← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتّى يقيم ثقافه منآدها «١» وقال يزيد بن الحكم، متهكما بحمزة بن بيض: إنك لأستاذ الشعر. فقال: إني لأدق الغزل وأصفق النسج وأرق الحاشية. ويقال: شعر مخشوب إذا كان جديدا لم يثقف. وقال ابن مقبل: إني لأرسل القوافي عوجا، فتأتيني وقد ثقفتها. وقيل: استجيدوا القوافي فإنها جراز «٢» الأشعار. الموصوف بالسّلامة من الشّعر قال أبو تمّام: يودّ ودادا أنّ أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقا إليها مسامع وقال إبراهيم بن رجاء: يطيب بأفواه الرماة سماعها. وقال الناشي: إنما الشعر من تحصل من قب ... ل ظهور الأقوال في الأذكار فأتى لفظه يطابق معنا ... هـ بحسن الإيراد والإصدار مطمع مؤيس قريب إلى الفه ... م بعيد الأغوار ضاحي القرار وقيل لمعتوه: ما أجود الشعر؟ فقال: ما دلّ صدره على عجزه. ولم يحجبه شيء دون بلوغه. شاعر رديء النّسج أنشد رجل شعرا فقال لصاحبه: كيف تراه؟ فقال: سكر لا حلاوة له. وأنشد عمارة شعر أبي العتاهية فمجه «٣» سمعه وقال: هو أملس المتون قليل العيون. وما كان مثله من الشعر يسمى مغسولا. وأنشد رجل أعرابيا شعرا وقال: هل تراني مطبوعا؟ فقال: نعم على قلبك. وأنشد رجل الفرزدق شعرا وقال: كيف تراه؟ فقال لقد طاف إبليس بهذا الشعر في الناس فلم يجد أحمق يقبله سواك. وقال شاعر: وأبو الدفاتر لا يزال يجيئنا ... بقصيدة قد قالها من دفتر وقال آخر: وبات يدرس علما لا قران له ... قد كان ثقّفه حولا فما زادا «٤»

стр. 107

وقال ابن أبي عيينة: أقمت حولا على بيت تقوّمه ... فلم تصب وسطا منه ولا طرفا شعر رديء النّسج أنشد ابن الأعرابي: وشعر كبعر الكبش فرّق بينه ... لسان دعيّ في القريض دخيل «١» وقال العجاج «٢» في ابنه: إنه يقول الشعر وابن عمه، وفي مثل هذا الشعر. قال بعضهم: وبعض قريض الشعر أولاد علّة ... يكدّ لسان النّاطق المتحفّظ وقال ابن الحجّاج «٣» : فمن كان يحوي العطر دكان شعره ... فشعري بيتا مستراح ومخرج وقال الجماز: كأنّ أشعاره إذا انتقدت ... أنصاف كتب ليست بمؤتلفه نهي المسيء عن نسجه قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ قال: لأن الذي أرتضيه لا يجيبني، والذي يجيبني لا أرتضيه. وعرض رجل على أديب شعرا فقال: أخبأه كما تخبأ الهرة خرءها. وقال شاعر: لا تعرضنّ الشعر ما لم يكن ... علمك في أبحره بحرا فلا يزال المرء في فسحة ... من عقله ما لم يقل شعرا وقال الوائلي: وحاطب ليل في القريض زجرته ... وقلت له قول الفصيح المجامل إذا أنت لم تقدر على درّ لجّه ... فدعه ولا تعرض لحصباء ساحل «٤»

стр. 108

مفاضلة البديهة والرويّة ومدح الطّبع قال ابن الرومي في الحكم بينهما: نار الرويّة نار غير منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنّه عاجل يمضي مع الريح وقال معاوية لابن العاص «١» : أنا آدب منك، فقال: أنا للبهدية وأنت للرويّة «٢» ، وبينهما بون «٣» . وممّا يؤكد تفضيل البديهة قول العبديّ في وصف البلاغة: أن تصيب فلا تخطىء وتعجل فلا تبطىء. وقيل: خير الفقه ما حاضرت به. وقال الحطيئة: فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوّره شهرا واجتمع ابن مناذر وأبو العتاهية، فقال أبو العتاهية: كم بيتا تقول في اليوم؟ قال: مقدار عشرة أبيات. فقال أبو العتاهية: فأنا أقول مائتين. فقال: فإنك تقبل من شيطانك نحو: ألا يا عتبة الساعة، أموت الساعة الساعة، ولو أني أقول مثل ذلك لقلت ألوفا. قال المتنبّي: أبلغ ما يطلب النجاح به الطب ... ع وعند التعمّق الزلل المعتذر لرفض طريقة من النسج قيل لنصيّب «٤» : إنك لا تحسن الهجاء، فقال: من ذا الذي لا يحسن مكان عافاه الله أخزاه الله، ولكنّي رأيت الناس ثلاثة رجال: رجلا لم أسأله فلا ينبغي أن أهجوه، ورجلا سألته فمنحني وهو الممدوح، ورجلا سألته فلم يعط. فنفسي أحق بالهجاء إذ سوّلت لي أن أسأله. وقال عبد الملك للعجّاج: بلغني أنك لا تحسن أن تهجو، فقال: من يقدر على تشييد أمكنة يمكنه إخرابها، فقال: ما يمنعك من ذلك؟ قال: أن لنا عزّا يمنع من أن نظلم، وحلما يمنع من أن نظلم، فعلام الهجاء؟ فقال: كلامك أشعر من شعرك.

стр. 109

قال جرير: ما عشقت قط ولو عشقت لشببت، فإذا سمعت العجوز بكت على ما فات من شبابها، وإني لأرى الرجز مثل آثار الخيل في الثرى، ولولا أن سبق إليه غيري لأكثرت منه. وقيل لأبي يعقوب: شعرك في مراثي الحسن ليس كشعرك في مدحه، فقال: أين شعر الوفاء من شعر الرجاء. المهجوّ بأنه ينتحل الأشعار قال أبو هفان: إذا أنشدكم شعرا، فقولوا أحسن الناس. ونظر أبو تمّام إلى سليمان بن وهب، وقد كتب كتابا، فقال: كلامك ذوب شعري. وعرض رجل على ابن الجلاب قصيدة للمتنبي وادعى أنه قالها، فقال ابن الجلاب: هذه للمتنبي. فقال الرجل: هي قصيدتي ومسودّتها عندي. فقال ابن الجلاب: فمبيضتها للمتنبي عندي. وقال الصاحب لرجل عرض عليه شعرا: لو حللت عقاله لحق بأربابه. وقال أبو محمد بن المنجم: أنشدت أبا القاسم الزعفراني قول الصاحب. رقّ الزجاج وراقت الخمر، (البيتين) فقال: لعن الله قائلهما فقد سرقهما من أبي نواس، فقلت: هما للصاحب. فقال: لعن الله أبا نواس فقد سرقهما من مولانا الصاحب. فقلت كيف سرق أبو نواس من مولانا الصاحب فقال: دعنا من هذا ما سرق إلا منه. السالب غيره شعرا قهرا وقف الفرزدق على الشمردل فاستنشده شعرا فأنشده: وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير جزّ الغلاصم «١» فقال: والله لتتركنّ لي هذا البيت، أو لتتركن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه. وقال رؤبة: خرجت مع أبي فقال في الطريق أبوك راجز وجدّك وأنت مفحم فأنشدته: كم قد حسرنا من عذرة عنس حتى أتيت على آخرها، فقال: اسكت فضّ الله فاك. فلما انتهينا إلى سليمان أنشده إيّاها فأمر له بعشرة آلاف درهم. فقلت له في ذلك، فقال: سر فأنت أرجز الناس. فسألته أن يجعل لي نصيبا مما أعطى فأبى. ودخل ابن زهير على معاوية فأنشده: لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل ... على أيّنا تعدو المنية أوّل (الأبيات) وهي في الحماسة فقال له معاوية: عهدي بك لا تشعر. فما لبث أن دخل

стр. 110

معن، فأنشده هذه الأبيات. فالتفت معاوية إلى ابن زهير فقال: كيف انتحلتها فقال: إن معنا أخي من الرضاع وأنا أحقّ بهذا الشعر منه. التوارد في الشّعر وادعاء ذلك التوارد أن يتفق الشاعران في معنى، من غير أن يسمع أحدهما بمقالة الآخر. وسئل أبو عمرو بن العلاء «١» رحمه الله تعالى: كيف يتفق الشاعران؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها. ولأحمد بن أبي طاهر يعتذر لشعر ادّعى البحتري أنه سرقه منه: الشعر ظهر طريق أنت راكبه ... فمنه منشعب أو غير منشعب وربّما ضمّ بين الركب منهجه ... وألصق الطنب العالي إلى الطنب وقال آخر وقد أتى سلطانا يمدحه فحرمه وزعم أنه مسروق: وهبني سرقت الشعر ثمّ مدحته ... أما كان يؤتيني عليه جزائيا وقال أبو المضاء: لو أنّ جريرا جاءه في زمانه ... وأنشده شعرا لقال تنحّلا وقال أبو تمام في مدح شعر غير مسروق: منزّهة عن السّرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعار شعر أعاده قائله في غير الممدوح أنشد أبو القاسم بن أبي العلاء يوما شعرا كاتب به رئيسا وكنّا سمعناه منه قبل. فعوتب في ذلك فقال: أنا نظمته أقلّد به من أشاء. وكان قد وقع إلى أبي الفضل بن العميد قصيدة المتنبي التي أولها: أغالب فيك الشوق والشوق أغلب «٢» فلما ورد عليه مدحه بها وبدل قوله: أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغنّي منذ حين وتشرب «٣» فجعله أبا الفضل. فلما أنشدها استطال وتكبر وأظهر إعجابا بها فقال أبو

стр. 111

الفضل لبعض ندمائه أخرج هذه القصيدة لينخفض فلما رآها تبسّم وخجل. شعر يدلّ على همّة قائله وحاله قال المأمون يوما لمن حضره: أنشدوني بيتا لملك يدل عليه بيته وإن لم يعرف، فأنشد: أمن أجل أعرابية حلّ أهلها ... جيوب الفلا عيناك تبتدران فقال: ما يدل هذا على أنه لملك، بل يجوز أن يكون هذا لسوقة من أهل الحضر. ثم قال: الدالّ على ذلك قول يزيد بن عبد الملك: اسقني من سلاف ريق سليمى ... واسق هذا النديم كاسا عقارا «١» فإشارته إلى النديم تؤذن بأنه ملك. وقوله: لي المحض من ودّهم، ويغمرهم نائلي. وقال صالح بن حسان، للهيثم بن عدي: أعلمت أن النابغة الذبياني كان مخنّثا؟ فقال: ما علمت ولا سمعت. قال: فكيف قلت؟ قال لقوله: سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه، (البيتين) والله ما يحسن هذه الإشارة إلا مخنّث. فسمع ذلك رجل من قيس فقال: بل صاحبك الأعشى «٢» هو المخنّث حيث يقول: قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل النابغ في الشّعر بعد أن كان مكديا قال السيّد الحميري «٣» : رأيت رسول الله ﷺ في المنام، كأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال، وبجنبها أرض كأنها كافورة، ليس فيها أشجار، فقال لي: أتدري لمن هذه النخيل؟ فقلت: لا. فقال: لامرىء القيس، فاقلعها واغرسها في هذه ففعلت. فلما أصبحت أتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه، فقال: أتقول الشعر؟ قلت: لا. فقال: أما أنك ستقول مثل شعر امرىء القيس، إلا أنك تقوله في قوم طهرة فما انصرفت إلا وأنا أقول الشعر والنابغتان سمّيا بذلك لأنهما عاشا دهرا لا يقولان شعرا ثمّ نبغا فيه.

стр. 112

تسهيل قول الشّعر على ذي آلته عمل سقراط بيتين، فقيل له: ما أحسن ما قلت. فقال: إن حفر بئر بقرب قناة يجري منها الماء، سهل. قال البديهي: وأرى القوافي لا تصير مطيعة ... إلا إلى المثرين من أدواتها والطبع ليس بمقنع إلا إذا ... حصلت إضافته إلى آلاتها وقال آخر: وما الطبع مغن وحده في نظامه ... ولا العلم من حدّ الطّباع بنائب إذا لم تكن مجموعة أدواته ... فأيسر مبناه كنسج العناكب وقيل: أصح الشعر وأسهله ما يقوله من بعثه أنف «١» أو دخله كلف «٢» . من تداخله لسماعه الأنفة والحميّة كان بالمدينة فتى يتعشق امرأة، فوعدته يوما، فلمّا اجتمعا غنّت مغنية بهذا الصوت: من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا «٣» فأبت إلا الخروج فرجعت إلى منزلها، وبعثت إلى الرجل ألف دينار، وقالت: إن رغبت في فاجعل هذا مهري واخطبني من أبي. ودخل رجل على أبي دلف فاستماحه فقال له: أتسأل وجدّك يقول: ومن يفتقر منّا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر النّاس يسأل فقال: نعم، وتضجّر. فلقي وكيلا لأبي دلف يأتي بمال فسلبه. واتصل الخبر بأبي دلف «٤» فقال: أنا الذي علمته هذا فدعوه. وهذا الباب من جنس منفعة الشعر. شعر سائر قال أبو العتاهية: في كلّ أرض قرى من منطقي مثلا ... بين المشاهد أو يبكي به وتر وقال الطرمي: لقد سار لي شرقا وغربا قصائد ... تغبّر حسنا في وجوه القصائد

стр. 113

وقال المتنبّي: أبقى على كنف الأيام من كنفي ... رضوى وأسير في الآفاق من مثل وقال الكندي: يقصر عن مداها الريح جريا ... وتعجز عن مواقعها السّهام تناهب حسنها حاد وشاد ... فحثّ بها المطايا والمدام «١» وقال المسيّب «٢» : ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثّل وسماع وقال النّابغة: أوابد كالسّلام إذا استمرّت ... فليس يردّ فدفدها التمنّي «٣» شعر أثّر في المقول فيه فرفعه أو وضعه كان بنو قريع متى قيل لهم أنف الناقة استحيوا، حتى قال فيهم الحطيئة: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف النّاقة الذنبا فصاروا بعد ذلك يتبجّحون «٤» به ويقولون نحن من أنف الناقة. ونمير «٥» كانوا يتبجّحون باسمهم حتى قال فيهم الشاعر: فغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا فكانوا بعد إذا سئلوا قالوا: من بني عامر. وقال جرير: والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا فقالوا لو طعنوا بعد هذا في أستاههم ما حكّوها. مفاضلة قصار الشعر وطواله قيل لعقيل: لم لا تطيل الشعر؟ فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. وقيل لآخر ذلك، فقال: يكون أحوك، وعلى أفواه الرواة أعلق.

стр. 114

وقالت مليكة بنت الحطيئة: يا أبت كنت ترغب عن القصار فصرت ترغب فيها، فقال: لأنها في الآذان أولج «١» وعلى الفكر أروج والنّاس إليها أحوج. وقيل لآخر مثل ذلك فقال: حسبك غرة لائحة وسمة واضحة. وقال آخر: إذا مدحتم فأقصروا وإذا هجوتم فأطيلوا فالشرّ لا يملّ. وقال الصاحب: إن عبّاد إذا أطال قصّر وإذا قصر لم يقصّر. اعتذار من أكدى «٢» في شعره أو نادرته قال عبد الملك لعديّ بن أرطاة: لم لا تقول الشعر؟ فقال: كيف أقوله وأنا لا أشرب ولا أطرب ولا أغضب. وقال الفرزدق: ربّما أتت عليّ ساعة وقلع ضرس أهون عليّ من قول بيت. وقال عبيد: حال الجريض «٣» دون القريض «٤» ، واستأذن الغالبي على عبّاد فأذن له، فأنشده: لما أنخنا بالوزير ركابنا ... مستعصمين بجوده أعطانا من لم يزل للنّاس غيثا ممرعا ... متخرّقا في جوده «٥» ... وأنسي القافية. فجعل يردّد، فقال عبّاد: قل: كشجانا أو قرنانا وخلصّني فتذكّر وقال: في جوده معوانا. وتبع رجل جماعة من الشعراء دخلوا على سلطان فلما أنشدوه قال للرجل: ما عندك؟ قال: أنا من الغاوين. فقال: ما معنى ذلك؟ قال: قال الله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ «٦» فأنا غاو تبعتهم، فضحك منه وأعطاه. اشتمال الشعر على نقاية ونفاية قال أبو عمرو بن العلاء: شعر بشّار سباطة الملوك فيها قطعة ذهب، وما شئت من رماد، والسباطة الكساحة، وأنشد بعضهم: يا عائب الشعر مهلا ... فعيبك الشعر عيب الشعر كالشّعر فيه ... مع الشّيبة شيب وقال بعضهم في وصف شاعر: ثوب بواف ومطرف بآلاف. وقال شدّاد الأعرابي: مثل الشعر مثل الإبل، فيها الكرام والخساس يسدّ بعضها خصاص بعض.

стр. 115

وقيل لجرير: ما تقول في الجعديّ «١» ، فقال: سوق خلقان «٢» ترى ثوبا يروعك وثوبا تستهجنه عينك. وقيل: إذا كان الكلام كلّه منقّى لم تبن فيه اللمعة والنكتة، ولذلك لم يستعذب الناس شعر صالح بن عبد القدوس «٣» ، لما كان كلّه حكما. وقال المتنبّي: وفي الشعر ما تهوى النفوس إستماعه ... وفي الشعر ما قد ضمّه حبل حاطب ضنّ الشاعر برديء شعره قال عبد الله بن طاهر: آفة الشاعر البخل، لأنه يقول خمسين بيتا وفيها بيت رديء فلا يحتمل قلبه أن يسقطه. وقيل: الشاعر كالصيرفيّ يجتهد في أن يروّج ما في كيسه من الزيوف. اعتذار من قصّر عن مساجلة . قال العتّابي: ولا عار إن قصّرت دون مبرّز ... شأى الناس قبلي سعيه وشآني «٤» وإنّي كمن جارى جوادا بمقرف ... قوائمه مشكولة بحران «٥» وممّا يحسن أن يتمثّل به هنا قول الدارمي «٦» : كلانا شاعر من قول صدق ... ولكنّ الرّحى فوق التفال قائل شعر ذكر أنه استعاره من المقول فيه قال أحمد بن أبي الخصيب: وإنّي وإن أحسنت في القول مرّة ... فمنك ومن إحسانك امتار هاجسي

стр. 116

تعلمت ممّا قلته وفعلته ... فأهديت حلوا من جناي لغارس وقال ابن طباطبا: لا تنكرنّ إهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه فالله يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه وحكي أن الصّاحب «١» دخل على عضد الدولة بهمدان، وعضد الدولة مكب على دفتر يقرأه فقال: يا أبا القاسم هذه رسالة لك في بعض فتوحنا نحن نأخذها بأسيافنا وأنت تجمّلها بأقلامك، فقال: المعنى مستفاد من مولانا وإن كانت الألفاظ لخادمه. ثم أنشده: وأنت أكتب منّي في الفتوح وما ... تجري مجيبا إلى شأوي ولا أمدي «٢» فقال: لمن البيت؟ فقال: لعبدك أبي إسحاق الصابىء. وكان الصابىء محبوسا ببغداد فأمر بالإفراج عنه والخلعة عليه فكان ذلك سبب خلاصه وتقدّمه. كلام نثر صار شعرا من غير قصد كتب عقال بن شبة: للأمير المسيّب بن زهير ... من عقال بن شبّة بن عقال فاتفق منه شعر. وحضر الصاحب الحسن بن سعد، فرأى على عنوان كتاب: أبو الحسين أحمد بن سعد. فقال هذا شعر ثم قال: قل: إلى الهمام الأريحيّ الفرد ... أبي الحسين أحمد بن سعد «٣» فقال أبو الحسين: علمت بعد ثمانين سنة أن كنيتي واسمي واسم أبي شعر، وعلى ذلك كتب عبد الله الخازن على عنوان كتابه: حضرة الصاحب الجليل أبي القا ... سم كافي الكفاة إسماعيلا وقال رجل لمناد: يا صاحب المسح تبيع المسحا «٤» فقال صاحبه: تعال إن كنت تريد الربحا

стр. 117

فسمع أبو العتاهية ذلك فقال: قد قالا شعرا وهما لا يدريان. ما جاء من لفظ القرآن والخبر موزونا من ذلك قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ «١» ، وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ «٢» وقال النبي ﷺ : أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب وكان النبي ﷺ يحرّض أصحابه على حفر الخندق ويقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا. وكان أصحابه يجيبونه: أنك لولا أنت ما اهتدينا. متناد في مدح أو هجو أول على ضدّه مدح أعرابي نبطيا فقال: إن أبا الهيجاء أريحيّ ... للريح في أثوابه دويّ فقال النبطيّ: عنى أني أفسو. فقال الأصمعي: انظروا كيف ضاع هذا البيت. وسمع بعضهم قول الحطيئة «٣» : يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل «٤» فقال هذا بيت قواد. وأنشد قول الأخطل «٥» : وإني لقوّام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها فقال جرير: صدق ما قمنا بين يدي قيس لأخذ قربان ولا لأداء جزية بين يدي سلطان. شعر لا يدرى أمدح هو أم هجاء دفع أعرابي ثوبا إلى خيّاط، فقال الخياط: لأخيطنه خياطة لا تدري أقباء هو أم دواج، فقال: لأقولن فيك شعرا لا تدري أمدح هو أم هجاء. وكان الخياط أعور. ثم أنشد: خاط لي زيد قبا ... ليت عينيه سوا

стр. 118

فلم يدر أدعا له أم دعا عليه. ولما أنشد النابغة النعمان قوله: تخفّ الأرض ما غبت عنها ... ويبقى ما بقيت به ثقيلا غضب، وقال: لا أدري أمدحني أم هجاني؟ فأتى زهير فأخبره فقال حق له أن يغضب ولكن قل بعده هذا البيت: أظنّك مستقرّ العزّ منها ... فتمنع جانبيها أن تزول «١» فأتاه فأنشده ذلك فرضي، وقال: أما الآن فنعم. من قصّد مديحا، فاتّفق منه هجو جاء شعرور إلى زبيدة «٢» فمدحها فقال: أزبيدة بنت جعفر ... طوبى لزائرك المثاب تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكفّ من الرغاب فوثب إليه الخدم ليضربوه فمنعتهم، وقالت: إنه قصد مدحا وأراد ما يقول الناس شمالك أجود من يمينه، فظنّ أنه إذا ذكر الرّجل كان أبلغ وقد حمدنا ما نواه وإن أساء فيما أتاه. ومدح شاعر أميرا فقال: أنت الهمام ابن الهما ... م الواسع ابن الواسعه فقال: من أين عرفتها قال قد جرّبتها، فقال: أسوأ من شعرك ما أتيت به من عذرك. شاعر مغلوب بشعر ركيك أتى أبو الشمقمق بشّارا «٣» فقال: يا أبا معاذ أعطنا شيئا وصل إليك من السلطان، فقال: أتسألني وأنا شاعر؟ فقال: نعم إني مررت بالصبيان وهم يقولون: إنّما بشّار فينا ... مثل تيس في سفينه فرفع مصلاه عن ثمانمائة درهم وأعطاها له، وقال له: لا تكن راوية للصبيان بعد هذا.

стр. 119

وقال دعبل «١» : وردت قمّ وكان لي على أهلها رسم، فاتفق أن جاءني شعرور فأخذ يناكدني ويؤذيني، فازدريت به وزجرته فذهب وهجاني فقال: في إست دعبل بلابل ... ليس يشفى لقابل ليس يشفيه منه غير ... أير بغل بكابل فلهج الصبيان بذلك وصاروا يصيحون خلفي إذا رأوني ففررت من قمّ استحياء وما عاودتها بعد. معرفة نقد الشّعر «٢» قال أبو عمرو: انتقاد الشعر أشدّ من نظمه، واختيار الرجل الشعر قطعة من عقله. وقيل: إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه. وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على عقله. وقيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على حوكه. وقال الفرزدق: لا يكون الشاعر متقدّما حتى يكون باختيار الشعر أحذق منه بعمله. وقال أبو أحمد بن المنجم: ربّ شعر نقدته مثل ما ين ... قد رأس الصيارف الدينارا وقال الأهوازي: ويزعم أنه نقّاد شعر ... هو الحادي وليس له بعير وقال آخر: قد عرفناك باختيارك إذا كا ... ن دليلا على اللبيب اختياره عذر من يعرف الشعر ولا يصوغه قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ فقال: أنا المسنّ أسنّ الحديد ولا أقطع. وقيل لأديب: أشاعر أنت؟ فقال: لا، ولكني بهم خابر. وقال الشاعر: وقد يقرض الشعر البكيّ «٣» لسانه ... وتعيي القوافي المرء وهو خطيب وقيل لأبي عبيدة: لم لا تقول الشعر مع غزارة علمك وجودة فهمك؟ فقال: لأن

стр. 120

الذي يجيبني لا أرتضيه، وما أرتضيه لا يجيبني. ولبعضهم في المعنى: أبى الشعر إلا أن يفيء رديئه ... عليّ ويأبى منه ما كان محكما فيا ليتني إذ لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما مذاهب النّاس في نقده مذاهب الناس في ذلك مختلفة. فمنهم من يميل إلى ما سهل، فيقول: خير الشعر ما لا يحجبه شيء عن الفهم. وقال آخر: خير الشعر ما معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى سمعك. ومنهم من يقول: ما كان مطابقا للصدق وموافقا للوصف كما قيل: وإن أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا وسئل ذو الرّمة عن أشعر الناس فقال: من خبث جيّده وطاب رديئه. ومنهم من يميل إلى ما انغلق «١» معناه وصعب استخراجه، كشعر ابن مقبل والفرزدق. وكثير من النحويين لا يميلون من الشعر إلى ما فيه إعراب مستغرب ومعنى مستصعب. وقال يزدان المتطبب أن أبا العتاهيّة أشعر الناس لقوله: فتنفست ثم قلت نعم حبا ... جرى في العروق عرقا فعرقا فقال له بعض الأدباء: إنما صار أشعر الناس عندك من طريق المجسة «٢» والعروق. مراتب الشّعراء والشعر قال الجاحظ: يقال للمجيد فحل، ولمن دونه مفلق، ثم شاعر ثم شويعر ثم شعرور. وقيل: أقسام الشعر أربعة: ضرب حسن لفظه ومعناه، وإذا نثر لم يفقد حسنه وذلك نحو: في كفّه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروح في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم وضرب حسن لفظه وحلا معناه نحو: ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح وضرب جاد معناه وقصّر لفظه نحو: خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع

стр. 121

وضرب قصر معناه ولفظه نحو: إن محلا وإن مرتحلا ... وإن للسفر ما مضى مهلا وقيل: الأشياء كلها ثلاث طبقات جيد ووسط ورديء. فالوسط من كل شيء أجود من الرديء عند الناس إلا الشعر، فإن رديئه خير من وسطه. ومتى قيل شعر وسط فهو عبارة عن الرديء. وقيل: الشعر ثلاثة أصناف: شعر يكتب ويروى، وشعر يسمع ويكتب، وشعر لا يكتب ولا يوعى «١» . كثرة الشعر في الناس قال إبراهيم الموصليّ: لولا أني أعلم أنّ الشعر من شرّ الكلام لقلت الشعر أكثر من النثر. وقال أبو تمّام: ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب ولكنّه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب وقيل: الشعر أكثر من الكلام البليغ. فقد تجد عشرة آلاف شاعر ولا تجد خطيبا. المستحسن الإنشاد دخل أبو تمّام على إسحاق المصعبيّ فقال له: رأيت المخزوميّ آنفا وهو ينشد شعرا، فقال: أيها الأمير نشيد المخزومي يطرق بين يدي شعره، وشعري يطرق بين يدي نشيدي. ومدح رجل آخر بحسن الإنشاد فقال: هو صنّاجة الشعر. وقال الفرزدق لعبّاد العنبري: حسن إنشادك يزين الشعر في فهمي. وقيل: إذا أنشدت المديح ففخّم، أو المراثي فحزّن أو من النسيب فأخضع، أو من الهجاء فسدّد وبالغ. المستقبح الإنشاد قال عبد الله بن معاوية: يزين الشعر أفواه إذا نطقت ... بالشّعر يوما، وقد يزري بأفواه وقال أبو خليفة: كان الشعر من فيه ... إذا تمّت قوافيه كنيف قد خرى فيه

стр. 122

(١٠) ومما جاء في الكتابة والكتّاب واضعو اللغات والخطّ قيل: اللغات توقيفية «١» لقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها «٢» . وقيل: أوّل ذلك اصطلاح «٣» ثم يجوز أن يكون الباقي توقيفا. وقال الكلبيّ: وضع الخطّ ثلاثة نفر: مرامر بن مرة بن ذروة، وأسلم بن شدوة، وعامر ابن حدرة. فمرامر وضع الصورة، وأسلم فصّل ووصل، وعامر أعجم وأشكل. وقيل: وضعه قوم من طسم «٤» وهم أبجد وهوّز وحطّي وكلمن وسعفص وقرشت على أسمائهم. ثم وجدوا حروفا أخر وسمّوها الروادف وهي: ثخذ ضظغ. ولهم أربعة حروف لا يعدونها في أبي جاد، وتلك حروف المدّ واللين، ونون الغنّة في نحو منذر وجندل. وأول من خاطب ب: أطال الله بقاءك، عمر بن الخطاب، قاله لعليّ بن أبي طالب ﵄. وأول من قال: جعلني الله فداءك عبد الله بن عمر ﵄. وأول من قال: جعلت فداءك عليّ ﵇. وأول من كتب في صدر الكتاب مراسله أن يصلّي على محمد، يحيى بن خالد البرمكيّ «٥» . اتفاق الحروف مع النّجوم عدد الحروف العربية عدد منازل القمر، ثمانية وعشرون. وغاية مبلغ الكلمة مع الزيادة سبعة على عدد النجوم السبعة. وصورة الزوائد اثنا عشر على عدد البروج. وأربعة عشر تندرج مع لام التعريف، مثل منازل القمر التي تستتر تحت الأرض وأربعة عشر فوقها وهذا اتفاق صحيح. أسامي المترجمين نقل ديوان الفارسيّة إلى العربية صالح بن عبد الرحمن، فقال له رجل من الفرس: كيف

стр. 123

تكتب دهيوده وبنجيوده؟ فقال: عشير ونصف عشير. فقال: وكيف تكتب أندى؟ قال أيضا. فقال: قطع الله أصلك من الدنيا، كما قطعت أصل الفارسية، وقال لقومه اطلبوا مكسبا غيره. وممّن نقل العلوم الكبار ابن بطريق وابن ناعمة وأبو فروة وابن المقفع وأرسطو طاليس وأفلاطون من متقدّمي الحكماء ومستخرجي العلوم. أجناس الكتابة قال الكلبيّ «١» كتابة الأمم نوعان: أحدهما يبتدأ باليمين، وهي العربية والعبرانية. والثاني من اليسار، وهو اليونانية والرومية. وكل كتابة من اليسار فهي مفصولة وكتابة الصين نقوش تصوّر. وحكي أن ملك الروم قال ما حسدت العرب على شيء كحسدي على أشكال خطوطهم. مرافق الخطّ قيل: الخطّ لسان اليد وهو الطلسم الأكبر، وقيل: الخط هندسة روحانيّة ظهرت بآلة جسمانية. وقيل: العلم شجر، والخطّ ثمر. وفضّل بعضهم الخطّ على اللفظ، فقال: الخطّ للقريب والبعيد، واللفظ للقريب فقط. وفضّل جالينوس اللفظ فقال: الخطّ كلام ميت واللفظ كلام حيّ. اختلاف الخطوط وتشابهها قيل: من أعجوبة الخطوط كثرة اختلافها مع اتفاق أصولها، كاختلاف الأشخاص مع اتفاقها في الصنعة. وعجب بعض الكتاب من إلحاق القافية «٢» بالولد بالشبه، فقال له قائف. أعجب من هذا ما يبلغنا من تمييزكم الخطوط وإلحاق كل بصاحبه. وحكي أن رجلا ادّعى على آخر بخطّ له معه فجحد المدعى عليه خطّه فتحاكما إلى سليمان بن وهب. فأحضر الخطّ وأملى على الرجل كتابا طويلا ردّد فيه الحروف، فتصنّع الرجل في كتابته فأبت سجيته في أحرف إلا أن تأتي كما جرت به عادته، فتبيّن لسليمان كذبه. فاستقصى عليه حتى اعترف بخطّه.

стр. 124

مدح الكتابة جعل الله تعالى كتبة الملائكة كراما كاتبين. حيث يقول: كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون. وقال تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ «١» قيل: بلغت الكتابة بقوم مبلغ الملوك وأعطتهم أزمة الخلافة. ونال الخلافة أربعة من الكتاب: عثمان وعليّ ومعاوية وعبد الملك. وسأل أعرابي من أصحاب النبي ﷺ فذكروا له حتى انتهوا إلى ذكر معاوية، فقالوا: كان كاتب النبي ﷺ فقال: فلج «٢» وربّ الكعبة فإن الأمور بيد الكتاب. قال الشاعر: ما النّاس إلا الكتبه ... هم فضّة في ذهبه قد أحرزوا دنياهم ... بشعبة من قصبه وقال ابن الحجّاج: وشمول كأنّما اعتصروها ... من معاني شمائل الكتّاب وقيل: كل صناعة تحتاج إلى ذكاء، إلا الكتابة فإنها تحتاج إلى ذكاءين: جمع المعاني بالقلب، والحروف بالقلم. ولذلك قيل بالفارسية: ديبر، أي له ذكاآن. وقال الجاحظ: لم أر مثل طريقة الكتاب، فإنهم اختاروا من الألفاظ ما لم يكن وحشيا ولا ساقطا سوقيا، وقال: إنما عذب شعر النابغة لأنه كان كاتبا وكذلك زهير. ذمّ الكتّاب قال الجاحظ في ذمّهم: ما قولك في قوم أوّل من كتب منهم لرسول الله ﷺ خالفه في كتابه، فأنزل الله فيه آيات، فهرب إلى جزيرة العرب فمات كافرا. ثم استكتب معاوية فكان أوّل من غدر وحاول نقض عرى الإسلام في أيامه، ثم كتب عثمان لأبي بكر مع طهارة أخلاقه فلم يمت حتى أدّاه عرق الكتابة إلى ذم من ذمه من أوليائه. ثم كتب لعمر ﵁، زياد بن أمية فانعكس شرّ مولود، وكتب لعثمان ﵁ مروان بن الحكم، فخانه في خاتمه وأشعل حربا في مملكته. وقال بعضهم، وقد جلس في ديوان: أخلاق حلوة وشمائل معشوقة ووقار أهل العلم وظرف أهل الفهم، وإذا سبكتهم وجدتهم كالزبد يذهب جفاء لا يستندون إلى وثيقة ولا يدينون بحقيقة. فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون. قال كشاجم: بأبي وأمّي أنت من مستجمع ... تيه القيان ورقّة الكتاب «٣»

стр. 125

وقال ابن المعتزّ: وما كاتب بالكفّ إلا كشارط «١» ذمّ عجزة الكتّاب قال الحجام الأهوازي يهجو الكتّاب: تعيس الزّمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الظرف والآداب وأتى بكتاب لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتّاب وقال آخر: دعيّ في الكتابة يدّعيها ... كدعوة آل حرب في زياد «٢» ولما ولي الفضل بن مروان ديوان الخراج وموسى بن عبد الملك ديوان الضياع، قال محمد بن يزيد المراعي: أرى التدبير ليس له نظام ... وأمر النّاس ليس بمستقيم فديوان الضّياع بفتح ضاد ... وديوان الخراج بغير جيم وذمّ رجل آخر فقال فيه: من أخلاق النبي ﷺ عدم الكتابة والعجز عن تقويم الشعر. من يسدّ كتابه مسدّ السّلاح والعساكر قال ابن الرومي: في كفّه قلم ناهيك من قلم ... نيلا وناهيك من كفّ به اتّشحا يمحو ويكتب أرزاق العباد به ... فما المقادير إلا محا ووحى وقال المتنبيّ: يا من إذا ورد البلاد كتابه ... قبل الجيوش ثنى الجيوش تحيّرا ورسائل قطع العداة سخاءها ... فرأوا قنا وأسنّة وسنوّرا «٣» وفي وصف القلم باب يجري هذا المجرى. وممّا هو كالمضادّ لهذا الباب ما روي أن عكلا «٤» أغارت على إبل لبني حنظلة «٥» فاستغاثوا بإسحاق بن إبراهيم، فكتب إلى عامل كتابا، فخرج صاحب الكتاب وخرق الكتاب وقال: جعلتم قراطيس العراق سيوفكم ... ولن يقطع القرطاس رأس المكابر

стр. 126

وقلتم خذوا البرّ التقيّ فإنّه ... أقلّ امتناعا واتركوا كلّ فاجر فرحنا بقرطاس طويل وطينة ... وراحت بنو أعمامنا بالأباعر «١» وقال البحتري: فلا غرّني من بعده عزّ كاتب ... إذا هو لم يأخذ بحجزة رامح ذمّ الكتابة إذا تولّاها النساء قال عمر ﵁ جنّبوهنّ الكتابة. وقال دقنس الفيلسوف وقد رأى جارية تتعلّم الكتابة: تسقي سهمها سما لترميك به يوما. وقال السامي: ما للنساء وللكتا ... بة والعمالة والخطابه هذا لنا ولهنّ منّا ... أن يبتن على جنابه «٢» سمع جرير شعرا فسأل عن قائله. فقيل: امرأة فلان. فقال: إذا زقت الدجاجة زقاء الديك فاذبحوها. شكوى التأخّر في الكتابة حتّام لا أنفكّ حارس سلّة ... ادعى فاسمع مذعنا وأطيع وأكلف العبء الثقيل وإنّما ... يبلى به الأتباع لا المتبوع فعليهم ثقل الأمور وحملها ... وعلى الرئيس الختم والتوقيع نقص الأميّ وفضله قال أميّ: كان النبي ﷺ أميّا، فقيل له: أما علمت أنه كان لي منقبة «٣» ولك مثلبة «٤» ؟ وقال المأمون: لأحمد بن يوسف: وددت أن يكون لي خطّ كخطك، فقال: يا أمير المؤمنين لو كان في الخطّ حظّ ما أحرمه الله تعالى نبيّه ﷺ . وكانت أم سلمة تقرأ ولا تكتب ومحمّد بن الوليد المازني يكتب ولا يقرأ، وكان يتنافس فيما يكتب بيده. وولي عمر بن هبيرة العراق فكان يحفظ جمل حسابها ولا يكتب. كتاب الرجل منبىء عن عقله قال زياد: ما قرأت كتابا قطّ لرجل إلا عرفت مقدار عقله فيه. وقال طريح بن إسماعيل: عقول الرجال في أطراف أقلامها.

стр. 127

وقال يزيد بن المهلّب لابنه، حين استخلفه على خراسان «١» : إذا كتبت كتابا فأكثر النظر فيه، فإنما هو عقلك تضع عليه طابعك، وإن كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع رأيه. بقاء الخطّ قال بعض الشّعراء وما من كاتب إلا استبقى ... كتابته وإن فنيت يداه فلا تكتب بخطّك غير شيء ... يسرّك في القيامة أن تراه وقال الخليل: كتبت بخطّي ما ترى في دفاتري ... عن النّاس في عصري وعن كلّ غابر ولولا عزائي أنّه غير خالد ... على الأرض لاستودعته في المقابر فضل الخطّ المستحسن قيل في قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ «٢» إنّه الخطّ الحسن. قال الشاعر: أضحكت قرطاسك عن جنّة ... أشجارها من حكم مثمره مسودّة سطحا ومبيضّة ... أرضا كمثل الليلة المقمره ونظر الحسن بن رجاء إلى خطّ حسن فقال: خطّك منتزه الألحاظ ومجتنى الألفاظ فلان فصيح القلم. ونظر أعرابي إلى إسماعيل وهو يكتب بين يدي المأمون، فقال: ما رأيت أطيش من قلمه وأثبت من حكمه. وقال ابن المعتزّ: إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتح نورا أو تنظم جوهرا وقيل لبعضهم: كيف ترى إبراهيم الصولي؟ فقال: يولّد اللؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدرّ بالأقلام في الكتب وتحاكم إلى الحسن بن سهل صبيّان في خطّيهما، فقال لأحدهما: خطّك تبر مسبوك «٣» ، وقال للآخر: خطّك وشي محوك «٤» ، وقد تسابقتما إلى غاية فوافيتما في نهاية.

стр. 128

من حسن خطّه وخدّه وصف أحمد بن أبي خالد جارية كاتبة فقال: كان خطّها أشكال صورتها ومدادها سواد شعرها، وقرطاسها أديم وجهها، وقلمها بعض أناملها، وبيانها سحر مقلتها. وقال: بخطّ كأن الله قال لحسنه ... تشبّه بمن قد خطّك اليوم فائتمر وقال الصاحب: غزال يفتن النّاس ... مليح الخدّ والخطّ فهذا النمل في العاج ... وهذا الدرّ في السّمط ذمّ الخطّ القبيح قيل: رداءة الخطّ إحدى الزمانتين «١» . قال الحسن المغربي: جزعت من قبح خطّي ... وفيه وضعي وحطي «٢» رجعت من بعد حذقي ... إلى كتابة حطي وقال علي بن محمد العلويّ: أشكو إلى الله خطّا لا يبلّغني ... خط البليغ ولا حظّ المرجينا وقال يحيى بن علي: مع خط كأنّه أرجل البطّ ... أو الشرط في طلى الفتيان وقال ابن المستنير وقد سئل عن خطّ وزير ليس بالجيد، رأيت حظّه أحسن من خطّه. الخطّ الدقيق والجليل كتب رجل لصاحبه كتابا دقيقا، فقال: ما خاطبتني ولكن عوذتني. وقال الناشىء: كتبت إليكم أشتكي حرقة الهوى ... بخطّ ضعيف والخطوط فنون فقلت حكاني في نحول ودقّة ... كذاك خطوط العاشقين تكون ورأى محمد بن سعيد كتابا بخطّ دقيق، فقال: هذا كتاب من يئس من طول حياته. التثبّت في الكتابة والإسراع فيها قيل التثبّت في الابتداء بلاغة وبعده عيّ «٣» وبلادة. وكان ابن المقفع كثيرا ما يقف إذا كتب فقيل له في ذلك، فقال: إنّ الكلام يزدحم في صدري فأقف لتخيّره.

стр. 129

وقيل سرعة اليد محمودة ما أمنت نقصا أو سقطا «١» . حمد الشكل وذمّه قيل: حلّوا عواطل الكتب بالتقييد، وحصّنوها من شبه التصحيف والتحريف. وقيل: إعجام الكتاب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله. قال الشاعر: وكأنّ أحرف خطّه شجر ... والشكل في أضعافه ثمر قال أبو تمّام، وقد ضرب بعضهم المثل في هذا الباب، بقوله: إذا ما قيّدت رتكت وليست ... إذا ما أطلقت ذات انطلاق «٢» وعرض خطّ على عبد الله بن طاهر، فقال: ما أحسنه لولا أنّه أكثر شونيزه. ونظر محمد بن عباد إلى أبي عبيد وهو يقيّد بسم الله فقال: لو عرفته ما شكلته. الوصيّة بتقويم حروف في الكتابة قال الحسن: من كتب اسم الله فحسّنه، أحسن الله إليه. وكان يزيد بن ثابت يكره أن يكتب بسم الله من غير السين فإذا رآه كذلك محاه. ورأى محمّد بن عيسى كاتبا كتب عيسى وردّ الياء إلى خلف، فقال: لا تكتب كذا فأيسر ما فيه أن الياء إذا كان إلى قدّام كان إقبالا، وإذا كان إلى خلف كان إدبارا. وقيل أرّخوا ذوائب «٣» الخطوط يعني ما كان من نحو الياء والنّون. وقيل: المدّ في حرفين سوء التقدير. وقيل إذا اجتمع واوان وجب الفصل، والفصول حلى «٤» الكتاب وجودة القراطيس شفاء القلم. وقال أمير المؤمنين ﵇: ألق دواتك وأطل سنّ قلمك، وفرّج بين السطور، وقرمط «٥» بين الحروف. معرفة كتابة بإشارة روي أنّ هشام بن عبد الملك كان يسايره أعرابيّ فقال له: انظر ما على ذلك الميل، فجاء الأعرابي وتأمله وقال: رأيت شيئا كرأس المحجن «٦» متّصلا بحلقة يتبعها ثلاث كأطباء الكلبة كأنها رأس قطاة بلا منقار. فعرف هشام أنه يصفه.

стр. 130

وأضلّ رجل بعيرا فقال لأعرابي: هل رأيت بعيرا سمته جعفر؟ فقال: ما أعرف جعفرا، ولكن رأيت بعيرا سمته محجن وسابورة وحلقة وهلال متصل بعضه ببعض، فقال: هاهوذا. وقال مشمشة المخنّث للصولي: اكتب مشمشة يقرأ عليك السلام، فقال: قد كتبت. فقال أرنيه فإن في اسمي دخالة «١» الأذن فقال: فعجبت من جودة تشبيهه. تشبيهات بعض حروف المعجم دعا أبا النجم بعض أصدقائه فعاد عنه سكران فقال: أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخطّ مختلف كأنّما يكتتبان لام الألف وقال عبد السلام الحمصيّ: كأنّ قافا أديرت فوق وجنته ... واختطّ كاتبها من فوقها ألفا وقال أبو نواس في حباب الكأس: خلته في حببات ال ... كاس واوات صغارا وقال بعضهم في وصف بخيل: كأنّه جلمان من حيث جئته، وجدت لا، وفي تشبيه الشارب قال: فجاء كنصف الصاد من خطّ كاتب. تتريب الكتب قال النبي ﷺ : اتربوا الكتب فإنّه أنجح للحوائج. وكان الفرزدق كتب وصيّة وأعتق عبدا عن دبر فترب الكتاب «٢» العبد، فقال: استنجحت الحاجة واستعجلت المنيّة لي يا ابن الفاعلة، احذفوا اسمه من الوصيّة. رفع رجل قصة إلى عبد الله بن طاهر وقد أكثر عليها من التراب، فوقّع فيها إن ضمن لنا من الصابون ما ينقّي ثيابنا من تراب كتابه ضمنا له قضاء حاجته. الكتابة في الأنصاف والظهر قال الشاعر: أنت لما ابتدأت تكتب في الأن ... صاف خفنا من قلّة الإنصاف «٣»

стр. 131

وكتب أحمد بن يوسف إلى صديق له: كتبت إليك في الظهر تفاؤلا بأن يظهرك الله على من ناواك «١» . ويجعلك ظهرا لمن والاك. قال الشاعر: العذر في الظهر عند الحرّ منبسط ... إذا رأى سطوات الدّهر بالنعم لو كان يصلح خدّي ما جرى قلمي ... إلا عليه على أن المداد دمي وقال آخر: كتب القراطيس لذي حشمة ... وكتب ما بالظهر للنّاس المكتوب على الحواشي قال بعضهم: اطلبوا النكت في الفواشي والحواشي «٢» . وقيل: التعليق في الحواشي كالشنوف «٣» في آذان الأبكار. الحكّ قيل: من كثر شكّه جاد حكّه. وقال علي بن عيسى لجماعة من الكتّاب، رأى في كتابتهم حكّا كثيرا: ما زلتم تغلطون وتحكّون حتى حذقتم بالحك. ورأى الصاحب حكّا كثيرا في حساب دفع إليه، فقال: أرى فيه تأثير السكين أكثر من تأثير القلم. قال الشاعر: حذقك بالحكّ دليل على ... أنّك في الكتب كثير الخطأ النّظر في كتاب الغير قال الفضل بن الربيع: كنت أقرأ في كتاب، وإلى جانبي رجل من أهل المدينة، فجعل ينظر فيه: فلمحته وقلت: ما تصنع ويحك؟ قال: بلغني أن النبيّ ﷺ قال: من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما يتطلع في النار، ولنا أشياخ قد تقدّموا فقلت لعليّ أرى أعظمهم. وكتب بعض الكتّاب كتابا وإلى جنبه رجل يتطلع، فكتب فيه: ولولا أنّ ابن الزانية فلانا يتطلّع عليّ فيما أكتبه، لشرحت كثيرا مما في قلبي، فقال الرجل: يا سيدي ما كنت أتطلع عليك، فقال: يا بغيض فإذا من أين علمت ما كتبت فيه.

стр. 132

ترشّش المداد على الثوب قال محمد بن مهران: لا تجزعنّ من المداد ولطخه ... إنّ المداد خلوق ثوب الكاتب «١» وقال الحسن بن وهب: وما شيء بأحسن من ثياب ... على حافاتها سمة المداد «٢» وقال آخر في نقيض هذا: يدلّ على أنّه كاتب ... سواد بأظفاره راسب «٣» فإن كان هذا دليلا لنا ... فإسكافنا كاتب حاسب «٤» التاريخ كان الرسم أن يؤرخ بكل وقت تحدث فيه حادثة ظاهرة مشهورة. فالروم كانت تؤرخ بملك ذي القرنين وهو الإسكندر. والفرس كانت تؤرخ بأعدل ملك كان يتفق له، إلى أن باد ملكهم يزدجرد فهم يؤرخون منه. والعرب بمشاهير الحوادث كنزول إسماعيل مكّة، وعام الفيل، وهجرة النبي ﷺ . وعليها استقر الحكم إلى الآن. وأول من أرّخ بذلك في الإسلام عمر بن الخطاب ﵁. العنوان الرسم أن يكتب اسم الكاتب ضئيلا والمكتوب إليه فحلا جسيما. ورأى طاهر بن الحسين رقعة لابنه، إلى المأمون وعليه عبده عبد الله، فقال: يا بنيّ ابدل هذه اللفظة شيئا آخر فإني سميتك عبد الله فلا تشرك معه في ملكه غيره. ووقّع المهدي في كتاب رجل كتب عليه عبده لا أعلمنّ أحدا ينسب نفسه إلى مخلوق مثله على عنوان، فإنه ملق كاذب لا يقبله إلا مفتون أو مأفون. الختم قيل في قوله تعالى: فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ «٥» ، أي مختوم. وفي قوله تعالى: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ «٦» ، أي مختوم. وقال ابن عباس ﵄ : الكتاب بلا ختم يسمى أقلف وهو استهانة بالمكتوب إليه.

стр. 133

وقال عمر ﵁ : طينة خير من ظنّة. وقيل: الختم ختم، وقيل: التصفّح قبل الختم والختم بعد العنوان. وسأل بعض الأدباء رئيسا أن يختم كتابه فقال: يا أيّها الملك المنفّذ ... أمره شرقا وغربا امنن بختم صحيفتي ... ما دام هذا الطين رطبا واعلم بأنّ جفافه ... مما يعيد السهل صعبا وكتب بعضهم إلى رئيس: تختم كتبك لأنها مطايا البرّ «١» ، وأنا لا أختمها لأنها حوامل شكر. القصّة والتّوقيع قال الصاحب لرجل رفع إليه قصّة وهو يكثر الكلام: هذا رفع القصص لا رفع القصص «٢» . وجاء رجل يطلب منه توقيعا بالجواز، فقال: يكتب جواز لحيته على طريق فقحته. وقيل التوقيع إلى ذوي الأقدار موق «٣» . مدح الورّاقين وذمّهم قيل لا تقعدنّ في السوق إلا إلى ورّاق أو زرّاد، فهما مباينان للأوغاد. وقال عبدوس الحكيم: لا تكوننّ وراقا لآلئيا فإن الدفاتر للعلماء والجواهر للملوك وهذان الصنفان في الناس قليل. وقال الجاحظ في ذمّهم: لم أر شرا من الورّاقين مع أن صناعتهم نسخ الأخبار لذوي الآداب والألباب «٤» ، وورّاق المصاحف شر. وقال: نبئت أن شيخا منهم خثر عليه الحبر، فبال في المحبرة وكتب به المصحف والماء منه غير بعيد. وقال ورّاق: عرضي أرقّ من الزجاج ومجالي في طلب الرزق أضيق من المحبرة ووجهي في الناس أشدّ سوادا من الحبر. وقيل لورّاق: ما تشتهي؟ فقال قلما مشاقا وحبرا برّاقا وجلودا رقاقا والله سبحانه أعلم.

стр. 134

(١١) ومما جاء في التصحيفات النّهي عن أخذ العلم من الصحفي قيل لا تأخذوا العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي، وهجا بعضهم أبا حاتم فقال: إذا أسند القوم أخبارهم ... فإسناده الصحف والهاجس وقال أبو نواس في مرثية خلف «١» : أودى جماع العلم مذ أودى خلف ... فليذم من العياليم الخسف رواية لا يجتنى من الصحف المهجّو بكثرة التصحيف قيل: كيسان يمسخ على لسانه العلم ثلاث مرات، فإنه يكتب في ألواحه خلاف ما يسمع، وينقل من ألواحه إلى الدفتر، خلاف ما يكتب، ثم يقرأ من الدفتر خلاف ما يكتب. وقال شاعر: ولم يسمع النحو لكنّه ... قرا منه شيئا وقد صحّفه «٢» تصحيفات متوالية إلى ما لا معنى له وجد معلم يلقن صبيا: عفت الديار محلّها قمقامها ... بمنى بأبد غولها فرجامها «٣» وإنما هو: عفت الديار محلّها فمقامها ... بمنى تأبّد غولها فرجامها قال الجاحظ: ومررت بمعلّم وهو يلقن صبيا: يا أبا الفياش جثى ... اخرج الفتيان غثا لبش في الأرض أباس ... شزنوا أيلج مثا فقلت: بالعبرانية هذا؟ قال: لا، هو بالعربية. فلما تأمّلته إذا هو مكتوب: يا أبا العباس حبى ... أخرج الفتيان عنّا

стр. 135

ليس في الأرض أناس ... شربوا أملح منّا فقلت: أيها المعلم أنّك ضائع بهذا البلد. قال: نعم قدور ومزاريق «١» . ورئي صبيّ يقرأ على معلم: والشيخ لا يبرك أجلافه ... حتى يوارى في ثرى دمسه فإذا هو: والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه «٢» تصحيفات في القرآن مستهجنة «٣» سمع رجل يقرأ: ربّنا إنّك من تدخل النار فقد أخزيته بالراء. فقال بعضهم أخراه: ولكن بلفظ أحسن من هذا. وقال رجل في مجلس الشافعي ﵁: كيف يقرأ بشوال يعجنك أو بشوال يعجبك؟ فقيل: ليس في القرآن شيء من ذلك. فقال الشافعي: دعوه لي إنما هو بسؤال نعجتك. وقال الجاحظ: سمعت من يقرأ ض والقرآن «٤» وقرأ آخر وفرش مرقوعة «٥» . وقرأ آخر إن السموات والأرض كانتا ريقا «٦» . وقرأ آخر: نبية «٧» من ربكم وقرأ آخر ومريم بنت عمران التي أخصيت «٨» فرجها. تصحيفات في الحديث مستقبحة قرأ بعضهم أن النبي ﷺ بلع قديدا، وإنما هو بلغ قديدا. وقرأ آخر كان النبي ﷺ يكره النوم إلا في القدر وإنما هو الثوم. وقرأ آخر على القباب المحدث لا يدخل الجنة قباب. فقال أعيذني بالله إنما هو قتات. فقدم القارىء إليه وعرك أذنه وقال ما صنع المسكين حتى لا يدخل الجنة؟ وقرأ آخر كان النبي ﷺ يحب العسل يوم الجمعة وإنما هو الغسل. وقرأ آخر: غمّ الرجل ضيق أبيه وإنما هو عمّ الرجل صنو أبيه. وقرأ آخر: لا يرث جميل إلا بثينة وإنما هو لا يرث حمل إلا ببيّنة. وقرأ آخر: إن أردت أن تنعظ فادخل المقابر وإنّما هو تتعظ.

стр. 136

وقال أبو بكر أحمد بن كامل: حضرت شيخا، فقال عن رسول الله عن جبريل عن الله عن رجل، فقلت: من هذا الذي يصلح أن يكون شيخ الله يروي عنه؟ فإذا هو . وقرأ محدّث كان النبي ﷺ يغسل خصى الحمار. فقيل له: وما أراد بذلك؟ فقال التواضع. وإنما هو حصى الجمار. من صحّف وتأوّل برقاعته قرأ بعضهم: فأوجس في نفسه جيفة، فقيل: هو خيفة. فقال: لا، بل لأنه توضأ ولم يغسل استه. وقرأ آخر في روضة يخبزون. فقال: اخشكا رام جواري فقال: ما أرادوا ففيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين. وقرأ آخر ما سأل به جبيرا «١» . فقال: من جبير؟ فقال: والد سعيد. وقرأ رجل على محمد بن حبيب من شعر الراعي، تعود ثعالب السرقين منه، فقال: إنما هو ثعالب الشرفين منه فقال: إن الثعالب أولع شيء بالسرقين فقال: أتصحيف وتفسير! تصحيف فيه نادرة قرأ رجل على ابن مجاهد بل عجنت ويسجرون. قال: أحسنت فمع العجن سجر التنور. وقرأ صبيّ على معلم أني أريد أن أنكحك، فقال هذا إذا قرأت على أمك. وقرأ آخر وأما الآخر فتصلب، فقال: هذا إذا قرأت على أبيك الكشحان، وغنّى رجل. خليلي هبا نصطبح بسماد فقال اصطبح به وحدك، إنما هو بسواد. تصحيف أفضى إلى مضرّة كتب الوليد بن عبد الملك إلى والي المدينة: أحص من قبلك من المخنثين فونم الذباب على الحاء فقرأ الكتاب أخص. فقال العامل: لعلّه أحص فقال الكاتب: على الحاء نقطة كسهيل، فخصى جماعة منهم ولكل واحد نادرة. وكتب صاحب الخبر بأصبهان إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فلانا يعني قائدا كبيرا له خزلجية، ويجلس مع النساء فكتب إلى العامل ابعث إلي فلانا وخزلجيته. فقرأ الكاتب: وجزّ لحيته، فأخذه وحلق لحيته وأشخصه «٢» فلمّا أبصره رأى آية فضحك وخلاه. وكان حيّان بن بشير يملي أن عرفجة أصيب يوم الكلاب وكان مستمليه يعرف ملحه، فقال: إنما هو الكلاب بالضم، وحبست أنا من أجله.

стр. 137

تصحيف أفضى إلى فائدة كان نعيم بن زيد واليا على الهند، وفي حبسه رجل، يقال له حبيش فجاءت أمه إلى الفرزدق، وسألته أن يتشفّع فيه. فكتب إليه كتابا فلم يدر أخنيش أو حبيش، فأمر أن يطلق كل محبوس اسمه شيء من ذلك. فأطلق بذلك عدة. وأنشد رجل الأصمعي، «كليني لهم يا أميمة باضت» «١» ، فقال له الأصمعي: أما علمت أن كل ناجمة الأذنين تحيض وكل سكاء الأذنين تبيض؟ فقال أبو الحسين الكوفي: لم أر تصحيفا أجلب للفائدة منه. وغنت جارية للرشيد: أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السّلام تحيّة ظلم فقال الكسائي: إنما هو مصابكم رجل. فقالت الجارية: إني أخذت هذا الشعر عن أنحى الناس وآدبهم أبي عثمان المازني بالبصرة (هكذا) فقال الرشيد: ليكتب إلى العامل بالبصرة بإطلاق نفقة المازني وإشخاصه فلما أشخص ودخل إلى الرشيد، سأله عن حاله: ألك ولد؟ قال: نعم بنيّة فقال: وما قالت لك قال أنشدتني: أيا أبتا لا ترم عندنا ... فأنا بخير إذا لم ترم قال وبماذا أجبتها، قال قلت: ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح فسأله عن البيت المغنّى به فقال إنما هو رجلا وخبران إنما هو ظلم. فقال أجدت وأصبت فأعطاه مالا وأكرمه وردّه إلى البصرة مكرّما. إدعاء تصحيف أدّى إلى خلاص أتى عبد الملك بخارجيّ فأمر بقتله، وقال ألست القائل: ومنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب فقال إنما قلت: أمير المؤمنين، أي يا أمير المؤمنين فأطلقه. وأحضر جعفر بن سليمان الهاشمي خطابي المقدم الهذيلي وفيه: يا ابن الزواني من بني معاوية ... أنت لعمري منهم ابن الزانية فقال: إنما قلت: يا ابن الرواثي وأنت ابن الراثية أي اللواتي ينحن على موتاهم.

стр. 138

وحكي أن علوية الشاعر اجتمع عليه الصوفية، وقالوا له أنت أنشدت: طاب لنا الرفض بغير حشمه فقال: إنما قلت: طاب لنا الرقص فرضوا عنه وانصرفوا. تغيير كتابة قليلة يغير بها المعنى خرج توقيع عن الرشيد إلى بعض أوليائه، باقطاع مائة ألف وألف دينار إلى الريّ فدفع إلى معين لنسخه وطلب رسما من صاحبه، فامتنع. فزاد المعين ألفا وجعله أو ألف دينار. فلما أخرج وأوصله إلى العامل، قال: لك ما فيه توفير السلطان من أحد هذين. فقال: إنما أمر لي بهما. فاسترجع التوقيع وعاد به إلى الحضرة، فلما رآه الرشيد، ضحك وقال: لعلّك لم ترض الكاتب فأصلحه. وعلّق ستر على باب أم جعفر وكان قد أمر أن يكتب عليه السيدة الميمونة المباركة، فأغفل المطرّز الراء فدخل الرشيد فرآه وقرأ مناكة، فضحك وأمر أن يمزّق. وقال الصاحب: لا ينبغي أن يخاطب النساء بحراستها ونظرها ولا عقلها لأنه لا يؤمن أن يصحف بحراستها وبظرها وعفلها. ودفع المعروف بصخرة دبير قصة إلى الصاحب يستوهب منه شيئا. وفي آخر القصة فعل إن شاء الله فزاد الصاحب فيه ألفا وجعله أفعل إن شاء الله. وقال: خذها فقد وقعت لك. فأخذ صخرة دبير القصة فتأمّلها فلم ير توقيعا، فراجعه مرتين كل ذلك يقول: قد وقعت فيه حتى أراه الصاحب ما أثبته من الألف. من صحّف عند رئيس بما أضحك قرأ بعضهم عند رئيس: جاضرطي، إنما هو حاضرطي. وحضر أحمد بن أبي خالد وزير المأمون يتتبع القصر، فأخذ قصة فقرأ أحمد الثريدي وإنما هو البريدي. فقال المأمون: يا غلام احضر لأبي العباس طعاما فإنه جائع وعزم عليه ليأكل فأكل، ثم عاد فمرّ بقصة فيها فلان الحمصي فقرأ الخبيصي فقال المأمون: يا غلام أظن أن طعامه كان مبتورا عن الحلواء، أحضره خبيصا فأتي بجام فامتنع. فقال: عزمت عليك لتأكلن فأكل ثم لم يعثر بعد. والذي قرأوانا فداؤك من الشّوكله إنما هو من السوء كلّه. والذي قرأ على أمير المؤمنين الخليفة انعظ على أمير المؤمنين إنما هو ابعط أي أبعد. وقال بعضهم: حضرت مجلس قاضي القضاة عبد الجبار فقال له بعض العلوية الكبار: ما هذا الذي يقوله النحار في كتبه الكس بالكسب، أراد الكسب فضحك كل من عنده فأنشد فيه: إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتده النّاس في الحطب

стр. 139

تصحيفات مستحسنة قرأ الأصمعي على أبي عمرو هذا البيت: وعزرتني وزعمت أنك لاتني بالضيف تأمر ... وإنما هو لابن بالصيف تامر فقال أبو عمرو: إنك في التصحيف أشعر من الحطيئة. وكان حمّاد الراوية، لا يحسن القرآن فقيل له: لو قرأت القرآن، فأخذ المصحف، وقرأ فلم يزلّ إلا في أربعة مواضع. قال: عذابي أصيب به من أساء، وقوله: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أباه، ومن الشجر ومّما يغرسون بل الذين كفروا في غرّة وشقاق. من عجم «١» حزفا عمد إلى تصحيفه دفع رجل إلى محمد بن عبد الله قصّة عليها حريت بن الغراس فعجمه، وقال: خريت في الفراش، ووقع تحته بئسما فعلت. ووجّه إلى المأمون رجل، وقيل سابق الحاج فتباطأ الرجل فنقط تحته، وجعله سايق الحاج. وكتب أبو تمام رقعة إلى عبد الملك بن صالح وعليها حببت فنقطه وجعله جنيت. من هجا أو مدح بادّعاء تصحيف هجا أبو نواس أبان اللاحقي فقال: صحفت أمّك إذ سمّتك في المهد أبانا ... قد علمنا ما أرادت لم ترد إلا أتانا. وقال آخر يهجو: رأى الصيف مكتوبا فظنّ بأنّه ... لتصحيفه ضيفا فقام يواثبه وقال المتنبّي: جرى الخلف إلا فيك إنك واحد ... وإنك ليث والملوك ذئاب وإنّك لو قويست صحّف قارىء ... ذئابا ولم يخطىء فقال ذباب كلمات تعسر قراءتها ويعسر تصحيفها استؤمر عبد الله بن طاهر في ابتناء موضع، يقال له لبنا فوقّع له، لبنا لبنا لبنا لبنا لبنا ووقع في رقعة بسبب عزير بن نوح عزير غرير عزير علينا ومن عزير، ووقع أيضا معاوية ابن معاوية ليحيى ليحيا خراج جراح فقد فقد، ووقّع علي بن رستم لرجل: غرك عزك فصار قصار ذلك دلك فاخش فاحش فعلك فعلك نهدا بهذا والسلام.

стр. 140

(١٢) وممّا جاء في آلات الكتابة فضل القلم ووصفه بأنّه مثبت الحكم قال الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ «١» وقال تعالى: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ «٢» . وقيل: كم من مآثر بنتها الأقلام فلم تطمع في دروسها الأيام، وقيل: القلم قيم الحكم. ونظر المأمون إلى مؤامرة بخطّ حسن فقال: لله درّ القلم كيف يزين وشي المملكة. وقيل: القلم في حساب الجمل نفاع وذلك أن حروف مائتان وواحد، وعدد نفاع مثله في الحساب، وهذا اتفاق ظريف. وصف قلم ممدوح بأنّه يجدي «٣» ويزدي «٤» وقال شاعر: قلم يمجّ على العداة سمامه ... لكنّه للمرتجين سماء «٥» كم قد أسلت به لعبدك ريقة ... سوداء فيها نعمة بيضاء «٦» وقال ابن طباطبا: وإذا انتضى قلما ليخطب ... خلت في يمناه نصلا «٧» كم ردّ عادية الخطو ... ب وكم أعزّ، وكم أذّلا «٨» يجري فيؤمن خائفا ... ويصبّ في الأعداء نبلا «٩» وفي وصفه شجاع يمجّ السم والعسل. ولابن ثوابة في وصفه: كالنّار يعطيك من نور ومن حرق ... والدهر يعطيك من همّ ومن جزل

стр. 141

وقال أبو الفيّاض الصابىء في الصاحب بن عبّاد: أقال الله للأقدار سيري ... وفي أقلام إسماعيل صيري تفضيل القلم على السّيف قال محمّد بن علي يمدح: في كفّه صارم لانت مضاربه ... يسوسنا رغبا إن شاء أو رهبا «١» السيف والرمح خدّام له أبدا ... لا يبلغان به جدّا ولا لعبا «٢» فما رأينا مدادا قبل ذاك دما ... ولا رأينا حساما قبل ذا قصبا «٣» وقال ابن الرومي: كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنّ السيوف لها مذ أرهفت خدم تفضيله على القلم فاخر السيف القلم فقال القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال السيف: القلم خادم السيف إن نيل مراده، وإلا فإلى السيف معاده. وقال البحتري: وعادة السيف أن يستخدم القلما وقال المتنبّي: حتّى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسّيف ليس المجد للقلم اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم وصفه بأنه يكشف عن الضمائر قال بعضهم: القلم يزفّ بنات القلوب إلى خدور الكتب، وقال ابن المعتز: القلم يخدم الإرادة ولا يملّ الإستزاده، يسكت واقفا وينطق سائرا، وقال شاعر: ومكشف السرّ الضمير بلا معاناة «٤» السّؤال وقال آخر: نواطق إلا أنّهن سواكت ... يترجمن عمّا في الضمير مكتما وفي وصفه: عجبت لذي سنين والماء نبته ... له أثر في كلّ مصر ومعمر

стр. 142

وقال ابن المقفع: القلم بريد القلب، يخبّ «١» بالخبر وينظر بلا بصر، وقال ابن أبي داود: القلم سفير العقل، ورسول الفكر، وترجمان الذّهن. وصفه بأنه أخرس ناطق قال الشاعر: وأخرس ناطق أعمى بصير ... بليغ عند منطقه عييّ متى ترعف مناخره سوادا ... يخبّر عنك بالمعنى المضيّ «٢» وقال محمد العلويّ: أخرس ينبيك بأطرافه ... عن كلّ ما شئت من الأمر «٣» يذري على قرطاسه دمعة ... يبدي بها السرّ وما يدري «٤» كعاشق يخفي هواه وقد ... نمّت عليه عبرة تجري «٥» لغز في وصف القلم قال الشاعر وبيت بعلياء الفلاة بنيته ... باسمي مشقوق الخياشيم يرعف وقال آخر: وأجوف يمشي على رأسه ... يطير حثيثا على أملس فهمت بآثاره ما مضى ... وما هو آت ولم يلبس وصف دواة وقلم قال الشاعر: وزنجيّة لم تلدها الإناث ... وفي جوفها من سواها ولد وكتب ابن طباطبا إلى ابن أبي البغل، وبعث إليه قلما أسود وآخر أبيض وسبعة سمرا: هذا ابن سام وبنت حام ... شعبهما اليوم ذو التئام قد أظهرا في الورى ازدواجا ... فامتزج النّور بالظّلام وأنسلا صبية صغارا ... سبعا يوافين في نظام هنّ مدى الدهر مرضعات ... يشتقن ريا إلى الفطام

стр. 143

اختيار قلّة الأقلام قال الصوليّ لغلام: ليكن قلمك صلبا بين الرقّة والغلظ، ولا تبره عند عقدة فإنّ فيه تعقد الأمور، ولا تجعلنّ في أنبوبه أنبوبة، ولا تكتبنّ بقلم ملتو ولا بذي شقّ غير مستو. أدب بري القلم والاستنكاف منه قيل: ليكن مقطك إذا قططت صلبا، لئلا يتشظّى «١» القلم. وقال عبد الحميد الكاتب: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها. وقيل: تبطين القلم شؤم وحرفه حرف. وقيل: القلم المحرف للرجل المحارف. وأوصى بعضهم كاتبا فقال: أجد قلمك فالقلم الرديء كالولد العاق «٢» . وقيل: إذا لم تسمع لقطك صوتا كصوت القسيّ ووقعا كوقع المشرفيّ فأعد القطّ. وقال الصاحب لكاتب في مجلسه: ليس لك في مجلسي إلا القطّ فقط. التمدّح ببري القلم والاستنكاف منه قال الشاعر: دخيل في الكتابة ليس منها ... فما يدري دبيرا من قبيل إذا ما رام للأنبوب بريا ... تنكّب عاجزا قصد السّبيل قال كشاجم: لم ترني قطّ باريا قلما ... في بريه كل مهنة وضعه ما كلّ من يحمل الحسام لكي ... يردي به سنّه ولا طبعه وقال أبو الحسن بن سعد: كنت عند عليّ بن سعد فرأيت له أقلاما رديئة البري، فأخذتها وأحسنت بريها فقال: يا أبا الحسن عليك بالكتابة فإن هذه تجارة. السكّين قيل: السكّين مسنّ الأقلام تشحذها «٣» إذا كلّت «٤» ، وتلمّها إذا تشعّثت «٥» ، وأحسن السكاكين ما عرض صدره وأرهف حدّه ولم يفضل عن القبضة نصابه. وقيل لكاتب: سكّينك ليس بقاطع فقال: هو أقطع من البين «٦» .

стр. 144

ولأبي حفص الورّاق كتبه على سكّين: سكيننا من يره سيعجبه ... وقاه ربّي شرّ من يستوهبه وكيد من يسرقه ويغصبه ... ما أظلم اللّيل ولاح كوكبه وقال ابن نباتة: مرهفة تعجز وصف البيان ... للسيف معنى ولها معنيان تخلفه في حدّه تارة ... وتارة تخلف حدّ السّنان ما أبصر النّاظر من قبلها ... ماء ونارا جمعا في مكان مقطّ ومحراك وقال الشاعر: معه مقطّ قد تحلّى سنّها ... شبه الصدود بدا بخلف غرام يحكي سويداء القلوب إذا رمت ... فيها لواحظ شادن بسهام وانضاف محراك إليه كأنّما ... أخذوه قدّ الصارم الصمصام وقال أبو الحسن المشطّب الهمداني: إنّني منفذ إليك مقطّا ... سهرديزا كأير عير مريّ سابغا طوله شديدا قواه ... فاتخذه كنانة لقسيّ استهداء المداد وإهداؤه كتب بعضهم إلى صديق يستمدّ منه مدادا: أنا أشكو إليك من دواتي ... هي عوني وعدّتي وعتادي عطلت من مدادها فاستعاضت ... يقق اللون من حلوك السّواد «١» لم تزل من بنات حام فجاءت ... من بني يافث بغير ولاد أنت للحادثات عدّة صدق «٢» ... فترى أن تمدّها بمداد وقال عبدان: هل لك في أن تحوز محمدة ... أنفس من فضّة ومن ذهب زوّد فتاة أتتك رائقة ... بدرّة الفحم لابنة القصب الحبر قال بعض الأدباء: بالحبر تنصاغ حكم الأخبار، وبسواده تتضح شبه الآثار.

стр. 145

وقيل لورّاق: أخف رداءة خطّك بجودة حبرك، وقيل: عطّروا كتب علومكم بالحبر، فالحبر غالية والكتاب غانية. وقال الشاعر: وأكرم بحبر بها لجّة ... جواهرها حكم تنثر وقال كشاجم في من أعطاه محبرة: محبرة جاد لي بها قمر ... مستحسن الخلق مرتضى الخلق كأنّما حبرها إذا نثرت ... أقلامنا طلّه على الورق كحل مرته الجفون من مقل ... نجل فأوفت به على يقق خرساء لكنّها تكون لنا ... عونا على علم أفصح النطق لوح الحساب قال كشاجم: نعم المعين على الآداب والحكم ... صحائف حلك الألوان كالظّلم جفّت وخفّت فلم يدنّس لحاملها ... ثوب ولم يخش فيها نبوة القلم لو كنّ ألواح موسى «١» يوم أغضبه ... هارون لم يلقها خوفا من النّدم لوح الهندسة وقال كشاجم: وقلم مداده تراب ... في صحف سطورها حساب يكثر فيه المحو والإضراب ... من غير أن يسوّد الكتاب حتى يبين الحقّ والصّواب ... وليس إعجام ولا إعراب فيه ولا شكّ ولا ارتياب «٢» مرفع الدواة قال الشاعر: قرّب البعد مرفع لدواة ... ملجم من حليه بلجام «٣» كخوان الطّعام سهّل للآ ... كل منه ما كان صعب المرام
следующие страницы →