← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال أبو الفيّاض الصابىء في الصاحب بن عبّاد: أقال الله للأقدار سيري ... وفي أقلام إسماعيل صيري تفضيل القلم على السّيف قال محمّد بن علي يمدح: في كفّه صارم لانت مضاربه ... يسوسنا رغبا إن شاء أو رهبا «١» السيف والرمح خدّام له أبدا ... لا يبلغان به جدّا ولا لعبا «٢» فما رأينا مدادا قبل ذاك دما ... ولا رأينا حساما قبل ذا قصبا «٣» وقال ابن الرومي: كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنّ السيوف لها مذ أرهفت خدم تفضيله على القلم فاخر السيف القلم فقال القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال السيف: القلم خادم السيف إن نيل مراده، وإلا فإلى السيف معاده. وقال البحتري: وعادة السيف أن يستخدم القلما وقال المتنبّي: حتّى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسّيف ليس المجد للقلم اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم وصفه بأنه يكشف عن الضمائر قال بعضهم: القلم يزفّ بنات القلوب إلى خدور الكتب، وقال ابن المعتز: القلم يخدم الإرادة ولا يملّ الإستزاده، يسكت واقفا وينطق سائرا، وقال شاعر: ومكشف السرّ الضمير بلا معاناة «٤» السّؤال وقال آخر: نواطق إلا أنّهن سواكت ... يترجمن عمّا في الضمير مكتما وفي وصفه: عجبت لذي سنين والماء نبته ... له أثر في كلّ مصر ومعمر

стр. 142

وقال ابن المقفع: القلم بريد القلب، يخبّ «١» بالخبر وينظر بلا بصر، وقال ابن أبي داود: القلم سفير العقل، ورسول الفكر، وترجمان الذّهن. وصفه بأنه أخرس ناطق قال الشاعر: وأخرس ناطق أعمى بصير ... بليغ عند منطقه عييّ متى ترعف مناخره سوادا ... يخبّر عنك بالمعنى المضيّ «٢» وقال محمد العلويّ: أخرس ينبيك بأطرافه ... عن كلّ ما شئت من الأمر «٣» يذري على قرطاسه دمعة ... يبدي بها السرّ وما يدري «٤» كعاشق يخفي هواه وقد ... نمّت عليه عبرة تجري «٥» لغز في وصف القلم قال الشاعر وبيت بعلياء الفلاة بنيته ... باسمي مشقوق الخياشيم يرعف وقال آخر: وأجوف يمشي على رأسه ... يطير حثيثا على أملس فهمت بآثاره ما مضى ... وما هو آت ولم يلبس وصف دواة وقلم قال الشاعر: وزنجيّة لم تلدها الإناث ... وفي جوفها من سواها ولد وكتب ابن طباطبا إلى ابن أبي البغل، وبعث إليه قلما أسود وآخر أبيض وسبعة سمرا: هذا ابن سام وبنت حام ... شعبهما اليوم ذو التئام قد أظهرا في الورى ازدواجا ... فامتزج النّور بالظّلام وأنسلا صبية صغارا ... سبعا يوافين في نظام هنّ مدى الدهر مرضعات ... يشتقن ريا إلى الفطام

стр. 143

اختيار قلّة الأقلام قال الصوليّ لغلام: ليكن قلمك صلبا بين الرقّة والغلظ، ولا تبره عند عقدة فإنّ فيه تعقد الأمور، ولا تجعلنّ في أنبوبه أنبوبة، ولا تكتبنّ بقلم ملتو ولا بذي شقّ غير مستو. أدب بري القلم والاستنكاف منه قيل: ليكن مقطك إذا قططت صلبا، لئلا يتشظّى «١» القلم. وقال عبد الحميد الكاتب: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها. وقيل: تبطين القلم شؤم وحرفه حرف. وقيل: القلم المحرف للرجل المحارف. وأوصى بعضهم كاتبا فقال: أجد قلمك فالقلم الرديء كالولد العاق «٢» . وقيل: إذا لم تسمع لقطك صوتا كصوت القسيّ ووقعا كوقع المشرفيّ فأعد القطّ. وقال الصاحب لكاتب في مجلسه: ليس لك في مجلسي إلا القطّ فقط. التمدّح ببري القلم والاستنكاف منه قال الشاعر: دخيل في الكتابة ليس منها ... فما يدري دبيرا من قبيل إذا ما رام للأنبوب بريا ... تنكّب عاجزا قصد السّبيل قال كشاجم: لم ترني قطّ باريا قلما ... في بريه كل مهنة وضعه ما كلّ من يحمل الحسام لكي ... يردي به سنّه ولا طبعه وقال أبو الحسن بن سعد: كنت عند عليّ بن سعد فرأيت له أقلاما رديئة البري، فأخذتها وأحسنت بريها فقال: يا أبا الحسن عليك بالكتابة فإن هذه تجارة. السكّين قيل: السكّين مسنّ الأقلام تشحذها «٣» إذا كلّت «٤» ، وتلمّها إذا تشعّثت «٥» ، وأحسن السكاكين ما عرض صدره وأرهف حدّه ولم يفضل عن القبضة نصابه. وقيل لكاتب: سكّينك ليس بقاطع فقال: هو أقطع من البين «٦» .

стр. 144

ولأبي حفص الورّاق كتبه على سكّين: سكيننا من يره سيعجبه ... وقاه ربّي شرّ من يستوهبه وكيد من يسرقه ويغصبه ... ما أظلم اللّيل ولاح كوكبه وقال ابن نباتة: مرهفة تعجز وصف البيان ... للسيف معنى ولها معنيان تخلفه في حدّه تارة ... وتارة تخلف حدّ السّنان ما أبصر النّاظر من قبلها ... ماء ونارا جمعا في مكان مقطّ ومحراك وقال الشاعر: معه مقطّ قد تحلّى سنّها ... شبه الصدود بدا بخلف غرام يحكي سويداء القلوب إذا رمت ... فيها لواحظ شادن بسهام وانضاف محراك إليه كأنّما ... أخذوه قدّ الصارم الصمصام وقال أبو الحسن المشطّب الهمداني: إنّني منفذ إليك مقطّا ... سهرديزا كأير عير مريّ سابغا طوله شديدا قواه ... فاتخذه كنانة لقسيّ استهداء المداد وإهداؤه كتب بعضهم إلى صديق يستمدّ منه مدادا: أنا أشكو إليك من دواتي ... هي عوني وعدّتي وعتادي عطلت من مدادها فاستعاضت ... يقق اللون من حلوك السّواد «١» لم تزل من بنات حام فجاءت ... من بني يافث بغير ولاد أنت للحادثات عدّة صدق «٢» ... فترى أن تمدّها بمداد وقال عبدان: هل لك في أن تحوز محمدة ... أنفس من فضّة ومن ذهب زوّد فتاة أتتك رائقة ... بدرّة الفحم لابنة القصب الحبر قال بعض الأدباء: بالحبر تنصاغ حكم الأخبار، وبسواده تتضح شبه الآثار.

стр. 145

وقيل لورّاق: أخف رداءة خطّك بجودة حبرك، وقيل: عطّروا كتب علومكم بالحبر، فالحبر غالية والكتاب غانية. وقال الشاعر: وأكرم بحبر بها لجّة ... جواهرها حكم تنثر وقال كشاجم في من أعطاه محبرة: محبرة جاد لي بها قمر ... مستحسن الخلق مرتضى الخلق كأنّما حبرها إذا نثرت ... أقلامنا طلّه على الورق كحل مرته الجفون من مقل ... نجل فأوفت به على يقق خرساء لكنّها تكون لنا ... عونا على علم أفصح النطق لوح الحساب قال كشاجم: نعم المعين على الآداب والحكم ... صحائف حلك الألوان كالظّلم جفّت وخفّت فلم يدنّس لحاملها ... ثوب ولم يخش فيها نبوة القلم لو كنّ ألواح موسى «١» يوم أغضبه ... هارون لم يلقها خوفا من النّدم لوح الهندسة وقال كشاجم: وقلم مداده تراب ... في صحف سطورها حساب يكثر فيه المحو والإضراب ... من غير أن يسوّد الكتاب حتى يبين الحقّ والصّواب ... وليس إعجام ولا إعراب فيه ولا شكّ ولا ارتياب «٢» مرفع الدواة قال الشاعر: قرّب البعد مرفع لدواة ... ملجم من حليه بلجام «٣» كخوان الطّعام سهّل للآ ... كل منه ما كان صعب المرام

стр. 146

الاصطرلاب «١» وقال الببغاء «٢» : ومستدير معجم التقسيم ... منتسب الأشكال والرّسوم دبّره فكر امرىء حكيم ... فصاغه في صغر التجسيم مساويا للفلك العظيم ... مقتطعا لسائر النّجوم وكتب الصابىء «٣» إلى بعض أصدقائه وقد أهدي له اصطرلاب: لم يرض بالأرض يهديها إليك وقد ... أهدى لك الفلك الأعلى وما فيه نفع الكتب وكونها ذات أنس ذكر الجاحظ الكتب فقال: نعم الذخر «٤» والعقدة، والجليس والعدّة «٥» والمشتغل والحرفة «٦» ، ونعم القرين والدخيل والوزير والنزيل، والكتاب هو الأنيس الذي لا يطريك «٧» والصّديق الذي لا يغريك، يطيل امتاعك ويشحذ «٨» طباعك. وقال ابن المقفع: كلّ مصحوب ذو هفوات والكتاب مأمون العثرات «٩» . وقال الرفّاء «١٠» : اجعل جليسك دفترا في نشره ... للميت من حكم العلوم نشور ومفيد آداب ومؤنس وحشة ... وإذا انفردت فصاحب وسمير وأنشد أبو محمد الخازن لنفسه: فدفتري روضتي ومحبرتي ... غدير علمي وصارمي قلمي وراحتي في قرار صومعتي ... تعلّمني كيف موقع القسم التمدّح بالإنفاق على الكتب والحثّ عليه قيل لابن درّاج، وقد أخرج شعر أبي الشمقمق، في جلود كوفيّة ودفّتين طائفيتين:

стр. 147

لقد ضيّع دراهمه من يجود لشعر أبي الشمقمق. فقال: لا جرم أنّ العلم يعطيكم على قدر ما تعطونه، ولو استطعت أن أكتبه في سواد عيني أو سويداء قلبي لفعلت. وقيل: إذا حويت الكتب فقد أحرزت الأدب والنّشب «١» ، وقال شاعر: تحرّض على تجويد كتبك أنّها ... مناهل ورّاد الحجى والفوائد «٢» وقيل: إنفاق المال على كتب الأدب يخلفك عليه لباب الألباب. ذمّ من يجمع الكتب ولم يحفظها قال محمّد بن بشر: أما لو أعي كلّ ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل هو العالم المصقع ولكنّ نفسي إلى كلّ شيء ... من العلم تسمعه تنزع «٣» فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع ومن يك في دهره هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع مدح ملازمة الكتب قال أبو عمرو: وما رأيت أحدا في يده دفتر، وصاحبه فارغ اليد، إلا اعتقدت أنه أعقل وأفضل من صاحبه. وكان عبد الله بن عبد العزيز يلزم أبدا المقابر ومعه شيء من الدفاتر، فقيل له في ذلك، فقال: لم أر أوعظ من كتاب وأسلم من الإنفراد. ونظر المأمون إلى بعض أولاده وفي يده كتاب فقال: ما هذا؟ قال بعض ما يشحذ الفطنة ويؤنس الوحشة، فقال: الحمد لله الذي جعل في أولادي من ينظر إليه بأدبه أكثر مما ينظر إليه بحسبه «٤» . أحوال إعارة الكتب واستعارتها قال بعض الشعراء: إنّي حلفت بربّ البيت والحرم ... هل فوقها حلفة ترجى لذي قسم أن لا أعير كتابا فيه لي أرب ... إلا أخا ثقة عندي وذا كرم «٥»

стр. 148

وقال بعضهم معتذرا عن امتناع إعارته: لصيق فؤادي منذ عشرين حجّة ... وصقيل ذهني والمفرّج من همّي «١» يعزّ على مثلي إعارة مثله ... وآليت لا يفارقه كمّي وقال الشيخ أبو القاسم ﵀: كتبت إلى أبي القاسم بن أبي العلاء أبياتا استعير منه شعر عمران بن حطان وضمّنتها أبياتا لبعض من امتنع من إعارة الكتب إلا بالرهن، وأبياتا عارضها بها أبو علي بن أبي العلاء في مناقضة فقلت: يا ذا الذي بفضله ... أضحى الورى مفتخره «٢» أصبحت يدعوني إلى ... شعر ابن حطّان شره فليعطنيه منعما ... عارية لأشكره مقتفيا والده ... ألبس ثوب المغفره «٣» عارض من أنشده إذ ... رام منه دفتره هذا كتاب حسن ... قدمت فيه المعذره حلفت بالله الذي ... أطلب منه المغفره أن لا أعير أحدا ... إلا بأخذ التّذكره بنكتة لطيفة ... أبلغ منها لم أره فقال والقول الذي ... قد قاله وحبّره «٤» من لم يعر دفتره ... ضاقت عليه المعذره يقبّح في الذّكر وفي ... السّماع أخذ التذكره ما قال ذاك الشعر ... إلا ماضغ للعذره فامنن به مصطفيا ... سلوك طرق البرره فأجابني بأبيات منها: حبر شعرا خلّتي ... أنشر منه حبره يريدني فيه على ... خليقة مستنكره مستنزل عن عادة ... عوّدتها مشتهره أن لا أعير أحدا ... لا رجلا ولا مره لا أقبل الرهن ولا ... تذكر عندي تذكره

стр. 149

ولو حوت كفّى بها ... فضل الرّضا والمغفرة كان لشيخي مذهب ... من مذهبي أن أهجره خالفت فيه رسمه ... معفيا ما أثره ولو أتاني والدي ... من بيته في المقبره يروم سطرا لم يجد ... ما رامه وسطّره والغرض في ذلك ما قاله أبو القاسم لا ما خاطبته به أعوذ بالله أن أكون ممّن يزري «١» بعقله، بتضمين مصنّفاته شعر نفسه. معاتبة حابس دفتر «٢» كتب كشاجم إلى صديق له: عذرت بحبس دفترنا ... وعهدي بالأديب ثقه ولست أحبّ للأدبا ... ءأن يتأدبوا سرقه وكتب بعض الأدباء إلى صديق له يطالبه بردّ دفتره: ما بال كتبي في يديك رهينة ... حبست على مرّ الزمان الأطول ائذن لها في الإنصراف فإنّها ... كنز عليه إذا افتقرت معوّلي ولقد تغنّت حين طال ثواؤها ... طال الوقوف على رسوم المنزل وقال أبو العبر في سخفيات له: حدّثني لحيان عن موسى الفهاد، عن رجل من أهل جرجرايا، عن شيخ من بادرويا، أن السّفلة من إذا استعار كتابا لم يردّه. قال الشريف ابن طباطبا: إذا فجع الدهر امرأ بخليله ... تسلّى ولا يسلى لفجع الدّفاتر وقال بعضهم في وصف كتاب كليلة ودمنة: إذا افتخر الرّجال بفضل علم ... ومدّت فيه ألسنة طويله ففاخر ما استطعت بما حوته ... بطون كتاب دمنة مع كليلة «٣» كتاب يغرق البلغاء فيه ... وألباب الورى منه كليله وكم فيه عجائب كامنات ... على دنيا وآخرة دليله وكم حكم على أفواه طير ... وآداب وأمثال مقوله

стр. 150

يراها الجاهل المأفون هزلا ... وحسبكها لعالمها فضيله «١» (١٣) ومما جاء في الصدق والكذب الممدوح بالصّدق فلان أصدق من أبي ذرّ «٢» وأصدق من قطاة «٣» . وقال النبي ﷺ : ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذرّ. وقال الجاحظ: أخبرني فلان وهو والكذب لا يجتمعان في طريق، ولا يقشعرّ من الكذب. قال التنوخي: وألسنهم وقف على الصّدق والرفا ... وأيمانهم وقف على القصد والنعمى «٤» وقال جحظة البرمكيّ: وكان صديق الورى ... بالحقّ ينطق عن لسانه وفي المثل: لا يكذب الرائد أهله، لأن كذبه يجتثّ أصله. معيب بالكذب قال رجل لكذّاب: مرحبا بأبي المنذر، فقال: ليس هذا كنيتي. فقال: قد علمت إنما هو كنية مسيلمة «٥» ، ولكنّها صفتك: يعرّض بأنه كذّاب. وقيل لرجل: ما تقول في فلان؟ فقال: أنا لا أذمّ مسيلمة. وذم رجل آخر فقال: الكذب أحسن ما فيه، وهذا غاية الذم. وقال رجل لأبي حنيفة «٦» ﵁ : ما كذبت قطّ؟ فقال: أما أنا فقد شهدت عليك بهذه.

стр. 151

وقال رجل: أنا لا أكذب كذبة بألف، فقال صاحبه: أما هذه فواحدة بلا درهم. وقيل: أكذب من يلمع أي السراب. قال الشاعر: أكثر ما يجري على فيه الكذب وقال بعضهم: أسأت نظرا فأطرفت خبرا وقال: جاء فلان نزهات البسابس «١» ، وجاء بالحطب الرطب، أي بمحض الكذب. وقال الرشيد للفضل بن الربيع «٢» : كذبت، فقال: يا أمير المؤمنين وجه الكذّاب لا يقابلك، ولسانه لا يخاطبك، يعرّض به، لأن الإنسان لا يقابل نفسه ولا يخاطبها فاستحسن تعريضه فأولاه وما جفاه. وقيل: فلان فيه روغان «٣» الثعلب وطبيعة العقعق ولمعان البرق، أي الحيلة والسرقة والكذب. قال الشاعر: كلام أبي مالك كلّه ... صياح الفواخت جاء الرّطب النهي عن الكذب وذمّه قال الله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ «٤» ، وقال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ «٥» ، وقال: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ «٦» . وقيل: الكذب جمّاع النّفاق. وقيل: الكذب عار لازم وذلّ دائم. وقيل: الكذب والحسد والنفاق أثافي. قال الشاعر: لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء أو من قلّة الورع «٧» وقيل: ما عزّ ذو كذب، ولو أخذ القمر بيديه، ولا ذلّ ذو صدق، ولو اتّفق العالم عليه. وقال ابن عباس ﵄ : حقيق «٨» على الله أن لا يرفع الكاذب درجة، ولا يثبت له حجّة. وقال سليمان بن سعد: لو صحبني رجل وقال لا تشترط عليّ إلا شرطا واحدا، لقلت: لا تكذبني.

стр. 152

النّهي عن رواية الكذب قيل: من حدّث بحديث، وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين، وقيل أحد الشاتمين. وقال النبي ﷺ : من قال عليّ ما لم أقله أو ردّ شيئا ممّا قلته فليتبوّأ مقعده «١» من النار. وقيل: إيّاك أن تكون للكذب راويا، أو واعيا. النهي عن رواية ما هو بعرض التكذيب قيل: من صفات العاقل أن يحدّث بما لا يستطاع تكذيبه. وقيل: إياك وحكاية ما يستبعد فيجد عدوّك سبيلا إلى تكذيبك. ترك الكذب صعب قيل من استحلى الكذب عسر عليه «٢» فطام نفسه عنه. وقيل لرجل: أترك الكذب، فقال: والله لو تغرغرت «٣» به وتطعمت حلاوته لما صبرت عنه. وقال يحيى بن خالد: قد رأينا شارب خمر أقلع «٤» ، ولصّا نزع «٥» ، ولم نر كذّابا رجع. وقيل: كل ذنب يرجى تركه إما بتوبة أو إنابة «٦» ما، خلا الكذب، فإنّ صاحبه يزداد به ولوعا على الكبر. مضرّة الكذب قيل: دع الكذب فإنّه يضرّك حيث ترى أنه ينفعك، وعليك بالصّدق فإنه ينفعك حيث ترى أنه يضرّك. وقيل: الحق أبلج والباطل لجلج، إذا كذب السفير بطل التدبير، إذا كذب الرائد هلك الوارد. الصدّق عزّ والباطل ذلّ. من آثر الصدق في مواضع طلبا لجواز كذبه قال خالد بن صفوان: أصدق في صغار ما يضرّك ليجوز لك الكذب في كبار ما ينفعك. وقيل: من عرف بالصّدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه. حثّ الكاذب على التحفّظ قيل: إذا كنت كذوبا، فكن ذكورا. وذكر عثمان البستي عكرمة، فقيل له: ما كان

стр. 153

يكذب، فقال: كان أحمق، من الحسن الكذب. إن الكذوب من يكون متحفّظا. النهي عن سماع الكذب قيل: أجعل قول الكذّاب ريحا لتستريح، وقال أبو تمّام: ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد «١» وقالوا: نزّه سمعك عن سماع الكذب، كما تنزّه لسانك عن التفوّه به. ما أجيز فيه الكذب روي عن النبي ﷺ أنه قال: كلّ كذب مكتوب، إلا كذب الرجل في الحرب، فإنها خدعة، أو كذب المرء بين الرجلين ليصلح بينهما، أو كذبه لامرأته ليرضيها. وقيل لفيلسوف: متى يحمد الكذب؟ قال: إذا قرّب بين المتقاطعين. قيل: فمتى يذمّ الصدق؟ قال: إذا كان غيبة. أتى معاوية ﵁ بلصّ، فقال زياد: أصدق. فقال الأحنف: الصدق أحيانا معجزة. قال الشاعر: الصدق أفضل ما نطقت به ... ولربّما نفع الفتى كذبه وقال آخر: طلبنا النفع بالباطل ... إذا لم ينفع الصدق جواز التعريض أقبل رسول الله ﷺ مردفا «٢» أبا بكر عام الهجرة، فقيل لأبي بكر: من هذا قدّامك؟ قال: رجل يهديني السبيل، تعريضا بأنه يهديني سبيل الحق. وقال النبي ﷺ : للرجل الذي سأله ممّن أنت؟ فقال: من ماء، وما حكى الله من قول إبراهيم ﵇ أني سقيم، وقوله: فعله كبيرهم هذا فاسألوهم وما روي عنه أنه قال عن امرأته هذه أختي كل ذلك تعريض. وقيل في قوله تعالى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ من معاريض الكلام ولم يكن قد نسي ما عهد عليه «٣» . وقال عمر: في المعاريض مندوحة عن الكذب.

стр. 154

المعترف بالتزيّد والتكذيب قال خالد بن صفوان: أني لا أسمع الحديث فلا أحدّث به، حتى أتوبله وأفلفله وأسعتره، وقال: أني لأسمع الحديث مجردا فأكسوه، وممرطا فأريشه. وقيل لحيّان: إنك لتكذب في الحديث. فقال: ما يضرّك كذبه ولا ينفعك صدقه، وما يدور إلا على لفظ جيّد ومعنى حسن. ولو أردته لتلجلج «١» لسانك وذهب بيانك. المعتذر منه قال بعضهم: ونصرة الحق أفضت بي إلى الكذب. قال الشاعر: وزعمت أني قد كذبتك مرّة ... بعض الحديث وما صدقتك أكثر وفي المثل: عند النوى يكذبك الصادق. المتأهب في الكذب تشاجر رجلان في سواد، تراءى من سطح، فقال أحدهما: غراب. وقال الآخر: خفّ. وحلف كل منهما على صدق ما قاله. فدنوا منه فطار، فقال صاحب الغراب: كيف ترى؟ فقال الآخر: امرأته طالق ثلاثا، إن كان إلا خفا ولو بلغ مكة طيرانا. وقال بعضهم لابنه: إكذب على الأموات وباهت مع الأحياء. وقيل لإعرابي: بم غلبت؟ فقال: أبهت بالكذب وأستشهد الموتى. صعوبة سماع الكذب قيل لبعض ندماء السلطان: ما حالكم معه؟ قال: نحن كما قال الله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ «٢» . وكان رجل يكثر الكذب وله غلام يخالفه ويكذّبه، فقال له يوما: كنت في ضيعة لي في حصاد زرع، فرميت طيرا فوجدت في حوصلته رطبة، لم ينضج نصفها. فقال الغلام: استدع السوط ولا تهذ «٣» متى يجتمع الحصاد والرطب يا أحمق. ما يجوز أن يكذب المرء فيه في كتاب جاويزان فروخ: محرم على السامع تكذيب القائل إلا في ثلاث: صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن إليه، وحماة أحبّت كنّة.

стр. 155

وقيل: إذا أردت أن تعرف عقل الرجل فحدّثه في خلال حديثك بما لا يكون فإن أنكره فهو عاقل، وإن صدّقه فهو أحمق. وقيل: كذّب بالمحالات «١» ، وأقر بالواجبات، وتوقّف عن الممكنات. ذكر أكاذيب متناهية تكاذب أعرابيان، فقال أحدهما: خرجت مرّة على فرس، فإذا أنا بظلمة فيمّمتها، حتى وصلت إليها. فإذا قطعة من الليل فأنبهتها فما زلت أحمل عليها حتى اصطدتها. وقال الآخر: رميت مرّة ظبيا بسهم فعدل الظبي فعدل السهم خلفه فعلا الظبي ثم انحدر، فانحدر السهم حتى أصابه. وقال رجل لرؤبة: إن حدثتني بحديث لم أصدقك عليه، فلك عندي جارية. فقال: ابق لي غلام يوما فاشتريت يوما بطيخة فلما قطعتها وجدته فيها، فقال: قد علمت. فقال: دبّر لي فرس فعالجته بقشور الرمان فنبت على ظهره شجرة رمان تثمر كلّ سنة. فقال: قد علمت. فقال: لما مات أبوك كان لي عليه ألف دينار، فقال: كذبت يا ابن الفاعلة. فأخذ الجارية. وقال بعضهم: كان لأبي منقاش «٢» اشتراه بعشرين ألف درهم، فقيل له: إذا كان من جواهر أو مكللا فقال: ولكن كان إذا نتف به شعرة بيضاء عادت سوداء. وقال رجل: كان أبي زرع سنة السلجم «٣» ، وكان يبلغ مساحة كل شجرة جريب «٤» أرض. فقال الآخر: كان أبي اتخذ مرجلا «٥» في بعض السنين، وكان يعمل فيه خمسون أستاذا، لا يسمع كل واحد منهم صوت مطرقة الآخر، فقال صاحبه: ما أكذبك أي شيء كان يطبخ في ذلك المرجل؟ فقال: السلجم الذي زرعه أبوك. وقالت ليلى لأبيها أرأيت قول أبيك: بجيش تضلّ البلق في حجراته ... بيثرب أخراه بالشأم قادمه كم كنتم يومئذ؟ فقال: حضرتها وكنت أنا وابني ومعنا اثنان.

стр. 156

(١٤) وممّا جاء في السر المنع من إظهار السرّ قبل تمامه قيل: استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن كلّ ذي نعمة محسود. وقيل: من وهي «١» الأمر إعلامه قبل إحكامه. وقيل: من حصّن سرّه أمن ضرّه. الحثّ على حفظ السرّ قيل: من لم يكتم السرّ فقد استكمل الجهل. وسمع ابن المقفع قول الشاعر: إذا جاوز الاثنين سرّ فإنّه ... يبثّ وتكثير الحديث قمين «٢» فقال: أراد بالاثنين الشفتين، ويدلّ على ذلك قول الآخر: فلا تفش سرّك إلا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا وفي المثل: اجعل هذا في وعاء غير ذي سرب. سرّك من دمك، فانظر أين تريقه. وقيل: من أفشى سرّه كثر المتأمرون عليه. قال الصلتان: سرّ الثلاثة غير الخفي المستوخم عاقبة إفشاء السرّ لما ولّى عمر بن الخطاب ﵁، قدامة بن مظعون بدل المغيرة أمره أن لا يخبر أحدا. فلم يكن له زاد فتوجّهت امرأته إلى دار المغيرة، فقالت: أقرضونا زاد الراكب، فإنّ أمير المؤمنين ولّى زوجي الكوفة، فأخبرت امرأة المغيرة زوجها، فجاء إلى عمر ﵁ واستأذن عليه، وقال: يا أمير المؤمنين ولّيت قدامة الكوفة وهو رجل قويّ أمين. فقال: ومن أخبرك؟ قال نساء المدينة يتحدّثن به، فقال: اذهب وخذ منه العهد. من يكره اطلاعه على السرّ قيل: لا تطلعوا النساء على سرّكم تصلح أموركم. وقيل: ما كتمته عدوّك فلا تطلع عليه صديقك.

стр. 157

المتبجّج بحفظ السرّ قيل لرجل: كيف كتمانك السر؟ قال: قلبي قبره وصدري حبسه. وقال الأحوص «١» : ومستخبر عن سرّ ريّا رددته ... بعمياء من ريّا بغير يقين وقال أبو تمّام: منيع نواحي السرّ منه حصينها وقال المتنبّي: وللسرّ منّي موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب وقال ابن نباته «٢» : أكاتم قلبي رأي عيني وإنّه ... ليكتم منّي سرّ كلّ خليل الممدوح بحفظه قال الأحوص: كريم يميت السرّ حتّى كأنّه ... عم بنواحي أمره وهو خابر وقال قيس بن الحطيم: كتوم لأسرار الخليل أمينها ... يرى أن بثّ السرّ قاصمة الظّهر وقال كشاجم: ويكاتم الأسرار حتّى أنّه ... ليصونها عن أن تمرّ بخاطره مدح كتمان السر قال قتادة (رضي الله تعالى عنه) : إذا تكلمت بالنهار فانظر من عندك، وبالليل، فاخفض صوتك. وقد نظمه الشاعر بقوله: اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنّهار قبل الكلام ودنا رجل من آخر فكلّمه، فقال: ليس ها هنا أحد، فقال: من حق السرّ التداني «٣» .

стр. 158

صعوبة حفظ السرّ قيل: أصبر النّاس من صبر على كتمان سرّه فلم يبده لصديقه. الصّبر على التهاب النار أهون من الصّبر على كتمان السرّ. عيب من لا يحفظ سرّه ويستحفظه غيره وقال الشاعر: إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق وقال بشّار: تبوح بسرّك ضيقا به ... وتبغي لسرّك من يكتم وقال دعامة بن يزيد الطائي: إذا ما جعلت السرّ عند مضيع ... فإنّك ممّن ضيّع السرّ أذنب ذمّ مفش سرّه قيل: فلان أنمّ «١» من النسيم على الرياض، ومن العين منها الصفو والكدر، وقيل: وهو أضيع للأسرار من الغربال للماء. قال الشاعر «٢» : أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتكلّمينا وقال آخر: أمنت على السرّ أمرأ غير حازم ... ولكنّه في النّصح غير مريب أذاع به في النّاس حتّى كأنّه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب وقال ابن الرومي: كان سرّي في أحشائه لهب ... فما تطيق له طيا حواشيها الأحوال التي يفشو فيها السرّ قال يحيى بن خالد: الرجل ينبىء عن نفسه في ثلاثة مواضع: إذا اضطجع على فراشه، وإذا خلا بعرسه «٣» ، وإذا استوى على سرجه. وقيل: إذا أردت أن تنزل الرجل عن سرّه، فتوصّل إليه من حال سكره:

стр. 159

فالسكر يظهر سرّه المكتوما كتم ما لا ينكتم قال الشاعر: وليس الذي فيه خفاء لأمره ... كمن دبّ يستخفي وفي العنق جلجل وقال زهير: مخاز لا يدبّ لها الخفاء وفي المثل: وهل يخفى على النّاس النّهار وقال أبو نواس يصف الخمر: نحن نخفيها ويأبى ... طيب ريح وفيوح المساررة في المحافل قال النبي ﷺ : إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث. وكان مالك بن مسمع إذا سارّه إنسان يقول: أظهره فلو كان خيرا لم يكن مكتوما. وهذا من قول زهير: والستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر وقال الخبزارزي: إذا أنت ساررت في مجلس ... فإنّك في أهله متّهم فهذا يقول قد اغتابني ... وذا يستريب وذايتّهم الرخصة في إفشاء السرّ إلى الصّديق ليم بعضهم في إفشاء السر، فقال: المصدور «١» إذا لم ينفث جوي «٢» والمهجور إذا لم يشك وري «٣» . قال الشاعر: ولا بدّ للشكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفسي تطلع وقال محمود الورّاق: إذا كتم الصّديق أخاه سرّا ... فما فضل الصّديق على العدوّ؟ وقيل: لا يزال المرء في كربة ووحشة، ما لم يجد من يشكو إليه.

стр. 160

وقال الشاعر: لا تكتمنّ داءك الطبيبا ... ولا الصّديق سرّك الهجوبا «١» وسارر المهدي وكيلا له، والعبّاس بن محمد حاضر، فقال: اسردوني ولو هجم بي نصحك على تلفى لما تركته، وأنشد: بمثلى فاشهد النجوى وعالن ... بي الأعداء والقوم الغضابا وكتب أبو الفضل بن العميد: من كتم عن طبيبه داءه، وستر عنه ظمأه بعيد عليه أن يبلّ عن علله ويعلّ من غلله. المتبجّح بإظهار أسرار أصدقائه قال الشاعر: ولا أكتم الأسرار لكن أنمّها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي وإنّ قليل العقل من بات ليلة ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب وقال رجل لصديق له: اكتم سرّي الذي أفشيته، فقال: كلا لست أشغل قلبي بنجواك ولا أجعل صدري خزانة شكواك فيقلقني ما أقلقك، ويؤرّقني ما أرّقك، فتبيت بأفشائه مستريحا، ويبيت بحرّه قلبي جريحا، وقال الشاعر: ولا تودع الأسرار قلبي فإنّما ... تصبنّ ماء في إناء مثلم «٢» (١٥) وممّا جاء في النّصح فضل النّصح والحثّ عليه قال النبي ﷺ : الدّين النصيحة، وقال ﷺ : من غشّنا فليس منّا، وقال ﷺ : دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصحك أخوك فانصحه، وقال أوس «٣» : وإن قال لي ماذا ترى يستشيرني ... فلم يك عندي غير نصح وإرشاد الحثّ على قبول النّصح وإن كان مرّا قيل: من أحبّك نهاك، ومن أبغضك أغراك.

стр. 161

وقال بعض الحكماء: من أوجرك «١» المرّ لتبرأ، أشفق عليك ممّن أوجرك الحلو لتسقم، وقيل: النصيحة أمن الفضيحة. معاتبة من لم يقبله من لم يقبل رأي أصحابه، وإن حزنوه عاد ضرره عليه، كالمريض الذي يترك ما يصف له الطبيب، ويعمد لما يشتهيه فيهلك. قال الله تعالى حكاية عن صالح: لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم، ولكن لا تحبّون الناصحين. وقال أبو ساسان: أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب العبارة نادما وقال آخر: لو كنت تقبل نصحي غير متّهم ... ملأت سمعك من وعظ وإنذار وقال العرجي: عرضت نصيحة منّي ليحيى ... فقال غششتني والنّصح مرّ ضياع النّصح لمن لا يقبله قال الشاعر: وما خير نصح قيل لا يتقبّل وقال الخبزارزي: إن كان حمدي ضاع في نصحكم ... فإنّ أجري ليس بالضائع وقيل: أخذ رجل ذئبا فجعل يعظه، ويقول: إياك وأخذ أغنام الناس فيعاقبك الله، والذئب يقول خفّف، واختصر فقدامي قطيع من الغنم لئلا يفوتني. وقال الشاعر: لددتهم النصيحة أي لدّ ... فمجّوا النصح ثمّ ثنوا وفاؤا «٢» معاتبة من يستنصح النّاس ويستغشّ الناصح وقال عبد الله بن همام: ألا ربّ من تغتشه لك ناصح ... ومؤتمن بالغيب غير أمين وله: وقد يستغشّ المرء من لا يغشّه ... ويأمن بالغيب امرأ غير ناصح

стр. 162

وقال يزيد بن الحكم: تصافح من لاقيته ذا عداوة ... صفاحا وحقد بين عينيك منزور وقال آخر: والعجز أن تجعل الموتور منتصحا «١» وقال آخر: ألا ربّ نصح يغلق الباب دونه ... وغشّ إلى جنب السرير مقرّب وقال آخر: نصحت فلم أفلح وخانوا فافلحوا ... فأنزلني نصحي بشرّ مكان الحثّ على الغش لمن لا يقبل النّصح قال عثمان البستي: إذا نصحت الرجل فلم يقبل منك، فتقرّب إلى الله بغشّه. وقال الشاعر: أغشّ إذا النّصح لا يتقبّل وأنشد الثوريّ: تنحلت آرائي فسقت نصيحتي ... إلى غير طلق للنّصيح ولا هشّ «٢» فلمّا أبى نصحي سلكت طريقه ... وأوسعته من قول زور ومن غشّ «٣» كون النّاصح متّهما قيل في المثل: المبالغة في النصيحة تهجم بك على عظيم الظنّة. وقال: وقد يستفيد الظنّة المنتصح وشاور المأمون يحيى بن أكثم فكان الرأي مخالفا لهوى المأمون، فقال يحيى: ما أحد بالغ في نصيحة الملوك إلا استغشّوه. قال: ولم يا يحيى؟ قال: لصرفه لهم عمّا يحبّون، إلى ما لعلّهم يكرهون في الوقت، والهوى إله معبود. وصف غاشّ في نصيحة قيل: فلان شولة الناصح، وشولة أمة كانت ترى أن تنصح مواليها وهي تسعى في إهلاكهم. وقال معاوية يوما لعمرو بن العاص: هل غششتني منذ استنصحتك؟ قال: لا، فقال:

стр. 163

ولا يوم أشرت عليّ بمبارزة عليّ وأنت تعلم من هو؟ فقال: كيف؟ وقد دعاك رجل عظيم الخطر كنت من مبارزته إلى أحدى الحسنيين إن قتلته فزت بالملك وازددت شرفا إلى شرف، وإن قتلك تعجّلت من الله تعالى ملاقاة ألشهداء والصديقين، فقال: وهذا أشد من الأول فقال: أو كنت من جهادك في شكّ. فقال: دعني من هذا. قال النابغة: يخبّركم أنّه ناصح ... وفي نصحه ذنب العقرب وقال الموسوي: يروم نصحي أقوام رأوا كيدي ... والعجز أن تجعل الموتور منتصحا هذا من قول حارثة بن بدر: أهان وأقصى ثمّ تستنصحونني ... وأيّ امرىء يعطي نصيحته قسرا «١» وقال لمن يردّ نصيحته: أعاذل إن نصحك لي عناء ... فحسبك قد سمعت وقد عصيت (١٦) وممّا جاء في الوعظ والمتعظين والآمرين بالمعروف والقصاص والمفتين نهي من لا يتّعظ عن الوعظ قال رجل لأمير المؤمنين ﵇: عظني وأوجز، فقال: توقّ ما تعيب. وقال أيضا: لا تأت ما تعيب ولا تعب ما تأتي. وجاء رجل إلى ابن عبّاس ﵁، فقال: إنّي أريد أن أعظ، فقال: أو بلغت ذلك إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله تعالى فافعل. قال: ما هي؟ قال: قول الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ «٢» وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ «٣» وقول العبد الصالح شعيب وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ «٤» . أحكمت هذه الآيات. قال: لا، قال: فابدأ إذا بنفسك.

стр. 164

وقال ابن كناسة: يا واعظ النّاس قد أصبحت متّهما ... إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها كمن كسا النّاس من عري وعورته ... للنّاس بادية ما إن يواريها «١» الحثّ على الوعظ بالفعال دون المقال قال بقراط: لا تحثّ غيرك على فعل الفضائل ما لم تستكمل فيك فأفعالك تحت على المحاسن أكثر من مقالك. وقال أبو جعفر النيسابوريّ: ليس الحكيم الذي يلقّنك الحكمة تلقينا، إنّما الحكيم الذي يعمل العمل فتقتدى به. وقال أبو هاشم: أخذ المرء نفسه بحسن الأدب تأديب أهله. ومن هذا قول محمود الورّاق: رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم داء الفساد إذا فسد وقال عديّ: ونفسك فاحفظها من الغيّ والرّدى ... متى تغوها تغو الذي بك يقتدي «٢» التلطّف والملاينة في الوعظ قيل: تصدّى رجل للرشيد، فقال: إني أريد أن أغلظ عليك لي في المقال، فهل أنت محتمل؟ قال: لا، لأن الله تعالى أرسل من هو خير منك إلى من كان شرا منّي، فقال: فقولا له قولا لينا لعلّه يتذكر أو يخشى. وقيل: الواجب لمن يعظ أن لا يعنّف ولمن يوعظ أن لا يأنف. الحثّ على الاتعاظ قيل: من قلّ اعتباره قلّ استظهار من لم يتعظ بغيره وعظ الله به غيره. وقال حكيم: السعيد من وعظ بغيره والشقيّ من وعظ به غيره. وقيل: يا لها من موعظة لو وافقت في القلوب حياة. النّهي عن وعظ من لا يتّعظ وقيل: وعظ من لا يعيرك سمعه، ولا يشحذ وعظك طبعه كمن وضع مائدة لأهل القبور، ورام بخرقة تليين الصخور. وقيل: فلان في وعظه كنافخ في قفص وقاصّ في مقبرة.

стр. 165

وقيل: لا ينجع الوعظ في القلوب القاسية، كما لا يزكو البذر في الأرض الجاسية «١» . وقيل: صقلك سيفا ليس له سنخ تعب، وبذرك أرضا سبخة «٢» نصب. وقيل: من استثقل سماع الحقّ فهو للعمل به أكثر استثقالا. الحثّ على قبول وعظ من ليس بمتعظ قال بعضهم: لا يمنعنّكم سوء ما تعلمون منّا، أن تعملوا بأحسن ما تسمعون منّا. ووقف رجل على ابن عيينة وهو يعظ النّاس فأنشده: وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى ... طبيب يداوي والطبيب مريض فأنشده ابن عيينة: إعمل بعلمي وإن قصّرت في عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري وقد قال النبي ﷺ : مروا بالمعروف، وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه. وما أحسن ما قال يوسف بن الحسين الرازي في دعائه: اللهمّ أنك تعلم أنّي نصحت للناس قولا، وخنت نفسي، فهب خيانتي لنفسي لنصيحتي للناس. النّهي عن الاقتداء بذوي الزّلات قال المعتمر بن سليمان: إيّاك والاقتداء بزلّات أصحاب النبي ﷺ ، فتقول: فلان شرب النبيذ، وفلان سمع الغناء، وفلان لعب بالشطرنج، فيخرج منك فاسق تام. وقيل: من أخذ برخصة كلّ فقيه خرج منه فاسق. كراهية تولّي الفتيا «٣» والجلوس للنّاس قال النبي ﷺ : أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار. وقال ﷺ : من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض. وقيل لحاتم الأصم: ألا تجلس لنا في الجامع؟ فقال: لا يجلس في الجامع إلا جامع، أو جاهل، ولست بجامع ولا أحب أن أكون جاهلا. وفي أخرى لا يتصدّى إلا فائق أو مائق ولست بالفائق. وقال الحسن ﵁: إنّ خفق النعال خلف الرجال لا يثبت قلوب الحمقى. ونظر عمر ﵁ إلى أبيّ بن كعب، وقد تبعه قوم فعلاه بالدرّة «٤» ، وقال: إنها فتنة للمتبوع ومذلّة للتابع.

стр. 166

قال ابن المبارك: قلت لسفيان: من الناس؟ قال: العلماء. قلت: فمن الملوك؟ قال الزهّاد. قلت: فمن الغوغاء؟ قال: القصّاص. الحثّ على الأمر بالمعروف قال الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» . وقال أبو بكر ﵁ : سمعت النبي ﷺ قال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده عمهّم الله بعقابه. وقال النبي ﷺ : من رأى منكرا فاستطاع أن يغيّره بيده، فليفعل. فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. وقال خالد بن عبد الله في كلام له: حق على المسلمين التواضع والتناهي عن المعاصي. الموضع الذي يجوز فيه ترك الأمر بالمعروف قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ «٢» . وقال أبو أمية الشعباني: سألت أبا ثعلبة الخشني عنها، قال: سألت عنها جبيرا. قال سألت: رسول الله ﷺ قال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، وإذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كلّ امرىء برأيه فعليك بنفسك ودع أمر العوام. وقال أكثر المتكلمين: لا يجوز ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في كلّ موضع، لكن من علم أو ظنّ أنه ينفذ قوله ولا يناله مكروه إذا قاله، أو فعله، فعليه أن يفعل ذلك، ومتى خاف على نفسه، فعليه أن ينكر المنكر بقلبه دون لسانه. من هزأ بالناس من القصاص كان عيّار يقصّ فأقبل جماعة من المرد، فقال: ها هو قد جاء العدوّ أمنوا، اللهم امنحنا أكتافهم وكبّهم على وجوههم وولّنا أدبارهم وأرنا عورتهم، وسلّط رماحنا عليهم. والناس يؤمنون ولا يدرون. وكان قاص بالغداة يسخر بالناس ويشرب بالعشيّ فقيل له في ذلك، فقال: أنا بالغداة قاص وبالعشي ماصّ. وكان قاصّ يقال له أبو شعيب يقول: ها أنا أبو شعيب قليل العيب، هاتوا ما في الجيب أخبركم بما في الغيب. وجاءه رجل فقال: ما المحبة؟ فقال: هاك سؤالك جاءني في جبّه بلحية كالمذبة ورأس مثل الدبة وعقل لا يساوي حبة يسألني عن المحبّة.

стр. 167

الهاذون «١» من القصّاص ألقي إلى أبي مسلم القاصّ خاتم بلا فصّ، فقال: صاحب هذا الخاتم يعطى في الجنة غرفة بلا سقف. وقال قاص: ما من قطرة تسقط من السماء إلا ومعها ملك يضعها في موضعها. ثم يصعد، فقيل: فالقطرة التي تقع في الكنيف يدخل معها الملك؟ فقال: إن في الملائكة كناسين كما في الناس ذوي دناءة وخسة. وقال أبو عقيل: الرعد ملك أصغر من نحلة وأعظم من زنبور، فقيل: لعلّك تريد أصغر من زنبور وأعظم من نحلة، فقال: لو كان كذا لم يكن بعجب. وقرأ رجل في مجلس سيفويه قوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ «٢» فقال: دعنا من قرآن الحماشين، وهات قرآن طرسوس يعني الجهاد. وقال قاص: يا قوم اشكروا إذا لم يكن للملائكة نجاسة فكانوا يحزنون علينا، يلطخون ثيابنا. وقال يوما: احذروا الله فإنه ماء تحت التبن، فقيل له: كيف؟ فقال: أهلك عالما في سبب ناقة قيمتها مائتا درهم، وقتل ابن النبي فلم ينتطح فيه عنزان. ربما يأخذ بالقليل ويعفو عن الكثير. وقال آخر: من صلّى ركعتين، فله بيت في الجنّة، فقال نبطي، إن صلّيت خمسين ركعة هل يجعل لي بيت؟ فقال: لا يا عاص إن ذلك لبني هاشم، فأما أنت فيبنى لك جدح بعكر. وقال بعضهم: كان موسى ﵇ فضوليا. قيل: وكيف قال؟ قيل له: وما تلك بيمينك يا موسى؟ فكان الجواب أن يقول عصا. فقال: هي عصاي (الآية) . فأخذ فيما لا يعنيه. أدعيتهم دعا بعض القصّاص فقال اللهمّ جازفنا ولا تفتش عن ذنوبنا فتفضحنا. وكان بعضهم يقول: اللهم اغفر لنا كلّ نعمة وحسنة، واحشرنا في جملة سيدي أبو عبد الله بن حنبل ولا تغفر للرافضة. من أفتى في مسألة برقاعة ترك طبيب طبّه وقعد فقيها فقيل له: ما تقول في من زعف في صلاته؟ فقال: يحتجم، قيل: فمن قلس في صلاته، فقال: يتناول حبّ أيارج، قيل: ذا طبّ وليس بفقه.

стр. 168

وقيل لآخر: ما تقول في من خصى نفسه؟ قال: إن قصد الإضرار بامرأته حدّ. وقيل لبعضهم: إن نصرانيا قال: لا إله إلا الله، فقال: يؤخذ بنصف الإسلام، وإن مات دفن بين مقابر المسلمين ومقابر النصارى. وقيل لسيفويه ما تقول في الأضحية؟ فقال: علي لخبير سقطت، سألت عنها شيخا بنصيبين فلم يكن عنده فيها شيء. وقيل له: أتروي عن شريك شيئا؟ فقال نعم. حديثا واحدا قيل ما هو؟ قال: حدثنا شريك عن مغيرة عن إبراهيم مثله قيل مثل أي شيء قال ما أدري هكذا سمعته. من استفتى فيما لا يعرفه فانفصل عنه بحيلة قالت امرأة لرجل: إذا كان مكوك دقيق بدرهم ودانق «١» ، كم يكون بأربعة دراهم؟ فلم يعرف جوابها. فقال: ممّن اشتريت؟ قالت: من فلان قال اقنعي بما يعطيك فإنه ثقة. وسأل رجل في الجامع أبا عقيل مسألة في الحيض فلم يعرفها. فقال يا أحمق أخرج هذه القاذورات والنجاسات من الجامع حتى تخرج منه. وكان بعض القصاص في حديث قتلى بدر، فسئل عن النملة إذا ماتت في الماء، هل يجوز شربه؟ فقال: ما لنا وهذا؟ نحن في النوق لسنا العنوق أي نتكلم في الكبار فلا نخوض في الصغار. من استفتاه أحمق فأجابه بنادرة قال شاميّ لحمزة بن بيض: لم يرفع الكلب رجله إذا بال؟ قال: مخافة أن ينجس سراويله. وسأل رجل الشعبي: كم أمهر إبليس امرأته؟ قال: ذاك أملاك لم أشهده. وقال له إنسان: هل آكل الذباب؟ قال إن اشتهيت فكل. وقيل لآخر: إذا دخلت النهر لاغتسل، ففي أي جانب أفضل أن أقف، فقال في الجانب الذي فيه ثيابك لئلا تسرق. وقيل لآخر: ما تقول في من نام وأيره قائم فجاءت امرأة فقعدت عليه؟ فقال: لا أدري ما أقول، ولكن كان أيرا مرزوقا. وقال أبو حازم: جاء رجل إلى أبي فقال بأي رجل يجب أن يبدأ من يدخل المسجد؟ فقال ما هذا مما يسئل عنه؟ ولكن قد قيل للعروس: ضعي رجلك اليمنى على المال والبنين.

стр. 169

وقال رجل لمفت بالبصرة: أسلمت ثوبا إلى الحائك فالدقيق على من يجب؟ فقال: الدقيق ولعنة الله على الحائك. من استفتى في سخف فأجاب بمقتضاه قيل لعالم: ما بال عانة المرأة تنبت اكثف، فقال لقربها من السما وتسقى من عسل. وقيل: ما بال أستاههن لا شعر عليها وعلى أستاء الرجال الشعر؟ فقال: لأن أستاه الرجال حمى وأستاه النساء مرعى. وقال عبادة عند المأمون ليحيى بن أكثم: علّمني فرائض الصلب فإني أشتهيها فقال المأمون وتبسم ما تقول في مسألته، فقال: قد أخطأ ما كان يجب أن يسأل عن هذا في الصبا. أما سمع قول الشاعر: فإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه إنما يعلم الحديث بشرط أن يكون وضيئا زكيا سهل الأخلاق فإن كان له ابن بهذا الشرط علمناه، فقال عبادة: لو دخلت في صناعتنا لم يقربك أحد. فقال يحيى: وأنا خارج منها وما بأحد على قوّة. واستفتى ابن فريعة في رجل دخل الحمام وقعد على الحوض ضرط فيه فتحول الماء زيتا فكتب أخلق بذلك أن يكون عبثا باطلا وكذبا وعليهما أن يعلما المبتاع بنجاسة منشئه وقذر مبدئه، ليستعمله في أسرجته «١» دون أطعمته والسلام. (١٧) وممّا جاء في الخطبة وقراءة القرآن ما يحتاج إليه في الخطبة قيل: يجب أن يكون الخطيب رابط الجأش ساكن الجوارح، قليل اللحظ متخيّر اللفظ جهير الصوت، وأن يضع في صدر كل خطبة من النكاح والعيد والصلح ما يدل على عجزها، وأن يكون فيها آيات وإلا كانت شوهاء، ولذلك قال عمران بن حطان: أول خطبة خطبتها عند زياد، فقال: هذا الفتى أخطب الناس. لو كان في خطبته شيء من القرآن وليس من السنّة التمثل فيها بالشعر. وقال الجاحظ: يجب أن يفرق بين صدر خطبة النكاح، وخطبة العيد وخطبة الصلح، وكانوا يحمدون الجهير الصوت ويذمّون ضئيله.

стр. 170

صعوبة تولّيها قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب، فقال: كيف لا؟ وأنا أعرض عقلي في كل جمعة على النّاس. وقيل: نعم الشيء الأمارة، لولا قعقعة البريد وصعوبة المنبر. وقيل: إياك والخطبة فإنها مشوار كثير العثار «١» . وقيل: لا يقدم على الخطبة إلا فائق أو مائق «٢» . وقال عبد الله القسري: هو مقام لا يقومه إلا أهوج أو قليل الحياء. وقال عمر ﵁: لا يتصعّدني شيء كما تتصعدني خطبة النكاح. وقيل: إنما صعب عليه لقرب الوجوه من الوجوه ومن صعد المنبر رأى نفسه أرفع فيكون أجسر. وقيل أنه لا يجد من تزكية الخاطب بدا فلذلك كرهه. من ارتج عليه فيها فاعتذر بعذر حسن ارتج على عثمان ﵁، فقال: إنكم إلى أمير فعّال أحوج منكم إلى أمير قوّال. وارتج على يزيد بن المهلب فلما نزل قال: فإن لا أكن فيكم خطيبا فإنّني ... لسيفي إذا جدّ الوغا لخطيب فقيل: لو قلت هذا على المنبر، لكنت أخطب العرب. وصعد خالد بن عبد الله القسري المنبر فأرتج عليه فقال: إن هذا الكلام يجيء أحيانا، ويعسر أحيانا وربما طلب فأبى وكوبر فعتا. التأنّي لمجيئه أيسر من التعاطي لأبيّه. وقد يختلط من الجريء جنانه وينقطع من الذرب لسانه، وسأعود فأقول. وارتج على أبي العباس السفّاح لما صعد المنبر فنزل ثم صعد، وقال: أيّها النّاس إن اللسان بضعة من الإنسان، يكل بكلاله إذا كلّ ويرتجل لارتجاله إذا ارتجل. ونحن أمراء الكلام بنا تفرّعت فروعه، وعلينا تهدّلت غصونه، ألا وإنا لا نتكلم هذرا بل نسكت معتبرين وننطق مرشدين. من اعتذر بخرافة أو نادرة حضر عبد الله بن عامر على منبر البصرة فاشتد جزعه فقيل: إن هذا مقام صعب فامتحن فيه غيرك. فأمر وازع بن مسعود أن يصعد ويخطب فلما ابتدأ الكلام حصر، فقال: لا أدري ما أقول لكم، ولكنني أشهدكم أن امرأتي طالق فهي التي أكرهتني على حضور الصلاة. ثم أمر آخر فصعد المنبر فارتج ونظر إلى الصلع فقال: اللهمّ العن هذه الصلعة.

стр. 171

وصعد عتاب بن ورقاء منبر أصبهان يوم النحر، فحضر فقال: لا أجمع عليكم عيّا وبخلا، ادخلوا سوق الغنم، فمن أخذ منكم شاة فهي له وعليّ ثمنها. الأمر بالإغضاء عنه لئلا يدهش صعد أعرابي المنبر فلما رأى الناس يرمقونه صعب عليه الكلام، فقال: رحم الله عبدا قصر من لفظه ورشق الأرض بلحظه ووعى القول بحفظه. وصعد روح بن حاتم المنبر، فلما رفع الناس أبصارهم قال لهم: نكّسوا رؤوسكم وغضّوا أبصاركم، فإن أول مركب صعب. وصف خطيب مصقع طلحة: ركوب المنابر وثّابها ... معنّ بخطبته مصقع «١» وقال قيس بن عاصم: خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن «٢» وقال آخر: يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء جماعة من مشاهير الخطباء منهم قيّس بن ساعدة، ولقيط بن معبد، وزيد بن جندب، وصعصعة بن صوحان، وقطري بن الفجاءة، وعمران بن حطان. وتكلّمت الخطباء يوما عند معاوية ﵁ فقال: والله لأرمينّهم بالخطيب الأشدق. قم يا زيد فتكلم. ومن الخطباء القدماء: كعب بن لؤي، وكان يخطب على العرب كافّة. فلّما مات أكبروا موته، وأرّخوا بموته إلى عام الفيل. ومن خطباء اليمن حمير بن الصباح وكان المفضل بن عيسى الرقاشيّ من أخطب الناس، وكان متكلما قاصّا يقعد إليه عمرو بن عبيد. المعتذر بعجزه عن الخطبة قال كعب الأسدي: فإن لا أكن في الأرض أخطب قائما ... فإنّي على ظهر الكميت خطيب وقال لبيد: إذا اقتسم النّاس فضل الفخار ... أطلنا على الأرض ميل العصا

стр. 172

وله: ما إن أهاب إذا السرادق غمّه ... قرع القسيّ وأرعش الرعديد «١» ومن السنة أن يتناول الخطيب سيفا أو قوسا يمسك به نفسه، وقد تقدّم شيء من هذا الباب. ذمّ خطيب قال وائلة الدوسيّ: لقد صبرت للذلّ أعواد منبر ... يقوم عليها في يديك خطيب بكى المنبر الشرقيّ لما علوته ... وكادت مسامير الحديد تذوب وقال منصور بن ماذان: أقول غداة العيد والقوم شهد ... ومنبرنا عالي البناء رفيع لعمري لأن أضحى رفيعا فإنّه ... لمن يرتقي أعواده لوضيع وقال آخر: سلي ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع «٢» وقال المصيصي في خطيب: ينشي لنا كلّ جمعة عظة ... يشلي علينا بها الشياطينا «٣» فضل قراءة القرآن قال النبي ﷺ : لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في السر والإجهار. وقال ﷺ : خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه. ولبعضهم أن الله تعالى جعل القرآن سراجا لا تطفأ مصابيحه، وشهابا لا يخبو زنده، ونورا لا يتغير ذكاؤه، ومن قرأه وتبعه دلّه على المكارم وصدّه عن المحارم، وشفع له يوم القيامة. قال الله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «٤» وقال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ «٥» وقال ﷺ : من بلغه القرآن فكأنما شافهته، لقوله تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ «٦» وقد ذكرنا أحوال القرآن في باب الديانة مستقصاة.

стр. 173

نوادر العرب فيما سمعوه من القرآن قيل لأعرابي اقرأ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «١» ، فقال: أدخلت يدك في الجراب فأخرجت شيئا فيه صعود وهبوط هات غيرها. وقيل لآخر: ما تقرأ في صلاتك؟ قال أمّ القرآن ونسبة الربّ وهجاء أبي لهب. وقيل لآخر: ما قرأ إمامكم البارحة في صلاته؟ فقال: أوقع بين موسى وهارون شراشر «٢» . وسمع آخر رجلا يقرأ: الأعراب أشد كفرا ونفاقا فقال: لقد هجانا. ثم سمعه يقرأ بعده ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، فقال: لا بأس هجاء ومدح هذا كما قال الشاعر: هجوت زهيرا ثمّ إنّي مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح وسمع آخر قوله تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ «٣» فقال: وأين السلم إليه؟ وسرق أعرابي غاشية سرج، فدخل مسجدا فقرأ الإمام: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ «٤» ، فقال: أسكت قد أخذت في الفضول، فقرأ الإمام: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ «٥» فقال ها هي غاشيتكم، فلا تخشعوا وجهي. من غيّر حرفا من القرآن فأتى بنادرة لمّا روجع قال الحجّاج لامرأة من الخوارج اقرئي شيئا من القرآن فقرأت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً «٦» فقال: ويحك يدخلون، قالت: قد دخلوا وأنت تخرجهم. وقرأ أعرابي: إنا بعثنا نوحا إلى قومه. فقيل: إنما هو أرسلنا، فقال ما بينهما إلا لجاجك. وقرأ آخر: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «٧» فقالوا له: قد غيرت فقال: خذوا أنف هرشى أو قفاها فإنّه ... كلا جانبي هرشى لهنّ طريق بعض ما جعلته العرب قرآنا قرأ أعرابي في صلاته: الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب طويل ومشفروئيل «٨» وإنه من خلق ربنا لقليل، الله أكبر.

стр. 174

وقرأ آخر: ويوسف إذ دلّاه أولاد علّة ... فاصبح في قعر الركيّة ثاويا «١» وصلّى آخر بقوم فقرأ: أفلح من هينم في صلاته ... وأخرج الواجب من زكاته «٢» وأطعم المسكين من مخلاته فضحك القوم فالتفت إليهم وقال: أشهد أني أخذته من في «٣» مسيلمة. وشهد أعرابي عند أمير فقال المشهود عليه كيف تقبل شهادته وهو لا يحسن شيئا من القرآن فالتفت إليه، وقال اقرأ، فقال: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الاباعد فقال الأمير أنها آية محكمة، فقال المشهود عليه: ما أراه تعلّم هذه الآية إلا الساعة. من ذكر مثلا فاعتقد أنّه من القرآن خطب أبو الفرزدق فقال: قال الله تعالى: لن يعجز القوم إذا تعاونوا. وخطب عتاب بن ورقاء فقال: إن الله تعالى يقول: إنما يتفاضل الناس بأعمالهم. فقيل: ليس هذا قرآنا فقال: ما أظنها إلا آية. وقال بعض الناس: ما أحسن ما قال الله تعالى: اقتلوا السفلة حيث وجدتموهم. فقيل: ليس هذا بقرآن، فقال: ألحقوها به فإنها آية حسنة. وغضب أبو عبّاد الكاتب على بعض كتّابه فرماه بدواة فبلغ المأمون، فقال له: لم فعلت ذلك؟ فقال: أنا ممّن قال الله تعالى فيه: وإذا ما غضبوا هم يستغفرون فقال: ويلك لا تحسن آية فقال: نعم إني أقرأ من سورة ألف آية. ذمّ من قبح قراءته قرأ رجل بحضرة الصاحب ﵀: و «العاديات» «٤» بأقبح قراءة فتناوم الصاحب تبرما به، فضرط القارىء ضرطة، ففتح الصاحب عينيه وقال: نوّمتني بالعاديات ونبّهتني ب «المرسلات» . وقال المصيصي: نحن في أنكر عيش ... من قراءة ابن حبيش

стр. 175

يقرأ الحمد فتى في ... خلقه كنة خيش وقال آخر: وكأنما في الحلق منه مجسّة ... أو دبة في سلم تتدحرج وصلّى رجل يقال له يحيى، بأربعة نفر فأكثر اللحن في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلما فرغ قال أحدهم: أكثر يحيى غلطا ... في: «قل هو الله أحد» فقال الثاني: قام يصلي قاعدا ... حتّى إذا أعيا قعد فقال الثالث: كأنّما لسانه ... شدّ بحبل من مسد «١» فقال الرابع: يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد «٢» ذمّ من أرتج عليه في القراءة ونوادره قام رجل يصلّي خلف إمام، فلما افتتح الصلاة أرتج عليه في الاستعاذة من الشيطان، فأخذ يكرّر الاستعاذة فقال له رجل: إنك لا تحسن القرآن فما ذنب الشيطان يا بارد. وقرأ إمام سورة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ «٣» فلما بلغ قوله: فأين تذهبون؟ أرتج عليه فأخذ يكرر، وخلفه أعرابي، فأخذ حمشه «٤» وصفعه، فقال: أما أنا فأريد كلواذاء هؤلاء الكشاخنة لا أعرف مقصدهم. وصلّى رجل بقوم فأخذ يردد: قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي فقال أعرابي: أهلكك الله وحدك. وقرأ الرشيد ليلة: مالي لا أعبد الذي فطرني، فارتج عليه، وأخذ يردده وابن أبي مريم بقربه في الفراش، فقال: لا أدري والله لم لا تعبده؟ فضحك الرشيد وقطع صلاته.

стр. 176

(١٨) ومما جاء في الفراسة والتّراطن والطّيرة والفأل صحّة الفراسة قال النبي ﷺ : اتّقوا فراسة المؤمن، وقال ﷺ : المؤمن ينظر بنور الله. قال ابن الرومي: وحبّي الفؤاد يعلمه، العا ... قل قبل السماع بالإيماء وظنون الذكيّ أنفذ في الحق ... ق سهاما من رؤية الأغبياء وقال آخر: لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر وقال آخر: وفي بعض القلوب ترى عيون، وقال البحتري: وإذا صحّت الرويّة يوما ... فسواء ظنّ امرىء وعيانه «١» الممدوح بصحّة الفراسة قيل فلان ألمعيّ «٢» ، وقال أوس «٣» : نجيح مليح أخو مأقط ... نقاب يخبر بالغائب «٤» وقال أبو تمّام: يرى الحادث المستعجم الخطب معجما ... لديه ومشكولا إذا كان مشكلا «٥» وقال آخر: يخبر ظهر الغيب ما أنت فاعل وقال آخر: يخاطبه من كلّ أمر عواقبه من تفرّس في صبيّ أمرا وكان كما ظنّ رأى بكير بن الأخنس المهلّب وهو غلام، فقال: خذوني به إن لم يفق سراتهم ويبرع حتّى لا يكون له مثل، وكان كما قال.

стр. 177

ونظر رجل إلى معاوية وكان صغيرا فقال: إنّي أظن هذا الغلام سيسود قومه. فقالت هند: ثكلته أمّه إن كان لا يسود إلا قومه. ورأى رجل ابن السكّيت وهو صغير يسأل فيجيب، فقال: إن هذا الغلام ينال خيرا وقد تقدم في الحزم والتعلم مثل هذا. كلمات من الرّطانة «١» بعث امرؤ القيس إلى امرأة تزوج بها بثلاثين شاة وزقّ خمر، فذبح الغلام في الطريق شاة وأكلها وشرب بعض الزقّ فلما أوصلها، قالت له: قل لزوجي إذا أتيته سحيما كان قدر، ثم وإن رسولك جاءنا في المحاق. فلما أتاه الرسول وأخبره، قال: يا عدوّ الله أكلت شاة وشربت من رأس الزقّ فاعترف بذلك. وأسر بنو ساسان رجلا من بني العنبر، فقال: دعوني أرسل إلى قومي ليفدوني. فقالوا: على أن لا تكلم الرسول إلا بحضرتنا. فقال: نعم. وقال للرسول: قل لهم إنّ الشجر قد أورق وإن النّساء قد اشتكت. ثم قال له: أتعقل؟ قال: نعم. فقال: ما هذا الوقت؟ قال: الليل. قال: قل لهم عروا جملي الأصهب واركبوا ناقتي الحمراء، واسألوا حارثا عن أمري. وكان الحارث صديقا له. فذهب الرسول إليهم فدعوا حارثا فسألوه. فقال: قوله الشجر قد أورق، أي تسلّح القوم، واشتكت النساء: أي اتخذت القرب للماء. وقوله: ما هذا الوقت؟ فقال الليل فإنه يقول أتاكم جيش كالليل وقوله عروا جملي الأصهب، أي ارتحلوا عن الصماء واركبوا ناقتي الحمراء أي انزلوا الدهناء. فرحلوا من ساعتهم فصبّحهم القوم فلم يجدوا أحدا وكان العطاردي، لما رجع إلى قومه رمى إليهم بصرّتين في إحداهما شوك وفي الأخرى تراب، فقال قيس بن زهير هذا رجل مأخوذ عليه بالحلف وهو ينذركم عدوا وشوكا. قال الله تعالى: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «٢» . وأسرت طيء غلاما من العرب فقدم أبوه ليفديه فاشتطوا عليه. فقال أبوه عنده: لا والذي جعل الفرقدين يصبحان ويمسيان على جبلي طيىء، ما عندي غير ما عرفتكم، ثم انصرف. وقال: لقد أعطيته كلاما إن كان فيه خير فهمه، كأنه قال الزم الفرقدين على جبلي طيىء ففهم الابن كلامه. فطرد إبلا من إبلهم ليلته، ونجا بها. وكان داريوس ملك فارس، لما سمع بخروج ذي القرنين «٣» بعث إليه بدرّة وكرة ياقوتة وجراب سمسم وتابوت مملوء من الذهب. وكتب إليه: إنما بعثت بهذا لا جرب عقلك، فقال له الإسكندر: قد عرفت لماذا بعثت. أما الدرّة فتزعم أنك سوط تشير علي. وقلت يجتمع لي ملكك اجتماع هذه الكرة في يدي. وذكرت أن لك في أمري ضياء كضياء

стр. 178

الياقوتة وبعثت بالتابوت من الذهب تقول: تكون لي خزائنك والسمسم تعلّمني أن عدة جنودك كثيرة ككثرته. ثم إن ذا القرنين أخذ كفا من السمسم بحضرة الرسول فاستفه ومضغه، وقال: قل له جنودك كثيرة، ولكنّي أطحنهم طحنا كهذا السمسم، وبعث معه إليه بجراب من خردل فأخبر الرسول داريوس بما عاين من ذي القرنين، فأعجبه كيده وغضب فأخذ كفّا من الخردل فطرحه في فمه كفعله بالسمسم فلما وجد مرارته وحرافته «١» لفظه، وقال: أشهد أن جنوده في حرافة الخردل، ثم كانت الغلبة لذي القرنين. ولما صالح ملك الهند اشترط عليهم أن يدفعوا إليه حكيما كان فيهم ففعلوا. فاستصحبه ولم يفاتحه. ثم بعث إليه يوما بستوقة «٢» مملوءة سمنا، فأخذها الحكيم وغرز فيها إبرا وردها إليه. فبعث إليه يوما آخر مرآة صديئة، فأخذها الحكيم فجلاها وردّها إليه. فقيل لذي القرنين تعجبا من فعلهما: ماذا عنيتما بذلك؟ فقال: إني لما بعثت إليه البستوقة قلت: إني ممتلىء من العلم امتلاء هذه البستوقة من السمن فأراني بغرز الإبر أن الأمر بخلاف ذلك، وأن في زيادات كثيرة، وذكرت له بالمرآة الصديئة، أن نفسي قد صدئت. فأجابني: بأن قال: ذاكر العلماء فالمذاكرة جلاء القلوب. الإشارة بقول يسير إلى معنى كثير كان المأمون ﵀ غضب على طاهر «٣» بعد ما وجّهه إلى خراسان، فكتب إليه بالرجوع. فكتب إليه صديق له كتاب سلام ووقع على حاشيته: يا موسى. فجعل طاهر يتأمل ذلك ولا يدري معناه، حتى ناوله امرأة صحبته جزلة الرأي، فقالت: إنما عنى يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك. فأمسك طاهر عن الإقدام وجعل يتقيه حتى طيّب قلبه. النهي عن التكهّن والطيرة روي عن النبي ﷺ أنه قال: الطيرة شرك وما منّا من يجده في نفسه، ولكن الله تعالى يذهبه بالتوكل. وقال ﷺ : ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الظنّ والطيرة والحسد فإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض ولا تثن.

стр. 179

وقال: من تكهن أو استقسم أو تطيّر طيرة ترد عن سفر، لم ينظر إلى الدرجات العلى يوم القيامة. وروي اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ولا رب غيرك، وقال ﷺ لا عدوى ولا هامة ولا صفر. الرخصة في الطّيرة عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: الطيرة في المنزل والمرأة والفرس. وقيل: أخبرت عائشة ﵂ بذلك فغضبت وأنكرت ذلك وطارت شقة في السماء وشقة في الأرض، وقالت: إن النبي ﷺ إنما قال إن يكن شؤم ففي هذه الثلاثة. جواز الفأل كان النبي ﷺ يتفاءل «١» ويعجبه الفأل الحسن ولا يتطيّر. ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وقاربها، سمع مناديا ينادي: يا سالم. فقال لأصحابه: سلمنا فلما دخلها سمع آخر ينادي: يا غانم. فقال: غنمنا. فلما نزل أتى برطب فقال ﷺ حلالنا البلد، وسمع رجلا يقول: يا حسن. فقال: أخذنا فألك من فيك. ولما خرج من مكّة مرّ بكلبة في ظل شجرة ساقطة أطباؤها «٢» نائمة عليها أجراؤها «٣» فقال لاصحابه أعطيتم درّها، ووقيتم كلبها. وبعث المشركون إليه سهيلا فقال: أتاكم سهيل وسيسهل أمركم. ووجه سعد بن أبي وقاص إلى عمر ﵄ رسولا فلما جاءه قال: ما اسمك؟ قال: ظفر. قال: ابن من؟ قال: ابن قريب. فقال: ظفر قريب إن شاء الله تعالى. ولما طلب المغيرة بن شعبة رسول سعد بن أبي وقاص من ملك الفرس يزدجر الجزية، قال: نعطيكم التراب. فقال سعد: نعم الفأل مكنّنا من أرضه. النهي عن التنجيم واختيار الأيام روى أن النبي ﷺ سأله رجل في أي يوم أحتجم. فقال: لا تطيروا، فإن الأيام كلّها لله إذا تبيغ «٤» بأحدكم الدم فليحتجم. وقال النبي ﷺ : اللهمّ لا طير إلا طيرك. ولما عزم عليّ كرم الله وجهه، على المسير إلى النهر وإذ أتاه بسام المنجم فقال: لا تسر في هذه الساعة وسر في وقت كذا. قال: ولم؟ قال: لأنك إن سرت فيها أصابك ضرر شديد، وإن سرت في وقت كذا ظفرت. فقال: ما كان محمد ﷺ يعلم ما ادعيت. وقال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك.

стр. 180

وما كان لعمر ﵁ منجّم، ولقد فتح بلاد كسرى وقيصر. وقال عليّ كرم الله وجهه: من تعلم بابا من النجوم فقد تعلم بابا من السحر فإن زاد ازداد. وقال الخليل: أبلغا عنّي المنجّم أنّي ... كافر بالذي قضته الكواكب «١» عالم أنّ ما يكون وما كا ... ن، فحتم من المهيمن واجب «٢» وقال الصاحب: خوّفني منجّم أبو خبل ... تراجع المريخ في برج الحمل فقلت: دعني من أباطيل الحيل ... فالمشتري عندي سواء وزحل «٣» أدفع عنّي كلّ آفات الدّول ... بخالقي ورازقي أسامي ما تتطيّر به العرب السانح ما ولّاك ميامنه، والبارح ما ولّاك مياسره. قال أبو عبيدة: البارح يتشاءم به أهل نجد، والسانح يتشاءم به أهل عالية، ولذلك قيل: من لي بالسانح بعد البارح. والناطح ما يلقاك بجهته وهو يكره، والكادس ما يجىء من خلفك يقفوك «٤» ، وكل ما يتطير به يسمى طير العراقيب. ويتطيرون بالعطاس، ولذلك قال: أو حلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع المصيب في عيافته خرج لهبي في حاجته ومعه سقاء لبن. فسار صدر نهاره ثم عطش، فأناخ راحلته ليشرب، فإذا بغراب ينعب فأثار راحلته ومضى. فلما أجهده العطش أناخ راحتله ليشرب فنعب الغراب، وتمرّغ في التراب فضرب الرجل سقاءه بسيفه فإذا فيه أسود سالخ وبنو أسد موصوفون بالعيافة «٥» . وقال الأصمعي: قيل إن نفرا من الجنّ تذاكروا العيافة من بني أسد فأتوهم، فقالوا: ضلّت لنا ناقة فأرسلوا معنا من يعيف. فقالوا: لغليم منهم انطلق معهم فاستردفه أحدهم فساروا، فلقيتهم عقاب كاسرة إحدى جنحيها، فاقشعر الغلام وبكى. فقالوا مالك؟ قال:
следующие страницы →