أولها: وقوع اسم الدواب على الناس كما يقع على البهائم، لأن كل ماش
داب.
والثاني: إجازة تسمية السامع الناطق أصم أبكم إذا تباعد عما أريد منه من السماع والنطق، وامتنع من استماع الموعظة والنطق بما تأمره به، وإن كان ناطقا سامعا في كل شيء سواها.
وهذا نظير ما مضى في سورة البقرة في قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) .
والثالث: أن الاستطاعة في الإنسان لو كان لها في الحقيقة سلطان
في الخير والشر لكانت كل نفس منفوسة فيها خير، ولما عري منه أحد، وإلا فما الفائدة إذا في قوله: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) .
أولا يدلهم على أن الاستطاعة المركبة في الإنسان، وإن كانت كائنة فيه مع الفعل فغير مستغنية بنفسها، ومحتاجة إلى من يمدها
стр. 387
بمعونة الحركة كما السمع مركب فيه.
ومن حكمه في العقل أن يسمع فهو محتاج إلى من يسمعه، ولا يستطيع بنفسه أن يسمع إلا ما أذن له في سماعه.
فكذلك الاستطاعة لا تقدر أن تنفذ إلا فيما أذن لها فيه. هذا واضح
لمن تدبر معنى الآية وغاص على نكتها.
والرابع: ما دل عليه قوله، (لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
من أنه ﷻ يعلم الشيء قبل كونه عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فليس شيء أوحش عند المؤمنين من تثبيت مثل هذا على الجهلة قاتلهم الله وأسحقهم.
المعتزلة:
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)
حجة على الجهلة أيضا شديدة، لأنه - جل وتعالى - ابتدأ الآية بالأمر في الاستجابة، ثم قال على إثره بلا فصل وللخروج من خطاب الأمر إلى
стр. 388
غيره: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .
أمره من لا يملك قلبه - وهو الحائل بعدله بينه وبين مراده بالاستجابة إلا مما لا يقدر المؤتمر عليه إلا بمعونة آمر، ولا وصول له إليه باستطاعة نفسه،.
أوليس هذا متصور في عقول الجهلة بصورة الجور، وهو نفس ما بيننا وبينهم فيه الخلاف والمناقشة لا ما أثرناه من نظرائه عليهم.
فهل يتوجه هذا في عقولهم الناقصة العاثرة في طرق العدل، أم ظاهر
ما يعقله منه جور، وهو لا شك عنده عدل وعلينا الإيمان به وإن لم نعقله، وشاهدون بأنه عدل من جميع جهاته، ولولا أنا شرطنا أن نأتي على نسق الآيات في السور وندل على كل ما دلت عليه من الحجج على كل فريق لقطعنا ذكر المعتزلة والقدرية من الكتاب بعد هذه الآية؛ إذ كل ما توصلنا إليه من نظائر ما أنكروه في الرد عليهم قد استغنينا عنه بهذه الآية، لأنها نفس النكتة التي عليها المدار، وفيها جرى الخصومات قديما وحديثا، ولكن الشرط أملك بنا - بعد إكثار حمد الله على نعمه في هذه الآية - منا.
الحذر وخلق الشر
* * *
قوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)
دليل على وجوب المراعاة وأخذ الحذر والاحتراس من الفتن قبل وقوعها.
стр. 389
وفيه أيضا دليل على خلق الشر، إذ محال أن يأمر باتقاء ما لا أصل له، ألا تراه يقول: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)
وفيه أيضا أنه أمر باتقاء ما لايقيهم منه غيره.
معاني ذكر المعرفة بوجوب تذاكر النعم والفكر:
قوله: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) .
دليل على غير شيء:
فأحدها: المعرفة بوجوب تذكر النعم، والفكر في حسن صنيع الله
والثاني: أن الشكر يستخرج من العبد، فإذا أغفلها أغفل الشكر معها.
والثالث: ذكر الخصوص في الناس، ووقوعه على بعضهم
لأن المستضعفين أيضا أناس.
стр. 390
والرابع: وقوع اسم الناس على الصالح والطالح، لأن الناس لا محالة هاهنا الكفار.
والخامس: ندب الخلق كلهم إلى التبرؤ من الضر والنفع، وتسليم
أن كل ذلك منه .
والسادس: توحيد وصف الجماعة القليل كما يوصفون بالكثير " لأنه ﵎ لم يقل: إذ أنتم قليلون.
فضائل القرآن:
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)
جامع كل فضيلة، وحائز كل غنيمة، لأن جعل الفرقان كاشف كل غمة، وجابر كل كسر، ومؤمن من كل فزع ورعب، ومزيل خوف الفقر، ومفرع روح الاستغناء بالله عن كل من دونه، ومتحد ظليل كنف الغار إليه من فتنة الدنيا وعوائق جميع أهلها والمنتشرين فيها من خلقها، وتكفير السيئات وغفران الذنوب من وراء ذلك كله في المعاد، فإن الله ﷻ لا يخلف الميعاد.
стр. 391
قوله: (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا)
حجة على المعتزلة والقدرية، إذ ليس يخلو هذا القضاء من أن يكون سابقا في هلاك من يهلك عن بينة، وحياة من يحيا عنها، فينقذه في ذلك الوقت، أو مبتدأ فيهم، وأيهما كان، فالله فاعله.
وهكذا الآية التي بعدها: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)
بل قد زاد فيها كما ترى، وجعل مرجع الأمور كلها إليه.
ذكر الجهاد:
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا)
إلى قوله (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)
دليل على أن لا يصلح في الحرب إلا مدبرا واحدا، وأن منازعته والخلاف عليه داع إلى الفشل وتشويش الأمر، والصبر - والله أعلم - في الآية جامع للثبات ولزوم طاعة الأمير في تدبير الحرب.
стр. 392
تزيين الشيطان:
وقد مضى قولنا في تزيين الشيطان قبل هذا في سورة الأنعام بما يغني عن إعادته في هذا الموضع غير أن في قوله: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)
إلى قوله: (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)
زيادة لم نذكرها هناك وهي أنهم يجعلون الشر من الشيطان على الحقيقة بقوة وسلطان له فيه، وقد أنبأ الشيطان عن نفسه في هذا الموضع بأنه لا يقدر على ضر أحد ولا نفعه، وأن تزيينه غرور، وقوله كذب لا حقيقة.
فإن كانوا يزعمون أن تزيين الشر قد يكون من الشيطان، لا أن نفس
الشر منه فنحن لا نخالفهم، بعد أن لا يقولوا: إنه منفرد به؛ إذ لا يصلح أن يفرد بهذا الفعل، وقد قال الله ﵎: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) .
فإن زعموا أن حقيقة الشر منه فأمحل الحال أن ينسب إليه ما هو متبرئ منه، مع أنه ليس يعجب منهم أن يكذبوا على الشيطان وقد كذبوا على الله.
ومثل هذا قوله في سورة إبراهيم: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ)
стр. 393
فقد تبرأ من السلطان كما ترى، فكيف يكون الشر منه وهو لا ينفذ سلطانه فيه بأكثر من أن له جزءا في التزيين، وذلك الجزء أيضا مخلوق فيه
ذكر زوال النعمة بإحداث الشر عقوبة.
* * *
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
دليل على أن الله - جل وعلا - قد يسلب النعم بفعل المعصية عقوبة لفاعليها، ولا أحسب - والله أعلم - قوله في سورة الرعد: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
إلا على هذا المعنى من أنه لا يغير ما بهم من النعم حتى يحدثوا أحداثا يعاقبهم الله عليها، فيغير ما بهم، ويكون الإحداث سببا للتغيير.
في ذكر الجهاد:
قول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ)
دليل على أن التحرز وأعمال الواسطات غير مؤثرة في توكل المؤمنين.
ألا ترى أنه ﷻ قد قال في هذه السورة بعينها: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)
стр. 394
وقال: (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ) .
ثم أمر بإعداد القوة - وهي في التفسير الرمي - ورباط الخيل لإرهاب العدو.
ذكر قبول الإجماع:
* * *
قوله: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ)
حجة على قبول الإجماع ولزومه لزوم نص القرآن؛ إذ محال أن تتفق الألسن على شيء إلا وقد ائتلفت قلوب الناطقين به؛ لأن الألسنة مترجمة عن الضمائر ما حوتها، وقد أخبر الله تعالى كما ترى أنه مؤلفها.
стр. 395
ذكر الجهاد والمفاداة والمال:
* * *
قوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)
دليل على أن المفاداة بالمال جائزة، لأن الله - جل وعلا - وإن كان أنكر الإبقاء على الأسرى قبل الإثخان، فقد أباح لهم ما أخذوا من المال بالفداء وسماه غنيمة فقال: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا) .
* * *
قوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ)
يعني - والله أعلم - ما أخذوه بالفداء من الأموال، ولكنه سبق في كتابه أن يحل لهم الغنائم ولا يشقيهم بالعذاب.
وفيه رد على المعتزلة والقدرية فيما ينكرون من الكتاب السابق
جملة.
إغاثة الملهوف:
* * *
قوله: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)
دليل على
стр. 396
وجوب إغاثة الملهوف ونصر المظلوم وإن كان بعيدا.
رد على المرجئة في باب الإيمان:
* * *
قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)
رد على المرجئة: فيما أضاف الهجرة والجهاد والنصرة والإيواء إلى الإيمان، وقد شهد لقوم في أول السورة تحقيقه، ولم يذكر هذه الشرائط، وذكر لأولئك شرائط لم يذكرها لهؤلاء، فدل على أن الإيمان ذو أجزاء، وأن كل خير يفعله المؤمن متقربا به إلى الله، فهو من الإيمان فرضا كان أو تطوعا، لأن الجهاد والنصرة والإيواء قد يكون نافلة في بعض الأوقات إذا لم يكن التصور والمؤوى مضطهدا.
والجهاد إذا قامت به طائفة فهو للباقي فضيلة لا فريضة.
فإن قال قائل: فالنصرة والإيواء في هذا الموضع مقصود به رسول الله، ﷺ ، وكانا فيه، ﷺ ،
стр. 397
فرضين - بقي عليه الجهاد الذي لا يتهيأ له فيه شيء من أن الخارج فيه بعد الكفاية متطوع بخروجه.
وفيه دليل: على أن اسم الإيمان شامل المؤمن بقليل الإيمان وكثيره، وأن مستحقه بكلمة الإخلاص قبل أن تفرض الفرائض لم يستكمل أقاصي درجاته وأنه إنما سمي مؤمنا في ذلك الوقت، لأنه لم يكن مخاطبا بغيرها، فلما أتى بما خوطب به سمي ائتماره ذلك إيمانا، لأن الله ﵎ أفرد قول تلك الكلمة وحدها بالإيمان ومنعه من غيرها، فكل مؤتمر لأمر من أمر الله فأتماره إيمان كما كان ائتمار قائلي كلمة الإخلاص إيمانا.
ولا أحسب المرجئة المساكين أوتوا إلا من قلة بصرهم باللغة، حيث قدروا أن شيئا بعينه إذا سمي باسم لم يجز أن يسمى به غيره، أو أن الاسم لا يقع على المسمى إلا بعد كمال ذلك الشيء الذي سمي به فيه، وأغفلوا أن الله - جل وعلا - سمى نفسه عليما وحكيما، وهو عليم بكل شيء حكيم في جميع صنعه، ثم أجاز أن يسمى غيره عليما وحكيما، ولم يستكملوا ما استكمله - جل وتعالى - ولم يجز أن يستكملوه وقد استحقوا الاسم ببعضه، ويسمى الإنسان حسنا وقبيحا وطويلا
стр. 398
وقصيرا ببعض أجزاء الحسن والقبح والطويل، والقصر وأشباه ذلك، ثم يكون في الناس من هو فوقه في ذلك، والاسم واحد وإن اختلفت درجاته وتفاضل بعض فيه على بعض.
وكذلك المؤمن في درجات إيمانه، لأن الذي يقع عليه الإيمان هو الائتمان وهو واحد في شيء كان أو شيئين، كما أن الحسن واحد، وإن كان في الوجه والعينين والشفتين وأشباه ذلك.
стр. 399
سورة التوبة
ذكر الرد على اللفظية: (١)
* * *
قوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ)
حجة في أن اللفظ بالقرآن غير مخلوق؛ لأن العلم يحيط بأن المستجير لا يقدر على سماع القرآن إلا من لفظ النبي، ﷺ ، أو من لفظ واحد من أصحابه، وقد سمى الله تعالى ما يسمعه كلامه.
وهذا موضوع بشرحه في كتابنا المجرد في الرد على المبتدعة.
стр. 400
ذكر التوبة من الشرك:
* * *
وقوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) ، وكذلك ما قبله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)
حجة في أشياء:
فأحدها: أن التوبة من الشرك تسمى توبة كما تسمى من الذنب؛ لأن معناها الرجوع عما كان عليه، والإضمار أن لا تعود في مثله، فسواء كان كفرا أوذنبا.
ذكر تارك الصلاة والزكاة..
والثاني: أن تارك الصلاة والزكاة يكفر في الظاهر، لأن الله - جل وتعالى - لم يأمر بتخلية سبيل المشركين ولا سماهم إخوان المؤمنين إلا بإقامة الصلاة والزكاة مع التوبة وهي ثلاث شرائط.
стр. 401
فإذا ترك واحدا أو اثنين لم ينفعه الشرط الباقي، ولا أعلم بين الأمة خلافا في أن: الخارج من الكفر إلى الإيمان لو قال: أؤمن بالله وأؤمن بأن الصلاة والزكاة حق، ولكن لا أقيمهما وأقتصر على القول بالشهادة - أنه لا يقبل منه، وأنه كافر كما كان حلال الدم والمال، وأن الذي يحرم دمه بالشهادة هو الذي يحمل عليه في الحرب فيظهر القول بها أو يجيء متبرعا فيقولها ويسكت ليؤمر بالصلاة والزكاة على الأيام ولا يشترط ترك الصلاة والزكاة في وقت إسلامه.
فكيف يجوز - والحال ما وصفت - من أن لا يثبت له الإسلام إلا بثلاثة شرائط، فإذا صار من أهله ثم ترك بعضها ثبت إسلامه على حاله لم ينقص منه شيء.
أو ما باله إذا ترك الإيمان بأن يدعو مع الله شريكا، وهو مقيم على الصلاة والزكاة يكون كافرا، وإذا ثبت على الكلمة وترك الصلاة والزكاة لا يكون كافرا، فإن قال قائل: لا أقبل منه بدءا حتى يأتي بالثلاثة كلها، لأنها شرائط
الله نصا في القرآن، فإذا قبلها وصار من أهل الإسلام ثم أحدث الترك جعلته ذنبا ولم أكفره بحدثه، وقد صار من أهله بالشرائط.
قيل له: أفتقره إذا أحدث ترك الشهادة وحدها، ولا تستتيبه ولا
стр. 402
تسميه مرتدا، فإن قال: بل أسميه مرتدا أو أستتيبه، فإن تاب وإلا قتلته.
قيل: ولم تفعل ذلك إلا أنه ترك بعض الشرائط التي لم يكن داخلا في الإسلام إلا بها، فإن قال: نعم، ولابد من نعم. قيل: فتارك الصلاة والزكاة أيضا تارك بعض ما لم يكن داخلا في الإسلام إلا به، فسمه بتركهما مرتدا أو استتبه فإن تاب وإلا فاقتله.
فإن قال، لا أفعل هذا في الصلاة والزكاة، وأفعله في الشهادة.
بانت مكابرته وكان لا محالة مخطئا في إحدى الحالتين:
إلا حيث لم يقبل بدءا إسلامه إلا بالشرائط الثلاثة.
وأما حيث كفره بعد الدخول فيها بتركها بعضها دون بعض، ويقال
له: لا تستتيبه بترك الصلاة والزكاة وتسميه كافرا، وتسميه بترك الشهادة كافرا أو لأنهما ليستا من الإيمان.
فإن قال: نعم، وافق المرجئة، وكذبه نفس هذه الآية، وهو ثالث العنف الذي دلت عليه ورجع عن قوله فيما لم يقبل إيمان الكافر بدءا إلا بهما مع الشهادة.
فإن قيل: فأنت تزعم أن جميع ما أمر الله به ونهى عنه من
стр. 403
الإيمان وتجادل المرجئة عليه، أفيكفر المرء بترك شيء منها، أو بمواقعة فاحشة منهي عنها، وتستتيبه عليها أم تسميه مذنبا ولا تستتيبه.
قيل: بل أسميه مذنبا بترك سائر هذه الثلاثة، ولا أستتيبه مادام معترفا بأنها مفروضة عليه.
فإن قيل: ما الذي فرق بينها وبين الثلاثة، قيل: فرق بينها أني وجدت الله ﵎ يأمر بقتل المشركين حيث وجدوا، قال ﵎: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ)
ثم أمر بالكف عنهم بهذه الشروط، فقال: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) .
وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فجعلهم بهذه الثلاثة الأجزاء من الإيمان إخواننا فقال: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) .
وسائر هذه الثلاثة وإن كانت من الإيمان مسماة بأجزائه، ففعلها زيادة في الإيمان وتركها نقص منه، وهو قولنا: إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
стр. 404
ووجدت الله ﵎ أوجب على منتهكي حرماته حدودا لم تخرجهم من الإسلام ولا أمر بقتلهم، فقالت ﵎: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) .
وحرم الزنا بقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)
ثم قال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)
ولم يأمر بقتل واحد منهما ولو كانا كفرا لأمر بقتلهما كما قال: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ)
وهذان المعنيان من قطع السارق وجلد الزاني رد على الشراة: فيما يزعمون أن الذنوب كلها كفر (٧) . ووجدناه - جل وتعالى - حيث أمر بالقتل أيضا في انتهاك محارمه جعله حدا لا كفرا فحرم القتل بقوله: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ثم قال: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) ، فجعل السلطان للولي لا لنفسه ﷻ ولو كان كفر بالقتل لأمر بالقتل، وإن لم يقتله الولي.
وقال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)
стр. 405
، فلم يخرجه من اسم الأخوة وقد قتل ولو كان كافرا لما سماه أخا، لأن الكافر ليس بأخي المؤمن، وهذه أيضا حجة على الشراة، لأنها في القرآن، ومثل هذا كثير في القرآن. ووجدنا رسول الله، ﷺ ، حين رجم المحصنين من المسلمين صلى عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين، ولم يحرم ميراث ورثتهم منهم، ولو كانوا كفروا لما صلى عليهم ولا دفنهم في مقابر المسلمين ولا ورث ورثتهم منهم، إذ من سنته، ﷺ ، أن لا يرث المسلم الكافر.
стр. 406
فهذه الأشياء وما يضاهيها سوى الثلاثة - وإن كانت من الإيمان - معدودة في أجزائه ليس يكفر بتركها المرء وسبيل الثلاثة غيرها.
وروي عن النبي، ﷺ ، بهذا اللفظ: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ".
وروي عنه: " حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "
فيحتمل أن يكون الأول مفسرا للثاني، ويحتمل أن تكون الصلاة والزكاة من حقها. وكذلك قال أبو بكر الصديق ﵁ حيث قاتل مانعيها: هذه من حقها، وساعدة إجماع من أصحاب رسول الله ﷺ -
стр. 407
، على القتال والإجماع حجة ولا أحسبه ﵁ قاتلهم إلا بعد ما قالوا: لا نؤديها إليك ولا نخرجها بأنفسنا، والله أعلم.
وقال رسول الله، ﷺ : " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر " ومن ترك صلاة متعمدا فقد برئت ذمة الله وذمة رسوله، ﷺ منه ".
стр. 408
وهو أصح من حديث المخدجي عن أبي محمد لأنهما مجهولان،
стр. 409
مع أن الصنابحي قد رواه عن عبادة بن الصامت، فجاء فيه بكلام يدل على أن قوله: " ومن تركها فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ".
стр. 410
إنما هو ترك بعض خشوعها، وإتمام ركوعها وسجودها، لا أنه تركها فلم يصلها، وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من ترك الصلاة حشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف ".
وكل عمل تاركه سوى الثلاثة كسلا أو توانيا، وهو عارف بإساءته معترف بخطيئته غير جاحد بوجوبه - فهي معصية غليظة يلقى الله بها فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
стр. 411
وروى يعقوب القمي عن ليث بن أبي سليم عن سعيد بن جبير قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ومن ترك الزكاة فقد كفر، ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر، ومن ترك يوما من رمضان فقد كفر، ومن ترك الجمعة متعمدا فقد كفر.
وروى النضر بن جميل عن أشعث عن الحسن: " فيمن ترك
стр. 412
صلاته متعمدا أن لا يعيدها "
قال النضر: لأنه كفر.
تارك الصيام والحج:
فإن قيل: فتارك الصيام والحج - وهما في جملة ما بني عليه الإسلام يكفر عندك أو لا،
стр. 413
قيل: إنه وإن كان كذلك فلا يكفر بتركهما؛ لأن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قد أمر المفطر عامدا في الجماع في رمضان بكفارة ولم يقتله.
ومن حكمه أن يقتل من بدل دينه، ولا قال: كفرت، وأمر رجلا وامرأة أن يحجا عن أبيهما بعد موته ولو كان مات كافرا
стр. 414
لم ينفعه الحج عنه، ومن لم يكفر بإفطار يوم لم يكفر بإفطار الشهر كله، ولكن أسهم إسلامه التي بني عليه منه ذاهب عنه حتى يراجع، وليس هدم بعض البنيان هدما لكله، والله ولي الصواب.
قال محمد بن علي: من حماقات الرافضة أنهم يتسرعون إلى آيات نازلة
في قوم بأعيانهم فيحكمون بها لغيرهم، فتسير فيهم حتى ينشأ عليه طفلهم، ويهرم كبيرهم ويتوارثه الأبناء عن الآباء، فإذا فليت بقراءة ما قبلها وما بعدها عليهم استحيوا من أنفسهم، وقد أهلكوا بها من أهلكوا، فمن ذلك: صرفهم قوله جل وعلا: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)
стр. 415
إلى طلحة والزبير ﵄، وزعمهم أنهم نكثوا بيعة علي ﵁ فإذا تلي عليهم قوله (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)
علموا أنهما لم يهما بإخراج الرسول في حياته من داره، ولا بعد موته من قبره، ولا طعنوا في دين المؤمنين، فأيقنوا عند ذلك أن ما
стр. 416
تسرعوا إليه من صرف الآية إليهما ليس كما تسرعوا، وهذا شيء متداول بينهم فاش فيهم، يأخذه أصاغرهم عن أكابرهم، ويتوارثونه توارث الأموال لايشكون فيه.
والآية نازلة - فيما بلغنا - في أبي جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبي سفيان وسهيل بن عمرو وهم كانوا أئمة الكفر الهامين بإخراج الرسول، صلى الله عليه وسلم
стр. 417
فقال الله - جل وعلا: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)
فأخزى أبا جهل وأمية بن خلف وعتبة، ونصر عليهم رسوله ﷺ والمؤمنين، وشفى صدورهم بقتلهم يوم بدر، وتاب على أبي سفيان وسهيل.
وفيه أيضا في الرافضة:
قال محمد بن علي: ومنه أيضا صرفهم في سورة يونس: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)
إنما علي ومعاوية ﵄.
وسمعت هذا من بعض من ناظرني في الإمامة شفاها فظننته اختراعا
من عنده حتى قرأته بعد ذلك في كتاب صنفه بعض قدمائهم في الإمامة يقال له: علي بن فلان من أهل طوس وهو من كبار أئمتهم.
стр. 418
فمن تسمح له نفسه بأخلاق مروءته وصفاقة وجهه أن يجيء إلى معنى مبتدأ العشر كله من قوله: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)
إلى (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى)
وهو مملو بذكر الله - جل وعلا - وذكر شركاء الكفار من آلهتهم التي دعوها مع الله - جل الله - فيجعله في علي ومعاوية ﵄ جدير بأن يتقزز من ذكره فضلا عن أن يتخذ إماما في الدين ولكن (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) .
стр. 419
رد على المرجئة في باب الإيمان
قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَ عِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
رد على المرجئة فيما يزعمون أن المرء بكلمة الإخلاص وحدها مستكمل الإيمان، ومن كان مستكمل الإيمان فهو في الجنة.
وأرى الله - جل وعز - لم يشهد بالفوز بالجنة والرحمة والرضوان في
هذه الآية إلا بالهجرة والجهاد بالأموال والأنفس.
وكذا قال في سورة البقرة: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ،
فلم يشهد لهم بالهدى والفلاح إلا بإقامة الصلاة والنفقة وكلاهما عمل، وفي هذه السورة التي نحن فيها (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) .
فكيف يكون على هدى من يعد تارك الصلاة والزكاة مستكمل الإيمان كما يعد فاعلهما، ولا يجعل لأحدهما فضل درجة على صاحبه في
стр. 420
الإيمان، والإيمان لا محالة هدى.
أفيجوز أن يجعل الله ﷻ الهدى في القول والعمل، فنجعل نحن كماله في القول وحده، ولا نقول: إن القول بعض أجزاء الهدى.
أم يجوز أن يوجب الله الفوز والفلاح والجنة بهما فنوجبه بأحدهما، إن
هذا لغير مشكل على من شرح الله صدره ولم يكابر عقله.
ومن طريف ما يحتجون به في تجريد الإيمان واستكماله بالقول وإيجاب الجنة به موت من أمر بها وحدها عليها قبل تفرض الفرائض على غيره فيقال لهم: ويحكم كيف لا يكون مستكمل شيء واحد من جاء به، أم كيف لا يستوجب الجنة من وعدها على ذلك الشيء الواحد، حتى تجعلوه ذريعة إلى استكمال إيمان الخليقة بعده، وقد أمروا بأكثر مما أمر وفرض عليهم ما لم يفرض عليه. أكانت كلمة الإخلاص مفروضة على ذلك والصلاة والزكاة وغيرها غير مفروضة على هؤلاء، حتى تسموا ايتماره في الكلمة إيمانا وايتمار هؤلاء في الصلاة والزكاة غير إيمان، إن هذا لغفلة بينه، أو مكابرة مفرطة، وهل يشك عاقل أن الإيمان ليس بصورة مصورة يستوي الجميع فيها، وأنه مصدر حادث من حدث محدث، مأمور به، فلما كانت الأحداث مفرقة في جسد المحدث الأمور فمنها نطق، ومنها إضمار، ومنها تحريك جارحة كان من أمر بإحداث النطق والإضمار دون تحريك الجوارح، فأحدث
стр. 421
في وقته مؤمنا، وكان حدثه وهو النطق الذي أحدثه بلسانه وأضمر القلب على تصديقه إيمانا ليس عليه غيره، وكان قد أكمل ما أمر به، فلما أمر غيره بمثل ما أمر به وأضيف إليه سواه من إحداث حركة الجوارح لم يقدر أن يحدث إحداث الجوارح باللسان والقلب، فأحدثها بجوارحه مؤتمرا لله - جل وتعالى - كما ائتمر له الأول.
فما بال إحداث حركة الجوارح بالأمر لا تسمى إيمانا، وإحداث حركة اللسان وإضمار القلب بالأمر تسمى إيمانا، هذا ما لا يذهب على منصف ميزه، فكل من ائتمر حقه في جميع ما أمره، وانتهى عما نهاه عنه، فهو مستكمل لما أريد منه من الإيمان، كما كان المقر بالشهادة قبل نزول الفرائض مستكملا لما أريد به منها وإنما جعلنا للإيمان أجزاء ودرجات على مقدار القيام بالفرائض، والشهادة أحدها، بل أعلاها كلها، فمن ترك شيئا من الفرائض سوى الشهادة والصلاة والزكاة إذا وجبت عليه، فهو ناقص الإيمان عن إيمان من لا يتركه، والناهض به زائد الإيمان على إيمان القاعد عنه، ثم تكون النوافل والسنن والفضائل من الإيمان فلا يكون له نهاية في الفضائل،، لأنها غير محدودة ولا متناهية في الكثرة والقلة.
فأما الفرائض: فإن وقوع اسم الإيمان بها على المؤمن متناهي، لأن الفرائض محدودة مسماة، والدليل على أن النوافل والسنن والفضائل من الإيمان: الصلاة قد دللنا أنها من الإيمان وفيها فريضة وسنة
стр. 422
ونافلة فلا يجوز أن يكون بعضها من الإيمان وبعضها ليس من الإيمان.
ودللنا على أن النفقة من الإيمان، وفيها فريضة ونافلة، وكلاهما
من الإيمان. فهذا ما في القرآن في هذه الآية وأخواتها، مع ماسنأتي عليه إن شاء الله في مواضعه على نسق السور.
وقال رسول الله ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون
بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "
فجعل أعلا أجزائه الشهادة، وهي فرض، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وهو فضيلة، وجعل كليهما من الإيمان، مع أن الشهادة إنما هي فرض مع إضمار القلب على الثبوت عليها أبدا مرة عند الدخول في الإيمان ببلوغ الطفل، أو إسلام الكافر، ثم تكريرها عند الأذان ومواضع التهليل في أماكن الدعاء، وضمها إلى التسبيح والاستغفار والتكبير في أيام التشريق، وخلف الفرائض، وإعمال اللسان بها في أماكن القربات بها فضيلة
стр. 423
وليست كالصلوات الخمس والزكاة عند حلول الحول، وسائر الأعمال التي لها أوقات محدودة تكون فرائض كما أقيمت.
فهل يقولون - ويحهم - إن كلمة الإخلاص تكون إيمانا إذا كانت فرضا، وغير إيمان إذا كانت فضيلة، فيكفونا مؤنة الاشتغال بهم، أم نقرر هذه النكتة وحدها عندهم أن الإيمان لا نهاية له؛ إذ كانت الشهادة نفسها هذه سبيلها، وأن في الفضائل ما يكون إيمانا.
أم يزعمون أن كلمة الإخلاص فرض في كل وقت أن يشهد بها الموحدون من غير أن يفتروا عن القول، فيخرجون من قول أهل الملة، ويوجبون على كل من أتت عليه لحظة يمكنه أن يشهد فلا يفعل الردة، إذ لا يمكنهم أن يجعلوا لها أوقاتا كأوقات الصلاة والزكاة.
فإن قال قائل: فما حجتك في دخول من ترك شيئا من الفرائض الجنة وهي عندك من الإيمان، وقد زعمت أن الله ﵎ لم يوجب في صدر الآية التي بدأت الفصل بها الجنة إلا بالجهاد والهجرة وتاركهما عندك ناقص الإيمان، وأنت تزعم أنه يدخل الجنة مع نقصانه كما يدخل الزائد مع زيادته، قيل: إنما احتججت بالآية على من زعم أن الجهاد والهجرة ليسا من الإيمان، فأريته أن الإيمان ذو أجزاء، يجمع فرائض ونوافل، فإذا أتى المؤمن بجميع الفرائض، ولم يترك شيئا منها، أو تركها ثم تاب منها، فبدلت سيئاته حسنات حرمت عليه النار في حكم العلم ووجبت له الجنة، ولم يضره ما ترك من السنن
стр. 424
والنوافل، ولا أثرت في إيمانه المفروض وأجزائه الواجبة.
وكان ناقص الدرجة عن أجزاء فضائل الإيمان مستكملا لما أريد منه
من إقامتها، وكانت زيادة الخشية والمراقبة والرهبة وإحضار الهم في الإقامة من نوافله أيضا، يتزايد المقيمون في درجاتها، وإذا ترك شيئا من الفرائض ثم مات بغير توبة صار في منتظري العفو، فإن عفي عنه ربه قبل إدخاله النار وأدخله الجنة فبفضله، وإن أدخله النار باستيعابه فقد وعده أن لا يتركه فيها بقوله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .
وسنلخصه في سورة مريم إذا انتهينا إليه إن شاء الله، وليس جود العفو عن المذنبين قبل دخول النار وبعدها بموجب أن تكون أعمالهم التي أدينوا بتركها لا تكون من الإيمان، لأن الله ﷻ إنما حرم الجنة وأوجب الخلود في النار على من ليس فيه شيء من أجزاء فرائض الإيمان، وذلك الكافر، وهذا هو الموضع الذي يغلط فيه المرجئة، فيظنون أن الكافر لما خرج من الكفر إلى الإيمان بكلمة الإخلاص كان جميع الإيمان مجموعا فيها له، ولا يعلمون أن هذه الكلمة وإن كانت أوكد أجزاء الإيمان، وكان الكافر مستوجبا لاسم الإيمان بها إذا قالها ولم يكن مستوجبا بغيرها قبلها - غير مانعة من أن يكون للإيمان جزء غيرها لا يستوجب المؤمن كماله إلا به.
стр. 425
أولا يعتبرون أن الله ﵎ قد أكد في فرائضه التي يعدونها شرائع الإيمان لا الإيمان - بعضها دون بعض، فحرم على المؤمن أن ينهر أبويه كما حرم عليه قتلهما.
فهل يجوز لأحد أن يقول: تحريم القتل من الشرائع، وليس تحريم الانتهار من شرائع الإيمان؛ لأن صار تحريم القتل أوكد منه، لعظم العقوبة فيه، كما يزعمون أن سائر الكلمة ليس من الإيمان، وإن كانت فريضة، لأنها ليست في التأكيد مثل الكلمة إن كان حكم النظر أن كل مسمى باسم لا يجوز أن يجعل في أجزائه ما لا يكون في التأكيد مثله.
وكوقوع اسم الإنسان على جميع شخصه، وفيه أجزاء مؤلفة بعضها أوجد قوة من بعض، وأعظم منفعة، وأضاء ضياء، فلا يقال: إن اسم الإنسان مخصوص به أعظم منفعة أعضائه، وأشد قوة جوارحه، وتكون سائر أجزاء البدن تبعاً له في أنه ذو حركة وسكون، لا أنه بعض أجزاء الشخص الذي لم يستحق الاسم إلا به.