← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ونحن لا نخالفهم في هذا الموضع أنها ليست برؤية العين، غير أن الجمع بين هذه وبين حديث رسول الله ﷺ جهل غالب، وغلط فاحش من وجوه: فمنها: أن هذه الأشياء كلها مذكورة في الدنيا، والرؤية في حديث رسول الله ﷺ في الآخرة. ومنها: أن هذه الأشياء لا تتصرف (ترى) فيها، لأنها على معاني المجاز والاستعارة في كلام العرب، كما يقولون في إرادة الحائط قال اللَّه ﵎: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَن يَنقَضَّ) ، ولا إرادة له

стр. 562

كإرادة الإنسان التي تتصرف، لا يقال: ألم تر إلى صنيع زيد بعمرو رؤية، كما يقال في رؤية العين: رأيت الملك على سريره رؤية. ورأيت القمر أراه رؤية، ولا يقال: رأيت الله محسنًا إليَّ رؤية، ورأيته حكم في كتابه بكذا، ورأيته يأمر بقطع السارق، وجلد الزاني رؤية. قال زهير: ألم تر أن الله أهلك تبعًا وأهلك لقمان بن عاد وعاديًا فلم يجز لأحد أن يصرف هذا من قول زهير، وكان له أن يصرف قوله: نظرت إليه نظرة فرأيته على كل حال مرة هو حامله. أي نظرت إلى الفرس فرأيته يحمل الغلام على السهل، ومرة على الجبل. لأنه من رؤية العين. ومنها: أن قوله - صلى الله عليه وسم -: " كما تَرون القمر " قد

стр. 563

قطع كل لُبسة أن الرؤية هي رؤية العين لا علم القلب، إذ محال أن يقول بصير: رأيت القمر وهو لايراه بعينه. ولقد بلغني عن سفيه من سفهائهم أنه قال: معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ترون ربكم كما ترون القمر لا تُضَامُون في رؤيته) . أي تعرفون ربكم يوم القيامة اضطرارًا لا شك فيها كما أن معرفتكم للقمر في الدنيا اضطرار لا شك فيه. فتأويله: أترى الأنبياء وأصحابهم والمؤمنون كلهم لم يعرفوا الله في الدنيا معرفة يقين لا شك فيها حتى يوافوا يوم القيامة فتزول شكوكهم في معرفته حينئذ، أو ترى رسول الله ﷺ حيث قال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أمر بها لا وصول له إليه، أو رسول الله ﷺ كان شاكّا في علمه. أوليس يقول ﵎: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) ، ولم يزل ينفي الربوبية عن كل آفل

стр. 564

من الكوكب والقمر والشمس حتى قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) ، فأداه ربه إلى اليقين الذي قال له: (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) . أو ترى أنه ﷻ حيث مدح المؤمنين بأنهم يؤمنون بالغيب مدحهم وهم شاكون في إيمانهم بأن الله ربهم، أو حيث قال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) لم يصدقوه فيما قال قبل ورودهم القيامة، فماذا يقال لقوم يحملهم الحرص على تصحيح مقالتهم، والاحتجاج لباطلهم على مثل هذه الأمور الغلاظ الهائلة، بلِ المؤمنون والأنبياء والصالحون قبلهم كانوا كلهم موقنون بحقيقة ربوبية الله، وبكل ما دعاهم إليه من الحشر والنشر والقيامة قال الله ﵎: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ) بل أكثر الكافرين أيضا يعلمون أن الله خالق

стр. 565

الأشياء فضلا عن المؤمنين، قال الله ﵎: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) . وإذا كان كلما وصفناه كذلك بينا واضحًا فرؤية ربنا يوم القيامة هو لا محالة رؤية عين كما أن نظرنا إلى القمر في الدنيا رؤية عين، والاحتجاج على نفيه وإنكاره ب (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) ، وأشباهه لا وجه له.

стр. 566

ذكر سعة لسان العرب. قوله إخبارًا عن إبراهيم: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) حجة لمن يقرأ في سورة الأنعام: (وَاَللَّهِ رَبِّنَا) بالنصب، لأن كل هذا من دعاء إبراهيم - صلى الله عليه - وكان في دعائه مخاطبًا ثم رجع إلى لفظ الخبر فقال: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) ، ولم يقل: وما يخفى عليك من شيء، فسواء رجع من لفظ المخاطبة إلى لفظ الخبر، ومن لفظ الخبر إلى لفظ المخاطبة إذ كل ذلك تحتمله سعة اللسان. فليس لاختيار الخفض في (رَبِّنَا) من أجل أن (وَاَللَّهِ) خبر وجه مع سعة اللسان تجيز كلاً ويسهل فيه.

стр. 567

سورة الحجر ذكر المعتزلة. * * * قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) حجة على المعتزلة في الوعيد، إذ لو كانت ذنوب المسلمين تخلدهم مع الكفار في النار ما ودوا إسلامهم، ولا تحسروا ما رأوا من انتقال حالهم. ولو كان لا يسعد بالجنة إلا صالحوا المسلمين والأنقياء من الذنوب لكان - والله أعلم -: ربما يود الذين كفروا لو كانوا صالحين. أفلا يدلهم إعمال فكرهم في هذه الآية لو أعملوه على أنهم لا محالة مخلطوا المسلمين، ومن مات منهم بغير توبة، فأدخلوا النار بذنوبهم حتى إذا استوفوا عقوباتهم، أو ما أحب الله منها أخرجهم مِنَ النار وأدخلهم الجنة فتحسر أهل الخلود من الكافرين على ما به خرجوا وودوا حينئذ لو كانوا من أهله.

стр. 568

باب. * * * قوله: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) حجة عليهم في ذكر الكتاب الذي لا يؤمنون به بتة. فإن قالوا: الكتاب هو العدد لا ما جرى به القلم. واحتجوا بقوله ﵎ في المعتدة: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) ، وزعموا أن هذا هو العدد. قيل لهم: وهذا أيضا عندنا له مما جرى به القلم، لكنا نسامحكم في هذا الموضع فنقول: لا تعدون الكتاب إلا عددًا. أو ليس هو عدد أجلٍ مضروب للمهلكين قبل أعمالهم التي إذا عملوها مستوفاة على أنفسهم

стр. 569

انصرم مدة الأجل المضروب لهم فيها، فاستوجبوا الهلاك حينئذ، ولم يستوجبوا قبله بأول عمل عملوه. فإن قالوا: ليس بأجل مضروب لهم قبل العمل، ولكنها عدد أعمال إذا عملوها استوجبوا الإهلاك، أحالوا معنى الآية ونقضوا قولهم في باب الوعيد إذ من قولهم: إن الخلود واجب في النار على من مات بغير توبة من ذنب واحد، كما يستوجب بِعِداد ذنوب، وقد أخبر الله نصا كما ترى أنه لم يهلك قرية قط إلا بأجل معلوم، فالأجل إذًا على زعمهم مجهول غير معلوم وفي تسميته الأجل بالمعلوم أكبر الدليل على أنه قبل العمل لو تميزوه. إذ من قولهم: إن أعمال العباد غير مخلوقة، وهي مبتدعة باختيار عامليها إن شاءوا عملوهها، وإن شاءوا تركوها. فهل يجوز أن يكون لمن هذه سبيله أجل معلوم في الهلاك، والهلاك عقوبة ذنب عامله مستطيع لتركه. هذا ما لا يذهب على أفهام الفهماء إذا نظروا فيه بحسن روية، ونفاذ بصيرة.

стр. 570

ذكر التأكيد فى كلام العرب. * * * قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) دليل على أن في كلام العرب تأكيدًا، بل جمع بين تأكيدين، لأن لأن (كُلُّهُمْ) تأكيد، و (أَجْمَعُونَ) تأكيد آخر) . فإن قيل: فما معنى قوله: (إِلَا إبليس) وإبليس من الجن لا من الملائكة بقوله في سورة الكهف: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) قيل: هو - واللَّه أعلم - مستثنى من الساجدين، لأنهم وإن كانوا ملائكة وإبليس جنيّا فكان في جملة المأمورين بالسجود لكينونته كان معهم حينئذ، والقرآن مختصر بليغ نازل بلغة العرب الذين يشيرون إلى المعاني تارة، ويؤكدون تارة، في لسانها من السعة ما فيه. وفي قوله: (يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) ، حجة فيما ذكرنا في سورة الأنعام عند انتهائنا إلى قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) من أن في القرآن أشياء لا يجوز

стр. 571

استعمال ظاهرها بتة إذا كان له معارض يدفعه، ولا يمكن توجيه ما عورض إلا باطراح ما عارضه، وبه يمكن استعمال المعارض بتوجيهها معًا، ألا ترى أن الله ﷻ يستخبر إبليس عما هو أعلم به منه. أفيجوز لموحد أن يقول: إن الله ﵎ لم يعلم السبب الذي منع إبليس من السجود لآدم حتى أخبره. لا لعمر الله، لا يجوز ذلك بل تعالى ذو الجلال عن هذه الأشياء. وكيف لا يعلمه وهو خالقه، وخالق طويته وإضماره، ولكنه على ما تعرفه العرب من كلامها، وتستعمله في محاوراتها فتسأل عن الشيء تعرفه أو لتؤكد الحجة على المسؤول، ومثل هذا كثير في القرآن، قال الله ﵎ لموسى ﷺ : (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) وهو يعلمها ويراها.

стр. 572

ذكر المعتزلة. وقوله تعالى إخبارَا عن إبليس: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) حجة على المعتزلة والقدرية في إزالة سلطان إبليس عن عباده إلا من غوى منهم، والغي مكتوب عليه بما قدمنا ذكره من الآيات في السور قبل هذا.

стр. 573

سورة النحل وما دخل فيه من النهي عن التكبر: * * * قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) خصوص لا محالة لخلو آدم منها، وعيسى ﵉ منها. وفيه حث على استشعار التذلل والتواضع، إذ مَن كان خلقه من نطفة ضعيفة فإعداده نفسه في عداد الخصماء جهل به، وإغفال لمراعاة ما خلق منه. وفيه دليل على أن التكبر متولد في الإنسان من قلة معرفته بنفسه. وفكره فيما خلق منه. وقد مضى في (المبين) الذي هو من أسامي الله، وقد سَمَّى به المخلوق ما يغني عن إعادته في هذا الموضع. * * * قوله: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) حجة في إباحة لبس المرعزي، وكل ما يتخذ من الأوبار

стр. 574

والأشعار. وقد لخصته في سورة الأنعام. * * * قوله: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) دليل عالى أن طلب الجمال والزينة إذا عري صاحبها من الفخر والخيلاء. وأراد بهما إظهار نعمة الله عليه ليس بمؤثر في نُسك الناسك، وليس من الدنيا المذمومة. ألا ترى أنه ﷻ جعل ذلك في عداد النعمة على خلقه. * * * قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) دليل على أن الكلأ مباح كماء السماء، لأن الشجر - واللَّه أعلم - هو الكلأ قرنه في الآية بالماء، وأخبر أنا نسيم فيه - أي نَرعى -.

стр. 575

وهو موضوع نشرحه في كتاب التجارات من شرح النصوص. السَّمَك. * * * وقوله: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) دليل على أشياء: فمنها: إباحة أكل السمك ما طفا منه، وما انحسر عنه، إذ ممكن أن يكون طفوه من فور خروج نفسه، والانحسار عنه كذلك، فلا يزول اسم الطري عنه.

стр. 576

وأخرى: أن ما يحدث عليه من التغيير بعد الطراة فغير مؤثر في تحليله إذا الطراءة متقدمة على التغيير، وإذا صار بها حلا لم يضره حدوث التغيير عليه. ذكر الحلى وركوب البحر. ومنها: أن لبس حلية البحر مباح للرجال والنساء. ومنها: أن الغوص في استخراجه مباح، ولا يكون تعرضًا للهلكة. ومخاطرة بالروح، وذلك لمن يحسن العوم.

стр. 577

ومنها: أن ركوب البحر للتجارة مباح، وتؤيده الآية الأخرى: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) ، إذ محال أن يجعله في جملة النعم، ويضم ذكره في المباحات، ويذكر ابتغاء فضله جملة فيه ثم يحظر ركوبه في حال دون حال. وليس في حديث ليث بن أبي سُلَيم عن نافع عن ابن عمر: " لا يركب البحر إلا حاج أو غازي أو معتمر " من القوة ما يعارض

стр. 578

به القرآن، أو يخص به، لضعف ليث في نفسه، وسوء حفظه. الفتوى: * * * وقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) دليل على أن من أفتى بغير علمٍ فَعُمل بفتواه كان إثم العامل عليه. تأكيد. * * * قوله: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) دليل على إجازة التأكيد في الكلام، إذا السقف لا يخر إلا من فوق الإنسان، وقد أكده الله كما ترى.

стр. 579

فضيلة المؤمن وما يأتيه من البشارة عند موته. (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) دليل على أن الملائكة تسلم على المؤمن عند قبض روحه، وتبشره بما له عند ربه من الثواب. والملائكة: مَلَك الموت وأعوانه - صلى الله عليهم -. ومثل هذا قوله: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) ، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)

стр. 580

وِقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) نظير ما مضى في سورة الأنعام من قوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) . والجواب فيهما واحد لا متعلق للمعتزلة والقدرية فيهما، للحجج التي ذكرناها هناك، وما أعقب جل ثناؤه تلك وهذه، ألا ترأه يقول على إثرها: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ)

стр. 581

ثم قال: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) . فكيف ينكر عليهم قول شيء قد أخبر عن نفسه من هداهم وإضلالهم إلا على ما ذكرنا من أنه لم يجعل لهم الاحتجاج بما خزن علمه عنهم. وتفرد به ﷻ وجعله سِرا من سره. فمغالطتهم لنا بما لا يذهب دقيقته علينا غير نافعة لهم، ولا منجيتهم من إلزاماتنا الكثيرة إياهم بحمد الله ونعمته. * * * وقوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) دليل على أن ما قال سفيه المعتزلة في تأويل: " ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر " غلط لا ارتياب فيه إذ حضور القيامة ومعاينة أحوالهما مُذِهب شكوك الكفرة، ومن كان لايؤمن بها، ويكذب على ربه في الدنيا، ويشك في ربوبيته، وإن المؤمنين غير شاكين في الدنيا

стр. 582

والآخرة. وفي قوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) دليل على أن الله ﷻ مبين لمن خبره جمع الإضلال والعذاب، والأمر والمنع على نفس واحدة موضع عدله عليه، وإزالة جوره عنه ليعلم أنه كما قال لا محالة: (لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) . في أن السجود لله براءة من الكبر. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)

стр. 583

دليل على أن من سجد لله فقد بَرِئ من الكبر، ووطن نفسه على الذل، ولم ينازع ربه في كبريائه وعظمته، ويؤيده ما قال قبل هذه الاَية: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) . فكيف يجد التكبر مساغا فيمن صغره السجود، وذله لربه جل وتعالى. ولا أحسب قول النبي ﷺ إخبارا عن ربه: " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري " إلا مصروفا إلى من يتكبر عن السجود لربه، ويمتنع من الإقرار بوحدانيته، قال الله تبارك وتعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)

стр. 584

فدل على أن المستكبرين ليسوا من الذين آمنوا، وذللوا أنفسهم بالسجود للَّه ﵎. وقال رسول الله ﷺ : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خردل من كبر ". فدل على أنه

стр. 585

الكافر الذي لم يخلط بكبره إيمانًا يحمله على السجود فيبرئه منه. وأرجو أن لا يكون المترفع من المؤمنين على غيره المختال في مشيته. وإن كان ذلك معدودًا منه في الذنوب العظام متكبرًا منازعًا ربه في كبريائه، لأن الخيلاء وإن كان ضربًا من الكبرياء فهو معدود في عداد الذنوب، والكبرياء الذي يكون كفرا هو الامتناع من السجود والاستنكاف منه كالنفاق الذي يكون في الإيمان كفرا، وفي الأعمال ذنبَا. قال الله ﵎: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)

стр. 586

وقال: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) إلى: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) وقال رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: مَن إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان "، فهذه أخلاق المنافقين ولكنها ليست نفاق كفر، وهي

стр. 587

ذنوب عظام كبار لا يستوجب صاحبها بها الخلود في النار مع الكفار. وكذا الاستكبار إذا استكبر عن السجود كان كافرًا، وإذا ترفع على غيره، واختال في مشيته، وجرَّ ثوبه بطرًا كان ذنبًا عظيمًا ولم يكن كفرَا للحجج التي قدمناها في ابتداء الآية، ولغيرها قال الله ﵎: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وروي أن بعض فراعنة قال للنبي ﷺ -

стр. 588

" لا أسجد فتعلوني استي. استكبارًا عن السجود. لأنه غاية التذلل والاستكانة. وإذا سجد العبدُ لله بَرِئ من كِبر الكفر كله. وكذا إبليس حين امتنع أن يسجد لآدم بأمر الله كان ذلك منه تكبرًا قال الله ﵎: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)

стр. 589

وقال: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) فإن قيل: فما معنى قول النبي ﷺ : " الكِبر مَن سَفِه الحق، وغمص الناس ". قيل: معناه - والله أعلم - من سَفِه الحق الذي جاءت به الرسل من

стр. 590

عند الله ونفر عنه، قال الله ﵎: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ) . ومعنى " غمص الناس ": استحقرهم - والله أعلم -وتقزز من مجالستهم لفقرهم وغناه كما استحقر صناديد المشركين من عاتب الله رسوله ﷺ عليهم فيهم، وأنفوا من مجالستهم حين تركهم رسول الله ﷺ ، وأقبل على الصناديد

стр. 591

طمعا في إسلامهم فقال ﵎: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) . فهذا كله راجع - والله أعلم - إلى ما كان عليه الكفار. فأما من دخل في الإسلام، وأخذ بشرائعه، وصلى وصام وصار من أهل القبلة، فعليه أن يأخذ بأخلاق أهل الإسلام، ويخفض جناحه للمؤمنين، ويكون رحيما بالضعفاء، محبا للمساكين يقربهم ويدنيهم، ولا يبطر نعمة الله، ويمشي على الأرض هَونًا بخشوع واستكانة. فإن تمسك بالإسلام، وخالف أخلاق أهله فترفع على الناس لأمره

стр. 592

ونهيه، ونخوة سلطانه وما أشبه هذا، ومشى المطيطاء، فكل ذلك منه ذنوب عظام كبار. ألا ترى أن الله ﵎ حيث بدأ العشر من سورة بني إسرائيل قال: ولا تقتلوا أولادكم، ولاتقربوا الزنا، (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) . فجعله في عداد الذنوب والمعاصي لا في عداد الكفر، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " براءة من الكبر لباس الصوف، واعتقال الشاة، ومجالسة الفقراء المؤمنين، وأكل أحدكم مع عياله ".

стр. 593

رد على المعتزلة. * * * قوله: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) دليل على أن الله ﷻ بذاته في السماء على العرش. وليس في الأرض إلا علمه المحيط بكل شيء.

стр. 594

وهذا والله من المصائب العظيمة أن يضطرنا جهل المعتزلة والجهمية. وسخافة عقولهم إلى تثبيت هذا عليهم، وهو شيء لا يخفى على نوبية سوداء. روى الشريد بن سويد قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة، وعندنا جارية نوبية. قال: " ادع بها ". فدعوت بها. فقال لها: " أين الله، " قالت: في السماء. قال: " من أنا، " قالت: أنت رسول الله.

стр. 595

قال: " اعتقها فإنها مؤمنة ".

стр. 596

وهؤلاء الجهلة الأعداء لله يزعمون أنه في الأرض بنفسه كما هو في السماء، وفي كل موضع من البر والبحر والهواء، وينكرون أنه على العرش سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرَا. وكيف يكون كما يقولون - لعنهم الله - وهو يقول: (يَخَافُونَ رًبَهُم من فَوقِهِم) ، ويقول: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) ، ويقول: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) ، ويقول: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) ، وقال:

стр. 597

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، وقال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) ، وما يضاهي هذا من الآيات المنبئة عن الله - جل وعلا - أنه في السماء، وعلمه بكل مكان لا يخلو من علمه مكان. ثم اجتماع أهل الصلاة، والسائر على أَلسِنة الخاصة والعامة من أن رسول الله ﷺ ، أُسري به إلى السماء، ودليل القرآن عليه قال الله ﵎: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) . أي في السماء - والله أعلم. وتحقق قوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) فلم عُرج به إلى السماء إذًا - ويحهم - وهو في الأرض معهم،. واحتجاجهم بقوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ)

стр. 598

فإنما هو علمه الذي لا يغيب عنه شيء. ومعناه: أنه لا يخفى عليه نجواهم كما قال (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) ، وَقَوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ) ، و (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) لا متعلق لهم فيه لأنه إله من في السماء من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق يعلم سر الجميع وجهرهم سبحانه وبحمده. ذكر الرد على الجهمية في خلق القرآن * * * قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)

стр. 599

حجة على الجهمية والمعتزلة في خلق القرآن، وإعدادهم الجعل بمعنى الخلق في كل موضع. فيقال لهم: أخلقوا البنات ولهم البنين في هذه الآية. فإن قالوا: نعم، كفروا بربهم حيث جعلوا معه خالقًا سواه. وإن قالوا: ليس الجعل بمعنى الخلق، رجعوا عن قولهم في الجعل، وبطلت في الاحتجاج به على خلق القرآن.

стр. 600

ذكر قسمة الله فى الإناث. * * * قوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ) عِظة لمن يتسخط قِسمة الله له في الإناث، ولا يسلم لحكمه عليه. ولا تطيب نفسه به. استعارة الشىء. * * * قوله: (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)
следующие страницы →