← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ألا ترى أن الله ﵎ يقول: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) . ولو قبلوا الأخبار لجئنا في هذا الفصل من صحاحها بسبب الغار ما كان يزول بها عنهم كل ريب، مع أن ما أداه القرآن من ذلك - بحمد الله - شاف كاف لمن بصره الله وكشف عنه غمة الغباوة. المعتزلة: * * * قوله: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) حجة على المعتزلة والجهمية شديدة من جهات: أحدها: ما قدم من ذمهم في قوله: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى قوله: (لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) . الثانية: ما ذكر من الكراهة التي هي عندهم من صفات الخلق ولا يميزون أن كراهة الخلق مخلوقة، وكراهته غير مخلوقة فهي مباينة واضحة بينه وبين خلقه. الثالثة: ما ذكر من تثبيطهم، فأي شيء يلتمسون أوضح من هذا أن

стр. 457

يكون ذمهم على التخلف عن أمر هو ثبطهم عنه، وكره خروجهم فيه، أوليس هذا من العدل الذي لا نعقله، وهذا نظير ما مضى في سورة الأنفال في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) . لأنه نفس ما بيننا وبينهم فيه الخصومة، لا مشابهه فيما أثرناه عليهم من أنواع صنعه في عدله. وقد قال في تمام ذكرهم: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ) فأخبر عنهم بما هم فاعلون قبل الفعل - سبحانه - أن يقدر بشر الحيدة عما علمه منه قبل فعله، والله المستعان على عقول تضيق عن هذا البيان الواضح أو تكابر في الخطب الفاضح. ذكر من يعد المعاصي كفرا: قال محمد بن على: ومن حماقات من يعد المعاصي كفرا أو يزعم أن

стр. 458

النار لا يدخلها إلا كافر احتجاجهم بقوله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) . وإخراجهم المؤمن المذنب من جملة من تحيط به، وادعاؤهم أن محالا عندهم أن تذكر الإحاطة بقوم موصوفين فيدخل معهم غيرهم، وهذا هو نهاية الجهل والإفراط في الحماقة. أو ليس جائزا عندهم أن تكون لرجل ماشية من بقر وغنم أو غنم وحدها - عفر وسود - فيدخلها حظيرة فيقال: أحاطت حظيرة فلان ببقره ولا يذكر فيها غنمه، أو أحاطت بسود غنمه ولا يذكر عفرها، وقد أدخل كلا فيها، فيكون كلاما غير مستحيل أن تكون الحظيرة أحاطت بالمذكور وغير المذكور، وما عسى يقولون في قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)

стр. 459

أيقولون - ليت شعري - إنه غير محيط بالمؤمنين وبالبهائم وجميع الخلق، نعوذ بالله من الجهل. المعتزلة: وقوله: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) رد على المعتزلة والقدرية من جهتين: إحداهما: أنه قال: (إِنْ تُصِبْكَ) ولم يقل " إن تصب " والمضاف غير مالك لما يصيبه والثانية: (لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) وهم ينكرون الكتاب السابق في كل شيء وهو نظير ما مضى في سورة النساء (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) . وحق قراءة من قرأ هناك: " فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) إذ

стр. 460

جائز أن يكون بين هاهنا ما أجاز اختصاره هناك، والله أعلم. ذكر أشياء مختلفة في اسم واحد: * * * قوله: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) حجة في تسمية أشياء مختلفة باسم واحد؛ لأن إحدى الحسنين هاهنا - والله أعلم - الفتح أو القتل في سبيل الله، وكلاهما مختلف، والحسنة الجنة قال الله - جل وعز -: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) والحسنى صفة لجميع أسامي الله - جل الله - قال الله ﵎: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) وهو حجة على المعتزلة في باب موافقة الأسماء الواقعة على ما سميت به، ولا تكون المسميات متفقات لاتفاق أسمائها كما ترى.

стр. 461

وقوله: (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا) حجة في إضافة الإصابتين إلى الله ما كان منه وما كان بأيديهم، وهو فعل فعلوه هم بحركاتهم وأعمال أسلحتهم، وقد أضافه تعالى لنفسه كما ترى. ذكر المرتد يخرج الزكاة: * * * قوله: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّ ا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) دليل على أن الكافر لا يصعد له عمل، ولا يقبل منه خير يثاب عليه في الآخرة، وأن مرتدا لو أخرج زكاة ماله في الردة، ثم راجع الإسلام لوجبت عليه الإعادة واستئناف ما دفع مرة أخرى، لأنه دفعه في حين لم يقبل منه والزكاة أعظم النفقات. المعتزلة والقدرية: * * * قوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) حجة على المعتزلة والقدرية

стр. 462

سديدة، إذ أخبر الله - جل وعلا - نصا عن إرادته في خروج أنفسهم على فإنا لو سامحناهم في زوال القضاء عنهم حيث دخلوا في الكفر والنفاق ما سامحناهم في الخروج منهما مع هذه الآية. وكيف يقدرون الانتقال عن شيء يريد الله قبضهم عليه، ولا يعتبرون - ويحهم - أن من كان إليه الدخول باختياره فالخروج أيضا إليه. فإن زعموا أن المذكورين في هذه الآية قدروا على الخروج والانتقال عما أراد الله، فقد كفروا - لامحالة - إذ المغلوب عن إرادته غير نافذ الأمر، وليس هذا من صفة الإله. وإن قالوا: لم يقدروا على الخروج عن إرادته انكسر قولكم فيما يزعمون أن الإرادة منه إرادة بلوى واختبار لا إرادة حكم واضطرار، فأين موضع البلوى والاختبار بعد موت المذكورين في هذه الآية. * * * قوله: (لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) بلغني أن قتادة كان

стр. 463

يقول: فيه تقديم وتأخير، كأنه يقول: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله أن يعذبهم، أي في الآخرة، وتزهق أنفسهم وهم كافرون، وقد يحتمل ما قال، ويحتمل غيره. كأنه يقول - والله أعلم -: ليعذبهم بها في الحياة الدنيا بما يمضهم من ذهاب أموالهم وفقد أولادهم ولا يثيبهم عليه في الآخرة كما يثيب المؤمن فلا يكون فيه تقديم، وأيها كان فالحجة في زهق أنفسهم على الكفر قائمة على القوم. ذكر الأصناف الذين يستوجبون الزكاة: * * * قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) . دليل على أن هذه الأصناف مواضع للصدقات، لا أنهم

стр. 464

مشتركون فيها حتى يكون توزيعها على جميعهم فرضا لا يجزئ غيره. ألا تراه - جل وتعالى - يقول: (وَفِي الرِّقَابِ) (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، فغير لفظ النسق على لام الفقراء، وليس يعرف في معنى الاشتراك أن يقال: هذا لفلان وفلان، وفي كذا، ومما يزيده تأكيدا قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) ، فأخبر أن هؤلاء اللامزين ليسوا موضعا للصدقة، ولكن مواضعها كذا وكذا - والله أعلم - فقال: إنما الصدقات هذه مواضعها. ومما يؤيد قولنا أيضا أنها لو كانت اشتراكاً لبين - والله أعلم - مبلغ ما يعطى كل صنف منهم ليزول التشاح منهم، وكذا روي عن أصحاب رسول الله صلى الله أعليه وسلم، مثل: حذيفة وغيره، وعن

стр. 465

التابعين مثل إبراهيم النخعي وغيره أنه يجعلها في صنف واحد ولا أعلم أحداً شدد فيها كتشديد الشافعي - رضى الله عنه - والشافعي ينهى عن تقليده وتقليد غيره. * * * وقوله: (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)

стр. 466

الهاء في (إليه) راجعة على الملجأ وحده، لابتدائه به ولعمل المغارات، والمدخل - والمغارات عمله - أو على المعقل أو المكان لا على جميع ما ذكر، والله أعلم. قوله (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) ، الهاء راجعة على الله وحده والرسول تبع له. معنى الوعد: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ) دليل على أن الوعد يكون في الخير والشر، والإبعاد هو الذي يكون في الشر ولا يشاركه فيه الخير، وفصله بين المنافقين والكفار بالواو على تفريق الاسم بهم، لا على اختلاف المعنى - والله أعلم - لأن المنافق أيضا كافر وهذا كقوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) وأهل الكتاب أيضا مشركون لقولهم في

стр. 467

عزير والمسيح، ولكن فرق بينهما - والله أعلم - على غلبة اسم المشركين على أهل الأوثان، وأهل الكتاب على اليهود والنصارى،، وغلبة اسم الكفر على من أعلن به، واسم النفاق على من أسره. وكما قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) إلى قوله ((وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) . وكل هذا داخل في الميتة، والذي فصل بينها بالواو الأسامي الغالبة عليها لا المعاني المتفقة فيها. * * * وقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) . دليل على أن زيادة البيان من فصيح كلام العرب ممدوح في أماكن الحاجة إليه، لأن كل ما تقدم الطاعة في هذه الآية داخل فيها فلم يضر رده مع غيرها في جملة الطاعات. ذكر حديث الرسول ﷺ : " ما منكم أحد ينجيه عمله ":

стр. 468

قوله: (أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) يؤيد حديث رسول الله ﷺ " ما أحد منكم ينجيه عمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة "، لأنه ﵎ بعد ما وصفهم به من كثرة الأعمال وعدهم الرحمة قبل الجنة حتى يكون دخولهم إياها برحمته لا بأعمالهم، إذ أعمالهم لو قيست ببعض النعم لاستفرغتها، فلا يحصل لهم إلا رحمته. فلما تغمدتهم وأدخلتهم دار كرامته عطف عليهم بفضل جديد ونعمة مثناة، فقال: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) ، و (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) ، و (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) .

стр. 469

والإحسان والعمل: ما أسلفوه في الأيام الخالية كله من نعمته عليهم وتوفيقه إياهم وهدايته لهم - سبحانه -. * * * قوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ) حجة في أشياء: فمنها: أن المرتد تقبل توبته، ولا يقتل بتبديل دينه كما روي في ظاهر الخبر: " من بدل دينه فاقتلوه "، فكان معنى " فاقتلوه ": إن لم يتب وبقي على الردة. ومنها حجة للنابغة فيما قال:

стр. 470

لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وحجة للآخر: ولا عيب فينا غير عرق لمعشر كرام وأنا لا نخط على النمل لابتداء الآية بذكر النقمة، ومجيء لفظ الاستثناء بالإغناء.، وهو من غيرجنسه وكذا الشاعران ابتدأا البيت بذكر العيب ثم استثنيا منه بما هو مدح. ومنها: إشراك الرسول في الإغناء مع الله، والله هو المغني وحده وفيه حجة قي أن نسبة إغناء المخلوق إلى المخلوق جائز، ولايكون كذبا، بل هي منة من المعطي على المعطى، واجب عليه معرفة إنعامه وشكره عليه وإن كان أصلها من عند الله. ومنها: أن ذكر التوبة فيها حجة على المعتزلة في امتناعهم من جواز

стр. 471

العفو على الله على المحتقب ذنبا مات عليه، وادعائهم أنه مخلد في النار من أجل أنه خلف لوعده عندهم، والثواب والعقاب عندهم واحد، فيقال لهم: إن كانت العلة في ذلك أن من أوعد قوما عقوبة ثم لم يفعلها كان خلفا وكذبا - ولا يجوز ذلك على الله - فهذه العلة قائمة في الدنيا قبل أن يصار إلى الآخرة، فما باله - جل وعلا - يقول قبل هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ) . فيخبر عن قوم بأن مأواهم جهنم ثم لا يجعلها مأواهم، بل يجعل مأواهم الجنة بإحداث التوبة. وما باله يقول: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) ، فيوجب عليه الخسران وحبط العمل، ثم يرده عليه بالتوبة ويجعله مفلحا بعد أن كان خاسرا. وهو حينئذ واحد قد وعد شيئا، ثم فعل به غيره، وإن كان بالتوبة فعل به ما فعل فلم يفعل به ما وعد. وتوبة هذا لم تحقق الوعد من الواعد على معنى ما ذهب إليه القوم،

стр. 472

وإن كان لله أن يترك ما وعد السمك من العقاب ولا يكون ذلك خلفا ولا كذبا، فسواء تركه بسبب شيء يحدثه الموعد، أو بغير سبب منه لأن السبب إحسان جديد من الفاعل، والإساءة في فطرة العقول لا تعود غير معقولة وقد فعلت. بل قولهم هذا جهل بلسان العرب، فإن العرب لا تعد الخلف إلي ترك إنجاز الوعد في الخير، فأما ترك إنجاز الإيعاد فهو عندها كرم وتفضل لا خلف ولا كذب، والقرآن نازل بلغتها، قال رسول الله ﷺ ،: " من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار ". وقال الشاعر: وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

стр. 473

والله أحق من تكرم على عبده، فقد سمى نفسه كريما، والكريم يعفو عن قدره ويتجاوز عن حقه. وقد أمر الله بالتحفظ بالأيمان وقال رسوله الله، ﷺ : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ". وروي " وهو كفارته ". وقال ابن عباس: " من حلف على عبده

стр. 474

أن يضربه فكفارته تركه، ومع الكفارة حسنة ". وقد وعد الله يونس، ﷺ ، أن يهلك قومه، فآمنوا فلم يهلكهم فذهب مغاضبا، فعاقبه الله بحبسه في الظلمات (١) حين رأى من ربه ما أعده خلفا (٢) ، ولم يكن في الحقيقة إلا كرما وجودا. وفي قوله ﵎ في أهل الأعراف: (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) قطع لكل لبسة لمن تدبر في هذا المعنى.

стр. 475

فإن قيل: فقد وصل الله الاستثناء في سورة الفرقان للتائبين من الكفر والذنوب حيث يقول: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وهو كلام واحد فالخلف غير لاحق به إذا فعل بالتائبين خلاف ما وعدهم، قيل: ليس هذا إلا في هذه الآية وحدها وقليل معها، وممكن أن يكون الاستثناء نازلا بعد نزول الآية، كما نزل: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)

стр. 476

بعد نزوله: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، فيكون أسوة سائر القرآن الذي لا استثناء فيه عند الوعيد متصلا بسياق الآي. قال ﵎: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) ، وقال: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) إلى قوله: ((أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) . والقرآن مملوء بمثل هذا، والتوبة غير متصلة بآياته، ثم قد أُمر الكافرون والمؤمنون بالتوبة على الانفراد، فقال ﵎: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ، وقال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) . وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وكل هذا على كلامين وما كان على كلام وعلى كلامين فهو عندنا نعمة وفضل وكرم ليس بخلف ولا كذب، بل العفو

стр. 477

والكرم قبل التوبة أبين منه بعدها، مع أن معول الناس على العفو أكثر منه على التوبة. فالتوبة منقطعة بكثير من الناس قبل طلوع الشمس من مغربها، والعفو والغفران مبسوطان للمؤمنين، قال الله ﵎: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وقال، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) وقال: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) وقد منع الله فرعون التوبة، ومنعها قوما من المنافقين في قوله (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) . وقد دللنا عليه في آخر سورة الأنعام.

стр. 478

ومنعها ثعلبة بن حاطب (١) في هذه الآية في سورة التوبة، قال الله ﵎: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) فجاء إلى النبي، ﷺ ، لما بلغه نزول هذه الآية بصدقته فأبى أن يقبلها، ثم جاء

стр. 479

بها إلى أبي بكر وعمر بعده، فلم يقبلاها، وهذا من العدل الذي لا يعقل علته، والعجب للمعتزلة كيف تتلاعب بهم الحماقة ويستفزهم الجهل فيغفلون في باب الوعيد العدل الذي يدعون الفلسفة في معرفته، وهو شعارهم وفى دثارهم، فليت شعري كيف يستقيم لهم فيه أن يكون عادل في تضييع حسنات مائة عام من الفرائض والنوافل، والقرآن مملوء بذكر مجازاتهم عليها بقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فلهم كذا وكذا - من أجل ذنب واحد يموت محتقبه عليه بغير توبة، فيخلد صاحبه مع الكفار - في النار - الذين أسخطوا الله عمرهم ولم يطيعوا طرفة عين. ويستقيم عندهم نفي القضاء والقدر، وخلق الشر والأفعال السيئة والحسنة خشية منهم أن ينثلم به العدل الذي لا يعرفون حقائقه. فإن قيل: فهل للكفار مطمع في العفو إذا ماتوا على كفرهم إذا كان ترك الوعيد عندك كرما لا خلفا،

стр. 480

قيل: قد اتفق الجميع على أن الكافر لا حظ له فيه، والإجماع لا يقابل بالرد، مع أن القرآن قد دل عليه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) . وليس في إنجاز الوعيد لأهله نقيضة على الموعد، وإن كان الكرم في تركه أظهر والكرم والفضل ليس بحق لأحد عند الكريم، فإن تفضل كان أهلا له، وإن عاقب كان عدلا منه، ونحن لا ننكر أن يكون الله بعدله يدخل النار بعض المذنبين من الموحدين بذنوبهم ثم يخرجهم منها بعد استيفاء جزائهم أو قبله، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا يضيع لهم ما عملوا من الصالحات. فإن قيل: فلم يخلد الكافر في النار ولا يقتصر منه على مقدار عمره الذي كان في الدنيا كافرا، ثم ينجيه - كما يُنجي المؤمن - بعد استيفاء جزائه، قيل: قال الله ﵎ من قائل -: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) وليس هذا أول عدل لم نبلغ كيفيته. وقد يجوز أن يخلده - بإضماره كان على الكفر - لو خلد في في دنياه فيجازى بالخلود على إضماره. والمؤمن يخلد في الجنة بطويته كانت على الإيمان لو خلد في دنياه مع ما له من الحظ في وصول الكرامة إليه وتفضل ربه عليه.

стр. 481

وقد دللنا على أن التفضل ابتداء عطية لاحق لأحد قبله فيكون بمنعه عنه ظالما له وبعد، فلو قلت معناهم بعينه قالت عليهم، فقال: وكذلك من وعده على عمل صالح الخلود في الجنة والنجاة من النار، فعمل به أكثر عمره طمعا في وعده الذي لم يشترط عليه فيه حبطا بمعصية في النار الذين أسخطوا الله عمرهم، ولم يطيعوه طرفة عين بكلمة بها لشرطه على المرتد بالشرك إذا خلده في النار بذنب واحد أذنبه بعد العمل الصالح لكان خلفا لوعده، فلنسبة الكرم إليه في الصفح عن الوعيد على ذلك الذنب الواحد أو أخذه به وحده ثم الخلود في الجنة بالكثير من العمل الصالح بعده - أجدر وأليق بربوبيته، وأبعد من الخلف والجور جميعا، وأوجه في العدل والفضل معا. * * * قوله: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) حجة عليهم وعلى الجهمية في ذكر السخرية التي جمع بينهما من نفسه ومنهم. ذكر الاستغفار: * * * قوله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)

стр. 482

دليل على أن منتهى الاستغفار الحاط عظام الذنوب المتوقع بها الغفران سبعين مرة، وهو يؤيد حديث أبي بكر الصديق، رضوان الله عليه -: " ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة " وحديث أنس: " كنا نؤمر - إذا صلينا من الليل - أن نستغفر في السحر سبعين مرة ". وأشباههما من الحديث.

стр. 483

وفيه دليل أن الاستغفار للناس نافعهم ولاحق بهم؛ لأن الذي حال بين أهل هذه الآية وبين استغفار رسول الله، ﷺ ، لهم كفرهم لا غيره. المعتزلة: * * * قوله: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حجة على المعتزلة لنسبة الكراهية هاهنا إليهم، وعند الخمسين من أول السورة إلى نفسه - جل وتعالى - حيث يقول: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) . ونحن لا نقول: إن القضاء والقدر يزيلان سعي الساعين وفعل الفاعلين، وكيف يزيلان أفعالا ينسبها الله إلى فاعليها، ولكننا نقول كما قال الله: إنهم لم يكرهوا حتى كره الله لهم، وسبق به قضاؤه عليهم، ونسكت عن تصحيح هذا عندنا بعقولنا علما منا بعدله وصدقه، وأن الجور والكذب ليسا من نعته. فلما رأيناه جمع بين كراهة فاعل لخير مأمور به وبين كراهته له، وجب علينا الإيمان به كما أنزله، وعلمنا أن القدر سره حجبه عنا معرفة كيفيته وتصرفه في عدله الذي لم يطلعنا على معرفته وانفرد هو ﷻ به،

стр. 484

ذكر الجنائز: * * * وقوله: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) أصل في سنة الصلاة على الموتى، إذ لا يخص الله - جل وتعالى - قوما بترك الصلاة عليهم إلا وهي سنة غيرهم. وفيه دليل - هو أشرف دليل - على أن الإمام إذا حضر جنازة فهو المقدم عليها في الصلاة دون الأولياء، كما تكون في سائر الصلاة، إذ لو كان الأولياء أحق منه - كما يزعم من يقول: إن الصلاة على الميت من الأمور الخاصة، فيتقدم الولي عليه - كان النهي - والله أعلم - واقعا على منع، ولي عبد الله ابن أبي ابن سلول النازل

стр. 485

فيه هذه الآية من الصلاة عليه، لا على النبي، ﷺ ، الذي هو الإمام. وفيه دليل على إباحة الوقوف عند القبور وانتفاع المقبور بوقوف من يقف عنده من الداعين، إذ كل ما منع منه رسول الله، ﷺ ، في هذه الآية عقوبة للمقبور لا محالة. وفيه فضيلة لعمر بن الخطاب، ﵁، لنزول القرآن بتصويب قوله في المشورة على النبي، ﷺ ، بترك الصلاة على المقصود بهذه الآية. ذكر الجهاد: * * * قوله: (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)

стр. 486

دليل على أن الجهاد لا يجب إلا على القادرين على التجهز له بالطول وهو الغنى، وقد بينه الله - جل وتعالى - في الأخرى حيث يقول (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ) . ودليل على أن النساء لا جهاد عليهن وإن أطقنه، لأنه ﷻ - قد ذكر الخوالف مرتين في الآية الأولى، والثانية، ولم يخرجهن إنما أخرج من تشبه في التخلف عنه بمن لا جهاد عليه، ورضي الكينونة معه عما هو مندوب إليه. وفي قوله: (ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) دليل من جهة الإعراب على

стр. 487

أن المذكر يغلب على المؤنث في اللفظ؛ إذ الخوالف كن - لا محالة - مع القاعدين من الضعفاء والمرضي وعادمي النفقة الموضوع عنهم الحرب. المعتزلة: * * * قوله: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) حجة على القدرية والمعتزلة. - ذكر فضائل أصحاب رسول الله، ﷺ : * * * قوله: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) إلى قوله: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) شاهد لكل من حضر مع رسول الله، ﷺ ، غزوة تبوك من أصحابه بالجنة فيكونون مضمومين إلى العشرة المشهود

стр. 488

لهم بها، وكل من شهد غزوة تبوك من أصحاب رسول الله ﷺ فهو معه في الجنة على ما كان فيه بشهادة هذه الآية له وهي حق.

стр. 489

ذكر تمنى العبد المال: * * * قوله: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ) دليل على أن تمني المال ليطاع الله فيه، والحزن على فواته - طاعة، ورد على من يزعم من متنطعي المتصوفة أن عدم المال أربح للمرء من وجوده وإن كان ناويا طاعة الله فيه للمخاطرة دون القيام بها وأداء حق الله فيها. ذكر الاعتذار: * * * قوله: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) حجة في ترك قبول الاعتذار ممن يعرف كذبه بأي وجه عرف منه بعد أن يكون يقينا. فأما من جهل منه الكذب فقبوله اعتذاره واجب، لقول رسوله الله. صل الله عليه وسلم: " من اعتذر إليه فلم يقبل كتب عليه خطيئة صاحب مكس.

стр. 490

يعنى العشار (١) ، ومن تفضل عليه فلم يقبل لم يرد عليَّ الحوض ". (٢) ذكر الطهارة: * * * قوله: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ) نظير ما مضى في رجاسة ونجاسة المشرك أنها رجاسة الأفعال لا رجاسة الذوات. أيضا في الاعتذار: * * * قوله: (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦) دليل على أن من لم يقبل عذره من

стр. 491

الكذابين بغير يمين فحلف قبل منه، لأن الله ﵎ لم يأمر برد اليمين عليهم كما أمر برد الاعتذار، حيث قال: (قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) إنما أخبر - جل وتعالى - عن نفسه بأنه لا يرضي عنهم، وإن رضى عنهم المحلوف له، ويؤيد هذا المعنى حديث رسول الله، ﷺ : " من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرضَ، ومن لم يرضَ بالله فليس من الله ". فالمتعذر إليه ينبغي له أن يقبل يمين المعتذر على الظاهر، ويكل سريرته إلى الله - جل وتعالى - * * * قوله تعالى: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ) (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) حجة في

стр. 492

إبطال أعمال الرياء، وإحباط أجر النفقة إذا لم تحتسب، والحث على استشعار الاحتساب فيها، واتخاذها قربة. قال رسول الله، ﷺ : " إذا دفع أحدكم زكاة ماله فليقل: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما " (١) وقال: " إذا أنفق الرجل على أهله محتسبا كتبت له صدقة " (٢) فكل من عمل عمل خير لم يحتسبه لم ينل ثوابا، لما في هذه الآية من الدليل. ذكر دفع الزكاة إلى الأئمة: * * * قوله: (وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ) دليل على أن دفع الزكاوات إلى الأئمة أفضل من تفرقتها بالأنفس لاستغنام دعوة الإمام له عند أخذها منه، قال الله ﵎ بعد هذا: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)

стр. 493

وكان رسول الله ﷺ إذا أخذ صدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى مرتين. تفضيل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين: * * * قوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) . شاهد لهم بالجنة أيضا، وفيهم العشرة وغيرهم، وقد سعد التابعون

стр. 494

لهم أيضا بهذه الآية كما ترى. أفليست من سب واحدا منهم أو ممن شهد غزوة تبوك في الآية الأخرى أو تنقصه - مغبون الحظ، منحط الدرجة في الإسلام، مضاهي كتاب ربه بالرد، هذا مع ما يلحقه من لعنة رسول الله، ﷺ ، حيث يقول: " لا تسبوا أصحابي، من سبهم فعليه لعنة الله (١) . ذكر زكاة أصناف الأموال: * * * قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) يقال: إنها نزلت في أربعة نفر من الأنصار، جد بن قيس.

стр. 495

وأبي لبابة وخذام، وأوس. وهم الذين قال الله ﵎: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) وكانوا وعدوا أن يجاهدوا ويصدقوا. وإذا كانت الآية نازلة فيهم أحاط العلم أنهم كانوا غير مالكين لجميع أصناف الأموال من الناض والماشية والنبات والأمتعة. فليس لأحد أن يوجب على جميع الأموال الزكاة إلا ما خصت بالإسقاط عنها، بل عليه أن يجعل الأمر بأخذ الصدقات خاصَّا على بعض الأموال دون بعض، وهو موضوع بشرحه في كتاب الزكاة. ومن الدليل على صحة ما قلناه قوله على أثر الكلام: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ)
следующие страницы →