Полный текст (1 556 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فقال: أتريد أن أثبت في ديوان النوكي؟ وقال سعيد بن سلم: قصدت الكوفة فرأيت ابن المقفع فرحّب بي، وقال: ما تصنع ههنا؟ فقلت: ركبني دين فأحوجت إلى الإزعاج.
فقال: هل رأيت أحدا؟ فقلت: ابن شبرمة وعرّفته حالي، فقال: أنا أكلّم الأمين ليضمّك إلى أولاده فيكون لك نفع. فقال: أف لذلك أيجعلك مؤدبا في آخر عمرك، أين منزلك؟
فعرّفته فأتاني في اليوم الثاني وأنا مشغول بقوم يقرؤون عليّ ومعه منديل فوضعه بين يدي، فإذا فيه أسورة مكسورة ودراهم متفرّقة مقدار أربعة آلاف درهم، وحينئذ»
زمان المنصور وفي الدراهم ضيق. فأخذت ذلك ورجعت به إلى البصرة واستعنت به.
قال الشاعر:
كفى المرء نقصا أن يقال بأنّه ... معلّم صبيان وإن كان فاضلا
وقال آخر:
إنّ المعلّم حيث كان معلّم ... ولو ابتنى فوق السّماء سماء
وصايا المؤدّبين في الأولاد
أوصى هشام بن عبد الملك سليمان الكلبيّ، لما اتخذه مؤدّبا أنّ ابني هذا هو جلدة «٢» ما بين عينيّ، وقد ولّيتك تأديبه فعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة فيه، بخلال أوّلها أنك مؤتمن عليه، والثانية أنا إمام ترجوني وتخافني، والثالثة كلّما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتقيت معه. وفي هذه الخلال ما يرغبك في ما أوصيك به. إنّ أول ما آمرك به أن تأخذه بكتاب الله وتقرئه في كل يوم عشرا يحفظه حفظ رجل يريد التكسب به ثم روّه من الشعر أحسنه. ثم تخلّل به في أحياء العرب، فخذ من صالح شعرهم هجاء ومديحا، وبصّره طرفا من الحلال والحرام والخطب والمغازي، ثم أجلسه كل يوم للنّاس ليتذكر.
وقال عتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده: ليكن أوّل إصلاحك لولدي إصلاح نفسك فإنّ عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنته والقبيح ما استقبحته. علّمهم كتاب الله وروّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفّه ولا تكرههم على علم فيملّوه ولا تدعهم فيهجروه، ولا تخرجهم من علم إلى علم. حتى يحكموه، فازدحام العلم في السّمع مضلّة للفهم. وعلّمهم سير الحكماء وهدّدهم وأدّبهم دوني، ولا تتكل على كفاية منك، واستزدني بتأثيرك أزدك إن شاء الله تعالى.
وضرب أبو مريم مؤدّب الأمين والمأمون الأمين بعود فخدش ذراعه فدعاه الرشيد إلى الطعام فتعمّد أن حسر عن ذراعه فرآه الرشيد. فسأله، فقال: ضربني أبو مريم فبعث إليه ودعاه قال فخفت فلما حضرت، قال: يا غلام وضّئه فسكنت وجلست آكل، فقال: ما بال محمد
стр. 72
يشكوك فقلت قد غلبني خبثا وعرامة «١» قال: اقتله فلأن يموت خير من أن يموق «٢» .
الحثّ على تفقّد المؤدب
قيل: أولى من تبذل له ثراك من أفادك علاك وصقل حجاك «٣» .
قال الشاعر:
إن المعلّم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما
فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه ... واصبر لجهلك أن جفوت معلّما
ووقّع الصاحب لبعض المؤدّبة إلى من تقاعد بمشاهرته:
الكلب يرفع نفسه ويجلّها مع خسّته من أن يفيت مؤدّبا مستوجبا من أجرته وسمع مؤدّب يلقّن صبيّا: وإذ قال لقمان «٤» لابنه: وهو يعظه يا بنيّ لا تقصص رؤياك على أخوتك فيكيدوا لك كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا. فقيل له:
ما هذا؟ فقال: إن أباه يدخل مشاهرة شهر في شهر، وأنا أدخله من سورة إلى سورة، لئلا يحصل على شيء كما لا أحصل أنا على شىء.
نوادر المعلمين فيما يقرأ عليهم الصبيان
قرأ صبيّ على معلم: وإنّ عليك اللعنة يا شيخ، وأخذ يكرر ويقف. فقال: عليك وعلى والديك. فقال الصبيّ: ليس فيه وعلى والديك، لكنه عليك هل ألحقه به؟
وقرأ آخر على معلّم: اخرج منها فإنّك رجيم. فقال: ذلك أبوك الكشحان.
وقرأ آخر على معلّم: ما لنا في بناتك من حقّ وأخذ يكررها كالمستفهم، فقال: لا ولا كرامة لك.
نوادرهم فيما يقرأ عليهم من التصحيفات
«٥» قرأ صبي على معلم إنّي أريد أن أنكحك، فقال: هذا إذا قرأت على أمّك القحبة.
وقرأ آخر: عليها ملائكة غلاظ شداد يعصون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون.
فقال: هؤلاء أكراد لا ملائكة.
وكان معلّم يلقّن صبيا «عبس وتولّى» ، فكان يقول: أبس وتولّى. فضربه المعلم فقال: عاه فقال: حوّل العين من ههنا إلى ثمّ وخلّصني.
стр. 73
وقرأ آخر: وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصل، فقال يا ابن الفاعلة لعلك تشتهي البصيلة.
ما وصف من لواط المعلمين
وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام «١» ، وهو صبي وضيء الوجه فبعث به هشام إلى عبد الصمد مؤدب ولده الوليد ليؤدّبه. فراوده عن نفسه فخرج من عند المؤدب مغضبا ودخل على هشام وهو يقول:
إنّه والله لولا أنت لم ... ينج منّي سالما عبد الصّمد
فقال وما ذاك؟ قال:
أنّه قد رام منّي خطّة ... لم يرمها قبله منّي أحد
قال وما ذاك؟ فقال:
رام جهلا بي وجهلا بأبي ... يولج العصفور في خيس الأسد «٢»
فطرد عبد الصمد عن داره.
وحدّث الأحيمر النحوي وكان مؤدّب الأمين اتخذ عليه بعد حمّاد عجرد «٣» ، وكان حماد اتخذ عليه بعد نفي قطرب «٤» قال: كان سبب نفيه أن حمادا كان يتعشّق الأمين ويطمع أن يتخذ عليه مؤدبا فلم يتأتّ له ذلك حتى استوى الأمر على قطرب، فاحتال حمّاد وكتب هذين البيتين وناولهما بعض الخدم على يد مجهول:
قل للأمير جزاك الله صالحة ... لا يجمع الدهر بين السخل والذيب «٥»
السخل غرّ وهمّ الذيب غفلته ... والذيب يعلم ما في السخل من طيب
فلما قرأهما الرشيد نفى قطربا واتخذ حمّاد عجرد، وجعل عليه ثمانين من الرقباء فخاف قطرب لما وسم بهذه السمة فهرب إلى الكرج، والتجأ إلى أبي دلف فحسن حاله.
ودخل المأمون ديوان أحمد بن يوسف فصادف حوله مردا حسانا فقال:
أسد رابض حواليه أسد ... ليس ينجو من الأسود الظباء
وقال خلف الأحمر لمعلمه وهو في الكتاب وقد راوده عن نفسه:
أتترك في الحلال مشق صاد ... وتأتي في الحرام مدار ميم «٦»
стр. 74
حماقة المعلّمين
قال يعقوب الدورقي: إن الله أعان على عرامة الصبيان، بحماقة المعلمين. وقال سهل بن هارون «١» لم أر قاضيا ولا عدلا معلم كتاب، لا في تافه حقير ولا في ثمين خطير.
وقال الشاعر:
وكيف يرجّى العقل والرأي عند من ... يروح على أنثى ويغدو على طفل
وقال آخر:
أنت ألحى معلّم وطويل ... حسبنا ربّنا ونعم الوكيل
وقال الجاحظ:
المعلمون على ضربين: منهم من ارتفعوا عن أولاد العامّة إلى تعليم أولاد الملوك والمرشّحين للخلافة كالكسائي وقطرب وحماد وعبد الصمد، فهؤلاء لا تجوز عليهم الحماقة، وإن لكلّ قوم حاشية وجهالا وسفهاء.
ما وصف من ذكاء الصبيان وكيسهم في الكتاب
قال مؤدب يزيد بن عبد الملك: لم لحنت؟ فقال: الجواد يعثر. فقال المؤدب: أي والله ويضرب حتى يستقيم. فقال يزيد: وربما يرمح «٢» سائسه فيكسر أنفه.
ويروى عن ابن السكيت قال: أحضرت لاتخذ على المعتز بالله، فقلت له: بأي شيء نبدأ اليوم. فقال: بالخروج. فقلت: نعم. فعدا من بين يدي وعثر على المرمر، فقال:
يموت الفتى من عثرة بلسانه، وليس يموت المرء من عثرة الرجل. فقلت للمتوكل: جئتم بي لتأديبه وهو آدب منّي. فأمر لي بعشرة آلاف درهم.
قال أبو محمد يحيى- وكان مؤدب المأمون في صغره- صلّيت يوما قاعدا فأخطأ المأمون فقمت لأضربه، فقال: أيها الشيخ أتطيع الله قاعدا وتعصيه قائما فكتب بهذا إلى الرشيد فأمر لي بخمسة آلاف درهم.
وحكي أنه بدر من أبي عمر الصباغ إلى الصاحب جفاء وكان مؤدبه، فقام من عنده وكتب إليه:
أودعتني العلم فلا تجهل ... كم مقول يجني على مقتل
وأنت إن علمتني سوقة ... والسيف لا يبقي على الصّيقل
فاتصل ذلك بأبي الحسين بن سعد فتعجب منه وكتبه وقال: ابن ثمانين يكتب شعر ابن عشر ثم تلا: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
«٣» .
стр. 75
أمارة نجابة «١» الصبيان
قيل لأعرابي: ما أمارة النجابة في صبيانكم؟ قال: إذا كان أعنق «٢» أشدق أحمق.
فأقرب به من السودد «٣» .
وقال الزبرقان: أكيس صبياننا العريض الورك السبط «٤» الغرّة، الطويل الغرلة «٥» ، الأبله العقول.
وقال بزرجمهر لكسرى، وعنده أولاده: أي أولادك أحب إليك؟ قال أرغبهم في الأدب، وأجزعهم من العار وأنظرهم إلى الطبقة التي فوقه.
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: عرامة الصبيّ في صغره زيادة في عقله إذا كبر.
وقال معاوية: طيّروا الدم في وجوه الصبيان، فإن بدا في وجوههم الحياء وإلا فلا تطمعوا فيهم.
صبيّ استدلّ بعقله على كبر همّته
قيل: أول ما عرف من سودد خالد القسري أنّه مرّ في بعض طرق دمشق راكبا، وله عشر سنين فوطىء فرسه صبيا فوقف عليه فرآه لا يتحرك فانتهى إلى أول مجلس مرّ به، فقال: إن حدث بهذا الغلام حدث فأنا صاحب الجناية ولم أعلم.
ومرّ عمر ﵁ بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير ﵁، فعدا الصبيان ووقف عبد الله فقال له عمر: ما لك لا تذهب مع الصبيان؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أجن إليك فأخافك، ولم يكن في الطريق ضيق فأوسعه لك. فقال عمر: أي شيطان يكون هذا؟
وكان عبد الملك صغيرا فأربى عليه صبيّ فضربه، فقيل له: لو شكوته إلى عمّك لانتقم منه. فقال: أنا لا أعدّ انتقام غيري انتقاما. وقال السري الرفاء يصف غلاما بعلو الهمة:
لا تعجبنّ من علوّ همّته ... وسنّه في أوان منشاها
إنّ النّجوم التي تضيء لنا ... أصغرها في العيون أعلاها
من تكلّم عند الخلفاء وهو صغير فارتفع بذلك شأنه
أوفد أبو موسى الأشعري زيادا على عمر ﵁، وكان يكتب له، وهو حين
стр. 76
بلغ. فلمّا جاء وجده من الكيس بمحل. فقال له عمر: اعتزل عملك. فقال زياد: أعن خيانة؟ قال: لا، ولكني أكره أن أحمّل الناس فضل عقلك ومنطقك. قال: إذا لا أبالي.
دخل محمد بن عبد الملك ابن صالح على المأمون حين قبض على ضياعهم وهو صبي أمرد «١» ، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. قال: من أنت؟ قال: سليل نعمتك وابن دولتك وغصن من أغصان دوحتك، أتأذن لي بالكلام؟ قال: نعم. فتكلم بكلام حسن فقضى حاجته.
نظر المأمون إلى الحسن بن رجاء وهو صبي في ديوانه، فقال: من أنت؟ قال:
الناشىء في دولتك المتقلّب في نعمتك وتخريج أدبك الحسن بن رجاء. فقال المأمون:
بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول وأمر برفعه عن محلّه.
وفي بعض كتب الفرس أن كسرى أراد كاتبا لأمر أعجله فلم يوجد غير غلام صغير يصحب الكتاب فدعاه، فقال: ما اسمك؟ قال: مهر ماه. قال: اكتب ما أملى عليك فكتب قائما أحسن من غيره قاعدا. ثم قال له: اكتب في هذا الكتاب من تلقاء نفسك ففعل وضمّ إلى الكتاب رقعة فيها: إن الحرمة التي أوصلتني إلى سيدنا لو وكلت فيها إلى نفسي لقصرت أن أبلغ إليها فإن رأى أن لا يحطّني إلى ما هو دونها فعل. فقال كسرى: أحب مهر ماه أن لا يدع في نفسه لهفة يتلهف عليها بعد إمكان الفرصة. وقد أمرنا له بما سأل.
وذكر أن عمرو بن عتبة أعتق غلاما له فقام إليه وصيف له فقال: اذكرني ذكرك الله فاستصغره فقال ويلك أنك لم تخرف بعد. فقال: إن النخلة قد تجتنى زهوا قبل أن تصيرمعوا. قال: قاتلك الله قد استعتقت قد وهبتك لواهبك لي.
وصف بلادة الصبيان في التعلّم
كان معلّم يضرب صبيّا، فقيل له: لم تضربه؟ فقال أنه يترك الصواب الهيّن ويأتي الخطأ الصعب، فإذا هو يقرأ: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
«٢» ويقرأ: فيؤخذ بالنواهض «٣» والأقدام.
وحكي أن مؤدبا ادّعى أنه علّم صبيا النحو والفرائض، فامتحنه أبوه فقال له: كيف تقول ضرب زيد عمرا؟ قال: كما تقول فقال له: فما إعرابهما؟ قال زيد رفع بفعله وما بقي فللعصبة.
وأمر آخر معلما أن يعلمه الفرائض فامتحنه يوما، فقال له: ما تقول في رجل مات وخلف ابنتين وابنا، فقال: أما الابن فيسقط، فقال: نعم إذا كان مثلك.
стр. 77
وسلّم أشعب في البزازين فقيل له بعد سنة إلى أين بلغت في معرفة البز، قال:
أحسنت النشر وأرجو أن أتعلم الطي.
(٦) ومما جاء في البلاغة وما يضادها
ما حدّ به البلاغة
قيل: البلاغة ما اجتيازه فساده. وقيل: الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطل. وسئل آخر فقال: أن لا تخطىء ولا تطىء.
وسأل المأمون الحسن بن سهل عن ذلك، فقال: ما فهمته العامة ورضيته الخاصّة.
وسئل عنه بعض اليونانيين، فقال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام. وسئل حكيم عن البليغ، فقال: ما إذا أخذ شبرا كفاه، وإن أخذ طومارا «١» ملاه.
ما حدّ به الإيجاز ووصفه
سئل بعضهم فقال: اللمحة «٢» الدالة قال جعفر بن يحيى البرمكي: إن استطعتم أن تكون كتبكم توقيعات، فافعلوا.
ووقّع محمد بن طاهر أيام الفتنة إلى الكتاب: لتدقق الأقلام ويختصر الكلام.
فالقراطيس «٣» لا ترام.
وقيل: من أطال الحديث فقد عرض أصحابه للسآمة «٤» وسوء الاستماع. وقيل:- الكلام إذا طال اختلّ وإذا اختلّ اعتلّ، وقال منصور الفقيه:
ولا تكثرن فخير الكلام القليل الحروف الكثير المعاني وقيل: خير الكلام ما قلّ ودلّ ولم يطل فيملّ.
كلمات موجزة
ذكر ذلك يطول، ولكن لا بدّ من ذكر أحرف تكون أمثلة.
سئل جعفر بن يحيى عن أوجز كلام فقال: قول سليمان ﵇ إلى ملكة سبا أنه من سليمان، وأنه بسم الله الرحمن الرحيم، أن لا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين، فجمع في ثلاثة أحرف العنوان والكتاب والحاجة وإظهار الدين وعرض الرشاد إلى المكتوب إليهم.
стр. 78
وكتب المعتصم إلى ملك الروم جوابا عن كتاب تهدّده فيه: الجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار، والسلام.
وأمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب كتاب عناية موجزة فكتب: كتابي كتاب واثق بمن كتب إليه، معتنى بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصله.
الإيجاز والإطناب «١» في محلّيهما
قيل لأبي عمرو بن العلاء: لم كانت العرب تطيل؟ قال: ليسمع منها. قيل: فلم توجز؟ قال: ليحفظ عنها. وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
يرومون بالخطب الطّوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرّقباء
وقال ابن قدامة: البلاغة ثلاثة مذاهب: المساواة، وهي مطابقة اللفظ والمعنى لا زائدا ولا ناقصا. والإشارة وهي أن يكون اللفظ كاللمحة الدالّة والتذييل وهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، ليظهر لمن لم يفهمه، ويتأكد عند من فهمه. وقال شاعر:
يكفي قليل كلامه وكثيره ... ثبت إذا طال النّضال مصيب
وأمر يحيى بن خالد كاتبين أن يكتبا في معنى، فأوجز أحدهما وأطال الآخر، فقال للموجز، لمّا نظر في كتابه: لم أجد موضع مزيد. وقال للمطيل: لم أجد موضع نقصان.
وقال جعفر بن يحيى: إذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار هذرا «٢» ، وإذا كان التطويل واجبا كان التقصير عجزا «٣» .
استقباح إعادة الحديث
قيل: الحديث الرجيع «٤» كالحدث والرجيع. وقيل: إذا أعيد الحديث ذهب ضوؤه ورونقه. قال ابن السماك لجارية له تصغي إلى كلامه: كيف تجدين كلامي؟ قالت: ما أحسنه إلا أنك تكثر ترداده قال إنما أردده ليفهمه من لم يفهمه قالت إلى أن يفهمه من لم يفهمه ملّه من قد فهمه. وقيل لرجل يعيد كلاما لغبي: قد ثقل كلامك على الذكيّ قبل حصوله في قلب الغبي.
ذمّ إطالة الحديث:
قيل: من أطال حديثه فقد عرض أصحابه للسآمة»
وطول الاستماع.
стр. 79
وقال سقراط لرجل: أنساني أول كلامك بعد العهد بآخره، وفارق آخره فهمي لتفاوته. وخطب رجل خطبة نكاح «١» فأخذ يطيل فقام بعض الحاضرين فقال: إذا فرغ الخطيب فبارك الله لكم، فإني على شغل.
الموصوف بالفصاحة
سمع إعرابي الحسن يتكلم، فقال: هو فصيح إذا لفظ، نصيح إذا وعظ. وقال:
ملقّن ملهم فيما يحاوله ... جمّ خواطره جوّاب آفاق
وقيل: انتهت الفصاحة إلى أربع: عليّ وابن عباس وعائشة ومعاوية ﵃.
قال الشعبي: ما رأيت أحدا يتكلم فيحسن إلا أحببت أن يسكت إلا زيادا فإنّه لم يخرج قط من حسن إلا إلى ما هو أحسن منه.
وقال يحيى بن زياد: فلان أخذ بزمام الكلام فقاده أحسن مقاد «٢» وساقه أحسن مساق فاسترجع به القلوب النافرة واستصرف له الأبصار الطامحة. وقيل: كلام كنظم الجمان «٣» وروض الجنان فكأنه من كل قلب ينظم.
وقال أبو تمام:
من السحر الحلال لمجتنيه ... ولم أر قبله سحرا حلالا
وقالت الخنساء «٤» :
كأن كلام النّاس جمّع حوله ... فأطلق في إحسانه يتخيّر
فضيلة اللسان
قال العباس ﵁ للنبي ﷺ : فيم الجمال؟ قال: في اللسان، وقيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة.
وذكره بعضهم فقال: لله درّه من عضو ما أصغره وأكثر ضرّه ونفعه.
وقيل: مروءتان ظاهرتان الفصاحة والرياش «٥» .
موصوف لسانه بالصرامة
قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت ﵁ ما بقي من لسانك فضرب به أرنبته وقال
стр. 80
والله لو وضعته على شعر لحلقه أو على صخر لفلقه قال الله تعالى: سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
«١» ، ووصف أعرابي رجلا فقال: أدقّ من ورقة وألين من سرقة.
قال الغساني:
له بين فكّيه لسان كأنّه ... حسام دقيق الشفرتين عتيق
وقال آخر:
وللسّيف أشوى وقعة من لسانيا «٢»
وقال آخر:
وحسبت أنّ لسانه من عضبه
وصف كلام بالسلاسة
«٣» قيل: لو كان الكلام طعاما لكان هذا إداما كلام يقطر عسله هذا. والله نثر نغم أحسن من نثر نغم، كلام كالوبل في المحل.
وتكلّم المأمون بكلام حسن في مسألة ثم قال لبعض ندمائه: كيف كان الكلام في هذه المسألة؟ قال: كان والله كغيث وقع على أرض عطشة. فقال: جوابك هذا أحلى لدي من الأمن بعد الخوف.
وقال المتنبّي:
إذا ما صافح الأسماع يوما ... تبسّمت الضمائر والقلوب
قال ابن المقفع: ما زالت ينابيع حكمه تترقرق في معابر الآذان حتّى ملأت القلوب عقولا. اللفظ الحسن إحدى النفاثات في العقد.
وقيل في وصف كلام: إنه يحطّ الجندل «٤» ويثقب الخردل «٥» ، وأنه لدون السحر وفوق الشعر.
لفظ ساعد المعنى في الجودة
مدح أعرابي رجلا فقال: كان ألفاظه قوالب لمعانيه.
قال الشاعر:
تزين معانيه ألفاظه ... وألفاظه زائنات المعاني
وقيل: خير الكلام ما كان لفظه بكرا ومعناه فحلا.
وقال شاعر:
نرى حلل البيان منشرات ... تخير وسطها صور المعاني
стр. 81
مدح كلام وسط
خير الكلام ما لا يكون عاميا سوقيا ولا عربيا وحشيّا. وقيل: الإيغال «١» في البلاغة معجزة، والخروج عن كلام أهل الزمان هجنة.
قال أبو الأسود الدؤلي لابنه: يا بنيّ إذا كنت في قوم فلا تتكلّم بكلام من لم يبلغه سنّك فيستثقلوك، ولا بكلام من هو دونك فيستحقروك.
مفاضلة الرواية والبديهة
قال معاوية لعمرو بن العاص: أنا آدب منك، فقال: أنت للرويّة وأنا للبديهة وبينهما بون «٢» .
وقال ابن الرومي:
نار الرويّة نار غير منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضّلها قوم لعاجلها ... لكنّه عاجل يمضي مع الرّيح
فضل البديهة وما يحاضر به
قيل: خير الفقه ما حضرت به، ولا خير في علم لا يعبر معك الوادي ولا يعمر بك النادي. وقال الحطيئة:
فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول دوره شهرا
وقال المتنبي:
أبلغ ما يطلب النجاح به الطب ... ع وعند التعمّق الزلل
النهي عن التشادق والتقعّر وذمّهما
قال النبي ﷺ : إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون «٣» المتشدّقون «٤» . وقال: ﷺ إياك والتشادق.
وقال بشر بن المعتمر «٥» إيّاك والتقعر «٦» فإنّه يسلمك إلى التعقيد، فيستهلك معانيك، ويمنعك من مراميك.
وقال تشقيق البيان من شقاشق الشيطان.
وقال النبي ﷺ شعبتان من النفاق البذاء «٧» والبيان، وشعبتان من الإيمان: الحياء والعيّ «٨» ،
стр. 82
وهذا إنما هو لمن جاوز المقدار أو قصّر عنه وكفاك ما قال النبي ﷺ إن الله يبغض البليغ يتخلّل بلسانه تخلل البقرة بلسانها.
وأنشد العجّاج:
أمسى الغواني معرضات صددا
وأعرابي حاضر فقال: تنحّ عن سننه، وإلا تسقط منه كلمة فتشدخك «١» ، وما أجود ما قال ابن أبي طاهر:
إن خير الكلام ما ليس فيه ... عند من يفهم الكلام كلام
ذمّ عييّ متقعّر
قيل: أعيا العيّ بلاغة بعي. وقال محمد بن وهيب:
تشبهت بالأعراب أهل التعجرف ... فدلّ على مثواك قبح التكلّف
لسان عرابيّ إذا ما صرفته ... إلى لغة الإعراب لم يتصرّف
وقال أبو الأسود لابن صديق له: ما فعلت امرأة فلان التي كانت تساره وتضاره وتماره «٢» فقال: طلقها فتزوج بها فلان فخطيت وبظيت فقال أبو الأسود: ما معنى بظيت فقال: كلام لم تدر من أي بيض خرج وفي أي عش درج فقال: إن ما لا أعرفه فاخبأه كما تخبأ الهرة خرءها.
من ارتكب أمرا طلبا للسجع
خرج عبادة إلى عبادان فقيل: ما الذي جاء بك؟ فقال: لا جمع بين عبادة وعبادان.
وكان علي بن رستم خرج إلى بغداد وأسلم فكتب إلى أهله: كتابي إليكم من مدينة السلام عن سلامة وإسلام فقال: أخوه ما خرج أخي وأسلم إلا طلب أن يكتب هذه المسجعة «٣» .
ما حدّ به العيّ وذمّه
قال أكثم العي أن تتكلم بفوقما تقتضيه حاجتك، وقيل: العي معنى قليل يحويه لفظ كثير، وقيل: العي داء دواؤه الخرس، وقيل: لاعي «٤» ولا شلل، وتكلم رجل عند معاوية وكان ذا عيّ فقال عمر: وسكوت الألكن «٥» نعمة فقال معاوية: وكلام الأحمق نقمة، وقال النمر بن تولب «٦» :
أعذني ربّ من حصر وعيّ ... ومن نفس أعالجها علاجا
стр. 83
الآفات المعترضة للسان من العيّ
اللثغة تغيير في القاف والسين واللام والراء، والتمتمة التتعتع «١» في التاء، والفأفاة في الفاء، واللفف إدخال حرف في حرف وإياه عني الشاعر بقوله:
كأن فيه لففا إذا نطق
والتلجلج «٢» يقارب ذلك والحبسة ثقل في الكلام والعقلة اعتقال اللسان والحكلة نقصان آلة النطق حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال وأصله في الفحل إذا عجز عن الضراب «٣» ، وقيل: لا يصفو كلام من يكون منزوع الثنيتين.
ما يعرض في بعض اللغات من العيّ
كشكشكة تميم وهو قلب كاف المؤنث شيئا نحو، فعيناش عيناها وجيدش جيدها، وكسكسة بكر وهي قلبها، سينا وعنعنة تميم كقوله: ظننت عنك ذاهب والعجرفة جفاء في الكلام، واللخلخانية تعرض في أعراب الشجر وعمان والطمطمانية لغة في حمير كقولهم طاب امهواء، أي طاب الهواء.
استعمال كلّ كلام مع الجنس المخصوص به
قيل: الكلام بذلة ومدخر فمن تكلم وقت البذلة بالمدخر أتعب نفسه، ومن تكلم وقت المدخر بالبذل هجن نفسه.
من خاطب عاميّا بتفاصح وتذلق
اشترى رجل من أصحاب يعقوب الكندي جارية فاغتاظت عليه، فشكاها إلى يعقوب، فقال: جئني بها لأعظها. فجاء بها إليه فقال: يا لعوبة ما هذه الاختيارات الدالات على الجهالات؟ أما علمت أن فرط الاعتياصات «٤» من الموبقات «٥» على طالبي المودّات، الباذلين الكرائم المصونات موذنات بعدم المعقولات؟ فقالت الجارية: أما علمت أن هذه العثنونات «٦» المنشرات على صدور أهل الركاكات، محتاجات إلى المواسي الحالقات؟ فقال يعقوب: لله درّها فلقد قسّمت الكلام تقسيما فلسفيا، فاشدد يديك بها. فلم يستوحش من سفاهتها لما أوردت الكلام مسجّعا موزونا. وقال نحوي لصاحب بطيخ: بكم تانك البطيختان اللتان بجنبهما السفر جلتان، ودونهما الرمانتان، فقال: بضربتان وصفعتان ولكمتان، فبأيّ آلاء ربّكما تكذبان.
стр. 84
وصار أبو علقمة إلى كواز فقال: أعندك جرّة لا فقداء ولا دناء ولا مغربلة الجوانب، خضرة نضرة قد مسّها النار، إن نقرت عليها طنّت، وإن أصابتها ريح غنّت، ولكن بدرهم.
فقال الكواز: دعني من شتمك يا ماصّ بظر أمّه.
الأحوال الدّالة على العيّ
من العي البهرة، وفتل الأصابع، ومسّ اللحية، ولذلك قال:
مليء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع
وقال ابن المقفع: من علامة العيّ النكث في الأرض، والإطراق من غير فكرة.
المحتبس في كلامه
قال الشاعر:
كأنّ في فيه لقمة عقلت ... لسانه فالتوى على حنق
محرّك رأسه توهّمه ... قد قام من عطسة على شرق
وقال آخر:
كأنّ فيه لففا إذا نطق ... من طول تحبيس وهمّ وأرق
وقال آخر:
ديافيه قلف كأنّ خطيبهم ... سراة الضّحى في سلحه يتمطّق
ويقال: هو عياياء طباقاء.
اعتذار محتبس في كلامه
قال بعضهم: نحن حيّ فعال ولسنا بحيّ مقال. ونحن بأدنى مقالنا عند أحسن فعالهم.
وقال بعض وفد خراسان: إنا ببلاد نأت عن العرب، شغلتنا الحرب عن الخطب.
واعتذر رجل لحبسة فقال: يعزب البيان ويعتقم الصواب وإنما اللسان مضغة من الإنسان يفتر بفتوره إذا نكل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل.
وقيل لأعرابي: أين فصاحتك؟ فقال: لحقت بمواطنها بنجد.
وقال شاعر:
ارفق بعبدك إنّ فيه بلادة ... جبلية ولك العراق وماؤه
المقام الذي لا يستنكف فيه من العيّ والحصر
سئل ابن داود: متى يكون البليغ عييا؟ فقال: إذا سأل عما يتمنّاه وشكا حبّه إلى من يهواه، ثم أنشد:
بليغ إذا يشكو إلى غيره الهوى ... وإن هو لاقاه فغير بليغ
стр. 85
وقال بعضهم: موطنان لا آنف من الحصر فيهما، إذا شكوت إلى محبوبي عشقي، وإذا سألت حاجة لنفسي.
المحسن في كلامه ابتداء والمسيء انتهاء
تكلّم ابن ثوابة ثم غلط في آخره فقال أبو العيناء: ترفعت حتى خفتك ثم تخفّضت حتى عفتك.
وتكلم رجل فأحسن ثم أعاد فأساء، فقال له أعرابي أنك تسترجع محاسنك.
وصف كلام غير مفهوم
قال الله تعالى:- حكاية عن فرعون- أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ
«١» .
قال الشاعر:
قلت لمّا بدا يجمجم في القو ... ل ويهذي كأنّه مجنون»
أنت حقا شبيه ما ذكر الله ... مهين ولا يكاد يبين
وقال محمد بن صالح:
يهوي إليّ بأقوال يلفّقها ... فلا أعي منه شيئا وهو يسمعني «٣»
يلقى صداي صفير الطير من فمه ... مخاطبا وهو إنسان يكلّمني
المستقبح إنشاده
قال عبد الله بن معاوية:
يزين الشعر أفواه إذا نطقت ... بالشعر يوما وقد يزرى بأفواه «٤»
وقال أبو خليفة:
كأنّ الشعر من فيه إذا تمّت ... قوافيه كنيف قد خرى فيه
ذمّ من يطول سكوته عيّا
قال الشاعر:
يا صنما في الصّمت لا في الحسن
ووصف رجل آخر فقال: يصلح لصدور المجالس، ونظم المحافل ما لم يكن كلام.
كلمات لأهل العيّ
قال الحجّاج لأبي الجهمة النخّاس: أتعيب الدواب المعيية من جند السلطان؟ فقال:
стр. 86
شركتنا في هوازها وشركتنا في مدانيها وكما يجىء يكون.
قال الجاحظ: طلبت بعض أصدقائي في داره فلم أجده فقلت لجاريته: إذا حضر صاحبك فقولي له: إن الجاحظ كان بالباب. قالت: نعم الجاحد «١» بالباب، قلت: قولي الحدقيّ «٢» قالت: نعم الحلقيّ، فقلت: عليك بالأول.
المتكلّم بكلام غير متّسق
دق رجلان على باب نحوي فقيل: من؟ فقال أحدهما: أنا الذي اشترى عبد الله كلم الآجر. وقال الآخر: أنا الذي أبو يعقوب الجصاص عقد طاق باب هذه الدار. فقال صاحب الدار: انصرفا فما أرى لكلاميكما صلة.
وقال رقبة بن مصقلة: ما أعجزني شيء كما أعجزني رجل قام إليّ يوما وقد دخلت المسجد، فقال: إني رأيتك فشبهتك بي فأعجبني ذلك لك وأنا فيه متفكر بعد ولا أدري ما معنى كلامه.
من جارى غيره فلحن فأجابه بمقتضى كلامه
قال رجل لأعرابي: كيف أهلك؟ قال صلبا، أراد كيف أهلك؟
وقال الوليد لرجل: من ختنك؟ قال: الحجّام. فضحك القوم وخجل الوليد، وإنما أراد أن يقول من ختنك؟
ومرّ رجل بدار ميت فقال من المتوفّي؟ فقال له رجل: الله فقال له: يا كافر الله يموت؟ فقال: لعلك تريد المتوفّى.
من سئل عن نحو فأجاب بمقتضى اللغة
قيل لرجل: هل ينصرف إسماعيل؟ قال: نعم إذا صلى العشاء فما قعوده؟ وتعرّض بعضهم للطائي حين أنشد:
وهنّ عوادي يوسف وصواحبه
فقال: إن يوسف لا ينصرف فقال: اصفعه حتى ينصرف. وقال نحوي لأعرابي قال أعجبني القصر، بم يرفع القصر؟ فقال: بالآجر والجصّ، وقيل لأعرابي أتجرّ فلسطين فقال إني إذا لقوي فقيل أتهمز إسرائيل؟ فقال إني إذا رجل سوء. وقيل: أتهمز الفأرة؟
فقال الهرة تهمزها.
وحكي أن جماعة عند محمد بن بحر اختلفوا في بناء سراويل، فدخل البرقي فقال فيم كنتم؟ فقالوا: في بناء سراويل فما عندك فيه؟ قال مثل ذراع البكر أو أشدّ.
وحكي أن أبا سعيد السيرافي سأل أبا الحسن الموسوي وهو صغير: إذا قلت رأيت عمرا فما علامة النصب فيه؟ فقال بغضه لأمير المؤمنين عليّ ﵁.
стр. 87
من أنكر لحنا بنادرة
مرّ رجل بأديب فقال: كيف طريق البغداد؟ قال بالحذاء. ثم مرّ به آخر، فقال له:
كيف طريق كوفة، فقال: من ههنا وبادر فمع ذلك المار ألف ولام تحتاج إليهما وهو مستغن عنهما فخذهما منه. وقال رجل لأبي العيناء أتامر بشيأ فقال نعم بتقوى الله وحذف الألف من شيأ. وكان رجل يسقي صديقا له صرفا «١» ويغني له:
يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة ما بين الأنف والعين سالم
فقال: أحب أن تجعل ماك من البيت في القدح.
من اعتذر عن لحنه «٢» بعذر مستملح «٣»
قصد رجل الحجّاج فأنشده:
أبا هشام ببابك ... قد شمّ ريح كبابك
فقال: ويحك لم نصبت أبا هشام فقال الكنية كنيتي إن شئت رفعتها وإن شئت نصبتها. وكتب محمد الأمين، فيما أظن على ظهر كتاب:
عشقت ظبيا رقيقا ... في دار يحيى بن خاقا
وكتب تحته: اردت خاقان وخاقان مولى لي، إن شئت أثبت نونه وإن شئت أسقطته. وقال رجل لآخر ما اشتريت؟ قال: عسل. فقال: هل لا زدت في عسلك ألف، فقال: وأنت هلا زدت في ألفك ألفا «٤» .
من أنكر لحنا بطبعه
سمع أعرابي مؤذنا يقول: أشهد أنّ محمدا رسول الله بالنصب، فقال: الأعرابي فعل ماذا؟ فهذا علم بطبعه أنه لم يأت بخبر أنّ.
وسمع رجل آخر يقرأ وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر بفتح الكاف والفاء فقال: لا يكون هذا فقالوا: كفر، فقال: أما هذا فنعم.
المتأذّى بلحنه
قدم رجل على زياد فقال: إن أبونا مات، وأخينا وثب على مال أبانا فضيّعه. فقال زياد: الذي ضيّعته من لسانك أضر عليك مما ضيعه أخوك من مالك.
стр. 88
ومرّ عثمان ﵁ برماة يسيؤن الرمي، فقال: ما أسوأ رميكم فقال بعضهم: نحن متعلمين. فقال كلامكم أسوأ من رميكم.
ودخل الخليل على مريض نحوي وعنده أخ له فقال للمريض: افتح عيناك وحرّك شفتاك إن أبو محمد جالسا. فقال الخليل: أرى أن أكثر علة أخيك من كلامك. وسمع الأعمش إنسانا يلحن فقال: من هذا الذي يتكلم وقلبي منه يتألم.
المتفادي في كلام الكبار عن كلام فيه إيهام
دخل سعيد بن مرة على معاوية فقال له: من أنت؟ فقال: أنت سعيد، وأنا ابن مرة.
وقال السفاح للسيد الحميري: أنت السيّد؟ قال أنا ابن أبي وأمير المؤمنين هو السيّد.
وسأل رسول الله ﷺ قيس بن سعد: أنت أكبر أم أنا؟ فقال: رسول الله أعزّ وأكبر وأنا أقدم منه في المولد. وقال عمرو بن عثمان لطويس: أيّنا أسنّ؟ قال: لقد شهدت زفاف أمّك المباركة على أبيك الطيّب، فلم يجعل الطّيب صفة للام تفاديا من سوء ظنّ فيه.
وفي ضدّ ذلك
ما روي أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لرجل: أتبيع هذا الثوب؟ فقال: لا عافاك الله. فقال: لقد علمتم لو تعلمون قل: لا، وعافاك الله.
وتكلّم بعض أهل زماننا عند الصاحب فسأله عن شيء فقال: لا أطال الله بقاءك فقال: قل لا، وأطال الله بقاءك فقال: بعضهم ما رأينا واوا أحسن موقعا من واوك.
(٧) ومما جاء في مفاضلة النطق والسكوت والمقال والسماع
تفضيل النطق على السكوت
قيل لزيد بن عليّ: الصمت خير من الكلام، فقال: لعن الله المساكتة فما أفسدها للسان وأجلبها للحصر، والله المماراة «١» أسرع في هدم العيّ من النار إلى يبيس العرفج «٢» .
واختصم رجلان إلى سعيد بن المسيب في النطق والصمت فقال: بماذا أبين لكما ذلك؟ فقالا بالبيان فقال: إذا الفضل له. وقيل لبعضهم: الصمت مفتاح السلامة، فقال ولكنّه قفل الفهم.
قال الشاعر:
خلق اللسان لنطقه وبيانه ... لا للسكوت وذاك حظّ الأخرس
стр. 89
فإذا جلست فكن مجيبا سائلا ... إنّ الكلام يزين ربّ المجلس
الحثّ على الإكثار من الكلام
قال حكيم: لولا سوء العادة لأمرت فتياني أن يماري بعضهم بعضا. وقال العتابي:
أقدر الناس على الكلام من عوّد لسانه الركض في ميادين الألفاظ. طول الصمت حبسة «١» وترك الحركة عقلة.
وقال أبو عطاء:
أقلّبه كيلا يكلّ بحبسة ... وأبعثه في كلّ حقّ وباطل
تفضيل الصمت
قال النبي ﷺ : رحم الله عبدا صمت فسلم، أو قال خيرا فغنم، فجعل الصمت أفضل لأن السلامة أصل والغنيمة فرع.
قال الشاعر:
أقلل كلامك واستعذ من شرّه ... إنّ البلاء ببعضه مقرون «٢»
وقال آخر:
مت بداء الصّمت خير ... لك من داء الكلام
تفضيل كل واحد منهما في أوانهما والتمدّح بهما
قيل لبعضهم: السكوت أفضل أم النطق؟ فقال: السكوت حتّى يحتاج إلى النطق، فإذا احتيج إلى النطق فالسكوت حرام.
وقيل ليونس بن حبيب «٣» : السكوت أفضل أم الكلام؟ فقال: السكوت عن الخنا أفضل من الكلام بالخطأ، وقيل: الضراط في أوانه خير من الكلام في غير زمانه.
قال الشاعر:
والصمت أزين بالفتى ... من منطق في غير حينه «٤»
وقيل: ربما كان الصمت أبلغ من الإبلاغ في النطق مع عدم إصابة الفرصة.
قال ابن الرومي:
ناهيك من صمت بلا عيّ به ... وكذاك من لسن بغير سفاه «٥»
стр. 90
ملكت سكينته عليه أمره ... فكأنه ساه وليس بساه
وقال ابن علقمة:
صموت في المجالس غير عيّ ... جدير حين ينطق بالصّواب
ذمّ الإكثار من الكلام
قيل: من أكثر أهجر. المكثار كحاطب الليل، من أطلق لسانه بكل ما يحبّ كان أكثر مقامه حيث لا يحبّ.
وقال الجريمي:
وخير حال الفتى في القول أقصدها ... بين السبيلين لا عيّ ولا هذر
وقال أياس لخالد بن صفوان: لا ينبغي أن نجتمع في منزلك لأنّك تحبّ أن لا تسكت، وأنا أحبّ أن لا أسمع.
الحثّ على ترك فضول الكلام
قال النبي ﷺ : رحم الله من أمسك الفضل من قوله.
قال عبد الله بن الحسين لابنه: استعن على الكلام بطول الفكر، في المواطن «١» التي تدعو نفسك إلى الكلام، فإن للقول ساعات يضرّ خطؤها، ولا ينفع صوابها، وقيل: من حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه.
وقال عبد الله بن طاهر لبعض منادميه: يا هذا أما أقللت فضولك أو أقللت دخولك؟
وقيل: فضل النظر يدعو إلى فضل القول.
الحثّ على السكوت مطلقا
قيل: إن كانت العافية من مالك فسلّط السكوت على لسانك. الصمت داعية المحبّة، الصمت زين العاقل وستر الجاهل.
قال الشاعر:
لو كان من فضّة تكلّم ذي ... النطق لكان السكوت من ذهب
الحثّ على تدبّر الكلام قبل إيراده «٢»
قال الحسن: لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إليه فإن كان له تكلم به وإلا تركه، ولسان الجاهل قدام قلبه يتكلّم بما عرض له. وقيل: من لم يخف الكلام تكلّم ومن خافه تبكم.
قال الشاعر:
تأمّل فلا تستطيع ردّ مقالة ... إذا القول في زلّاته فارق الفما «٣»
стр. 91
وقال بعضهم: ذر الرأي الفطير، والكلام القضيب، فلا يطيب الخبز إلا بائتا.
التّحذير من جناية اللسان
سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النّار، فقال: الأجوفان البطن والفم. وقيل فيما روي عنه: وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.
وكان لقمان عبدا أسود لبعض أهل الأيلة فقال له مولاه: اذبح لنا شاة وائتنا بأطيب مضغة فأتاه باللسان. فقال له: اذبح لي أخرى وائتني بأخبث مضغة فأتاه باللسان، فقال له في ذلك، فقال: ما شيء أطيب منه إذا طاب، ولا أخبث منه إذا خبث.
وقيل: لم يستر من الجوارح «١» شيء كما ستر اللسان، فإنّ عليه طبقتين وسترين.
وقيل لحذيفة: لم أطلت سجن لسانك؟ فقال: لأنه غير مأمون الضرر إذا أطلق.
وروي عن أبي بكر ﵁، أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
قال الشاعر:
كم في المقابر من قتيل، لسانه ... كانت تهاب لقاءه الأقران
متكلّم بكلام أذى إلى هلاكه
بينما المنذر «٢» في بعض متصيّداته إذ وقف على رابية فقال بعض أصحابه: أبيت للعن لو أن رجلا ذبح على هذه الرابية إلى أيّ موضع عسى أن يسيل دمه؟ فقال: أنت والله المذبوح لننظر ذلك، وأمر به فذبح.
ومر ببهرام طائر بالليل فصاح فرماه بسهم فأصابه فقال: لو سكت الطائر لكان خيرا له.
التثبّت في الجواب والتسرّع فيه
سأل يهودي النبي ﷺ مسألة، فمكث ﵇ ساعة ثم أجابه عنها، فقال اليهودي: ولم توقفت فيما علمت؟ قال: توقيرا للحكمة.
وقيل: من إمارة الحكيم التروّي في الجواب بعد استيعاب الفهم.
وقيل: من علامة الحمق سرعة الجواب وطول التمنّي والاستغراب في الضحك.
وقال رجل لإياس ليس فيك عيب غير أنّك تعجل بالجواب، فقال: كم أصبع في يدك؟ فقال: الرجل خمس، فقال: لقد عجلت أيضا، فقال: هذا علم قد قبلته فقال إياس وأنا أعجل أيضا في ما قد قبلته علما.
الحثّ على حسن الاستماع، والممدوح به
قيل: تعلّم حسن الإستماع، كما تتعلم حسن المقال، ولا تقطع على أحد حديثا.
стр. 92
وقيل: استمع، فسوء الإستماع نفاق. وقيل للسائل: على السامع ثلاث أمور: جمع البال، وحسن الإستماع، والكتمان لما يقتضي الكتمان.
وقيل: أساء سمعا فأساء إجابة.
وقال فيلسوف لتلميذ له: أفهمت؟ قال: نعم. قال: كذبت لأن دليل الفهم السرور ولم أرك سررت.
وقيل: نشاط القائل على قدر فهم السامع.
وقيل: من سعادة القائل أن يكون المستمع إليه فهيما.
وقيل فلان في الاستماع ذو أذنين «١» وفي الجواب ذو لسانين «٢» .
قال الشاعر:
إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم ... وإن حدّثوا قالوا بحسن بيان
وقال رجل: أذني قمع لمن يحدّثني.
النّهي عن محادثة من ساء استماعه
قيل: من لم ينشط لاستماع حديثك ما رفع عنه مؤنة الإستماع. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: حدث الناس ما حدجوك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم إعراضا فأمسك.
وقيل: لا تطعم طعامك من لا يشتهيه. وقيل حدث حديثين امرأة فإن لم تسمع فأربع، أي كفّ.
الحثّ على إزدياد السّماع على المقال
سمع بقراط «٣» رجلا يكثر من الكلام، فقال له: إن الله تعالى جعل للإنسان لسانا واحدا وأذنين، ليسمع ضعف ما يقول.
تفضيل السماع على المقال
كان أعرابي يجالس الشعبي «٤» فأطال الصمت، فسأله عن ذلك، فقال: أسمع فأعلم، واسكت فأسلم.
وقيل لأعرابي: لم لا تتكلم؟ فقال: حظّ لسان الرجل لغيره وحظّ سمعه له. وقال محمد بن المنكدر: لأن أسمع أحبّ إليّ من أن أنطق، لأن المستمع يتّقي ويتوقّى.
стр. 93
الحثّ على التصامم عن الخنا والتمدّح به .
قال محمود الورّاق:
وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النّطق به
وقال أبو تمّام:
أذن صفوح ليس يفتح سمّها ... لدنيئة وأنامل لم تقفل «١»
وقال آخر:
فتى عزلت عنه الفواحش كلّها
وقال آخر:
عيّ عن الفحشاء أما لسانه ... فعفّ وأما طرفه فكليل «٢»
وقال الموسوي:
إذا العدوّ عصاني خاف حديدي ... وعرضه آمن من هاجرات فمي «٣»
وله أيضا:
ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ... ولا أنطق العوراء والقلب يعرب
(٨) ومما جاء في المذاكرة والمجادلة
فضل المذاكرة في العلوم
قال الله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«٤» وقال النبيّ: لقّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة.
وقال ابن المقفع: لا تخل قلبك من المذاكرة فيعود عقيما ولا تعف طبعك من المناظرة فيعود سقيما.
وقال الحسن ﵁: حادثوا هذه القلوب فإنّها سريعة الدّثور «٥» ، وقال المأمون: لا تتقد مصابيح الأذهان، إلا بصفو مواردها. وقيل: من أكثر مذاكرة العلماء، لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.
стр. 94
المستكثر بمناظرته الفائدة
قال رجل لآخر: مناظرة مثلك في الدّين فرض، والاستماع منك أدب، ومذاكرتك تلقيح للعقل.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما كلّمني أسديّ إلا تمنيت أن يمدّ في حجته لتكثر منه فائدتي.
الممدوح بإجادة المناظرة
مدح أعرابي رجلا فقال: يفتح ببيانه منغلق الحجّة، ويسدّ على خصمه واضح المحجّة. وقيل: أورد فلان ما لا ينكره الخصم، ولا يدفعه الوهم، وما رأيت أسكن نورا وأبعد غورا وآخذ بأذن حجة منه.
قال الشاعر:
إذا قال بذّ القائلين مقاله ... ويأخذ من أكفائه بالمخنق «١»
قال العجير:
من النّفر المدلين في كلّ حجّة ... بمستحصد من حوله الرأي محكم «٢»
وقال آخر:
يتقارضون إذا التقوا في مجلس ... نظرا يزلّ مواقع الأقدام
كان ذلك من قول الله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ
» .
وقال البحتري:
أحضرته حججا لو اجتلبت بها ... عصم الجبال لأقبلت تتنزّل
وقال أبو مسلم:
يجوب ضباب معاني الكلام ... بحذف الصّواب لدى المجمع
وقال بشر بن المعتمر «٤» لأبي الهذيل عند المأمون بعد مناظرة كانت بينهما: كيف رأيت وقع سهمي؟ فقال: حلوة كالشهد ولينة كالزبد فكيف ترى سهامنا؟ فقال: ما أحسنت بها قال: لأنها لاقت جمادا.
صعوبة الجدال
قال ابن الراوندي: ما التّصدي للحراب والقضاب ومبارزة الأبطال بأصعب من
стр. 95
التصدّي للجواب لمن أمّك بالسؤال، وقال: تحت كلّ «لم» «١» أسد ملم.
نظر يزل مواقع الأقدام
وسئل الشعبي عن مسألة فقال: زيادات وبر لا تنساب، ولا تنقاد لو نزلت بأصحاب محمد ﷺ لأعضلت.
الدافع باطل خصمه بحقّه
قيل: لا تدفع الباطل بالغلبة إذا أمكنك أن تدفعه بالحجّة.
وقال ابن عباس عجبا لمن يطلب أمرا بالغلبة، وهو يقدر عليه بالحجّة، فالحجّة دين يعقد به الطاعة، وسلطان الغلبة يزول بزوال القدرة.
وقال ثعلبة:
ولربّ خصم جاحدين ذوي شذا ... تقذى صدورهم بهتر هاتر «٢»
لقد ظأرتهم على ما ساءهم ... وخسأت باطلهم بحقّ ظاهر «٣»
وقال آخر:
ألا ربّ خصم ذي فنون علوته ... وإن كان ألوى يشبه الحقّ باطله
وهذا معنى قول العتابي «٤» : البلاغة تصوير الباطل في صورة الحقّ.
المشاغب من يشاغبه
قال أبو الأسود:
فشاغبته حتّى ارعوى وهو كاره ... وقد يرعوي ذو الشغب بعد التّحامل «٥»
فإنّك لم تعطف إلى الحقّ جائرا ... بمثل خصيم عاقل متجاهل
وقال آخر:
وما خصم الأقوام من ذي خصومة ... كمثل بصير عالم متجاهل
القائم في المناظرة مقام الغيب
وقال شاعر:
ومشهد قد كفيت الغائبين به ... في مجمع من نواصي النّاس مشهود «٦»
стр. 96
فرجته بلسان غير ملتبس ... عند الحفاظ وقلب غير مردود
وقال حسّان «١» :
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي حاجة في القول جدّا ولا هزلا
الموصوف بإنصاف النظّار لديه والسكون في مجلسه
قال أبو تمّام:
ثبت الخطاب إذا اصطكّت بمظلمة ... في رحله ألسن الأقوام والركب
لا المنطق اللخي يزكو في محافله ... يوما ولا حجّة الملهوف تستلب «٢»
وقال المتنبّي:
الفاصل الحكم عيّ الأوّلون به ... والمظهر الحقّ للساهي على الذهن «٣»
وكان أبو الشمر إذا ناظر لم يحرّك يديه ولا رأسه، ولا منكبيه حتّى كان كلامه يخرج من صدع صخرة.
وقال الأنصاري:
مجالسهم خفض الحديث وقولهم ... إذا ما قضوا في الأمر وحي المحاجر
وقال المتنبّي:
وإذا هو لا يستبّ خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزل
وهذا منقول من قول الآخر:
واستبّ بعدك يا كليب المجلس
المدفوع عن حجّة قويّة لا تعرف لغموضها
قال ابن الرومي:
غموض الحق حين تذبّ عنه ... يقلّل ناصر الحقّ المحقّ
يضلّ عن الدقيق عقول قوم ... فتحكم للمجلّ على المدقّ
وقيل ما دقّ من الكلام يعجز عنه كثير من الأنام، فينسب إلى الإحالة وإن كان في غاية الجلالة، ولذلك قال أبو تمّام:
فصرت أذلّ من معنى دقيق ... به فقر إلى فهم جليل «٤»
стр. 97
مدح الراجع إلى الحقّ في المناظرة
قال عمر ﵁: الرجوع إلى الحقّ خير من التمادي «١» في الباطل. وقيل:
المبطل مخصوم، وإن خصم والمحق فالج، وإن خصم.
وقال عمر ﵁ يوما: أيّها الناس ما هذه الصدقات التي أحدثتم لا يبلغني أن أحدا أتجاوز صداق النبي ﷺ إلا استرجعته منه فقامت إليه امرأة فقالت: ما جعل الله ذلك إليك يا ابن الخطاب، إن الله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً
، فقال عمر: أما تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت. ناضلت أميركم فنضلته.
وقال الشعبيّ: إنّي لأستحي أن أعرف الحق فلا أرجع إليه.
وقيل لم ير أذعن للحجة إذا لزمته من عمرو بن عبيد.
المستمرّ على خطأه وقد بان له الصواب
قال عمارة: أني لأمضي على الخطأ إذا أخطأت أهون عليّ من نقض وإبرام في مجلس واحد.
وقال بعضهم: نعم المركب اللجاج بعد الحجاج.
ذمّ من تشكّك في الضروريّات
قيل: من شكّ في المشاهدات فليس بتامّ العقل.
قال المتنبي:
وليس يصحّ في الأفهام شيء ... إذا احتاج النّهار إلى دليل «٢»
حكى المتكلّمون أنّ جماعة يلقّبون السوفسطائية، يقولون: لا نعرف لشيء حقيقة، ويقولون لمّا كان أحدنا يرى الشيء في رقدته فيتصور له بصورة ما يشاهده في يقظته، ونرى الصورة في الماء ثم لا حقيقة لها، لم يمتنع أن لا يكون لما نعاينه «٣» ونشاهده حقيقة. وذكر بعض العلماء أنه لم يكن قطّ على هذه الصفة أحد وأن السوفسطائية أنما هو شيء من توليدات المتكلمين ومنحولاتهم.
ذمّ القاصر عن المناظرة
قال الله تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
«٤» ، وقيل
стр. 98
لبعضهم: كيف رأيت فلانا في المناظرة؟ فقال: عييا غبيا، وقال ابن أبي الطاهر في المبرّد:
يفرّ من المناظر إن أتاه ... ويرمي من رماه من بعيد «١»
ونحوه، ما قيل: فلان إذا تباعد ضبح ضبوح الثعلب، وإذا حضر قبع قبوع القنفذ.
ذمّ المراء «٢» في المناظرة
روي في الحديث من تعلّم العلم لأربعة دخل النار ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء، أو يأخذ به من الأمراء، أو يستميل به وجوه الناس إليه.
قال ابن عباس لمعاوية ﵄ : هل لك في مناظرتي في ما زعمت؟ قال:
وما تصنع بذلك؟ فأشغب بك وتشغب بي فيبقى في قلبك ما لا ينفعك ويبقى في قلبي ما يضرّك.
وقيل: الناس رجلان: عالم فلا تماره، وجاهل فلا تجاره.
وقال زيد بن جندب:
ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم ... عن الجدال وأعناهم عن الشّغب
وقيل: إذا تشاجرت الخصوم طاشت الحلوم «٣» ونسيت العلوم.
وقيل: من ترك المراء فهم وعلم. وروي عن النبي ﷺ : ما ضلّ قوم بعد إذ هداهم الله إلا بالجدل، وقال سفيان: ما ابتدع قوم إلا أعطوا الجدل.
الحثّ على السؤال على غير التعنت
قيل: إذا جالست عالما فسل تفقّها لا تعنّتا.
وقال مسهر: سألت مالكا عن شيء، فقال: لا تسألني عمّا لا تريد فتنسى ما تريد.
وقال النبيّ ﷺ لرجل وقد أكثر من سؤاله تعنتا: اتركوني ما تركتكم. وقال ﵊: إن بني إسرائيل هلكوا بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.
النّهي عن المناظرة ما أمكن
قال ابن المقفع: لا تعرضنّ عقلك على النّاس، فإذا اضطرك أمر فكن كصاحب الشطرنج، بيني أمره على القائمة فإن وجد ضربة غريبة انتهزها، وإيّاك أن تبتدىء في مجلس لم تسبر عقول أصحابه، فبين العقول بون بعيد.
стр. 99
ذمّ الجلبة وخوض الكلّ في الكلام
قيل: لا يميل إلى الجلبة واللّجاج إلا من عجز عن الغلبة بالحجاج. وقال المأمون لهاشمي حضر مجلسه فناظره وشغب:
لا ترفعنّ صوتك يا عبد الصمت ... إنّ الصواب في الأسدّ لا الأشدّ «١»
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل كان يكثر الصياح والجلبة: اخفض الصوت فلو نيل خير برفع الصوت لأدركه الحمير والكلاب.
وكان أحمد بن الخصيب إذا ناظر شغب وجلب، وربّما رفس من يناظره، فقال فيه بعض المحدثين، يخاطب الخليفة المنتصر:
قل للخليفة يا ابن عمّ محمّد ... أشكل وزيرك إنّه ركّال «٢»
قد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله عند الصّدور مجال
وهذا يقارب ما روي أنّه شكا إلى المأمون من بعض قضاته، أنه يعضّ الخصوم، فوقّع ليشنق.
وأنشد الأصمعيّ:
حديث بني قرط إذا ما لقيتهم ... كنز والدّبا في العرفج المتقارب
وقال مسلم بن عبّاس:
كأنّ بني رالان إذ جاء جمعهم ... فراريج يلقى بينهنّ سويق
الحثّ على المخالفة ودفع الصواب بالخطأ
قالت إعرابية لابنها: إذا جلست مع القوم، فإن أحسنت أن تقول كما يقولون، وإلا فخالف تذكر ولو كان بتعليق أير حمار في عنقك. وقال أعرابي: إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علما، وقال بعضهم: خالف تذكر، فقالوا: إنما هو تنكر، فقال:
هذا أول الخلاف.
ذمّ مخالف ألدّ في كلّ صواب
قال الله تعالى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
«٣» وقال تعالى: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
«٤» وقال تعالى: فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
«٥» .
وقال الشاعر:
رقيع خصيم في الصّواب كأنّه ... برد على أهل الصّواب موكل
стр. 100
وقال ديمقراطس: عالم معاند خير من جاهل منصف، فقال تلميذه: الجاهل لا يكون منصفا، والعالم لا يكون معاندا.
وقيل: كثرة الخلاف حرب وكثرة الموافقة غشّ.
المستأذن في سؤال مسألة
قال ابن شبرمة لأياس بن معاوية: أتأذن لي في مسألة ألقيها إليك؟ فقال إياس:
استربت بك حين استأذنت، فإن كنت لا تسوء جليسا، ولا تشين «١» مسؤولا فهاتها.
وقال أبو العيناء: لعبيد الله: أسأل أم أسكت؟ فقال: إن سألت أفدت وإن سكت كفيت.
شروط المناظرة
اجتمع متكلّمان، فقال أحد هما: هل لك في المناظرة؟ فقال: على شرائط أن لا تغضب، ولا تعجب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلا، ولا تجوز لنفسك تأويل آية على مذهبك إلا جوزت إلى تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف وعلى أنّ كلامنا يبني مناظرته على أن الحقّ ضالته والرشد غايته.
وقال أبو يعقوب الخطابي لجلسائه: إنّما اجتمعتم للأدب لا بجوار ولا نسب، فوفوه حقّه ولا تثلبوا أحدا. فمن ثلب ثلب وإيّاكم والمراء في الأديان فإنها مفسدة بين الإخوان، ونقص عند أهل الزمان. وعليكم بالأصول، ولا تكثروا فتملوا واستريحوا إلى ما يوافق من الأدب، فإنه غض أبدا غير مملول، ولا تتجاوزوا في النّحو قدر الحاجة، فغاية الحاذق فيه معروفة.
وقيل: كان يعقوب الخطابي إذا جلس إليه أصحابه يقول: اعفونا من ثلاث وخوضوا بعد فيما شئتم: من ذكر السلف، وأن تقولوا فلان خير من فلان، ومن ذكر القدر.
مدح الجواب الحاضر «٢»
قال مسلمة بن عبد الملك: ما أوتي العبد بعد الإيمان بالله شيئا أحبّ إليّ من جواب حاضر، لأن الجواب إذا كان بعد نظر وتفكّر، لم يكن بشيء. ألم تسمع قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ
«٣» إلى قوله: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ
«٤» ، وقال عمرو ابن العاص: ما اتقيت جواب أحد من الناس غير جواب ابن عبّاس ﵁ ،
стр. 101
لبداهته. وقال الحجّاج: من لم يخف الجواب تكلّم، ومن خافه تبكّم.
قال الشاعر:
ما أحرّ الكلام يرحمك الله ... ولكنّ أحرّ منه الجواب
إضجاع القسيّ، والاعتماد عليها في الخطاب
وما جاء من الأجوبة الجيّدة فهي مذكورة في أمكنتها المختصّة بها. كانت العرب إذا اجتمعت للمناظرة والمفاخرة يضجعون قسيّهم ويعتمدون عليها.
وقال الحطيئة في مرثية:
أم من لخصم مضجعين قسيّهم ... ميل خدودهم عظام المفخر
وقال:
إذا اقتسم النّاس فضل الفخار ... أطلّنا على الأرض ميل العصا
(٩) ومما جاء في وصف الشعر والشعراء
الرخصة في نسج الشعر وإنشاده
قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: أهجهم وروح القدس معك. وقد مدحه غيره شاعر فحباه وأجازه «١» . وكان أبو بكر وعمر ﵄ شاعرين وعليّ ﵁ أشعر منهما، ولما قال الجعديّ فيه ﷺ :
بلغنا السما عن جدّنا وجدودنا ... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال له النبي ﷺ : إلى أين؟ فقال: إلى الجنّة يا رسول الله قال ﷺ : لافضّ فوك.
وروى أبو الغطريف الأسدي عن جدّه قال: عدنا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول: لا بأس بالشعر لمن أراد انتصافا من ظلم واستغناء من فقر، وشكرا على إحسان.
وعاب بعض النّاس الشعر عند ابن عبّاس، وكان قد قام إلى الصلاة فقال:
إن يصدق الطّير ننك لميسا
ثم قال عقيبه: الله أكبر ودخل في الصلاة. وقال أبو بكر ﵁ كنت عند النبي ﷺ وشاعر عنده ينشده، فقلت له: أشعر وقرآن؟ فقال هذا مرّة وهذا مرّة.
стр. 102
جواز إجازة الشّعراء
قال النبي ﷺ : إعطاء الشعراء من برّ الوالدين. وقال ﷺ في شاعر مدحه وعاتبه في بعض ما فعله: اقطعوا لسانه يعني بالعطية.
وأعطى الزهري شاعرا، فقيل له في ذلك، فقال: إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر.
وحرم الشعراء الحجّاج في أوّل مقدمه العراق، فكتب إليه عبد الملك: أجز الشعراء فإنهم يجتبون «١» مكارم الأخلاق ويحرضون «٢» على البرّ والسخاء.
قال الشاعر:
صونوا القريض فإنّه ... مثل المياسم في المواسم «٣»
الشعر جامعة المفا ... خر والمحاسن والمكارم
منفعة الشّعر
قال الحجّاج للمساور بن هند لم تقول الشعر، فقال: اسقي به الماء وارعى به الكلأ، وتقضى لي به الحاجة. وإن كفيتني تركته.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: الشعر يسكن به الغيظ، وتطفأ به النائرة، ويتبلغ القوم ويعطى به السائل.
وقال: نعم الهدية للرجل الشريف الأبيات يقدّمها بين يدي الحاجة يستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم.
وقال عبد الملك تعلّموا الشعر ففيه محاسن تبتغى ومساوىء تتقى.
وقال ابن الروميّ:
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما النّاس إلا أعظم نخرات
وقال أبو تمّام الطائيّ:
ولولا خلال سنّها الشعر ما درت ... بغاة العلا من أين تؤتى المكارم»
ذمّ نسجه والتكسّب به
قال الله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
«٥» ، وقال ﷺ : لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلىء شعرا. وقال ﷺ : شرّ الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه.
وقيل: لا تؤاخي شاعرا فإنه يمدحك بثمن، ويهجوك مجانا. وسئل بعضهم عن حوك الشعر فقال: هو أسرى «٦» مروءة الدني وأدنى مروءة السري.
стр. 103
وسئل عوف بن أمية السكوتي عن نسج الشعر فقال: إن جددت كذبت، وإن هزلت أضحكت، فأنت بين كذب وإضحاك.
وقيل للبيد: لم لا تقول الشعر؟ فقال: في سورة البقرة وآل عمران شغل عن الشعر:
الكلب والشاعر في منزل ... فليت أنّي لم أكن شاعرا
هل هو إلا باسط كفّه ... يستطعم الوارد والصادرا
وقال: ما أجد آكلا للسحت «١» ، ولا أوضع ولا أطمع وأطبع، وأقلّ نفسا من شاعر متكسب بشعره.
وقال الحسن ﵁ في الفرزدق «٢» حين أوعده بالهجاء: هذا الذي جعل إحدى يديه سطحا والأخرى سلحا، فقال: إن أصلحتم سطحي وإلا رميتكم بسلحي. ولما حبس عمر بن الخطاب ﵁ الحطيئة بسبب الزبرقان ثم عفا عنه، قال: إياك والشعر فأخرج لسانه وقال: ما لأولادي كاسب غيره «٣» . قال عمر: فلا تهجهم. فقال: إن لم أهجهم لم يفرقوني «٤» فلا يعطوني. قال: فاذهب فبئس الكسب كسبك.
تعظيم الشعر
مرّ الفرزدق بمؤدّب، وكان ينشد عليه صبيّ، قول الشاعر:
وجلا السيول عن الطلول كأنّها ... زبر تجدّ متونها أقلامها «٥»
فنزل وسجد فقال المعلم: ما هذا؟ فقال هذه سجدة الأشعار نعرفها كما تعرفون سجدة القرآن.
ولما قدم أبو تمّام على الحسن بن رجاء، فأنشده قصيدته فيه حتى انتهى إلى قوله:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي «٦»
قام قائما، وقال: والله ما سمعتها إلا وأنا قائم، لما تداخله من الأريحية فلما فرغ قال: ما أحسن ما جلوت هذه العروس. فقال أبو تمام: لو أنها من الحور العين لكان قيامك أوفى مهر لها.
стр. 104
ما استحبّه الأكابر من فرص الشّعر
قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: إنك قد لهجت بالشعر فإيّاك والتشبيب «١» بالنساء فتعرّ شريفة؛ والهجاء فتهجّن كريما أو تثير لئيما؛ وإيّاك والمدح فهو كسب الأنذال. ولكن افخر بمآثر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك، وإن لم تجد من المدح بدّا فكن كمالك المرادي حين مدح فجمع في المدح بين نفسه وبين الممدوح، فقال: أحللت رحلي في بني ثعل، إنّ الكريم للكريم محلّ.
قال الشاعر:
أشغل قريضك بالنس ... يب وبالفكاهة والمزاح «٢»
يا مادح القوم اللئا ... م وطالبا نيل السّماح «٣»
مدح جماعة من الشّعراء وتفضيل بعضهم على بعض
ذكر امرؤ القيس عند النبي ﷺ فقال: ذاك رجل مذكور في الدنيا منسيّ في الآخرة، يجيء يوم القيامة وبيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار.
قال الأصمعي: ما رأيت خمسة من العلماء قط إلا وأربعة منهم يقدّمون امرأ القيس ولا أربعة إلا وثلاثة منهم يقدّمونه.
وسئل بعضهم من أشعر العرب: فقال: امرؤ القيس إذا ركب «٤» ، والأعشى إذا طرب «٥» وزهير إذا رغب «٦» ، والنابغة إذا رهب «٧» .
وكان أبو عمرو يكثر وصف النابغة الذبياني وطبعه وحسن ديباجته، ويقدّمه بعد امرىء القيس.
وقال ابن عبّاس ﵄: قال: لي عمر ﵁، وأنا أسايره: أنشدني
стр. 105
لأشعر شعرائكم، فقلت: من هو؟ فقال: هو زهير. إنه لا يعاظل «١» بين الكلام ولا يتّبغ حوشيّه «٢» ، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال، قال ابن سلام: لم يبق في وصف الشعر شيئا، إلا أتى به في هذا الكلام.
وكان معاوية يسمّي الأعشى «صناجة العرب» «٣» يعني أنه يطرب إطرابها.
وقال محمد بن سلام: سألت عمر بن معاذ التيمي عن أشعر الناس، فقال: أوس بن حجر «٤» وأبو ذؤيب «٥» فقلت: أليس النبي ﷺ يقول يجىء امرؤ القيس يوم القيامة وبيده لواء الشعراء؟ فقال: اللواء إنما يكون مع دون الأمير.
وذكر قوم جريرا والفرزدق، فقال بعضهم: جرير كان أنسبهما وأسهبهما.
وسئل آخر عنهما فقال: جرير يغرف من بحر «٦» ، والفرزدق ينحت من صخر «٧» .
فقال الذي يغرف من بحر أشعر، وقال مروان بن أبي حفصة:
ذهب الفرزدق بالفخار وإنّما ... حلو الكلام ومرّه لجرير
ولقد هجا فامضّ أخطل تغلب ... وحوى اللهى بمديحه المشهور
كلّ الثلاثة قد أبرّ بمدحه ... وهجاؤه قد سار كلّ مسير
الممدوح بإجادة نسجه والتمدّح بذلك، والحثّ عليه
ذكر عند أبي بكر ﵁ الشعراء، فقال: أشعر الناس النابغة أحسنهم شعرا، وأعذبهم بحرا وأبعدهم غورا.
وقول عمر ﵁ في زهير من هذا الباب وقد تقدم آنفا. وقيل: فلان إذا قال أسرع، وإذا مدح رفع وإذا هجا وضع. وسئل البحتري عن أبي تمام، فقال مدّاحة نواحة «٨» ، عديّ بن الرقاع:
وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتى أقوّم ميلها وسنادها
стр. 106
نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتّى يقيم ثقافه منآدها «١»
وقال يزيد بن الحكم، متهكما بحمزة بن بيض: إنك لأستاذ الشعر. فقال: إني لأدق الغزل وأصفق النسج وأرق الحاشية.
ويقال: شعر مخشوب إذا كان جديدا لم يثقف. وقال ابن مقبل: إني لأرسل القوافي عوجا، فتأتيني وقد ثقفتها. وقيل: استجيدوا القوافي فإنها جراز «٢» الأشعار.
الموصوف بالسّلامة من الشّعر
قال أبو تمّام:
يودّ ودادا أنّ أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقا إليها مسامع
وقال إبراهيم بن رجاء: يطيب بأفواه الرماة سماعها. وقال الناشي:
إنما الشعر من تحصل من قب ... ل ظهور الأقوال في الأذكار
فأتى لفظه يطابق معنا ... هـ بحسن الإيراد والإصدار
مطمع مؤيس قريب إلى الفه ... م بعيد الأغوار ضاحي القرار
وقيل لمعتوه: ما أجود الشعر؟ فقال: ما دلّ صدره على عجزه. ولم يحجبه شيء دون بلوغه.
شاعر رديء النّسج
أنشد رجل شعرا فقال لصاحبه: كيف تراه؟ فقال: سكر لا حلاوة له.
وأنشد عمارة شعر أبي العتاهية فمجه «٣» سمعه وقال: هو أملس المتون قليل العيون.
وما كان مثله من الشعر يسمى مغسولا.
وأنشد رجل أعرابيا شعرا وقال: هل تراني مطبوعا؟ فقال: نعم على قلبك.
وأنشد رجل الفرزدق شعرا وقال: كيف تراه؟ فقال لقد طاف إبليس بهذا الشعر في الناس فلم يجد أحمق يقبله سواك.
وقال شاعر:
وأبو الدفاتر لا يزال يجيئنا ... بقصيدة قد قالها من دفتر
وقال آخر:
وبات يدرس علما لا قران له ... قد كان ثقّفه حولا فما زادا «٤»
стр. 107
وقال ابن أبي عيينة:
أقمت حولا على بيت تقوّمه ... فلم تصب وسطا منه ولا طرفا
شعر رديء النّسج
أنشد ابن الأعرابي:
وشعر كبعر الكبش فرّق بينه ... لسان دعيّ في القريض دخيل «١»
وقال العجاج «٢» في ابنه: إنه يقول الشعر وابن عمه، وفي مثل هذا الشعر.
قال بعضهم:
وبعض قريض الشعر أولاد علّة ... يكدّ لسان النّاطق المتحفّظ
وقال ابن الحجّاج «٣» :
فمن كان يحوي العطر دكان شعره ... فشعري بيتا مستراح ومخرج
وقال الجماز:
كأنّ أشعاره إذا انتقدت ... أنصاف كتب ليست بمؤتلفه
نهي المسيء عن نسجه
قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟ قال: لأن الذي أرتضيه لا يجيبني، والذي يجيبني لا أرتضيه. وعرض رجل على أديب شعرا فقال: أخبأه كما تخبأ الهرة خرءها.
وقال شاعر:
لا تعرضنّ الشعر ما لم يكن ... علمك في أبحره بحرا
فلا يزال المرء في فسحة ... من عقله ما لم يقل شعرا
وقال الوائلي:
وحاطب ليل في القريض زجرته ... وقلت له قول الفصيح المجامل
إذا أنت لم تقدر على درّ لجّه ... فدعه ولا تعرض لحصباء ساحل «٤»
стр. 108
مفاضلة البديهة والرويّة ومدح الطّبع
قال ابن الرومي في الحكم بينهما:
نار الرويّة نار غير منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنّه عاجل يمضي مع الريح
وقال معاوية لابن العاص «١» : أنا آدب منك، فقال: أنا للبهدية وأنت للرويّة «٢» ، وبينهما بون «٣» .
وممّا يؤكد تفضيل البديهة قول العبديّ في وصف البلاغة: أن تصيب فلا تخطىء وتعجل فلا تبطىء. وقيل: خير الفقه ما حاضرت به.
وقال الحطيئة:
فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوّره شهرا
واجتمع ابن مناذر وأبو العتاهية، فقال أبو العتاهية: كم بيتا تقول في اليوم؟ قال:
مقدار عشرة أبيات. فقال أبو العتاهية: فأنا أقول مائتين. فقال: فإنك تقبل من شيطانك نحو: ألا يا عتبة الساعة، أموت الساعة الساعة، ولو أني أقول مثل ذلك لقلت ألوفا.
قال المتنبّي:
أبلغ ما يطلب النجاح به الطب ... ع وعند التعمّق الزلل
المعتذر لرفض طريقة من النسج
قيل لنصيّب «٤» : إنك لا تحسن الهجاء، فقال: من ذا الذي لا يحسن مكان عافاه الله أخزاه الله، ولكنّي رأيت الناس ثلاثة رجال: رجلا لم أسأله فلا ينبغي أن أهجوه، ورجلا سألته فمنحني وهو الممدوح، ورجلا سألته فلم يعط. فنفسي أحق بالهجاء إذ سوّلت لي أن أسأله.
وقال عبد الملك للعجّاج: بلغني أنك لا تحسن أن تهجو، فقال: من يقدر على تشييد أمكنة يمكنه إخرابها، فقال: ما يمنعك من ذلك؟ قال: أن لنا عزّا يمنع من أن نظلم، وحلما يمنع من أن نظلم، فعلام الهجاء؟ فقال: كلامك أشعر من شعرك.
стр. 109
قال جرير: ما عشقت قط ولو عشقت لشببت، فإذا سمعت العجوز بكت على ما فات من شبابها، وإني لأرى الرجز مثل آثار الخيل في الثرى، ولولا أن سبق إليه غيري لأكثرت منه.
وقيل لأبي يعقوب: شعرك في مراثي الحسن ليس كشعرك في مدحه، فقال: أين شعر الوفاء من شعر الرجاء.
المهجوّ بأنه ينتحل الأشعار
قال أبو هفان: إذا أنشدكم شعرا، فقولوا أحسن الناس. ونظر أبو تمّام إلى سليمان بن وهب، وقد كتب كتابا، فقال: كلامك ذوب شعري.
وعرض رجل على ابن الجلاب قصيدة للمتنبي وادعى أنه قالها، فقال ابن الجلاب:
هذه للمتنبي. فقال الرجل: هي قصيدتي ومسودّتها عندي. فقال ابن الجلاب: فمبيضتها للمتنبي عندي.
وقال الصاحب لرجل عرض عليه شعرا: لو حللت عقاله لحق بأربابه.
وقال أبو محمد بن المنجم: أنشدت أبا القاسم الزعفراني قول الصاحب. رقّ الزجاج وراقت الخمر، (البيتين) فقال: لعن الله قائلهما فقد سرقهما من أبي نواس، فقلت: هما للصاحب. فقال: لعن الله أبا نواس فقد سرقهما من مولانا الصاحب. فقلت كيف سرق أبو نواس من مولانا الصاحب فقال: دعنا من هذا ما سرق إلا منه.
السالب غيره شعرا قهرا
وقف الفرزدق على الشمردل فاستنشده شعرا فأنشده:
وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير جزّ الغلاصم «١»
فقال: والله لتتركنّ لي هذا البيت، أو لتتركن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.
وقال رؤبة: خرجت مع أبي فقال في الطريق أبوك راجز وجدّك وأنت مفحم فأنشدته:
كم قد حسرنا من عذرة عنس
حتى أتيت على آخرها، فقال: اسكت فضّ الله فاك. فلما انتهينا إلى سليمان أنشده إيّاها فأمر له بعشرة آلاف درهم. فقلت له في ذلك، فقال: سر فأنت أرجز الناس. فسألته أن يجعل لي نصيبا مما أعطى فأبى. ودخل ابن زهير على معاوية فأنشده:
لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل ... على أيّنا تعدو المنية أوّل
(الأبيات) وهي في الحماسة فقال له معاوية: عهدي بك لا تشعر. فما لبث أن دخل
стр. 110
معن، فأنشده هذه الأبيات. فالتفت معاوية إلى ابن زهير فقال: كيف انتحلتها فقال: إن معنا أخي من الرضاع وأنا أحقّ بهذا الشعر منه.
التوارد في الشّعر وادعاء ذلك
التوارد أن يتفق الشاعران في معنى، من غير أن يسمع أحدهما بمقالة الآخر. وسئل أبو عمرو بن العلاء «١» رحمه الله تعالى: كيف يتفق الشاعران؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها.
ولأحمد بن أبي طاهر يعتذر لشعر ادّعى البحتري أنه سرقه منه:
الشعر ظهر طريق أنت راكبه ... فمنه منشعب أو غير منشعب
وربّما ضمّ بين الركب منهجه ... وألصق الطنب العالي إلى الطنب
وقال آخر وقد أتى سلطانا يمدحه فحرمه وزعم أنه مسروق:
وهبني سرقت الشعر ثمّ مدحته ... أما كان يؤتيني عليه جزائيا
وقال أبو المضاء:
لو أنّ جريرا جاءه في زمانه ... وأنشده شعرا لقال تنحّلا
وقال أبو تمام في مدح شعر غير مسروق:
منزّهة عن السّرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعار
شعر أعاده قائله في غير الممدوح
أنشد أبو القاسم بن أبي العلاء يوما شعرا كاتب به رئيسا وكنّا سمعناه منه قبل.
فعوتب في ذلك فقال: أنا نظمته أقلّد به من أشاء.
وكان قد وقع إلى أبي الفضل بن العميد قصيدة المتنبي التي أولها:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب «٢»
فلما ورد عليه مدحه بها وبدل قوله:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغنّي منذ حين وتشرب «٣»
فجعله أبا الفضل. فلما أنشدها استطال وتكبر وأظهر إعجابا بها فقال أبو
следующие страницы →