Полный текст (1 832 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وهب أن الحد لا يجب على الأجنبي إذا قذف ذمية أَوَ يُعطل حكم الله
عليها إذا قذفها ولا شهود له غير. نفسه يوجب عليها بهِم حد ما رميت به
من الزنا، والله - جل وتعالى - لم يلغِ قول الرجل لامرأته في القذف
لغوا بكل حال بل جعل مخرجها منه شهادات اللعان، ودعوة الغضب في
الخامسة، وهذا شيء لا يفعل إلا بعد أن يفرغ الزوج من شهادته ودعوته
باللعنة، ففي كم موضع يشاء ترك نص القرآن في إبطال حد القذف عن
قاذف الذمية، وقد سماها الله محصنة، أم في إزالة حكم اللعان بينها
وبين زوجها واسم الزوجية شامل لها، والله يقول: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) ، أم في إبطال حد الزنا عنها وقد رُمِيت به بغير مخرجِ لها
منه. وهل يخلو زوجها من أن يكون صادقا فيما قذفها
به، فيلزمها الحَد أو كاذبا فيلزمه حد القذف. فلما رأينا الله - جل
وتعالى - لم يجعل قول القاذف لغوًا في أجنبية ولا زوجة بل أوجب به
حدَّا عليه، أو على من قذفه به إلا أن يخرج هو منه بالشهداء.
والزوج بهم إن كانوا، أو باللعان إن لم يكونوا، والمقذوف من
الزوجات باللعان، ومن الأجنبيات بعدم شهود القاذف. علمنا أن
قول القاذف غير لغو وقع من مسلم أو كافر فيزعم أنه غير آثم.
أَوَ مباح له التفكه به.
أوليس فى إزالة اللعان بين الذميات وأزواجهن المسلمين تجرئة لهن على
стр. 947
الفاحشة إذ كان قول الرجل لا يوجب عليهن حدا يخرجن منه باللعان.
وتجرئة للزوج على أذاهن بالقذف إذا كان بقوله لا يجب عليه وَلا على غيره
حكم. وهذا عظيم لمن تدبره، وأعطى النصفة من نفسه.
ذكر الإيجاز والاختصار.
* * *
وقوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
حجة لمن يحذف من لفظ الكلام ما لا يتم على الحقيقة إلا به التماس
الإيجاز والاختصار كقول الشاعر:
فإن المنية من يخشها
فسوف تصادفه أينما
стр. 948
لأنه - جل وتعالى - ابتدأ (بلولا) ولم يصله بشيء يكون تمامه ظاهرًا
في اللفظ، فكأنه - وهو أعلم - ولولا فضل الله عليكم ورحمته، وأن
الله تواب حكيم، لما بين لكم هذه الأحكام التي قبل هذا الكلام، ولكن
من فضله عليكم بين لكم وأنصف المرمي من الرامي، وطهر الزاني
والزانية بالجلد. أو شيء هذا معناه، تبارك اسمه.
ومثله قوله في خاتمة العشر الثاني: ((وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) .
لأن (لولا) كلام يقتضي صلة كقوله - جل
وعلا -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) ، وقال: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) ، (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) ، فهو لا محالة على الاختصار، ولولا فضل الله عليكم
стр. 949
ورحمته وأن الله رؤوف رحيم لعاقبكم على ما جئتم به من الإفك كذا
وكذا. ألا تراه يقول: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)
هذا وجه الجملة، وقد يحتمل أن يكون (مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) لكل ما بعده كأنه: ولولا فضل الله عليكم الأول
والثاني والثالث ما زكى منكم من أحد أبدا. والله أعلم.
ذكر قول الزور.
* * *
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)
حجة فى أشياء:
فمنها: غلبة المذكر على المؤنث في الذين، لأنه كان فيمن جاء
بالإفك امرأة والمرأة يقال لها: التي، وجمعها اللاتي، واللواتي.
ومنها: الرجوع من الخبر إلى المخاطبة في قوله: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ) أي لا تحسبوا الإفك، والقول به شر لكم (بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)
стр. 950
ومنها: تفضيل الشيء على الشيء بلفظ الخير والشر باطراح الهمزة -
والهمزة فيها لحن ليس من كلام العرب.
ومنها: أن قول الزور في المقول خير مدخر له يثاب عليه في
الآخرة، وشر على قائله معدود عليه في عداد ذنوبه.
ومنها: أن من لحقه غَم بالمتقول عليه من الزور شريكه في
الأجر، لأن المرمية بالإفك أم المؤمنين ﵂ وحدها.
فجمع الله معها من لحقه أذى القول معها ورسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وأبويها، وكل من لحقه غم بسببها فقال: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) على لفظ الجميع.
стр. 951
ذكر من سَنَّ شرًا.
* * *
وقوله تعالى: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)
دليل على أن من سَن شرا أعظم إثمًا ممن واطأه عليه، لأن المتولي
للكبر كان السابق إلى الإفك، وسائرهم صدق قوله، فاستوجب
ضعف العذاب وهذا يؤيد حديث رسول الله ﷺ
-: " ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من
دمه، لأنه أول من سن القتل ".
стр. 952
وذكر تسمية جنس الآدميين بالأنفس.
* * *
وقوله: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)
حجة في تسمية جنس الآدميين بالأنفس، ومؤيد تفسير من فسر:
(وَلَا نَقتُلُوَا أَنفُسَكم) أي لا يقتل بعضكم بعضا، ومن فسر:
(فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي سلموا بعضكم على
بعض، لأن الأنفس التي أمرت أن تظنوا بها خيرا أم المؤمنين -
стр. 953
رضي الله عنها - فسماها الله - جل وتعالى - نفسهم كما ترى، وهو
يؤيد أيضا حديث رسول الله ﷺ : " المسلمون
كنفس واحدة ".
وفيه دليل على أن التصديق بالذايع من الخبر المنكر، والنحلة الفاحشة
إلى المخبر عنه محرم، وموجب على سامعه إعداده في وجوه الكذب
والزور، بل لازم له أن يلفظ بتكذيبه، ولا يقتصر على إضمار القلب
ونبوه عنه.
وأرى نساك زماننا قد أهملوا هذا من أنفسهم كل الإهمال بل تأسوا فيه
стр. 954
بأطباع الجهال، وركبوا فيه أمحل المحال حتى صاروا يهجرون عليه فضلا
عن التصديق به الذي حرم الله بنص القرآن كما ترى. وقد لخصناه
في سورة بني إسرائيل.
* * *
وقوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)
شديدة لو تأملوها، وقد أكده الله مرة بعد أخرى كما ترى فقال:
(وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)
حجة في أشياء، فمن قال فيها - رضوان الله عليها - هذا، أو
صدق به خرج من الإسلام.
стр. 955
(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)
حجة فى أشياء:
فمنها: أن أبا بكر الصديق ﵁ بعدما أنفق ماله على
رسول الله ﷺ أغناه الله وجعله من أهل السعة
والفضل.
ومنها: أن اسم القربى شامل لكل من مَت إلى الإنسان بِرَحِم
قربت أو بعدت، إذا الرحم قربة يقترب بها ذو النسب، وقد عري منها
الأجنبي فلا يمت بها أبدا وكذا النسب وإن بعد نسبه قربة من الإنسان لا
يقترب بها سائر جنسه من الناس وسواء كان ذلك من قبل الأب أو الأم لا
أنه أسباط الإنسان وبنو عمه الأدنون كما تزعم الرافضة من أن
стр. 956
قول الله ﵎: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أنه علي والحسن والحسين وفاطمة ﵃ دون
سائر قرابات النبي ﷺ ألا ترى أن مِسطح بن
أثاثة المخصوص عليه أبو بكر ﵁، على الإنفاق عليه
المسمى بأولي القربى إنما هو ابن بنت خالة أبي بكر الصديق - رضي
الله عنه - وقد سماه الله من أولي قرباه. فكيف تخص ابنة رسول
الله، وسبطاه، وابن عمه دودن سائر أداربه المسلمين بالمودة في الآية.
وابن بنت خالة الإنسان قريبه كما ترى.
стр. 957
ومنها: أن الذنب الواحد - وإن عظم - إذا احتقبه المرء لا تحط
عنه سائر حسناته، ولا يحط من درجاته فيها، لأن الله - جل وتعالى -
قد سمى مسطحَا مهاجرا في سبيله بشهوده غزوة بدر، وقد احتقب
стр. 958
عائشة ﵂ ما احتقب، وشارك أهل الإفك فيما شارك من
عظيم الذنب. وفي هذا رد على جهلة الصوفية فيما يزعمون أن الكبائر
تمحو الحسناتِ وتحط درجة أصحابها فيها.
ورد على من يزعم أن الذنوب كفر.
وكيف تكون كفرا، وقد سقى الله مِسطحَا - مع عظيم ذنبه -
مهاجرا.
ومنها: أن مواصلة من قطع، والإحسان إلى من أساء مرضي
الأخلاق، ومندوب إليه المرء.
ومنها: أن اليمين إذا وقعت على مَا لا قربة فيه إلى الله فالطاعة
تركها، وترك الماضي عليها وإن لم يكن الترك مفروضا إذا كان غيره
أقرب منه، لأن سياق الآية يدل على أن الله - جل وتعالى - ندب أبا
بكر إلى العود إلى مسطح بفضله، وترك معاقبته على ما كان
منه إلى ابنته ندبا، ولم يفرض عليه فرضا. لولا ذلك ما دله - وهو
أعلم - على العفو والصفح، وَلا وَعده عليه الغفران، إذا العفو
والصفح بَابَا فضلٍ لا يجُبر أحد عليه.
стр. 959
وليس في الآية أنه أمره بكفارة ألبتة، فيحتمل أن يكون إتيانه الذي
هو خير من النفقة على قريبه كفارتها.
ويحتمل أن يكون مع ذلك كفارة وهو أحوط وبه نقول.
قال محمد بن علي: لا خلاف بين الأمة أن هذه الآيات كلها من
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)
نزلت في أم المؤمنين عائشة ﵂ فمن ذكرها بالفاحشة
стр. 960
بعد نزول هذه الآيات، وهوعالم بنزولها فهو كافر يستتاب، لأنه راد على
الله قوله في براءتها ومكذب بما أنزله من وحيه فيها، فإن تاب وإلا
قُتل.
ومَن جهل نزول الآيات تليت عليه، وعرف بما فيها فإن آمن بها
وقبلها جُلد حد المفتري وترك، فإن عاد بعدما عرف مرة أخرى
استتيب كالأول.
ذكر المرأة إذا ملكت زوجها.
وقوله تعالى في النساء المؤمنات: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)
دليل على أن المرأة إذا ملكت زوجها حرمت عليه، وانفسخ نكاحها،
стр. 961
لأن الله - جل وتعالى - جعل مُلك يمين المرأة في عداد محارمها،
والمحرم لا يصلح أن يكون زوجًا بحال.
(وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)
دليل على أن المرأة منهية عن إبراز كل ما دعا إلى شهوتها، وإن كانت
مباحًا لبسه لها.
ذكر التزو".:
* * *
وقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ)
لحجة واضحة في أن ليس للبِكر ولا للثيب أن تتزوج بغير أمرِ وليها.
إذ لو كان لها ذلك ما أمر غيرها بإنكاحها.
стр. 962
وهذه أبين مما احتج بها الشافعي ﵁ من قوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) ، لأن ظاهر
تلك مخاطبة الأزواج. كأنهم يطلقون واحدة، أو اثنتين حتى إذا حاضت
المطلقة حيضتين وقاربت الخلو من العدة برؤية الثالثة التي تحلها للأزواج.
راجعها من غير رغبة فيها يضارها لئلا تتزوج.
стр. 963
ولولا رواية الحسن عن معقل بن يسار أن الآية نزلت فيه.
حيث عَضَل أخته وأبى تزويجها ممن طلقها - لقلت بظاهرها
стр. 964
تحتمله الآية، ولكني أتهيبه، مع أني أظن في سَماع الحسن عن
معقل شيء، فإن صحت روايته عنه فتلك أيضا تقوية لهذه التي في
النور، وإلا ففي هذه كفاية لأنها نص.
* * *
وقوله تعالى: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)
دليل على أن ليس للعبد ولا للأمة أن يتزوجا بغير إذن سيدهما،
стр. 965
غير أن العبد يؤذن له في التزويج فيعقد هو على نفسه إن كان كبيرا، أو
يقبله عليه سيده إن كان صغيرا كما يقبل الأب على صغار ذكوره
والأمة يعقد هو نكاحها على من أراد تزويجها.
ولو جاز أن تعقد الأيم على نفسها وقد أمر غيرها بالعقد عليها جاز أن
стр. 966
يعقد العبد والأمة على أنفسهما وإن امتنع سيدهما.
فإن قيل: الأيم مخالفة لهما لقول رسول الله ﷺ
-: " الأيمُ أحق بنفسها من وليها ".
قيل: هذا ليس بمخالف للقرآن في الأمر بإنكاحهن، إنما أفادنا أن
الولي لا يعقد عليها إلا برضاها كما يعقد السيد على أَمته وإن كرهت.
ألا ترى أن نفس الحديث حجة في أن الولي هو العاقد عليها غير أنه
لا يتقوى حتى تأذن، وفي إضافته ولايته عليها إليها، فلو كانت هي
أملك بنفسها بمعنى أنها تتولى العقد دونه ما كان لتسميته بالولي وإضافته
إليها معنى وهذا موضوع بتمامه في كتاب النكاح من شرح النصوص.
стр. 967
ذكر ملك العبد.
* * *
وقوله: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)
قد شمل الأيامى، ومن ذُكر معهن من العباد والإماء، واستوجب
جميعا إنجاز الوعد في الغنى بالنكاح، إذ لو خلا العبيد منهم وقصد به
الأيامى كان - والله أعلم - إن يكن فقراء يغنهن الله من فضله. فلما
كان (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) علمنا أن العبيد داخلون
فيه وهم ذكور فغلبوا.
وفي ذلك دليل واضح أن العبيد والإماء يملكون ولا يكون الملك
مضافا إليهم على المجاز وحقيقته للسادة، إذ لو كان كذلك ما استغنوا
بالإنكاح، ولكانوا فقراء قبله وبعده، لأن من لا يملك شيئا لا يقع
عليه اسم غنى، وقد قطع الله الريب بما قال: (يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
ودل على أنه غنى بالمال لا بالنكاح كما قال: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)
стр. 968
ففضله بعد ذكر الاكتساب لا يكون إلا مالاً.
قال محمد بن علي: وفي مُلك العبد أشياء مختلفة ملبسة أمره، تؤكد
بعضها ملكه، وبعضها تنفيه، فمن ما تؤكد ملكه هذه الآية التي ذكرناها
في هذا الموضع وهي واضحة، والمكاتب يكاتبه سيده وهو عَبد، فلو كان
لا يملك ما كان لمكاتبته معنى، لأن سيده كان لا يملك كسبه عليه قبل
حلول النجم، فكان يحل وليس بيده شيء وقد أمر الله بكتابه، واتفق
الجميع على أن ما يملكه له يؤديه في نجومه حتى يعتق
بأداء جميعها، فلو كان لا يملك ما عتق بالأداء أبدًا.
стр. 969
والذي هو أيضاً واضح في ملكه أنه لا يخلو من أن يكون لما كان مالا
في نفسه بملك سيده وقد استحال أن يضاف إليه مُلك بوجه من الوجوه
كالبهائم التي يملكها الإنسان، وهي مال في أنفسها فلا يكون مالكه
بحال، أو يكون.
وإن كان مملوك الرقبة - لا يستحيل أن يضاف إليه ملكه يكون فيه
أسوة جنسه من الناس الذين هو مشاركهم في جميع ما هم بسبيله من
العبادات والأحكام الجارية بين المسلمين لهم وعليهم، وإن اختلفت
كيفيتها في الكثرة والقلة، فلما اتفقوا جميعاً من ثبت له ملكا ومن لم
يثبت أن ماله مستفاد لا مخلوق معه كعضو من أعضائه يملكه سيده
معه. علمنا أن السيد ملكه دون ماله، ثم نظرنا إلى ما يقع بيده من
وجوه الاستفادات فإن كان مما سبيله ملك فيما يقع بيديه قبل أن
يأخذه سيده منه فقد سُمي مالكا قبل سيده. فإن أخذه منه عن غير
طيب نفس منه كان غصباً له.
وإن كان ممن لا يثبت له ملك فيما يصير في يده فمحال أن يسمى مال
العبد ما لم يملكه العبد بعده، والسيد لا يملك مالَ غير عبده، وأكثر
стр. 970
وجوه استفادته منه ما ينتقل من مالك إليه مثل الهبة والصدقة، والجعل
على عمل يعمله فلا يخلو من أن يكون من كان له أصل هذه الأموال
وهو مالكها فدفعها إلى العبد بهذه الوجوه انتقل ملكه عنها إلى من دفعها
إليه، أم ملكه ثابت فيها بعد غير منتقل، فإن كان ملك أرباب هذه
الأموال لم ينتقل عنها بدفعها إلى من لا يملك ملكهم، ويستحيل أن
يضاف إليه مُلْك، فينبغي للسيد أن يرد ما بيده على من أخذه منهم.
لأنه ملكهم وهو لا يملك أملاكهم.
وإن كان لما صارت في يد العبد ملكها العبد كملك من كانت له فلا
يجوز للسيد انتزاعها من يده إلا بإذنه، فهو صالحه لأنه.. في ملكه
إذ ... سيده إلى وإلا كان غاصبًا، عليه ما على الغاصب.
فلما اتفقوا على أن ملك العبد متقدم لما يقع بيده قبل أن يصير لسيده
ثبت ملكه فيه بإجماع الأمة، فمن زعم أنه قد انتقل ملكه إلى السيد بِلاَ
وَجه من وجوه الانتقال فعليه أن يأتي بإجماع مثله ولن يجد إليه سبيلا.
هذا ما في تثبيت ملكه وأما ما يدل عليه على أنه ليس بمالك فإجماع
الناس جميعًا على أنه إذا مات وله ورثة كان سيده أولى بماله من
ورثته، فلو كان مالكًا لمِالِهِ في حياته لَوَرِثَتْه وَرَثَتُهُ بعد وفاته، لأن
стр. 971
ما ملكه تركة، والتركة مقسومة في كتاب الله على الورثة دون
الأجنبيين. فهذا أوكد شيء في إزالة الملك عنه، وفي الكتاب والسنة أشياء تدل على كلا المعنيين من إثبات مُلكه وإزالته، فأما ما في الكتاب فقوله ﵎ في سورة النحل: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ) .
فيحتمل أن تكون الآية في عبدين أحدهما فقير، والآخر غني، كما
يكون حران أحدهما غنيا، والآخر فقيرا.
ويحتمل أن يكون حرَّا وعبدا، لأن (مَن) تكون للحر والعبد، وإذا
احتمل الشيء معنيين لم يجزْ أن يحكم لأحدهما دون الآخر إلا بحجة تحقق
أحدهما
وقوله في سورة الروم: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)
стр. 972
يحتج به من ينفي ملكه، كأنه يذهب إلى أن
المملوك لا يجوز أن يشارك المالك في ملكه كما لم يجز للخلق وهم عبيد
الله أن يشاركوه في ملكه.
وهو يحتمل ما ذهب إليه، ويحتمل غيره من أنكم لا تملكون معي إلا
ما ملكتم كما لا يملك عبيدكم مما رزقناكم شيئًا إلا ما ملكتموهم. فيكون
هذا حجة في ملكهم.
وكان قتادة ﵀ يقول: " هذا مثل ضربه الله لمن عدل به
شيئا من خلقه يقول: أكان أحد منكم مشاركا مملوكه في قرابته وزوجته.
فكذاكم الله لا يرضى أن يعدل به أحد من خلقه " ففسره على معنى
ثالث.
وأما ما في السنة فقوله ﷺ : " مَن باع عبدَا وله
مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ".
стр. 973
يحتج به الفريقان مثبتوه بإضافة المال إليه في موضعين، ونافوه تجعله -
وإن أضافه إليه - لغيره للبائع مرة، وللمبتاع أخرى.
وقوله ﷺ حين فرض زكاة الفطر: " على كل
حُر وعبد، صغير وكبير ".
стр. 974
فالمثبتون يقولون: لا تفرض على غير مالك.
والنافون يقولون: فرضها على سيده، كما فرض عليه لزوجته،.
وصغار ولده.
وكل يحتج لمذهبه كما ترى. فنظرنا في ذلك فلم يجز أن يكون على
تضادهما حقَّا، والحق لا محالة في أحدهما.
стр. 975
ووجدنا من ينفيه قد وافق من يثبته في المكاتب، ووافقه في أن العبد
مَلَك ماله قبل سيده، وإيتاء الإغناء من فضله في باب الإنكاح، والأمر
بالمكاتبة يشهدان له بالملك بلا احتمال معنى سواه، وإذا شهد آيتان
مفردتان لأحدهما يحتمله الآخر بأن كان - والله أعلم - أولى من
الاحتمال إلى الآخر الذي لا شاهد له على الانفراد، فنقول: إن العبد
مالك لماله كالحر مسلط عليه لما تقدم من ملكه بإجماع الأُمة قبل تملك
عليه سيده في قول بعضهم والله يحكم لا معقب لحكمه. فإن
حكم في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ بشيء
في ماله، أَوِ اتفق جماعة المسلمين عليه سُلم في موضعه، ولم يجعل ذريعة إلى توهين ملكه الدي هو فيه كالحر، فما حكم في ماله عند بيعه مُسَلمَا للسنة، وأخذ سيده ماله بعد موته دون ورثته وَسُلم للإجماع. وإن عدم رضاه ورضاء ورثته - كما تجعل دية الخطأ في مال العاقلة والجاني غيرهم أحبوا أم كرهوا. ليس لأحد أن يضرب أحكام الله بعضها ببعض ويعقبها، بل عليه التسليم
والرضا لما حكم، وإن اختلف عند الناظر فيه قال الله ﵎
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) .
стр. 976
ونقول في زكاة الفطر إن وجدنا موجب اتفاق المسلمين على أنها
مفروضة على سيده سُلّم لهم كما سُلّم في ماله بعد موته، وإلا فظاهر
الخبر أنها مفروضة عليه، فإن اطلع بأدائها أدّاها وإن عجز عنها
سقطت عنه كما يسقط عن الحر بالعجز، وإن تطوع السيد فأخرجها
عنه أجزأه كما تجزي الحر بأن يتطوع غيره عنه، وبالله التوفيق.
وأما من قال: مال العبد مضاف إليه كإضافة السرج إلى الفَرَس.
والغنم إلى الراعي فقد جمع بين شيئين متفاوتين، لأن الفرس لم يستفدِ
السرج بنفسه، ولا ملكه قبل صاحبه، كما استفاد العبد ماله، وإن
كان بزعمه عليه السيد، وقد يعتق العبد فيملك عند قائل هذا
القول، والفرس لا يملك أبدا. وإضافة السرج إلى الفرس مجاز بكل
стр. 977
حال، وإضافة المال إلى العبد في حال دون حال.
والراعي ليس بمستحيل أن يملك تلك الغنم باعيانها التي هو أجير
عليها والفرس لا يملك سرجه أبدا.
وإسقاط مُلك العبد عنه باختلاف وتأويل، ومُلك الفَرس عن السرج
بعيان وإجماع، لأن الفرس بهيمة والعبد بشر مستعبد تجري - عليه أحكام
الإسلام.
وكنت أحب لقائل هذا القول أن يصون نفسه عن هذا، فإنه أجل في
نفسه وأرفع قدرا من أن يُعرف بهذه الهفوة، وسِيما وهو من أهل اللغة
يغفر الله لنا وله.
ذكر نفقة الزوجات والصدقات:
(وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)
стр. 978
دليل على وجوب نفقة الزوجات إماءً كُن أو حرائر، وعلى أن
الصدُقات تكون نقدا إلا أن ترضى المرأة بتأخيره. إذ لا نجد شيئا
يكون بها المحتاج إلى النكاح غير هذين الشيئين من نقد المهر والإنفاق.
وإلا فلم لا يجد النكاح.
وليس في الناس أحدٌ إلا وَلَه أكفاء ممن يتزوج به حتى إن ذوي العاهة
بالبرص والجذام وأشباهه يتخذ كُفُوا مثله، فقد صح أن المحضوضين
стр. 979
على الاستعفاف هم الذين لا نقد لهم يصدقون منه، وينفقون على
الأزواج، وهذا من أوضح دليل في وجوب النفقة، وتقديم
الصداق لمن تدبره.
فإن قال قائل: فلم لا تجعل هذا دليلا على التفريق بين من عجز عن
النفقة على امرأته وبينها، وهو من التأكيد بهذه المنزلة.
قيل: ليس المستدبر في ذلك كالمستقبل، لأن أمرهن في المستقبل
بأيدي أنفسهن، لا يجبرن على تزويج من لا يشتهين، وإذا حدث
الإعسار بعد عقدة النكاح فقد صار الأمر بيد الأزواج ولا سبيل إلى
تحريمهن إلا بطلاق يحدثه، وهو شيء يطلق الزوج به لسانه، فإذا
امتنع من الإنفاق معدوما كان أو واجدا فليس للإمام عليه سبيل إلا
مطالبته للزوجة بنفقتها، وحبسه به إن طلبته حتى يخرج إليه منها.
فإن امتنع مع الحبس من النفقة ولم يحل عقالها بالطلاق فهو ظالم لها.
كما يكون الغائب المنقطع الغيبة ظالما بحبس النفقة، فلا يطلق الحاكم
عليه، فكيف يفرق الحاكم بين امرأة المعسر وبينه، وإيساره أقرب
إمكانا من وصول نفقة يبعث بها الغائب إلى زوجته بعد ندامته من ألف
فرسخ.
فهي إلى أن يفرق بينها وبين ظالمها بالغيبة أقرب، وبه أجدر من معسر
стр. 980
يعسر يومَا ويجد بعده.
ذكر المكاتب:
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)
دليل على أن فرضاً على السيد إذا عرف من عبده خيرا، أو من أَمته أن
يكاتبهما إذا التمسا منه الكتابة، ولا يكون بالخيار في إجابتهما، لأن ظاهر
الآية أَمر، والأمر من الله تعالى حَتْم حتى يقوم دليل من كتاب وسنة أو
اتفاق أنه إباحة وندب، ولا سبيل إليها في هذه الآية.
стр. 981
واختلفوا في الخير ما هو.
وجماعه الذي يجمع أقاويلهم الأمانة، والاضطلاع بأداء ما يكاتب
عليه على الأغلب من أمره، وما يعرف به.
والعجب لمن لا يجبر السيد على الكتابة، ويجبره على إعطائه منها إذا
فرغ من أدائها، وكلاهما أمر واحد (كاتبوهم) ، (وآتوهُم) ، وهما
عندنا واجبان جميعًا.
стр. 982
واختلف علي بن أبي طالب وابن عمر في مقدار ما يُعطى، فأعطاه ابن
عمر سُبع مال الكتابة، وقال علي: يعطى رُبعها.
وإليه نذهب،
стр. 983
لأن ابن جُريج - وهو ثقة - وَسيما إذا ذكر السماع - قال: دنا
عطاء بن السائب،
стр. 984
عن عبد الله بن حبيب، عن علي، عن النبي - صلى الله عليه
وسلم -: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)
قال: " رُبع الكتابة " وهذا الحديث يقفه غير ابن جريج على علي ولا يسنده إلى
стр. 985
النبي ﷺ وسماع ابن جريج من عطاء قبل الاختلاط
أولى من سماع من بعده. مع أنا قد دللنا في كتاب شرح النصوص على أن
الثقة إذا أسند حديثًا يقفه غيره من الثقات كان الحكم حكم المسند، كالزيادة في الخبر.
следующие страницы →