← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9066

النكت في القرآن الكريم

أبو الحسن المجاشعي

Полный текст (489 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يسأل عن موضع (أن) من قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾ ؟ والجواب: أنها تحتمل أن تكون في موضع رفع على البدل من كتاب، كأنه قال: ألقي إلي أن لا تعلوا علي. ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير: بأن لا تعلو علي. قال الزجاج: كان الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله سليمان إلى بلقيس بنت شراحيل: لا تعلوا علي وأتوني مسلمين) . * * * قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] . قال الزجاج: يروى أنه كان معها ألف (قيل) ، مع كل (قيل) مائة ألف رجل، ولذلك قالوا: قال: وقيل كان من كل (قيل) ألف رجل، وهذا أشبه. وجاء أنهم عرضوا عليها القتال بقولهم: نحن أولو قوة، عن ابن زيد. ومعنى قوله: ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤] خربوها. وقوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] استبعدوهم، قال ابن عباس: وذلك إذا دخلوا عنوة. وقيل في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] أنه من قول الله تعالى، وأن كلامها ينقضي عند قوله: ﴿أَذِلَّةٌ﴾ ، فقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وقيل: هو من كلامها.

стр. 282

قال الزجاج: أنفذت إليه لبنة من الذهب مع امرأة في حريرة، فأمر سليمان أن يطرح لبن من ذهب ولبن من فضة تحت أرجل الدواب، ليريها هوان ما بعثت به. قال الفراء: ذكروا أن رسولها مع الهدية كانت امرأة واحدة. قال علي بن عيسى: قيل أرسلت إليه بوصائف وغلمان على زي واحد، وقالت: إن ميز بينهما ورد الهدية، وأبي إلا المتابعة على دينه فهو نبي، وإن قبل الهدية فإنما هو من الملوك، وعندنا ما نرضيه به، وهو قول ابن عباس. قال الفراء: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٦] إنما يريد: فلما جاء الرسول سليمان، قال: وهي في قراءة عبد الله "فلما جاءوا سليمن" على الجمع، ولم يقل جاؤوا، وصلح (جاء) لأن المرسل كان واحداً يدل على ذلك قول سليمان: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٣٧] ، فعلى هذا القول يكون الضمير في (جاء) عائداً إلى الرسول. قال غير الفراء: الضمير يعود على المال، أي: فلما جاء المال سليمان؛ لأن قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: ٣٦] يدل على ذلك. وقيل: يعود على المرسل؛ لأن قولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ﴾ [النمل: ٣٥] يدل عليه. وقيل: يعود على المهدى؛ لأن المهدى والهدية سواء. وقيل في قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] ، إنه جمع في موضع الواحد، وقد تقدم شرح هذا فيما مضى من الكتاب. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] . قال ابن عمر: إذا لم يأمر الناس بمعروف ولم ينهوا عن منكر خرجت الدابة. وجاء في خبر مرفوع أنها تخرج من شعب بني مخزوم.

стр. 283

واختلف في معنى قوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ : فيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المعنى تكلمهم بما سوؤهم من أنهم صائرون إلى النار، وأنها تكلمهم كلاماً صحيحاً يفهمونه. وقيل: إنها تكتب على جبين الكافر (كافر) وعلى جبين المؤمن (مؤمن) . والثاني: أن معنى (تكلمهم) يجرحهم من الكلم، [٧٠/ب] وشدد لتوكيد الفعل والمبالغة فيه. والثالث: أن كلامها: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] . وقيل: إنما تخرج من بين الصفا والمروة. وموضع ﴿أَنَّ﴾ في مذهب من فتحها نصب، والمعنى: بأن الناس. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله ﴿بأَنَّ النَّاسَ﴾ ، وهذا يؤكد النصب، وفي قراءة أبي ﴿تُبينُ لُهم أَنَّ النَّاسَ﴾ ، وهذا حجة لمن فتح ﴿أَنَّ﴾ إلا أن أهل المدينة يكسرونها على الاستئناف. ﴿ومن سورة القصص﴾ * * * قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] .

стр. 284

اللام في ﴿لِيَكُونَ﴾ لام كي، أي: لكي يكون لهم، إلا أنه أخبر بعاقبة الأمر، ولهذا يسميها بعض النحويين (لام العافية) ، ويسميها قوم (لام الصيرورة) ، أي: فصار لهم عدواً، ومثل هذه اللام قولهم: تلد للموت، ويبني للخراب، أي: هذا عاقبة ما تلم وما يبني، وهذه اللام (لام الجر) دخلت على الفعل فأضمر بعدها (أن) ليكون (أن مع الفعل) بتأويل المصدر، والمصدر اسم، وتكون اللام داخله على اسم؛ لأنها من عوامل الأسماء، ويجوز إظهار (أن) مع هذه اللام، تقول: جئتك لأن تكرمني وما أشبه ذلك. قال ابن إسحاق: التقطوه ليكون لهم ولداً فكان عاقبة أمره أن كان لهم عدواً وحزناً. قال قتادة في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] أن المعنى فيه: أنهم لا يشعرون أن هلاكهم على يديه. * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] جاء في التفسير أن موسى ﵇ أخذ بلحية فرعون وهو صغير، فقال فرعون لامرأته: هذا الذي نخافه أن يذهب بملكنا، ألا تري ما فعل؟ فقالت: إنه صغير لا يعقل ما يفعل، ولكن ألق بين يديه ذهباً وجمرةً من النار، فإن أخذ الذهب كان كما قلت، وإن أخذ الجمرة علمت أنه يفعل ما يفعله بغير عقل، ففعل فرعون ذلك، فأراد موسى أن يأخذ الذهب فصرفه عنه جبريل ﵇، فأخذ الجمرة فأحرقت يده فجعلها في فيه فلذلك صار لا يفصح، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧] ؛ لأن تلك العقدة حدثت من الجمرة.

стр. 285

وقرأ حمزة وعاصم ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] بضم القاف على النعت، وقرأ الباقون بالجزم على أنه جواب الدعاء، ومثله قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥-٦] ، قرئ رفعاً وجزماً. وأهل المدينة يخففون الهمزة فيقولون: "رِدَاً يُصَدِّقُنِي" * * * قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] . جاء في التفسير أن المعنى: ويختار للنبوة من شاء. ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أن يتخيروا غير ما اختار اللهتعالى؛ لأنهم لا يعلمون وجه المصلحة. قال الحسن: ما كان لهم أن يختاورا الأنبياء فيبعثوهم. قال الفراء: يقال (الخِيْرَة والخِيَرَة) و (الطَيْرة والطِيَرَة) . و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نفي، والوقف المختار: قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ويبتدأ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ، فلا يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ غير نافية، فقد ذهب ليه بعض القدرية؛ لأن من أصل مذهبهم أن الخير من الله دون الشر، والأول هم الذهب. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [الق صص: ٧٦] .

стр. 286

قال ابن جريح: كان قارون ابن عم موسى لأبيه وأمه، وقال ابن إسحاق: كان ابن خالته، وقال قتادة: إنما بغى عليه بكثرة ماله. قال علي بن عيسى: (الكنز) جمع المال بعضه إلى بعض، إلا أنه قد كثر لما يخبأ تحت الأرض، ولا يطلق اسم (كنز) في أٍماء الشريعة إلا على مالا تخرج زكاته، والوعيد الذي جاء فيه. والمفاتح: جمع مفتح جاء على حذف الزيادة، وقيل: يقال (مفْتَحٌ ومفْتَاحٌ) غمن قال (مفْتَحٌ) قال في الجمع (مَفَاتِحٌ) ، ومن قال (مفْتَاحٌ) قال في الجمع (مَفَاتِيحٌ) . ومعنى (تنوء) تثقل، يقال: ناء بحمله ينوء إذا نهض نهوضاً يثقل، ومنه أخذت (الأنواء) لأن الطالع إذا غاب الغارب ينوء، وقيل: لأن الغارب إذا غاب ناء الطالع، أي: نهض متثاقلاً، وقيل: لأن النجوم تنهذمن المشرق نهوضاً بثقل. قال قتادة: (العصبة) ما بين العشرة إلى الأربعين، قال ابن عباس: يجوز أن يكون ثلاثة، وقيل: مفاتحه خزائنه، وقيل: المفاتح على بابها، وكان يحملها سبعون بغلاً، وكانت من جلود قدر كل مفتاح منها إصبع، وقيل: كان يحملها أربعون بغلاً، وقيل: مفاتحه أمواله، وقيل: كان أربع مائة ألف، وقيل: إنه قال إذا كان لموسى النبوة، وكان الذبح والقربان الذي يقرب في يد هارون، فما هي يدي، أو مالي؟ فهذا كان بغيه.

стр. 287

فصل: ويسأل عن قوله: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ ، وإنما العصبة هي التي تنوء بها؟ والجواب: أنه يقال: نؤت بالحمل، وأنأت غيري، ونؤت بغيري، كما تقول ذهبت وأذهبت غيري وذهبت به فالباء والهمزة تتعاقبان في تعدي الفعل، ولهذا لا يجوز أن يجمع بينهما لاتقول: أدخل بزيد الدار، ولكن: أدخل زيداً الدار، ودخل بزيد الدار ﴿دُخِلَت﴾ [الأحزاب: ١٤] إن شئت، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٣] ، وإنما معناه: فجاء بها، وقيل: إنما جاز ذلك لأنه (دخل) فيها معنى (تميل) ، أي: تميل بالعصبة، فأما قول أبي عبيدة: إنه مقلوب وإن المعنى لتنوء العصبة بها، كما قال: إن سراجاً لكريم مفخرة تحلا به العين إذا ما تجهره أي: يحلا بالعين، فقلب. وقال آخر: كانت عقوبة ما جنيت كما كان الزناء عقوبة الرجم وقال امرؤ القيس: يضيء الظلام وجهها لضجيعها كمصباح زيت في قناديل ذبال أي: في ذبال قناديل، والذبال في القناديل. وهذا ليس بشيء ولا يجب أن يحمل القرآن عليه؛ لأن هذه تجري مجرى الغلط من العرب، ومثل هذا في شعرهم كثير، قال الآخر: مثل القنافذ هدجون قد بلغت نجران أو بلغت سواءتهم هجر وكان حقه أن يقول (هجر سوءاتهم) لأن السوءات هي التي تبلغ هجر، وقال:

стр. 288

غداة أحلت لابن أصرم طعنة حصين عبيطات السدائف والخمر والعبيطات: مفعولة، والطعنة: فاعلة فقلب، ومن أغلاطهم. قول الراجز: برية لم تعرف المرققا ولم تذق من البقول الفستقا ظن (الفستق) من البقول، فأما قول خداش بن زهير. وتركب خيلاًلا لا هوادة بينها وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر فذهب جمهور العلماء إلى أن المعنى: وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح، فقلب، وليس الأمر عندي كذلك، وإنما أن رماحهم تشرف عن هؤلاء الضياطرة، فإذا طعنوا بها فقد شقيت الرماح؛ لأن منزلتها أرفع من أن يطعنوا بها، وكذا قول زهير: فتنتج لكم غلمان أشام كلهم كأحمر عاد ترضع فتفطم قالوا: إنما هو أحمر ثمود فغلط فنسبه إلى عاد، وليس هذا عندي غلطاً، لأن ثموداُ تسمى عاد الآخرة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] . وإنما سموا ثمود لأن الله تعالى لما أهلك عاداً بقيت منهم بقية تناسلوا فهم ثمود، فاشتق لهم من الثمد وهو الماء القليل؛ لأنهم قلوا عن عدد عاد الأولى، وهذا كثير في الشعر يجري مجرى الغلط ولا يجب أن يحمل القرآن عليه. * * * قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص: ٨٢] اختلف العلماء في ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ : فذهب الفراء إلى أصلها (ويلك) فحذفت اللام وجعلت (أنَّ) مفتوحة في موضع نصب بفعل مضمر، كأنه قال: ويلك أعلم أنه، وأنشد لعنتره:

стр. 289

ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قول الفوارس ويد عنتر اقدم قال: وحدثني شيخ من أهل البصرة قال سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ ، فقال لها: ويكأنه وراء البيت، قال معناه: أما ترينه وراء البيت، قال الشاعر: سألتاني الطلاق أن رأتا ما لي قليلاً قد جئتماني بنكر ويكأن من يكن له نشب يحـ بب ومن يفتقر يعش ضر وقال البصريون: (وي) كلمة ينبه بها على أمر من الأمور، وهي حرف مفصول من كأن، وذلك أنهم لما رأوا الخسف نبهوا من تكلم على قدر علمه. وقيل: هي كلمة يستعملها الرجل إذا فاجأه أمر مفظع وقيل: معناها: ألا كأنه، وأما كأنه. وقيل: المعنى: وي بأن الله تعالى، كأنه قال: تنبيهك بهذا، إلا أنه حذف. وقيل: المعنى: ألى تر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، لا لكرامة (قارون) بسط الرزق له. فعلى مذهب البصريين تكتب (وي كأنه) منفصلة. وعلى مذهب الفراء تكتب (ويكأنه) متصلة، وقد حكى الفراء الوجه الأول، ولم ينكره إلا أنه قال: لم تكتبها العرب متصلة، ثم قال: ويجوز أن يكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليس منها، كما اجتمعت العرب على كتابة (يابنم) فوصلوها لكثرتها، فأجاز ما ذهب إليه البصريون، ولم يجز البصريون قوله، فصار قول البصريين إجماعاً.

стр. 290

وقرأ الفراء ﴿لَخُسف بِنَا﴾ بضم الخاء على ما لم يسم فاعله. وقرأ الحسين ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ أضمر في خسف اسم الله تعالى ويسوغ هذه القراءة قراءة عبد الله ﴿لا تخَسَفُ بِنَا﴾ . ﴿ومن سورة العنكبوت﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . يسأل عن قوله: ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ كيف وصفهم بذلك، وليسوا من أهل السماء؟ وعن هذا جوابان: الأول: أن المعنى: لستم بمعجزين هرباً في الأرض ولا في السماء. والثاني: أن المعنى: ولا من في السماء معجز، فحذف (مَن) لدلالة (مَنْ) الأولى، قال حسان: أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء كأنه قال: ومن يمدحه وينصره. قال الفراء ومثله: اضرب من أتاك وأتى أباك، وأكرم من أتاك ولم يأت زيداً، أي: ومن أتى أباك، ومن لم يأت زيداً. * * * قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَ اصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] . قرئ ﴿مَوَدَةَ بَيْنِكُمْ﴾ بالرفع والإضافة. وقرئ ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ منوناً رفعاً

стр. 291

و (بينكم) نصباً. قرئ ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُم﴾ بالنصب والتنوين. وقرئ ﴿مَوَدَّةً بَيْنِكُم﴾ بالنصب والإضافة. فأما من قرأ (مَوَدَةُ بَيْنِكُم﴾ بالرفع، فيجوز فيه وجهان: أحدها: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مودة بينكم، وكذا من رفع ونون. والوجه الثاني: أن يكون خبر (إنَّ) وتكون (ما) بمعنى الذي، والمعنى: إن الذي اتخذتم بينكم أوثانا مودة. وقال الفراء: ﴿مَوَدَّةٌ بَيْنِكُم﴾ رفع بالصفة، وينقطع الكلام عند قوله: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ ، ثم قال: ليس مودتكم تلك الأوثان، ولا عبادتكم إياها بشيء إنما مودة ما بينكم في الحياة الدنيا، ثم ينقطع الكلام. فـ: (ما) على هذا الوجه صلة في (إنما) كافة، وتفسير هذا أنه يجعل ﴿مَوَدَّة بَيْنِكُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الخبر. وأما من نصب فيجوز في قراءته وجهان: أحدها: أن يكون مفعولاً له، أي: للمودة بينكم. والثاني: أن يكون بدلاً من الأوثان. ويجوز في ﴿أَوْثَانًا﴾ الرفع على أن تكون (ما) بمعنى (الذي) كأنه قال: إن الذي اتخذتم بينكم أوثان، أي: ليست آلهة.

стр. 292

﴿ومن سورة الروم﴾ * * * قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] . البضع: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى نصف العقد، وقيل: ما بين الثلاثة إلى السبعة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى التسعة، والقول الأول جاء في خبر مرفوع، وما سوى ذلك أقوال أهل اللغة. أجمع القراء على ضم (الغين) من ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ جعلهم فاعلين، فقيل له: علام غلبوا؟ فقال: على أدنى ريف الشام. وجاء في التفسير: أن فارس ظفرت بالروم، فحزن لذلك المسلون، وفرح به مشركو أهل مكة؛ لأن أهل فارس ليسوا أهل كتاب، وكانوا يعبدون الأوثان (ففرح المشركون بغلبتهم) ومال المسلمون إلى الروم؛ لأنهم أهل كتاب، وكان لهم نبي، قالوا: ويدل على ذلك قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ . ثم قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ، أي: يوم يغلبون، يعني: الروم ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إذا غلبوا، وقد كان ذلك كله، ويروى أن فارس غلبت على أطراف الشام من بلاد الروم، ثم بعد سنتين وأشهر غلبت الروم فارس، واستنفذت ما أخذت فارس من بلاد الشام، ففرح المسلمون بذلك لأمرين: أحدهما: ميلهم إلى الروم. والثاني: ظهور ما أخبرهم النبي ﷺ أنه يقع في ذلك الوقت. ومما يسأل عنه أن يقال: لم بنيت ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ؟

стр. 293

والجواب: أنهما قطعتا من الإضافة، وتضمنتا معناها، فصارتا كبعض الاسم وبعض الاسم لا يعرب فوجب البناء لأنه ليس بعد الإعراب إلا البناء، وحركتا لالتقاء الساكنين. فأما الضم ففيه أربعة أقوال: أحدها: أنهما لما قطعتا من الإضافة جعلتا غايتين فأعطيتا غاية الحركات وهي الضمة. والثاني: أنه لما كان لهما في الأصل تمكن بنيا على الضم إشعاراً بذلك، كما فعلوا بالمنادى. ألا ترى أنهما يعربان إذا أضيفتا أو نكرتا كما يفعل بالمنادى. والثالث: أن الضم لا يدخلها في حال الإعراب، وإنما يدخلهما الفتح والكسر في النصب والجر فلما بنوهما أعطوهما حركة لا تكون لهما في حال تمكنهما. والراع: أنهما لما قطعتا من الإضافة ضعفتا فقويتا بالضمة. فهذه أربعة للبصريين؟ فأما الكوفيون فلهم قولان: أحدهما: أنهما لما تضمنتا معناهما في أنفسهما ومعنى المضاف إليه قويتا بالضمة، وهذا قول الفراء وقد طرده في أشياء: من ذلك أنه قال ضم أول فعل ما لم يسم فاعله؛ لأنه يدل على نفسه وعلى الفاعل وضم (منذُ) لأنه يدل على معنى (منْ وإلى) لأنك إذا قلت: ما رأيته منذ يومين، فمعناه: ما رأيت من أول اليومين إلى آخرهما، وكذلك (نحن) ضم لأنه يقع على التثنبة والجمع. والقول الثاني: أنهما لو فتحتا لأشبهتا حالهما متمكنتين، ولو كسرتا لأشبهت المضاف إلى المتكلم فأما السكون فلا سبيل إليه؛ لأن ما قبلهما ساكن، فلم يبق إلا الضم فأعطيتاه، وهذا قول هشام.

стр. 294

وأجاز الفراء تنوينهما والمراد بهما مع ذلك الإضافة، وأنشد: كأن محطا في يدي حارثية صناع علت مني به الجلد من عل وأنسد: ونحن قتلنا الأزد شنوءه فما شربوا بعد على لذة خمرا قال ولو نصب ونون كان وجهاً، وكان كما قال: فساغ لي الشراب وكنت قبلاً أكاد أغص بالماء المعين وأجاز أيضاً: جئت من قبل ومن بعد بالجر والتنوين. وهذا يجوز إذا كانت نكرتين، فأما ما أنشد من الضم والتنوين والنصب فهو من ضرورات الشعر. وللبصريين فيه مذهبان: أحدهما: أن يترك على ضمه وينون ويقدر أ، التنوين لحقه بعد البناء وهذا مذهب الخليل. والثاني: أنه إذا لحقه التنوين ضرورة رد إلى النصب؛ لأنه الأصل، كما يرد ما لا ينصرف إلى أصله إذا نون، ومثل ذلك (المنادى المفرد) إذا نون يبقى على ضمه عند الخليل، ويرد إلى النصب عند أبي عمرو، قال الشاعر: سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام هذا قول الخليل وأصحابه، وأبو عمرو ينشد: ضربت صدرها إلى وقالت يا عديا لقد وقتك الأواقي بالنصب.

стр. 295

وأجاز الفراء (من قبل ومن بعد) بلا تنوين على نية الإضافة، وأنشد: إلا علالة أو بداهة سانح نهد الجزاره ومثله: يا من يرى عارضاً أسر به بين ذراعي وجبهة الأسد قال: وسمعت أبا ثروان العكلي يقول: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله. قال المبرد: إنما يحذف هذا وما أشبهه اكتفاء بالثاني من الأول؛ لأن المعنى مفهوم وليس في (قبل وبعد) ما يدل على المضاف إليه، وفي هذين البيتين ما يدل على الإضافة. وقيل: المعنى إلا علالة سائح وبداهته، ثم حذف، ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ، يريد والحافظاتها فحذف، وأجاز هشام: جئت قبل وبعد، بالنصب على نية الإضافة، وكل هذا ينكره البصريون. * * * قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] . قيل: خوفاً من المطر في السفر، وطمعاً فيه في الحضر. وفي قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حذف (أن) والتقدير: ومن آياته أن يريكم، فلما حذف (أن) ارتفع الفعل، قال طرفة: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي يريد: أن أحضر، فحذف ألا تراه أظهرها في قوله: (وأن أشهد) .

стр. 296

والثاني: أن المعنى ومن آياته آية يريكم، ثم حذف لدلالة (من) عليها، قال الشاعر: وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت ,أخرى أبتغي العيش أكدح يريد: فمنهما تارة أموت فيها وأخرى أبتغي العيش فيها، فخذف لدلالة (من) على المعنى. والثالث: أنه على التقديم والتأخير، والمعنى: ويريكم البرق من آياته، فهذا على غير حذف. * * * قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . يقال ما معنى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ، وهل يهون عليه شيء دون شيء؟ وفي هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المعنى: وهو أهون عليه عندكم، ثم حذف، وهذا قول المفسرين. والثاني: أن (هون) بمعنى (هين) . كما قال: لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول وقال آخر: تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي: بواحد، وهذا قول أهل اللغة.

стр. 297

والقول الثالث: أن الهاء في عليه تعود على (الخلق) ، أي: والإعادة على الخلق أهون من النشأة الأولى؛ لأنه إنما يقال له كن فيكون، وفي النشأة الأولى: كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم كسيت العظام لحماً ثم نفخ فيه الروح، فهذا على المخلوق صعب والإنشاء يكون أهون عليه، وهذا قول النحويين، ويروى مثله عن ابن عباس. قال الفراء: حدثني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ يقول على المخلوق؛ لأنه يقول له يوم القيامة (كن فيكون) . فأما ما يروى عن مجاهد من أنه قال: الإنشاء عليه أهون من الابتداء، فقول مرغوب عنه، لأنه لا يهون عليه شيء دون شيء تبارك تعالى. * * * قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ﴾ [الروم: ٤١] . قيل: البر: أهل البادية، والبحر: القرى التي على الأنهار العظيمة، هذا قول قتادة. قال مجاهد: البر: ظهر الأرض، والبحر: البحر المعروف (تؤخذ كل سفينة غصباً) . وقيل: البر: الأرض القفر، والبحر: المجرى الواسع للماء عذباً كان أو مالحاً. وقيل: البر: البرية، والبحر: الريف، والمواضع الخصبة. وأصل (البر) من البِرَّ؛ لأنه يبر بصلاح المقام فيه، وأصل (البحر) الشق، ومنه (البحيرة) ، ومنه قيل (بحر) لأنه شق في الأرض، ثم كثر فسمي الماء الملح بحراً، وأنشد ثعلب: وقد عاد ماء الأرض بحرأ فزادني إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب

стр. 298

والفساد: ضد الصلاح، وقيل الفساد هاهنا: المعاصي، وقيل: هو على الحذف، والتقدير: ظهر الفساد في البر والبحر. قال الفراء: أجدب البر، وانقطعت مادة البحر بذنوبهم، كان ذلك ليذاقوا الشدة في العاجل. * * * قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١] . قال الخليل: الفعل الماضي هاهنا في موضع المستقبل، والمعنى: ليظلن. ومما يسأل عنه أن يقال: أين جواب الشرط في قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ ؟ والجواب: أغنى عنه بجواب القسم وكان أحق بالحكم لتقدمه على الشرط، ولو تقدم الشرط لكان الجواب له، كقولك: عن أرسلنا ريحاً لظلوا والله يكفرون. وهذه (اللام) يسميها البصريون لام التوطئة، ويسميها الكوفيون لام إنذار القسم. ويسأل عن (الهاء) في قوله: ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ ؟ وفيها ثلاثة أجوبة: أحدها: أنها تعود على السحاب، والمعنى ولئن رأوا السحاب مصفراً؛ لأنه إذا كان كذلك لم يكن فيه مطر. والثاني: أنها تعود على الزرع؛ لأنه قوله: ﴿إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]

стр. 299

يدل عليه، فأما من قرأ ﴿إِلَى آثَارِ﴾ على الإفراد، فيجوز أن تعود الهاء على (أثر) ؛ لأنه يدل على الزرع. والثالث: أنها تعود على الريح، أي: فرأوا الريح مصفراً، وهو قول الحسن، ومجازه: أن الريح تأنيثها غير حقيقي، والمؤنث الحقيقي إنما يكون في الحيوان، فذكر الوصف، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، والموعظة مؤنثة. ﴿ومن سورة لقمان﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] . يقال: مد النهر ومده نهر آخر، قال الفراء: تقول العرب: دجلة تمد بئارها وأنهارنا، والله يمدنا بها، ونقول أمددتك بألف فمدوك. قرأ أبو عمرو ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ بالنصب، ورفع الباقون، فالنصب على العطف على ﴿مَا﴾ من وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ﴾ ، والرفع: على القطع مما قبله، ويكون رفعاً بالابتداء، ﴿يَمُدُّهُ﴾ في موضع نصب على الحال، والخبر محذوف، كأنه قال: والبحر يمده من بعده سبعة أبحر مداد، ثم حذف؛ لأن المعنى مفهوم، أو يضمر (يكون مداداً) وإلى هذا ذهب الفراء، ولا يجوز أن تعطفه على المضمر في وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ كأنه في التقدير: ولو أن ما أستقر في الأرض من شجرة أقلام هو والبحر؛ لأن البحر لا يكون أقلاماً. وموضع ﴿مَا﴾ رفع بإضمار فعل، كأنه في التقدير: ولو وقع، أن ما في الأرض؛ لأن ﴿لَوْ﴾ بالفعل أولى، لما فيها من معنى الشرط، ولا يجوز أن تعطف البحر

стр. 300

على موضعها؛ لأنها مفتوحة، وقد ذهب عنها معنى الابتداء. ﴿ومن سورة السجدة﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] . يسأل علام تعود (الهاء) في قوله: ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ ؟ وفي هذا أجوبة: أحدها: أن المعنى: فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب، فهو يعود على الكتاب، هذا قول الزجاج. والثاني: أنها تعود على الأذى، والمعنى: فلا تكن في مرية من لقاء الأذى، كما لقي موسى، وهو قول الحسن. والثالث: أنها تعود علة موسى، والتقدير: فلا تكن يا محمد في مرية من لقاء موسى. وقيل: يعود على الابتداء، والمعنى: فلا تكن في مرية من لقاء إيتائك الكتاب كما أوتي موسى. ﴿ومن سورة الأحزاب﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] قرأ نافع وعاصم ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتح القاف، وقرأ الباقون ﴿وَقِرْنَ﴾ بالكسر، فأما من قرأ ﴿وَقَرْنَ﴾ فهي قراءة نظير، وذلك أنه لا يخلو أن يكون من (الوقار) أو من (القرار) فلا يجوز أن يكون من (الوقار) لأنه إنما يقال: وقر يقر: وعد يعد، فإذا

стр. 301

أمرت قلت: (قِرْنْ) كما قرأت الجماعة، وهذا يدل على ميزان قولك: عدن، ولا يجوز أن يكون من (القرار) لأنه إنما يقال: قر في المكان يقِرُّ بكسر القاف، وقرت عينه تقر، فلو كان من (القرار) لقيل: اقررن، ثم يستثقل تكرير (الراء) فتنتقل حركتها إلى القاف، ثم تحذف إحدى الرائين لالتقاء الساكنين، وتحذف همزة الوصل للاستغناء عنها فيبقى (قرن) كما قرأت الجماعة، فهذان الوجهان يجوزان في قراءة من كسر، وأما الفتح فبعيد إلا أنه قد حكي: قررت في المكان أقر، وهي لغى حكاها الكسائي، فيجوز على هذا أن يكون الأصل (أقررن) ثم فعل باقررن، ثم ألقيت فتحة الراء على القاف، وحذفت لالتقاء الساكنين، وحذفت الهمزة للاستغناء عنها، كما فعل فيما تقدم، وأكثر ما يجيء هذا في (فعلت) نحو: ظَلْتْ ظِلْتُ ومَسْتُ ومِسْتُ وأًحْسَسْتُ وأَحِست، وأنشد أبو زيد: خلا أن العتاق من المطايا ... حسين به فهن إليه شوس إلا أن الفراء حكى: هن ينحطن من الجبل، في معنى: ينحططن. وقيل في التبرج: التبختر، وقيل: التكسر، وهو قول قتادة، وقيل الظهور. * * * قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] قرأ عاصم ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بفتح التاء وهي قراءة الحسن، وقرأ الباقون بالكسر. كأن المعنى عنده: هو آخر النبيين، ويروي عن علقمة أنه قرأ ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] ، أي: آخره مسك. قال المبرد: (خاتم) فعل ماض على وزن (فاعل) وهو في معنى: ختم النبيين، فنصب في هذا الوجه على أنه مفعول، وفي حرف عبد الله "وِلَكِنْ نَبِيَّاً خَتَمَ النَّبِيَّينَ"، وقراءة من

стр. 302

كسر يدل على هذا المعنى؛ لأنه اسم فاعل من ختم، كضارب من ضرب. والنبيين: في مذهب من كسر في موضع جر بالإضافة، وكذا في مذهب من فتح، إلا عند المبرد فإنه في موضع نصب على ما قدمناه. ويجوز في ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ وجهان: النصب والرفع. فالنصب: على أنه خبر ﴿كَانَ﴾ أي: ولكن كان محمد رسول الله. والرفع: على معنى: ولكن هو رسول الله. وهذه الآية نزلت في زيد بن حارثة، وذلك أن النبي ﷺ تبناه فكان يقال زيد ابن رسول الله، وكان النبي ﵇ خطب زينب بنت جحش امرأة زيد بعد أن طلقها زيد فامتنعت. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، إلى آخر القصة، وأنزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ، فلما نزلت هذه الآية قال زيد: أنا ابن حارثة، وأذن الله تعالى لنبيه في تزويج زينب. قال قتادة: أولاد النبي ﵇: القاسم، وبه كان يكنى، وإبراهيم، والطيب، والمطهر، قال غيره: وعبد الله، قيل: الطيب والمطهر وعبد الله أسماء كانت لواحد. * * * قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] نصب (امرأة) بإضمار فعل تقدير: وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن وهبت. ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ . ولم يقل: إن وهبت نفسها لك؟ والجواب: أنه لو قال ذلك لتوهم أنه يجوز لغيره، فذكر النبي ﷺ ليزول اللبس.

стр. 303

قال علي بن الحسين: هذه امرأة من الأزد يقال لها: أم شريك، وقال الشعبي: هي امرأة من الأنصار، وقيل: هي زينب بنت جحش، وقال ابن عباس: لم يكن عند النبي ﵇ امرأة وهبت نفسها له. * * * قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] . كلهن: توكيد للمضمر في ﴿يَرْضَيْنَ﴾ ، أي: ويرضين كلهن، ولا يجوز نصبه على توكيد المضمر في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾ ؛ لأن المعنى ليس عليه، لا يريد: آتيتهن كلهن، وإنما يريد: يرضين كلهن. ﴿ومن سورة سبأ﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] . التأويب: سير النهار، والاساد: سير الليل. وقيل: في ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ سبحي، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة. تأويله عند أهل اللغة: سبحي معه مؤوبة، أي: سبحي معه في النهار، وسيري معه. وقيل تأويله: رجعي معه التسبيح، لأن أصله من آب يؤوب، أي: رجع. وقيل معناه: سيرى معه حيث شاء. وجاء في التفسير: أن الحديد لان في يده حتى صار كالشمع، قال: وأسيل له الحديد حتى صار كالطين، فكان يعمل به ما يشاء. فأما النصب في قوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ ففيه أربعة أوجه:

стр. 304

أحدها: أنه معطوف على قوله: ﴿فَضْلًا﴾ ، والتقدير: آتينا داود منا فضلاً والطير يا جبال أوبي معه، وهذا قول الكسائي. والثاني: أنه نصب بإضمار فعل، كأنه قال: وسخرنا له الطير، وهو قوب أبي عمرو. والثالث: أنه مفعول معه، كأنه قال: يا جبال أوبي معه مع الطير، قال الشاعر: فكونوا أنتم وبني أبيكم مكان الكليتين من الطحال أي: مع بني أبيكم والرابع: أن يكون معطوفاً على موضع الجبال؛ لأن موضعها نصب بالنداء، كما تقول: يا زيد والضحاك، قال الشاعر ألا يا زيد والضحكاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق وروي أن الأعمش أو غيره قرأ ﴿وَالطَّيْرُ﴾ بالرفع، وكذلك قرأ يعقوب، وأجازه الفراء، ورفعه من وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفاً على لفظ (الجبال) ، كما تقول: يا زيد والضحاك، وهو اختيار الخليل، وأبو عمرو يختار: يا زيد والضحاك. والثاني: أن يكون معطوفاً على المضمر في ﴿أَوِّبِي﴾ ، وهو قول الفراء، وحسن العطف على المضمر المرفوع وإن لم يؤكد؛ لأن قوله: ﴿مَعَهُ﴾ قام مقام التوكيد، كما قال في

стр. 305

آية أخرى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ، فقامت ﴿لَا﴾ مقام التوكيد، وقد جاء العطف من غير توكيد ولا فصل في نحو قول عمر بن أبى ربيعة: قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسفن رملا وهو قبيح، وكان حقه أن يقول: هي وزهر. * * * قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٥-١٦] . قال الزجاج: (سبأ) مدينة بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. قال غيره: هي قبيلة، وقيل: (سبأ) رجل، وهو أبو اليمن، وللعرب فيها مذهبان. منهم من يصرفها، يجعلها اسماً للحي، أو اسماً لمكان، أو لأب: قال جرير: تدعوك تيم في قرى سبأ فدع أعناقهم جلد الجواميس ومنهم من لا يصرفعل، يجعلها اسماً لقبيلة أو لمدينة أو لبقعة أو لأم، قال الشاعر: من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما والعرم: المسناة، واحدها (عرمة) وكأنه مأخوذ من (عرامة) الماء، ويقال أيضاً (محبس الماء) ، قال الأعشى في العزت: ففي ذاك للمؤتسي أسوة ومأرب قفى عليها العرم

стр. 306

رخام بنته لهم حمير إذا جاءه ماؤهم لم يرم الخمط: كل شجرة ذات شوك، وقيل: الخمط: شجرة الأراك، وهو قول ابن عباس، والحسن وقتادة والضحاك. وأكُُلُهُ: ثمره، يقال: أُكل وأُكل، بضم الهمزة: فأما الأكل بالفتح فمصدر أًكَلَ. والأثل: الطرفاء: وقيل: خشب وهو قول الحسن، والمعروف أن الأثل شجر يشبه الطرفاء. والسدر: شجرة النبق، وقيل: السدر هاهنا السمر، وهو شجر أم غيلان. وقرئ ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بالإضافة، وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون ﴿أُكُلٍ﴾ بتنوين ﴿أُكُلٍ﴾ ، جعلوا ﴿خَمْطٍ﴾ بدلاً من ﴿أُكُلٍ﴾ وهو بدل بعض من كل. حدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب عن القاضي منذر بن سعيد قال: حدثنا أبو النجم عصام بن منصور المرادي عن أبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال كان عمرو بن عامر فيما حدثني أبو زيد الأنصاري: رأى جرذاً في سد مأرب الذي يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فلما رأي ذلك علم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمين، وكاد قومه؛ فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له أن يقوم إليه فليطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي، وعرض أمواله، فقال أشراف كم أشراف اليمن: أغتنموا غضبة عمرو، واشتروا أمواله، ففعلوا، وانتقل في ووولد ولده، وقالت

стр. 307

الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد (عك) ، فحاربهم عك، فكانت حربهم سجالاً ففي ذلك يقول عباس بن مرداس: وعك بن عدنان الذين تلعبوا بغسان حتى طردوا كل مطرد. وغسان: ماء بسد مأرب، كان شربا لولد مازن من بني الأزد بن الغوث، فسموا به، ويقال: غسان: ماء بالمشلل قريب من الجحفة، قال حسان بن ثابت: إما سألت فإنا معشر نجب الأزد نسبتنا والماء غسان قال: ثم ارتحلوا وتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة بطن مر، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان، ثم أرسل الله على السد السيل فهلك به، ففيه أنزل الله على رسوله محمد ﷺ ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] . قال: ويقال: من ولد عمر بن عامر (ربيعة بن نضر بن أبي حارثة بن عمرو) ومن ولد ربيعة (النعمان بن المنذر) ، فيما يقال، وقالت العرب: (تفرقوا أيدي سبأ) ، فأجري هذا مثلاً، وأنشد الفراء: عيناً ترى الناس إليها نسبا من صادر ووارد أيدي سبأ * * * قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠] .

стр. 308

قرأ الكسائي وعاصم وحمزة ﴿صَدَّقَ﴾ بالتشديد، وقرأ الباقون ﴿صَدَقَ﴾ بالتخفيف، فمن شدد نصب (الظَّنَّ) لأنه مفعول بصدق، وذلك أنه قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩] فقال: ذلك بالظن فصدق ظنه. وأما من خفف فذهب الفراء إلى أن المعنى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه بالرفع، على أن قوله: ﴿ظنه﴾ بدل من ﴿إبليس﴾ ، قال: ولو قرأ قارئ (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) لجاز كما تقول: صدقك ظنك وكذلك ظنك؛ لأن (الظَّنَّ) يخطئ ويصيب. * * * قوله تعالى: ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال المفسرون معناه: وأنا لعلى هدى وأنتم في ضلال مبين. ومعنى ﴿أَوْ﴾ هاهنا معنى (الواو) ، قال الفراء، وكذلك هو في المعنى، غير ان العربية على غير ذلك لا تكون (أو) بمنزلة (الواو) ولكنها تكون في الأمر المفوض، كما تقول: إن شئت فخذ درهماً أو اثنين، وليس له أن يأخذ ثلاثة، قال والمعنى في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ إنا لضالون أو لمهتدون، وإنكم أيضاً لضالون أو مهتدون، وهو يعلم أن رسوله المهتدي وأن غيره الضال، قال: وأنت تقول في الكلام للرجل يكذبك: والله إن أحدنا لكاذب، فكذبته تكذيباً غير مكشوف، وهو في القرآن وفي كلام العرب كثير يوجه إلى أحسن مذاهبه إذا عرف، كقول القائل: والله لقد قام زيد، وهو كاذب، فيقول العالم بأن الأمر على خلاف ذلك، قال: (إن شاء الله) أو قال: (فيما أظن) فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب. قال علي بن عيسى: هذا على الإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وحقيقة ﴿أَوْ﴾ هاهنا أنها لأحد الأمرين.

стр. 309

قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [سبأ: ٣٣] قال الحسن وابن زيد المعنى: بل مكركم في الليل والنهار، وكذلك في العربية يتسع في الكلام فتضاف الأحداث إلى الزمان، ويخبر عن الزمان بما يقع فيه، فيقال: صيام النهار وقيام الليل، والمعنى: الصيام في النهار، والقيام في الليل، ويقولون: ليل قائم ونهار صائم، والليل والنهار غير صائمين، قال الشاعر: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم وأضاف الليل إلى المطي على الاتساع، ووصف الليل بالنوم، وهذا على حد قولك: ليلي نائم، فيقول السامع: ليس ليلك بنائم. * * * قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨] فيجوز في ﴿علم﴾ وجهان: النصب والرفع، فالنصب من وجهين: أحدهما: أن يكون نعتاً لربي، كأنه قال: قل إن ربي علاَّم الغيوب يقذف بالحق. والثاني: أن يكون نصباً على المدح، كأنك قلت: أعني علام الغيوب. وأما الرفع فيجوز من وجهين أيضاً: أحدهما: يكون بدلاً من المضمر في ﴿يَقْذِفُ﴾ [سبأ: ٤٨] ؛ لأن في ﴿يَقْذِفُ﴾ ضميراً تقديره: يقذف هو. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو علام الغيوب.

стр. 310

وقد قيل: هو مرفوع على موضع ﴿أَنْ﴾ قبل دخولها، كما تعطف على موضعها بالرفع، وليس بوجه. ﴿من سورة الملائكة﴾ * * * قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] العزة: المنعة، ويقال: عز الشيء إذا امتنع، ومنه قيل، شاة عزوز إذا كانت عسرة الحلب، وقيل: أصله من عز إذا غلب، ومنه يقال: من عزَّ بَزَّ، أي: من غلب سلب، قالت الخنساء: وكنا القديم سراة الأديم والناس إذ ذاك من عز بزا والعزاز: أطراف الأرض؛ لأنها ممتنعة لعسر المشي فيها، ومن كلام الزهري لرجل كان يأخذ عنه، ويقوم إذا رآه حتى إذا ظن أنه قد استنفد ما عنده ترك القيام، فقال له: إنك في العزاز بعد فعد إلى القيام: أي: أنت في الطرف. والصعود: ضد الهبوط، وهما المصدران، فأما (الصعود) و (الهبوط) بفتح الأول فاسمان: يقال: صعد يصعد صعوداً، إذا ارتفع، وأصعد في الأرض يصعد إصعاداً، قال الشاعر: هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق والكلم: يذكر ويؤنث، تقول: هذه كلم وهذا كلم، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا (الهاء) يجوز فيه التذكير والتأنيث، نحو: هذه نخل وهذا نخل. قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] .

стр. 311

وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقرأ أبو عبد الرحمن: ﴿الكَّلاَمُ الطَّيِّبِ﴾ . والفرق بين الكلام والكلم: أن (الكلام) يقع على الجملة القائمة بنفسها، نحو قولك: زيد قائم، و (الكلم) إنما هو جمع كلمة، كلبنة ولبن وخلفة وخلف، أنشد الفراء: مالك ترغين ولا ترغو الخلف وتضجرين والمطي معترف ومما يسأل عنه أن يقال: علام يقوم الضمير الذي في قوله: ﴿يَرْفَعُهُ﴾ ؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدهما: ان المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. والثاني: أن المعنى: والله يرفعه. والثالث: أن الكلام يرفع العمل الصالح، ويجوز في ﴿الْعَمَلُ﴾ على هذا الوجه النصب بإضمار فعل تقديره: ويرفع الكلم الطيب العمل الصالح يرفعه، ذم حذفت؛ لأن الثاني يفسره، ومثله: قام زيد وعمراً ضربته وأجاز الفراء أن تنصب على تقدير: يرفع الله العمل الصالح يرفع، فيكون ﴿اللَّهِ﴾ فاعلا. * * * قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢] الأجاج: الشديد المرارة، وأصله من أجت النار، كأنه يحرق من شدة المرارة، ويقال: ماء ملح، ولا يقال: مالح، وما ملح أجاج، إذا كان فيه مرارة.

стр. 312

والفلك: السفن، وهو يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد والتقدير مختلف: فإذا كان واحداً كان بمنزلة (قفل) و (برد) ، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] فجعله واحداً، وإذا كان جمعاً كان بمنزلة (أسد) و (وثن) وعليه قوله: ﴿وترى الفلك﴾ ، وإنما كان كذلك لأنهم جمعوا (فلاً) على (فعل) وجاز أن يجمع (فعل) على (فعل) وليس بابه من قبل أن (فعلاً) و (فعلا) يشتركان؛ نحو: رُشْد ورَشَد، وسُقَم وسَقَم، وعُدْم وعَدَم، وحُزْن وحَزَن، وعُرْب وعَرَب، وعُجْم وعَجَم في أشباهٍ لذلك، و (فعل) يجمع على (فعل) نحو: أسد وأسد، ووثن ووثن، فجمعوا (فعلا) كجمع (فعل) ، وهذا مذهب سيبويه وإن لم يصرح به. ويقال: مخرت السفينة، إذا شقت الماء تمخر مخرا فهي ماخرة والجمع مواخر. ومما يسأل عنه أن يقال: الحلية إنما تخرج من الملح دون العذب، فكيف قال: ﴿تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ ؟ وعن هذا جوابان: أحدهما: أنه كذلك إلا أنه جمع بينهما في ذلك لاصطحابهما؛ لأن المعنى قد عرف، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورً﴾ [نوح: ١٥-١٦] . والقمر إنما هو في سماء الدنيا، غير أنه وإن كان قد اختص بمكان من السموات فهو فيها، وكذلك البحران وان كان اللؤلؤ والمرجان يخرجان من أحدهما فهو يخرج منهما وإن اختص خروجهما من أحدهما. والقول الثاني: أن في البحر عيوناً عذبة واللؤلؤ والمرجان يخرجان من بينهما، ذكر أنهما يتكونان في الماء العذب الذي في تلك العيون، فقد اشترك العذب والملح فيهما. * * * قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] .

стр. 313

الجدد: جمع (جدة) وهي الطريقة، وجدد: طرائق، قال الشاعر: كأن سراته وجدة ظهره كنائن يجري بينهن دليص يعني بالجدة: الخطة السوداء التي في متن الحمار، والدليص: البراق. والغرابيب: حجارة سود واحدها (غريب) ، وقال (سود) والغرابيب لا تكون إلا سوداً للتوكيد، كما تقول: رأيت زيداً زيداً، إذا أردت التوكيد, وقيل: هو على التقديم والتأخير، كأنه قال: وجدد سود غرابيب؛ لأنه يقال: أسود غربيب, وأسود حالك، وأسود حلكوك, وأسود حانك بمعنى واحد. وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أضاف الفعل إلى نفسه، وكان الأول بلفظ الغائب، لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ﴾ ؛ لأن الضمير هو المظهر في المعنى فقام أحدهما مقام الآخر. ونصب ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ على الحال، وهي حال مقدرة؛ لأن الثمرة أول ما تخرج لا تختلف ألوانها، وإنما تختلف عند البلاغ، والحال على أربعة أوجه: هذا أحدها، وهو الحال المقدرة. والثاني: حال مؤكد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] ، فهذه حال مؤكدة؛ لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيماً، ومثله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] لأن الحق لا يكون إلا مصدقاً. والثالث: حال منقلبة، نحو قولك: قام زيد ضاحكاً؛ لأنه يجوز أن يقوم عابساً، ففرقت بين المعنيين. والرابع: حال منفية، نحو قولك: ما لزيد غير ملتفت ولا مقبل علينا.

стр. 314

وأجمع القراء على رفع (العلماء) ونصب (اسم الله تعالى) ، وهو الصواب الذي لا معدل عنه، إلا أن طلحة بن مصرف قرأ كذلك: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فرفع (اسم الله تعالى) ونصب "العلماءَ" ويروى مثل ذلك عن أبي حنيفة، وأكثر أهل العلم يذهب إلى أنه لحن، وقد اعتذر بعضهم لهذا بأن قال: هو على القلب، كما تقول: تهيبني الفلاة، في معنى تهيبت الفلاة، وكما قال الشاعر: غداة أحلت لابن أصرم طعنه حصين عبيطات السدائف الخمر فنصب (الطعنة) وهي فاعلة، ورفع (العبيطات) وهي مفعولة، والمعنى: أن الطعنة التي طعنها أحلت له العبيطات؛ لأنه نذر أن لا يأكل عبيطاً من اللحم ولا يشرب خمراً حتى يقتل فلاناً ويأخذ بثأره، فلما قتله أحل له ذلك القتل وما كان حرم، ومثله قول امرئ القيس: حلت لي الخمر وكانت امرءا عن شربها في شغل شاغل وقال قوم: ﴿يَخْشَى﴾ هاهنا بمعنى يراعي، والتقدير: إنما يراعي الله من عباده العلماء، لأنهم هم المخاطبون الذين يفهمون ما يخاطبهم به، ومن سواهم تبع لهم، ومثل ذلك قولهم: ما تركت ذلك إلا خشيتك، أي: مراعاة لك. وقيل: ﴿يَخْشَى﴾ بمعنى: يعلم، والمعنى: كذلك يعلم الله من عباده العلماء، وهذه التأويلات بعيدة. ﴿ومن سورة يس﴾ * * * قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] . الإنذار: التخويف، و (اللام) في ﴿لِتُنْذِرَ﴾ لام كي، قال قتادة المعنى لتنذر قوماً لم

стр. 315

ينذر آباؤهم، على جحد؛ لأن عرب الجاهلية لم يكن فيهم نبي قبل محمد ﷺ ، وهذا التأويل إنما يصح إذا كان (القوم) هاهنا يعني بهم العرب المضرية والعدنانية، فأما القحطانية فقد كان فيهم هود وصالح وشعيب ﵇، ومبعد أيضا من قبل أن قيساً بعث فيهم خالد بن سنان، وهو الذي أطفأ نار الجمرة التي كانت ببلاد قيس، وروي أن بنته وفدت على النبي ﷺ فأكرمها، وقال: (هذه بنت نبي ضيعه قومه) ، وقال عكرمة المعنى: لتنذر قوماً كالذي أنذر آباؤهم، فعلى هذا يكون الإنذار لجميع الناس، وتحتمل ﴿مَا﴾ على هذا الوجه أن تكون بمعنى (الذي) ، فيكون التقدير: لتنذر قوماً كالذي أنذر آباؤهم. وتحتمل أن تكون مصدرية والتقدير: لتنذر قوماً كإنذار آبائهم. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] قال قتادة ومجاهد في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أي: أعمالهم: وقال مجاهد: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ خطاهم إلى المساجد قال غيره: ﴿وءاثارهم﴾ ما أثروا من الآثار الصالحة أو غير الصالحة، فعمل بها فلهم أجر من عمل بها بعدهم، أو وزره وهو قول الفراء. و (الإمام) هاهنا الكتاب الذي تثبته الملائكة ﵈، وتكتب فيه أعمال العباد. وأجمع القراء على النصب في قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ على إضمار فعل، والمعنى: أحصينا كل شيء أحيناه، قال الفراء: والرفع وجه جيد، قد سمعت ذلك من العرب.

стр. 316

قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٨-٣٩] العرجون: الكباسة، وهو القنو أيضاً والقنا والعثكول والعثكال، والقديم: البالي. ويسأل عن قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنها تجري لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا. والثاني: أنها تجري لوقت واحد لا تعدوه، وهو قول قتادة. والثالث: أنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب. وقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] قيل معناه: حتى يكون نقصان ضوئها كنقصانه، وقال أبو صالح: لا يدرك أحدهما ضوء الآخر، وقيل: الشمس لا تدرك القمر في سرعة سيره، ولا الليل سابق النهار وكل على مقادير قدرها الله تعالى. والفلك: موضع النجوم من الهواء، وأصله: الاستدارة، ومنه قيل: فلكة المغزل، ويروى أن بعضهم قرأ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أي لا نهاية. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب، فمن رفع جعله مبتدأ، والخبر في قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ وهذا كما تقول: زيد قام وعبد الله أكرمته، وأما النصب فعلى إضمار فعل يدل عليه ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ ، كأنه قال: وقدرنا القمر قدرناه منازل، ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: زيد قام

стр. 317

وعمراً أكرمته، والنصب أجود من الرفع؛ لأنك تعطف فعلاً على فعل، قال الربيع بن ضبع الفراري: أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا يريد: وأخشى الذئب أخشاه، وأما الرفع فهو عطف جملة على جملة وفي الكلام حذف، والتقدير: والقمر قدرناه ذا منازل، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا يجوز أن يكون بلا حذف؛ لأن القمر غير المنازل وإمما يجري في المنازل, ولا يجوز أن تنصب ﴿مَنَازِلَ﴾ على الظرف؛ لأنه محدود والفعل لا يصل إلى المحدود إلا بحرف جر نحو: جلست في المسجد، ولا يجوز: جلست المسجد، وإنما يصل الفعل بغير حرف إلى الظرف المبهم نحو: أمام ووراء وفوق وتحت ويمنة ويسرة وما كان في معناها. * * * قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥١-٥٢] . الصور: قرن من نور ينفخ فيه يوم القيامة، واشتقاقه من: صرت الشيء أصوره، أي: أملته وعطفته، كأنه قال: يميل الناس إلى الحشر ويعطفهم. وقيل: الصور جمع صورة بمعنى الصور، والمعنى: ينفخ في صور بني آدم، وأصل الصورة أيضاً من الميل؛ لأنها تمال إلى هيأة من الهيئات. والأجداث: القبور، واحدها: جدث، هذه لغة أهل العالية، وأهل السافلة يقولون (جدف) .

стр. 318

والويل: بمعنى القبوح، هذا قول الأصمعي، وقال المفسرون: هو وادٍ في جهنم. وموضع قوله: ﴿فِي الصُّورِ﴾ رفع؛ لأنه مفعول لم يسم فاعله لـ ﴿نُفِخَ﴾ ، كما تقول: جلس في المكان. ويحتمل قوله هذا وجهين: أحدها: أن يكون (هذا) نعتاً للمرقد، فتبتدئ حينئذ ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ . والثاني: أن يكون الوقف على قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، وانقطع الكلام، ثم قالت الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ وفي حرف عبد الله: "من أهبنا من مرقدنا هذا"، وهو بمعنى البعث، والبعث: بمعنى الإيقاظ هاهنا، يقال: بعثت ناقتي فانبعثت، أي: أثرتها فثارت، وهب من منامه وأهبه غيره، وانبعث من منامه وبعثه غيره. والنسول: الإسراع في الخروج، يقال: نسل ينسل نسولاً, قال الشاعر: عسلان الذئب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل قال امرؤ القيس: وإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وقال قتادة في قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ يعني بين النفختين. وقال ابن زيد: قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ من قول الكافرين.

стр. 319

وقال قتادة: هو من قول المؤمنين, والأول أعني: أنه من قول الملائكة، قول الفراء. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] يقال: من المخاطب في قوله: ﴿كُنْ﴾ ؟ وفيه ثلاثة أجوبة عن الزجاج: أحدها: أنه لم يقع، وإنما هو إخبار لحدوث ما يريد، كأنه في التقدير: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يكونه فيكون, فعبر عن هذا المعنى بـ: ﴿كُن﴾ ؛ لأنه أبلغ فيما يراد. والثاني: أن المعنى: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول من أجله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، فالمخاطب في هذين الوجهين معدوم, وجاز أمر المعدوم؛ لأن الآمر هو الموجد له. والثالث: أن هذا إنما هو في التحويلات نحو قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] و ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] وما أشبه ذلك. ولفظ الأمر في الكلام على عشرة أوجه: أحدها: الأمر لمن دونك، نحو قولك لغلامك: قم. والثاني: الندب، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] . والثالث: الإباحة، نحو قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] . والرابع: الدعاء، نحو قوله: ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ، ونحو قوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] والخامس: الرغبة، نحو قوله: ارفق بنفسك، أحسن إلى نفسك. والسادس: الشفاعة، نحو قولك: هب لي ذنبه، شفعني فيه. والسابع: التحويل، نحو قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] و ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠] .

стр. 320

والثامن: التهديد، نحو: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ، ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ١٠٢] . والتاسع: الاختراع والإحداث، نحو: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] والعاشر: التعجب، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] ومن قرأ ﴿فَيَكُونُ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ ، ولا يجوز أن يكون جوابا لـ ﴿كُنْ﴾ ؛ لأن حق الجواب أن يكون مخالفا لما هو جواب له: إما باختلاف اللفظ، أو باختلاف الفاعل، فاختلاف اللفظ نحو قولك: قم تكرم، واخرج فيحسن إليك، وأما اختلاف الفاعل فنحو قولك، قم أقم معك، واخرج اخرج معك، وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ قد اتفق فيه الأمران: اتفاق اللفظ، واتفاق الفاعل، فصال بمنزلة قولك: قم تقم، وهذا لا فائدة فيه. فأما من رفع فعلى القطع؛ كأنه قال: فهو يكون، والرفع أجود من النصب، قال علي بن عيسى: الامر هاهنا أفخم من الفعل فجاء للتعظيم والتفخيم، قال: ويجوز أن يكون بمنزلة التسهيل والتهوين وانشد: فقالت له العينان سمعا وطاعة وحدرتا كادر لما يثقب والملكوت والملك بمعنى واحد إلا أن الملكوت أكثر مبالغة. ﴿ومن سورة الصافات﴾ * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] . التزيين: التحسين، وحفظ الشيء: صونه، والمارد: الخارج إلى الفساد العاتي. واختلف القراء فقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ وقرأ عاصم من طريق أبي بكر ﴿بِزِينَةِ﴾ ينون (زينة) وينصب (الكواكب) ، وقرأ حمزة وحفص
следующие страницы →