← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9065

نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام

أبو أحمد الكرجي القصاب

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فأنكر عليهم مرادهم بالشهادة، وكذبهم في إضمارهم خلافها لا نفس الكلمة، ولا أحسب سُمي أصحاب الحديث بالحشوية إلا من مثل هذه الأشياء وشبهها. والإفراط في كل شيء قبيح، والاقتصار فيه محمود. المعتزلة والنسيان. فإن احتج علينا المعتزلة والقدرية بقوله: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) ، وبقوله في سورة يوسف: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) في تثبيت قدرته، وما يحول بين المطيع وبين طاعته. وقالوا: هذا هو قولنا في الشر إنه من إبليس. قيل لهم: ليس معناه معنى القدرة والسلطان، إذ محال أن يقدر على إنساء شيء أراد الله ذكره إنما معناه: أن وساوسه تشغله حتى ينسى وقتا ثم يذكره، ألا ترى أنه يقول في سورة يوسف: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) .

стр. 737

فلو كان إنساؤه إياه بمعنى الاقتدار عليه في نفس إزالة الشيء عنه ما ادكر بعد أُمة. والأُمّة: الحين في هذا الموضع. ذكر أن العلم موهبة من مواهب الله. وفي قوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) إلى آخر قصة الخضر مع موسى - صلى الله عليهما - أدلة

стр. 738

فمنها: أن العلم غير مقسوم على فضائل الرجال ودرجاتهم عند الله. حتى يكون من هو أعظم فضلا في عمله ودرجته أعلم في دينه، وغير جائز أن يكون الأدون الفضل أعلم في أشياء ممن فوقه في درجة الفضل، وإنما العلم موهبة من مواهب الله يخص به من يشاء من عباده، ويفضل بعضهم على بعض فيه فلا تحط زيادة علم واحدة درجة فضيلة الآخر، ولا فضيلة الآخر تحيل أن يكون من دونه أعلم منه. ألا ترى أن موسى - صلى الله عليه - قصر علمه عما كان يفعله الخضر - وهو لا محالة أفضل منه - ولم يتخط درجة نبوته وفضله، لأن سبقه الخضر إلى علم لم يعلمه. وهذا حجة لنا فيما نختار قول الأصاغر من أصحاب رسول الله - ﷺ في بعض الأمكنة على قول الأكابر، ونرى الحجة في بعض الأشياء مع الأنزل من العلماء دون الأعلى منهم فلا تكون حطا من درجات الأكابر والفاضلين، ولا طعنا عليهم وبخسا لحقوقهم. ذكر أن قلوب المؤمنين مجبولة على إنكار المنكر.

стр. 739

ومنها: أن قلوب المؤمنين مجبولة على إنكار المنكر، وغير مالكة للصبر على احتماله، لأن موسى - صلى الله عليه - وعد الخضر أن يصبر على ما يراه منه، فلما رأى ما أنكره عليه. النكير على الوعد. ومنها: أن من وعد وعدًا يريد الوفاء به عند قوله ثم عارضه دون الوفاء مانع قطعه عنه لم يكن خلفا، ولا كان عليه حرج ومثل هذا الدليل حديث رسول الله ﷺ : " مَن وعد أخاه ومن نيته أن يفي ولم يفِ فلا إثم عليه ".

стр. 740

بل لو رأى الرشد في ترك الإنجاز فلا حرج، وقوله - صلى اللَّه عليه وسلم -: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه "، وروي: " فليأت الذي هو خير وهو

стр. 741

كفارته ". فقد أمره أن يعمد ترك الوفاء بما قال باليمين فما لم يؤكده باليمين أحرى أن يتداركه. والله أعلم. ومنها: أن المعاريض ليست بكذب، لأن موسى ﷺ -

стр. 742

عارض الخضر بالنسيان. كذلك قال ابن عباس: " أما إنه لم ينسَ، ولكنها كلمة من معاريض كلامه ". ومنها: أن الحق عند الله واحد، وإن كان قد جعل لكل بأن يتكلم فيه على اختلاف ظاهر الرأي، إذ إنكار موسى فعل الخضر - صلى اللًه عليهما - كان حقَا في الظاهر عنده، وفعل الخضر هو الحق عند الله في الباطن. ومنها: الحجة في قبول خبر الواحد، لأن موسى - صلى الله عليه - ترك ما عرفه من تحريم القتل، وخرق السفينة بخبر الخضر،

стр. 743

إذ كان عنده صادقًا ولزمته الحجة بقوله: حتى عاد الحرام عنده حلالاً. ومنها: أن إحياء الحقوق بذهاب بعضها قربة إلى الله إذا لم يوجد السبيل إليه إلا بذلك، لأن الخضر - صلى الله عليه - قد أنقص بخرق السفينة من ثمنها طمعًا في أن يبقى أصلها لأصحابها. ومنها: أن كسب الملاحين حلال، واشتراكهم في عمل السفينة جائز. ومنها: أن اسم المسكنة واقع على من له البلغة من العيش، لأن الخضر - صلى الله عليه - قد سمَّى من له سفينة يعمل فيها مسكينًا. وقد أخبر الله عنه به في جملة ما أخبر من الحق.

стр. 744

ومنها: أن للمسافر أن يستطعم من ينزل به إذا عدم ما يأكله، ولا تكون مسألة، لأنهما سألا حقهما لوجوب الضيافة على أهل المنازل للمارة. ألا تراه يقول: (فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا) ومنها: أن إباحة المكاسب وأخذ الأجرة على العمل وفي ذلك ْتجهيل من يحرم الكسب من الصوفية، لأن موسى - صلى الله عليه - قال له: (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) فلم ينكر الخضر ما قال، بل أعلمه أن الانتظار به إلى وقت اتخاذه الأجر لم يمكنه لما خَشي من ظهور الكنز بعد انقضاضه. ذكر المعتزلة وقتل الغلام الذي طبع على كافرا. وفي قوله تعالى: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) حجة على المعتزلة والله شديدة، لأن الأُمة بأسرها مجمعة على أن

стр. 745

المولودَ بين أبوينِ مؤمنينِ يكون مؤمنا، وهذا مولود طبع كافرا، وأبواه مؤمنان، وليس في ذلك ارتياب بتة لإباحة قتله، ولإخبار الكفر عنه بلفظه. فلو لم يكن من الحجة عليهم إلا هذا الغلام المخلوق كافرًا. وإباحة قتله قبل بلوغ الحنث وجري القلم عليه، والسلك به غير مسلك أبويه لكفى، فأين تحذلقهم، وادعى الفلسفة في معرفة عدل الله عندهم بعقولهم الناقصة العاثرة، وهل يقدرون في هذا الموضع إلا على التسليم لعدل لا يعرفونه ضرورة، فيلزمهم أن يسلموه في باب القضاء والقدر ضرورة، أو يكفرون بالقرآن وينسبون الخضر - صلى الله عليه - إلى أنه قتل في الحقيقة نفسا زكية بغير نفس كما رأى موسى - صلى الله عليه - من ظاهر فعله، وكيف لهم بذلك - ويلهم - وقد سلمه موسى للخضر وعلم أنه الحق. ثم أخبر الله نبيه - صلى الله عليه - وأنزله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه من غير إنكار عليه، بل أخبر أنه فعل بأمره ﵎ حيثما يقول إخبارًا عنه - صلى الله عليه -: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)

стр. 746

ومنها: إباحة كنز الكنوز وحفظ الأموال على الصغار إلى وقت البلوغ. واختلف في الكنز أي شيء كان. فمنهم من قال: كان لوحين فيهما علم، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " كان ذهبا وفضة " من أيهما كان فهو حجة فيما قلناه، لأن اللوحين أيضًا قيمة.

стр. 747

سورة مريم * * * قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) حجة في تسمية المخلوقين بأسماء الله، إذا الولي اسم من أسمائه. وقد كثرت الحجج فيه، وليس للتكرير فيه موضع. ذكر ليس الخبر كالمعاينة. وقوله إخبارًا عن زكريا: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) إلى قوله: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً)

стр. 748

دليل على تثبيت الخبر المروي وصحته " ليس الخبر كالمعاينة ". وذلك أن زكريا - صلى الله عليه - لم يَشْكُ إلى ربه وَهَن عظمه،

стр. 749

واشتعال الشيب في رأسه إلا وهو موقن بإجابة دعوته، ثم بشره الله ببشارة الغلام فقال ما قال وهو عالم بأن ربه يقدر عليه فلا وجه له - والله أعلم - غير ما قلنا من أن المعاينة في الأشياء أبلغ من الخبر. وإن كان الخبر بالغا عند المؤمنين. ومثل هذا - والله أعلم - قصة إبراهيم - صلى الله عليه - حيث سأل ربه عن كيفية إحياء الموتى فقال له: (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) . وكان بعض الناس يقول في (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) : أنه طمأنينة قلبه إلى إجابة دعوته، والآية لا تدل

стр. 750

على قوله، ولهذا القول أيضا خبر قد قيل قوله ﷺ : " نحن أحق بالشك من إبراهيم " صلى الله عليه. ذكرمن حلف أن يكلم رجلاً. * * * قوله: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) دليل على من حلف أن لا يكلم رجلا فكتب إليه أو أشار أنه لا يحنث، لأن زكريا لم يخرجه من الآية إفهام قومه بما قام عندهم

стр. 751

مقام الكلام في الفهم، ولم يكن كلاما، ويؤيده حديث رسول الله - ﷺ حيث أشار في الصلاة برد السلام، وأشار إلى أبي بكر ﵁ حين أراد أن يستأخر أن يثبت مكانه. والصلاة لا يجوز فيها الكلام فلم يقِم رسول الله ﷺ -

стр. 752

الإشارة مقام الكلام في قطع الصلاة، وقد أفهم بها إفهام الكلام، فلا يجوز أن يكون إبداء شيء يفهم فهم الكلام كلامًا. فإن قيل: ما تقول في رجل كتب بطلاق امرأته ولم ينطق به لسانه أيلزمه أم لا. قيل: حكم النظر ودليل الكتاب والسنة أن لا يلزمه من أجل أن الطلاق لما كان من حكمه أن يوقع بإفصاح النطق، وإرادَة القلب فكتبه كاتبا مريدا لوقوعه وهو يقدر على أن يلفظ به فسكت لم يجز أن يوقع عليه ما لا يلفظ به، وقد أجمعوا جميعا لا تنازع بينهم على أن الرجل لو

стр. 753

أراد طلاق امرأته فتهجاه بقلبه مريدًا لوقوعه، قاصدا له لم يلزمه وإن كان كذلك حتى ينطق به، وليس بين تهجيه بقلبه وكتبه بيده فرق في النظر، لأن الكاتب إنما كتب تلك الحروف التي أمرها المريد على قلبه فقط، ولو كتبها ولم يرد إيقاع الطلاق بها لما لزمه عند الجميع طلاق. فحصل من هذا أنْ الموقع لطلاق الكتاب غير اللافظ أوقعه بالإرادة المفردة التي لا يقع بها طلاق عند بشر، فما باله يوقع بها إذا اقترنت مع فعل لا يقع به على الانفراد شيء ولا بها، وحكم ما لا يقع به في الاقتران والانفراد واحد وإن تميزه، أفنجعل حكم الكتابة أبلغ من حكم اللفظ الذي لا يوقع به إذا عري من الإضمار والقصد بينه وبين الحالف شيئا، هذا ما لا يذهب على ذي فهم إذا تدبره.

стр. 754

ولا أعلمهم يختلفون أن الولي لو كتب بتزويج من يزوج، وكتب الخاطب بالقبول مريدين بعقده وهما ناطقان سامعان عاريان من الخرس والطرش أن النكاح لا ينعقد به، ولو كتبت الثيب وهي ناطقة بالرضا لم يجز الأخذ به. والنكاح عقدة هذا الحل الذي يحله الحال بالكتابة فما بال الكتابة تعمل في الحل فلا تعمل في العقد،

стр. 755

فإن قيل: أفليس كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر وغيرهما فلزمتهم الحجة بكتابه كما لزم الحاضرين بقوله. قيل له: نحن لم ننفِ أن الكتابة لا تفهم إفهام الكلام حتى يحتج علينا بكتاب رسول الله ﷺ إلى قوم، ولكنا نزعم أنها وإن أفهمت فهم الكلام فليست بكلام، وشرط الطلاق في الأصل أن لا يقع إلا على الناطق بالكلام، وليس شرط لزوم الحجة أن لا يلزم إلا بالنطق. ألا ترى أن القرآن حجة الله على خلقه أمره أن ينذر به الناس فقال: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) ، فكان يتلوه ﷺ على الناس منذرَا به فيلزمهم به الحجة، وليس هو كلامه، وينذر فيه الرجل متبينًا لأمره ونهيه فيلزمه حجتهما وليس هناك نطق، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل الفعل فيلزم به الحجة، ويرى الشيء يعمل ولا

стр. 756

ينكر، أو يبلغه فلا ينكره ويلزم بكل ذلك الحجة، وليس هناك كلام. فليس لاحتجاج الحجيج بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى من كتب في لزوم الحجة لزومها بالكلام متوصلًا به إلى إيقاع الطلاق وجه لمن تدبره. ونحن مقرون بأن الكتاب ينوب عن الكلام في الإفهام، ونرى الناس جميعا يستعملونه بينهم في الرقاع والكتب من بلد إلى بلد، وتنفذ كتب الأئمة بالولايات والأحكام فتفهِم فَهم الكلام وتقبل ولكنها لا تعد كلاما. ألا ترى أن رجلاً لو حلف أن لا يتكلم فكتبه كلاما أنه غير متكلم. ولو كان شَرْط لزوم الحجة أن لا يلزم في الأصل إلا بالكلام. ثم كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر

стр. 757

فلزمتهما الحجة بكتابه لكان الاحتجاج حينئذ أشبه للقائسين عليه كتاب المطلقين وكان يكون عندنا مسلما في وضعه، فكيف وليس شرط لزوم الحجة الكلام دون غيره كشرط الطلاق في الأصل. فإن قيل: فقد قال رسول الله ﷺ : " تجاوز الله لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تنطق به أو تعمل به " والكتابة عمل. قيل: الأمة تحدث أنفسها بشيئين: أحدهما: ما ينطق به، والثاني: ما يعمل به. والطلاق مما ينطق به، فنفسر ما احتج به حجته عليه لأنه حدث نفسه بالطلاق وهو من سلطان النطق فلم ينطق به، وليس للعمل سلطان على الطلاق نفسه، لأن الطلاق لا يعمل عملا إنما ينطق به نطقا، والذي عملت اليد فيه منه فهو حروف هجائية لا الطلاق الواقع على زوجته. أرأيت رجلا كتب حروف الطلاق في كتاب وهو لا يريد به طلاقا وقد كتبه ثم قال: قد طلقت هذه الحروف أيقع على امرأته طلاق. فإن قال: يقع عليها طلاق، فخالف كافة الأمة، وأبدع في الدين ما ليس فيه، وأحال القول.

стр. 758

وإن قال: لا يقع بذلك طلاق. قيل له: فما الذي يوقع على كاتب الطلاق طلاقا لِنية في الكتابة، أو الكتابة نفسها، أم مظاهران معًا في إيقاع الطلاق على الكاتب. فإن قال: النية وحدها، أم الكتابة وحدها أحال القول وخالف الأمة، فإن قال: الظاهر هو الذي يوقع. قيل له: هل رأيت شيئين كلاهما على الانفراد موصوفين بصفة زوال السلطان، فإن اجتمعا صار لهما بأنفسهما سلطان من غير أن يستعينا بشيء غير أنفسهما تقويهما وتجعل لهما سلطانًا. هذا ما لا يذهب على من ميزه من العامة، فكيف على أهل العلم المفتين، وعلى الدقائق غائصين. فإن قيل: فأنت لا توقع بالنطق وحده طلاقًا، ولا بالإرادة مفردة. فإذا اجتمعا أوقعت بهما وهو نفس ما أنكرته. قيل: النطق الذي لا أوقع به طلاقًا هو الذي يأوي فيه إلى ما لا يقع به طلاقًا كقوله: طلقتك من وثاقك، إذ لا إرادة فيما صرح به من هذا

стр. 759

أو يكون نطق على الغلط من أن يريد أن يتكلم بشيء فيجري على لسانه الطلاق. فهذا وما يضاهيه لا يقع فيما بينه وبين الله. فأما النطق على الانفراد الذي يوقع طلاقا مع النية فمعوز توهمه. فكيف النطق به كما يكن كتب حروف الطلاق على القصد والغلط معًا. فإذا كان النطق الذي يقع به الطلاق لا يمكن إفراده على قصد كما يمكن إفراد كَتْب حرفه على النطق الذي قصد الكتابة دون إحضار النية في وقوعه - لأنه إذا نطق بقصد فقد جمع - كان الجمع بينه في الداخلة وبين ما أنكرناه من إفراد النية وإفراد الكتابة والجمع بينهما ظلمًا بينا - واللَّه أعلم -. فهذا حق النظر وما دل عليه لفظ الكتاب والخبر، فإن أمكن أحد

стр. 760

إيجاد الإجماع في إيقاع الطلاق بالكتابة من غير نطق به فالتسليم له واجب وإن أعوزه إيجاد الإجماع وهو معوز، فيما قلناه واضح لا إشكال وسواء كان الكاتب بالطلاق حاضرا أو غائبا، لأنه يمكنه أن يلفظ به في الغيبة والحضور ثم يكتبه فلا يقع أبدًا عليه طلاق ألا ينطق بقصده أحكام. ولد الزنا. وقوله تعالى إخبارا عن مريم: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) دليل على أن ولد الزنا يلحق بأمه، ويكون منسوبا إليها. ألا ترى أنها نسبت مولود البغي إليها كما ينسب إليها ولد الحلال فلم ينكر عليها الملَك، بل أعلمها بأن الله - جل وتعالى - هين عليه أن يرزقها غلاما بغير إمساس ذكر، ويجعله آية للناس. فهو واضح لمن تدبره.

стр. 761

ذكر الرطب للنفساء. * * * وقوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) دليل على أن الرطب للنفساء نافع. ذكر الإشارة. قوله إخبارًا عن مريم حيث قال لها قومها: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)

стр. 762

يؤكد ما قلنا من أن الإشارة وإن قامت في الإفهام مقام الكلام فليست بكلام، لأن مريم - صلى الله عليها كانت نذرت أن لا تكلم شيئا فلم تخرجها الإشارة إلى ابنها عيسى ﷺ من النَذر، ولا عدت كلاما يخرجها منه.

стр. 763

ذكر تربية المولود فى المهد. * * * وقوله: (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) دليل على أن تربية المولود في المهد سنة المولود، لأن فعل مريم بابنها ﵉ سُنة ولنا قدوة.

стр. 764

الجهمية. قوله إخبارًا عن إبراهيم ﷺ : (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) رد على المعتزلة والجهمية. إذ لا ينكر إبراهيم على أبيه ما لا يسمع ولا يبصر إلا ومعبوده يبصر ويسمع ويغني عن كل شيء. وقوله إخبارًا عن إبراهيم: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) حجة في إجازة السلام على ذي الرحم مِنَ الكفار، فيكون ذلك جائزًا بالقرآن، وعلى الأجنبيين ممنوعا بالسُّنة. وليس تأويل من تأول نهي النبي ﷺ عن إبداء أهل الكتاب بالسلام من جهة أنه أمان، وتطرقه إلى جوازه بسلام

стр. 765

إبراهيم على أبيه بشيء، لأن النهي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر واقع، والتأويل ظن من المتأول. ألا ترى أن الله ﵎ أمر موسى وهارون - صلى الله عليهما - في مخاطبة فرعون أن يقولا: (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) . وقد أمرهما بتليين القول له، والسلام ألين القول فلم يجز لهما أن يخصاه به، وفرعون أجنبي منهما، وأجازه لإبراهيم على أبيه. فدل ذلك على أن ذا الرحم يخص به، والأجنبي لا حظ له فيه. فهذا أحسن وأولى من تأويل يرد به ظاهر سُنة ثابتة يشهد لها دليل القرآن واللًه أعلم.

стр. 766

ذكر الولد الصالح. * * * وقوله: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)

стр. 767

حجة فى أشياء: فمنها: أن طاعة المؤمن تثمر له الثواب في الدنيا والآخرة. ومنها: أن الولد الصالح من نعم الله على أبيه وجده وليس بفتنة عليهما، وأن الولد الذي قال الله ﵎: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) هو الطالح لا الصالح، فتكون الآية عامة المخرج خاصة المعنى. إذ محال أن يَمتن على إبراهيم - بإسحاق وابنه يعقوب وهما فتنة. والدليل على صحة ذلك أنه قدقال قبل تلك الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) فجعله خاصا، فمن كان عدوا لأبيه فهو الذي

стр. 768

فتنة عليه. ولا يجوز أن يكون يحيى بن زكريا فتنة على أبيه، ولا إسماعيل وإسحاق فتنة على إبراهيم. وقد يجوز أن يكون الولد الصالح فتنة على أبيه وجده ما دام صغيرًا، فإذا كبر وظهر صلاحه، وبانت طاعته عاد نعمة عليه والدليل عليه أن النبي ﷺ أبصر الحسن والحسين وهو على المنبر، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل إليهما وحملهما وعاد إلى المنبر ثم قال: " صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) ، إني لما نظرت إلى هذينِ الغلامينِ يمشيانِ ويعثرانِ لم أتمالك أن نزلتُ إليهما فحملتهما " (٢) . فقال هذا فيهما

стр. 769

وهما صغيران فلما كَبِرا عادا نعمة عليه بما صار لهما من الجلال والمحل في الإسلام، فلم يجز أن يعدا حينئذ في عداد الفتن. ومنها: أن الثناء الحسن جليلة جميلة يُلبِس الله عبدَه المؤمن التقي. لأن لِسان صدق في هذا الموضع هو الثناء الحسن. والله أعلم. وإذا كان الله بجوده جعله في عداد النعم، ومدح به من جعله فيه لم يجز للمؤمن أن يكرهه، وكان له أن يفرح به ويعده من كبار نعم الله عليه. ومنها: أن الشيء إذا سمي به شيئا جاز أن ينقل إلى غيره لسعة اللسان، إذا اللسان المعروف عند العامة هو الذي ينطق به، وقد نقل في هذا الموضع إلى الثناء الحسن. ذكر تناول الأب مال ولده. قال محمد بن علي: وكان بعض النظار يجعل هذه الآية حجة في تناول الأب مال ولده، ويؤيده به الحديث المروي: " أنت ومالك

стр. 770

لأبيك "، ويزعم أن الله لما وَهبَ إسحاقَ لأبيه، وقال في موضع

стр. 771

آخر: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) لم يكن للموهوب أن يمتنع على من وهب له، والهبة تصير ملكا للموهوب له، فكل ما أضيف إليها كان منها. وليس هو عندي كذلك، لأن الهبة في هذا الموضع هي هبة نِعمة لاَ هِبة مُلك، إذ لو كانت هبة ملك لجاز للوالد أن يبيع ولده كما له عند هذا الناظر - أن يأخذ ماله بغير أمره - ولما جاز للولد أن ينفق من ماله إلا بإذن أبيه، ولما جاز له وطء جاريته يشتريها بالمال الذي هو في يديه إذ كان ملكه لأبيه حتى يهبها له أبوه، ولما صحت فيه هبته أيضا، لأن أكثر حال الهبة أن تصير ملكا للموهوب له كما كان سائر ماله، ولكان الوالد أحق بوطئها، وَلمَا حكم على الموسر إذا كان له والد بصداق نسائه ونفقاتهن، ونفقة صغار أولاده وعبيده وخدمه، ودفع ديون الناس إذا

стр. 772

طالبوا بها، وفي ذلك عكس أحكام الإسلام كلها، وفي توريث الله - جل وتعالى - مع الوالد بعد موت الولد غيره، والاقتصار به على نصيب معلوم أوضح البيان، وأدل دليل على أنه غير مالك مال ولده في حياته إذ لو كان له مال في حياته لأخذه بعد وفاته، ولم يأخذ معه غيره والخبر المروي في: " أنت ومالك لأبيك " مرسل، ولا يثبت به حجة. وقد وصله من ليس محله محل الاتفاق ولا هو بحجة في أئمة النقل، وما كان هذا سبيله لم يصلح أن يتخذ دعامة ولا يكون حجة وسيما إذا دفعوا القرآن، وكان فيه عكس أحكام الإسلام. فإن احتج محتج بحديث عائشة عن النبي ﷺ : " إن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم ".

стр. 773

وقال: " كسب الرجل له ". قيل: الخبر صحيح لا مطعن في إسناده، ولكنه موافق لما افتتحنا به هذا الفصل من أن الطاعة تثمر ثواب الدنيا والآخرة فالولد كسب الطاعة لا كسب التجارة المدارة بيننا في الأسواق. ألا ترى أن إسحاق ويعقوب وُهِبَا لإبراهيم جزاء على اعتزاله عبادة الأصنام. والدليل على أن فعل الطاعة تسمى كسبًا:

стр. 774

قوله ﵎: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) . وقال: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) . ومثله في القرآن كثير. وكان ولد المؤمن من كسبه أي كسب من طاعته، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " فكلوا من أموالهم " خصوص في شيئين. أحدهما: إباحة الأكل الظاهر المخرج، وإن كان يحتمل غيره. والثاني: الاقتصار في الأكل على بعضه لقوله: " فكلوا من أموالهم "، ولم يقل: فكلوا أموالهم. ومن مقتضاه خصوصًا لا عمومًا، وقد قال ﵎ على إثر الآية المبتدأ بها الفصل: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)

стр. 775

وقال في أيوب: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) فهل يجوز عند هذا الناظر أن يأخذ الرجل مال أخيه ومال أهله ويتملكه عليهما بغير إذنهما من أجل أن الله ﵎ جعلهما هِبة له كما جعل الولد هِبة لأبيه، وجعله رسوله - صلى الله عليه وسلم - كسبًا له. وكل هذا الاحتجاج لا يوهن نفقة الأبوين على الولد الغني زمِنينِ كانا أم صحيحين، وقد بيناه في كتاب آخر بحججه.
следующие страницы →