات
" شهابًا " في قوله: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) .
стр. 1642
فإن كان جعلها أسماء كلها خواص فهو ما قلناه، وإن كان سماها
"شهابًا" و "مصابيح " بضوئها ونورها وشعاعها فهو أدل على سعة اللسان.
والله أعلم كيف هو.
* * *
قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا)
ذكر (ذَلُولًا) - والله أعلم - على لفظ (اَلأرضَ) وإن كانت مؤنثة.
* * *
قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) .
حجة في السعي والحركة في طلب الرزق والتماسه بالمكاسب في الأسفار، والحضر، لاتفاق المسلمين - جميعًا - على أن القاعد ليس بفرض عليه أن يقوم فيمشي في مناكب الأرض، فلا يكون المشي في مناكبها، والأكل من رزقة - إن شاء الله - إلا على هذا المعنى.
وقد يجوز أن يكون ذكّرهم نعمته عليهم بتذليل الأرض لهم.
وتمهيدها ليمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزقه فيها، والله أعلم كيف
هو.
стр. 1643
قوله: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ)
إلى قوله (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) .
حجة على المعتزلة فيما يزعمون: أنه - جل بنفسه في السماء، وعلمه في الأرض.
* * *
قوله: (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) .
زوال كل لبسة وريب، يرتابون به - أنه كما قلناه -
في السماء على العرش، وعلمه في الأرض محيط بها.
وقد لخصناه في كتاب "الرد على الباهلي ".
قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) .
" إِلَى " - في هذا الموضع جار مجرى الصلات، والطير جمع لا محالة لقوله (وَيَقْبِضنَ)
وقوله (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ)
حجة على المعتزلة فى باب الاستطاعة؛ إذ قد أخبر بإمساكهن عن نفسه، ولم يقل يستمسكن
стр. 1644
بالذي جعله في استطاعتهن من سلطان الطيران بالأجنحة والقبض والبسط
بهن، كما جعل للناس سلطان الحركات، والأعمال بالجوارح التي في
أدوات الأفعال، وهم لايستطيعونها إلا به سبحانه.
* * *
قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) .
دليل على إقامة المجاز مقام الحقائق - في اللفظ، لأن الإصباح في الروحانيين، وقد
стр. 1645
جعل للماء إصباحًا كما ترى، وفي جواز ذلك إنباء عن سعة اللسان.
ورد على المتنطعين من المنتسبين إلى التنسك - بغير علم - العادّين ما ضاهى
هذا النمط من كلام المخلوقين في عداد الكذب، وإلحاق الحرج بقائله.
والغور - والله أعلم - مكانه غائر، خرج على سعة اللسان.
والمعنى: أنة يبعد قعره، حتى لا تناله الدلاء، كذلك قال
المفسرون، يذكّر نِعَمه في الماء المعين الذي تناله أيدي الناس.
وأفواه مواشيهم وبهائمهم بلا مشقة، له الحمد والشكر، تبارك تعالى.
стр. 1646
سورة ن
قوله - تعالى -: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)
"الباء " - والله أعلم - مقحمة على سعة اللسان.
* * *
قوله: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)
دليل على أن من أكثر الأيمان هان على الرحمن، واتضعت مرتبته عند الناس.
قوله: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)
دليل على أن في كلام العرب
استعارة، ووضع الكلمهَ موضع غيرها، فالخرطوم للسباع أخبر به عن
الناس كما ترى، وقد يخبرون بما للناس عن السباع، قال زهير:
стр. 1647
له لبد أظفاره لم تقلم
فأخبر عن مخاليب الأسد بالأظفار التي هي للناس، وكل هذا دليل
على سعة اللسان، فمن زاحم في لسانها قبل أن يعرف هذا من
كلامها - وسائر ما ذكرناه من لطيف إشارتها - ركب خطة عظيمة.
وأخاف أن يخوض النار خوضًا، وهو لا يعلم.
* * *
قوله: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)
إلى قوله: (كَالصَّرِيمِ) .
دليل على أن الشيء يسمى باسم غيره، وإن لم يشبهه بجميع
صفاته، ألا ترى أن الله ﷻ قد جمع بين جنة الدنيا التي هي
بستان وبين جنة الآخرة بالاسم، وهما لا يجتمعان في جميع صفاتهما.
وهذا رد على المعتزلة فيما يزعمون: أن الله ﷻ لا يجوز أن
يوصف بشيء مما يقع اسمه موافقًا لاسم ما في المخلوق، وأغفلوا مثل
هذا وأشباهه، وما هو أعظم من هذا وهو الجمع بين أسمائه -
سبحانه - وأسماء خلقه مثل: "الملك " و"الجبار" و"العزيز" و"العظيم "
و"الكريم " وما ضاهاها، فلم يوجب ذلك أن يساوي خلقه في جميع
صفاته، ولا على خلقه أدط يساووه في جميع صفاتهم، وإذا كان
стр. 1648
هذا غير ضيِّق في الاسم وجب ألاَّ يضيق فيما وقع عليه الاسم، لولا
الجهل المفرط والعناد الشديد.
وفي معاقبة تاركي الاستثناء - في هذه الآية - عظة شديدة، وتنبيه
لمن يرسل كلامه ولا يقيده بالاستثناء، الذي هو سبب النجاح
والظفر بالحاجة، ومخرج من المآثم، ومؤمّن درك العقوبة.
وقد زجر الله نبيه، ﷺ ، وأدبه، وعلمه أن لا
يقول لفعل شيء هو فاعله إلا مقرونًا بالاستثناء، وكذلك بسائر
الأنبياء فعل - إن شاء الله - وعاقبهم على تركه.
فقد روي أن سليمان بن داود - صلى الله عليه - قال: لأطوفنّ
الليلة على مائة امرأة، تحمل كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله.
ولم يستثن، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة، حملت بشق غلام. فقال
نبينا، ﷺ : " لوكان استثنى، لكان كما قال ".
стр. 1649
قوله: (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)
نظير قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) ، إذ ليس للجنة فعل في الإصباح، وإنما هو على سعة اللسان.
* * *
قوله: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) .
دليل على أن الشيء المتقرب به إلى الله - جل الله -
فرضًا كان، أوندبًا إذا فرط فيه تلوفي فنفع، إذ تسبيح القوم بعد
وقته - الذي كان موضعه - نفعهم تداركه.
ودليل على أن المذنب الظالم لنفسه محتاج - مع ربه - إلى الاعتراف
بذنبه، وسوء صنيعه بلسانه، وإن كان نادمًا عليه بقلبه، وكذا كان
نبينا - صلى الله عليه - يقول في دعاء الاستفتاح: "ظلمت نفسي.
واعترفت بذنبى".
стр. 1650
فكان هذا الاعتراف من تمام التوبة، وتحقيق الاستكانة، والتواضع.
، وكان بعض أهل العلم يزعم: أن التسبيح يوضع موضع
الاستثناء فيقع، ويحتج بهذه الآية، لأن القوم عيبوا بترك
الاستثناء، فنبههم عليه أوسطهم، بلفظ "التسبيح " كما ترى فقالوا
هم -: (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا) ، ولم يقولوا: (إن شاء اللَّه) .
وهو - لعمري - محتمل لما قال، غير أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء
ذكره، والله أعلم كيف هو.
فإن احتج محتج بأن الاستثناء ينفع بعد قطع المستثنى فيه، والأخذ في
غيره، فقد أغفل عندي، لأن تداركه في هذا الموضع مخرج - إن
شاء الله - من المأثم، لا أنه يرد شيئًا أخرجه المتكلم بلسانه فيصير غير
مقول إلا مع الاستثناء.
следующие страницы →