في وقته مؤمنا، وكان حدثه وهو النطق الذي أحدثه بلسانه وأضمر القلب على تصديقه إيمانا ليس عليه غيره، وكان قد أكمل ما أمر به، فلما أمر غيره بمثل ما أمر به وأضيف إليه سواه من إحداث حركة الجوارح لم يقدر أن يحدث إحداث الجوارح باللسان والقلب، فأحدثها بجوارحه مؤتمرا لله - جل وتعالى - كما ائتمر له الأول.
فما بال إحداث حركة الجوارح بالأمر لا تسمى إيمانا، وإحداث حركة اللسان وإضمار القلب بالأمر تسمى إيمانا، هذا ما لا يذهب على منصف ميزه، فكل من ائتمر حقه في جميع ما أمره، وانتهى عما نهاه عنه، فهو مستكمل لما أريد منه من الإيمان، كما كان المقر بالشهادة قبل نزول الفرائض مستكملا لما أريد به منها وإنما جعلنا للإيمان أجزاء ودرجات على مقدار القيام بالفرائض، والشهادة أحدها، بل أعلاها كلها، فمن ترك شيئا من الفرائض سوى الشهادة والصلاة والزكاة إذا وجبت عليه، فهو ناقص الإيمان عن إيمان من لا يتركه، والناهض به زائد الإيمان على إيمان القاعد عنه، ثم تكون النوافل والسنن والفضائل من الإيمان فلا يكون له نهاية في الفضائل،، لأنها غير محدودة ولا متناهية في الكثرة والقلة.
فأما الفرائض: فإن وقوع اسم الإيمان بها على المؤمن متناهي، لأن الفرائض محدودة مسماة، والدليل على أن النوافل والسنن والفضائل من الإيمان: الصلاة قد دللنا أنها من الإيمان وفيها فريضة وسنة
стр. 422
ونافلة فلا يجوز أن يكون بعضها من الإيمان وبعضها ليس من الإيمان.
ودللنا على أن النفقة من الإيمان، وفيها فريضة ونافلة، وكلاهما
من الإيمان. فهذا ما في القرآن في هذه الآية وأخواتها، مع ماسنأتي عليه إن شاء الله في مواضعه على نسق السور.
وقال رسول الله ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون
بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "
فجعل أعلا أجزائه الشهادة، وهي فرض، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وهو فضيلة، وجعل كليهما من الإيمان، مع أن الشهادة إنما هي فرض مع إضمار القلب على الثبوت عليها أبدا مرة عند الدخول في الإيمان ببلوغ الطفل، أو إسلام الكافر، ثم تكريرها عند الأذان ومواضع التهليل في أماكن الدعاء، وضمها إلى التسبيح والاستغفار والتكبير في أيام التشريق، وخلف الفرائض، وإعمال اللسان بها في أماكن القربات بها فضيلة
стр. 423
وليست كالصلوات الخمس والزكاة عند حلول الحول، وسائر الأعمال التي لها أوقات محدودة تكون فرائض كما أقيمت.
فهل يقولون - ويحهم - إن كلمة الإخلاص تكون إيمانا إذا كانت فرضا، وغير إيمان إذا كانت فضيلة، فيكفونا مؤنة الاشتغال بهم، أم نقرر هذه النكتة وحدها عندهم أن الإيمان لا نهاية له؛ إذ كانت الشهادة نفسها هذه سبيلها، وأن في الفضائل ما يكون إيمانا.
أم يزعمون أن كلمة الإخلاص فرض في كل وقت أن يشهد بها الموحدون من غير أن يفتروا عن القول، فيخرجون من قول أهل الملة، ويوجبون على كل من أتت عليه لحظة يمكنه أن يشهد فلا يفعل الردة، إذ لا يمكنهم أن يجعلوا لها أوقاتا كأوقات الصلاة والزكاة.
فإن قال قائل: فما حجتك في دخول من ترك شيئا من الفرائض الجنة وهي عندك من الإيمان، وقد زعمت أن الله ﵎ لم يوجب في صدر الآية التي بدأت الفصل بها الجنة إلا بالجهاد والهجرة وتاركهما عندك ناقص الإيمان، وأنت تزعم أنه يدخل الجنة مع نقصانه كما يدخل الزائد مع زيادته، قيل: إنما احتججت بالآية على من زعم أن الجهاد والهجرة ليسا من الإيمان، فأريته أن الإيمان ذو أجزاء، يجمع فرائض ونوافل، فإذا أتى المؤمن بجميع الفرائض، ولم يترك شيئا منها، أو تركها ثم تاب منها، فبدلت سيئاته حسنات حرمت عليه النار في حكم العلم ووجبت له الجنة، ولم يضره ما ترك من السنن
стр. 424
والنوافل، ولا أثرت في إيمانه المفروض وأجزائه الواجبة.
وكان ناقص الدرجة عن أجزاء فضائل الإيمان مستكملا لما أريد منه
من إقامتها، وكانت زيادة الخشية والمراقبة والرهبة وإحضار الهم في الإقامة من نوافله أيضا، يتزايد المقيمون في درجاتها، وإذا ترك شيئا من الفرائض ثم مات بغير توبة صار في منتظري العفو، فإن عفي عنه ربه قبل إدخاله النار وأدخله الجنة فبفضله، وإن أدخله النار باستيعابه فقد وعده أن لا يتركه فيها بقوله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .
وسنلخصه في سورة مريم إذا انتهينا إليه إن شاء الله، وليس جود العفو عن المذنبين قبل دخول النار وبعدها بموجب أن تكون أعمالهم التي أدينوا بتركها لا تكون من الإيمان، لأن الله ﷻ إنما حرم الجنة وأوجب الخلود في النار على من ليس فيه شيء من أجزاء فرائض الإيمان، وذلك الكافر، وهذا هو الموضع الذي يغلط فيه المرجئة، فيظنون أن الكافر لما خرج من الكفر إلى الإيمان بكلمة الإخلاص كان جميع الإيمان مجموعا فيها له، ولا يعلمون أن هذه الكلمة وإن كانت أوكد أجزاء الإيمان، وكان الكافر مستوجبا لاسم الإيمان بها إذا قالها ولم يكن مستوجبا بغيرها قبلها - غير مانعة من أن يكون للإيمان جزء غيرها لا يستوجب المؤمن كماله إلا به.
стр. 425
أولا يعتبرون أن الله ﵎ قد أكد في فرائضه التي يعدونها شرائع الإيمان لا الإيمان - بعضها دون بعض، فحرم على المؤمن أن ينهر أبويه كما حرم عليه قتلهما.
فهل يجوز لأحد أن يقول: تحريم القتل من الشرائع، وليس تحريم الانتهار من شرائع الإيمان؛ لأن صار تحريم القتل أوكد منه، لعظم العقوبة فيه، كما يزعمون أن سائر الكلمة ليس من الإيمان، وإن كانت فريضة، لأنها ليست في التأكيد مثل الكلمة إن كان حكم النظر أن كل مسمى باسم لا يجوز أن يجعل في أجزائه ما لا يكون في التأكيد مثله.
وكوقوع اسم الإنسان على جميع شخصه، وفيه أجزاء مؤلفة بعضها أوجد قوة من بعض، وأعظم منفعة، وأضاء ضياء، فلا يقال: إن اسم الإنسان مخصوص به أعظم منفعة أعضائه، وأشد قوة جوارحه، وتكون سائر أجزاء البدن تبعاً له في أنه ذو حركة وسكون، لا أنه بعض أجزاء الشخص الذي لم يستحق الاسم إلا به.
стр. 426
في ذكر بيان النجاسة:
* * *
وقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)
دليل على أن النجس نجسان: نجس فعل، ونجس ذات، وهو في هذا الموضع - والله أعلم -: نجس فعل، وهو شركهم، لا أن أبدانهم نجسة، وكيف تكون نجسة وليست بين خلقتهم وخلقة المؤمنين فرق في شيء من الأشياء، وقد أباح الله لنا أكل طعامهم في ديارهم وقد مسوها بأيديهم، فعجنوا العجيب، وخبزوا الخبز، وعندهم أذهان مائعة، وقد استخلصوها بأيديهم وترطبت بمماستهم، فهي لنا طلق حلال، ولو كانت أبدانهم نجسة لحرمت علينا تلك الأشياء كلها.
وأباح لنا نساء أهل الكتابين وفيهم شرك وهن يضاجعن بأبدان رطبة ويابسة ويصيب أزواجهن من عرقهن وريقهن فلا تنجس عليهم أبدانهم، وفي أهل الكتاب لا محالة شرك لقولهم في المسيح والعزير، فإن قيل: فقد أمر النبي، ﷺ ، ثمامة
стр. 427
بن أثال الحنفي حين أسلم أن يغتسل.
قيل: ليس في ذلك ما يدل على نجاسة البدن، إذ لو كان كذلك لما نفعه الاغتسال، وحد النجاسة على حاله لم يتغير منه شيء، والنجاسة لا تزول ما دام لها عين قائمة، والذي يشبه - والله أعلم - أن يكون أمره بالاغتسال من أجل الجنابة التي كان يجنب أيام كفره فلا يغتسل لتحل له الصلاة، أو عبادة لا يعرف وجهها كغسل الآنية من ولوغ نجاسة الكلب سبعا، وأشباه ذلك.
فإن قيل: فالميت يغسل قبل دفنه.
قيل: ولا ذاك لعلة نجاسته، إذ لو كان للنجاسة لما نفعه غسل
стр. 428
ألف مرة لقيام أصل النجس وعدم اضمحلاله، إذ لو كان لنجاسة ظاهرة لأجزأت غسل مرة واحدة ولم يبلغ به ثلاثا وخمسا وسبعا، ولا وضىء وضوء الصلاة، ألا ترى أن لو كان بدل الإنسي حيوان فارقته الروح، فتنجس ذاته لمفارقة الروح إياه - لم تطهر جيفته أبدا ولوغسلت بماء البحر،
فغسل الميت عبادة لا إزالة نجس، والمؤمن لا ينجس حيا ولاميتا
ألا ترى أن النبي، ﷺ ، قبل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى سالت دموعه على خده.
والعلم يحيط أنه لا يقبل جيفة
стр. 429
نجسة.
فإن قيل: فما تقول في جيفة الكافر إذا فارقته الحياة أنجسة هي أم
طاهرة،
قيل: بل نجسة، لأن كل ذي روح فارقته الحياة تنجست جيفته، وإنما سلمنا في جسد المؤمن إذا مات للخبر.
стр. 430
فإن قيل: فما وجه أمر النبي، ﷺ ، عليا بغسل
أبيه بعد موته وهو مشرك. (١)
قيل: هو خبر في إسناده نظر لأن أبا إسحاق السبيعي ناجية ابن كعب، وناجية ليس بالمشهور في المحدثين.
رواه عن
стр. 431
وأبو إسحاق مدلس ولم يذكر سماعه من ناجية، ورواه عن أبي إسحاق أيضا مدلسان ولم يذكرا سماعهما: الثوري وشريك ولا قالا فيه: " اغسل أباك " إنما قالا: " وار أباك "، وقد يواريه من غير غسل لو صح الخبر، ولو كان ثابتا أيضا ما كان وجه غسله الأوجه تعبد لا نعقل علته.
فإن قيل: فهل في أمره عليا ﵁ بالاغتسال بعد غسل - إن صح الخبر - ما يؤكد نجاسة جيفة الكافر،
قيل: هي - بحمد الله - مؤكدة بما قدمنا ذكره. فأما بهذا فلا
стр. 432
تزداد تأكيدا من أجل أنا لا نشك أن عليا لم يأت النبي، ﷺ ، من غسل أبيه إن صح الخبر عريانا ولا بادي العورة فلو كان أمره للنجاسة لأمره بغسل ثيابه، أو مئزره مع جسده، ولكنها من العبادات - إن كان لها أصل - لا تعقل وجوهها.
ومثل نجاسة المشرك قوله، (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)
هو عند قوم نجاسة، وأنا أحتج لهم وعليهم فأقول: نجاسة العمل بها لا رجاسة ذواتها؛ لأن الخمر عصير عنبة طاهرة والنشيش لما حرم شربها لم تنجس ذاتها. ولو كان نجس ذاتها ما عادت إذا صارت خلا طاهرة، لأن النجاسة لا تعود طاهرة إذا كانت مائعة إلي بممازجة مقدار يغلبها من الماء لها.
стр. 433
ولا أعلم بين الأمة خلافا - بل هو من الإجماع المحصل - أنها إذا تتخللها صنعة آدمي واستحالت خلا أنها طاهرة فهذا يدلك على أنها كانت نجسة الشرب لتحريمها، فلما حلت بزوال اسم الخمر عنها وحدوث اسم الخل فيها صارت تلك العين المائعة بعينها طاهرة الذات، طاهرة الشرب والذات والاصطناع بها والتمول في البيع وغيره. ومما يزيد ذلك تأكيدا أن الآنية الحاوية لها قد تنجست برطوبة الخمر
عند من يراها نجسة الذات، فكان ينبغي له أن يقول: إن الخمر نفسها، وإن طهر ذاتها بالاستحالة إنما الخل، فهي نجسة بمماسة الآنية النجسة، إذ كانت النجاسات عنده لا يطهرها إلا الماء، والخل لا يطهر الأنجاس، فأما أن يقول: إن الخل وكل مائع يجري بسلاسته ورقته على النجاسة طهرت به. وإما أن يرجع عن قوله في نجاسة ذات الخمر، فلا يعتبر على نجاستها بتحريم شربها فليس كل محرم نجسا. ألا ترى أن الحرير والديباج محرما اللبس على الذكور وهما طاهران
стр. 434
في أنفسهما، ومحرم شرب الماء في آنية الذهب والفضة، والماء طاهر، والذي حرم منه فعل الشرب على تلك الحال، وكذلك العصير حرم شاربه في حال صلابته التي أحدثها النشيش عليه، وهو طاهر في نفسه إذا لم تمازجه نجاسة نجسته، والنشيش ليس بنجس، إنما تعبد الناس بترك هذا الشراب بعد النشيش في الشرب، فإذا شربوه خرجوا من التعبد وواقعوا المعصية.
فمواقعة المعصية نجسة، وقد قال رسول الله ﷺ يوم رجم ماعز بن مالك، " اتقوا هذه القاذورات التي
стр. 435
حرمها الله عليكم "
فسمى الزنا وما يضاهيه من المعاصي قاذورات. فهذا بين لا إشكال فيه أن أفعال المعاصي والكفر نجسة، ألا ترى أن نفس الميتة لما كانت نجسة فأبيح أكلها للمضطر لم ترتفع عنه العبادة في غسل فيه وبدنه إذا وجد الماء، وأنه ليس له أن يصلي، والماء موجود حتى يغسل أثر نجاسة الميتة عنه، لأنه وإن أبيح له أكلها فذاتها نجس لم تستحل على الآكل بإباحة الأكل له طاهرا، وكذلك نفس شراب أصله طاهر لم ينجس بأن حرم شربه إنما حرم فعل المعصية في شربه فهذا صحيح لا علة فيه، ولاغمة دونه عند من شرح الله صدره وأعاذه من دناءة أخلاق العامة، ولم يسرع إلى الشنعة. بما لا طائل له من حجة.
ألا ترى أن الميسر هو القمار، والمقمور طاهر في نفسه درهما كان أودينارا أوثوبا أو أي سلعة كانت، والأنصاب حجارة، أو صنم منحوت
стр. 436
من خشب أو مصبوب من صفر أو آنك أو ذهب أو فضة وكل ذلك طاهر لم يتحول المأمور نجسا لأن قمر.
ولا الحجر والخشب وأشباهها، لأنه نهي عن عبادتهما والمقمور لأن
نهي عن قمره.
وقد سمى الله كل ذلك مع الخمر رجسا، فما بال الخمر وحدها من
بين هذه الأشياء صارت بالتحريم نجسة الذات، وبقيت هذه الأشياء تكون طاهرة الذات محرمة الشرب،
ولأنها مائعة وتلك جامدة، أم النشيش لما صلب عصيرها وجعله حاليا سكرا حوله الطاهر نجسا،
وقد دللنا على أن النشيش غير نجس في نفسه فكيف ينجس غيره،
ولا السكر في ذاته نجس إنما الدخول فيه محرم.
أم الفعل في شرب الخمر منجس نفس الخمر وليس الفعل في القمار
стр. 437
وعبادة الأصنام بمنجس أنفسها.
ذكر الحرم أنه قبلة:
وفي قوله، (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)
دليل على أنه - وهو أعلم - سمى الحرم كله مسجدا لمجاورته المسجد، إذ لو كان واقفا على المسجد وحده لجاز للمشركين دخول الحرم إذا تجنبوا المسجد، ومما يؤكد ذلك قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ) .
وذلك أن المشركين كانوا يقدمون بتجاراتهم إلى الحرم، وكان المسلمون يصيبون من أرباحها. فلما منع المشركون من دخول المسجد الحرام بهذه الآية شق عليهم فوت أرباحهم، وخشوا دخول العيلة عليهم، فنزلت: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)
فلو كان النهي واقعا على المسجد نفسه لا على جميع الحرم، لكان دخولهم الحرم بتجاراتهم وإن جنبوا المسجد دارا عليهم بالأرباح ولم يخافوا العيلة
стр. 438
بفواتها.
وفي وقوع اسم المسجد على الحرم دليل على أنه قبلة لأهل الأرض وسعة لهم في التوجه إليه إذا أرادوا الكعبة، كما جاء في الخبر: " إن البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها ".
وهذا الحديث وإن كان من جهة النقل واهيا فقد عضده هذا المعنى.
ذكر الجهاد والجزية:
* * *
قوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ)
دليل على أن نساءهم وصبيانهم لا جزية عليهم، لأنهم لا يقاتلون بل قد نهي عن قتلهم.
стр. 439
وفي قوله: (وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)
دليل على توهين قول من قال: إن من أسلم من رجالهم وقد مضى بعض السنة فعليه من الجزية بقدر ما مضى منها، لأن الله ﷻ جعل الجزية صغارا والصغار لاحق بالدافع وقت الدفع لقوله: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) وكيف يلزم المسلم صغار الجزية وقد أعزه الله بالإسلام، والإسلام يجب ما قبله
وقال ﵎: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)
وقال رسول الله، ﷺ ،: " ليس على مسلم جزية ".
ذكر تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره:
وقوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ)
حجة في شيئين، أحدهما: جواز
стр. 440
تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره كما مضى في غير فصل من كتابنا، لأن القول - لا محالة - بالألسنة لا بالأفواه.
والآخر: إجازة التأكيد في الكلام وإبطال قول من قال: لا تأكيد
فيه، إذ الكلام لا يخرج من غير الأفواه.
ذكر اختصار الكلام والإخبار عن المعاني المختلفة باللفظ الواحد والتقليد:
* * *
قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)
دليل: على اختصار الكلام والإخبار عن المعاني المختلفة باللفظ الواحد، فمن ذلك أن الأحبار على الأغلب في اليهود والرهبان في النصارى، وقد أخبر عنهم في الإضافة بلفظ واحد.
ومنه عطف المسيح ﵇ على جماعتهم باتخاذه ربا دون اليهود.
ومنه أن المعنى الذي اتخذته الأحبار والرهبان أربابا مخالف لما اتخذته
стр. 441
المسيح ﵇، لأن السيد دعي ولدا، وكذب فيما جاء به من الدعوة إلى الله، والأحبار والرهبان أطيعوا فيما أمروا ونهوا من تحريم الشيء وتحليله، فنسبهم إلى أنهم اتخذوهم أربابا بفعلين مختلفين ولفظ الأرباب واحد.
ومنه: أنه أوقع أسما هو له على خلقه ولم يكن نقضا فيما هو له ثم أشرك فيه أعداءه ونبيه.
ومنه: أنه سمى سجود النصارى لعيسى، وقبول من قبل من الأحبار والرهبان - عبادة. وفي هذا أكبر دليل على نفي التقليد، وإعظام القول به.
ومنه أنه سمى الجماعة مشركين من المؤتمرين - الأحبار والرهبان - والساجدين وعيسى الداعينه إلها مع الله - تعالى الله - من أجل أن الائتمار في تحليل الشيء وتحريمه لا يصلح إلا لله، كما لا يصلح السجود ودعوى الإلهية إلا له، فلما ائتمر هذا وسجد هذا كان قد أشرك كل مع الله من لا يصلح أن يكون معه فيه، فسمى كلا - وهو أعلم - مشركا، وإن كان سبب شركه وعقوبة فعله مختلفا.
حجة لأهل السنة على المبتدعين:
* * *
قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)
حجة لأهل السنة على كل من أسر دينا
стр. 442
من أهل البدعة وما يحتجون به من قصة آسية ومؤمن آل فرعون
وقوله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
стр. 443
(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)
ودخول رسول الله ﷺ الغار وأشباه ذلك، فهو قبل هذه الآية.
وما أمات الله رسوله ﷺ إلا بعد ما أظهر دينه
على الأديان، وأكمل له بقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي)
أنزل هذا عليه في حجة الوداع، وهو واقف، ﷺ ، مع أصحابه ﵃ بعرفات مع أن أكثر ما يحتجون بها.
وكل ما كان على شيء يزعم أنه من الدين، وهو يستره ولا يظهره خشية إنكاره، فقد عرف بطلانه قبل أن يسأل برهانه، واستوى في
стр. 444
معرفة تزييفه العالم والجاهل، إذ من شرط الآية أن يكون بعد نزولها في دين الحق ظاهرا.
فإن كتم عدم شرطه المشروط فيه، وفي عدم شرطه دخول الخلل عليه وزوال الحق عنه، فإن احتج محتج بما روي عن رسول الله، ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ".
قيل: ليس فيه وقت مؤقت يعود فيه، ولو كان أيضا مؤقتا لعلمنا أن غرباء الدين بدءا كانوا يسترونه عن الكفار وعبدة الأوثان، ومن كان يقاتلهم عليه، وترى المبتدعة يسترونه عن أهل القبلة ومن هو مستعل عليهم، وعلى عبدة الأوثان والممتنعين من أداء الجزية من أهل الكتاب، فإن كان الخبر صحيحا وجازما يرجع عدد المسلمين في الشرق والغرب إلى من كان يسر الدين قبل إسلام عمر ﵁ صح تأويل الخبر حينئذ، والا فلا متعلق للمحتجين من أهل البدعة
стр. 445
ذكر الزكاة في الكنوز:
(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
الهاء راجعة إما على الكنوز، وإما على عدد الدنانير والدراهم، أو قطاع التبر من الذهب والفضة لا على لفظهما.
فلا يشبه أن يكون هذا الكنز - والله أعلم - إلا المال الذي لا تؤدى زكاته، إذ لو أريدت جميع الأموال من الذهب والفضة، ما كان لقوله (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)
معنى، ولا لقوله: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) .
ومع ما جاء في القرآن من آيات الزكاة، وحبس الأموال حتى يحول عليها الحول، ولبطلت السنن المروية في الزكاة، ولعللت آي المواريث وكان كل من له مال قل أو كثر ينفقه ولا يحبسه للزكاة ولا للميراث،.
ولا أحسب الزكاة إلا من سبيل الله، فإذا أخرجها فقد أنفق ماله في سبيل الله وكذا قال ابن عمر ﵁: " ما أدى ركاته فليس بكنز".
стр. 446
وقد أسندوه إلى النبي، ﷺ ، من طريق ابن عمر، وجابر،
стр. 447
وأم سلمة.
فإن احتج محتج بالحديث المروي عن أبي أمامة الباهلي
стр. 448
وغيره: أن رجلا من أهل الصفة مات وترك دينارا، فقال النبي، ﷺ : " كية " وتوفي آخر وترك دينارين، فقال النبي، ﷺ : " كيهان ".
قيل: ليس في إسناد هذا الخبر ما يعارض به ماذكرنا من آي القرآن
في الزكاة والمواريث، لأنه رواه عن أبي أمامة أبو الجعد مولى لبني ضبيعة وهو مجهول وعبد الرحمن بن العداء
стр. 449
الكندي وليس ممن تثبت بروايتهما حجة، وسيما وقد رويا رواية تعارض القرآن في الظاهر.
ورواه شهر بن حوشب وفيه ضعف، وحديث أبي ذر
стр. 450
وقد دلت حديث ثوبان مولى رسول الله، ﷺ ،
على ما قلنا وهو أصح إسنادا حيث يقول: " أيما رجل ترك كنزا بعده مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان "
стр. 451
وهذا مثل رواية عبد الله بن مسعود وأبي هريرة في المال الذي لا تؤدي زكاته، فرواه ثوبان مجملا بذكر الكنز، وروياه مفسرا.
ولو صح حديث أبي أمامة أيضا، لاحتمل أن يصرف قوله في الكية
стр. 452
والكيتين إلى غلول أو عقوبة كذب حيث يوهم الرسول، ﷺ ، أن لا شيء عنده، ورسول الله، ﷺ ، يعده في عداد أصحابه من أهل الصفة، ثم يترك ما ترك، ولا نترك آي الزكاة والمواريث، ألا ترى أنه، ﷺ ، لم يقل لسعد ما قال لهما، حيث دخل عليه وهو مريض فقال: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال، بل لم يدعه أن يتصدق من ماله في
стр. 453
الوصية إلا بالثلث، واستكثره ولم يقل: أنت ميت، ومالك كنز فأخرجه في سبيل الله قبل يحمى عليك في نار جهنم. وكذا قال لأبي لبابة حيث تيب عليه، وأراد أن ينخلع من جميع ماله قربة إلى الله - جل وتعالى " يجزيك منه الثلث ".
стр. 454
وقال له جابر بن عبد الله: كيف أقسم مالي بين ولدي، فأنزل الله ﵎: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) .
فدل الكتاب والسنة على أن الحابس ماله بعد أداء الزكاة المفروضة لا حرج عليه فيه، وكل شيء أخرجه بعد الزكاة في وجوه البر ونوائب الخير فهو فضيلة وقربة.
فضائل أبي بكر ﵁:
* * *
قوله: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)
رد على الرافضة في تقديم علي على أبي بكر ﵄؛ إذ قد شهد الله - جل وتعالى - له بالصحبة والكينونة
стр. 455
معه في الغار من دون الناس، ولخروجه من توبيخ الخطاب وترك النصرة بالمسابقة إلى ما قعد عنه غيره، والمشاركة له فيما يحذر المطلوب، إذ لا نصرة أنصر ممن بذل نفسه للمكروه وخرج مع المطلوب يؤنسه في وحدته ويشاركه فيما يتقيه من محذور عدوه.
ولئن كان على ﵁ قادرا على الخروج مع رسوله الله، ﷺ ، إلى الغار فلم يخرج، أو أراد الخروج فرده وأخرج غيره لقد قدمه عليه تقديما ظاهرا، إذ رضيه لأنسه، وأشركه فيما نال من ثواب الله هناك، ولئن كان عن ذلك عاجزا لصغره، لقد سبقه إلى مكرمة لا يقدر مشاركته فيها أبدا، وبان فضله عليه.
стр. 456
ألا ترى أن الله ﵎ يقول: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) .
ولو قبلوا الأخبار لجئنا في هذا الفصل من صحاحها بسبب الغار ما
كان يزول بها عنهم كل ريب، مع أن ما أداه القرآن من ذلك - بحمد الله - شاف كاف لمن بصره الله وكشف عنه غمة الغباوة.
المعتزلة:
* * *
قوله: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)
حجة على المعتزلة والجهمية شديدة من جهات:
أحدها: ما قدم من ذمهم في قوله: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى قوله: (لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) .
الثانية: ما ذكر من الكراهة التي هي عندهم من صفات الخلق ولا يميزون أن كراهة الخلق مخلوقة، وكراهته غير مخلوقة فهي مباينة واضحة بينه وبين خلقه.
الثالثة: ما ذكر من تثبيطهم، فأي شيء يلتمسون أوضح من هذا أن
стр. 457
يكون ذمهم على التخلف عن أمر هو ثبطهم عنه، وكره خروجهم فيه، أوليس هذا من العدل الذي لا نعقله، وهذا نظير ما مضى في سورة الأنفال في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .
لأنه نفس ما بيننا وبينهم فيه الخصومة، لا مشابهه فيما أثرناه عليهم من أنواع صنعه في عدله. وقد قال في تمام ذكرهم: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ)
فأخبر عنهم بما هم فاعلون قبل الفعل - سبحانه - أن يقدر بشر الحيدة عما علمه منه قبل فعله، والله المستعان على عقول تضيق عن هذا البيان الواضح أو تكابر في الخطب الفاضح.
ذكر من يعد المعاصي كفرا:
قال محمد بن على: ومن حماقات من يعد المعاصي كفرا أو يزعم أن
стр. 458
النار لا يدخلها إلا كافر احتجاجهم بقوله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) .
وإخراجهم المؤمن المذنب من جملة من تحيط به، وادعاؤهم أن محالا عندهم أن تذكر الإحاطة بقوم موصوفين فيدخل معهم غيرهم، وهذا هو نهاية الجهل والإفراط في الحماقة.
أو ليس جائزا عندهم أن تكون لرجل ماشية من بقر وغنم أو غنم وحدها - عفر وسود - فيدخلها حظيرة فيقال: أحاطت حظيرة فلان ببقره ولا يذكر فيها غنمه، أو أحاطت بسود غنمه ولا يذكر عفرها، وقد أدخل كلا فيها، فيكون كلاما غير مستحيل أن تكون الحظيرة أحاطت بالمذكور وغير المذكور، وما عسى يقولون في قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)
стр. 459
أيقولون - ليت شعري - إنه غير محيط بالمؤمنين وبالبهائم وجميع الخلق، نعوذ بالله من الجهل.
المعتزلة:
وقوله: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)
رد على المعتزلة والقدرية من جهتين:
إحداهما: أنه قال: (إِنْ تُصِبْكَ) ولم يقل " إن تصب " والمضاف غير مالك لما يصيبه
والثانية: (لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)
وهم ينكرون الكتاب السابق في كل شيء وهو نظير ما مضى في سورة النساء (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) .
وحق قراءة من قرأ هناك: " فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) إذ
стр. 460
جائز أن يكون بين هاهنا ما أجاز اختصاره هناك، والله أعلم.
ذكر أشياء مختلفة في اسم واحد:
* * *
قوله: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)
حجة في تسمية أشياء مختلفة باسم واحد؛ لأن إحدى الحسنين هاهنا - والله أعلم - الفتح أو القتل في سبيل الله، وكلاهما مختلف، والحسنة الجنة قال الله - جل وعز -: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)
والحسنى صفة لجميع أسامي الله - جل الله - قال الله ﵎: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)
وهو حجة على المعتزلة في باب موافقة الأسماء الواقعة على ما سميت به، ولا تكون المسميات متفقات لاتفاق أسمائها كما ترى.