Полный текст (1 832 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وفي التعارض ما يتوجه اختلافه، وفيه ما لا يتوجه إلا بنسخ.
فما يحتمل وجوها مستعملة كلها كثير يطول الكتاب بشرحه، وليس
على القوم فيه حجة، وما يحتمل وجهين لا يجوز إلا استعمال أحدهما: قوله جل وعلا في هذه السورة (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) وفي بني إسرائيل: (خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) فظاهر الكلام دال على أن الولد المنهي عن قتله هو المخشي ببقائه الإملاق، ومن لم يخش ببقائه الإملاق مباح قتله.
فلم يجز استعمال هذا المعنى بحيلة، وإن احتمله، وكان اتباع ما يدل
على منع قتل الأولاد جميعا، من خشي الإملاق منهم ومن لم يخش، من قوله على إثر الكلام: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)
أولى لدخول الأولاد جميعا مع الأجنبيين تحته، وإنما كانت الجاهلية تقتل أولادها خشية كثرة العيلة، ودخول الفقر عليهم إذا كثروا، فأنزل الله ﵎: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)
وما لا يجوز استعماله بتة:
* * *
قوله: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)
стр. 317
وفي غير موضع مثله (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أو، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
"ولعل " كلمة شك وتمن، فلم يجز أن تحمل على ظاهرها فينسب الشك والتمني إلى الله، ويوصف بما ليس من نعوته، وكيف يتمنى إيمان قوم ب " لعل " وهو ﷻ عالم بأنهم لا يؤمنون إلا بمشيئته، وقد أنزل في كتابه فقال: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)
وأخبر عن قوم يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا ويصدقوا فقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)
فهذه الأشياء وما يضاهيها على سعة اللسان تقول العرب: فعلنا بفلان كذا لعله يفعل كذا.
وهذا أيضا حجة عليهم فيما ينفون عنه من صفات تكون عندهم للمخلوقين، وقد أخبر عن نفسه - جل وتعالى - ب " لعل ما كما ترى، فلم تؤثر في ربوبيته ومباينة خلقه. فكيف يجوز مع هذه الأشياء أن يتعلق بظاهر قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)
стр. 318
ويتأول النكير عليهم على خلاف ما قلنا، وأول الكلام وآخره ينقضه،
أم كيف يعد متعارضا وقد دللنا على أن مشيئته فوق مشيئة خلقه،
لا يجوز أن يكون تبعاً لمشيئتهم. أفتراه - ويحهم - نسخ ما القرآن مملوء به
وبذكره من مشيئته وسلطانها على مشيئة عباده، وإضلال من أضل منهم
بعدله، وإنعامه على من أنعم بفضله بما نسب إليهم من مشيئتهم وضلالهم في بعض المواضع، وبما دل عليه ظاهر (سيقول) فأبطل إلاهيته الأزلية، وسلطانه النافذ قبل خلق الخلق وبعده، وجعل مشيئتهم التي هو خلقها فيهم مستعلية عليهم ومتقدمة بين يديه وقاهرة لإرادته.
إن الكفر في هذا لأوضح من أن يتوصل إليه بهذا التدقيق والإغراق.
نعوذ بالله منه.
حجة عليهم:
قوله: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)
حجة عليهم في
стр. 319
باب العدل الذي يحملونه على عقولهم، إذ قد أخبر - جل وتعالى - عن وقت يأتي فيه بعض آياته لا يقبل إيمان من آمن فيه من الكفار، ولا اكتساب من اكتسب خيرا من الموحدين، وهذه الآية عندنا طلوع الشمس من مغربها فإن آمنوا به فذاك، وإلا فليعدوها أي آية شاءوا ليس هذا وقت موقت قبل الموت لا يقبل ذلك فيه
أفمن العدل عندهم أن يقبل إيمان كافر في وقت لا يقبل اكتساب مؤمن ولا إيمان كافر في غيره، أم يقروا بأنه عدل وإن لم يعرفوا وجهه،
فنقول: وكذلك من قضى عليه المعصية، ثم عذبه عليها، عدل عليه، وإن لم نعرف وجهه. ولا أراهم - بحمد الله ونعمته - يريدون الاحتجاج بشيء إلا عاد عليهم في باب العدل، وخرج بهم إلى الكفر.
فإن قالوا: هذه الآية الموت نفسه لا أجل قبله.
قيل لهم: أفهم الموت بعد وقوعه أو اقتراب حينه عند آخر أنفاس الحال به،
فإن قالوا: بعد وقوعه.
стр. 320
قيل لهم: فكيف يؤمن ميت أو يكسب خيرا حتى يقبل منه أولا
يقبل،
وإن قالوا: هو اقتراب حينه. أعيد عليهم الكلام في باب العدل، إذ إلغاء الإيمان واكتساب الخير في أي وقت ألغيا، قبل الموت قربت مدته منه، أو بعدت - إلغاء، والعادل إذا ألغى خيرا ولم يقبله من فاعل كان ضد العدل في عقول الخلق ومن ينفي القدر تنزيها لله عن الجور.
فإن احتجوا بقوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)
أصابوا في التلاوة ونقضوا أصولهم في المقالة؛ إذ مدارهم كان في نفي القدر وخلق الأعمال على قياد العدل الذي يعقلونه بعقولهم، فإذا خرجت مقاليد الحالة من أيديهم، وانفتحت لنا عليهم، لم يبق لهم علينا إلا إتمام كسر قولهم في الوعيد، وإن كنا قد علمناه في الفصل من
стр. 321
سورة النساء في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)
ونتمه بعون الله على نسق الآيات في السور إذا انتهينا إليها، غير أنا نسألهم عند تلاوة هذه الآية - إذ هي دعامة مقالتهم في باب الوعيد، وإن كانوا قد كسروا بها باب العدل - سؤالاً فنقول لهم: أخبرونا عمن تاب من ذنوبه عند نزول الموت قبل انقطاع آخر أنفاسه، ومن مات على تمرده من غير ندم ولا توبة في الوعيد والخلود في النار سواء،.
فإن قالوا: نعم. لزمهم في باب العدل ما يلزمهم. وإن كانوا قد علموه جملة واحدة ويقال لهم: أسلمتم لهذه الآية في منع التوبة وإبطالها عمن حضره الموت تسليما، أم تصححونه بعقولكم ولكم عليه شواهد من غيرها من حيث لا ينكسر قولكم في العدل وإن كان قد انكسر باحتجاجكم بهذه الآية.
فإن قالوا: لم ينكسر. كابروا في الجواب، وجاروا في الخطاب.
وإن قالوا: بل نصححه بعقولنا.
قيل، فما وجه تصحيح من عصى الله مائة عام ثم تاب قبل موته بيوم
стр. 322
وهو صحيح نشيط لم ينزل به دليل موت ولا أتاه رائده، فقبلت توبته، وأطاعه آخر مائة عام إلا يوما قبل موته، أخطأ فيه خطية واحدة، فتاب منها آخر نهار يومه، وقد نزل به الموت ولاح رائده، فلم يقبل توبته وخلد في النار بخطيئته، أكانت تلك الخطيئة الواحدة أثقل في ميزانه من ذنوب مائة عام إلا يوما واحدا تاب فيه منها وهو صحيح،.
أم رجاء الصحيح في البقاء وخوف العليل من الموت، فرق بين حاليهما، وكلاهما منقطع الحياة في علم الله إلا يوما واحدا، تاب فيه واحد في أول نهاره من ذنوب مائة عام إلا يوما واحدا، وآخر في آخره من ذنب واحد فأرى التوبة إذا يبطلها المرض وتصححها الصحة. فإن قالوا: ولا من هذا الصحيح التائب في أول نهاره يقبل، لانقطاع عمره في علم الله - خالفوا الأمة كافة، وانفردوا بقول لم يسبقهم إليه سابق مبتدع ولا متبع، فيقال لهم: على ذلك، فكم المدة التي تكون بين التائب وبين الموت تقبل فيها توبته،
فأي مدة وقتوها طولبوا بإقامة البرهان عليها من كتاب الله ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً
قال محمد بن علي: فلما رأينا الله ﵎ يدعو إلى التوبة دعوة
стр. 323
واحدة، ويعد القبول ممن تابه بقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)
بلا وقت مؤقت ولا أجل مضروب سوى الآية الآتية - التي ابتدأنا الفصل بها، ثم قال في هذا الموضع: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)
علمنا أنها لا محالة خاصة نازلة في قوم بأعيانهم، كما قال في فرعون: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ) ، إذ لا سبيل إلى تحديد حد في القريب الذي ذكر فيه قبول التوبة حيث يقول (يتوبون من قريب) لأن أمل الحياة قائم في الإنسان ما بقي فيه نفس واحد، وإذا كان لنا أن ننظر في هذا القرآن ونتكلم في وجوهه فرسول الله ﷺ المنزل عليه أحق أن يتكلم فيه بما أراه الله، مع ما أيده به من الوحي وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى، وقد صح عنه أنه قال: " إن الله ليقبل توبة عبده ما لم يقع الحجاب ". قيل: وما وقوع الحجاب، قال: " أن تموت النفس وهي مشركة " و " إن الله يقبل توبة العبد ما لم
стр. 324
يغرغر "
فيقول: كل تائب مقبول توبته في أي وقت أحدثها من عمره، عليلا كان أو صحيحا، عند الموت أو قبله، إلا من أدركه طلوع الشمس من مغربها، وهو غير تائب، فإن توبته حينئذ لا تقبل منه إذا تاب، وتكون الآية مصروفة إلى قوم بأعيانهم لا تدخل معهم غيرهم، وكذا قال أبو العالية إن الآية لأهل النفاق، وأحسبه أراد منهم من كان على عهد رسول الله، ﷺ ، ويكون حجبها عن أولئك من العدل الذي لا نعقله كما لا نعقل عدله في القضاء والقدر وما ذكرنا معه فيما مضى من كلامنا في
стр. 325
فصول الآيات وبسطها لغيرهم من الفضل عليهم، فهذا وجه الآية التي هي دعامة مقالتهم في باب التوبة.
ثم نرجع إلى فصل الاحتجاج عليهم بإتيان الآية التي لا ينفع بعدها الإيمان واكتساب الخير.
وإن قالوا: الآية هي حضور القيامة، قالوا محالاً إذ الإيمان في القيامة لا وصول إليه ولا إلى اكتساب الخير، ألا ترى أنهم لما تمنوا أن يكونوا مؤمنة تمنوا معه الرد إلى الدنيا، ليؤمنوا بما كفروا ويصدقوا بما كذبوا فيها: (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) ،
وقد أخبر الله عن إيمان من يؤمن في الدنيا ويكتسب الخير فلا ينفعه هذا ولا هذا بعد إتيان الآية، وكذا قال رسول الله، ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) .
стр. 326
ولنا عليهم في قبول التوبة عند الموت حجة أخرى واضحة وهي إجماع الناس كافة على أن من أسلم من الكفار عند الموت حرم ميراثه كفار ولده وورثه مسلمون ورثته وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، والتوبة من الكفر أجل توبة، والكفر أعظم خطرا من الذنب، فمحال أن يقبل من أحدهما دون الآخر.
فإن شبه على أحد بأن التوبة لا تقع إلا من الذنوب، وأن تارك الكفر لا يسمى تائبا كذبه القرآن. قال الله ﵎: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)
فسمى تركهم لذلك القول واستغفارهم منه توبة.
وقال أيضا: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ) ، فجعل التوبة من الكفر والزنا توبة واحدة وسماها باسم واحد، فغير جائز أن يترك آيات التوبة كلها في الكفار والموحدين بلا وقت مؤقت لآية تحتمل الخصوص.
стр. 327
وقد يجوز أن يكون شي المنافقين من نافق في إظهار القول بالتوبة عند الموت ليحظى بها عند الناس، فيذكر بالجميل إذا مات، وقلبه معتقد على خلاف ما أظهر، فنزلت الآية فيه، وفي أشباهه.
وأما مناقضتهم في خلود من مات من الموحدين بلا توبة مع الكفار في النار فقد حواه كتابنا المجرد فيه، فكرهنا إعادته في هذا الفصل لطوله، إلا ما ذكرنا، ونذكر مع الآيات في مواضعها إن شاء الله تعالى.
стр. 328
سورة الأعراف
في التقليد:
* * *
قوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)
حجة بينة في نفي التقليد؛ لأن الهاء في (دونه) لا تخلو: إما أن تكون راجعة على الرب أو على التنزيل، وقد نهى عن اتباع غيره كما ترى.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)
نظير ما مضى في سورة البقرة من قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ)
أي خلقنا من أنتم ذريته، وصورنا من صورناكم على صورته، وهو آدم، والله أعلم.
قوله إخبارا عن إبليس: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) .
حجة على المعتزلة والقدرية، لأن الله ﵎ لم يرد عليه ذلك وإنما أخبره بعقوبته وعقوبة من اتبعه وليس يخلو من أن يكون خلقه وهو يعلم ما يحدث ويقول أو لا يعلم.
стр. 329
فإن كان علم - وقد علم لا محالة - فقد خلقه لذلك، ولابد من القول بهذا، لأن النافي عنه علمه به كافر لا شك فيه.
ستر العورة ومعنى الوصية:
* * *
وقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ)
حجة في ستر العورات، وفيه من الفقه أن من أوصى بثلثه لبني فلان اشترك فيه الذكر والأنثى من ولده لدخولهن مع البنين في الاستتار.
ولم يقل: يا بني آدم وبناته، لأن الذكور يغلبون الإناث في الاسم فاقتصر عليهم - وهو أعلم - في الذكر دونهن.
وإن كانت الوصية لذكور بني فلان لم يدخل الإناث معهم. ومثله: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ)
قد دخل فيهم بناته
* * *
وقوله: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ) مثله، وفي قوله: (وَقَبِيلُهُ) وهو دليل على أن الاسم الواحد واقع على معاني شتي، إذ القبيل في هذا الموضع - والله أعلم - أشياعه وأعوانه.
стр. 330
وقال في موضع آخر: (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)
أي عيانا إن شاء الله.
القدرية:
* * *
وقوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)
آية يغالط بها القدرية والمعتزلة - العامة منا، وأين القضاء من الأمر، ومن الذي قال: إن الله أمر بالزنا والسرقة، وشرب الخمر، كما أمر بالصلاة والصوم حتى يحتجوا علينا
بقوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) .
ونحن مقرون أن الله لا يأمر بالمعاصي، بل ينهى عنها ويوعد عليها العقوبة.
ولئن كان هؤلاء القوم لا يفرقون بين الأمر والقضاء على الحقيقة ولا يريدون بهذه الآية المغالطة والتلبيس على العامة، إن المصيبة في جنونهم لأعظم من أن يشتغل بمناقضتهم فيما يدق من بدعتهم.
стр. 331
القضاء حكم مغيب عن العباد مقرون بسابق علمه فيهم لا يستطيعون الخروج منه إلى خلاف ما علمه منهم.
والأمر إفصاح ونطق وتسمية الشيء الذي يؤمرون به، إذ محال أن يقدر العبد على معرفة فعل يأمره مولاه به، فيهتدي إليه قبل يأمره، وللسيد فيه علوم وإرادات لا يقدر العبد على معرفتها قبل الإفصاح له بها فهل قال أحد منا: إن الله قال لعبيده: ازنوا أو أقيموا الزنا، أو حافظوا على الزنا، كما قال: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، وكما قال، (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) بل قال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) .
إن هذا منهم لإفراط في الجهل والجنون إن كان حقيقة، وصفاقة وجه
إن كان مغالطة.
* * *
وقوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) حجة عليهم إذ المهتدي بدأ مهتديا والضال حق عليه ما
стр. 332
خلق له من الضلالة.
ألا تراه يقول في موضع آخر: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) ،
فالحق لا محالة منه يحق أليس بينا في سياق الكلام أن القول منه جل وعلا حق قبل فعل الجن والإنس أفعالا استوجبوا بها دخول النار، فلذلك لم تؤت كل نفس هداها.
وهل يقدر من حق عليه الضلالة أن يبطلها عن نفسه، أو من هدي أن يضل،.
فإن احتجوا بقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) .
قيل لهم: ويحكم ما تفرون أبدا من شيء إلا وقعتم فيما هو أعظم منه. هل تخلو هدايته ثمود من أن تكون هداية بيان، أو هداية حكم وإيجاب إرادة، فإن كانت هداية بيان، فلا حجة فيها علينا. وإن كانت هداية حكم وإيجاب إرادة، فكيف غلبوا إرادته في إيجاب الهداية، وقهروا حكمه النافذ في كل شيء، فعقروا ناقته وعتوا عن أمره وكفروا بنبيه صالح ﷺ ،.
стр. 333
أما تعلموا أن البيان والدعوة عامان والهداية خاصة، قال الله ﵎: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) ، فجعل الدعوة عامة والهداية خاصة.
في تذكير فعل المؤنث:
* * *
قوله: (حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ)
من جهة اللغة حجة في تذكير فعل المؤنث وإن كان واحدا للاستغناء بالهاء الدالة على الفرق بينه وبين المذكر ومثله: (لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ) و (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) ، ومثله كثير في القرآن وهذا إذا كان الفعل مقدما، فأما إذا تأخر لم يجز إلا تأنيثه، ولو أنث وهو مقدم على التأكيد لكان حسنا قال الله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا)
و (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) ومثله كثير.
التستر فى الصلاة:
* * *
وقوله: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)
حجة في
стр. 334
الاستتار في الصلاة وقد تقدمت الحجة في الاستتار في غير صلاة بقوله: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) .
تحريم الخمر:
* * *
قوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ)
حجة في تحريم الخمر الذي يطالب العامة فيه بلفظ التحريم، ولا يعلمون، أن الحظر والمنع والتحريم بمعنى واحد؛ إذ فعل شيء قد نهى الله عنه وأمر باجتنابه وأخبر أنه من عمل الشيطان وأكده بقوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ، لا محالة إثم، وصاحبه آثم، وهو في عداد ما يلحق الإثم بشاربه، وقد نسقه جل وعلا بالواو على الفواحش بلفظ التحريم.
في تحريم التقليد:
قوله في تمام هذه الآية: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)
حجة في تحريم التقليد؛ إذ لا يجوز لبشر يحرم شيئا أو يحلله مبتدئا به، ولا يجوز أن يكون إلا تبعاً لله فيهما ناسبا إليه ما يفعله منهما.
стр. 335
فمن دان الله من المميزين بشيء لا يستطيع أن يتلو فيه قرآنا ولا يروي
فيه عن رسول الله ﷺ خبرا صحيحا ولا اجتمع له عليه أهل ملته، إذ كلاهما مع القرآن مقبول بالقرآن لم يسلم من هنا الآية. قال الله وجل من قائل: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)
وليس في هذا عند من أنصف واتقى الله برؤية وتمييز وقيعة في متقدم سلف ولا عالم خلف فنحن نعلم بل نشهد أن واحدا منهما لا يفتر على الله كذبا، ولكنه سالك في كل ما أحل وحرم إما سبيل نص أو تأويل.
فما سلك فيه نصا لا يتعذر على المميز الوصول إليه، وما سلك به تأويله فهو مصيب عند نفسه، محمود على صوابه، معذور بخطائه عند ربه غير قادر على أكثر مما فعله واجتهد في طلبه، فعلى المميز أن يشهد بفضله ويعرف قدمته وسابقته ولا يعول على نظره في اجتهاده كما عول في اتباع النص الذي يستوي كل في إصابته، وكل آمن من خطأ يلحقه فيه.
والمجتهد نفسه السابق إنما ما حكم فيه باجتهاده لا يقدر أن يشهد على
الله بما أداه إليه اجتهاده فكيف يقلد "
ولو كان الحاكم باجتهاده يصيب حقيقة الحق لما أمر رسول الله ﷺ -
стр. 336
من حكم له بلحن حجته أن يدع أخذ ما حكم له به على خصمه، ولكان لا يتواعده عليه النار لأن حكمه ﷺ ، وإن كان حقا في نفسه، فهو على ما أوجب ظاهر ألفاظ الخصوم لا على ما استسروه من خداع بعضهم لبعض. فإذا كان الحكم، من رسول الله ﷺ ، على هذه الحال لا يحلل شيئا ولا يحرمه إلا على ظاهر الحكم حتى يطلعه الله على السرائر، فمن بعده من الحكام والمفتين أولى أن لا يحل ويحرم بقولهم شيئا، وإن ما كانوا فاضلين حتى يتبين للناظر موضع الحجة، فيقول عليها، لا على القول، فإذا اجتهد بنفسه وهو مميز، فأصاب أو أخطأ، لم يكن عليه عتب ولا كان قائلا على الله ما لا يعلم،
стр. 337
والمقلد غير مجتهد فيكون معذورا بتحمل خطأ غيره إلا أن يكون غير مميز فلا بد للأعمى من اتباع البصير.
فإن كان ممن يضبط السماع ويعرف مراتب الرجال ولا يميز نفس المحكوم فيه قلد الأقرب فالأقرب من العلماء من رسول الله ﷺ ، ولم يقلد أهل زمانه إذ هم على مقدار ما يشهد له نظره أجدر بالإصابة وآمن ممن بعدهم.
وإن كان لا يعرف مراتب الرجال، ولم يضبط السماع قلد آمن أهل
زمانه وأشهدهم وأشهرهم وأرفعهم ذكرا بالعلم والإشارة إليه في بلده وغير بلده مشافهة، أو قابلاً من آمن أمثاله عنده إذا عجز عن الوصول إلى مشافهته، ولم يسعه قبول الفتوى من كل من أسرع إليها ولا ممن عرفه بالصلاح إذا لم يكن له شهرة في العلم مقصودا إليه فيه، ولن يعدم مثل هذا في كل عصر إن شاء الله.
* * *
قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ)
حجة على القدرية والمعتزلة، لأنه جل وتعالى نسب الافتراء والكذب إليهم وسماهم بذلك ظالمين، ثم أخبر عما ينالهم من نصيبهم من الكتاب وليس يخلو هذا النصيب المضاف إليهم من أن يكون نفس ما أتوه أو عقوبته وأيهما كان فهو قبل العمل والعمل جار عليه لا محيص لفاعله.
стр. 338
قوله: (يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ)
حجة عليهم فيما يزعمون أن كل فعل مضاف إلى فاعله فهو منفرد به غير محمول عليه ولا معان فيه.
أفيجوز أن نقول: إن رسل الله - جل وعلا - منفردون وتوفي الناس
غير فاعله بقوة الله وإرادته، كما يزعمون أن الله لما أضاف الافتراء والتكذيب والضلال وأفعال الشر إلى من أضاف كان منفردا بفعله من غير أن يكون مكتوبا عليه ولا مرادا به. أولا يعتبرون أن الفعل وإن أضيف إلى فاعل فغير محيل أن يكون مرادا به محمولا عليه، وأن اللغة المجيزة أن يضاف إلى من ليس بفاعل أصلا فعل كإضافة التوفي إلى الرسل، وخلق الطير من الطين إلى عيسى ﷺ وليس لواحد منهما صنع فيما أضيف إليه مجيزة أن يضاف إلى فاعل المعصية فعله، ولا يحيل أن يكون مكتوبة عليه، لأن عجز عاجز عن معرفة عقوبة من هذا سبيله في معصيته من حيث لا يثلم في عدل - من لزومهم ظاهر لفظ إضافة الأفعال إلى العباد وتركهم لفظ إضافة المشيئة إلى الله، أو من رجوعهم إليه في باب الوعيد وتركهم إياه في باب الصفات وفزعهم إلى المعقول في باب العدل في القدر وحده
стр. 339
غير جاهلين مخالفة القرآن مع قيادة العقول ومساهلتهم أنفسهم في إخوانه من خول العبيد ومرض الصغار وأشباههما، وترك قيادة العقول فيها.
إن هذا إلى التفكه بالبطالة أقرب منه إلى إقامة التوحيد كفعل العبيد.
ومثل قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ) في غير موضع من القرآن قال الله وجله من قائل: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) .
وقال: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ، وقال: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)
وهو المتوفي لهم لا محالة قال الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) .
* * *
قوله: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا)
حجة في أن العرب تسمي
стр. 340
بالاسم الواحد المعاني الكثيرة كما تسمي الشيء الواحد بأسماء شتى.
وفيه حجة على المعتزلة والجهمية فيما يزعمون: أن الله لما وصف باليدين استحال أن يكونا صفتين، لأن ذلك لا يكون إلا مخلوقا عندهم أفيزعمون أن الأخت من النسب لا تسمى بالأخت من أجل أن هذا الاسم يسمى به غيرها، وقد سماها الله جل وعلا به فقال: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) .
والعرب تقول للرجل تظهر منه الخصلة من الخير أو الشر: إن لهذه أخوات، وتقول: فلان أخو صبر وأخو ورع، ثم تسمى به الأخ من النسب فيجتمع كل ذلك في الاسم ويختلف في المعنى، فيما ينكر أن يكون لله - جل وعلا - يدان مبسوطتان وسمع وبصر فينفق بهما ولا يكون ذلك تشبيها بالبشر، إذ كل ذلك من البشر مخلوق فان، ومنه جل وعلا باق غير مخلوق، إن هذا منهم لأضيق رواية، أو أظهر مكابرة، وليت شعري حيث ذهبوا باليد إلى القوة والنعمة فرارا من التشبيه بالمخلوقين هل يسلموا مما فروا منه، أو للمخلوقين قوة ونعمة، فإذا هم لم يخلصوا على أكثر من أن أجازوا تطبيقا وردوا
стр. 341
غيره، وكلاهما الجائز عندهم والمردود - من صفات الخلق، وهذه غفلة متجاوزة أو عناد قبيح.
وكما قالوا في ضحك الله ﵎: لمعانُ نوره لا الضحك الذي يشاركه فيه المخلوقين.
وقالوا: هو كقول العرب: ضحك المزن، إذا بدأ فيه لمعان البرق، وضحكت الكرسفة وهل ضحك الكرسفة، والمزن غير مخلوقين حيث حملوا ضحكه على ضحكهما، أو لا يرون أن للشمس والقمر والكواكب نوراً ولمعاناً وهي مخلوقة كلها، أفيجوز نفي النور عنه ﵎، وهو يقول: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
لأن شاركه فيه ما ذكرناه.
وهلا أنكروا الضحك بواحده؛ إذ الضحك غير ذلك كله أيضا.
قال الله ﵎: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) .
стр. 342
وما الذي جعل الوفاق الواقع من ولد آدم له من صفاته هو المنكر، والوفاق في كل هذه الأشياء محتملا جائزا عندهم، هل في ذلك إلا مضاهاة القرآن بالحدث إذ قد نطق بالسمع والبصر واليد والحب والغضب والمكر والسخط وأشباه ذلك.
وهلا نفوا الكيد والقوة وأشباهها عنه؛ إذ لولد آدم أيضا كيد وقوة،
وقد نطق القرآن بهما، قال الله ﵎: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً)
وقال: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)
وقال: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) ،
وقال في النساء: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)
стр. 343
وفي الشيطان: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)
مع ما يطول الكتاب من مثل هذا.
فما بال بعض هذه الأشياء يكون تشبيها وبعضها غير تشبيه، وفاق بالاسم وليس المفرق بينهما أكثر من أن ما فيه جل وعز غير مخلوق، وما في الآدميين وسائر الخلق مخلوق.
جملة وخصوص واختصار ومعاني الإضلال:
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)
جملة وخصوص واختصار؛ إذ هو لا محالة من مات منهم على ذلك، إذ من تركه وتاب خارج منه بما ذكر من آيات التوبة والمغفرة.
стр. 344
وفيه دليل: على أن المشيئة المضافة إلى العباد مفسرة بمشيئته المضافة
إليه بإضلاله إياهم؛ إذ لا يجوز كما وصفنا في غير موضع أن تكون مشيئته تبعاً لمشيئتهم، ولا ضلالهم سابقا لإضلاله إياهم.
وكذا ذكر المكذبين بآيات الله المستكبرين عنها في هذه الآية جملة لا ينسخ آيات التوبة والمغفرة ولا تكون آيات التوبة مجملة وهذه مفسرة.
وفي قوله: (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ)
دليل على أنها تفتح للمؤمنين، ويدخل الجنة من صدق بآياته وخضع لها. هذا واضح غير مشكل لمن ميزه وانقاد للحق.
معاني المهاد:
* * *
قوله: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)
دليل على أن الشيء وإن كان موضوعا لمعنى فجائز أن يسمى به ضده؛ لأن المهاد اسم موضوع للراحة والوطء قال الله ﵎: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)
فجعله في عداد النعم، وقال: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) أي يوطئون، والله أعلم.
стр. 345
ومنه سمي الفراش مهادا؛ لأنه يوطأ ويريح، قال الله ﵎: (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وقد سمى في هذا الموضع النار تحت الكافرين مهادا، لأنها وإن لم توطأ لهم ولم ترح أجسادهم فهي مبسوطة تحتهم.
ومثله البشارة اسم موضوع للسرور والفرح قال الله ﵎: (فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)
ثم نقلها جل وعلا إلى الغم والحزن فقال: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) .
* * *
قوله: (وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ)
إلى قوله: (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
حجة على المعتزلة في باب الوعيد؛ إذ أصحاب الأعراف لا محالة محبوسون عن الجنة بذنوب لم يتوبوا منها؛ إذ لو
стр. 346
كانوا ماتوا تائبين منها ما حبسوا على الأعراف، ولأدخلوا الجنة مع الداخلين من فور فراغهم من الحساب، وقد أخبر الله - جل وعلا - أنه يدخلهم الجنة بعد ما حبسهم عنها مدة كما ترى.
فإن قالوا: ليس هؤلاء المعتقرين أصحاب الأعراف، كان أوفد للحجة عليه، إذ هم لا محالة، وإن أخطئوا أصحاب الأعراف - من أصحاب النار.
* * *
قوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
стр. 347
حجة على الجهمية؛ لأن الاستواء في هذا الموضع هو الاستقرار، فقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
أي استقر عليه، فهو بما استقل العرش منه ﷻ له حد عند نفسه لا بحد يدركه
стр. 348
خلقه والمحيط بالأشياء علمه سبحانه.
وقولهم: الاستواء: الاستيلاء من غير جهة خطأ.
فأولها: المكابرة في اللغة، تقول العرب: استوى فلان على الفرس
أي استقر عليه، قال الله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)
أي: استقرت السفينة عليه.
أفيجوز أن يقال: استولت السفينة على الجبل، وإذا كان الرجل في شيء، ثم تركه وعمد لغيره يقال: استوى إلى كذا، قال الله تبارك
стр. 349
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)
ويقال: استوى الميزان والحساب إذا اعتدلا، واستوى الراكع وغيره
إذا اعتدل بعد الانحناء.
فهذه وما شاكلها مواضع الاستواء لا نعرف في شيء من شواذ اللغات ولا مشهورها أحدا عد الاستواء استيلاء، إذ الاستيلاء: هو الغلبة والقهر والتملك.
فهل كان العرش ممتنعا عليه خارجا من يديه حتى استولى عليه،
والثانية: أن الاستيلاء إذا كان اسما واقعا على الغلبة والقهر، فلا يجوز أن يكون في الله حادثاً، لأنه جل وتعالى قاهر غالب في الأول، والاستواء يجوز أن يحدثه بعد خلق العرش، فقوله:
стр. 350
(ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
بين أن الاستواء بعد خلق السموات والأرض.
والثالثة: مكابرة العقول ومقابلة الأمة عالمهم وجاهلهم بالخلاف فيما ليس فيه لبس ولا إشكال.
* * *
قوله: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)
حجة على الجهمية فيما فرق جل وعلا بين الخلق والأمر ولم يجز أن يقع على القرآن الذي هو أمر خلقا وهو بين.
دعاء:
* * *
وقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)
دليل على أن الجهر الشديد في الدعاء عدوان، ألا تراه يقول: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) ...
* * *
قوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)
دليل على أن الشيء يوضع موضع غيره ويسمى باسمه، إذ الرحمة في هذا الموضع لا محالة خلاف الرحمة في قوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
стр. 351
قوله: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ)
أي: أقلت الرياح - والله أعلم - سحابا والسحاب جمع لقوله (ثِقَالًا) ، و (سُقْنَاهُ) مردود - والله أعلم - على لفظ السحاب أو على إضمار المطر.
* * *
قوله: (لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي إلى بلد ميت، وهو أعلم.
في ضرب الأمثال:
* * *
قوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)
حجة في ضرب الأمثال وتقريب المعاني بها إلى الأفهام.
стр. 352
قياس:
ولقد بلغني أن قوما يجعلون هذا وأشباهه في القرآن حجة في تثبيت القياس وهذا جهل غير مشكل، إذ القياس عندهم تحريم شيء وتحليله من أجل غيره، وليس إخراج الله ﷻ الموتى من إخراج الثمرات بالماء، ولكنه تعريف الخليقة بأن القادر على إخراج الثمرات قادر على إخراج الموتي.
فإن كان القياس يزعم أن محرم شيء بعينه قادر على تحريم شبهه أو للمبتدي بتحريم شيء أن يحرم شيئين فقياسه صحيح.
وإن أراد أن للمأمور أن يتقدم بالآمر في تحريم شيء فيحرم ما يشبهه عنده، فالاحتجاج بهذه الآية وأشباهها لا وجه له، بل أخاف أن يكون الحكم على الله بأنه حرم ما حرمه من أجل علة فيه افتراء عليه، وقولا بما لا علم لقائله به، مع أنا لو علمناه أيضا أنه حرم ما حرمه من أجل علة فيه لكان علمه بالعلة علم يقين، وعلمنا بعلة الشبه عندنا علم شك وكان والمجوز لنا أن نحمل غيره عليه، ولو كانت العلة بنفسها محرمة حرم الأصل المحمول عليه الفرع قبل أن يحرمه الله، وهذا لايقوله بشر وقد مضى
стр. 353
قولنا في: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) في سورة الأنعام بما يغني عن إعادته في هذا الموضع.
الإذن:
* * *
قوله: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)
حجة على القدرية والمعتزلة فيما يجعلون الإذن من الله بمعنى العلم.
أفيجوز أن يقول خرج نبات البلد الطيب بعلمه لا بإطلاقه،
وكيف يجوز ذلك وقد قال جل وعلا: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) ،
ألا ترى أنه جل ثناؤه أخبر عن إخراجه في أول الكلام، وعن خروجه في آخره، فلم يكن ذلك مؤثرا في الأول، فبما ينكرون أن تكون الأفعال منسوبة إلى فاعلها، وإن كان القضاء قد سبقها عليه بها.
قوله تعالى إخبارا عن هود ﵇: (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)
стр. 354
حجة على القايسين والمقلدين.
وفي قوله إخبارا عن صالح ﵇: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا) .
دليل عاما أن بناء القصور ليس بمنكر وأن البناء الطايل غير مؤثر في نسك الناسكين، إذ محال أن يذكرهم آلاء الله في شيء بنيانه معصية وقد قال: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)
ولو كان بناء القصور منكرا لكان داخلا في الفساد لا في الآلاء.
وفي قوله إخبارا عن قوله شعيب ﵇: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)
حجة على المعتزلة والقدرية: ألا تراه ﷺ -
стр. 355
كيف أعد الرجوع في ملتهم افتراء على الله، وأخبر قومه أن لا يفعل إلا أن يشاء الله فاستثنى بمشيئة الله التي لا محيد له ولا لقومه عنها.
ومن كان منجَّا من ملتهم ممنونا عليه به جدير بأن يتبرأ من الحول والقوة في القيام على شيء لا تصحبه مشيئة الله فيه.
في الطاعة:
* * *
قوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)
دليل على استنزال الرزق بالطاعة وحرمانه بالمعصية وهو يصدق الحديث المروي في " إن العبد ليحرم الرزق بذنب يصيبه) .
* * *
قوله: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)
حجة على الجهمية في ذكر المكر، وكذا قال في سورة
следующие страницы →