← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وهؤلاء الجهلة الأعداء لله يزعمون أنه في الأرض بنفسه كما هو في السماء، وفي كل موضع من البر والبحر والهواء، وينكرون أنه على العرش سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرَا. وكيف يكون كما يقولون - لعنهم الله - وهو يقول: (يَخَافُونَ رًبَهُم من فَوقِهِم) ، ويقول: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) ، ويقول: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) ، ويقول: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) ، وقال:

стр. 597

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، وقال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) ، وما يضاهي هذا من الآيات المنبئة عن الله - جل وعلا - أنه في السماء، وعلمه بكل مكان لا يخلو من علمه مكان. ثم اجتماع أهل الصلاة، والسائر على أَلسِنة الخاصة والعامة من أن رسول الله ﷺ ، أُسري به إلى السماء، ودليل القرآن عليه قال الله ﵎: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) . أي في السماء - والله أعلم. وتحقق قوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) فلم عُرج به إلى السماء إذًا - ويحهم - وهو في الأرض معهم،. واحتجاجهم بقوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ)

стр. 598

فإنما هو علمه الذي لا يغيب عنه شيء. ومعناه: أنه لا يخفى عليه نجواهم كما قال (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) ، وَقَوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ) ، و (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) لا متعلق لهم فيه لأنه إله من في السماء من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق يعلم سر الجميع وجهرهم سبحانه وبحمده. ذكر الرد على الجهمية في خلق القرآن * * * قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)

стр. 599

حجة على الجهمية والمعتزلة في خلق القرآن، وإعدادهم الجعل بمعنى الخلق في كل موضع. فيقال لهم: أخلقوا البنات ولهم البنين في هذه الآية. فإن قالوا: نعم، كفروا بربهم حيث جعلوا معه خالقًا سواه. وإن قالوا: ليس الجعل بمعنى الخلق، رجعوا عن قولهم في الجعل، وبطلت في الاحتجاج به على خلق القرآن.

стр. 600

ذكر قسمة الله فى الإناث. * * * قوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ) عِظة لمن يتسخط قِسمة الله له في الإناث، ولا يسلم لحكمه عليه. ولا تطيب نفسه به. استعارة الشىء. * * * قوله: (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)

стр. 601

حجة في استعارة الشيء ووضعه موضع غيره، لأن المبشرين بالإناث كانت لا تصير ألوان وجوههم سودا. ولكن السواد كناية عما كان يعدوها من التغيير والصعوبة عليهم عند ذلك وهو - والله أعلم - على ما يتكلم به الناس: سَود الله وجه فلان كما سود وجهي. إذا صنع إليه صنيعًا سيئَا، وفضحه في الناس بأمر قبيح. وهو في غير هذا الموضع سواد ألوانها قال الله ﵎: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) . وكذلك قوله:) (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ) ، وقوله: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)

стр. 602

وهو سواد ألوانها. * * * وقوله: (أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ) الهاء - واللَّه أعلم - راجعة فيهما على المولود. ذكر الاختصار والإشارة. (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) حجة في الاختصار والإشارة إلى المعنى، لأن قوله ﷻ : (مَا تَرَكَ عَلَيْهَا) أي على الأرض، ولم يجر لها ذكر في الآية. ثم أخبر بتأخير الظالمين إلى أجلٍ مسمى لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، ولم يخبر بعقوبتهم فاستغنى السامع بالإشارة إليها.

стр. 603

وفي قوله: (مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ) دليل على أن اسم الدابة واقع على الناس لدبيبهم على الأرض، ومثله - قوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) ، فقد دخل فيه الناس وغيرهم من الدبيب. ذكر القسم. * * * قوله: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ) دليل على أنه قَسَم كما يكون بالواو. ودليل على أن المخبر عن نفسه جائز له أن يخبر بلفظ الغائب ولا يخبرِ بلفظ الإضافة، لأنه - ﷻ هو الله فقال: (تَاللهِ) . ولم يقل: بي، وهذا أيضاً

стр. 604

توكيد حجة من قرأ: (واللَّه ربَّنا) بالنصب. ذكر الفصاحة. وقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) (الهاء) - والله أعلم - راجعة على الجنس، وفي سورة المؤمنين: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) راجعة على اللفظ. وهو حجة لمن فعل ذلك في كلامه، ولا يكون عيبا عليه، ولا طعنا على فصاحته. ذكر معنى النجاسة.

стр. 605

قوله: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) دليل على أنه ليس كل ما جاور نجاسة نجس، حتى يدل على نجاسته دليل آخر يسلم لها. وفي ذلك أكبر بيان على أن الماء القليل الذي لم تغيره النجاسة لا يجوز أن نحكم بنجاسته وأصله طاهر لمجاورة النجاسة، وتيقن كينونتها فيه حتى ينجسه عبادة برأسها، وكذلك سائر ما جاور النجاسة من غير الماء، كما أن اللبَن لما خلقه الله طاهرًا لم يضره مجاورة الدم له، وكان طاهرا على أصله. وكما خلق المني طاهرا فلم يضره كينونته في الصلب، وخروجه في الإحليل مخرج البول وكل ذلك أماكن نجسة.

стр. 606

وكما كان فَمُ الهر طاهرًا لم يضره مجاورة النجاسة له بأكل الفأر وغيرها، وكان سؤر مائه طاهرًا. فكل هذه الأشياء يدل على مجاورة النجاسة للأشياء الطاهرة لا يجوز أن يجعل علمًا لتنجيسها دون مراعاة التعبد فيها. وليس هذا منا بقياس غير المذكورات على المذكورات، ولكنه تنبيه

стр. 607

المعتبرين بمجاورة النجاسة للأشياء الطاهرة على تنجس ما جاورها على أن لا يعتبروا بها، ويراعوا العبادات في تنجيسها للإرادة. فإن قال قائل: أفيجعل ضَم الفرث إلى الدم في الذكر دليلا على نجاسة. قيل: لا يجوز ذلك، لأن الدم قد وقفنا على نجاسته من موضع آخر، ولم نقف على نجاسة الفرث، بل لنا أدلة على طهارته، وقد

стр. 608

يقرن الشيء بالذكر إلى ما لا يشاكله في الجنس ولا يوجب الجمع بين حكميهما. والأدلة على طهارة الفرث مذكورةٌ في كتاب الطهارة الذي ألفناه في شرح النصوص. ذكر الخمر. * * * قوله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) (الهاء) في: (مِنهُ) راجعة - والله أعلم - على لفظ (مِن) أو على العصير، أو الجنس لاَ عَلَى الثمرات والنخيل والأعناب.

стр. 609

وفيه دليل على أن الخمر لا يحل ثمنها، ولا تعد في عداد الأملاك لإفراد ذكرها بالسكر، وسائرها بالرزق الحسن. فما لم يكن رزقًا لم يجز أن يكون ملكًا، ولو كان أيضًا رزقًا لكان خبيثًا لتسميته سائرها بالحسن، والخبيث لا ثمن له. وفي ترك تعليمه خلقه كيفية اتخاذ الرزق الحسن، وإخباره عن اتخاذهم معدودًا في ذكر النعيم - دليل على أن اتخاذه كيف أحبوه مباح لهم، وإذا كان ذلك كذلك فإفساد العصير المتروك للخل بالخل قبل النشيش ليأمن النشيش غير مفروض، إذا النية في اتخاذه الرزق الحسن لا السكر القبيح، فليس في حدوث النشيش والمرارة عليه قبل الحموضة معنى يحرمه، قال الله ﵎: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)

стр. 610

فتارك العصير بنية الخل المنتظر إدراكه مصلح لا مفسد وقال رسولى الله ﷺ لفيروز الديلمي به حين نهاه عن شرب الخمر، وسأله كيف نصنع بأعنابنا. قال: " زببوها ". قال: فما نصنع بالزبيب. قال: " انبذوه على غدائكم واشربوه على عشائكم، وانبذوه في الشنان ولا تنبذوه في القرب " فإنه إن تأخر عن عصره صار

стр. 611

خلا "، ولم ينهه عن أكل ذلك الخل الحادث من عصير لم يفسد بالخل قبل استحالته إلى الخل. فهذا بين لمن تدبره. غير أني أحب على بيانه لمن قدر على الخل أن يفسد به عصيره قبل النشيش ليسلم من الاختلاف. فإن تركه لم أحرجه وكان مباحًا.

стр. 612

ذكر النحل. * * * قوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) وفي قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ) رد على الشافعي فيما يزعم أنما خرج من البطون نجس كله. ودليل على أن النحل خلق يسوقه الله حيث يشاء، فإذا اتخذت بيتًا في مُلك بشرٍ كان ما يخرج من بطونها رزقًا لحدوثها في ملكه، فإذا تحول إلى غير ملكه لم يكن له المطالبة به، وكان ما يحدثه في ملك من تحول إليه من العسل له كما كان ما أحدثه في ملك الأول، ثم كذلك كلما انتقل. فإن اتخذ في أرض موات لا مالك لها كان عسله لمن بادر إلى أخذه. وتحصيله بالحيازة والنقلة.

стр. 613

ونفس النحل لا يصلح فيها البيع والشرى، ولا يقع عليها ملك، لعدم الوصول إلى إحرازها بوجه من الوجوه، وليست كالصيد من الطائر والدواب الذي إذا صِيد أُحرز وحبس حيث شاء صاحبه بقص أجنحة الطائر، ومنع الصيد من الخروج بغلق باب أو حائط أو تشكيل، والنحل لا يمكن فيها هذا، ألا ترى أنه يطين على مواضعها الصائرة فتخرج قبل أن يكشف أبواب أحجرة مواضعها، فهذا أحد وجوه منع البيع والشرى، وزوال الإملاك عنها. ووجه آخر: أنها غير مضبوطة بكيل ولا وزن ولا عدد. ولا محاط بالنظر إليها ليشتَرى جزافًا كَشِرى الصُّبر المصبوبة في الأرض، وسائر الجزاف المحاط بالنظر إليه. ولإعواز الوصول إلى قبضها فبائعها يعتاض ملكًا ولا يعوض مملوكًا.

стр. 614

وما كان هذا سبيله فإن لم يكن زائدًا على بيوع الغرر والمخاطرات فهو مثلها ولا يجوز بيع عسلها قبل تحصيله منها، لأنه غير محاط به، ولأنه إذا بيع ما حواها وعسلها أخذ النحل من الثمن نصيبًا ففسد الجميع. ذكر المعتزلة. * * * قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) حجة على المعتزلة والقدرية شديدة لجمعه بين المشيئة والإضلال والهدى والسؤال عن العمل في آية واحدة، وهو قولنا الذي نقوله: إن الله ﷻ لو شاء لجعل الناس كلهم مؤمنين، ولكنه لم يفعل فأضل قومًا فكفروا، وهدى قوما فآمنوا، فعذب الكافر بجنايته وقد قضاها عليه بعدله، وأثاب المؤمن على إحسانه، وقد هداه إليه بفضله. وكل هذا حكم منتظم، وعدل شامل، وفضل بين عقلته الخليقة

стр. 615

بعقولها أم لم تعقله، ولو لم يكن في القرآن من الرد عليهم إلا هذه الآية وحدها لكفتهم، فكيف وهو مملو بأمثالها بحمد الله ونعمته. ذكر القياس. (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إلى قوله: (عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) حجة في إبطال القياس واضحة لمن وفقه الله لفهمها، وأضرب عن اللجاج والعناد، وما ألفته نفسه من حلاوة قياسه والتحريم به والتحليل. وذلك أنه ابتدأ الآية بالحث على كل ما رزقنا الله من الحلال. وأخبر أنها نعمة علينا وأمرنا بالشكر عليها، ثم فصل ما حرم منه

стр. 616

فقال: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) فصار كل ما عدا هذا داخلاً في الرزق، والحلال الطيب المعدود في النعم التي يجب الشكر عليها، ولا يذهب على مميز إنما يعد ما تقدمه فصل في معنى الاستثناء من الجملة لا ابتداء، ثم لم يقنع ﷻ بذلك حتى قال على إثره: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) فليس لأحد من البشر أن يزيد في هذه الأنواع الأربعة المستثناة من جملة الرزق الحلال الطيب إلا طاعته مفروضة، لا يحرم ولا يحلل إلا ما أمره الله ﷻ هو رسول الله ﷺ الذي حرم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وحرم التفاضل في أشياء مذكورة مسماة مذكورة معدودة، وحرم مهر البغي،

стр. 617

وثمن الكلب، وعسب الفحل، ونهى عن بيوع بأعيانها مروية

стр. 618

بروايات الثقات، فكل ما وجد نصا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو مضموم إلى الأربع، وما لم يوجد فيه نص وكان تحريمه بآراء الرجال فهو في حكم الآية افتراء عند من تدبرها، وغاص على نكتها. فإن قال قائل: أفتجعل سعد بن أبي وقاص في تحريم البيضاء

стр. 619

بالسلت - والسلت ضرب من الشعير - وابن عباس في إعداد ما عدا الطعام في البيع بمنزلة الطعام قبل القبض والاستيفاء. مفتريين على الله. قيل: معاذ الله أن يكونا مفتريين، بل كانا فيما قالا موفقين مصيبين. فأما سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ فإنه كان من مذهبه أن الحنطة بالشعير لا يصلح إلا مثلا بمثل. فلما سئل عن البيضاء بالسلت - والسلت ضرب من الشعير رقيق القشر صغار الحب - قال: أيها أفضل،

стр. 620

قال: البيضاء. فنهى عنه. ولعل السلت بصغر حبه إذا يبس نقص. فسئل عن البيضاء بالسلت الرطب، فعلم أن السلت إذا يبس نقص عن البيضاء في الكيل، فيكون صنف من أنواع الستة بصنفٍ منها متفاضلاً، والدليل على ذلك ما قال: " سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شِرَى التمر بالرطب " - والرطب رطب ينقص عن التمر - فإذا نقص السلت الرطب إذا يبس عن البيضاء، وهما جميعًا منصوصين، وعند سعد مستويان كان التفاضل بينهما ربا. فإن قيل: فما وجه إعداد سعد الشعير بمنزلة الحنطة في أن لا يجيز

стр. 621

التفاضل فيهما ورسول الله ﷺ ، قد أجازه. قيل: ليس ذلك من جهة القياس. وقد وافقه على ذلك عبد الرحمن ابن الأسود بن عبد يغوث وابن معيقيب الدوسي، وإليه يذهب أهل المدينة، ويلحقون بهما سائر الأصناف، ولا يجيزون واحدَا باثنين، وإلا كانا من جنسين مختلفين. فأما قول سعد وعبد الرحمن بن الأسود فله وجه عندنا وهو أن سعدًا فني علف حماره، وعبد الرحمن علف دابته فأمرا غلاميهما أن يأخذا

стр. 622

حنطة يبتاعان به شعيرا، ولا يأخذا إلا مثلا بمثل. ولعلهما أرادا أن لا يأخذا إلا مقدار ما يكفي الحمار والدابة كل يوم، فمنعا التفاضل فيه من أجل تأخير قبض جميعه فكان يصير نسيئة فأمرا الغلامين أن لا يربيا، لأن رسول الله ﷺ إنما أباح فيهما نقدًا، وحرمه نسيئه. فهذا وجه متوجه من قول سعد، وهو أحسن وجه يوجه فيه. وأما قول ابن عباس ﵁ في أنه قال: " كل شيء بمنزلة الطعام " فهو نصّ في قول حكيم بن حزام حيث قال لرسول الله ﷺ : الرجل يريد مني البيع ليس

стр. 623

من عندي أفأنفقه له، قال: " لا تبع ما ليس عندك ". فإن قيل: أفليس وإن وافق قوله النص من حديث حكيم فقد قاله وهو لا يعرف النص. قيل: قاله على الظن، فقال: " ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام " ولم يحتم به، ولا خطره فوافق ظنه الحق.

стр. 624

وما في قول صحابي تكلم بكلمة وفقه الله فيها للحق في شيءٍ بعينه من الحجة للقائسين. أترى قول ذلك الصحابي ﵁ في شيءٍ بعينه أكثر من أمر الله - جل وتعالى - العدلين بالمثل في جزاء الصيد الذي لايعدوا به موضعه، ولا يحمل غيره عليه. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ في أشياء نزل القرآن

стр. 625

بتصديقه، وابن عباس ﵁ وإن لم يكن له من الجلالة ما لِعُمرَ فهو صحابي فاضل جليل لاينكر له أن يتكلم في شيءٍ تَرِدُ سُنة لرسول الله - ﷺ بتصديقه. ولا يكون ذلك ذريعة إلى إباحة القياس، وحجة فيما ليست لرسول الله ﷺ سُنة يوافق قوله، ويصدق تحليله وتحريمه.

стр. 626

ومن الدليل على أن هذا من قول ابن عباس لم يكن قياسًا، ولا رأى القياس دينًا مستعملاَ في كل ما عدم فيه النصوص: أنه جعل أجل الحامل المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين، ولم يقسها على المطلقة، وأجاز لها أن تعتد حيث شاءت ولا تمكث في بيتها، ولم يقسها على ما أمر اللَّه المطلقة من المكث في بيتها، وترك الخروج إلى انقضاء أجلها إلا لفاحشة مبينة.

стр. 627

وفي ذلك دليل أيضا أن الصحابي قد تذهب عليه السنة التي يعرفها غيره، فلا تنحط بذلك درجة فضله وحق صحبته. فقد خَفِي على ابن عباس ﵁ في هاتين المسألتين حديث سُبيعَة الأسلمية.

стр. 628

وحديث الفريعة أخت أبي سعيد الخدري بخلاف ما أفتى به. ذكر المعاني المختلفة باسم واحد. (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) يعني - والله أعلم - ما قصه في سورة الأنعام في قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) إلى آخر الآية. وهذا تحقيق

стр. 629

نزول الأنعام بمكة ونزول النحل بالمدينة إلا أربعين آية من أولها إلى قوله (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) والحسنة في هذا الموضع هي المدينة. وهذا أيضًا حجة في تسمية العرب المعاني المختلفة باسم واحد. * * * قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا) أيضًا حجة في تسمية العرب كثير المعاني باسم واحد، والأمة هاهنا

стр. 630

معلم الخير يأتم الناس به في الهدى. صفة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. * * * قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) حجة في ترك الغِلظة والخرق عند الأمر بالمعروف والنهيْ المنكر واستعمال اللين واللطف فيهما، لأنه أجدر أن يلين له قلب المأمور. وأحرى أن تصل الموعظة إليه.

стр. 631

ذكر الاستطاعة. * * * وقوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) دليل على أن الاستطاعة وإن كانت منسوبة إلى العبد فالمعونة عليها من عند الله.

стр. 632

سورة بني إسرائيل * * * قوله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) كان سفيان الثوري يقول: (إِلى) هو بمعنى: على. كأنه يقول: " على بني إسرائيل ". وهو حسن جدا. لكنا نسامح القوم فيها، لأنها قد تكون في هذا الموضع بمعنى: (أوحينا) .

стр. 633

فى القياس. (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) حجة في ردّ القياس، إذ كانت الأشياء مفصلة إلى التحليل والتحريم، فقد أغنى الله عن القياس وأهله. ومثل هذا قوله في سورة الأنعام: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) . ذكر المعتزلة. * * * قوله: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) حجة على المعتزلة والقدرية في إلزام الطائر.

стр. 634

والطائر: ما قضى عليهم من الشقاوة والسعادة. قوله أيضاً: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) لا تدفع قولنا، لأن الله ﷻ قد أخبر بالإضلال وهداهم عن نفسه في مواضع من كتابه هذا وكل ما يشاكله من إضافة الأفعال إلى العباد لا ينقض ماحكاه عن نفسه، إذا الأفعال جارية من فاعليها على ما سبق من القضاء عليهم فيها.

стр. 635

فمن نسب الفعل إليهم، والقضاء إليه فقد قال بجميع المعنيين واستقام قوله. ومن أنكر القضاء، وردَّ كل آية فيها. فما بالهم يردون كتاب ربهم خشية كسر قولهم فيما لا يضر جهله. ولو أضربوا عن اللجاج، ولم يحملوا أمر الخالق على عقول أنفسهم لانتظم لهم القول بالقضاء، ونسبة الفعل إلى فاعله، وكانوا يصرفون لحوق الحيرة بهم في مصاحبة العدل عقوباتهم مع قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) إلى ما أثرناه عليهم من أحواله في عقوبة آدم وولده، ومرض الصغار، وَخَول العبيد وأشباه ذلك. إذ لا موضع لإنكارهم معاقبة الجانين لقضائه غيره، وغير حمل حكمته الجليل - جل
следующие страницы →