← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وإخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان منها. ورسول الله ﷺ أعلم بتأويل ما نزل عليه من التغليظ في آية قاتل العمد. ونحن وفقهاء المسلمين كافة من أصحاب رسول االله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين والأئمة بعدهم نخص بالسنة الصحيحة عموم القرآن، ونجعلها بيانا لجملته. وبعد فقد وجدنا آية في سورة المائدة تدل على أن التوبة مقبولة من قاتل العمد بلفظ التوبة - وإن كان كلما ذكرناه من تمهيد التوبة له شافيًا قال الله ﵎ وهي آية مدينية -: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)

стр. 667

ولا يشك أحد أن المحاربين قد يبلون لا محالة بالقتل إذا طال مكثهم في المحاربة، ولم يَستثنِ الله منهم القاتل، بل الفقهاء المتقدمون والأئمة المختارون كلهم على تفسير علي، وابن عباس في أن (أو) ليس بتخيير في هذه الآية، وأنه لا يقتل منهم إلا من قتل.

стр. 668

وقد أسقط الله عنهم جميع عقوباتهم بالتوبة، وذكرها بلفظها. ووعدهم المغفرة كما ترى في الآخرة، والصفح عن العذاب العظيم الذي ذكره بعد ذِكر الخزي في الدنيا بلفظ ما ذكر في سورة النساء: ) وَأَعَدَّ لَهم عَذَابًا عَظِيما) . قال محمد بن علي ﵁: وإذا صح أن توبة قاتل العمد مقبولة، وله ممهدة فلا تصح له مع الندم إلا بعتق الرقبة، أو صيام شهرين إن عدمها لشمول اسم القاتل له. وليس سبب القتل من

стр. 669

العامد والخاطىء بمزيل عنه اسم القتل، وقال الله تعالى بعد ذكر الرقبة: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) . فهذا نص لا قياس لما دللنا عليه من أن سبب القتل لم يُزل اسم القاتل عنه، ووجوب الكفارة بالفعل لا بسببه، وإسقاط القود عن قاتل الخطأ مسلم فيه لإجماع الأمة. ذكر تحريم الحكم والفتوى بغير علم، وترك قبول الطعن في المسلمين. * * * وقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)

стр. 670

حجة فى أشياء: فمنها: تحريم الحكم والفتوى بغير علم. ومنها: ترك قبول الطعن في المسلمين بغير ثَبت - ولا ثَبت إلا بيقين المعاينة، أو السمع من المطعون عليه لا مِنَ الطاعن، أو قيام بينة عادلة معروفة بالصدق والأمانة من كل ترة أو حقد بينها وبين من يشهد عليه، غير سابقة إلى شهادتها. قيل: يستشهد عند الضرورات، وإقامة الشهادات لإقامة حد، ولا مبادرة إلى اغتياب من يطعن عليه عند من ليس بسلطان يقيم الحدود. متفكهة بهمزه ولمزه غير جارة بهما نفعًا إلى مسلم، ولا دافعة

стр. 671

مضرة عن موحد أو ذي عهد. فإن لم يحب ستر أخيه وإخفاء عيوبه جهده وطاقته ويكره أن يسير في الناس على لسان غيره فضلا عن أن يتفكه هو بها، ويذيعها فيمن يعرج بهتك الأستار أجدر أن يعد في عِداد الفجار. ولا يقبل قوله في الأخبار. وأرى نساك زماننا قد أهملوا هذا من أنفسهم، وأغفلوه في رعياتهم، وتسرعوا إلى تعليق العيوب على إخوانهم المؤمنين يوهمهم الشيطان أنهم بذلك إلى الله متقربون، ولدينه ناصرون، وبحقه قائلون. فقصارهم اتباع عورات المسلمين، وهتك أستار المستورين بعد الجهلة المغتابين فيفسقون من يجهلون حاله بشهادة من يشهد بفسقه غيبته المحرمة بنص القرآن، ويحققون الظنون على المستورين بإذاعة الكذابين. أليس يعلمون أن أهل الإفك ما أهلكهم إلا الظنون السيئة بأم المؤمنين، والخير من الصحابة الفاضلين صفوان بن المعطل ﵁ -

стр. 672

حيث تخلف من وراء الجيش، وأقامت أم المؤمنين المبرأة بكلام رب العالين على التماس العقد حتى اجتمعا على غير تواطؤ، ولا إرادة سوء في منزل واحد، وَبَقِيَا معًا منفردَين حتى أبقا بالجيش، وهلك فيهما من هلك. أفترى شهادة المغتابين والمذيعين الفواحش بالبلاغات، وفقد المعاينات أبلغ في فسق المستورين من اجتماع هذين المعصومين ﵄ على حال يقدح معشارها في قلوب المنافقين، وتطلق أَلسُن المفتونين على البرية الرضية أم المؤمنين وصاحبها الخير من المسلمين حتى أدتهم ظنونهم إلى ما أدت، ونزل فيهم في تكذيبهم، وفي براءة المرميين من الآيات في سورة النور ما نزل فيها: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) . وفيها: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) .

стр. 673

أوليست هذه الآيات - وإن كانت خاصة في براءتهما - فهى مأدبة وَعِظة لمن سمعها أن لا يهلك بما هلكوا، ولا يفعل في المسلمين ما فعلوا. وبعد فلو كان مفسق المستورين بالبلاغات، وقول المغتابين " ومن يفرح بهتك المؤمنين عاين ممن طعن عليه قبله بعض محارم الله يفعلها لكان مأمورًا بالستر عليه، وترك إذاعة فعله في غيره، والذب عنه جهده وكان في إسرار النصيحة إليه ما يؤدي حق ربه عليه. أوليس معروفًا عند علماء الحديث والفقهاء صنيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم بماعز بن مالك وهو يُقِر على نفسه بفاحشة الزنا، ورده مرة أخرى، والمسألة عن عقله بعد استثبات معرفة الزنا والتحصين منه،.

стр. 674

أوليس قال لهزال حين أخبره بعد رجمه إياه أنه المشير عليه بإتيانه: " يا هزال، لو سترته بثوبك كان خيرا لك مما فعلت به ". أوليس حين فرغ من رجمه، وركب مركبًا سمع قائلا يقول لآخر: انظروا إلى هذا ستر الله عليه فلم يستر على نفسه حتى رُجِم رجم الكلب، فسار صلى الله عليه وسلم قليلا فإذا بحمار ميت شابكٍ برجله، فقال: " أين فلان

стр. 675

وفلان، " فقالا: نحن يا رسول الله. فقال: "انزلا وكلا من جِيفة هذا الحمار ". فقالا: غفر الله لك يا رسول الله، ومن يأكل من جِيفة هذا الحمار، فقال: " قد أكلتما آنفا من عرض أخيكما ما هو أشد تحريمًا عليكما من جيفة هذا الحمار"، فجعل القائل والمستمع في دَرجة العقوبة والتحريم واحدة. أوليس قد أشار أبو بكر وعمر ﵄ على آتي. أليس كعب بن عمرو البدري ﵀ حين أخبرهما بصنيعه بالمرأة التي أرادت منه تمرا، فذهب بها إلى البستان، وفعل بها ما فعل من التقبيل والاعتناق، وكل شيء مكروه غير الجماع أن يستر على نفسه، ولم يذكرا أمره لأحد، ولا أقصياه ولا هجرا بل ظنا به أن قوله لهما ندم على فعله.

стр. 676

أو ترى شهادة الفاسق المغتاب أكبر من شهادة ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ وإثباتهم على رؤية الزنا، والرابع يشهد بأنه قد رآه فوقها، وسمع نفسا غالبَا على من شهدوا، فجلد عمر - رضي الله عنه - الثلاثة، وفسقهم ائتمارَا لربه، وامتنع من قبول شهادتهم مدة حلافته وكان المشهود عليه عنده في حالته الأولى من ستره وفضله لم يحفه.

стр. 677

ولم يتغير له. فما بال نساك زماننا يوثر في قلوبهم على إخوانهم المؤمنين قول كل ناعق يغويهم بكذبه، ويهلكهم بغيبته حتى يتسرعوا إلى الهجران المحرم بنص السنة، وإلى إذاعة الفاحشة في المؤمنين الموعود عليها بنص القرآن أليم العذاب في الدارين معا، وما بالهم يتحلون بالفظاظة والغلظة على من زلت به قدم الستر بيقين. فكيف بالظنون والكذب المخترص، ولا يقتدون بما أدب الله به نبينا - صلى الفَه عليه وسلبم - وغيره حيث يقول: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) ، وقال لموسى وهارون - صلى الله عليهما - حين بعثهما إلى فرعون: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) فاستعمله رسول اللَه ﷺ سمعًا وطاعة لربه، فقال للرجل الذي استأذنه في الزنا: "أترضاه لأمك، أترضاه لأختك، " ولم يغلظ له.

стр. 678

وأمر من أخذ بيد علقمة بن عُلاَثة حيث مرَّ على خيم له فقطع أطنابها - وهو سكران - من يأخذ بيده حتى يبلغه إلى أهله. وقيل لعقبة بن عامر الجهني: إن لنا جيرانا يشربون الخمر، أفلا نرفعهم إلى السلطان. فقال: لا، سمعت رسول الله ﷺ : " من رأى عورة فسترها فكأنما أحيا موءودة من قبرها "، وقال عليه السلام: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكن بالمؤمنين رحيمًا

стр. 679

ولايكونن عليهم غليطا ". وقال علي بن أبى طالب ﵁ : " لو رأيت رجلا يشرب الخمر لم يره معي غيري فاستطعت أن أستره لسترته "، ومر سعيد بن المسيب بسارق أتريدون به السلطان. فأعطاهم دينارا حتى خلوه. ورسول الله ﷺ يكرر على سارق،: " ما إخالك سرقت " مرة بعد أخرى. وهو يقر له. وكلح وجهه حين قطع بين يديه. فقالوا له: كأنك كرهت، فقال: " ومالي لا أكره وأنتم أعوان الشياطين على أخيكم " يحثهم على الستر ما استطاعوا،

стр. 680

ولا يرفعوه إلى الأئمة الذين ليس لهم تركها بعد رفعه إليهم. وقال

стр. 681

لصفوان في سارقه: " فهلا قبل أن يأتيني به "، وقال عمر بن الخطاب ﵁: " أذنوا للفجر بليل ليسير السائر. ويخرج العاهر". فهذا وما يشاكله من الأخبار - التي لو تقصيناها لطال بها الكتاب - يأمر بالستر على ما فيه لله - جل وتعالى - حدود وقد أمر بترك الرأفة في إقامتها، فكيف فيما هو دونها من

стр. 682

العيوب، أو الأمور التى يمكن فيها التأويلات، وتحسين الظنون. وائتلاف القلوب، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: "من بلغه عن أخيه شيء يكرهه، فما دام يجد له في الحق مساغا لم يذهب إلى غيره ". وروي عن لقيط بن أرطات السكوني: إن لنا جارًا يشرب الخمر ويأتي القبيح أفأرفع أمره إلى السلطان. قال: لقد قتلت تسعة وسبعين من المشركين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما أحب أني قتلت مثلهم، وأني كشفت قناع مسلم،

стр. 683

وقال أبو قلابة إذا بلغك عن أخيك أمر تكرهه فاطلب له المعاذير بجهدك، فإن طلبتها فلم تجدها فقل: لعل له عذرًا لا يبلغه علمي. وقال رسول الله ﷺ : "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا ".

стр. 684

فهذا وما يضاهيه من أخلاق المؤمنين المؤيدين بالتقوى، وما خالف هذا فهو من أخلاق المنافقين السارين بعيوب المؤمنين، ومن يحب تفرق الكلم، وانغراس العداوة والبغضاء بين أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد كره، غير واحد من الأئمة أن تجمع في مسجد مرتين خشية تشتت الكلم، وتفرق نظام الإسلام. فضلا عن تتبع العيوب بخاطر من الغيوب، واقتفاء ما لا علم لمعنفيه به كما

стр. 685

قال الله - جل وتعالى - في هذه الآية التي بدأنا الفصل بها. ومنها: التحفظ في الشهادة على الحقوق. وقد ذكره الشافعي - ﵁ في كتاب الشهادات. ومنها: حفظ السمع عنِ استماع المنكر كله، وغضّ البصر عن المحارم كلها. ومنها: أن الله ﵎ يسأل عن الإضمارات والطوايات المذمومة، وإن لم تساعدها الجوارح بالحركات، لأن الأفئدة محل الضمائر والنيات، وبها تصح جميع أعمال الجوارح والحركات. وليس في قول النبي ﷺ إخبارا عن ربه - تبارك وتعالى - أنه يقول لملائكته: " إذا هَمَّ عَبدِي بسيئة فلا تكتبوها حتى يعملها " ما يدفع ذلك، لأن ذلك هو في الاهتمام بسيئة لا تعمل

стр. 686

إلا بالجوارح مثل القتل والزنا وأشباهه مما لا يستطاع فعلها إلا بالجوارح فتجاوز الله رفقًا بعباده ورحمة لهم عن الاهتمام بها دون الفعل. إذ الاهتمام يضاهي الخاطر والشهوة وهما غير مملوكين. فأما ما كان سلطانه فيه للقلب من الطوية على الكفر، وحفظ المنكر وأباطيل السحر وأشباهه فالإضمار عليه والقبول له عمل يكتبه الحافظ، ويسأل عنه الرب جل وتعالى. ومن زعم أن خطرة المعصية التي لا تتم إلا بالفعل يسأل عنها إذا طالت عليه، وتمكنت شهوته من قلبه وإن لم يعملها بجوارحه. واحتج بقول النبي ﷺ : " إذا توجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قيل: يا رسول الله: هذا القاتل قد عرفناه، فما بال المقتول، فقال: " إنه كان حريصًا على قتل صاحبه ".

стр. 687

فقد أغفل عندي، لأن المتواجهين بالسيفين كليهما مستعمل جوارحه ويريد ضرب صاحبه بعمل يده، واستعمال حديدته، ونفس إشارة الحديد إلى المسلم، والحمل عليه وتخويف به معاصٍ كلها

стр. 688

معمولة بجارحة اليد وقوة البدن، فكان يصح تأويله لو كان أحدهما كافا يده مقتصرًا على إضمار قلبه، والآخر مضمرًا ومستعملاً. فأما وكلاهما مضمران مستعملان فهما فاعلان ولا وجه لتأويله مع الفعل وليس في قوله ﷺ : " في النار " ما يسوي بين درجتيهما فيها إذ قد يجتمع في النار من يتباين في كثرة العذاب، وذواق مضضه. فيجوز أن تجمعهما النار، والقاتل أكثر عذابا من المقتول لزيادة جرمه وقد قال رسول الله ﷺ : " منهم من تأخذه النار إلى كعبه، ومنهم من تأخذه إلى ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم ومنهم حتى ينغمس فيها ". * * * قوله: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) . وقوله في سورة الأنبياء: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)

стр. 689

حجة فيما نقوله عند الاحتجاج على المبتدعين والمعطلين لو كان الأمر كما تقولون لما كان كذا وكذا ولوجب أن يكون كذا في الشيء الذي لو ابتدأه مبتدئ على غير تمثيل لكفر، وقد أبيح له أن يقول متمثلا لتقرب الحجة به على مخالفه ولا يحرج. ذكر التسبيح. * * * وقوله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) دليل على أن ذا الروح وغيره مما لا حياة فيه، ولا حركة ظاهرة مثل الحجر والدر والخشب تسبح لا أنه مخصوص به الروحانيون دون غيرهم. ويحقق قول أبي صالح.

стр. 690

حيث جعل نقيض الباب تسبيحَا له، وقول مرثد اليزني حين أخبر: أن الزرع يسبح. ويوهن تفسير عكرمة (٣) حيث خص الروحانيين بالتسبيح. ويؤيده الحديث المروي: " كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل ". وتسبيح الحصا في يد النبي ﷺ ، ويد من سبح فيها من أصحابه، وهذا أعم وأبلغ في قدرة الرب القادر على إنطاق كل شيء

стр. 691

كما أنطق الروحانيين. ألا ترى أن السموات والأرض ليستا ذوات روح ظاهرة كالإنسان وسائر الحيوان، وابتداء الآية بذكر تسبيحها قبل تسبيح من فيها، وهو واضح لا إشكال فيه. ذكر الرقية. * * * قوله: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) دليل على إباحة اتخاذ القرآن حرزا، وأن اتخاذ التمائم أحرازا هو المنهي عنها، لأن التميمة لا تكون إلا ما هي بغير لغة العربية من ألسنة العجم وغيرها من سائر ألسنة العرب - ولعله يكون شركَا وكلامَا مكروهَا - والقرآن حق فهو شفاء مَنِ استشفى به، وحرز من احترز به.

стр. 692

فإن قيل: إنما جعل قراءة القرآن في هذه الآية حجابًا بين النبي - ﷺ وبين المشركين آية لهم خاصة. قيل: ليس ذلك بيناً في الآية، ولو كان بيناً أيضا ما ضرَّ أمته الاحتراز بما يكون في نفسه حرزًا، لأنهم لا يدّعون بذلك نبوة إنما يحترزون به من المكاره، وشر الجن والإنس. ويؤيد ما قلنا الحديث

стр. 693

المروي في الرجل الذي رقى رئيس الحي بفاتحة الكتاب وقول النبي ﷺ : " من كان آكلًا برقية باطل فلقد أكلت برقية حق ". وحيث قال للمرأة وهي ترقي بعض أزواجه: "ارقيها بكتاب

стр. 694

اللَّه، ولما جاء جبريل ﵇ يوقي النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه قال: " بسمِ الله أرقيك من كل شيء يؤذيك،

стр. 695

وكان رسول الله ﷺ يُعوّذ الحسن والحسين فيقول: " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة". ويقول: " بهذا كان أبوكما إبراهيم - صلى الله عليه - يعوذ إسماعيل وإسحاق " فكل ذلك يدل على أن المنهي عنه من النشر والتمائم ما كان بغير ذكر الله، فأما الاحتراز بذكر الله والقرآن فهو الحق الذي لا يرتاب فيه، أليس قال رسول الله ﷺ : " إن الشيطان ليفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة " (٣) ، وحديث أبي أيوب الأنصاري:

стр. 696

مع الجنية في شأن آية الكرسي، وأشباه ذلك. * * * قوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) حجة على المعتزلة والقدرية.

стр. 697

ذكر الموعظة. * * * قوله: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) . دليل على أن الإنصات للموعظة والإقبال على الواعظ واجب، وأن الكلام عندها أو محادثة بعضهم بعضا في مجمع يعظ فيه واعظ مذموم. وتهاون بالموعظة ولهو عنها، وفي ذلك زوال منفعتها وفهم ما أودع فيها. ذكر المعتزلة. * * * قوله: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) حجة على المعتزلة والقدرية في الكتاب السابق، إذ تستطير إهلاك القرى وتعذيبها لا يكون إلا بإساءة أهلها. فهي بحمد الله حجة خانقة لهم، إذ محال أن يسطر إهلاك شيء من أجل شيء ويجعل عقوبة له إلا وقد سبق الكتاب في ذلك الشيء، ولا يكون مبتدأ بل يكون

стр. 698

جاريًا على ما فرغ منه، فلو تميزوا هذا الفصل الواحد لأغناهم - بعون الله - عن غيره، ولعلموا أن إقحامهم على معرفة كُنهِ عدل الخالق. وحمله على فطرة عقولهم من أجهل الجهل. (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) دليل على تشريف هذه الأمة، وتفضيل رسولها على سائر الرسل - صلوات الله عليه وعليهم - وذلك أنه ﷻ كان من حكمه في الأمم السالفة أن نزل العذاب بكل من كفر بآياته فصرفه عن هذه الأمة بترك إرسال الآيات الموجبة للعذاب على من كفر بها.

стр. 699

قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) حجة على المعتزلة والقدرية، وفي تفسير ابن عباس على الجهمية ذكر التاكيد. * * * وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) حجة على من نفي التأكيد في كلام العرب من حيث لا إشكال فيه ولا لبسة دونه، لقوله إخبارا عن إبليس: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ)

стр. 700

بعدما قال: (قَالَ أَأَسْجُدُ) ، ولو كان التأكيد نافيا عنه لكان - والله أعلم - أرأيتك بلا (قال) ، ويكون (وقال) بالواو، ويكون كلاما مستأنفَا. * * * وقوله تعالى: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) حجة على المعتزلة والقدرية، وبراءة إبليس اللعين ما ينسبونه إليه من القدرة على تضليل الخلق. ألا تراه كيف ألقى الله الاستثناء على لسانه حتى استثنى بالقليل، علمًا منه بأن المعصوم ومن سبق له الخير من ربه لا سبيل له عليه، إنما سبيله على من حقت عليه كلمة ربه فتبعه وتولاه. وسبق القضاء عليه أن يكون معه في دار الهوان، قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) . وهذا السلطان منه على متوليه المشركين بربهم سلطان تسليط لا اقتدار بقوته.

стр. 701

ألا ترى أن من الكفار من قد سبق له في علم الله إيمان وانتقال من الكفر إليه فيذهب سلطانه حينئذ عنه، فلو كان سلطانا بغير تسليط لدام له عليه، أو كان على الجميع ولا يستثنى القليل فهذا واضح لا بعد فيه، ومما يؤيد به أنه يسلط قوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) وليس يخلو قوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) من أن يكون واقعا على الجميع مؤمنهم وكافرهم، أو على المؤمن دون الكافر، فإن كان واقعا على مؤمنهم خاصة فهم المستثنون بالقليل

стр. 702

وسلطانه زائل عنهم بكل حال. وإن كان واقعا على جميعهم فقد صح أن سلطانه على الكافر سلطان تسليط. وعدته عدة غرور. الفزع إلى الله في الشدة دون الرخاء: * * * وقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) إلى قوله: (ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) . دليل على أن الفزع إلى الله في الشدة دون الرخاء خلق من أخلاق الكافرين. وأن المؤمن مندوب إلى مراعاة حق الله عليه، والتعرف إليه في الرخاء ليجاب عند الشدة فإذا أجيب ازداد ذكرا وخشية

стр. 703

واقترابا وتفويضا ليكون عبدًا مؤتمرا لا وجلا خائفا، متبرئًا من الحول والقوة مستمدًا بالمعونة من ربه في كلا حاليه من الرخاء والشدة مثل هذا قوله في سورة النحل: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) . * * * قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إلى قوله: (وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧) حجة على المعتزلة والقدرية في نسبة التفتين إليهم على ما بينا في غير فصل من كتابنا من نسبة الفعل إلى فاعله، وزوال الضرر عن رسول الله ﷺ -

стр. 704

في تثبيته، وما في زوال القدر عن تحويل السنة. ذكر صلاة الليل. * * * وقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) دليل على أن صلاة الليل وإن كانت على النبي ﷺ - أشد تأكيدًا فهي نافلة له لا فرض عليه. وتفسير مجاهد

стр. 705

من رواية ليث عنه لا يقوم للمعتزلة والجهمية.
следующие страницы →