التزيين أنه يغلب ربه بتعجيل ما أخره، ومعرفة كيفية العدل في هذا مغيب
عنا منفرد بعلمه ربنا.
* * *
قوله: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) .
دليل على أن اسم القوم واقع على الرجال والنساء، وأنه لا يفرد به الرجال إلا بإرادته ذلك وإضماره، لا أنه اسم لا يقع إلا على الرجال فقط، لإحاطة أن نوحًا دعا الرجال والنساء إلى دينه، وقد لخصناه في غير هذا الموضع.
(يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) .
ذكَّر المدرار - والله أعلم - لأن السماء في هذا الموضع اسم للمطر، لا للسقف المرفوع، وذلك سائر في كلام العرب قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قوم
رعيناه وإن كانوا غضابا
стр. 1682
فهو بين أن السماء اسم للمطر، وأحسبه سمىِ به لأنه من السماء
ينزل، أو لأنه عالٍ ينزل إلى سافل، والله أعلم.
* * *
قوله: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) .
دليل على استنزال الرزق، وتكثير الأولاد بالعمل الصالح، لأن نوحا وعد قومه على الاستغفار إمدادًا بالأموال والبنين.
وذكر أن رجلاً كان ميناثًا لا يلد له ذكور فلزم الاستغفار متأولاً لهذه
الآية، محتسبًا ما وُعد أهل الاستغفار فيها، فأذكر بعد ذلك.
* * *
قوله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) .
كان بعض أهل النظر يذهب إلى أن القمر نور في إحداهن، وهي سماء الدنيا، ليس في جميعهن، ويجعل ذلك حجة لقوله، حيث جعل الأيام المعدودات.
أيام التشريق، فلم يلزمه أن يبيح النحر في جميعها، اعتمادًا على أن
стр. 1683
الله جعل القمر نوراً في بعض السموات - وهو فى اللفظ فيهن -
لا فيها. وليس هو عندي كذلك، إذ ممكن أن لكوّن القمر يضيء
بوجهه الذي إلى السماء جميع أهل السموات لصفائهن، بقدرة الله -
﵎ فيكون نورًا في جميعهن ليس في إحداهن)
وليس في جعله الأيام المعدودات أيام التشريق ما يلزمه أن يبيح النحر
فى جميعهن، لعدم جرى النحر وذكره في الأيام المعدودات، وإنما أمر
الله - سبحانه - أن يذكّر فيها
فإن كان النحر الذي هو في يوم العاشر من ذي الحجة يجوز عند قوم -
بضرب من التأويل في هذه الأيام - فليس ذلك لأن الأيام سميت
بالمعدودات حتى يلزمه أن يجيز، النحر في جميعها، ولكن أجازوه -
والله أعلم - لأنها بقايا أيام مناسك الحج لرمي الجمار والبيتوتة بمنى.
فلما كان النحر منسكًا من مناسك الحج ففات وقته أجيز في الأيام
المنسوبة إليه، والمجعولة من تمام مناسكه.
ويحيى - عندنا - فى ذلك سنة لرسول الله ﷺ -
стр. 1684
صحيحة الإسناد أنه أجاز الذبح في جميع أيام التشريق، فاستغنينا بها
عن التأويل في إجازة ذلك.
فإن قال: لم يرد هذا الناظر ما ذهبت إليه بل تتحجج عليه، إنما
أراد إبطال قول من يُلزمه النحر ثلاثة أيام، في كل يوم نحرًا جديدًا كان
ذلك أبعد من الصواب، لأن ابتداء النحر ليس هو في أول يوم من الأيام
المعدودات حتى يلزمه أن يحدد النحر في كل يوم بالاسم، وإنما ابتداؤه
في يوم الحج الأكبر، الذي ليس من الأيام المعدودات في شيء، والأيام
стр. 1685
المعدودات بعده قد فصل بينهما الليل بلا شك.
فلا أعرف لذكره ذلك معنى في هذا الموضع، ولا أرى فيه فائدة -
بتة - أكثر من أنه تأوّل على (فِيهنَّ نورًا) ما يمكن - وغير مستنكر -
أن يكون ضد قوله، وخلاف تأويله، والله يغفر لنا ولقائله.
* * *
قوله: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) .
أبلغ حجة في التوسع في الكلام، الذي يدل سياقه على معناه، وأرد شيء لقول المتنطعين من المتنسكين، لإحاطة العلم بأنه - سبحانه - لم ينبتنا من الأرض كهيئة النجم والشجر، وإنما أراد - وهو أعلم - أنا من نسل من خلقه من التراب المجعول طينًا، والتراب من الأرض، فكأنا نبتنا منه نباتًا.
فأين تحذلق المتحذلقين، وتضيّق المضيقين على المتوسعين في ألفاظ
الكلام، المقتصرين فيه على الإشارات إلى المعاني المفهومة بالألفاظ
المختصرة؟!
فإن قيل: أفلا يكون هذا ذريعة إلى إباحة القياس؟.
قيل: إن كان القياس عند مستعمليه فهم الشيء نفسه، باختصار
اللفظ في ذكره، فهذا - لعمري - ذريعة إليه، ومبيح القول به.
стр. 1686
وإن كان القياس عند أهله حمل الشيء على نظيره، وسالك شبه
المسكوت عنه مسلك المذكور باسمه فهذا بعيد منه، إذ لو كان هذا مثله
وجب أن يكون جميع الروحانيين من الطير والهوام، وسائر الدبيب.
والحشرات نابتًا من الأرض كما كان آدم وذريته نابتين منه، بمعنى أنهم
مخلوقون منها.
ولو فهم القوم عن دافعي القياس قولهم لعلموا أنهم لا ينكرون فهم
خفي الخطاب بفصيح الكلام، وأن الذي يمتنعون منه إنما هو إنشاء العلل
في الملفوظ، ليحملوا عليها غير الملفوظ.
فأمّا العلة الدالة عليها لفظ النص وسياقه، فلا يتمانعوها، إذ هي
ودليل الشيء على نفسه، وفهم ما يدق على غير أهل اللسان بالجليل عند
أهل اللسان.
وقد بينا في سورة آل عمران في فصل قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ، وهو أكثر اشتباهًا من هذا الفصل.
وفي فصول كثيرة على نسق السور ما لو فهموه لأغناهم عن كثير من
توهمهم، وأنبأهم عما يشكل عليهم مما ليس بمشكل عند من شرح
الله صدره، ولم يكابر عقله.
وهم يضربون عن تبصره صفحًا اقتداء بمن لا يفهمون فهمه،
стр. 1687
ولا يسلك في السبيل إلى إباحة القياس مسلكهم، ويجوز عليه من السهو -
فيه - ما يجوز في المسائل الذي يوصلون ترك الاقتداء به دون وضوح
الحجة لهم.
والنبات مصدر خارج على غير قياس المصادر المشاكلة له، إذ لو كان
خارجًا على شكله لكان - والله أعلم - "إنباتًا"، لا"نباتًا".
ومن النحويين من قال: إنه خارج على ضمير " فعل " كأنه: والله
أنبتكم من الأرض فنبتم نباتًا، وهو أعلم سبحانه كيف هو.
* * *
قوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)
دليل على أن ما اختاره أبو عبيد - من إعمال الفعل المتلاصق بالاسم.
وإن كان وجها حسنًا، فإعمال المتباعد عنه -أيضاً - حسن، وأن ليس
واحد منهما مختارًا على صاحبه، إذ كلاهما وارد في القرآن.
ولا يجوز أن يكون بعض القرآن أفصح من بعض، لأنه كله كلام الله -
стр. 1688
جل وتعالى - ألا تراه ردّ السلوك إلى الأرض، ولم يرده إلى البساط
المتلاصق به.
* * *
قوله: (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) .
دليل على أن في كلام العرب تأكيدًا، كما ذكرناه في غير موضع من هذا الكتاب، إذ ليس يخلو الود والسواع ويغوث ويعوق والنسر من أن يكونوا تفسيرًا للآلهة المجملة، أو يكونوا غيرها.
فإن كانو تفسيرًا لها فقد أكد الكلام بـ (وَلَا تَذَرُنَّ) الثاني. وإن
كانوا غيرها فقد أكد الكلام بها نفسها.
وإنما صرفها كلها، ولم يصرف يغوث، ويعوق، لأن هذين على
لفظ الأفعال المستقبلة، والأسماء الأعجمية.
قوله - إخبارًا عن دعاء نوح ﵇: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) .
حجة على المعتزلة والقدرية، من أجل أن نوحًا ﵇ لا يجوز عليه أن يدعو بالباطل، ولا الله ﵎ يُسأل باطلاً، وقد سأله كما ترى أن يزيد الظالمين ضلالاً، فدل على أن الكفر فيهم، والزائد بدعائه معا من،
стр. 1689
عند ربه، ومعرفة كيفيته متفرد به ﷻ بعلمه.
* * *
قوله: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا)
دليل على أن اسم الخطيئة واقع على الكفر، ومعناها أنها ضد الصواب، فمن خالف
اللَّه في الإيمان الذي آمن به، أو واقع ما نهى عنه
من كفر، أو معصية فهو مخطئ غير مصيب، وإنما تختلف عقوبة
الفعلين فقط.
فليس لتعلق المعتزلة في باب الوعيد باسم خطيئة ذكر في عقوبتها
خلود وجه، لو أنصفوا من أنفسهم، وتدبروا الأمور بحقائقها، ولو
ميزوا تناقض قولهم، وقلة النظر إلى ذلك، في باب العدل، لعلموا
أن جمع الخلود على من عصى الله ﷻ عمره، ومن عصاه
يومه الذي مات فيه بغير توبة بعيد من العدل، الذي يدعون معرفته.
فضلاً عمن كفر به عمره، فيجمع بينه وبين من آمن به دهره.
ولئن كان هذا - عندهم - غير ثالم في العدل، وثلم في جمع القضاء
والعقوبة على عبد، مع عظم ذاك، وخفة هذا، ألا يزول العجب ممن
يتعجب من مكابرتهم، أو فرط جنونهم - أكبر - نعوذ بالله من
стр. 1690
الضلالة.
* * *
قوله: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) .
رد على المعتزلة والقدرية شديد لو تدبروه، وذلك أن نوحًا - مع
نبوته - جمع في دعائه بين إضلالهم للعباد، وإيلادهم الفجار والكفار
فلم ينكره عليه ربه، ثم أنزله على نبينا، ﷺ ، في
كتابه، كما ترى مدحًا للداعي، وذمَّا للمدعو عليه، وأخبر - نصّا
بغير تفسير، ولا تأويل - أن المولود يلد فاجرًا كافرًا، قبل أن
يكتسبهما كبيرًا بسييء عمله.
فإن قيل: لم يرد أنهم يلدون كذلك قبل الاكتساب، إنما أراد أنهم
يبلغون فيكتسبون.
قيل: ليس هذا في التلاوة، ولو كان فيها أيضاً لما نفعهم، لأن من
أخبر الله ﷻ عنه بأنه يكتسب الفجور والكفر بعد البلوغ.
لا يقدر على اجتنابهما، وقد سوّى في الخطاب بينه وبين من لم يخبر ذلك
عنه، وأمره أن يجتنبهما، كما أمر غيره باجتنابهما.
فإن زعموا: أنه قادر على اجتنابهما إن شاء، أفليس
стр. 1691
إذا اجتنبها لم يكن فاجرًا ولا فاسقًا؟.
فإن قال: نعم. ولابد من نعم، نسب ربه ﷻ إلى
الكذب في قوله، والجهل بما يكون من فعل عبده، وكان ما يلحقه
من الكفر في مقالته أكثر مما أردناه من مناقضته، وكفينا مؤنة الاشتغال
وإن قال: لا يقدر على اجتنابهما، بعد إخبار الله عنه بهما -
قيل له: أوَ خاطبه - مع ذلك - باجتناجهما، أو لم يخاطبه، وترك
سدى؟.
فإن قال: لم يخاطبه. كابر في قوله، وخرج من قول، متبعيه
ومخالفيه، وكافة البشر، ولن يقوله إن شاء الله.
وإن قال: بل خاطبه كما خاطب غيره، رجع إلى ما أنكره
واستخف ما استكبره، واستسهل ما استوعره، واستراح من
محالاته، وعرف ضلال نفسه، وكافة أصحابه، ولن يجد من ذلك
مخلصًا، وعلم أن نسبة الإضلال إلى من لا يقدر على حفظه نفسه غير
مؤثر في قضائه، بشقوته وشقوة غيره، ولا ملحق بربه - سبحانه -
جورًا تصوره هو من عدل لم يحط بمعرفته، ولا جاز أن يكون شريكه
في كنه وصفه "
ومثل هذا المولود الذي قتله الخضر - صلى الله عليه - وإخبار الكفر
стр. 1692
عنه بلفظه، قبل بلوغ حينه واكتسابه بعمله، وقد ذكرناه في
موضعه.
وقول رسول الله، ﷺ : " إن الله ﵎
خلق يحى بن زكريا ﵇ في بطن أمه مؤمنًا، وخلق فرعون
في بطن أمه كافرًا ".
* * *
قوله: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) ، بشارة لكل مؤمن ومؤمنة يكون إلى يوم القيامة، لأن نوحًا ﵇ نبي، ودعاؤه مستقيم.
стр. 1693
سورة الجن
وقوله ﷻ : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) .
حجة لمن يدعو في الحجج، إليه، إذ كان هاديًا إلى الرشد على الحقيقة، فلا أعرف عذر من ينحرف فيها عنه، بعد مدح الله ﷻ الإنس
والجن بالدعاء، وذمه المنحرفين عنه، وقد لخصناه في كتابنا المؤلف في
"شرح النصوص "فأغنى ذلك عن إعادته.
* * *
قوله: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) .
دليل على أن العرب تسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة، إذ الجد في هذا الموضع العظمة والجلال، وفي غيره البخت وأبو الأب.
وفيه - أيضاً - رد على المعتزلة فيما يزعمون: أن الشيء إذا سمي به
شيء لم يعد به إلى غيره، وقد لخصنا خطأه عليهم في غير موضع.
ومثله قوله: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) ،
стр. 1694
و"الأحد" اسم من أسماء الله ﵎.
وفيه - أيضا - حجة على تسمية المخلوقين بأسماء الخالق .
* * *
قوله: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)
دليل على سعه اللسان، لأن الحرس جمع، وجعل الشديد في نعته، على لفظ
الواحد، ولم يقل: أشدادً
فأما أن يكون - والله أعلم - على اللفظ، لأن لفظ الحرس
لفظ الواحد، وإن كان جمعًا، وأما أن يكون رُدَّ على الحارس، أي كل
حارس من الحرس شديد.
وكذلك (شُهُبًا) دليل على السعة، لأن الشهب جمع شهاب.
والشهاب النار، لقوله - إخبارًا عن موسى -: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ) .
فأما أن يكون شبه لنا ضوء الكواكب وحرها بالنار، إذ جعله اسمًا لها
وللنار معًا، وأيهما كان فالسعهّ فيه بينة.
стр. 1695
قوله: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) ، حجة على المعتزلة والقدرية، لإخبار الله ﷻ
عن الجن بإرادته الشر بمن في الأرض، كإرادته بهم الرشد، ولم ينكره من قولهم، ولا نسبهم إلى الكذب عليه فيه، بل أنزله في جملة
القرآن العجب على رسوله ﷺ .
قوله: (إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) .
هو - لامحالة - عصيان الكفر، لا عصيان الذنب، فمن شبه عليه من المعتزلة، وتعلق بظاهر لفظ العصيان نبهه عليه قوله: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) .
لأن المسلم - عاصيًا كان أو غير عاص - لم ينسب قط رسول الله، ﷺ إلى أنه لا ناصر له، ولا كثرة عدد تغلب بهم، وإنما كان ينسبه إلى ذلك الكفار، ويرون أنه مغلوب لقلة عدده، وأنصاره، وكانوا يعصونه.
ولا يطيعونه، ويتربصون به ريب المنون، وكانت معصيتهم للرسول
معصية لله ﵎ فأنزل الله هذه الآية فيهم، وأخبر أنهم إذا
стр. 1696
أفضوا إلى الخلود في النار عرفوا أنهم كانوا هم الأقلين عددًا وأنصارًا.
إلا الرسول، ﷺ ، وهو بين.
* * *
قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) .
رد على من يزعم من الشيعة أن الإمام يعلم الغيب وهذا من كبار حماقاتهم، وقد أخبر الله ﷻ أنه لا يظهر عليه إلا من ارتضاه رسولاً، والإمام ليس برسول.
مع أن دعوتهم لهذا الإمام - نفسه، أيضاً - حماقة، لأن إمامًا لم يسعد به من قد مات من منتظريه، لا يسعد به مدركوه، وليس بشيء
إذ كل إمام أقامه الله ﷻ في زمان من الأزمنة سعد به
الجميع، لا بعضهم دون بعض، إلا من شق عصاه.
والإمام المستور ليس بإمام، إنما الإمام الظاهر الآمر الناهي، قوي
في أمره ونهيه أم ضَعُف.
* * *
قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) ،
стр. 1697
أشد ما يكون من الاختصار، إذ نصب " الرصد " لابد من اختصار ضمير يكون فيه، كأنه - والله أعلم - " فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه
ملائكة يكونون رصدًا له " فينصب على ضمير خبر يكونون، أو يكون
نصبه حالاً، كأنه ملائكة رصدًا له.
وقد يجوز - والله أعلم - أن يكون المراد به أن الله ﷻ يسلك
من بين يديه ومن خلفه بالرصد من الملائكة، كما تقول: سلك الرجل
الطريق، وسلك به غيره، فيكون نصب الرصد بانتزاع الخافض.
(لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ) .
فعلمه بذلك - سبحانه - ليس بمحدث في وقت تبليغ رسالة الرسل، بل علمه قديم أزلي بالأشياء كلها، قبل كونها بتكوينه لها، وهو في هذا على سعه
اللسان، أي يراهم مبلغين للرسالة، سامعين لربهم، مطيعين.
стр. 1698
سورة المزمل
قوله - تعالى -: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)
دليل على أن من لم يؤمن بالقيامة فهو كافر.
* * *
وقوله: (يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا)
يحتمل أن يجعلهم شيبًا بطوله.
ويحتمل بأهواله وأفزاعه، وأنواع شره المستطير، التي تشيب
النواصي، على المبالغة، والله أعلم -
стр. 1699
قوله: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ)
ذكر السماء - والله أعلم - على اللفظ
و (به) قد يحتمل أن تكون الباء فيه بمعنى "في " كما قال: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) ، والله أعلم.
* * *
قوله: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ)
يجوز أن تكون " الهاء "
стр. 1700
راجعة على الموعظة، أو على السورة، وإن كانت كلها مواعظ.
ويجوز أن تكون لتأنيث التذكرة نفسها، كما تقول: هذه جارية.
والله أعلم.
قوله: فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ)
ليس بناقض لما ذكرناه فى سورة بعد
سورة من تبع مشيئة العباد لمشيئة الله ﷻ .
* * *
قوله: (إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا)
أي إلى طاعة يتقرب بها إلى ربه.
فيأمن بها من أفزاع القيامة، وأهوالها، والله أعلم
* * *
قوله: (هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)
دخلت (هُوَ) في الكلام، ولم تغير الإعراب، لأن ما تقدمه من الفعل أقوى منها، فعمل فى الإعراب دون هو، ومثله في القرآن موجود، مثل قوله: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) ، وأشباهه، مع أني أحسب
стр. 1701
أنهم قد استعملوها أيضاً.
стр. 1702
سورة المدثر
* * *
قوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) .
بشارة للمؤمنين كبيرة، إذ لا يكون على الكافرين غير يسير، إلا وهو على المؤمنين يسير، والله أعلم.
ولو كان عليهما - معًا - عسيرًا ما كان للمؤمنين عليهم فضل، ولا
كان في الكلام فائدة.
فمن يسره تقصير طوله - في أعينهم - واستظلالهم في ظل عرش
ربهم يوم لا ظل إلاّ ظلُّه، إذ ليس يخلو مؤمن - إن شاء الله - من فيض
عينيه إذا ذكر الله خاليًا، وربما كان ذلك في عمره ما لا يحصي عدده غير
ربه، فهذا أعم ما في السبع الخصال التي ذكرها رسول الله ﷺ أن الله ﵎ يظل أصحابها في ظله، يوم لا ظل إلا ظله.
فيسعد بها - إن شاء الله - جميعهم، ويشارك كثير منهم في الستة
стр. 1703
المذكورة معه من وفقه له ربه.
والسبع: " إمام عادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل ذكر اللَّه خاليًا ففاضت عيناه، ورجل كان قلبه معلقًا بالمسجد إذا خرج منه حتى
يعود إليه، ورجل دعته امرأة ذات نسب وجمال فقال: إني أخاف
الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تصدق به يمينه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ".
* * *
قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) .
من المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول، لأنه لم يقل: " خلقته ".
* * *
قوله: (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) .
قد أزال كل لبسة عن أن القرآن كلام الله، غير مخلوق.
واللفظ به غير مخلوق، لتواعده الوليد بن المغيرة فيما نسبه إلى قول
стр. 1704
البشر، وإذا لم يكن قول البشر، فلا يكون إلا قول الخالق، وإن تلاه
البشر -أيضاً - فلا يكون قوله، بل يكون قول من بدأ به، وهو اللَّه ﷻ .
فلم يصر بتلاوة جبريل على رسول الله، ﷺ .
مخلوقًا، وجبريل مخلوق، ولا بتلاوة رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، على أصحابه مخلوقاً، ورسول الله، ﷺ .
مخلوق، ولا بتلاوة التالين إلى يوم القيامة، وإن كان التالون له مخلوقينْ.
وقال رسول الله، ﷺ : " إن أفواهكم طرق
للقرآن، فطهروها بالسواك " والأفواه مخلوقة، وهي تؤديه،
стр. 1705
فلا يصير مخلوقا.
وقد قال: طرق للقرآن - كما ترى - ولم يقل: لحكاية القرآن.
فالقرآن لا يكون لفظًا للعباد، ولا حكاية لهم عن غيرهم أبدًا لأنه
ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله ﷻ ، كيف احتمل، وكيف
أدي.
ولا أدري كيف اشتبه هذا على اللفظية، والقائلين بالحكاية، ولو
أنعموا الرويّة باتقاء وخشية، ونصحوا أنفسهم،
стр. 1706
ولم يعتبوا عقولهم لعلموا: أن كل كلام ابتدأ به متكلم، ولفظ به
لافظ، لا يقدر أحد غيره أن يتكلم به، ولا يلفظ به أبدًا، لأن الذي
يحتمله من نطق غيره، ويؤديه إلى الأسماع هو كلام المبتدي به - لا
محالة - لا كلامه، إذ محال أن يكون كلام واحد لمتكَلِّمَين، ولفظ
واحد للافظين في حال واحدة، ولا في حالين -أيضاً - إن ظن
ظان أنه يمكن في حالين، لأنه لا يكون إلا حالاً واحدة، إذ حال
الكلام واحد بالسبق إليه.
والحال الثانية: تكون للأداء والإخبار، وكلاهما غير كلام المبتدي
. وكلام المبتدي واحد حين ابتدأ، وحين أخبر عنه وأدي.
فإن كان هذا الإخبار والأداء عن كلام غير القرآن من كلام البشر.
كان -أيضاً - كلام ذلك البشر، لأن كلام المخبر والمؤدي إخبار
وأداء وإن كان الأداء والإخبار عن القرآن، الذي هو
стр. 1707
كلام الخالق فهو كلامه، وهو غير مخلوق، وإن كان يؤديه مخلوق، ويخبر
به مخلوق، فتفهمه وإن دق عليك، فإنك تجده كذلك، إن شاء الله.
* * *
قوله: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)
حجة على المعتزلة والقدرية، في الإضلال والمشيئة - منه - فيه الذين لا يؤمنون بهما بتة، ويخالفون نص القرآن فيه، ويتابعون أهل الكفر فيه.
فقد روي أن عمر بن الخطاب كان يخطب، وعنده جاثليق (١) يترجم
له، فلما قال عمر: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي
له، نفض الجاثليق جبته كهيئة المنكر لقول عمر.
فقال عمر: ما يقول، فسكتوا عنه ثلاث مرات، كل ذلك ينفض
جبته.
فقال عمر: ما يقول، قالوا: يا أمير المؤمنين: يزعم أن الله لا يضل أحدًا.
فقال عمر: كذبت يا عدو الله، بل الله خلقك، وهوأضلك، ثم
يدخلك النار - إن شاء الله - أما والله لولا ولث (٢) عقد لك لضربت
стр. 1708
عنقك. إن الله ﵎ خلق أهل الجنة وما هم عاملون.
وخلق أهل النار وما هم عاملون، فقال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه.
فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر.
* * *
وقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) .
دليل على أن الإسفار هو يعقب طلوعه إذا وضح، وأن الإسفار بصلاة الصبح يكون حينئذ، لا تركه إلى امتحاق النجوم، مضاهاة النصرانية، كما روي عن
стр. 1709
رسول الله، ﷺ .
وأن قوله: " أسفروا بصلاة الصبح، فإنه أعظم للأجر ".
هو هذا الإسفار، وهكذا قال أحمد بن حنبل ﵁
حين سُئل عن الإسفار ماهو، فقال: هو أن يصبح فلا يشك في
طلوعه.
стр. 1710
وهو كما قال، لأنه يبدو عند ابتداء طلوعه خفيًّا لا يتبينه كل أحد.
فإذا وضح عرفه الجميع.
* * *
قوله: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) .
وكل ما في القرآن من مثل هذه المشيئة، فهي على ما بينته في غير موضع، أن مشيئتهم تبع لمشيئة الله - جل وتعالى - لقوله سبحانه: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) .
فمن زعم: أن مشيئته غالبة مشيئة الله فقد كفر بيقين، فصح أن
مشيئة العباد تبع لمشيئة الله إذ لا ثالث له
* * *
قوله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) .
يقال - في التفسير -: إنهم ولدان المسلمين فى هذا الموضع، لا يحاسبون، لأنهم لم يعملوا معصية ارتهنوا بها.
стр. 1711
فإن قيل: فإذا كان هكذا، فما معنى قول النبي، صلى الله عليه
وسلم، حين قالت له عائشة - في طفل أتي به ليصلي عليه -:
عصفور من عصافير الجنة لم يعمل خطيئة. فقال: " أو
غير ذلك يا عائشة، إن الله ﵎ خلق للجنة أهلا.
بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، مدمن عليهم، لايزاد فيهم ولا
ينقص منهم إلى يوم القيامة".
стр. 1712
قيل: القرآن - والله أعلم - ذكرهم على الظاهر الأعم، والنبي.
ﷺ ، أجاب عائشة على الباطن الأخص، حين أشارت
إلى طفل بعينه، وشهدت له بالجنة، فأعلمها ﵇ أن
الإشارة إلى شخص بعينه لا تجوز، لأنه لا يدرى كيف كتب عند
الله، وفي أي القبضتين خرج.
وهذا كما يقال: المقتول في سبيل الله شهيد، فإذا قُتل شخص بعينه
لم يجز أن يشهد عليه بالشهادة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في حديث أبي العجفاء السلمي: والأخرى تقولونها في
مغازيكم، قتل فلان شهيدًا، ولعله قد أوقر ركابه ذهبًا وفضة -
يريد الغلول - فلا تقولوا: فلان شهيد، ولكن قولوا كما قال رسول
الله، ﷺ : " من قتل في سبيل الله، فهو شهيد".
стр. 1713
وكحديث مِدْعم مولى رسول الله، ﷺ ، حين
جاءه سهم غرب في بعض مغازي رسول الله، ﷺ .
فقتله. فقال الناس: هنيئًا له الجنة. فقال النبي، صلى الله عليه
وسلم: " كلا إن الشملة التي أخذها من الغنائم - لم تصبها
المقاسم - لتشتعل عليه نارًا " فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك.
وشراكين إلى رسول الله. فقال رسول الله ﷺ -
стр. 1714
" شراك من نار، وشراكان من نار".
فأخبر ﷺ أن قتل مِدْعم، وإن كان ظاهره شهادة
فباطنها غيرها، للغلول الذي تقدّمه، فلم يصر من أجلة في جملة
الشهداء. والأخبار في هذا المعنى كثيرة.
* * *
قوله: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) .
دليل على توكيد حرمة المسكين، حين قرن تضييعه بترك الصلاة، وخوض
الخائضين، وتكذيب بيوم الدين، وكما قال ﵎، في
سورة الحاقة -: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) .
وكقوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) .
فقد أكده - سبحانه - هذا التأكيد، والناس في غفلة عنه، فقصارهم
стр. 1715
تضييع حقوقهم، والتهاون بإطعامهم، ونسيانهم بالكلية، وربما.
زبروهم (١) ، وطردوهم، وانتهروهم، فماذا عسى يكون
وزن هؤلاء عند ربهم؟! ، وما يكون حالهم في معادهم؟!.
* * *
قوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) .
دليل على أن هناك شفعاء يشفعون غير محمد، ﷺ ، فيشفعون، إذ لا يزيل منفعة الشفاعة عن قوم، إلا وهناك من ينتفع بها.
* * *
قوله: (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) .
مثل قوله: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ، نظير ما مضى من أشباهه، في أن مشيئة العبد تبع لمشيئة الله، وأن مشيئته - جل وتعالى - متقدمة على مشيئته، لولا ذلك ما استطاع العبد فعل شيء، ولا كانت مشيئة في شيء.
стр. 1716
سورة القيامة
* * *
قوله: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) .
رد على من يقول بالدهر، وقدم العالم، ومن يقول: إن المعتاد من مجاري الليل والنهار والشمس والقمر لا يتغير، وقد أخبر الله - تعالى، نصاً، كما ترى - أن الشمس والقمر يجمع بينهما، وفي الجمع بينهما ذهاب المعتاد من
مجاريهما، فإن كان مؤمنًا بالقرآن، فالقرآن قد نقض قوله، وإن لم
يؤمن تلي عليه، فإن قبله ورجع عن قوله، وأقر بالقيامة، وقيام
الساعة، وإلا استُتيب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
ولا يقر على هذا القول، لأنه ليس من أهل الجزية، فتؤخذ منه ويخلى
بينه وبين مذهبه، واعتقاده.
* * *
قوله: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) .
من العلماء بالقرآن من قال: يريد بل للإنسان من نفسه عليها بصيرة. كأنه يذهب به إلى الاعتبار بما يراه منها، ومن أحوالها، كما قال: وَفِئ أَنفُسِكم أَفَلاَ تبصرون) ، يقول أهل، التفسير:
стр. 1717
إنه سبيل الغائط والبول، يجعلهما الإنسان عبرة يعتبر بها، فيعلم
أنه مدبر مملوك، وأن مالكه الذي أدخل الطعام والشراب في جحر
واحد، وأخرجهما من جحرين مختلفين، مميزًا بينهما، مبقيًا
نفعهما، هو القادر على كل شيء، وهو الرب الذي يفعل ما يشاء.
فيوطن نفسه على طاعته، ويجتنب مساخطه، فإنه في قبضته لا يقدر
على الفرار منه.
وقد يجوز أن يكون على ظاهره، فيكون بل الإنسان بنفسه بصير
فتدخل فيه "الهاء" على التأكيد والمبالغة، كما قالوا: رجل علامة
ونسابة، ويكون (عَلى) بمعنى"الباء" كما بدل العرب حروف
الصفات بعضها من بعض، والله أعلم كيف هو.
* * *
قوله: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) .
أي ولو أسبل ستوره عند
стр. 1718
خلوته بالمعاصي.
وأهل اليمن يسمون الستور المعاذير، واحدها معذار.
* * *
قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) .
دليل إلى الإشارة إلى المعنى، وإن لم يجر لفظه في أول الكلام، لأن "الهاء" في (به) راجعة على القرآن، ولم يذكر قبلها، فاستغنى بما دل عليه آخر
الكلام، إذ يقول: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) .
وهو من المواضع التي يبين آخر اللفظ فيه عن أوله، وهو مع ذلك من أدل دليل على أن القرآن المسموع من لسان العباد كلام الله غير مخلوق، ولم يصر لفظًا ولا حكاية، وأنه القرآن المحض الذي تكلم الله به، وليس للعباد به
لفظ أصلاً، إنما حملوه حملاً، وأدوه أداء، كما يحمله الكاتب بكتابته
من غير أن يكون له فيه ممازجة لفظ، وهو بين لا ينبغي أن يدق على
فهم من أقر بأنه كلام الله غير مخلوق، فيشك في اللفظ والحكاية.
لأنه ليس للتالي، ولا للكاتب، ولا للحافظ، ولا للسامع صنع في
اللفظ، ولا في الحكاية، ومن شك فيهما وقدر أن له لفظًا فيه إذا
أدّاه، ويصير بأدائه حكاية فقد رجع عن قوله: إنه كلام الله غير
стр. 1719
مخلوق، واستوى مع من يقول بخلقه، وكفر كفرًا صراحًا لأن اللفظ
لا يكون من لافظين في حال واحدة، ولا الكلام يكون حكاية ومحكيًّا من
واحد في حال واحدة، إذ لابد من عدم أحدهما بوجود الآخر.
فلما كان المتكلم لا يقدر على ابتداء كلام قد سبق إليه، فيكون هو -
أيضًا - مبتدئًا به، كما كان الأول مبتدئًا به، فتلا القرآن الذي
ابتدأ الله بالتكلم به كان الكلام لله وحده، وكان هو الموجود.
وكلام التالي الذي يظن الظان أنه كلامه عدمًا بيقين، إذ لا يجوز أن
يكون كلام الله عدمًا - وهو كلامه - بأداء مخلوق بالله، والآية ليست
بكلام، وقد أيَّس الله الناس جميعًا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال:
стр. 1720
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) .
أفليس من يظن على أن يقدر على اللفظ بالقرآن فقد زعم أنه من أتى بمثله وحده من غير تظاهر، وكذب الله -
ﷻ في قوله، واستحق القتل.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) .
نص بلا تأويل أنها تنظر إلى ربها نظر العين - لا محالة - ومن قال: إنها منتظرة تنتظر الثواب فليس بخلاف، لما دل عليه القرآن إذ لا ثواب أجل من انتظاره رؤية الرب - سبحانه - لأنه غايه الطالبين، وأمتع تمتع المتمتعين، ولولا خذلان الجهمية ما أنكروا ذلك، ولو لم يكن فيه قرآن يتلى، ولا
أخبار عن الرسول التي تروى برواية الصادقين الأعلام المشهورين.