← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

سورة القيامة * * * قوله: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) . رد على من يقول بالدهر، وقدم العالم، ومن يقول: إن المعتاد من مجاري الليل والنهار والشمس والقمر لا يتغير، وقد أخبر الله - تعالى، نصاً، كما ترى - أن الشمس والقمر يجمع بينهما، وفي الجمع بينهما ذهاب المعتاد من مجاريهما، فإن كان مؤمنًا بالقرآن، فالقرآن قد نقض قوله، وإن لم يؤمن تلي عليه، فإن قبله ورجع عن قوله، وأقر بالقيامة، وقيام الساعة، وإلا استُتيب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. ولا يقر على هذا القول، لأنه ليس من أهل الجزية، فتؤخذ منه ويخلى بينه وبين مذهبه، واعتقاده. * * * قوله: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) . من العلماء بالقرآن من قال: يريد بل للإنسان من نفسه عليها بصيرة. كأنه يذهب به إلى الاعتبار بما يراه منها، ومن أحوالها، كما قال: وَفِئ أَنفُسِكم أَفَلاَ تبصرون) ، يقول أهل، التفسير:

стр. 1717

إنه سبيل الغائط والبول، يجعلهما الإنسان عبرة يعتبر بها، فيعلم أنه مدبر مملوك، وأن مالكه الذي أدخل الطعام والشراب في جحر واحد، وأخرجهما من جحرين مختلفين، مميزًا بينهما، مبقيًا نفعهما، هو القادر على كل شيء، وهو الرب الذي يفعل ما يشاء. فيوطن نفسه على طاعته، ويجتنب مساخطه، فإنه في قبضته لا يقدر على الفرار منه. وقد يجوز أن يكون على ظاهره، فيكون بل الإنسان بنفسه بصير فتدخل فيه "الهاء" على التأكيد والمبالغة، كما قالوا: رجل علامة ونسابة، ويكون (عَلى) بمعنى"الباء" كما بدل العرب حروف الصفات بعضها من بعض، والله أعلم كيف هو. * * * قوله: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) . أي ولو أسبل ستوره عند

стр. 1718

خلوته بالمعاصي. وأهل اليمن يسمون الستور المعاذير، واحدها معذار. * * * قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) . دليل إلى الإشارة إلى المعنى، وإن لم يجر لفظه في أول الكلام، لأن "الهاء" في (به) راجعة على القرآن، ولم يذكر قبلها، فاستغنى بما دل عليه آخر الكلام، إذ يقول: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) . وهو من المواضع التي يبين آخر اللفظ فيه عن أوله، وهو مع ذلك من أدل دليل على أن القرآن المسموع من لسان العباد كلام الله غير مخلوق، ولم يصر لفظًا ولا حكاية، وأنه القرآن المحض الذي تكلم الله به، وليس للعباد به لفظ أصلاً، إنما حملوه حملاً، وأدوه أداء، كما يحمله الكاتب بكتابته من غير أن يكون له فيه ممازجة لفظ، وهو بين لا ينبغي أن يدق على فهم من أقر بأنه كلام الله غير مخلوق، فيشك في اللفظ والحكاية. لأنه ليس للتالي، ولا للكاتب، ولا للحافظ، ولا للسامع صنع في اللفظ، ولا في الحكاية، ومن شك فيهما وقدر أن له لفظًا فيه إذا أدّاه، ويصير بأدائه حكاية فقد رجع عن قوله: إنه كلام الله غير

стр. 1719

مخلوق، واستوى مع من يقول بخلقه، وكفر كفرًا صراحًا لأن اللفظ لا يكون من لافظين في حال واحدة، ولا الكلام يكون حكاية ومحكيًّا من واحد في حال واحدة، إذ لابد من عدم أحدهما بوجود الآخر. فلما كان المتكلم لا يقدر على ابتداء كلام قد سبق إليه، فيكون هو - أيضًا - مبتدئًا به، كما كان الأول مبتدئًا به، فتلا القرآن الذي ابتدأ الله بالتكلم به كان الكلام لله وحده، وكان هو الموجود. وكلام التالي الذي يظن الظان أنه كلامه عدمًا بيقين، إذ لا يجوز أن يكون كلام الله عدمًا - وهو كلامه - بأداء مخلوق بالله، والآية ليست بكلام، وقد أيَّس الله الناس جميعًا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال:

стр. 1720

(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) . أفليس من يظن على أن يقدر على اللفظ بالقرآن فقد زعم أنه من أتى بمثله وحده من غير تظاهر، وكذب الله - ﷻ في قوله، واستحق القتل. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) . نص بلا تأويل أنها تنظر إلى ربها نظر العين - لا محالة - ومن قال: إنها منتظرة تنتظر الثواب فليس بخلاف، لما دل عليه القرآن إذ لا ثواب أجل من انتظاره رؤية الرب - سبحانه - لأنه غايه الطالبين، وأمتع تمتع المتمتعين، ولولا خذلان الجهمية ما أنكروا ذلك، ولو لم يكن فيه قرآن يتلى، ولا أخبار عن الرسول التي تروى برواية الصادقين الأعلام المشهورين.

стр. 1721

وهو موضوع بشرحه في ردنا على الباهلي، والدوري وابن أبي يعقوب. * * * قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) . الظن فيها بمعنى العلم، وهو كلمة من الأضداد، قد ذكرناها في غير هذا الموضع، وهكذا (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) . أي وعلم، والله أعلم. * * * قوله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) . يؤيد أن ترك الصلاة كفر. إذ قرنه ﷻ مع تكذيب الرسل، وترك تصديقهم. * * * قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) . فيه خصوص، إذ آدم، وحواء، وعيسى ﵈ خارجون من الإمناء.

стр. 1722

سورة هل أتى قوله - تعالى -: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) . يذهب ناس إلى أن (هَل) بمعنى"قد" أتى على الإنسان. وليس هو عندي كذلك، بل هو - والله أعلم - على ظاهره (هَل) إذ محال أن يأتي الحين على الشيء العدم، إنما يأتي الحين على الشيء الموجود، فكأنه قال - والله أعلم -: هل أتى على الإنسان منذ خلق فصار إنسانًا حين من الدهر لم يذكر في جملة المخلوقين، أو لم يذكر بخير، أو بشر، أو بتهديد، أو بتبشير، أو بتعديد النعم عليه، أو بتخويف مما وراءه من أهوال القيامة، والنار، وما أشبه ذلك ولا أدري كيف اضطر من جعله بمعنى "قد" فخرج عن

стр. 1723

العرف، مع بيانه ووضوحه، وقلة تشابهه. * * * قوله: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) حجة على الجهمية شديدة خانقة، ألا تراه كيف أخبر عن تجعيله الأمشاج المبتلى سميعًا بصيرًا، ووصفه - به - بما وصف به نفسه من السمع والبصر، إذ يقول: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) . فسوى بين الصفتين، ولم يخالف بين اللفظين فأخبر ذلك، لأن الله سميع بسمع وبصر غير مخلوقين، يعرف صفتهما من نفسه كهيئة ما هما له سبحانه.

стр. 1724

ولا نقول نحن بكيفيتهما من غير أن نتجاهلهما، فنزيل عنهما الحقائق ونأخذ بهما طريق المجازات، فندخل في التعطيل، لأن من نفى عن الله ﷻ حقائق وصفه، أو حقائق فعله فقد عطله. ومن عطله، فقد كفر وحل دمه. وإن لم يثبت وأخذ بالسميع والبصير إلى معنى الإدراك خوفًا من التشبيه لم يسلم من التشبيه بل تعجل الخسران في ترك لفظين نازلين في كتابه، ورد اسمين له - سبحانه - إلى اسم واحد، وهو "المدرك ". وكيف يسلم من التشبيه؟! أليس للمخلوق - أيضاً - إدراك لأشياء. وإن لم يدرك جميعها، كما يدرك الله جميعها؟! ، كما له أن علمًا بأشياء، وإن لم يحس بجميعها، كما يعلم الله جميعها فهو يسمى عالمًا وعليمًا، ويسمى الله عالمًا وعليمًا، فلا يكون تشبيهًا كما يظنه الجهمي المخدوع، لأن علم المخلوق الذي سُمي به عالمًا وعليمًا مستفاد متعلم، وعلمه - سبحانه - أزلي صفة من صفاته غير متعلم ولا مستفاد، كذلك سمع المخلوق مصنوع فان، وبصره مثله يفنيهما الله إذا شاء، ثم يعيدهما إذا أحياه كما ابتدأهما بقدرته، وكذلك بصره.

стр. 1725

وسمع الله وبصره كائنان أزليتان فيه بلا إحداث محدث، ولا صنع صانع، حقيقيا غير مجازين، معروفان عند نفسه، معروف حقيقتهما عنده، معروف عندنا حقيقتهما بغير معنى الإدراك، بل بمعنى السمع والبصر، مسكوت عن كيفيتهما، كهيئة ما هما عنده سبحانه. * * * قوله: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) . دليل على أن المؤمن وإن دخل النار بعصيانه وجرمه وأحرق في النار بقدر جنايته لم يغل، ولم يجعل في السلاسل حتى يعتقه الله برحمته، ويذر الكافرين في السلاسل، والأغلال، والسعير الذي يستعر عليهم، كلما نَضَّجَ له جلدًا استعر على الجلد الذي يبدل له، خالدًا مخلدًا. * * * وقوله: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) . دليل على أن "الباء" إذا دخلت مقحمة - في الكلمة على سعة اللسان - لم يغير من المعنى شيئًا.

стр. 1726

وفيه حجة لمن يقول: إن قوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) . لم يغير من مسح جميع الرأس شيئًا، كما قال في التيمم: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) فلم يغير من مسح جميع الوجه شيئًا. وإن قول القائل: إن دخولها في مسح الرأس للتبعيض إغفال.

стр. 1727

قوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) دليل على أن إطعام الأسير يؤجر المطعم عليه، وهو مرضي أخلاقه، وإن كان الأسير كافرًا لأن الله ﵎ قرنه بإطعام اليتيم والمسكين كما ترى، وجعله مدحًا لفاعله، فليس لأحد أن يتنطع فيقول: لا أطعمه. ولا أحسن إليه، لأنه معونة على كفره، لأن الله ﵎ قد أعد له في الآخرة عذابًا على خلوده في النار، إن مات على كفره، ما هو كاف من إجاعته في الدنيا، ألا ترى إلى الخليل إبراهيم - صلى اللَّه عليه - حين دعا للبلد الحرام فقال: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) . قال الرب : (وَمَنْ كَفَرَ)

стр. 1728

أي ومن كفر فأنا أرزقهم. * * * وقوله: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ) الآية. دليل على أن من خافه في الدنيا، وأخذ أهبته من طاعة ربه، أمَّنَه من أهواله، ووقاه أفزاعه، وكذا قال في سورة النمل: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) . ويقال: إن الحسنة - في هذا الموضع - لا إله إلا الله، والسيئة الشرك.

стр. 1729

قوله: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) ، إلى قوله: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) قال بعض المفسرين: بما صبروا عن الدنيا جملة، فدخل فيه كل مصيبة شديدة ورزية، بفقد مال وموت حميم، وقريب، ونسيب وصديق، ومضض الفقر والأوجاع والأمراض، وخوف العدو، وجور السلطان، وأشباه ذلك، إذا جرع غصصه، وصبر على آلامه، وسلم فيها لحكم ربه، وعلم أنه منظور له بذلك، ومجعول كفارات لذنوبه. ورافع له في درجاته، ومسلوك به سبيل أنبيائه ورسله، وأوليائه. والصالحين من عباده، هان عليه - عندها - ما هو فيه، وأيقن بثواب ربه، ولم يكره بالازدياد منه. وقد قال رسول الله صلى، الله عليه وسلم: " ليودنَّ أهل العافية في الدنيا - يوم القيامة - أن جلودهم قرضت بالمقاريض، بما يرون من ثواب أهل البلاء".

стр. 1730

وقال: "إن الله ﵎ ليتعاهد وليه بالبلاء كما تتعاهد الوالدة ولدها بالخير". وسئل ﵇ أي الناس أشد بلاء، قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه " أو قال: " على قدر دينه، فإن كان صلب الدين على حسب ذلك، وإن كان رخو الدين فعلى حسب ذلك، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي في الأسواق وما عليه خطيئة".

стр. 1731

وقال: " إذا أحب الله قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط ". مع أشباه لهذا. وإذا كان كذلك استوجب - برحمته - ما وعده في هذه الآية، إلى * * * قوله: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) . يقال في (وَذُلِّلَتْ) : أدنيت حتى يتناولوها بالقطف قيامًا،

стр. 1732

وقعودًا، ونيامًا، وعلى كل حال، تتطامن لهم الشجرة حتى يتناولوا ثمارها بلا تعب، ولا نصب، فإذا فرغوا من تناولها استعلت فعادت كما كانت، هذه سبيلهم أبد الأبد. وقد قيل في: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا) : إنهم صبروا عن الشهوات. والشهوات - أيضا - من الدنيا في تركها مضض. وشدة على النفوس، فهو موافق لما قلناه. * * * قوله: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) . يقال: قدروها على مقدار ريهم. وفيه دليل على أنهم عوضوا من تركهم إدارة المحّرم

стр. 1733

عليهم من خمر الدنيا في أقداح الزجاج، بأواني الفضة، التي هي في صفاء الفضة، وبياض المرجان من خمر الجنة، التي (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) أي لا تنزف عقولهم بالسكر، ولا أموالهم التي كانوا يجعلونها - في الدنيا - أثمانًا للأعناب المعصورة، ومنقودة فيها نفسها، وشربه فيما أعان على شربها، ومجعوله في الملك، وأثمان المغنيات، وأجدادهن، وعطاياهن، وعطايا غيرهن ممن يجري مجراهن في ملاذ النفوس، وشهوات القلب. فصار الداخلون إلى الجنة في أمن من كل ذلك، يغرف الخمر من. أنهار الجنة الجارية فيها بلا ثمن، والاستمتاع بما يحبرون في رياضها. بلا حذر، ولا عطية، رغدًا كيف شاءوا، ومتى شاءوا، كما قال - ﵎: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) .

стр. 1734

قال: السماع في الجنة. وقد قيل في قوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) . إنه ضرب الأوتار تصوّت بالتسبيح والتقديس بنغم لم يسمع الخلائق بمثلها. وقيل في الشغل: إنه افتضاض العذارى. وهو عندي هذا وهذا، يلهون تارة بالسماع وأصوات الأوتار، وتارة بافتضاض العذارى، وكذا قال - في سورة أخرى: - (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) . أي بكأس الخمر - والله أعلم - فلا يكون فيها لغو أهل الدنيا وأباطيلهم.

стр. 1735

وهَدْر القول الذي يؤثم قائله ومستمعه، والنظر إلى المدير، وتمني المعصية معه، فعرضوا في الإدارة عليهم في الجنة - لما تجنبوا في الدنيا مثله - بغلمان يديرونها، ويطوفون بها عليهم، من غير إثم يلحقهم بالنظر إليهم، لما نزع من صدورهم من الغل في تمني الباطل. واستغنائهم بالحور العين، وافتضاض الأبكار. * * * قوله: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) . دليل على أن لذع الألسنة في الخمر مدح لها، ولذة لشاربها، ولذلك مدحها بمزاج الزنجبيل على ما في سجايا البشر، غير أنه حرمها بجميع صفاتها في الدنيا، فعوض - سبحانه - من تركها في الدنيا بما هو فيها لذة من اللذع، وأزال عنها السكر الذي هو فيها عيب. يقال: إنها تمزج لأصحاب اليمين، ويشربها المقربون صرفًا. ويقال: السلسبيل، هو الحديد الجرية. ولها مزاج آخر

стр. 1736

وهو الكافور، ولكنه - والله أعلم - ذكر الكافور لطيبه، لا لمرارته. إذ ليس في الجنة مرارة تكدر شيئًا من أطعمتها، وأشربتها. ذكر الله هذه الكأس في أول السورة للأبرار يشربونها هكذا ممزوجة لهم بالكافور، جزاء على وفائهم بالنذر، وخوفهم يومًا كان شره مستطيرًا. * * * قوله: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) . يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون وصفهم بصفاء الألوان. ورطوبة الأبدان، وذهاب الأدناس، كما يوصف اللؤلؤ الرطب المكنون عن الغبار وغيره، ليبقى صفاؤه، ولا يذهب ماؤه فيكون الولدان - في حسبان الناظر إليهم - أبدًا كذلك. والوجه الآخر: أن يكون وصفهم بالنفاسة، وغلاء الأثمان لو كانوا في الدنيا، كما يغلوا النفيس فيكثر ثمنه، ويعز أشباهه. * * * وقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) . حجة على المعتزلة

стр. 1737

والقدرية، لنفي المشيئة عنهم قبل مشيئته، وكذلك: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) .

стр. 1738

سورة المرسلات قوله : (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) . هو - والله أعلم - إهلاكهم بعقوبة الذنب، لا إهلاك الموت الذي يسوى كل فيه، والدليل عليه قوله: (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) . فجعله خصوصًا لهم، لأن إهلاك الموت الذي ليس بعقوبة الذنب، يشترك فيه النبيون والمرسلون، والملائكة المقربون، والصالحون والطالحون، وهو قوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) . وهو - والله أعلم - تقريع للآخرين أن لايعملوا بأعمالهم، ولا يسيروا بسيرتهم، فيستوجبوا مثل إهلاكهم. * * * قوله: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) خطاب لمن كان في زمن الوحي إلى يوم القيامة، وإن كان من قبلهم -أيضاً - مخلوقًا من هذا الماء، إلا آدم، وحواء، وعيسى ﵈ فإنهم لم يخلقوا. وهو خصوص خارج عن العموم. * * * قوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) وتكراره، دليل على إجازة التأكيد

стр. 1739

في الكلام، ورد على من نفاه. * * * قوله: (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) على لفظ الأمر، كأنه - والله أعلم - يقال لهم: ذلك يوم القيامة. وهو حجة في إجازة الضمير، واختصار الكلام، والتحري بفهم سامعه عن إظهاره. * * * قوله: (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) يقال إن الكفار إذا اشتد عليهم لهب النيران ذكروا الظل الذي كانوا يستظلون به في الدنيا، فرفعت لهم أصنامهم التي كانوا يعبدونها، وجعل لها ظل في أعينهم، فقيل لهم: انطلقوا إلى ظل أصنامكم فاستظلوا بها، فإذا مروا إليه كان حر ذلك الظل أشد عليهم مما فروا منه، فلم يقهم من اللهب. والظل واللهب مذكران، فقوله: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) . كأنه رجع إلى ذكر النار التي هي مؤنثة، أو إلى جهنم.

стр. 1740

قوله: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) يحتمل - والله أعلم - أن لا ينطقوا بالاعتذار، لأنه لا يؤذن لهم فيه، وإن نطقوا بغيره. وقد قيل: إنه مقام في اليوم، ووقت لا ينطقون فيه بشيء، ثم ينطقون في مقام آخر بالتسايل والخصومات. * * * قوله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) . أي بالقرآن، والله أعلم. وهو - إن شاء الله - كقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) ،

стр. 1741

سماه حديثًا، لأنه يتلى فيه الأنباء والقصص، والمواعظ، وغير ذلك، لا أنه أحدثه إحداث الخلق، كما يزعم الجهلة من الجهمية. ولا يعلمون أن من لم يكن له عهد بشيء، ثم عهده كان ذلك المعهود حديثًا عنده، لا أنه كان عدمًا فخلق. والعجب أنهم لا يقولون، ولا يؤمنون بشيء يخرج عن فطن العقول، ثم يزعمون أن القرآن كلام مخلوق، فكيف يأمر وينهى الكلام بكلام، إنما يأمر وينهى المتكلم بكلامه، افعل ولا تفعل. ولكن من شاء أن يجنن نفسه جننها، نعوذ بالله من العمى بعد البصيرة. والذي يزيل الريب عن الحديث أنه لا يكون بمعنى المخلوق والمصنوع في كل موضع. قوله في سورة الجاثية -: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) ، فسمى نفسه وآياته - معًا - حديثًا. فهل بقي بعد هذا لهم مقال يتعلقون به، - ويلهم - لو تبصروا، ولم يجهلوا، أو يتجاهلوا.

стр. 1742

سورة النبأ قوله : (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) رد على المعتزلة والقدرية، لأنه مجمع الأشياء فدخل فيه الخير والشر، والإيمان والكفر، وصارت متقدمة على الأفعال فخرجت الأفعال عليها، ولم يمكن المحيص عنها.

стр. 1743

سورة النازعات * * * قوله: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) دليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، تكلم به تكلمًا، لأن النداء كلام مسموع لا محالة، والكلام للمتكلم والنداء منه، وصفة من صفاته، وهو بجميع صفاته غير مخلوق، ثم أخبر عن فرعون فقال: (فَحَشَرَ فَنَادَى) ، فكان نداء فرعون مخلوقًا، لأن المنادي مخلوق، وكل صفة تبع للموصوف فإن كان الموصوف مخلوقًا كان كلامه مخلوقاً، وإن كان الموصوف خالقًا كان كلامه غير مخلوق. وهو بين. قوله: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) فالآخرة هاهنا قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) ، أو الأولى، قوله في سورة القصص: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) .

стр. 1744

قوله: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) دليل على أن الماء والكلأ، وحجارة الجبال وحطبه الناس فيه شركاء، ما لم يقع فيها الحيازات بالأملاك الظاهرة، التي تستفاد بوجوه الفوائد، فإذا وقعت الحيازات فكل من ملك أرضا، ملك كل ما تخرجه من عين وكلأ، إلا ماء الشفه ما لم تجعل في الظروف، والكلأ من المارة.

стр. 1745

سورة عبس قوله : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) بشارة للمؤمن كبيرة، لأنه لا محالة حاصل له هذا الإخبار، لأنه قال - على إثره -: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) فحصل هذا للكافر، وذلك للمؤمن إن شاء الله، إذ لم يذكر معهما ثالثة. و" القترة " ما يغشى الوجه من غبرة الموت. تغشيها، و" السفرة " النيرة المشرقة بياضًا وحسنًا.

стр. 1746

سورة التكوير * * * قوله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) إذا قرئت هذه القراءة المعروفة (سُئِلَتْ) بضم السين بغير ألف كان فيها غموض، ومعناه - والله أعلم - أن قتلتها سئلوا بأي ذنب قتلوها. كما لو سألت هي. ومن قرأ " سألت " بفتح السين والألف كان معناها بينًا غير مشكل، وهي قراءة أبي صالح، وجابر بن زيد، وأبي

стр. 1747

الضحى، والضحاك بن مزاحم.

стр. 1748

سورة الانفطار * * * قوله: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) . عام المخرج خاص المعنى، لأن الكل لم يكذب بالدين، إنما كذب البعض، ثم رجع إلى العام فقال: (كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) . لأن الحافظين على الكل، فعلمهم على وجهين: فما كان من ظاهر قول، أو حركة جوارح علموه بظاهره، وكتبوه على جهته. وما كان من باطن ضمير، يقال: إنه يجدون لصاحبه ريحًا طيبة. ولطالحه ريحًا خبيثة، فكتبوه عملاً صالحًا وآخر سيئًا.

стр. 1749

سورة المطففين * * * قوله: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) أي من الناس، والله أعلم. والعرب تبدل حروف الجر بعضها من بعض، إذا أرادت ذلك. * * * قوله: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) روي عن سعيد بن جبير أنه قال: تحت خد إبليس. كأنه يريد أن ما أحصاه فباستفزازه ووساوسه وتزيينه اكتسبه فجعل تحت خده

стр. 1750

عن قربه منه. وقد يجوز أن يكون جعل تحت خده ليقرن معه في جهنم إذا دخلاه فإن كان على ما فسره سعيد لحضناه من قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) ، تعظيم له، وتهويل، كما قال: @وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَومُ الدِّينِ) وشبهه في القرآن. وإن كان سعيد خولف في هذا التفسير، فظاهر الكلام يدل على أن الكتاب المرقوم هو تفسير للسجين على التشبيه، كأن ما رقم فيه، وأودعه من قبائح أفعال الفاجر في ضيق وإياس من أن يفلت فيه شيء. كالمسجون الذي قد ضيق عليه فلا يستطيع أن يفلت، والله أعلم بما أراد.

стр. 1751

قوله: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) . أدل دليل على الرؤية لأنه لا يخص قوم بالاحتجاب عقوبة لهم إلا ويظهر لآخرين كرامة لهم، وهو بين وقد لخصناه في غير موضع من كتبنا في الرد على الباهلي، وابن أبي يعقوب، وابن حرمان.

стр. 1752

قوله: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) قد أنبأ أن المحجوبين عن الرؤية هم الكفار الذين كانوا يكذبون بالجحيم، والمؤمن عاصيًا كان أو مطيعًا لم يكذب به فدخل في حكم الآية فيمن يرى ربه سبحانه. * * * قوله: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) يحتمل في الخير ما احتمله كتاب الفجار في الشر من أنه إذا رفع صاحبه في الجنة - والجنة في السماء السابعة - فكأنَّ كتابه موضوع هناك.

стр. 1753

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) تعظيم له، وإعجاب للمخاطب به، والله أعلم. * * * قوله: (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) يريد الملائكة الذين يناهيهم بالمطيعين من عباده، والله أعلم. * * * قوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ) . دليل على أن المؤمن مندوب إلى الرغبة في ملاذّ النفوس، وشهواتها في الآخرة

стр. 1754

والسعي في اكتسابها. وإن تنطع الصوفية كما يدعون من ترك الاشتغال بها، والاقتصار على العمل الصالح الرضي وحده، لا للرغبة في الجزاء عليه. من مباشرة ما وعده الله ﵎ وأعده لأهل الجنة مذموم من قولهم، وغير مرضي من فعلهم، لأن رضى الله ﷻ وإن كان من أجلّ الجزاء وأعظم النعيم فليس بمانع من الرغبة في مباشرة ملاذ النفوس، والتمتع بما هو من حظها، وإنه لا يحطه من درجة طلاب الرضى. وإنما نهوا عنه في الدنيا وندبوا إلى الزهد فيها، لأن محظورها يفضي بهم إلى المحرم ويكسبهم النار، ومباحها يفضي بهم إلى الفتور والكسل والرغبة في الدنيا عن مباشرة تعب العبادة ونصبها، وتصعّب عليهم تجرع المرارات، وتطمئن إلى الراحات وإيثار الحلاوات عليها. فإذا دخلوا الجنة وانتقلوا عن دار المحن، ورفعت عنهم العبادة تلذذوا بمحابّ النفوس من الأكل، والشرب، وأنواع النعيم من معانقة الحور. ومن يزوجون من الآدميات المطيعات، ويرد إليهم من الزوجات اللواتي كن لهم في الدنيا، فلم يضرهم ذلك، ولا خشوا مقتًا من ربهم،

стр. 1755

ولا حذروا فتورًا عن العبادة، لأنه جزاء لهم على ما أطاعوه في الدنيا. وآثروا طاعته على ملاذهم ومحابهم فيها، ألا تراه يقول - سبحانه -: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) . والقرآن مملوء به من قوله: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) . وكيف يكون مذمومًا مع قوله: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) فلم أمرهم إذًا بالتنافس، ولم وصفه وملأ القرآن بذكره، ولذلك قال عبد الله بن مسعود: " ما رأيت أحدًا أشد على المتنطعين من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا رأيت بعد رسول الله ﷺ أشد خوفًا عليهم من أبي بكر ﵁ وإني لأظن أن عمر كان أشد خوفًا عليهم، أو لهم " ﵁. وروى الأحنف بن قيس، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله، صلى الله عله وسلم، قال: " ألا هلك المتنطعون " ثلاثًا.
следующие страницы →