Полный текст (1 832 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
إن شاء الله -.
وإن قال: هو راجع على الله - جل الله -.
قيل له: أفيجوز أن يكون ذلك راجعَا عليه والنداء من غيره.
فإن قال: لا يجوز، إنه محال.
أقر بأن الله متكلم، وأن: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)
وكل ما بعده من (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) من الابتداء، والجواب لموسى كلامه، وكلامه لا يكون مخلوقا، لأنه صفة من صفاته، ولا يجوز عندنا وعنده وعند من يؤمن به أن يكون شيء من صفاته مخلوقا.
ولو كان: نودي يا موسى، إنه هو ربك، وهو اختارك أنه لا إله
إلا هو فاعبده، وأقم الصلاة لذكره، وكل ما بعده على هذا المعنى لكان
قوله حينئذ أوجه في المخلوق في حق الكلام، وإن كان خطأ من كل
جهة.
فهذا وما يشاكله في القرآن واضح بلا لُبسة أن الله متكلم ناطق، وإذا
كان متكلما ناطقا فما خرج منه من كلامه كان غير مخلوق، وانقطعت مادة
ما يوردون من المحالات في التطرق إلى خلقه من الجعل وغيره.
стр. 807
ويحتمل أن يكون قوله: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)
حجة في لبس النجس، والاستمتاع بغير طاهر في غير حين العبادات
فإذا جاء وقتها خلع وتجرد منه لها، وقد روي أن نعليه - صلى الله عليه -
كانتا من جلد حمارٍ ميت، وظاهر الكلام في الأمر بالخلع يدل على أنه
стр. 808
من أجل الوادي المقدس أمر بخلعهما لئلا يطأه بهما، لا أنه نهُي عن
لبسهما بكل حال.
ذكر الاستخبار.
* * *
وقوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)
حجة في الاستخبار عن الشيء الذي يعلمه المستخبر ولا يكون
стр. 809
حشوًا.
ذكر إجازة الجواب فوق الاستخبار.
(قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)
دليل على إجازة الجواب فوق الاستخبار.
ذكر - " الحيات.
* * *
قوله: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ)
دليل على اختصار الكلام، لأن ذكر الخوف لم يتقدم في
اللفظ فدل قوله: (وَلَا تَخَفْ) على أنه - صلى الله عليه - لما رأى
عصاه تحولت حية فرق منها.
стр. 810
وفيه دليل على أن أنفس البشر مجبولة على الخوف من المؤذيات، وأن
الخوف اللاحق بها عند رؤيته لها لا يحط من درجة التوكل شيئًا، وفي
ذلك دليل على أن قول النبي ﷺ : " فَمَن ترك منهن
شيئا خيفة فليس منا " أنه خيفة ما يلحقه من الحرج في قتلهن فأعلم أنه
مأجور من غير حرج مما يتقيه من ظهور الجان في خلقهن وصُورهن.
وسيما إذا كُن في الصحاري لا ما يخاف من توثبها عليه، إذ لا يكلفه
стр. 811
ما لاطاقة له به ونفسه مجبولة على خلافه.
ذكر المعتزلة.
* * *
قوله: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)
حجة على المعتزلة والجهمية شديدة لا مخلص لهم منها. إذ لو كان
معنى السمع والبصر معنى العلم والإحاطة لاقتصر - والله أعلم - على
(إِنَّنِي مَعَكُمَا) ولم يقل: (أَسْمَعُ) كما قال في سورة المجادلة:
(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) .
فلما قال: (أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) بعد تمام المعنى الذي يشيرون إليه أزال كل ريب، وكشف كل غمة عن أنه يسمع بسمع، ويرى ببصر غير مخلوقين.
стр. 812
ذكر الساحر.
* * *
قوله: (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)
دليل على أن أمر السحرة في أفاعلهم من تغيير خلق الصور تخييل لا
حقيقة. فمن زعم أنهم يقدرون على تغيير الصور وتحويلها عما خلقها الله
إلى غيرها فقد كفر، لمساواتهم بأفعالهم رب العالمين. ألا ترى أن الحاج
إبراهيم في ربه حيث قال له: (أَنَا أحيى وَأُمِيت) فلجه بقوله:
(فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)
فبهت حينئذ إذ ماله معوز عنده. وما يلحق المسحور من ضرر الساحر
فيما سوى هذا أيضا فبإذن ربه لقوله: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .
стр. 813
قوله: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً)
محقق لما قلنا: الأنفس مجبولة على الخوف من المؤذيات، بل هذا أوكد
من الأول، لأن الحية التي تحولت إليها عصاه كانت على الحقيقة حَية.
وما يخيل إليه من حبال السحرة وعصيهم كان باطلا لا حقيقة له.
فخاف منهما معا خوفا واحدا لظاهر سعيها.
وقوله إخبارا عن السحرة - (لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ)
يؤكد إجازة طلاق المكره، وكل فعل يكره عليه المرء (٢) إذ لو لم يكن
المكره مأخوذا بفعله ما احتاج إلى غفرانه.
стр. 814
ذكر المجرم.
* * *
قوله: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)
دليل على أن المجرم في القرآن واقع على الكافر.
(لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)
ففيه دليل على أن من دخل من الموحدين بذنبه النار مات فيها، ولم
يشعر بعد الموت بألم العذاب حتى يخرج منها.
إذ لا يجوز في عدل الله - جل وتعالى - من حيث يعقل القوم أن
يسوي بين عذاب الكافر والمذنب، ويجمع عليهما الخلود.
وذوق عذاب الأبد.
стр. 815
فإن قيل: كيف يموت في النار من ذاق الموت في دار الدنيا والله يقول:
(لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) .
قيل: هذا في أهل الجنة ممن لم تمسه النار إلا تحلة القسمِ، لاَ فِيمن
تمسه النار ببعض عذابها، ألا تراه يقول: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) .
وقوله إخبارا عن السامري وغيره: (فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)
стр. 816
يحتمل أن يكون النسيان راجعا على الموعد وهو قوله: (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) .
ويحتمل أن يكون نَسي أن العجل وإن كان له خوار مطالب بالنطق
والصوت.
ومنهم من يقول: إن النسيان أخبر به السامري عن موسى - عليه
السلام - كأنه قال: نسي موسى أن العجل إلهه فتركه وطلب غيره
وأجيبه.
* * *
قوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)
إلى قوله: (إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)
стр. 817
دليل على ما قلنا: إن الميت لا يشعر بطول مكثه في البَرزخ، لولا
ذلك لما أحالوا على لُبث عشرِ ويوم.
فإن قال قائل: إنما هذا منهم على سبيل كذب ومكابرة كما هو في
سجيتهم، واحتج بقوله ﵎ في سورة الروم: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)
وقال: ألا ترى أن الله قد أنكر عليهم قولهم فقال: (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) .
قيل: ليس إنكاره عليهم - والله أعلم - من جهة أنهم شعروا
стр. 818
فأنكروا وكابروا، ألا ترى أنهم يتخافتون بينهم بذلك والمكابر وإن كابر
فهو عارف بمكابرته في نفسه، وهؤلاء يتخافتون بينهم بذلك ولكنه -
والله أعلم - على معنى أنهم مخدوعون بذلك فيظنون أنهم مكثوا
ذلك، المقدار وأنه حق "، كما كانوا يخدعون بكفرهم في الدنيا.
وإماتتهم أنهم لا يحشرون ولا يبعثون. ونفس الآية التي هي في سورة
الروم حجة أيضاً في ذلك.
ذكر الشفاعة.
* * *
وقوله: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)
دليل على أن الشفاعة مأذون فيها لخصوص من الناس، وأن غير النبي
ﷺ يشفع فيشفع، وإن كانت الشفاعة العظمى له.
وكذا قوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)
دليل على أن هناك شفعاء، وفي زوال منفعتها عن قوم دليل على أن غيرهم يسعدون بها.
стр. 819
اختصار.
قال محمد بن علي: ومما يؤكد سعة لسان العرب، وإجازته الاختصار
والإشارة إلى المعنى قوله ﵎ في هذه السورة: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)
فابتداء الكلام بذكر العدو لهما وحذرهما - من صنيعه بهما، ثم
قال: (فَتَشْقَى) فجعله لآدم وحده، ولم يقل: فتشقيا، لأنه إذا
شقي شقيمت - والله أعلم - بشقائه.
ويجوز أن يكون المعنى فيه مصروفا إلى أن عليه التكفل
بأمرها وهو القائم عليها. فجرى اللفظ بتوحيده من هذه الجهة.
ثم قال: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)
ثم قال: (فَأَكَلَا مِنْهَا) فرجع إلى الإخبار عنهما بعد
стр. 820
أن ذكر الوسوسة إليه وحده، ثم قال: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) فوحد
بالذكر، وهي لا محالة عاصية مثله بأكل الشجرة، لقوله في البقرة:
(وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)
فعمها بالنهي.
وقال: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)
وهي أيضا متاب عليها.
ثم رجع إلى لفظ التئنية فقال: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا) .
ثم جاء بلفظ الجمع فأدخل إبليس والحية - وهو أعلم - معهما فقال:
(بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) .
وكان ابن عيينة يقول: إن قوله لآدم: (إِن لَكَ أَلَا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا
تَعرَى) يعني به في الدنيا، وأولاده دَاخلون معه، ويحتج بأنه لو
كان فى الجنة لما عريا فيها حتى بدت سوآتهما ".
стр. 821
وليس هو عندي كذلك ولا المراد به - والله أعلم - إلا الجنة.
وكيف يكون ذلك في الدنيا وهو - جل وتعالى - بعد ذكر تحذيرهما ولم
يخرج من تمام القصة، وصنع إبليس بهما وما وسوس إليهما من أمر
الشجرة وما عوقبا به من بدُوِّ سوءاتهما وإهباطهما إلى الأرض. إنما
قوله ﵎: (إِنَ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعرَى)
في الجنة إن قبلت تحذيري إياك من عدوك. ولن تعصيني بقبول قوله
وتصديق وسوسته. فلما قبل قول عدوه وعصى ربه بأكل الشجرة
أهبطه إلى الأرض فشقي وشقيت زوجه معه، وشقي بشقائهما
أولاده، وصار عيشهما وعيش أولادهما بالتعب والنصب.
ومما يصدق أن قوله: (إِنَ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعرَى) هو في
الجنة، وهو على سبيل ضمان منه ووفاء من آدم، وقبوله ما حذر منه
стр. 822
ليس على سبيل إعطاء في الدنيا وتمكن منه كما كان يأكل في الجنة رغدا
حيث شاء وشاءت زوجته أنا نرى من أولاده الذين زعم ابن عيينة أنهم
داخلون معه من يجوع في الدنيا ويعرى كثيرا من عيشه، وعيشه
نكد غير رغد. فكيف جعل له ألا يجوع فيها ولا يعرى، وأعطاه
ذلك وأدخل ولده معه فيه، ونحن نشاهد هذا في أولاده بالمعاينة من
غير خبر، ولو كان جعل لهما جعل عطية، واقتدار مُلْك ما أصابهم
ذلك طرفة عين، لأنه ﷻ لا يخلف ميعاده بل هم أشقياء
كما أخبر إياهم بمصيره إليه بعد المعصية، بل ضمان رزق عبيده في
الدنيا ونعمه عليهم في المأكول والملبوس مأخوذ من غير هذا الموضع.
والقرآن مملو به، قال اللَه تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) .
(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) .
وقال: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) ، وقال: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)
стр. 823
وقال: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ) ، ومثله كثير، ثم أخبر عن تقديره وتنزيله بقدر على من يشاء وإذا شاء، إذ هو أعلم بعباده منهم بأنفسهم، وسائق إليهم بأرزاقهم في أوقات تصلح لهم فقال: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) ، وقال: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) .
تفسير حديث النبي ﷺ : (أربع ما جاوزهن
ففيه الحساب ".
وقال محمد بن علي ﵁: وليس في قول النبي -
صلى، لله عليه وسلم -: " أربع ما جاوزهن ففيه الحساب، ما سدً
الجوعة، وكف العطشة، وستر العورة، وكن البدن.
стр. 824
ما يحقق قول ابن عيينة - وضي الله عنه - في تأويله: (إِنَ لَكَ أَلا
تجَوُعَ فِيها وَلَا تَعرَى) أنه في الدنيا، إنما هذا إن صح ففيه سعة للمؤمن أن
تأخذه من الدنيا بسماحة إذ كان لابد منه، ويكون الحساب عليه فيما
توسع فيه من فضولها المستغنى عنه، مع أن الخبر له معارض وهو قوله
لأبي بكر وعمر ﵄ حيث أكلا معه عند أبي الهيثم بن
التيهان، وقد أخرجهم الجوع الشديد: أكلتم وشربتم وهو من
النعيم الذي تسألون عنه ".
стр. 825
يريد - والله أعلم - قوله: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) .
وأخبار سوى هذا لو تقصيناها لطال الكتاب بها. ولبيانه موضع غير هذا
وهو كتابنا المؤلف في تعارض الأخبار.
ذكر السرف.
* * *
وقوله: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ)
يؤكد ما قلنا من أن السرف هو: مجاوزة الحد في الفعل كله، لا في
الإنفاق وحده،
стр. 826
ويكون أيضا بمعنى الخطأ، وهو في هذا الموضع - والله أعلم - الكفر.
لأنه قد جمع خطأ ومجاوزة للحد.
إذ لا فعل أحق بأن يكون المرء مجاوزا فيه حده من الكفر.
ثم خلق ورزق، وأعطى وأمات وأحيى، وله نِعم لا تحصى جل ربنا
وتعالى.
* * *
وقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)
فيه - والله أعلم - تقديم وتأخير كأنه: ولولا - كلمة سبقت من ربك
وأجل مسمى لكان لزاما.
стр. 827
وفيه حجة على القدرية والمعتزلة في ذكر سابق الكلمة وهو - والله
أعلم - نظير قوله: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)
في معنى السبق
стр. 828
سورة الأنبياء
ذكر تثبيت خبر الواحد.
* * *
قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)
حجة في تثبيت خبر الواحد، لأن كل واحد من المسؤولين مخبر عن
ذلك على الانفراد، والحجة لازمة على المخبر بقوله.
المعتزلة.
* * *
وقوله: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ)
حجة على المعتزلة والجهمية فيما يزعمون أن الله ﷻ لا
يوصف بحدِ ذات، وأنه ليس على العرش. إذ محال عندهم أن
стр. 829
يكون في موضع دون موضع وقد قال ﵎: (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) ، فوصفهم بأنهم عنده، ولو لم يكن جل
جلاله أنه في موضع وعلمه في كل موضع ما كان لقوله: (وَمَن
عِندَه) معنى.
وبلغني عن بعض سفهائهم أنه تأول قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) .
فما عسى يستطيع أن يقول هاهنا والملائكة لا ثواب لهم، ولو كان لهم
стр. 830
أيضا ثواب لكان في القيامة.
فيقول: - ويله - إنهم عند ثواب مجعول لغيرهم في الجنة. إنهم
ليقولون قولا عظيما.
وبؤكد قوله: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)
فهذا الآن على أن الله الذي يجوز أن يكون إلها دون من يتخذونه من
الأرض، وهو في السماء لا محالة، وعلمه محيط بالأرض وغيرها.
ذكر الرد على الجهمية في نفي الكلام عن الله .
وقوله إخبارا عن إبراهيم - صلى الله عليه -: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)
حجة على الجهمية والمعتزلة في نفي الكلام عن الله - جل الله -
فيصفون - ويلهم - ما وصف به المشركون آلهتهم، ألا يسمعون بخبر
عن خليله - صلى الله عليه - بهذا، وعن تظليم القوم أنفسهم حيث
اتخذوا إلها لاينطق، وهذا مرتضى من قولهم لولا ذلك ما قال: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)
стр. 831
فإنما نكسوا على رؤوسهم حيث رجعوا عن الحق إلى الباطل.
وصوبوا لأنفسهم عبادة إله لا ينطق بعد أن كانوا ظلموها أفيجوز -
ويحهم - أن يكون إله إبراهيم وآلهتهم بصفة واحدة لا ينطق ذاك ولا
هؤلاء.
أليس كان عجز آلهتهم عن الكلام نقصا فيها، وأحد علامات تحقق
بطلان الإلهية عنها.
فأراهم لا يرون - ويحهم - إلا على أن يصفوه صفة الموات، ومن
لا يقدر على نطق ولا حركة، وهذا هو التعطيل بعينه نعوذ بالله منه.
سعة لسان العرب.
* * *
قوله: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)
стр. 832
دليل على سعة لسان العرب، ألا تراه كيف نسب العمل الخبيث إلى
القرية، وإنما عمله أهلها، وهذا من الكلام الذي يأتي آخره عن
أوله، لأنه حين قال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ) حقق أن العمل
كان منهم لا مِن القرية، ومثله كثير في القرآن إنما تركنا
ذكره لأن الشافعي ﵁ قد سبقنا إليه في كتاب
الرسالة، فاقتصرنا منه على هذا الموضع وحده لئلا يعرو الكتاب منه.
وفي تسمية العمل بالخبائث دليل على أن الأنجاس قد تكون فعلا.
وتكون ذاتية، لا أنه مقتصر بها على الذاتيات المجسدات، ولا على أن كل
موصوف بالخبث والرجس والنجس مقصود به ضد الطهارة كالغائط
والبول وما ضاهاهما.
ذكر الاحتراز.
* * *
وقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)
стр. 833
دليل على أن الاحترازات ليست تنقص في التوكل، إذ كان الله -
جل وتعالى - قد جعل الدرع صيانة في الحروب، وجعلها في النعم
التي طالب بشكرها.
لماذا كان ذلك كذلك فالمكاسب كلها، وإعداد الأقوات غير مؤثرة في
الثقة بالخالق، ولا معدودة في عداد خوف فوات الرزق.
ذكر التسبيح.
* * *
وقوله: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)
دليل على أن التهليل والتسبيح يجليان الغموم، وينجيان من الكرب
والمصائب، فحقيق على من آمن بكتاب الله أن يجعلها ملجأ في
شدائده، ومطية في رخائه ثقة بما وعد الله المؤمنين من إلحاقهم بذي
النون في ذلك حيث يقول: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)
стр. 834
ذكر القدرية.
وقو له: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)
حجة على المعتزلة والقدرية.
стр. 835
قوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ)
حجة على الجهمية.
стр. 836
سورة الحج
ذكر المبالغة.
* * *
قوله: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)
نظير ما مضى في سورة البقرة من إجازة المبالغة في الأشياء حتى
يسمى بأضدادها كما يقال: فلان ميت، إذا كان بليدا في أمره خاليَا
من المنافع. وفلان شيطان، إذا كان داهية، وأشباه ذلك.
ألا تراه قال: ((وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) ثم قال: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) يعني - والله أعلم - من الشراب، ولكن من غلبة الفزع لما عاينوا من الزلزلة.
стр. 837
الجهمية.
* * *
وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)
حجة على المعتزلة والجهمية مغنية عن جميع ما تقدمها إذ هو يقول -
ﷻ نصا من غير تأويل: إن الشيطان يضل وليه، ويهديه إلى
عذاب السعير بما كتبه عليه من ذلك.
ولا أعلم في جميع ما مضى من الحجة عليهم أبلغ من هذه ولا أقل
التباسًا منها، فالحمد لله الذي وَقق أفهامنا لإثارتها، وهدانا
لما ضمن من الحجة عليهم فيها.
حذف هاء المفعول.
* * *
وقوله: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)
стр. 838
من المواضع التي يحسن فيها حذف هاء المفعول.
معان.
* * *
وقوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)
دليل على أشياء:
فمنهاْ: أن الزيادة في السمن، وكثرة الثمن في البدن أفضل من
تكثير اللحم بعدد المهازيل.
ومنها: أنها إذا جعلت شعائر يحرم الانتفاع في الظهر، والدر إلى
أن تنحر.
ومنها: أن اسم البيت غلب على الحرم كله فسمي به، لأن العلم
стр. 839
يحيط أن الشعائر لا تنحر عند البيت نفسه إنما هو مناحرها أرض منى.
ذكر الأكل مِنَ الهدى.
* * *
وقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)
إباحة الأكل من الهدي كله تطوعه وفرضه، إذ مخرج الإباحة في
الأكل عام فمن خص منه شيئا فعليه أن يأتي بالبرهان.
ولا أعلم منع الأكل من لحم هدية المفترض من الإجماع المحصل، بل
يحيط العلم بأن كل من حج مع رسول الله ﷺ لم يكن
هديه تطوعًا، وكان فيهم لا محالة من كان هديه فرضا.
ألا ترى أن عائشة ﵂ روت أنهم خرجوا مع
стр. 840
رسول الله ﷺ فمنهم من أهل بحج وعمرة.
ومنهم من أهل بالحج ومنهم من أهل بعمرة، وأهل رسول الله -
ﷺ بحج. فهب أن هدي النبي - صلى الله عليه
وسلم - حين أكل منه كان تطوعا لإفراده الحج.
أيخلو من كان معتمرا أو قارنا مِنْ إن كان هديهم فرضا واللًه -
стр. 841
تبارك وتعالى - يقول قولا عاما: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) ، فما
كان من هدي متعة أو قِران فالأكل بظاهر القرآن منه مباح كهو من أكل
المفرد الذي يكون تطوعا. إنما لا يأكل من جزاء الصيد والنذور
والفدية، لأن هذه لا تسمى شعائر، إنما الشعائر - والله أعلم - ما
يكون بسبب القِران. والنذور شيء أوجبه المرء على نفسه فليس له أن
يأكل منها. والفدية وجزاء الصيد عقوبة فإذا أكل منه لم تتم العقوبة
عليه.
فإن عطب هذا الهدي الذي أبيح الأكل منه قبل محله لم يجز أن يأكل منه
صاحبه، ولا أحد من أهل رفقته لسنة رسول الله ﷺ
سواء كان فرضا أو تطوعا.
стр. 842
وكان عطاء يجيز أن يأكل من المتعة ومن الإحصار، ويجيز من النذر
ما دون الثلث ما لم يسمه للمساكين، فإذا سماه للمساكين لم يجز.
فالإحصار عندي على وجهين:
فإن كان المحصور اشترط المحل فله أن يأكل منه، لأن محلها حينئذ
يكون حيث أحصر على حديث ضباعة.
стр. 843
وإن لم يكن اشترط فالحصر وجه من وجوه العطب. إذ كل
حادثة على الهدي دون محله تمنع من بلوغه المحل عطب فليس حينئذ أن
يأكل منه، ولا نعلم رسول الله ﷺ أكل عام
стр. 844
الحديبية من هديه حين أحصر.
فإن قال قائل: كيف أبحت الانتفاع بدر الشعائر وظهورها، وقد
يحتمل أن يكون قوله: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) قبل أن
تجعل شعائر.
قيل: إن هذا وإنِ احتمله فالأظهر ما قلناه، لأن الله ﷻ
ذكر تعظيمها وأنها من تقوى القلوب قبل ذكر المنافع.
والثواب في تسمين البدن يكون لما تنحر لله، فأما ما نحرت للمأكلة
فلا ثواب فيها من جهة نفس النحر سمانًا.
وقد أمر رسول الله ﷺ رجلاً يسوق بدنة أن
يركبها وكرره عليه ثلاثًا. فهذا يبين أن المنافع المباحة منها هي بعد
التسمية مع أن منافعها قبل التسمية معروفة بملكها فلا يحتاج إلى التكرير
стр. 845
ذكر ذبح الجنين:
* * *
وقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)
كان عطاء بن أبي رباح ﵁ يتناوله فيما أرى التسمية
على ذبح الجنين إذا خرج حيًا، ويزعم أنه إذا مات قبل أن يذبح لم
следующие страницы →