Полный текст (1 832 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
تبارك وتعالى - يقول قولا عاما: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) ، فما
كان من هدي متعة أو قِران فالأكل بظاهر القرآن منه مباح كهو من أكل
المفرد الذي يكون تطوعا. إنما لا يأكل من جزاء الصيد والنذور
والفدية، لأن هذه لا تسمى شعائر، إنما الشعائر - والله أعلم - ما
يكون بسبب القِران. والنذور شيء أوجبه المرء على نفسه فليس له أن
يأكل منها. والفدية وجزاء الصيد عقوبة فإذا أكل منه لم تتم العقوبة
عليه.
فإن عطب هذا الهدي الذي أبيح الأكل منه قبل محله لم يجز أن يأكل منه
صاحبه، ولا أحد من أهل رفقته لسنة رسول الله ﷺ
سواء كان فرضا أو تطوعا.
стр. 842
وكان عطاء يجيز أن يأكل من المتعة ومن الإحصار، ويجيز من النذر
ما دون الثلث ما لم يسمه للمساكين، فإذا سماه للمساكين لم يجز.
فالإحصار عندي على وجهين:
فإن كان المحصور اشترط المحل فله أن يأكل منه، لأن محلها حينئذ
يكون حيث أحصر على حديث ضباعة.
стр. 843
وإن لم يكن اشترط فالحصر وجه من وجوه العطب. إذ كل
حادثة على الهدي دون محله تمنع من بلوغه المحل عطب فليس حينئذ أن
يأكل منه، ولا نعلم رسول الله ﷺ أكل عام
стр. 844
الحديبية من هديه حين أحصر.
فإن قال قائل: كيف أبحت الانتفاع بدر الشعائر وظهورها، وقد
يحتمل أن يكون قوله: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) قبل أن
تجعل شعائر.
قيل: إن هذا وإنِ احتمله فالأظهر ما قلناه، لأن الله ﷻ
ذكر تعظيمها وأنها من تقوى القلوب قبل ذكر المنافع.
والثواب في تسمين البدن يكون لما تنحر لله، فأما ما نحرت للمأكلة
فلا ثواب فيها من جهة نفس النحر سمانًا.
وقد أمر رسول الله ﷺ رجلاً يسوق بدنة أن
يركبها وكرره عليه ثلاثًا. فهذا يبين أن المنافع المباحة منها هي بعد
التسمية مع أن منافعها قبل التسمية معروفة بملكها فلا يحتاج إلى التكرير
стр. 845
ذكر ذبح الجنين:
* * *
وقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)
كان عطاء بن أبي رباح ﵁ يتناوله فيما أرى التسمية
على ذبح الجنين إذا خرج حيًا، ويزعم أنه إذا مات قبل أن يذبح لم
стр. 846
يؤكل. كأنه يذهب إلى أن بهيمة الأنعام الجنين.
وليس ذلك ببين في تفسير الجنين، لأن الجنين لا ينسك به.
فأما قوله في ترك أكله إذا مات وقد خرج حيا فكما قال، لأن كل
حي خرجت نفسه من المأكول بغير ذبح أو ما يقوم مقامه في الصيد
والمتوحش، والناد من الإبل والبقر، والساقط في البئر ميتة.
стр. 847
وقول رسول الله ﷺ : " ذكاة الجنين ذكاة
أمه " واقع على من خرج ميتا. والله أعلم.
стр. 848
ذكر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
* * *
وقوله: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُ ورِ (٤١)
دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن نصرة
الله لا محالة نصرة دينه. إذ هو - جل وتعالى - قوي عزيز كما قال.
لا يرام فإنما الواجب على أهل دينه نصرة دينه الذي شرعه لهم، ولا
وصول إليه إلا بإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لو كانا
غير مفترضين لاتساع القعود عنهما، وارتفعت المآثم في تضييعهما من
أجل أن أحدًا لا يجبر على عمل تطوع، ولا يحرج بتركه، وفي ذلك
زوال النصرة عن دين الله، ودخول الوَهَن عليه، وسببه قعود
стр. 849
الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عنه وهم قادرون على
التغيير لم يجز أن يسمى نهوضهم إليه تطوعًا.
* * *
وقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ)
تفسير من ينصره - واللًه أعلم - ومدح لهم بقيامهم بأمور هي
مفترضة عليهم كإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع التمكين والقدرة.
وساقطان بعدمهما كما تسقط الصلاة بالعجز من زوال العقل، والزكاة
بإعواز المال.
وكان بعض أهل التمييز يزعمِ أنهما مفروضان على السلاطين دون
الرعية ويحتج بقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) .
وهو عندي إغفال، إذ لو كان كذلك لكان - والله أعلم - أقاموا
الصلاة وأخذوا الزكاة كما قال: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)
ولكانت
стр. 850
الصلاة والزكاة أيضا غير مفروضتين إلا على السلاطين دون الرعية، لأن
الله تعالى - جل وتعالى - وصف الممكنين في الأرض بالأربعة الأوصاف
وصفا واحدا. وهذا خروج من الإسلام.
ذكر اختصار الكلام.
* * *
وقوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)
دليل على أشياء:
فمنها: اختصار الكلام والإشارة إلى المعنى، لأن في (يُكذِبُوكَ)
اسم محمد ﷺ وهي اسم المفعول، ولم يذكر المفعول
به من المكذبين ظاهرا ولا مكينا إلى ذكر موسى ﷺ
فاستغنى السامع بالإشارة إلى ما ذكر غير هذا الموضع، وعلم أن قوم
стр. 851
نوح كذبوا نوحًا، وعادًا كذبت هودًا، وثمود صالحًا، وقوم إبراهيم
إبراهيم، وقوم لوط لوطًا، وأصحاب مدين شعيبًا، وفي أصحاب
مدين خصوص لأن شعيبًا ﷺ المكذب وبناته
أيضًا من أصحاب مدين ولم يدخلوا في التكذيب.
ومنه: أن المغتم بالشيء قد يتسلى بأن يكون له في مصيبته شريك.
ألا ترى أن الله ﷻ كيف عزى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بمشاركة من مضى قبله من الأنبياء في تكذيب قومهم إياهم.
واحتمال مضضه وأذاهم، فدل على أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وغيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم - كانوا يغتمون من
تكذيب قومهم إياهم.
ومنها: أن الإملاء للكافرين مكر بهم واستدراج.
стр. 852
وهو رد على المعتزلة والقدرية.
اختصار.
* * *
وقوله: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ)
وكذلك ما بعده: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)
حجة واضحة في اختصار الكلام، والاستغناء بما يدل عليه لسياقه
عن الإفصاح بالمشار إليه، لأن القرية لم تكن ظالمة ولا مأخوذة إنما المراد
بها أهلها.
وفيه رد على المعتزلة فيما يزعمون أن العفو عن الموعودين
بالنار لا يجوز على الله، لأنه كذب.
стр. 853
وقد دللنا في غير آية على بطلان قولهم بما يغني عن إعادته في هذا
الموضع. فإذا كان العفو عن مستوجب النار الموعد بها كذبا عندهم ينفونه
عن الله - جل الله - تعظيما له.
والعفو كرم بإجماع العرب لا خلف. فما عسى يقولون في ظلم القرية
وأخذها وأشباهه، وظاهر الظلم مضاف إليها، فهل يكفرون - ويحهم -
بكل ما كان من هذا النمط في القرآن تعظيما لله عندهم بجهد لهم الذي
يحملون أمر الخالق كله عليه، فيجيزون عليه ما يستجيزونه، وينفون عنه
ما تضيق عنه، والله الحاكم بيننا وبينهم.
стр. 854
ذكر المعتزلة.
* * *
وقوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِ هِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)
حجة على المعتزلة والقدرية واضحة، وقد أخبر نصا عن نفسه أنه
جاعل ما يلقي الشيطان في أمنية الرسول فتنة للذين في قلوبهم
مرض، والقاسية قلوبهم، وأخبر عنه وعن نسخه أنه الحق، وأثنى
على المؤمنين من أولي العلم بحقيقة المخبتين قلوبهم له، المهديين إلى
الصراط المستقيم بهدايته، ولو كان إيمانهم بالآيات والثناء عليهم بها
стр. 855
لا بِما قلنا لكان - والله أعلم: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنها الحق من
ربك فيؤمنوا به فتخبت لها قلوبهم) لأن الآيات مونثات.
ذكر مرض المؤمن.
وقوله: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)
بشارة للمؤمن كبيرة، وتقوية الحديث المروي: " من مات مريضَا
стр. 856
مات شهيدا "، لأن الله ﵎ قد جمع بين ثواب الميت
والمقتول في هذه الآية، ولم يفضل أحدهما على صاحبه بشيءْ.
وأشركهما في الرزق الحسن والمدخل المرضي.
стр. 857
وقد دللنا على أن الموت والقتل - وإن فرق بهما اسم - فهو يجمعهما
معنى واحد في سورة آل عمران بما يغني عن إعادته في هذا الموضع.
فما كان سببه فعل بشر سمي قتلا، وما لم يكن سببه فعل بشر سمي
موتا، وكلاهما موت، وصاحبه وإن سمي ميتا فهو يسمى مقتولا.
ومقتولا وإن سمي ميتا. ألا ترى أن النبي ﷺ قال
لرجل من المشركين: " إن ربي قد قتل صاحبك البارحة "، ولو كان
الأمر كما تزعم المعتزلة والقدرية أن المقتول ظلما مقتول بغير أجله.
ولا يسمى ميتا إلا من مات ميتة نفسه، لكان حقا على الله أن
يحييه ليذوق الميتة التي وعده حيث يقول: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)
стр. 858
أليس يزعمون في باب الوعيد أن العفو عن الموعود بالنار لا يجوز عليه
لأنه خلف عندهم.
فهل يخلو مَن زهقت نفسه بسبب فعل غيره، وتعديه عليه من أن
يكون ذائقا الموت الموعود به في قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) .
وبقوله: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)
أو غير ذائقه.
فإن كان ذائق تلك الموتة فلم لا يكون ميتا بأجله، ولا يكون فعل غير
به مقضيَّا عليه.
أم كيف يقدر هو بتعديه أن يقدم ما أخره الله عنه.
أليس يقول: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)
(وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)
стр. 859
فقاتل المؤمن وإن كان متعديا عليه بفعله فمكتوب عليه تعديه، والمقتول
ميت بأجله وإن كان ذائق تلك الموتة، فمتى يذوق تلك ويحهم وقد
فارق الحياة وخرج من الدنيا.
أفيذوقها في الآخرة أم يرده إلى الدنيا ليذيقه إياها بغير فعل بشر.
وما الذي يفرق بين القِتْلَتين عندهم، وكلاهما سبب من البشر وإن كانا
مطيعا بأحدهما عاصيا بالآخر، فيما أنا سائلهم فأقول: ما تقولون
فيمن أمرنا الله بقتلهم من المشركين حيث وجدناهم فقتلناهم - وقتلهم
لا محالة عقوبة لكفرهم -، أهم ميتون بآجالهم ويسمون ميتين، أم
مقتولون بغير آجالهم وغير مسمين ميتين.
فإن قالوا: بل هم مقتولون بآجالهم ميتون به.
قيل: فلم لا كان المقتول ظلما ميتا بأجله، وكلاهما مفادت نفسه
بسبب من العبيد، وهب أن المطيع والعاصي مختلفان في الفعل كيف
تختلف المفعول به في وصول الفعل إليه وإفاتة نفسه به.
وإن قالوا: بل مقتولون بغير آجالهم غير ميتين به. لزمتهم الحجة من
جهتين.
стр. 860
إحداهما: أن فعلا بعينه معدودا من فاعل جورا على غيره قد رأوه
جاريا في عداد العدل وهو فعل واحد، وإن كان بمفعولين مختلفي
السيرة.
والأخرى: ما يلزمهم في قولهم من بقاء الميتة الموعد بها من قتل بغير
أجله.
ويقال لهم: أخبرونا عن القتل الذي أمر المؤمنون به للكفار، أهو
عقوبة لكفرهم أم غير عقوبة.
فإن قالوا: عقوبة لكفرهم.
قيل: فما وجه تثنية العقوبة عليهم في الآخرة بالنار، وكيف خروجه
عندكم في العدل الذي تدعون التحذلق في معرفته، والله - جل وتعالى -
يقول،: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)
إلى قوله: (كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)
فإن قالوا: هو بعض أجزاء جزائهم، وطائفة من عقوبة كفرهم.
وتمامه يجزون به في النار.
قيل لهم: أَوَ للكفر عقوبة معروفة متناهية الحد يكون القتل بعضها.
فإن قالوا: نعم.
стр. 861
قيل: فما وجه تخليدهم في النار، والتخليد لا نهاية له، وقد
زعمتم أن عقوبتهم متناهية، والقتل طائفة منها.
فإما أن يكون قولكم في نهاية الكفر وعقوبته خطأ، وإما أن يكون
تخليدهم من العدل الذي لا تعقلونه، ويوجب عليكم القول بالقضاء.
وإعداده في وجوه العدل وإن لم تعقلوه.
وإن قالوا: ليس بعقوبة لكفرهم، لأن عقوبة الكفر تخليدهم النار
بعد الحشر.
قيل لهم: فما وجه قتلهم، وتصرفه في العدل الذي تحملونه على
فطرة عقولكم.
هذا مع ما يلزمهم من خلاف نص القرآن حيث جعل الله ذلك عقوبة
لكفرهم وجزاء له.
ويقال: هل يخلو أمره - جل وتعالى - بقتلهم إن كان غير عقوبة
عندكم من أن يكون عدلا لا تعقلونه يلزمكم أن تؤمنوا بغيره وإن لم
تعقلوه كإيمانكم بهذا، أو جورا عندكم تجحدون بتنزيله فيكفونا مؤونة
الاشتغال تناقضكم لما تصرخون به من ظاهر كفركم.
ولو قلتم كما قال، واتبعتم في جميعه القرآن، والرسول - صلى الله
عليه وسلم - من أن المفات نفسه بفعل البشر وغير البشر ميت بأجله.
الكافر مع خلود في النار معا عقوبة، وتبرأتم من عدل يخرج
стр. 862
في فطرة عقولكم فيه، وسلمتم صرفته من العادل الذي يعرف كنهه
سلمتم من جميع هذه المناقضات.
وبعد فلو جاز أخذ معرفة العدل من الخالق بفلسفة المتفلسفين.
وعقول العاثرين لكان من أمحل المحال أن يكون فعل واحد - وهو
القتل - معدودا في حال مدحا وفي حال ذما، وفي حال طاعة.
وفي حال معصية من فاعله، ووقوعه بالمفعول في حال سعادة وفي
حال شقاوة، ولكن أحكام الله لا تضاهى بالرد، ولا تقابل
بالفلسفة، ويؤمن بجميعها مسلما للخالق فيها علما من المؤمن بأنه -
جل وتعالى - عدل كيف قضى وحكم، وأثاب وعاقب لا معقب
لحكمه وهو سريع الحساب.
ذكر الرجوع من الخبر إلى المخاطبة.
* * *
وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)
حجة في الرجوع من الخبر إلى المخاطبة، ولو لم يجز ذلك لكان:
يعرف في وجوه الذين كفروا المنكر.
وفيه دليل على أن أهل الباطل تضيق صدورهم من الحق.
стр. 863
وقوله: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ)
نظير ما مضى في سورة المائدة من قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ.
لأنْ تلاوة الآيات ليس بشر، والنار شر.
стр. 864
سورة المؤمنون
المرجئة.
وقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)
إلى قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)
حجة على المرجئة واضحة، ألا تراه كيف نعت المؤمنين بنعوت العمل
ولم يجعلهم وارثي جنته وفردوسه إلا بها. فكيف يكون مستكمل الإيمان
من عري من هذه النعوت المذكورة في وصف المؤمنين.
стр. 865
خصوص.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)
عام المخرج خاص لآدم - صلى الله عليه -.
(ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً)
الهاء غير راجعة إلى آدم، بل راجعة على ولده لأنهم شاركوه باسم
الإنسية، وهي عموم منهم إلا عيسى ﷺ فإنه
غير مجعول نطفة بل مخلوق بقدرة الرب في بطن أمه، وحواء خارجة
من الطين والنطفة معا، لأن خلقها بعد خلق آدم، وبعد نفخ الروح
стр. 866
فيه من ضِلع من أضلاعه والضلع حينئذ عظم.
فإذا كان القرآن هذا سبيله من الفصاحة يحصر ويعم، ويشير إلى المعنى
على هذا الاختصار الشديد فإقحام كل عليه، وادعاء علمه من معرفة به
افتراء على منزله سبحانه.
ثم عم الجميع بالموت من خص في الأول ومن عم فقال: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) .
رد على من يزعم أن الله في الأرض بنفسه كهو في السماء، ولو كان
كذلك ما كان في قوله: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) فائدة، لأن من
كان مع خلقه بنفسه علم أنه لا يغفل عنهم، ولكنه دل المرتابين على أن
الطرائق السبعة لا تحجب خلقه عنه، ولا تنسيه أمرهم. وهو واضح
لا إشكال فيه.
стр. 867
ذكر أبي حنيفة.
وقوله إخبارًا عن بعض من كذبوا رسولهم واتهموه فيما جاء به عن
ربه: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)
حجة على من يمهد عذر أبي حنيفة فيما رذَ من أخبار رسول الله -
ﷺ على أنها لم تصح عنده عن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -.
إذ كل ما كان صحيحا في الأصل لم يعذر راده باتهام رواته، ألا ترى
أن الله - جل وتعالى - لم يمهد عذر هؤلاء فيما اتهموا رسولهم -
صلى الله عليه - وظنوا أنه لا يجوز على الله ما نسبه إليه وادعاه عليه،
стр. 868
وكذا أبوحنيفة لما رد أخبار رسول الله ﷺ لم يردها
على من زعم هذا الذي يمهد عذره - إلا تنزيَها لرسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ألا يقول شيئا يأباه عقلُ مثله، فلو كان معذورا في اتهام
الصادقين من النقلة لعذر أهل هذه الآية في اتهام الرسول الصادق.
فلما لم يعذروا وفرض عليهم قبول قوله، واستعظموه لصدقه
وجب على أبي حنيفة أن يقبل رواية الصادقين عن رسول الله -
ﷺ في تفضيل سهم الفارس على الراجل
مسلم، ولا يردها استعظاما لذلك، ولا تنزيَها لرسول الله - صلى
الله عليه وسلم - عن تفضيله سهم بهيمة على سهم رجل مسلم
وأشباهه فيما رد به الأخبار، مع أن قوله ﷺ :
" سهم له وسهمان لفرسه " ليس كما ذهب إليه الأحمق، إنما
стр. 869
قال: " لفرسه " أي لما ينفق عليه في علفه ومؤونته.
وهب أن هذا يعذر فيه - وإن لم يكن معذورا لأنها رواية - ما عذره في
стр. 870
إعداد الجزية رشوة.
وقد نزل القرآن بها، وقدِ اتفقت الأمة عليها.
ولو لم يكن في إبطال القياس والاستحسان من المعتبر إلا ما يؤدي إلى
مثل هذه الأشياء لكفى. فكيف والحجج في إبطالها أكثر من أن
стр. 871
تحصى) .
فإن قيل: أفتجعل اتهام أبي حنيفة لرواة الأخبار كاتهام أولئك لرسولٍ
يثبت صدقه بالآيات.
قيل: الذي يوجب الحجة على المبعوث إليهم صدقه لا ما يثبت به
الصدق، والآيات لا تتكلم فتخبر بالأمر والنهي وغيره عن الله.
والمتكلم صاحب الآيات فإذا ثبت صدقه عند المخبر وجب عليه
تصديقه، وقبول قوله فيما يحكيه عن غيره.
وقد دللنا في كتاب شرح النصوص على أن الساحر قد يجيء بمعوز من
الفعل، وقوله كذب كله.
ولكنه لما جعل ﵎ في أطباع البشرية ألا يثبت عندها
стр. 872
صدق المخبِرين إلا بأمارات فيهم يسكن إليها قلوب المخبَرين جعل للرسل
آيات يتباينون بها سائر الخلق، لتوكيد الحجة على المبعوث إليهم.
فأما لزوم الحجة فالصدق لا بالآيات، فبأي شيء ثبت صدق المخبِر
عند المخبَر وجب قبول قوله عليه ولزمته الحجة به، وإن لم يكن مثل آيات
الرسل.
أليس الله ﷻ قد أمر بقبول قول العدل من الشهود على
ما يعرف - فظاهر عدالته وصدق لهجته - ولم يثبت صدقه عندنا بآية أوتيها
كآيات الرسول.
وأبو حنيفة ممن يقول بخبر الواحد، وقد ثبت عنده برواية هؤلاء
بأعيانهم الذين رد أخبارهم أخبار كثيرة وقال بها، وجعلها حجة
لمذهبه.
стр. 873
أفيكونون عنده في حال صادقين، وفي أخرى كاذبين، فالآية حجة
على ممهد عذره بما لا عذر فيه بينة لمن تدبرها عليه.
* * *
قوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)
حجة على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون أن المقتول ميت بغير
أجله.
стр. 874
ذكر نقض ضلالة الضالين على أْلسنتهم.
وقوله تعالى إخبارا عن فرعون وملئه:
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)
دليل على أن الله ﷻ يجري نقض ضلالة الضالين على
ألسنتهم فلا يشعرون بها، ولا أتباعهم ليحق كلمته على من قضى عليه
الشقوة.
ألا ترى أن فرعون مع ادعائه الربوبية قال مع ملئه: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) ولم يحترز من تسمية نفسه بشرا، وقد سماها ربا لا ملؤه.
قالوا: كيف تدعي الربوبية وأنت بشر مثلنا ومثل موسى وأخيه.
وهكذا كل مبتدع يغني أتباعه عن فَلي قوله عليه، وهو ذا يناقض
نفسه ولا يشعر هو ولا أتباعه كالباهلي الذي صنف كتابا في الرد على
стр. 875
المشبهة ثم جعل رده تشبيهًا كله، ولم يشعر.
* * *
قوله: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)
وحدت الآية وهما آيتان - والله أعلم - ردَّا على العجب من أمرهما أن
تكون أنثى تحمل من غير ذكر، وتلد مولودًا بلا أَبٍ.
اختصار "
* * *
وقوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)
دخلت الواو - والله أعلم - على معين كأنه: (ماء معين) فاستغنى
بالإشارة إليها كسائر ما تقدمه من الاختصار. ولو كانت من نعت القرار
لكان بغير واو.
стр. 876
المعتزلة.
* * *
وقوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)
يحقق سوء خطر القدرية والمعتزلة، وضعف رويتهم، واغترارهم
بحلم الله عنهم في تحريف القراءة في سورة آل عمران حيث كسروا:
(إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ) الأولى، وفتحو الآخرة، فما عسى يقدرون عليه
стр. 877
هاهنا وقد قال نصا: (أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥)
ليس هو الخير يريدهم به، والإملاء والإمداد واحد، وقد شرحنا هناك بما يغني عن إعادته هاهنا.
стр. 878
قال محمد بن علي: فنفى ﷻ أن يكون ما يمدهم به مسارعة
لهم في الخيرات، ثم بين من يسارع في الخيرات فقال: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا)
стр. 879
أردناه واحد - (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)
فكأنه - والله أعلم - قال: لا نسارع لأولئك في الخيرات، ولكنا
نسارع فيها لمن هذا صفتهم فيسارعون، والدليل على ذلك آية كذلك -
والله أعلم: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)
فرجع إلى صفة الأولين.
стр. 880
أفلا يعتبرون - ويحهم - أن أحدا لا يسارع في خير إلا وقد سُورع له
فيه، وأن الفعل المضاف إلى فاعله لا يدفع إمكان قضاء غيره عليه
وتوفيقه له.
بشارة للمشفقين.
وفي قوله تعالى ﵎: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)
بشارة للمشفقين من خشية ربهم والوجِلة قلوبهم مع صالح أعمالهم
من الرجوع إلى ربهم، وتطييب أنفسهم بأن لا يرهبوا ظلما، ويطمئنون
إلى أن الله ﷻ لا يطالبهم فوق وسعهم، ووسعهم في
صالح أعمالهم قد أحصاه كتاب ينطق لهم.
* * *
وقوله: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)
следующие страницы →