الكذابين بغير يمين فحلف قبل منه، لأن الله ﵎ لم يأمر برد اليمين عليهم كما أمر برد الاعتذار، حيث قال: (قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ)
إنما أخبر - جل وتعالى - عن نفسه بأنه لا يرضي عنهم، وإن رضى عنهم المحلوف له، ويؤيد هذا المعنى حديث رسول الله، ﷺ : " من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرضَ، ومن لم يرضَ بالله فليس من الله ".
فالمتعذر إليه ينبغي له أن يقبل يمين المعتذر على الظاهر، ويكل سريرته إلى الله - جل وتعالى -
* * *
قوله تعالى: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ)
(وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ)
حجة في
стр. 492
إبطال أعمال الرياء، وإحباط أجر النفقة إذا لم تحتسب، والحث على استشعار الاحتساب فيها، واتخاذها قربة.
قال رسول الله، ﷺ : " إذا دفع أحدكم زكاة ماله فليقل: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما " (١)
وقال: " إذا أنفق الرجل على أهله محتسبا كتبت له صدقة " (٢)
فكل من عمل عمل خير لم يحتسبه لم ينل ثوابا، لما في هذه الآية من الدليل.
ذكر دفع الزكاة إلى الأئمة:
* * *
قوله: (وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ)
دليل على أن دفع الزكاوات إلى الأئمة أفضل من تفرقتها بالأنفس لاستغنام دعوة الإمام له عند أخذها منه، قال الله ﵎ بعد هذا: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)
стр. 493
وكان رسول الله ﷺ إذا أخذ صدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى مرتين.
تفضيل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين:
* * *
قوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) .
شاهد لهم بالجنة أيضا، وفيهم العشرة وغيرهم، وقد سعد التابعون
стр. 494
لهم أيضا بهذه الآية كما ترى.
أفليست من سب واحدا منهم أو ممن شهد غزوة تبوك في الآية الأخرى أو تنقصه - مغبون الحظ، منحط الدرجة في الإسلام، مضاهي كتاب ربه بالرد، هذا مع ما يلحقه من لعنة رسول الله، ﷺ ، حيث يقول: " لا تسبوا أصحابي، من سبهم فعليه لعنة الله (١) .
ذكر زكاة أصناف الأموال:
* * *
قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)
يقال: إنها نزلت في أربعة نفر من الأنصار، جد بن قيس.
стр. 495
وأبي لبابة وخذام، وأوس.
وهم الذين قال الله ﵎: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)
وكانوا وعدوا أن يجاهدوا ويصدقوا.
وإذا كانت الآية نازلة فيهم أحاط العلم أنهم كانوا غير مالكين لجميع أصناف الأموال من الناض والماشية والنبات والأمتعة. فليس لأحد أن يوجب على جميع الأموال الزكاة إلا ما خصت بالإسقاط عنها، بل عليه أن يجعل الأمر بأخذ الصدقات خاصَّا على بعض الأموال دون بعض، وهو موضوع بشرحه في كتاب الزكاة.
ومن الدليل على صحة ما قلناه قوله على أثر الكلام: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ)
стр. 496
أي - والله أعلم - التي كانوا وعدوها؛ لأن الياء في " يعلموا " إخبار عن الغائبين.
ذكر صفة الشاهد:
* * *
وقوله: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)
دليل على أن شهادة المؤمنين مقبولة لبعضهم على بعض بالخير والشر، ولا تقبل إلي شهادة من جمع مع الإيمان أمانة وفضلا واتقاء لربه ومروءة، لأن المؤمنين الذين رأوا أعمال هؤلاء مع الله ورسوله كانوا كذلك، لا أن شهادة كل من شمله اسم الإيمان مقبولة، وإن كان بضد ما وصفنا به أصحاب رسول الله، ﷺ ، الذين رأوا أعمال القوم معه، وذلك أنهم شهداء الله في أرضه، ولا يجوز أن يكون بها شهداء إلا المبرئين من العيوب، الطاهرين من أدناس الذنوب، أمناء فيما يقولون وعليه يشهدون، لا يحملهم شنآن قوم على قول القبيح فيهم بغير علم، علماء بما يكون جرحا ظاهرا، لا يتأولون على المرمى بآرائهم، يتوقون أن يجرحوا إلا بالنصوص المتيقنة المؤدية إلى حقائق الجرح دون غيرها، فإن كثيرا من الناس يرى الشيء محرما بتأويل فيه فيدين الله به وغيره يراه محللاً وهو أمين
стр. 497
يقتدي بصالح سلفه وصحابة نبيه، ﷺ ، قد تبين موضع الحجة فيما أداه إلى تحليل ما أدى الشاهد الآخر إلى التحريم.
وإذا لم يجرح الرجل بالنصوص التي يستوي المجروحون بها في الذم، خاطر بدين السامعين بشهادته، وسيما إن كان مرموقا بعيد التوقي، فلعلهم يهجرون المشهود عليه بشهادته، والهجران محرم، أو تكون شهادته عليه بالخير في نحو ذلك، فيغر من يذكر إليه ويستنيم إلى حسن الثناء عليه من أمن عنده، فيودعه أمواله أو يناكحه، ويبايعه، ويشاركه، فيكون فيه هلاكه.
وما استشهدنا به من دليل هذه الآية في شهادة المؤمنين قد روي عن رسول الله، ﷺ ، مثله في رواية سلمة بن الأكوع
стр. 498
قال: كنا مع رسول الله، ﷺ ، في جنازة، فأثنى القوم عليه ثناء حسنا فقال رسول الله ﷺ : " وجبت " فقيل: يا رسول الله، ما وجبت " قال: " الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، فإذا شهدتم وجبت ".
وقرأ رسول الله، ﷺ : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) .
المعتزلة:
وقوله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)
حجة على المعتزلة واضحة إذ قد جمع بين الإضلال والهدى منه ولزوم الحجة للمضلين أو المهدين في آية واحدة متصلة المعاني بعضها ببعض، لا يقدرون أن ينفصلوا منها بدعاويهم الباطلة، فإذا كان المضلون مأخوذين ببيان ما يتقون لهم فأي شيء يلتمسه أوضح من هذا، ولا أحسب قوله: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) الأعلى هذا المعنى، والله أعلم.
стр. 499
وفيه من جهة الفقه أن الله ﷻ قد بين المحرمات وفصلها
من حيث لا التباس فيها، ولا يكون ذلك إلي منصوصا، إذ ما يكون اتقاؤه بالرأي والقياس لا يستوي الجميع فيه وهو غير مشكل لمن تبينه.
* * *
قوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ)
إلى قول: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)
حجة عليهم في عدم الوصول إلى التوبة المدعو إليها الخليقة إلا بمعونة منه ﷻ ونحن لا ننفي الاستطاعة مع الفعل في الخير والشر عن المأمورين المنهيين بكل حال، ولكنا نزعم أن عامل الخير محتاج إلى توفيق لا يتم أمره إلا به، ومجتنب الشر محتاج إلى عصمة تحول بينه وبين ما تنازع إليه نفسه الأمارة بالسوء، فإذا لحقتها رحمة ربها أمدت بالعصمة، فحيل بينها وبين المعصية كما حيل بين يوسف، ﷺ ، وبينها بعدما هم بها، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) .
وكل ذلك من الخير والشر بقضاء سابق، والخلق ميسرون لما خلقوا
стр. 500
له من خير أو شر، وعلم ذلك مخزون عنهم ومنفرد به من خلقهم، فمن زاحمه فيه تقدم إلى الباطل على بصيرة، وقد حرص موسى بن عمران، ﷺ ، على تعرف ذلك، وسأل عيسى بن مريم، ﷺ ، ربه، فمنعا، صلى الله عليهما وسلم، وألح فيه عزير فمحى الله اسمه من النبوة، ومع ذلك
стр. 501
فالخلق غير محتاجين إلى معرفته ولو احتاجوا إليه لما منعوا، والله أعلم.
ذكر النفير:
قوله (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)
стр. 502
حجة في أن النفير والنفقة فرضان على الكفاية، وحجة عند المحصلين في قبول خبر الواحد؛ إذ لم يلزمهم الحذر بنذارتهم إلا وقد لزمهم خبر من أنذرهم، وكل واحد منفرد بنذارة قومه، والحجة بخبره لازم للمخبر عنه.
المرجئة.:
* * *
قوله: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)
стр. 503
حجة على المرجئة فيما ينكرونه من زيادة الإيمان ونقصه، وهذا نص القرآن ينطق بزيادته كما ترى.
ذكر الطهارة:
* * *
قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)
قد بين بلا إشكال أن الرجس لا يكون نجسا بكل حال، إذ السورة لا تزيد أحداً نجاسة، وإنما زاد هؤلاء جحودهم بها كفرا إلى كفرهم، والرجس هو: الكفر، والشرك بفعله نجس، وهكذا اللاعب بالميسر وشارب الخمر وعابد الأنصاب أنجاس بأفعالهم، لا أن الميسر والخمر والأنصاب أنجاس الذوات، ولكنها أفعال نهي عنها فاعليها، فصارت أرجاسا، وقد لخصناه في أول السورة عند قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) .
стр. 504
سورة يونس
ذكر تعليم منازل القمر:
* * *
وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)
دليل على تعرف منازل القمر، وتعلم الحساب وأنه من العلوم النافعة التي قد ندب الناس إلى تعلمها، وليس بمشغلة عن الدين.
* * *
وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ)
(إلى) فيه بمعنى اللام، والله أعلم.
وهو من المواضع التي يحسن فيها، ما لم يتقدمها لفظ النظر كما يزعم المعتزلة والجهمية أن قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)
معنى لربها منتظرة متى يثيبها، وهذا منهم جهل بلسان العرب، وقد
стр. 505
لخصناه في كتاب الرد على الباهلي (١) .
* * *
وقوله: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)
حجة عليهم في التزيين.
ذكر وجوب السنة:
وقوله!! : (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)
دليل على أن سنن رسول الله، ﷺ ، كلها مسنونة بوحي، وهي إذا صحت برواية الثقات، لزمت لزومه.
وفيه رد للقياس، إذ كان رسول الله، ﷺ ، مع جودة خاطره وفضله فيه على جميع أمته، لا يخترع من تلقاء نفسه حكما ولا تحدى فيه على حكم إلا ما يوحى إليه، فمن بعده أحق أن لا يكون لهم إلا ما نص عليه لهم، غير متخذين اختراعهم وتشبيهاتهم - التي لا يأمنون فيها من الخطأ والزلل - دينا بين عباد الله، تحكم لهم
стр. 506
وعليهم حكم النصوص التي مما لا ارتياب فيها أنها الحق.
رد على المعتزلة:
* * *
قوله: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)
حجة على المعتزلة والقدرية لذكر الكلمة السابقة التي ما يؤمنون بها ألبتة، وهي - والله أعلم - في اختلافهم أنهم يختلفون.
قوله: (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا)
حجة على المعتزلة والجهمية في ذكر المكر.
* * *
قوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)
حجة عليهم شديدة
стр. 507
فيما يزعمون أن كل فاعل منفرد بفعله من غير أن يكون معانا عليه، وقد أخبر الله نصا - كما ترى - أن من يسير في البر والبحر هو يسيره.
وفيه حجة في خلق الأفعال، لأن السير فعل متصرف في الخير والشر
لا محالة، والله يسير كل سائر كما ترى.
فإن قيل: فقد قرئ: " هو الذي ينشركم " بالنون والشين (١) ؟
قيل: قرأه أبوجعفر يزيد بن القعقاع وحده دون سائر القراء، وليس بخارج عما أردناه، لوقوع الفعل عليهم بالنشر والتسيير.
قوله (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا)
فأنث الصفة ثم قال: (جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ)
ولم يقل: عاصفة، فيشبه - والله أعلم - أن يكون رده على لفظها.
وفيه حجة لمن يفعل ذلك.
стр. 508
ذكر الخصوص والعموم:
* * *
قوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)
حجة على المعتزلة والقدرية شديدة؛ لأن الدعوة عامة والهداية خاصة.
* * *
قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)
حجة على الجهمية، إذ هم يقولون بأخبار الآحاد ويثبتونها. ومشهور عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: " الزيادة النظر إلى وجه الله، تبارك الله وتعالى ".
* * *
قوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
стр. 509
حجة على المعتزلة والقدرية واضحة. فكيف يقدر على الإيمان من هذه سبيله لو تدبروه،.
ذكر الظن:
* * *
وقوله: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)
دليل على أن الظن لا يجوز استعماله في حال من الأحوال، إذ ما لا يغني من الحق شيئا ليس بحق، وضد الحق الباطل.
وقد يجوز أن يكون قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)
مصروفا بعضه الذي هو إثم إلى السيىء من الظنون، وسائره إلى الحسن منه، إذ كان من الظنون ما هو حسن وما هو سيئ، وقد جمعهما اسم واحد، ومع ذلك، فهو من الأضداد، إذ يكون بمعنى الشك وبمعنى العلم، والله أعلم بما أراد بالبعض الآخر، وقال رسول الله، ﷺ ، جملة: " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث "
كما ذكره الله جملة ههنا
стр. 510
في سورة يونس.
* * *
قوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ)
نظير ما قبل هذا أن الميت بعد المساءلة لا يعلم شيئا ولا يشعر بطول المكث في القبر.
قوله: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)
حجة على المعتزلة والقدرية في أمره رسوله، ﷺ ، بالتبرؤ من الضر والنفع إلا بمشيئته، وقد شرحته في سورة الأعراف.
قوله (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ)
عرف بالألف واللام - والله أعلم - لقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)
стр. 511
، وكأن موسى لما ألقوا قال لهم: هذا الذي جئتم به أنتم هو السحر الذي نسبتموه إلى الحق، والحق لا يكون سحرا.
وفي حرف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب " سحر " بغير تعريف
إلا أن أحدهما قرأ: " ما آتيتم به " والآخر " ما جئتم به ".
وأحسب مجاهدا وأبا عمرو وأبا جعفر قرأوه على الاستفهام، استثقلوا تعريفه مع الاتصال فاستراحوا إلى الاستفهام اتباعا للخط.
стр. 512
وما قلناه معنى حسن لمن تدبره، والدليل عليه قوله: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) .
أفلا تراه أخبرهم أن الحق الذي جاء به فنسبوه إلى السحر يحققه الله، والسحر يحصل في أيديهم، والله أعلم بما أراد من ذلك.
ذكر الذرية:
* * *
قوله: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ)
حجة في تسمية أشياء المختلفة باسم واحد؛ إذ اسم الذرية التي تعرفه العامة واقع على الصبيان والنساء دون الرجال البالغين قال رسول الله، ﷺ ، لرجل في بعض غزواته: " الحق خالد بن الوليد فقل له: لا تقتلن ذرية ولا عسيفاً.
والذرية تجمع الرجال والنساء البالغة والصغار، قالت الله - تبارك
стр. 513
وتعالى -: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)
وقال (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) .
وقال (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ) .
وهي في هذا الموضع القليل كأنه - والله أعلم -: " فما آمن لموسى إلا قليل من قومه " كذلك حكي عن ابن عباس.
ذكر الإيمان والإسلام:
* * *
قوله: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)
حجة لمن يقول: الإيمان والإسلام وإن فرق بهما اسم فجماعهما واحد.
وفيه دليل على أن التوكل من الإيمان، وهو رد على المرجئة.
стр. 514
ذكر صلاة الخائف:
* * *
قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)
حجة في تخلف الخائف عن الجمعة؛ لأن موسى وأخاه وقومهما - لا محالة - كان فرضهم أن يصلوا في مسجد بيوت المقدس، ولم يكن جعلت لهم الأرض كلها مسجدا وطهورا؛ إذ هذا من الخصال التي خص بها محمد، ﷺ ، وفضل بها على سائر الأنبياء، فأمرهما الله أن يصليا وقومهما في بيوتهم حيث خافوا فرعون وملأه أن يفتنوهم فلا نعلم صلاة حضورها فرض علينا إلا الجمعة، فإذا خشينا خوف وسعنا أن نصلي الظهر في بيوتنا ولا نحضر الجمعة.
حجة الشافعي في أن العرب تبتدئ بالشيء من كلامها يبين آخر لفظها
стр. 515
قوله (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)
حجة للشافعي ﵁ فيما قال: إن العرب تبتدئ بالشيء من كلامها يبين آخر لفظها فيه عن أوله؛ إذ ابتداء القول في الدعاء إخبار عن موسى وحده دون أخيه، وآخره يدل على أن الدعاء كان منهما جميعا فيما يقول: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) .
وفي دعوتهما حجة على المعتزلة والقدرية، ألا ترى أنهما دعوا عليهم
بما يحول بينهم وبين الإيمان من الشد على قلوبهم، فأجيبا، فلو كان ما دعوا به محالا كما يزعمون لم يدعوا، ولو دعوا ما أجيبا.
ذكر العلم:
* * *
قوله: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) .
стр. 516
حجة لمن قال: من العلم ما يكون وبالاً
ألا ترى أن الله ﵎ ذم هذا الاختلاف منهم، وقال (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) ة) .
ويؤيده حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله، ﷺ : " إن من العلم لجهلا.
قبول خبر الواحد:
وقول: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)
من أكبر الدليل وأوضحه على قبول خبر الواحد، لأنه ﷻ لم يأمر رسوله، ﷺ ، بمسألة من أمر إلا وإذا أخبروه لزمته الحجة بقولهم، وكل واحد ممن يخبره منفرد لخبره، وإن صدقه غيره والحجة لازمة بقوله.
* * *
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)
стр. 517
حجة على المعتزلة والقدرية واضحة.
المعتزلة:
* * *
قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)
حجة على المعتزلة.
ولقد بلغني عن بعض سفهائهم أنه قال: معناه: ولو شاء ربك لألجأ
من في الأرض كلهم إلى الإيمان واضطرهم ولكنه تركهم مختارين. وهذا لو لم يكن خلافا للتلاوة وتركا لألفاظها، لكان في التأويل خطأ من غير إشكال.
وكيف يكون كذلك وهو يقول: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)
إذ الإذن هو الإطلاق، وقد دللنا على فساد قولهم في جعلهم الإذن علما في سورة البقرة وغيرها فأغنى ذلك عن إعادته.
* * *
قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)
فيه - والله أعلم - إضمار، كأنه قيل لي: أقم
стр. 518
وجهك، وهو نظير ما مضى في سورة الأنعام: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) .
стр. 519
سورة هود
* * *
قوله: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)
دليل على استنزال الرزق والعيش الطيب بالاستغفار والتوبة.
ومثله إخبارا عن نوح، ﷺ : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) .
فلو أن رجلا ممن لا يولد له اشتهى أن يكون له ولد فاستغفر محتسبا مستعطفا به أولادا لولد له، وإن كان ميناثا (١) فأحب الذكور من الأولاد لم يعدمهم، فإن الله صادق في قوله لا يخلف ميعاده.
ذكر الزنادقة:
* * *
قوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)
стр. 520
، وكذلك في سورة يونس: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) ، وقوله في سورة بني إسرائيل: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)
وكذلك قوله في سورة البقرة: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)
حجة على الزنادقة والمعطلين؛ إذ عجز جميعهم عن إيراده، وقدرتهم على الأشعار والخطب ودقة الكلام في الحكمة والفلسفة والأسجاع العويصة - شاهد بصحته ودليل على منزله أنه حق واحد منفرد بما لا يشارك فيه.
المعتزلة:
وقوله: إخبارا عن نوح ﵇: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)
حجة على المعتزلة والقدرية، خانقة لهم جدا لا يجدون عنها محيصا ولا عن
стр. 521
غيرها، وكيف يضربون عن هذه الآية وأخواتها ويفزعون إلى قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) ،.
وقد دللنا في سورة الأنعام على أنهم وضعوها غير موضعها بما يغني عن إعادته في هذا الموضع.
* * *
قوله: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)
حجة عليهم، فلولا أن القضاء سابق في سعادة المبادرين إلى الإيمان من قومه وبالشقاوة لمن تخلف عنه، ما كان لذلك معنى، ولكنه لما تكامل إيمان من قسم له أوحى إليه أنه لن يؤمن غيرهم.
* * *
قوله: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)
حجة عليهم.
* * *
وقوله: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ)
حجة عليهم وعلى الجهمية في أن الاستواء الاستقرار.
стр. 522
معنى القوم:
قوله إخبارا عن هود، ﷺ : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا) .
* * *
وقوله: (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)
وما قال: (ومن قوم موسى)
وكل ما في القرآن من ذكر القوم دليل على أن القوم وإن انفرد به الرجال في حال فهو يجمع الرجال والنساء في أكثر الأحوال، لإحاطة العلم بأن ذكر القوم في هذه الأمكنة قد جمع الرجال والنساء، وأن كل أمة سميت بالقوم وبعث إليها نبي، فهو مبعوث إلى الرجال والنساء.
فأما الموضع الذي يكون القوم فيه رجالا دون النساء فقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) .
قال زهير:
وما أدري ولست إخال أدري
أقوم آل حصن أم نساء
стр. 523
قوله تعالى: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)
حجة على المعتزلة في إيفائه إياهم نصيبهم من عبادة الأوثان، والله أعلم.
وكذلك قوله: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ)
وهذه واضحة قاطعة كل ارتياب لهم لو تدبروها، فقد جمعت أيضا الأعمال منه لكل، وقد دخل فيه الكافر والمؤمن والعامل بالخير والشر.
الصلوات الخمس:
* * *
وقوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)
دليل على أن الصلوات الخمس تمحو الخطايا كما قال رسول الله، ﷺ : " مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، فماذا عسى يبقى من درنه؟.
стр. 524
و (طرفي النهار) : الفجر والعصر، (وزلفا من الليل) : المغرب والعشاء.
وقال في موضع آخر: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)
فهي: الظهر (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)
فقد دخل فيه العصر والمغرب والعشاء ثم قال ((وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) .
فهذا ذكر الصلوات الخمس في القرآن.
وقد ذكر الفجر وعشاء الآخرة بلفظهما في سورة النور فقال:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) .
وقال في سورة البقرة: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)
стр. 525
وروي عن النبي، ﷺ ، أنها: العصر؛ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.
المعتزلة:
* * *
قوله: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) .
حجة عليهم واضحة.
قوله (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ) .
قالوا: في هذه السورة.
стр. 526
وقال الحسن: في الدنيا وهو أشبه - والله أعلم - لأن الحق جاءه في السور كلها.
стр. 527
سورة يوسف
ذكر تسمية الجد أبا:
قوله تعالى إخبارا عن يعقوب: (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ)
حجة في تسمية الجد أبا، لأن إسحاق جد يوسف وإبراهيم جد أبيه.
ذكر الشراة:
قوله إخبارا عن إخوة يوسف: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)
مع كل ما ذكرهم به من الغدر بأخيهم وإلقائه في الجب، وكذبهم بعد رجوعهم إلى أبيهم رد على الشراة، فيما يزعمون أن الذنوب كفر، إذ ليس يقدرون أن يكفروهم وهم أنبياء، وقد فعلوا تلك الأفاعيل كلها، ثم أخبر عنهم في آخر
стр. 528
السورة بعد ندامتهم: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)
ولم يقولوا كفرنا، ولا رد الله عليهم ولا أبوهم قولهم.
* * *
وقوله: (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)
وهم رجال وقول النابغة.
.............................. وما أحاشي من الأقوام من أحد
إلا سليمان..............،
стр. 529
ذكر ما روي أن البلاء موكل بالمنطق إخباراً عن يعقوب:
قال: (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)
يؤكد أن البلاء موكل بالمنطق، لأنهم لم يعتلوا على أبيهم إلا بالشيء نفسه الذي سمعوه ينطق به لا غيره.
ذكر البكاء:
وقوله: " (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)
دليل على أن البكاء يكون من الفرح، ويكون كذبا وصدقا؛ إذ بكاؤهم لا يخلو من أن يجمع المعنيين، أو أحدهما.
стр. 530
ذكر البيوع:
* * *
قوله تعالى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ)
دليل على أن الشراء قد يكون بمعنى البيع، إذ " شروه " لا محالة باعوه.
وفيه حجة أن بيع الأحرار ظلم، وما أخذ من أثمانهم حرام؛ لأن الثمن البخس هو الحرام المأخوذ بظلم، قال الله ﵎: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) . ثم قال: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ)
أي أخذه بالثمن.
تسمية المخلوق بالرب:
* * *
قوله: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)
حجة في أن