Полный текст (1 832 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قوله: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ)
أي: أقلت الرياح - والله أعلم - سحابا والسحاب جمع لقوله (ثِقَالًا) ، و (سُقْنَاهُ) مردود - والله أعلم - على لفظ السحاب أو على إضمار المطر.
* * *
قوله: (لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي إلى بلد ميت، وهو أعلم.
في ضرب الأمثال:
* * *
قوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)
حجة في ضرب الأمثال وتقريب المعاني بها إلى الأفهام.
стр. 352
قياس:
ولقد بلغني أن قوما يجعلون هذا وأشباهه في القرآن حجة في تثبيت القياس وهذا جهل غير مشكل، إذ القياس عندهم تحريم شيء وتحليله من أجل غيره، وليس إخراج الله ﷻ الموتى من إخراج الثمرات بالماء، ولكنه تعريف الخليقة بأن القادر على إخراج الثمرات قادر على إخراج الموتي.
فإن كان القياس يزعم أن محرم شيء بعينه قادر على تحريم شبهه أو للمبتدي بتحريم شيء أن يحرم شيئين فقياسه صحيح.
وإن أراد أن للمأمور أن يتقدم بالآمر في تحريم شيء فيحرم ما يشبهه عنده، فالاحتجاج بهذه الآية وأشباهها لا وجه له، بل أخاف أن يكون الحكم على الله بأنه حرم ما حرمه من أجل علة فيه افتراء عليه، وقولا بما لا علم لقائله به، مع أنا لو علمناه أيضا أنه حرم ما حرمه من أجل علة فيه لكان علمه بالعلة علم يقين، وعلمنا بعلة الشبه عندنا علم شك وكان والمجوز لنا أن نحمل غيره عليه، ولو كانت العلة بنفسها محرمة حرم الأصل المحمول عليه الفرع قبل أن يحرمه الله، وهذا لايقوله بشر وقد مضى
стр. 353
قولنا في: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) في سورة الأنعام بما يغني عن إعادته في هذا الموضع.
الإذن:
* * *
قوله: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)
حجة على القدرية والمعتزلة فيما يجعلون الإذن من الله بمعنى العلم.
أفيجوز أن يقول خرج نبات البلد الطيب بعلمه لا بإطلاقه،
وكيف يجوز ذلك وقد قال جل وعلا: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) ،
ألا ترى أنه جل ثناؤه أخبر عن إخراجه في أول الكلام، وعن خروجه في آخره، فلم يكن ذلك مؤثرا في الأول، فبما ينكرون أن تكون الأفعال منسوبة إلى فاعلها، وإن كان القضاء قد سبقها عليه بها.
قوله تعالى إخبارا عن هود ﵇: (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)
стр. 354
حجة على القايسين والمقلدين.
وفي قوله إخبارا عن صالح ﵇: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا) .
دليل عاما أن بناء القصور ليس بمنكر وأن البناء الطايل غير مؤثر في نسك الناسكين، إذ محال أن يذكرهم آلاء الله في شيء بنيانه معصية وقد قال: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)
ولو كان بناء القصور منكرا لكان داخلا في الفساد لا في الآلاء.
وفي قوله إخبارا عن قوله شعيب ﵇: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)
حجة على المعتزلة والقدرية: ألا تراه ﷺ -
стр. 355
كيف أعد الرجوع في ملتهم افتراء على الله، وأخبر قومه أن لا يفعل إلا أن يشاء الله فاستثنى بمشيئة الله التي لا محيد له ولا لقومه عنها.
ومن كان منجَّا من ملتهم ممنونا عليه به جدير بأن يتبرأ من الحول والقوة في القيام على شيء لا تصحبه مشيئة الله فيه.
في الطاعة:
* * *
قوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)
دليل على استنزال الرزق بالطاعة وحرمانه بالمعصية وهو يصدق الحديث المروي في " إن العبد ليحرم الرزق بذنب يصيبه) .
* * *
قوله: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)
حجة على الجهمية في ذكر المكر، وكذا قال في سورة
стр. 356
النمل: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) .
* * *
قوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
وقوله بعده: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)
حجة على المعتزلة والقدرية أيضا.
* * *
قوله: (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)
دليل على سعة اللسان، إذ المضافون إليهم من الرسل هم المضافون إلى الله ﷻ . ألا تراه يقول: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) ، فكانوا رسله بما أرسلهم، ورسلهم بما أرسل إليهم. ومثله عبيد الناس وإماؤهم مضافون إليهم، وهم عبيد الله وإماؤه، قال الله ﵎، (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)
فأضافهم إليهم كما ترى، وكل هذا ينبي عن سعة اللسان الذي يضيقه أهل البدع من المعتزلة وغيرهم. وكذلك قوله: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) ولم يقل: فاسمع، ولا فاعلم، وقال: (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
стр. 357
ولم يقل: لا يفقهون، أو يقول: ونوقر آذانهم فهم لايسمعوا، فكل هذا دليل على سعة اللسان.
فكيف يستقيم لمبتدع أن يتعلق ببعض هذا اللسان دون سائره، فيزعمون أن الله ﵎ لما نسب الفعل إلى فاعل لم يجز أن يكون مفعولا به، أو محمولا عليه بقضاء سابق أوقدر موافق.
وكذلك قوله إخبارا عن الملأ: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)
والعليم اسم من أسماء الله. وقال: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)
فلم يضر الله شيئا من وفاق أساميهم مع اسمه، إذ كان ذلك من حق اللغة المحتملة لكل من علم شيئا حقا كان أو باطلا أن يسمى به عليما، وكذا قلنا: إن الله ﷻ له سمعه وبصره اللذان هما غير مخلوقين بل أزليين سميع بصير، كما أن المخلوق بسمعه وبصره المخلوقين المحدثين الزائلين سميع بصير، لا يوجب أن يكون الخلق بسمعه المخلوق لأن الله يسمى به خالقا ولا الله بسمعه الأزلي مخلوق، لأن سمى سمع خلقه سمعا ولكنه من ضاق عن سعة اللسان لم يكن لجهله نهاية ولا بالدين عناية.
стр. 358
قوله إخبارا عمن آمن من سحرة فرعون: (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
حجة على المعتزلة والقدرية، إذ كل ما أخبر الله تعالى عنهم في هذه الآية لا محالة مدح لهم، أفيجوز عندهم على الله ﷻ أن يثني على قوم بدعاء محال، والإسلام بأيديهم يثبتون عليه ما شاءوا ويتركونه إذا شاءوا لا يخافون أن ينتزع منهم كرها.
أليس سؤالهم تركه لهم حتى يتوفاهم عليه وهم مالكوه - قد أمنهم
الله من الانتزاع منهم بما أظهر لهم من عدله - سؤال محال، ولكنهم سألوا سؤال حق ورهبوا مكر الله الذي لا يأمنه إلا القوم الخاسرون، واقتدوا في ذلك بنبي الله يوسف ﷺ في إخبار الله جل وتعالى عنه: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)
فإن قالوا: لم يرهبوا الله أن ينتزعه منهم، ولكنهم خشوا أن يفتنهم الشيطان. قيل لهم: فمن مالك الشيطان، فإن قالوا: الله جل وعلا. قيل: أفيجوز عليه عندكم وهو عدل أن لا يحول بينه وبين من يريد تفتينه وانتزاع الإسلام منه، سيما وقد أمره أن يثبت عليه، وأوعد على تركه ما أوعد.
стр. 359
فإن قالوا: لا يعصمه منه، بل يكله إلى استطاعة نفسه، قيل: وهو
قادر على غلبته فيما يريد من تفتينه أم لا،
فإن قالوا: قادر رجعوا فيما يلزمهم من أن مسألتهم ومسألة يوسف
ﷺ مسألة محال.
وإن قالوا لا يقدرون، أقروا بما يراد لهم من أن انتزاع الإسلام الذي دعوا بتركه في أيديهم غير مأمون، وسواء خيف ذلك من قبل الله أو من قبل عدو هو مالكه، وقادر على أن يمنعه من ظلم من يريد تفتينه فلا يمنعه بل كان قادرا على أن لا يخلقه مسلطا ولا متسلطا، فخلقه كيف شاء لماشاء ووضع عنا تفتيشه.
في نفي الخلق عن القرآن ورؤية الرب تعالى في الآخرة:
* * *
قوله: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)
حجة على الجهمية واضحة، إذ لو كان القرآن مخلوقا كما يزعمون لكان " وكلمه كلام ربه " فإن الله جل وتعالى قادر على أن ينطق كلاما هو خالقه بكلام غيره، كما ينطق من شاء من الحيوان والموات وغير ذلك من خلقه. وقد أخبر عن نفسه جل وتعالى كما ترى أنه قال لموسى، صلى الله
عليه وسلم، وأجابه موسى، وليس في قوله : (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)
стр. 360
حجة أن الله ﵎ لا يري في القيامة، ولا يكون منه ظهور للخلق، وكيف يجوز ذلك وهو يقول: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ)
والتجلي هو: الظهور في اللغة لا محالة، فكان المنكر عندنا ظهوره للبشر من بين سائر خلقه. إنما قوله: هو قوله (لن تراني) في الدنيا لأني لم أحكم لك بذلك، فأما في الآخرة فلابد من رؤيته لقوله: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)
فهم الكفار لا محالة.
ثم ساق الكلام فجعل في تمام عقوبتهم (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) .،
أفيرتاب مميز بأن الحجاب لا يخص به إلا وهناك من لا يحجب، هذا ما لا يذهب على من تبحره، وليس يرتفع الحجاب بتة عن محجوب وإن قرب محله وكثرت جائزته، ما لم يعاين ملكه.
стр. 361
فإن احتجوا بقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)
قيل لهم: كيف تدركه وهو محتجب عنها،!
فإذا ظهر لهم في الآخرة كما ظهر للجبل في الدنيا نظروا إليه، فإن كنتم تنكرون الظهور فقد دللنا على بطلان قولكم بآيتين.
وإن كنتم تزعمون: أنه وإن ظهر لهم، فنظروا، لم يبصروه، فهذا مستحيل في العقول أن تنظر عين إلى شيء غير مستور، والعين مبصرة فلا تبصره، والعقول عندكم أكبر الحجج، وإن كنتم تنكرون الإحاطة به فنحن نوافقكم عليه، فنقول: الإحاطة غير النظر، لأنا نرى السماء ولسنا نحيط بجميعها.
وقد يجوز أن يكون لا تدركه الأبصار بمعنى لا تحيط به، وأولى المعنيين به - والله أعلم - الأول، أن تحجبه عن الأبصار حقبة ولا يحجب الأبصار عنه شيء لأن الحجب لا تحجب الخلق عنه كما تحجبه عنهم، وقد قال ﵎: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)
стр. 362
فظاهر الناظرة: الناظرة بالأعين، ومن قال: الناظرة بمعنى منتظرة فقد ترك الظاهر، وإن كانت اللغة محتملة لما قال في بعض الأوقات.
ورسول الله، ﷺ ، أعرف بما أنزل عليه من مجاهد، مع أن قول مجاهد لا يدفع نظر العين، لأنه قال: هي منتظرة تنتظر الثواب لتثاب، والنظر إلى الله - جل وعلا - من أجل الثواب، وهي الزيادة التي قال الله ﵎: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) .
стр. 363
كذلك رواه صهيب عن رسول الله ﷺ بالإسناد الصحيح، والأخبار السنية في الرؤية كثيرة قد ذكرناها في الكتاب المصنف في الرد على أهل الأهواء بالأخبار.
الأمر والنهي:
* * *
وقوله: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ)
стр. 364
حجة على الجهمية في الكتابة:
* * *
وقوله: (وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ)
يعني والله أعلم لكل شيء أريد منهم من الأمر والنهي وكذا قوله: إن شاء الله في القرآن حيث يقول: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .
* * *
قوله: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا)
حجة على الجهمية، لأنه - جل وتعالى - أخبر أن الإله لا يكون إلا متكلما هاديا.
ومثله: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)
فقد قرن القول بالضر والنفع، وجعل كل ذلك من نعت الإله، فكيف لا يكون جل وعلا متكلما، وما أدحض حجة القوم في اتخاذ العجل إلها إلا بعدم الكلام. أم كيف يكون قوله مخلوقا، وهو - جل وتعالى - بجميع صفاته غير مخلوق.
стр. 365
وكذا أخبر عن إبراهيم حيث نبه قومه عن آلهتهم بأنها غير آلهة قال: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)
فأخبر قومه أن الإله لا يكون إلا ناطقا.
الغضب في الأمر، وإذا خاف على نفسه في الأمر بالمعروف:
* * *
قوله: (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ)
حجة في الأمر بالمعروف، وجواز تناول من يؤمر عليه.
ودليل على أن الآمر وإن خرج في شدة غضبه لله - جل وعز - إلى
ما لا يحمد من الأمور معفو له عنه، لأن الغضب غير مملوك، فإذا حدث على المرء استفزه.
فإن كان لله - جل وعلا - عفي لصاحبه عما كان من نحو ذلك.
وإذا كان لغيره نوقش في القليل والكثير.
وفي قوله إخبارا عن هارون: (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي)
دليل على أن من خاف على نفسه وسعه وجاز له السكوت.
стр. 366
في الرد على الصوفية:
* * *
قوله: (فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ)
دليل على أن الشغل بالأعداء ليس بمؤثر في نسك الناسكين ودرجات المقربين، لأن هارون نبي، وقد اشتغل بما لو وصل إليه من شماتة الأعداء لم يحط من في درجته عند الله، ولا بزوال الشماتة كان يزداد قربة.
وروي عن نبينا ﷺ : أنه كان يتعوذ بالله من
стр. 367
شماتة الأعداء، فلم تؤثر في درجة القربة كما يزعم المتنطعون من المتصوفة.
المعتزلة:
* * *
قوله: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَ ا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ)
حجة على المعتزلة والقدرية: ألا تراه كيف خاطب ربه بأن اتخاذ السفهاء العجل من فتنته وإضلاله، فلم ينكر عليه، وقد تقدم قولنا في سورة المائدة في قوله: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)
стр. 368
بما يغني عن إعادته
من أن الفتن لو كان بمعنى الاختبار كان فتونا لا فتنة.
ويقال لهم: لا تعدوا الفتنة في هذا الموضع إلا اختبارا، كيف اختبرهم باتخاذ العجل - وهو: شرك - وهم قبل اتخاذه مؤمنون، أأخرجهم من الإيمان إلى الشرك لينظر كيف تمسكهم بالشرك وكيف صبرهم عليه، كما يختبرهم بالأوجاع، والمصائب والأنفس، لينظر كيف يصبرون ويشكرون، هذا ما لا يعرف وجهه، ألا تراه ﷻ يقول: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) ، وقال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)
فالاختبار هذا وجهه الذي يعقل.
وبعد: فإن الاختبار نفسه على جميع تصرف وجوهه لو تدبروه، لما خرج لهم في باب العدل مخرجا ما يعقلونه بعقولهم، إذ ليس يخلو المختبرون بالمصائب من أن يجروا فيها على سابق علم مختبرهم بها أو على حادث.
стр. 369
فلما كان نسبة الحادث إليه كفرا غير ملتبس، حصل عليهم السابق الذي لا يعرف العباد وجه جميع الاختبار والعلم السابق عليهم في باب العدل إلا بالتسليم له، عقلوه أو لم يعقلوه، كما قلنا في باب القضاء والقدر (١) ومرض الصغار، وخولة العبيد وأشباه ذلك.
المعتزلة:
* * *
قوله: (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ)
حجة عليهم، وليت شعري حيث قرأوه بالسين غير معجمة ونصب الألف من الإساءة أي شيء نفعهم، كأنه ليس في القرآن من المشيئة غير هذا الحرف. أو من الذي لا يقوله منا: إن العذب بالإساءة، وإن كانت الإساءة مكتوبة عليه، فقد فعلها، حتى يصحفوا - لالتماس الحجة على خصمائهم - حرفا من كتاب الله عليهم، وما عسى يقدرون عليه من تصحيف قوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)
وأشباهه في القرآن إن هذا لأسخف سخافة بعد فرط المكابرة.
* * *
قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)
стр. 370
حجة عليهم لأنه جمع بين فعل المنسلخ من الآيات، وبين تسوية الشيطان له، وذكر فعله قبل ذكر مشيئته فيه وبعده، وأخبر أنه لو شاء رفعه بالآيات ولم يصفه بما لم يرتضه من أفعاله، فهل يرتاب منصف متيقظ مضرب عن اللجاج والعصبية أن نسبة الفعل إلى فاعله ليس بمؤثر في القضاء والقدر، ولا القضاء والقدر بمسقطي اللوم عن الفاعلين أفعالا نهوا عنها، وأنهم جانون بفعل أفعال وإن كانت قد قضيت عليهم، وإن الله ﷻ ليس بظالم لهم فيما أعد لهم من العقوبة عليها وإن كان قضاها عليهم، ولا بجائر فيما أمرهم به من اجتناب ما لايستطيعون الاحتراز منه إلا بعصمته والمسارعة إلى ما لا يقدرون عليه إلا بمعونته، وأن الذي بقي عليهم من تقرر صحة هذا عندهم رفض مفتاح الجهل الذي يريدون به فتح مغالق عدله الذي لا وصول إليه بعقول ناقصة، وهو مع ذلك - جل ثناؤه - عدل صادق غير نسي، أفيجمع كل ما ذكرناه في صدر الفصل في آية واحدة ولا تكون حقا، والقائل به لا يكون على هدى، هل الصدود عن هذا إلى غيره إلا من الجهل الغالب أو الكفر المصرح.
المعتزلة:
* * *
قوله: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)
стр. 371
حجة عليهم. وهو أيضا من المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول به، لأنه لا محالة من يهده الله ومن يضلله.
* * *
قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)
حجة عليهم، إذ ليس يشك عارف باللغة أن ذرأنا هو خلقنا كما قال في موضع آخر: (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) .
وقال: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)
أي في الرحم، والله أعلم.
فأي حجة يلتمس أكبر من أن يكون - جل وتعالى - قد أخبر عن نفسه
نصا أنه خلق لجهنم كثيرا من الجن والإنس، أم كيف يقدر من هو مخلوق للنار أن يذهب بعمله إلى الجنة.
وفي قوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)
دليل على أن تمام الكثير من القليل مخلوقون للجنة.
وبلغني عن بعض سفهائهم أنه قال: (ذرأنا) بمعنى طرحنا،
стр. 372
وهذا من الأمكنة التي إذا أرادوا متابعة اللغة تابعوها بأقبح وجوه الغلط.
ألا يعلمون - ويحهم - أن ما كان بمعنى الطرح فهو أذريت بالألف وسقوط الهمزة كما يقولون: أذري الجمل راكبه، إذا طرحه عن ظهره وألقاه إلى الأرض.
وكما تبدد الريح الشيء فتطرحه يمينا وشمالا قال الله ﵎: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) .
وبلغني عمن هو أجهل من هذا منهم أنه أنشد بيت المثقب حجة في هذا المعنى:
تقول إذا ذرأت لها وديني
стр. 373
بالذال معجمة، فماذا يقال لقوم يبلغ بهم الحرص على تصفح مقالتهم، والأنفة من الرجوع إلى الحق مثل هذه الأشياء القبيحة، نعوذ بالله من الضلالة.
* * *
قوله: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا)
نظير ما مضى في سورة البقرة.
قوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)
حجة على المعتزلة والقدرية والجهمية معا، إذ الاستدراج لا محالة كالمكر، وقد أخبر - جل وتعالى - عن نفسه كما ترى.
* * *
قوله: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)
حجة على الجماعة أيضا في الإملاء والكيد، فالاستدراج والإملاء كاسر قولهم فيما يدعونه من معرفة العدل الذي لا يعقلونه والكيد مع
стр. 374
الاستدراج في باب نفي الصفات عنه جل وعلا.
قوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)
حجة عليهم، إذ سمى نبيه ﷺ ، بما سمى به نفسه من المبين، ألا تراه يقول: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) .
وقد يقع على السحر الأمم المبين، قال الله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) .
وكذلك الوفاق الواقع بينه وبين الخلق في جميع أسمائه أو في أكثرها مثل: الصادق، والعالم، والملك، والجبار، والقادر، والقاهر، والرحيم، واللطيف وأشباهها، وكل هذه الصفات ذاتية قد شاركه فيها خلقه.
أيشك أحد أن الرحيم واقع على الرحمة، والقادر واقع على القدرة،
стр. 375
والعالم واقع على العلم، وكذلك أخواتها، فلا تكون رحمته ولا قدرته ولا علمه ولا سائرها مخلوقا، وكل ذلك من الرحمة والقدرة وأشباههما في الخلق مخلوق، وكل هذه الأشياء وإن لم تكن محسوسة بيد ولا نظر فهي ثابتة في الموصوف بها من الخلق ومنه، وكذلك السمع والبصر، واليدان والكيد، والقوة والبطش، والمكر، وأشباه ذلك مثله من حيث لا التباس فيه عند منصف منقاد للحق.
قوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
حجة عليهم.
* * *
قوله: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)
حجة عليهم واضحة فما بقي شيء من منافع الدين والدنيا إلا وقد دخل تحت هذه الآية ما أراهم إلا يكابرون عقولهم.
* * *
قوله: (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)
حجة عليهم في نفي الاستطاعة.
فيقال لهم: أخبرونا عن العامل بالطاعة، أيسمى ناصر نفسه أم لا، والعامل بالمعصية أيسمى خاذل نفسه أم لا،
стр. 376
فإن قالوا: بلى.
قيل: أفلا تراه يقول، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) ، أفيرتاب منصف أن العامل بالطاعة معان عليها بالتوفيق، والعامل بالمعصية مخذول بحجب التوفيق عنه،.
وان قالوا: لا يسمى العامل بالطاعة ناصر نفسه، ولا العامل بالمعصية خاذلها ولا ظالمها - كابروا في القول وخرجوا من العرف والعادة.
قول: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)
حجة على الجهمية بنعمة الله شديدة.
أليس بينا - من حيث لا التباس فيه - أن الذي قرر عندهم به بطلان آلهتهم عبادتهم ما لا يستجيب دعوة داع، ولا له رجل ماشية، ويد باطشة، وعين مبصرة وآذان سامعة، وأن لله - جل وتعالى - كل هذه الأشياء ولكنها غير مخلوقة فيه.
стр. 377
أو لايفكرون - ويحهم - أن البعل قد عبد وهو رجل وفرعون وهو رجل لهما أيدي باطشة وأرجل ماشية، وأعين مبصرة وآذان سامعة، ولكنها لما كانت مخلوقة كخلق أجسادهم كانوا عبادا أمثالهم.
فالحاصل من هذا عند من هداه الله وهذب طبعه وفتح عيون قلبه أن المعبود هو الله الواحد الموصوف بهذه الصفات التي وإن شاركه فيها خلقه
стр. 378
بالاسم والذات، فهي فيه غير مخلوقة ولا مستدرك كنه صفتها كهيئتها عنده، وفيهم مخلوقة وهو خالقها.
* * *
قوله: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)
حجة في الاعتصام بالله، وأمن الأنفس من وصول ضرر الكائدين إليها إلا بمشيئته .
وفيه أن هذه الفضيلة لم يخل منها محمد ﷺ وإن كان قد سبقه إليها نوح وهود - صلى الله عليهما وسلم -.
قوله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) .
و (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ) .
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)
وأشباه هذا لا تعلق لهم فيها لما دللنا عليه في سورة الأنعام، من أن الشيطان من بعض عقوبات الله مخلوق لمثل هذه الأشياء بالوسواس لا بسلطان نافذ، وهو مع ذلك ضعيف الكيد لقوله: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) .
стр. 379
وقد سمى الله كيد النساء عظيما، فهل يقولون: إنهن متسلطات
على الشيطان أيضا مع رجال البشر، فينسبون الشر الذي هو عندهم منسوب إلى الشيطان إليهن، إذ كان العظيم الكيد أقرب إلى أن يكون لضعيفه قاهرا، وأجدر بالاستعلاء عليه.
لا، ولكنه على ما أخبرت من أن الشيطان مخلوق لأذى البشر كالسباع والحيات وسائر المؤذيات، وتسليط بعضها على بعض، وكما خلقت الفراعنة لأذى الأنبياء.
ومعرفة العدل في جميع ذلك غائب عنا منفرد بعلمه ربنا.
الشرك:
* * *
وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)
إلى قوله: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) دليل على أن الشرك على وجهين: فشرك في طاعة،
стр. 380
وهو - والله أعلم - هذان لأن أحداً لا يشك أن آدم وحواء لم يشركا بالله شرك كفر وعبادة، ولكنهما عصيا في القبول من إبليس واغترا بقوله: إن الولد إذا سمي عبد الحارث عاش كما اغترا به في أكل الشجرة.
وشرك في كفر وعبادة وهو فعل الكفار في عبادة الأصنام، وافتراء اليهود والنصارى في ادعاء الأولاد على الله جل الله.
وكان الحسن يقول: إن الجاعلي شركاء فيما آتاهم الله صالحا في هذا الموضع هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوهم ونصروهم.
ولا أدري ما وجهه، لأن أول الآية لا يدل عليه.
стр. 381
سورة الأنفال
قوله : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ)
رد على المرجئة من وجوه:
أحدها: أنه ذكر عامة الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة وجعلها من الإيمان، وذلك أنه ذكر قبل (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) التقوى وإصلاح ذات البين، ثم نسق في هذه الآية عملا بعد عمل وذكر فيها التوكل وهو: باطن.
والثاني: أنه ذكر زيادة الإيمان بتلاوة الآيات عليهم وهم ينكرونه.
والثالث: أنه لم يثبت لهم حقيقة الإيمان إلا باجتماع خصال الخير
من الأعمال الظاهرة والباطنة وهم يثبتون حقيقة بالقول وحده.
стр. 382
والرابع: أنه - جل وتعالى - قال بعد ذلك كله: (لَهُمْ دَرَجَاتٌ)
وقد أثبت لهم الإيمان بشرائطه وحقيقته، وهم لا يجعلون للمؤمن في إيمانه إلا درجة واحدة، ولا يجعلون للإيمان أجزاء. فكيف يستقيم أن يسمى المرء بالإقرار وحده مستكمل الإيمان وقد سمى الله ﷻ كل ما حوته الآية إيمانا.
فإن قيل: فما لك تنكر على القوم أن يشهدوا لأنفسهم بحقيقة الإيمان وقد شهد الله لهم في هذه الآية؟
قيل: لم أنكر حقيقة الإيمان، وإمكانه في كثير من الخلق، وكيف أنكر شيئا أكمله الله لملائكته وأنبيائه وشهد لأهل هذه الآية به، إنما أنكرت عليهم ما أنكرت من جهتين:
إحداهما: أن الله شهد بحقيقته لأهل هذه الآية، بخصال كثيرة وهم يشهدون لأنفسهم بخصلة واحدة.
أيجوز أن أشهد على مقر بكلمة الإخلاص مصدق بها، ذكر عنده ربه
فلم يوجل قلبه، أو فرط في الصلاة، ولم يؤت الزكاة بحقيقة الإيمان، والله - جل وعلا - لم يشهد له به، فأساوي بينه وبين من كل ذلك كائن فيه.
стр. 383
أم كيف يجوز أن يكون إيمان هذين يستوي من غير أن يكون أحدهما زائدا على صاحبه فيه، وكيف ينكر الزيادة والنقصان في شيء، ولا محالة كل زائد على شيء فالآخر أنقص منه.
فإن كانوا يزعمون إيمانهما في كلمة الإخلاص قولا واحدا فنحن لا
نأباه.
وإن زعموا أن اسم الإيمان لا يقع على غيرها، فنحن لا نخالف كتاب
ربنا.
وقد حوت هذه الآية وغيرها - مما سنأتي عليها في مواضعها على نسق السور إن شاء الله - ما حوت من العمل المسمى بالإيمان.
والأخرى أن تحت الحقيقة معنيين، فإن كانوا يقولون: إنهم حقا مؤمنون بخصال بأعيانها فيهم في وقت القول عند أنفسهم، فنحن لا ننكره، وإن قالوا: إنهم حقا مؤمنون لا يأمنون مكر الله ﷻ في السلب، ولا يحذرون القطع بهم عند الخاتمة، فهذا هو المنكر الذي لا نواطئهم عليه ولا نسلمه لهم لتكذيب الخبر والمشاهدة
стр. 384
ذكر الطهارة:
* * *
وقوله: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)
دليل على أن المزيل للأنجاس هو الماء لا غير، وأن الماء إذا طهر الأنجاس استحال أن تنجسه الأنجاس، إلا أن يصير مستهلكا فيها أو يغلب عليه روائحها، فيسلم في الغلبة للاتفاق، وفي الاستهلاك لزوال العين والإجماع معا.
ذكر الجهاد:
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)
دليل على اختصار الكلام والإشارة إلى المعنى؛ إذ النهي عن تولية الأدبار مقصود لا محالة به الهزيمة والفرار، لا أنه نهى أحداً أن يول كافرا ظهره، وهو مريد لقتاله ناوي الإقبال عليه.
* * *
قوله: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)
ردعلى الجهمية في إنكارهم الغضب.
стр. 385
قياس واستطاعة:
* * *
قوله: (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ)
دليل على نفي الاستطاعة، وما يدل عليه العقل من الغلبة بالتظاهر، ولو كان كل ما دل عليه العقل حقا لكانت الكثيرة معانة في القتال غير محتاجة إلى معونة النصر.
فهذا يبين أن دليل العقل إذا خلا من النص غير مستعمل في الدين.
وقد دخل في معنى هذه الآية القائسون في الفقه، والمستعملون عقولهم من أهل البدع غير مراعي فيه خبر السماء الدال على حقائق الحق،..
*، معاني في الاستطاعة:
(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
دليل على أشياء:
стр. 386
أولها: وقوع اسم الدواب على الناس كما يقع على البهائم، لأن كل ماش
داب.
والثاني: إجازة تسمية السامع الناطق أصم أبكم إذا تباعد عما أريد منه من السماع والنطق، وامتنع من استماع الموعظة والنطق بما تأمره به، وإن كان ناطقا سامعا في كل شيء سواها.
وهذا نظير ما مضى في سورة البقرة في قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) .
والثالث: أن الاستطاعة في الإنسان لو كان لها في الحقيقة سلطان
في الخير والشر لكانت كل نفس منفوسة فيها خير، ولما عري منه أحد، وإلا فما الفائدة إذا في قوله: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) .
أولا يدلهم على أن الاستطاعة المركبة في الإنسان، وإن كانت كائنة فيه مع الفعل فغير مستغنية بنفسها، ومحتاجة إلى من يمدها
стр. 387
بمعونة الحركة كما السمع مركب فيه.
ومن حكمه في العقل أن يسمع فهو محتاج إلى من يسمعه، ولا يستطيع بنفسه أن يسمع إلا ما أذن له في سماعه.
فكذلك الاستطاعة لا تقدر أن تنفذ إلا فيما أذن لها فيه. هذا واضح
لمن تدبر معنى الآية وغاص على نكتها.
والرابع: ما دل عليه قوله، (لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
من أنه ﷻ يعلم الشيء قبل كونه عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فليس شيء أوحش عند المؤمنين من تثبيت مثل هذا على الجهلة قاتلهم الله وأسحقهم.
المعتزلة:
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)
حجة على الجهلة أيضا شديدة، لأنه - جل وتعالى - ابتدأ الآية بالأمر في الاستجابة، ثم قال على إثره بلا فصل وللخروج من خطاب الأمر إلى
стр. 388
غيره: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .
أمره من لا يملك قلبه - وهو الحائل بعدله بينه وبين مراده بالاستجابة إلا مما لا يقدر المؤتمر عليه إلا بمعونة آمر، ولا وصول له إليه باستطاعة نفسه،.
أوليس هذا متصور في عقول الجهلة بصورة الجور، وهو نفس ما بيننا وبينهم فيه الخلاف والمناقشة لا ما أثرناه من نظرائه عليهم.
فهل يتوجه هذا في عقولهم الناقصة العاثرة في طرق العدل، أم ظاهر
ما يعقله منه جور، وهو لا شك عنده عدل وعلينا الإيمان به وإن لم نعقله، وشاهدون بأنه عدل من جميع جهاته، ولولا أنا شرطنا أن نأتي على نسق الآيات في السور وندل على كل ما دلت عليه من الحجج على كل فريق لقطعنا ذكر المعتزلة والقدرية من الكتاب بعد هذه الآية؛ إذ كل ما توصلنا إليه من نظائر ما أنكروه في الرد عليهم قد استغنينا عنه بهذه الآية، لأنها نفس النكتة التي عليها المدار، وفيها جرى الخصومات قديما وحديثا، ولكن الشرط أملك بنا - بعد إكثار حمد الله على نعمه في هذه الآية - منا.
الحذر وخلق الشر
* * *
قوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)
دليل على وجوب المراعاة وأخذ الحذر والاحتراس من الفتن قبل وقوعها.
стр. 389
وفيه أيضا دليل على خلق الشر، إذ محال أن يأمر باتقاء ما لا أصل له، ألا تراه يقول: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)
وفيه أيضا أنه أمر باتقاء ما لايقيهم منه غيره.
معاني ذكر المعرفة بوجوب تذاكر النعم والفكر:
قوله: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) .
دليل على غير شيء:
فأحدها: المعرفة بوجوب تذكر النعم، والفكر في حسن صنيع الله
والثاني: أن الشكر يستخرج من العبد، فإذا أغفلها أغفل الشكر معها.
والثالث: ذكر الخصوص في الناس، ووقوعه على بعضهم
لأن المستضعفين أيضا أناس.
стр. 390
والرابع: وقوع اسم الناس على الصالح والطالح، لأن الناس لا محالة هاهنا الكفار.
والخامس: ندب الخلق كلهم إلى التبرؤ من الضر والنفع، وتسليم
أن كل ذلك منه .
والسادس: توحيد وصف الجماعة القليل كما يوصفون بالكثير " لأنه ﵎ لم يقل: إذ أنتم قليلون.
فضائل القرآن:
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)
جامع كل فضيلة، وحائز كل غنيمة، لأن جعل الفرقان كاشف كل غمة، وجابر كل كسر، ومؤمن من كل فزع ورعب، ومزيل خوف الفقر، ومفرع روح الاستغناء بالله عن كل من دونه، ومتحد ظليل كنف الغار إليه من فتنة الدنيا وعوائق جميع أهلها والمنتشرين فيها من خلقها، وتكفير السيئات وغفران الذنوب من وراء ذلك كله في المعاد، فإن الله ﷻ لا يخلف الميعاد.
следующие страницы →