المعتزلة.
* * *
وقوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)
يحقق سوء خطر القدرية والمعتزلة، وضعف رويتهم، واغترارهم
بحلم الله عنهم في تحريف القراءة في سورة آل عمران حيث كسروا:
(إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ) الأولى، وفتحو الآخرة، فما عسى يقدرون عليه
стр. 877
هاهنا وقد قال نصا: (أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥)
ليس هو الخير يريدهم به، والإملاء والإمداد واحد، وقد شرحنا هناك بما يغني عن إعادته هاهنا.
стр. 878
قال محمد بن علي: فنفى ﷻ أن يكون ما يمدهم به مسارعة
لهم في الخيرات، ثم بين من يسارع في الخيرات فقال: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا)
стр. 879
أردناه واحد - (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)
فكأنه - والله أعلم - قال: لا نسارع لأولئك في الخيرات، ولكنا
نسارع فيها لمن هذا صفتهم فيسارعون، والدليل على ذلك آية كذلك -
والله أعلم: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)
فرجع إلى صفة الأولين.
стр. 880
أفلا يعتبرون - ويحهم - أن أحدا لا يسارع في خير إلا وقد سُورع له
فيه، وأن الفعل المضاف إلى فاعله لا يدفع إمكان قضاء غيره عليه
وتوفيقه له.
بشارة للمشفقين.
وفي قوله تعالى ﵎: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)
بشارة للمشفقين من خشية ربهم والوجِلة قلوبهم مع صالح أعمالهم
من الرجوع إلى ربهم، وتطييب أنفسهم بأن لا يرهبوا ظلما، ويطمئنون
إلى أن الله ﷻ لا يطالبهم فوق وسعهم، ووسعهم في
صالح أعمالهم قد أحصاه كتاب ينطق لهم.
* * *
وقوله: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)
стр. 881
الهاء في (بِهِ) ليست راجعة على الآيات، لأن الآيات مؤنثة.
ويقال: هي راجعة على الحرم كأنه قال: كنتم تستكبرون بالحرم.
ولا تتذللون فيه بعبادة ربكم.
واختلف المفسرون في قوله: (تَهجُرُونَ) .
стр. 882
فكان الحسن يقول: " تهجرون كتاب الله ونبيه - صلى الله عليه
وسلم - ".
وكان قتادة يقول: " تكلمون بالشرك والبهتان في حرم الله وعند نبيه
ﷺ ".
يذهب إلى الهجر وهو القبيح من القول الفاحش منه. فهذا يجيء على
стр. 883
قراءة من قرأ: (تهُجِرُون - بضم التاء، وخفض الجيم - ولعل قتادة
قرأه كذلك، فلم يؤذه الراوي، فيكون شريك نافع في قراءته.
فى سجايا الناس.
* * *
وقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)
دليل على أن في سجايا الناس نُبوًا عما لم يسمعوا به، ولم تجرِ سنته
فيمن قبلهم فصارت الحجة عليهم بذلك من حيث يعقلونها، ولا ينكرون
تخصيصهم بما دعوا إليه، لتكون أوكد عليهم وأبعد لهم من أن يعذروا
عند أنفسهم، لا أنها لا تلزمهم ولا تجب عليهم إلا بما سار سُنة في
غيرهم، فقد أمر آدم بترك الأكل من الشجرة ولزمته حجة ربه، ولم
يتقدم له في ذلك مقتدم.
فليس لأحد رد حجة واضحة يوردها عليه مورد وإن لم يكن سمعها
من غيره، ولا سبق موردها إليه سواه اعتمادًا على أن الله - جل ثناؤه -
قال في هؤلاء: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) .
стр. 884
لأن ذلك منه - والله أعلم - على معنى النكير لا على الارتضاء.
ذكر الجد.
* * *
وقوله تعالى: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)
نظير ما يؤكد من الآيات أن الجد أب.
قال محمد بن علي أبو أحمد: وليس في وقوع اسم الأب على الجد
стр. 885
ما يجريه في الميراث مجراه بكل حال، ويسقط معه الإخوة والأخوات
الذين وَرثهم الله نصا في القرآن.
فقد دللنا في سورة البقرة على أن اسم الأبِ واقع على العم أيضا في
قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) .
وإسماعيل لا محالة عم يعقوب، فلم تحجب به الإخوة
والأخوات لوقوع اسم الأبِ عليه، والميراث بابٌ آخر يحتاج فيه إلى
حجة مفردة.
واسم الأب واقع على أب الأم نصا كوقوعه على أبِ الأب، قد كان
رسول الله ﷺ يسمي الحسن والحسين ابنيه.
ويسميانه جدهما، ولا ميراث له بحال.
стр. 886
فليس في وقوع اسم الأب على الجد ما ينزله في الميراث منزلته.
والذي نقول به في ميراثه - ونسأل الله التوفيق - إنما لم نجد الله -
ﷻ فصل له ميراثا باسمه في كتابه، ولا وجدنا رسول الله -
ﷺ فصله مع غيره إلا مَا وَرِثه عن سبطه إذا انفرد
جميع تركته فلا نجد شيئا نورثه إلا إجماع الأُمة، فعلينا أن ننظر إلى
الفريضة فإذا كانت مجمعا عليها أعطيناه نصيبه، وإذا اختلف فيها
أعطيناه الأقل الذي قد أجمع كل عليه، لنكون قائلين في جميع ميراثه
بالإجماع، إذا المعول في توريثه على الإجماع، ومن الإجماع في أمره
أيضا أنه مسمى بالعصبة وله حظ من قول النبي ﷺ
-: " ألحقوا المال بالفرائض فما بقي فهو لأولى رجل ذكر "، وهو
стр. 887
موضوع نشرحه في كتاب الفرائض من شرح النصوص.
ذكر قبول خبر الواحد.
قوله: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)
دليل على أن خبر الواحد يلزم قبوله بشرط معرفة المخبَر بصدق المخبِر
وثبات عقله.
ألا ترى أن حجج قريش كانت منقطعة بما عرفت من عقل النبي -
ﷺ وصدقه فلزمهم خبره عن الله ﷻ إذ
لا علة لهم في رسوله ﷺ يتعلقون بها، ويأوون
في تكذيبه إليها.
وهذا من أكبر ما يحتج به في تثبيت خبر الواحد لمن تدبره. وإن كان
كلما ذكرناه قبله شافيا.
ذكر الموازين.
* * *
وقوله تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)
стр. 888
دليل أن الموازين للكافر والمؤمن معًا، وأن الأجساد والأعمال تُوزَن
جميعًا، وفي تمام الآية ذهاب الريب على أن من خسر نفسه، وخلد في
النار تحفه مثل به هو الكافر حيث يقول: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)
ومما يؤكد أن الإنسان يوزن مع عمله قوله: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) .
وقال رسول الله ﷺ : " يؤتى بالرجل العظيم السمين، الأكول الشروب فيوضع في الميزان فلا يزن جناح بعوضة " ثم تلا: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)
، وقال في وزن المؤمن حين صعد عبد الله بن مسعود شجرة
стр. 889
فضحكوا من دِقة ساقيه: " أتضحكون من دقتهما، لهما في الميزان أثقل
من أُحد ".
стр. 890
المعتزلة.
قوله تعالى إخبارا عن أهل النار: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)
حجة على المعتزلة والقدرية، لأن الله ﷻ لم يخُسهم بهذا
القول، إنما أخساهم باتخاذهم المؤمنين سخريا، وضحكهم منهم.
وكيف ينكر عليهم ما قالوا، وقد قال ﵎: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) .
وقال على لسان نبيه ﷺ -
стр. 891
" إن الإنسان يُكتب شقيا وسعيدا في بطن أمه " برواية
الثقات الذين لا يرتاب بصدقهم وإتقانهم.
ولو كان أنكره أيضا لكان على نحو ما ذكرنا في سورة الأنعام عند
قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) .
стр. 892
(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)
فيه - والله أعلم - ضمير (بِهِ) ، فاستغنى بالإشارة إليه على ما تفعله
العرب الفصحاء في كلامها.
كأنه يلهيهم أهوال القيامة عن التساؤل بالأنساب، فهي منقطعة
المنافع، لا أنهم لا يتكلمون بتة ولا يتساءلون. وكيف يكون كذلك
وقد قال اللَه تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) .
وقال: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) .
حجة أيضاً في أن الميت لا يشعر بطول مكثه في البرزخ، ألا تراهم أجابوا
بلفظ ما أجاب المارُّ على القرية الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، (قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) .
ورَد الله عليهم: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)
فدل على أنهم لم يكونوا يعلمون.
* * *
وقوله: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا)
وإنما سماه - وهو أعلم - قليلا عنده لا عندهم كما قال:
стр. 895
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) .
فالساعة عنده ﷻ في القرب كغد، وقال ﷺ : " بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه " وأشار بالسبابة والوسطى.
وكل هذا قريب عنده قليل وإن كان عند خلقه بعيدا طويلا كما قال:
(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)
стр. 896
والأرض في هذا الموضع - والله أعلم - أرض القبر.
فإن قيل: فما معنى (فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) ، وكلهم قَدِ استوى في
الموت مع صاحبه.
قيل: لم يُسمَع فيه شيء، ويحتمل أن يكونوا أرادوا من بقي بعدهم
وعدُّوا أيام موتهم إلى أن ماتوا. والله أعلم كيف هو.
والعجب لمن قرأ: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ) (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا)
على الأمر لا عَلى الخبر (١) ، وكيف يكون ذلك هو
стр. 897
شيء يسلمون في القيامة، ولا يعلم في شيء من الأخبار والروايات
وَلا دَل عليه سياق الكتاب أن الله ﵎ يخاطب أهل النار
بما قال من عند قوله: (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ)
إلى قوله: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) .
ثم يقول لمحمد ﷺ : قل لهم: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)
ولو لم يكن من الدليل على أنهما جميعا (قال) على الإخبار عن نفسه -
ﷻ إلا قوله: (قَالُوا لَبِثْنَا) لكفى، لأنه يقبح في كلام العرب
أن يقال: قل لفلان كذا. قال: كذا، ولو كان في (قالوا) فإنه كانت
القراءة على الأمر حينئذ أشبه وأوجه. والله أعلم.
стр. 898
لأنه كان يجوز أن يكون معناه: قل لفلان كذا وكذا. فيقول لك
كذا. والله ولي الصواب.
стр. 899
سورة النور
ذكر إقامة الحد:
* * *
قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
وعيد شديد في ترك إقامة الحدود. والرأفة - لا محالة - تعطيل الحد
بعد وجوبه، لا ما يلحق المرء عند إقامته من الرقة على المجلود، فإذا
تركه فقد ضيعه وواقع نهي الله، وإذا أقامه مع الرقة لم يضره لحوق
الرقة، إذ هو غير مالك لها، فقد أصاب رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - من قطع السارق ما أصاب من الكراهة - وهو أعلم بتأويل
стр. 900
ما أُنزل عليه - ولم يمنعه من قطع غيره بل حث عليه، وأوعد على الشفاعة
стр. 901
الحائلة بين إقامته وبين تعطيله،
стр. 902
وقال في قطع المخزومية: " لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها ".
فقد وضح وضوحا لا التباس فيه أن الرأفة المنهي عنها تعطيل الحد، وترك
إقامته بعد وجوبه.
وأنا خائف على إيمان من عطله، لأنه ﷻ قد جعل
إقامته من شرطه كما ترى.
* * *
وقوله: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)
стр. 903
دليل على أنه يقام علانية غير سر، ليتعظ به سائر الناس.
الاختلاف:
* * *
وقوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) .
اختلف المفسرون في تأويله:
فكان الشعبي يقول: " ذلك في الجاهلية ".
وكان سعيد بن المسيب يقول: " هي منسوخة، نسختها الآية
التي بعدها: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)
هي من أيامى النساء.
стр. 904
وكان الحسن يقول: " إذا حُد وحُدت لم يتزوج كل واحد منهما إلا
مثله، ونسخ المشرك والمشركة ".
وروى حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري.
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " الزاني
المجلود لا ينكح إلا مثله " تصديقا لقول الحسن.
стр. 905
وقال مجاهد: " نزلت في بَغَايَا كُن في الجاهلية لهن رايات يعرفن بها ".
стр. 906
وقال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: " نزلت في أم مهزول
وحدها، استأذن مرثد بن أبي مرثد الغنوي رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - في تزوجها فنزلت هذه الآية ".
стр. 907
وقال ابن عباس: " ليس هو بالنكاح إنما هو الجماع، لا يزني بها
وهو يزني إلا زانٍ أو مشرك.
قال محمد بن علي: أما قول الحسن فهو خلاف الإجماع، لأنا لا نعلم
أحدا خالف في أن البِكْرَين إذا زنيا، أو الثيبين إذا عطل الجائرون حدّهما
حل لكل واحد منهما أن يتزوج بمن زنى مرة، ومن لم يزنِ،
стр. 908
بل قول الحسن أظرف من قوله، لأنه يبيح قبل الجلد أن يتزوجا.
فإن كان مانعَا بالآية، فالآية تمنع الزاني لا المجلود، والزنا حادث
بالفرج لا بالسوط. فكيف يجيز تزويج الزاني ويمنع تزويج المضروب.
هذا إغفال غير مشكل، والحديث المرفوع في تصديقه ضعيف الإسناد
стр. 909
لا تثبت بمثله حجة.
وأما قول سعيد بن المسيب فإن الخطاب في قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) خطاب واقع على الأولياء في إنكاحهن لا على المتزوجين في نِكاحهن.
فكيف ننسخ آية تحظر النكاح بآية تبيح الإنكاح، بل تأمر به أمرا.
فإن كان أراد أن هذه المنكحة قد يجوز أن تكون زانية فأمر بتزويجها فليس في
إمكان ذلك ما يبيح تزويج الزاني بغير زانية، والزانية بغير الزاني، إن
كانت الآية الأولى قد منعت من جهة أن عضل الولي في إنكاح الزانية
من زان، وإنكاح العفيفة من عفيف عضل واحد، فأمر أن لا يعضل
وينكح.
وقد أغنى الله عن وضع الإنكاح موضع النكاح بما استثنى في نفس
الآية الأولى حيث يقول: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) .
أوليس إن كانت الآية على المنع كما ذهب إليه
ويحتاج إلى النسخ قد أباح فيها للزانية أن تنكح الزاني، وللزاني أن ينكح
الزانية، فليست بنا حاجة إلى أن نلتمس إذنه - جل وتعالى - من موضع
سواه.
стр. 910
ولولا صحة الرواية عن ابن المسيب ﵁ لكان أرفع قدرًا
عندنا، وأجل منزلة، من أن تثبت مثل هذا عليه، ولكن الإغفال
لحق بكل من عَري من الوحي ولم يؤيد به، وهو ﵁
- قد اجتهد وأخذ ثواب المجتهدين وإن أغفل إصابة المصيبين، ولا
أعلم رواية وردت أعجب أمرا من هذه أن تكون بتداول تداولها
وتحملها الأكابر والفاضلون وأهل اللغة، وتدون في المصنفات من
التفاسير وغيرها فيستتر موضع الإغفال فيها عن جماعتهم، والعجب
للشافعي ﵁ مع إغراقه في اللغة، وهو في
نفسه لغة غير دخيل فيها كيف ذهب إلى قوله
стр. 911
فلو ذهب إلى رواية مجاهد فقد رواها كان أسلم له، لأن البغايا
قد هلكن كلهن، وتزويج من يحدث الزنا من النساء بعدهن مباح للزاني
وغير الزاني.
قال محمد بن علي: والذي نقول به - ونسأل الله التوفيق - قول ابن
عباس، لأن أول الآية مبتدأ بالخبر لا بالنهي، ولو كان نَهيَا كانت
(الحاء) في (يَنكِحُ) موضعين مجزومة لا مرفوعة فكأنه - والله أعلم
- أخبر أن الزاني لا يجامع في زناه إلا زانية مثله ترى الزنا محرمًا كما
يراه، أو مشركة بربه والزانية لا يصلها إلا زان يرى الزنا محرمًا كما
تراه أو مشركا وله محللاً، والمؤمنون محرم عليهم فعله محرمين له
ومحللين.
стр. 912
وأصل النكاح في كلام العرِب: الوطء، ثم يسمى عقد التزويج
به، لأن الأغلب في عقده أنه لمِ يُسمى به، ألا ترى أن رسول الله
ﷺ لما نهى الرجال والنساء أن يتحدثوا بما يكون
من بعضهم إلى بعض في المضاجعة قال: " ألا أخبركم مثل ذلكم مثله
كمثل شيطان لقي شيطانة في الطريق فنكحها والناس ينظرون ".
стр. 913
وهذا أشهر في كلام العرب من أن يحتاج إلى إقامة البرهان عليه..
قال محمد بن علي: أرى الناس قد ألفوا من القاذف والشاهد وإكمال
عدد الأربعة بهما وكدرء الحد عنهم إذا تكاملوا من جنسين عدولا
كانوا أو غير عدول. وهو عندي خلاف الكتاب والسنة، والنظر
والقياس معا.
стр. 914
فأما الكتاب فقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) ، فنص الكتاب على جلد القاذفين وتسميتهم فساقا، واطراح شهادتهم دون
إقامة أربعة شهداء على تصديق قولهم يبرئونهم من الجلد والفسق، واطراح الشهادة.
فيقال لمن ألزم الواحد والاثنين والثلاثة اسم القذفة فإذا جاء رابع يقذف
معهم أزال عن الثلاثة الاسم بمشاركة هذا الواحد لهم فيما كانوا بسبيله من
لزوم القذف لهم، ووجوب الحد عليهم -: لمَ أزلت حد الله الذي نصَّ
عليه في كتابه، وأزلت اسم الفسق عنهم، ولم يزله الله عنهم إلا
بالتوبة، وعادوا عندك عدولا، ولا تقبل شهادتهم في جميع ما شهدوا
عليه والله يقول: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) ، لأن الواحد قال
خلاف قول أصحابه، أو هو شاهد وهم قذفة، أم عادوا كلهم
شهودا بعد أن كانوا قذفة.
وكل ما قال من هذه المعاني كابر في القول لا يشكل على السامع عالما
كان أو جاهلا.
стр. 915
فهبنا سمحنا له بتسمية الرابع شاهدا - ومعاذ الله أن
نسمح - أليس الله ﷻ اشترط أربعة شهداء، وهم أقاموا
شاهدا واحدا، أتكون نفس واحدة أربعة أنفس، أم يكون حكمه
حكم أربعة، وكان عدده واحدا فلم اشترط الله إذاً أربعة شهداء.
ويقال له: أرأيت القاذف الواحد أيبرأ من قذفه بثلاثة شهداء حتى
يكون هو رابعهم، أم يحتاج إلى إقامة أربع.
فإن قال: يكفيه ثلاثة، خالف النص، لأن أقل ما يقع عليه اسم
القاذف في قوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) واحد، فهلا كان: ثم لم
يأتوا بثلاثة شهداء، وهو مع خلاف نص القرآن، مكاشف جماعة
المسلمين بالرد.
فإنا لا نعلم أحدا قال: إن الواحد إذا قذف مسلما يكفيه إقامة ثلاثة
شهداء حتى إنهم قالوا في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها:
يُلاعِن الزوج ويجُلَد الثلاثة.