Полный текст (1 832 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
آخر: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا)
لم يكن للموهوب أن يمتنع على من وهب له، والهبة تصير
ملكا للموهوب له، فكل ما أضيف إليها كان منها.
وليس هو عندي كذلك، لأن الهبة في هذا الموضع هي هبة نِعمة لاَ
هِبة مُلك، إذ لو كانت هبة ملك لجاز للوالد أن يبيع ولده كما له عند هذا
الناظر - أن يأخذ ماله بغير أمره - ولما جاز للولد أن ينفق من ماله إلا بإذن
أبيه، ولما جاز له وطء جاريته يشتريها بالمال الذي هو في يديه إذ كان ملكه
لأبيه حتى يهبها له أبوه، ولما صحت فيه هبته أيضا، لأن أكثر حال الهبة
أن تصير ملكا للموهوب له كما كان سائر ماله، ولكان الوالد أحق
بوطئها، وَلمَا حكم على الموسر إذا كان له والد بصداق نسائه
ونفقاتهن، ونفقة صغار أولاده وعبيده وخدمه، ودفع ديون الناس إذا
стр. 772
طالبوا بها، وفي ذلك عكس أحكام الإسلام كلها، وفي توريث الله -
جل وتعالى - مع الوالد بعد موت الولد غيره، والاقتصار به على نصيب
معلوم أوضح البيان، وأدل دليل على أنه غير مالك مال ولده في حياته
إذ لو كان له مال في حياته لأخذه بعد وفاته، ولم يأخذ معه غيره والخبر
المروي في: " أنت ومالك لأبيك " مرسل، ولا يثبت به حجة.
وقد وصله من ليس محله محل الاتفاق ولا هو بحجة في أئمة النقل، وما كان هذا سبيله لم يصلح أن يتخذ دعامة ولا يكون حجة
وسيما إذا دفعوا القرآن، وكان فيه عكس أحكام الإسلام.
فإن احتج محتج بحديث عائشة عن النبي ﷺ :
" إن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم ".
стр. 773
وقال: " كسب الرجل له ".
قيل: الخبر صحيح لا مطعن في إسناده، ولكنه موافق لما افتتحنا به
هذا الفصل من أن الطاعة تثمر ثواب الدنيا والآخرة فالولد كسب الطاعة لا
كسب التجارة المدارة بيننا في الأسواق. ألا ترى أن إسحاق ويعقوب وُهِبَا
لإبراهيم جزاء على اعتزاله عبادة الأصنام.
والدليل على أن فعل الطاعة تسمى كسبًا:
стр. 774
قوله ﵎: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) .
وقال: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) .
ومثله في القرآن كثير.
وكان ولد المؤمن من كسبه أي كسب من طاعته، وقوله - صلى الله
عليه وسلم -: " فكلوا من أموالهم "
خصوص في شيئين.
أحدهما: إباحة الأكل الظاهر المخرج، وإن كان يحتمل غيره.
والثاني: الاقتصار في الأكل على بعضه لقوله: " فكلوا من أموالهم "، ولم يقل: فكلوا أموالهم.
ومن مقتضاه خصوصًا لا عمومًا، وقد قال ﵎ على إثر
الآية المبتدأ بها الفصل: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)
стр. 775
وقال في أيوب: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)
فهل يجوز عند هذا الناظر أن يأخذ الرجل مال أخيه
ومال أهله ويتملكه عليهما بغير إذنهما من أجل أن الله ﵎
جعلهما هِبة له كما جعل الولد هِبة لأبيه، وجعله رسوله - صلى الله عليه
وسلم - كسبًا له. وكل هذا الاحتجاج لا يوهن نفقة الأبوين على الولد
الغني زمِنينِ كانا أم صحيحين، وقد بيناه في كتاب آخر بحججه.
стр. 776
ذكر الرد على من يقول بخلق القرآن.
* * *
وقوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ)
(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) .
حجة على من يقول بخلق القرآن، إذ لا يمكنه أن يقول في المناداة
ما يتأوله في الكلام، وإن كان ما يتأوله فيه خطأ.
стр. 777
قوله: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)
أكده بلا أشكال، لأن النجي لا يكون إلا من يكلم ويحاور.
وفيه حجة على من ينكر أن الله ﷻ بنفسه في موضع دون
موضع، وأنه على العرش وعلمه في الأرض. إذ لو كان بنفسه
في كل موضع كما يزعمون ما كان لقوله: (وَقَرَّبْنَاهُ) معنى، ولما
كان لموسى فضيلة على غيره. إذا المعنى الذي يذهب إليه يستوي جميع
الناس فيه كافرهم ومؤمنهم، وليس لما يتأوله من أن القرب قرب
الطاعة، لما قربه بالمناجاة ولذا روي في الخبر: " أنه قربه حتى سمع
صريف القلم ".
стр. 778
البكاء والتسبيح.
(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)
حجة في جواز البكاء في السجود، والاقتراب به من المعبود.
وكذلك قوله في آخر سورة بني إسرائيل: (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) .
فهذا نظير تلك، وفيها زيادة دَليل
هو أن التسبيح في السجود صلاة، وسجود القرآن سجود واحد
стр. 779
والقول فيها قول واحد، وأن كل كلام في الصلاة يراد به دعاء وذكر مباح
في الصلاة لا يقطعها كما يقطعها الكلام في أمر الدنيا، وما ليس من
سبب الصلاة.
ذكر تكفير تارك الصلاة.
وفي قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ)
دليل على أن الإنسان يدرك ما يكفر، لقوله: إن إضاعتها تركها لا
تأخيرها عن وقتها كما يزعم بعض المفسرين لقوله ﵎: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) ، فذكر الإيمان مع التوبة.
وفيه تأكيد قولنا: في أن تارك الصلاة بلا عذر يكفر.
* * *
وقوله: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا) - والله أعلم -
стр. 780
مستثنى من المسموع، إذ كل مسموعٍ مِنَ اللغو وغيره مسموع، وهو نظير
ما مضى من رد استثناء إبليس من السَّاجدين في ذكر الملائكة. وكل هذا
دليل على سعة لسان العرب، والقرآن بلسانها نزل.
ذكر أنجزاء الأعمال مواريث.
* * *
قوله: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا)
حجة للصوفية فيما يسمون جزاء الأعمال مواريث، لأن الجنة وإن
كانت من ميراث الآخرة فهي ثواب عمل وكل ثواب مثله.
стр. 781
ذكر أن العبادة ثقيلة.
* * *
وقوله: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ)
دليل على أن العبادَة ثقيلة مملوة، والمؤمن مأمور بالصبر عليها إذ
اسم الصبر لا يكون إلا مقرونَا بالكراهة والصعوبة.
خصوص.
* * *
وقوله: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)
خصوص لا محالة، لأن هذا قول بعض الناس دون بعض.
стр. 782
ثم قال: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ)
عموم، لأن الحشر لا يكون إلا للجميع.
فأي شيء يلتمس في سعة اللسان بعد هذا، وابتداء الكلام خصوص
وآخره عموم من غير حائل لفظ بينهما يرد خصوصًا إلى عموم المعنى
المفهوم منه.
ذكر المعتزلة.
* * *
وقوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)
حجة على المعتزلة في الوعيد شديدة، لزعمهم أن الداخل من
الموحدين النار لا يخرج منها أبدًا، وهذا نص القرآن يخبر بورود الجميع
إياها وصدر المتقين عنها.
стр. 783
فإن زعموا أن الورود ليس بورود النار كذبهم أول الآية، لأنه ذكر
الحشر وذكر جهنم بلفظها.
فإن قالوا: قد قال: (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)
كانت عليهم فيها حجتان:
إحداهما: أنهم لا يقولون ولا غيرهم أن أحدا يخلد حول جهنم، ولا
يعذب به ثم ينجو عنه حتى يصرفوا النجاة التي ذكره الله إلى الخلاص
стр. 784
من حولها لا منها نفسها.
والثانية: أن هاء التأنيث في قوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) قد
стр. 785
أذهبت كل ارتياب بأنه ورود النار. إذ لو أريد حوله لكان: (إلا
وارده) ، لأن الحول مذكر، فقد دل هذا على أنهم يحضرون حولها
أجمعين ثم يردونها فينجوا المتقون، ويبقى الظالمون فيها جثيا.
فإن قالوا: أليس قد رويتم في بعض تفاسيركم أن الورود هو ورد
الحمى.
قيل: ليس كلما نرويه نصححه، وكيف يكون صحيحا والله
يقول: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) ،
ونحن نرى عيايا أن الحمى إذا أخذت الظالم في وقت فارقت كما تفارق
التقي، فلو كان كذلك لبقي جَمّ من الظلمة فيها أبدا، فهذا واضح
أنه ورود جهنم في الآخرة لا ورود الحمى في الدنيا، ونحن نقول بعد
تصحيح مقالتنا في الورود الذي في كتاب الله أنه ورود جهنم وأن
الحمى من فيحها في الدنيا كما قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فإنه إذا أخذت منا أحدًا أبردناها بالماء ائتمارًا لرسول الله -
ﷺ وقبولاً لوصيته،
стр. 786
ولا يكون ذلك نقضًا للورود في الآخرة.
وبعد فلو كانت روايته عن سعيد بن جبير أن الورود هو ورود الحمى
لا ورود جهنم صحيحة، وكان القرآن لا يدفعها ما كان لهم علينا فيها
شيء، بل كانت لنا عليهم إذ استعظامهم لخروج موحد من النار بعد
دخوله إياها هو من أجل خلف الوعد الذي لا يجوز على الله عندهم. فإن
كان إخراج من دخلها عظيمًا عندهم فينبغي أن يكون الصفح عمن أوعد
إدخالها بذنوب اقترفها أعظم عندهم من الباب الذي يذهبون إليه.
أولا يعلمون أن الخلف في اللغة هو: ترك إنجاز الخير،
стр. 787
والصفح في الوعيد كرم لا خلف كما دللنا عليه في سورة التوبة عند
انتهائنا إلى قوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ) .
فإن كانت الاستراحة إلى قول سعيد بن جبير آثر عندهم في الورود مما يدل عليه القرآن فِرارًا من كسر قولهم في خروج من دخل النار منها فنحن نسامحهم، لأن الذي نريده من إيضاح خطأ ما ذهبوا
إليه في الوعيد من أجل الخلف قلبه عليهم من قول سعيد بل العفو عن
الموعد والاقتصار منه على حرِّ الحمى في الدنيا أبلغ فيما يريد، وأرجو
أن يفعل الله ذلك بأكثر المؤمنين على رغم من إنافهم، فقد روى
стр. 788
مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة ﵂
- قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الحمى
حظ كل مؤمن من النار"، ورواه أنس ﵁ أيضا من
стр. 789
رواية قتادة عنه مرفوعَا، وروى أبو حصين، عن أبي صالح
الأشعري، عن أبي أُمامة، عن النبي ﷺ
قال: " الحمى كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان
حظه من النار ".
стр. 790
وروى هذا الحديث أيضا شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن النبي ﷺ -
стр. 791
أنه عادَ رجلاً من وعك به فقال: " يقول الله -
﵎: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من
النار "، وحديث أبي بردة عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ -
стр. 792
في تجعيل اليهود والنصارى فداء للمسلمين من النار مشهور.
فهذه الأخبار موافقة لتفسير سعيد بن جبير في الحمى والروايات
الأخر أن قوما يخرجون من النار بعدما دخلوها فيسمون بعد إدخالهم
الجنة الجهنميين، حتى يغيرون فيها، فيذهب الله عنهم سِيماء أهل
النار موافقة لدليل القرآن في الورود، وأيهما كان من هذين فهو لنا
стр. 793
لا لهم، وأنا آمل أن يكون كل ذلك مؤتلفا غير مختلف، فيكون ما دل
- عليه القرآن في الورود ورود لا يحرق ولا يؤلم كما روي في الخبر: " إذا
ورد المؤمن النار لتحلة القسم نادته جهنم يا مؤمن أطفأ نورك لهبي ".
стр. 794
ويقول أهل الجنة إذا دخلوا الجنة: " ألم يعدنا ربنا أنا نرد النار، فيقال
لهم: بلى، ولكنكم مررتم بها وهي خامدة ".
стр. 795
فإذا خرجوا منها سموا جهنميين، ويكون حظهم من ألمها ما وصل
إليهم من مس الحمى وألمها إذ كانت من فيحها.
فإن قيل: فَمَن الذي تسميهم الجهنميين، وكل يَرِدها ممن يخلد ومن
يخرج منها.
قيل: قد يجوز أن يكون الورود من جميعهم فمن لم تمس منه شيئا ولم
تسمه بسمة وتغير من مَست منه ووسَمَته بسمة ويسمونهم جهنميين.
فإن قيل: فما بالك تقول: مرة لا تمس منهم ولا تؤلمهم، ومرة
تجعل الألم والمسيس خصوصا لقوم دون قوم.
قيل: هي أخبار مروية بعضها أثبت من بعض وأقوى دعامة في
الإسلام. ومن وجد شيئا من الرجاء والتأميل لم يضمن زوال الخلل
كله عنه، والذي ليس بمخلول ما دَلت عليه التلاوة من القرآن.
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه من أن الورود من
стр. 796
الجميع ورود واحد ثم ينجي الذين اتقوا، وتكون نجاتهم على وجهين.
فمن وردها لِتَحلة قَسَمه - جل وتعالى - صدر عنها بنعمته غير
ممسوس بألم إن شاء الله.
ومن وردها باقتراف ذنوبه أمسه الله من ألمها ما شاء، ثم أخرجه منها
إذا شاء، وترك الظالمين فيها جثيًّا.
ومن الأخبار الصحيحة التي لا نشك في أسانيدها خبر مالك بن
أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن
رسول الله ﷺ قال: " من قدّم من المسلمين
ثلاثة من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القَسم ".
وخبر أبي نضرة، عن أبي سعيد وإن لم يوازِ هذا فهو
стр. 797
يقاربه في الصحة أن رسول الله ﷺ قال: " أما أهل
النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون، وأما قوم دَخلوها
بذنوبهم فإنهم يموتون فيها، ويصيرون كالحمم فيمكثون فيها ما شاء اللَه
حتى إذا أراد الله أن يعتقهم انطلق بهم إلى نهر يقال له: الحياة، فينبتون
فيه نبات الحبة في حميل السيل ".
стр. 798
وحديث جابر بن عبد الله حين أهوى بأصبعيه إلى أُذنيه وقال: صُمَّتا
إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الورود
الدخول لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلاما
كما كان على إبراهيم حتى إن لسقر - أو قال: لجهنم ضجيجًا من
بردهم، (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) "
فالمعول على هذا التصديق القرآن إياه في الورود.
стр. 799
وفي قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) .
فدل أن من دخل النار من الموحدين فمسته مات فيها، إذ محال أن يخص الكافر بصفة في عذابه فيشاركه فيه المؤمن، والله أعلم.
قال محمد بن على: ولأهل الأعراف حالة غير هذه كلها قد بيناها في
موضعه.
* * *
قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا)
حجة على المعتزلة والقدرية.
стр. 800
ذكر زيادة الإيمان.
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)
(حجة على المرجئة في زيادة الإيمان.
ذكر القدرة.
* * *
قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)
حجة على المعتزلة والقدرية في إرسال الشياطين، وهو يؤيد ما قلناه
стр. 801
قبل هذا من أن الشيطان مخلوق نِقمة لمن حقت عليه كلمة ربه يزعجه إلى
معاصيه، والكفر بإرسال ربه عليه.
ذكر سعة لسان العرب.
* * *
قوله: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)
دَليل على أشياء:
فمنها: تأكيد قراءة من قرأ في سورة الأنعام: (وَاَللَّهِ رَبِّنَا)
بالنصب على سعة اللسان، بالرجوع من الخبر إلى المخاطب المواجه ألا
تراه يقول: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)
بالنون إلى الرحمن،
стр. 802
ولم يقل: إلينا.
ولو كان الاختيار في (رَبِّنَا) بالخفض على النعت لكان - والله - كلا
هذا - والله أعلم - بالياء، يحشر على لفظ ما لم يُسَم فاعله إلى الرحمن.
ومنها: الرد على من يقول: إن الله ﷻ بنفسه في كل
مكان، ولا يكون في مكان دون غيره ولو كان جل وتعالى كذلك ما كان
لحشرهم إليه معنى، إذ هو معهم حيث يكونون.
ومنها: إجازة الإخبار عن الجميع بلفظ واحد في قوله: (وَفْدًا) ، ولم يقل: (وفودا) . وكذلك: (وِرْدَا) عن المجرمين.
* * *
قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)
стр. 803
يؤيد ما قلنا أيضاً في تأييد: (واللهِ رَبِّنَا) ، لأنه قال
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)
ولم يقل: جاءوا على لفظ الأول.
وكل هذا دليل على سعة اللسان بالخفض والنصب في القراءة مختاران
جميعًا لا يفضل واحد منهما على صاحبه، وفي هذا توسيع ما قلنا في
سورة فاتحة الكتاب من أن فيها إضمار قل، وتسهيل الكلام بإسقاطه.
ذكر أن البنوة والعبودة لا يجتمعان في حال واحدة.
) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)
دليل واضح لمن تدبره أن البنوة والعبودة لا يجتمعان في حال
واحدة، وأن من ملك ابنه عتق عليه، لأن الولد لا يكون عبدًا لأبيه
في حكم هذه الآية. والله أعلم.
стр. 804
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)
حجة على الجهمية في الوُدّ، وبيان لإعطاء المؤمن ثواب عمله في الدنيا والآخرة.
стр. 805
سورة طه
الرد على من يقول بخلق القرآن ولبس النجس.
* * *
قوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)
حجة على من يقول بخلق القرآن، ويزعم أن الله لا يجوز عليه الكلام
فيقال له: من نادى موسى بهذا النداء.
فإن قال: لم يناده ربه، إنما ناداه بعض ملائكته.
قيل: (إِنِّى أَنَاْ) راجع على من.
فإن قال: على الملك، كفر حيث جعله رب موسى - ولن يقوله
стр. 806
إن شاء الله -.
وإن قال: هو راجع على الله - جل الله -.
قيل له: أفيجوز أن يكون ذلك راجعَا عليه والنداء من غيره.
فإن قال: لا يجوز، إنه محال.
أقر بأن الله متكلم، وأن: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)
وكل ما بعده من (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) من الابتداء، والجواب لموسى كلامه، وكلامه لا يكون مخلوقا، لأنه صفة من صفاته، ولا يجوز عندنا وعنده وعند من يؤمن به أن يكون شيء من صفاته مخلوقا.
ولو كان: نودي يا موسى، إنه هو ربك، وهو اختارك أنه لا إله
إلا هو فاعبده، وأقم الصلاة لذكره، وكل ما بعده على هذا المعنى لكان
قوله حينئذ أوجه في المخلوق في حق الكلام، وإن كان خطأ من كل
جهة.
فهذا وما يشاكله في القرآن واضح بلا لُبسة أن الله متكلم ناطق، وإذا
كان متكلما ناطقا فما خرج منه من كلامه كان غير مخلوق، وانقطعت مادة
ما يوردون من المحالات في التطرق إلى خلقه من الجعل وغيره.
стр. 807
ويحتمل أن يكون قوله: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)
حجة في لبس النجس، والاستمتاع بغير طاهر في غير حين العبادات
فإذا جاء وقتها خلع وتجرد منه لها، وقد روي أن نعليه - صلى الله عليه -
كانتا من جلد حمارٍ ميت، وظاهر الكلام في الأمر بالخلع يدل على أنه
стр. 808
من أجل الوادي المقدس أمر بخلعهما لئلا يطأه بهما، لا أنه نهُي عن
لبسهما بكل حال.
ذكر الاستخبار.
* * *
وقوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)
حجة في الاستخبار عن الشيء الذي يعلمه المستخبر ولا يكون
стр. 809
حشوًا.
ذكر إجازة الجواب فوق الاستخبار.
(قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)
دليل على إجازة الجواب فوق الاستخبار.
ذكر - " الحيات.
* * *
قوله: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ)
دليل على اختصار الكلام، لأن ذكر الخوف لم يتقدم في
اللفظ فدل قوله: (وَلَا تَخَفْ) على أنه - صلى الله عليه - لما رأى
عصاه تحولت حية فرق منها.
стр. 810
وفيه دليل على أن أنفس البشر مجبولة على الخوف من المؤذيات، وأن
الخوف اللاحق بها عند رؤيته لها لا يحط من درجة التوكل شيئًا، وفي
ذلك دليل على أن قول النبي ﷺ : " فَمَن ترك منهن
شيئا خيفة فليس منا " أنه خيفة ما يلحقه من الحرج في قتلهن فأعلم أنه
مأجور من غير حرج مما يتقيه من ظهور الجان في خلقهن وصُورهن.
وسيما إذا كُن في الصحاري لا ما يخاف من توثبها عليه، إذ لا يكلفه
следующие страницы →