Полный текст (1 556 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
قال بعضهم:
رقطاء كيداء يبدي الكيد مضحكها ... تنوء بالعرض والعينان بالطّول «١»
لها فم ملتقى شدقيه نقرتها ... كأن مشفرها قد طرّ من فيل
وقال:
كانت ثناياها وما ذقت طعمها ... لبا نعجة سوّطته بدقيق «٢»
وقال:
كأنّما نكهتها كامخ ... أو حزمة من حزم الثّوم
وقال:
وتفترّ عن ثلج عدمت حديثها ... وعن جبلي طيّ وعن هرمي مصر
اليد والرجل
كأنّ ذراعا على كفّها ... إذا حسرت ذنب الملعقة
وقال:
خنصراها كديبق القصّار «٣»
وقال:
وساق مخلخلة حمشة ... كساق الجرادة أو أحمش «٤»
وقال:
تمشي على قوائم عجاف ... كأنّما جمعن من خلاف «٥»
وقال:
وتحفر الأرض إذا ما مشت ... كأنّما تحفر رجلاها
القامة القصيرة
قيل لرجل كيف رأيت فلانة؟ فقال:
دوّامة صغيره ... في زرقة المغيره
وقال ابن الرومي:
دحداحة الخلقة حدباؤها ... قامتها قامة فقّاعه «٦»
لو أنها ملكي ولي ضيعة ... جعلتها للطّير فزّاعه «٧»
стр. 1122
وقال:
حدباء وقصاء صيغت عجبا ... وفي ترائبها عن صدرها زود «١»
الوطباء «٢» الثدي
قال ابن مقلس الحنفي:
وثدي يجول على نحرها ... كقربة ذي التّلّة المعطش
وقال دعبل:
وثديان ثدي كبلّوطة ... وآخر كالقربة المدهقة «٣»
المهزولة
قال بعض القدماء:
لقد لمست معراها فما وقعت ... ممّا لمست يدي إلا على وتد «٤»
وقال:
وذات جسم مشبه الساجور ... وجؤجؤ كجؤجؤ الطنبور
وقال:
وصدر فسيح كثير العظام ... تقعقع من يبسه المخنقه «٥»
شعر البدن
وقال شاعر:
خصباء لا نبت في قفاها ... ولم تزل في إستها ضفيره
وقال دعبل:
بظراء سوداء لها شعرة ... كأنّها نمل على مسح «٦»
أوصاف مجموعة من المقابح
قال ابن الرومي:
صغرت عينها ووسّع فوها ... ومشق استها وثقب المبال
وقال الأسود بن يعفر:
لها وركا عنز وساقا نعامة ... وأسنان خنزير ومكشر أرنب
стр. 1123
وقال ناصر العلوي:
يا قردة أبصرت في مأتم ... تندب شجوا بتخاليط
تبكي فتلقي البعر من عينها ... وتلطم الشوك ببلوط
(٥) وممّا جاء في وصف اللحية والشّيب والخضاب وذكر المعمّرين
مدح اللحية وذمّ المرادة
قال النبي ﷺ : الشعر الحسن من كسوة الله فأكرموه وكان من يمين عائشة ﵂: لا والذي زيّن الرجال باللحاء.
وقال الموسوي:
رأت شعرات في عذاري تبسّمت ... كما افترّ طفل الروض عن خلع الوسمي «١»
فقلت لها ما الشعر سال بعارضي ... ولكنّه نبت السيادة والحلم
يزيد به وجهي ضياء وبهجة ... وما تنقص الظّلماء من بهجة النّجم
قيل: لا تصافين من لا شعر على عارضيه وإن كانت الدنيا خربا إلا منه.
ذمّ اللحية
قيل: فلان سبخ الله أرضه من غير رضاه، وقيل: كساه أبو الحالك من نسيج أم سويد.
قال ابن طباطبا:
الموت أهون من سوا ... د العارضين لمن عرف
قال أبو العنتر:
أنّى تتيه وقد علا ... ك الشعر في الحدّ المحل «٢»
وخرجت من حدّ الظّبا ... ء وصرت في حدّ الإبل
وصف لحية طويلة لم يصرخ لها بمدح ولا هجو
قال شاعر:
يا لحية سرّحتها ... فقعدت منها في جوالق
وقال ابن نوقة:
يا لحية أربعة في أربعة ... تنسج منها كلّ يوم مدرعه
стр. 1124
قد ذهبت في الطول منها والسّعة ... وتحتشي من حافتيها بردعه
مدح اللحية والاعتذار لها
دخل رجل على قتيبة بن مسلّم وكان عظيم اللحية وقتيبة كان خفيف اللحية فقال:
لقد كبرت لحيتك فقال: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا. فقال قتيبة: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبتك كثرة الخبيث وقد أمر النبي ﷺ بتوفير اللحية فقال: أحفوا الشوارب واعفوا اللحى.
ذم طول اللحية ومدح خفتها
قال الجاحظ: ما طالت لحية رجل إلا تكوسج «١» عقله.
قال شاعر:
ألم تر أنّ الله أعطاك لحية ... كأنّك منها بين تيسين قاعد
وقال مديني لرجل قد ملأت لحيته وجهه: خندق على وجهك قبل أن يجري الماء في العود فيصير وجهك كله رأسا. وقيل: ما زادت لحية عن قبضة إلا نقص بمقدار زيادتها من العقل.
قال شاعر:
إذا لحية خفّت وفا عقل ربّها ... وإن ضخمت لم يحظ إلا بها الصّدر
وقال ابن الرومي:
إذا عرضت للفتى لحية ... وطالت وصارت إلى سرّته
فنقصان عقل الفتى عندنا ... بمقدار ما زيد في لحيته
وعرض الرشيد خيل مصر فمر به أفراس كثيرة وسمها الجنيدي، فسأل عنه فقيل:
هو صاحب هذه الافراس. فاستحضره فإذا هو لحياني «٢» أحمق. فقال الرشيد: ما أحسن هذه الأفراس فقال: هي للخليفة يقبلها. وقيل: اللحية الطويلة عش البراغيث ومزبلة التراب والغبار.
عذر من نتف من السخفاء
قيل لمخنّث لم تنتف لحيتك وهي من هبة الله؟ فقال: إن الله تعالى أمرني بذلك فقال: وإذا حييتم بتحية فحيوا بإحسن منها أو ردّوها ولم أجد بأحسن منها فرددتها. وقيل لآخر: لم تنتف لحيتك وقد زين الله بها وجهك؟ فقال أتحب أن يزين بها فقحتك؟ قال: لا قال: ما لا تحب أن يطلع في إستك كيف أستصلحه لوجهي؟
стр. 1125
وكان لرجل ابن مخنث وكان يمنعه من نتف لحيته فنام أبوه يوما فحلقها وهو نائم فانتبه أبوه فقال: أين ذقنك؟ فقال: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
«١» .
وقيل لأبي عبد الله المنتوف: لم تنتف لحيتك؟ فقال: وأنت لم لا تنتفها؟
وصف الناتف
كان بلال لا يجيز شهادة من ينتف اللحية أو يأكل الطين. قال ابن طباطبا في بعض من كان ينتفها:
يا من يزيل خ ... لة الرحمن عمّا خلقت
هل لك عذر عنده ... إذا الوحوش حشرت
في لحية إن سئلت ... بأيّ ذنب نتفت «٢»
وفي حاذق بالنتف:
أنامله في عارضيه كأنّما ... تسبح بالمنقاش في خفّة النتف «٣»
وقال:
إن كان بالمنقاش يحصد نبتها ... فيد الليالي من وراه تزرع
قصّ الشعرات البيض
قال أبو حنيفة ﵁ للحجّام: التقط هذه الشعرات البيض، فقال الحجام لا تلتقطها فأنها تكثر، فقال: فإذا التقط السود فلعلها تكثر.
كان حجام يلتقط البيض من لحية رجل فلما كثر قال ما ترى في الحصاد فقد ذهب وقت الالتقاط، قال ابن طباطبا:
تاوّبني همّ لبيضاء نابته ... لها بغضة في مضمر القلب ثابته
ومن عجب أني إذا رمت قصّها ... قصصت سواها وهي تضحك شامته
وقال أبو دلف:
اشتعل الشيب فأخفيته ... وكلّ مقراضي فأعفيته
وكلّما عالجت قصاله ... وقلت في نفسي أخفيته «٤»
طلعني من طرّتي طالع ... كأنّني بالأمس ربّيته «٥»
أروم ما ليست له حيلة ... أعياني الشيب فخلّيته
стр. 1126
وقال:
يا شعرة طلعت في الرأس طالعة ... كأنما طلعت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصري ... فما قصصتك عن همّي وعن فكري
فما تلبّثت إن قهقهت ضاحكة ... تحت الخضاب كفعل الشامت الأشر
ظهور الشيب واختلاط البياض بالسواد
قال الفرزدق:
والشيب ينهض في السّواد كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
قال مروان:
كالصبح أحدث للظّلام أفولا
وقال:
ليل تلفّع مدبرا بنهار
وقال البحتري:
مشيب كبث السرّعيّ بحمله ... محدثه أوصاف صدر مذيعه
وقال دعبل:
لا تعجبي يا هند من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
وقال تميم بن مقبل:
يا حرّ أمسى سواد الرأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصّفو بالكدر
وقال:
زمان على غراب غداف ... فطيّره القدر السّابق «١»
وصار على وكره عقعق ... من البلق ذو شية باعق»
وقال ابن الرومي:
شعرات في الرأس بيض ودعج ... حلّ رأسي خيلان روم وزنج «٣»
طار على هامتي غراب شباب ... وعلاه كأنّه شاه مرج
حلّ في صحن هامتي منه لونا ... ن كما حلّ رقعة شطرنج
مبدأ ظهور الشيب
قال بعض الحكماء ظهور الشيب في الناصية كرم، وفي القفا لؤم، وفي الهامة وفاء، وفي الفودين شرف، وفي الصدغين شح وفي الشارب فحش.
стр. 1127
نزل المشيب في وقته
قيل لرجل: أين ذهب شبابك؟ قال: ذهب به خصال طال أمده وكثر ولده وقلّ عدده وذهب جلده:
أفنى الشباب الذي حاولت جدّته ... مرّ الجديدين من آب ومنطلق «١»
لم يبقيا لي من طول اختلافهما ... شيئا أخاف عليه لذعة الحدق «٢»
وقال البحتري:
إن كان قد عبث المشيب بلمّتي ... فلقد أخذت من الشّباب نصيبي
وقال:
ومن يطلع شرف الأربعين ... يحيى من الشّيب زورا غريبا
قال ابن الرومي:
أدرى غراب الشيب فوق مفارقي ... ركض السنين الراكضات أمامي
وقال:
وافتني الليالي أم عمرو ... وحلّي في النتايف وارتحالي
وتربيتي الصغير إلى مداه ... وتأميلي هلالا عن هلال
وقال:
ومن يك رهنا لليالي ومرّها ... تدعه كليل القلب والسمع والبصر
من شاب قبل أوانه
قال أبو نواس:
وإذا عددت سنّي كم هي لم أجد ... للشيب عذرا في النّزول برأس
وقال كشاجم:
إذا فكّرت في شيبي وسنّي ... عتبت عليه فيما نال منّي
كأنّ الشيب غار على الغواني ... فعرضهنّ للأعراض عنّي
وقال:
لو كان يمكنني سفرت عن الصبا ... فالشيب من قبل الأوان يلثم
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... شيبا يميت ولا سوادا يعصم
وقال:
وهل أنا إلا ابن الثلاثين لم تشب ... لداتي ولكنّ الخطوب تضيم
وقال:
стр. 1128
قد رأيناه بالعشيّ غلاما ... فغدونا نعدّه في الكهول
وقال الموسوي:
عجّلت يا شيب على مفرقي ... وأيّ عذر لك أن تعجلا
وكيف قدمت على عارض ... ما استغرق الشعر ولا استكملا
يا زائرا ما جاء حتّى مضى ... وعارضا ما غام حتّى انجلى
وما رأى الراؤون من قبلها ... زرعا ذوى من قبل أن يبقلا «١»
وقال:
وعارضني في عارضي منه أنجم ... ظلمن شبابي وهي في القلب أسهم
قال ابن المعتز:
يا هند ما شاخ الفتى ... وإنّما شاخ الشّعر
من شاب من الوقائع والشدائد
قال الحسن بن رجاء:
إن يشب رأسي فمن كرم ... لا يشيب المرء من كبره
وخطوب قد تحلّ به ... ومشيب الحرّ في صغره
وقال ابن المعتز:
قالت كبرت وشبت قلت لها ... هذا غبار وقائع الدّهر «٢»
وله:
إن شيب الرأس نوار الهموم «٣»
قال الموسوي:
وما شبت من طول السنين وإنّما ... غبار حروب الدّهر غطّى سواديا
من شاب من استعمال الطيب وهجر الحبيب
قال بعض الأقدمين:
جلا الأذفر الأحوى من الطيب فرقه ... وطيب الدهان رأسه فهو أنزع «٤»
وقال:
إنما شيّبني الطيّ ... ب وأنفاس الغواني
стр. 1129
واهتمامي بنزيل ... أو بضيف أو بعان
قصرت عن جانب الح ... ق له منّي اليدان
قال كشاجم:
لا تنكرين الشيب أنت جلبته ... بجناية وقطيعة وعتاب
لو لم تروّعي بالغرور وبالنّوى ... طورا لطال تمتّعي بشبابي
الشباب مقتض لارتكاب التصابي
قال النبي ﷺ إن الله يبغض ابن الستين في طرّة ابن العشرين. وقال أبو عمرو السلمي وقد رأى قوما يعذلون شابا. لا تعذلوه فقد رأيتني وأنا شائب أعضّ على الملام عضّ الجموح على اللجام حتى أخذ العيب بعنان شبابي وإن لم يكن الشيب شعبة من الجنون فإنه عصارته.
قال أبو نواس:
إن الشباب مطيّة الجهل ... ومزين الضّحكات والهزل
ومنه للنابغة:
فإن مطيّة الجهل الشباب
وقيل: اليد الفارغة والنفس المستريحة والشباب المقتبل «١» تكتسب الآثام وتستحل الحرام، ومنه:
إن الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده
قال الجريمي:
اللهو يحسن بالفتى ... ما لم يكن شيب يشينه «٢»
وقال شبيب بن شبة:
رعى الله دهرا أخرس العذل عذره ... بشرخ شباب لم يشب صفوه كدر
وقال:
كلّ اللذاذات والتّصابي ... قبل الثلاثين تستطاب
المتذمّم لتعاطي ما تعاطاه في أيّام الصبا
قال الواسطي: حان حصادي ولم يصلح فسادي.
قال البحتري:
وأضللت حلمي والتفتّ إلى الصّبا ... سفاها وقد جزت الشّباب مراحلا
стр. 1130
وقال ابن المعتز:
أنت في الأربعين مثلك في ... العشرين قل لي متى يكون الفلاح؟
قال المتنبي:
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ... ولو أنّ ما في الوجه منه خراب
يغير منّي الدهر ما شاء غيرها ... وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب
قال أبو سعيد الرستمي:
قبيح بذي الشيب أن يطربا ... وما للمشيب وما للصّبا
أمن بعد خمسين ضاعت سدى ... وأودى بها اللهو أيدي سبا «١»
تشيم بروق الدمى دائما ... وقد شامت العارض الأشيبا
وأقبح بذي عارض أشيب ... إذا قابل العارض الأشنبا «٢»
وأهلك واللّيل بادر به ... فقد كادت الشمس أن تغربا
قال علي بن عبد العزيز:
التّصابي بلا شباب محال
من أقلع لظهور شيبه
نظر إياس بن معاوية في المرآة فرأى شيبة في لحيته فقال: لا أراني سمير الحاجات بني تميم فلزم بيته ولم يدخل بعد ذلك على السلطان، وقال مسلمة بن عبد الملك: ما وعظني شعر ما وعظني ما قال عمرو بن حطان:
صبا ما صبا حتّى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل أبعد
وقال أعرابي: فلان وضع رداء مجونه لما بدا الفجر من ليالي قرونه. وقيل لرجل:
ألا تشرب؟ فقال: في شيب الرأس مطردة عن الكاس. وكان الرجل إذا بلغ أربعين طوى فرشه وجدّ في عمله.
وقيل: ثلاثة كل منها يقتضي تجنب الصبا: ظهور الشيب والتحصن بالتزوّج والحج إلى بيت الله الحرام.
وقالت امرأة لرجل: كان يخادنها ما فعل غزلك؟ فقال: أماته شيب العارضين.
قال أبو الفرج الببغاء:
لا عذر بعد عذار شاب أكثره ... فالشيب أوعظ أعذار وأنذار
стр. 1131
وقال كثيّر: أتيت جميلا استنصحه هل أظهر الشعر، فأنشدته:
وكان الصبا خدن الشباب فأصبحا ... وقد تركاني في مغانيهما وحدي
فقال: حسبك أنت أشعر الناس.
قال أحمد بن أبي طاهر:
ركبت الصبا حتّى إذا ما ونى الصّبا ... نزلت من التّقوى بأكرم منزل «١»
ودين الفتى بين التنسّك والنهى ... ودنيا الفتى بين الصّبا والتغزّل
فيمن زعم أنه ترك التصابي لغير ملالة
قال إسحاق الموصلي:
سلام على سير القلاص مع الركب ... ووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام امرئ لم تبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
قال البحتري:
إنّي وإن جانبت بعض بطالتي ... وتوهّم الواشون إني مقصر
ليشوقني سحر العيون المجتلى ... ويروقني ورد الخدود الأحمر «٢»
وقال:
قد رأيت الشيب إلّا أنّني ... لم يرعني الشيب عن وجه حسن
قال بشّار:
إن المشيب وما ترى بمفارقي ... صرف الغواية فانصرفت كريما
وصحوت إلا من لقاء محدّث ... حسن الحديث يزيدني تعليما
تارك الصبا قبل هجوم شيبه
ما كنت أول آخذ بعزيمة ... هجر الغواني والمفارق سود
وقال:
لا أجمع الحلم والصهباء، قد سكنت ... نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد «٣»
لم ينهني كبر عنه ولا فند ... لكن صحوت وغصني غير محصود «٤»
الحثّ على مبادرة المشيب بتعاطي صلاح أو تصاب
قال هارون بن علي:
أعط الشباب نصيبه ... ما دمت تعذر في الشّباب
стр. 1132
وقال ابن أبي السمط:
وبادر بأيام الشباب فإنّها ... تفوت وتمضي والغواية تنجلي
وأنشد أبو العتاهية قوله:
إن الشباب حجّة التّصابي ... روائح الجنّة في الشّباب
قال: كيف ترونه؟ فقالوا: حسن فقال: إن له جناحين يطير بهما في الجنة.
من تعاطى التصابي في مبدأ ظهور شيبه
قال ديك الجن:
وقالوا قد توشّح عارضاه ... فقلت الآن أوضع في الأثام «١»
وقال ابن طباطبا:
أقول وقد أوقظت من سنّة الهوى ... بعذل يحاكي لذعه لذعة الهجر
دعوني وليل اللهو في ليل لمّتي ... ولا توقظوني بالملام إلى الفجر
من استهان بالشيب فتعاطى بعده التصابي
قيل لخاسر: ما أكبر ما صنع بك الشيب؟ فقال: ما صنعت به أكبر والله ما هبته ولا رعيته ولا امتنعت له عن تعاطي محرم وارتكاب مأثم، ونظمه من قال:
لعمري لئن حلّ المشيب بلمّتي ... لقد كان ما أحللت بالشيب أعظما
سل الشيب عنّي هل عرفت وقاره ... وهل عفت حوبا أو تجنّبت مأثما «٢»
وقال أبو نواس:
يقولون في الشيب الوقار بأهله ... وشيبي بحمد الله غير وقار
وقال ابن المعتز:
لمّا تولّى الشباب عنّي ... صفعت وجهي على المشيب
وقال بعض العلويين:
إن يكتهل منه القذال فحبّه ... في الغانيات وحبّهنّ غلام
همّ متعاطي التصابي ومشتاق إليه
حمل شاب غلاما إلى خربة فلما خلا به اطلع عليهما شيخ، فقال: فعل الله بكم فمن مثل فعلكم يغلو السعر وينزل البلاء. فعدا الشاب خوفا، فخلا الشيخ بالغلام فاطلع الشاب، فقال: يا عمّ الحمد لله قد رخص السعر وارتفع البلاء.
стр. 1133
ودخل شيخ مسجدا فراود صبيا فعلم الإمام فعاتبه وعنّفه فلما أطال له قال له: كم ذا تعنفني كأن لم ير سفلة غيري. ورأى سفيان في مجلسه شيخا همّا يتخرّق صفوف النساء ويبكي فظنّ أن بكاه لما سلف من ذنوبه فاستقبلهنّ، ثم قال:
عليكنّ السلام فليس عندي ... لكن فدعنني غير السّلام
وكنّ إذا نظرن إليّ أمشي ... نقبن عليّ من خلل الخيام
وقيل: إن إبليس إذا رأى شيخا ذا طرة قال فديت من لا يفلح.
الحثّ على تعظيم المشايخ ومخالطتهم
روي أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: أصابتني خصاصة فقال: لعلّك مشيت أمام شيخ.
وقام وكيع لسفيان فأنكره وقال: ألست حدثتني عن النبي ﷺ أنه قال: من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن؟
وقال ﷺ : ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق: إمام مقسط وذو شيبة في الإسلام وذو علم، وقال أزدشير لابنه وقّر المشايخ، فهم مواطن الوقار ومعادن الآثار ورواة الأخبار وحفظة الأسرار. إن رأوك في قبيح منعوك، أو جميل أيّدوك وإياك وأغمار الشباب فهم أهل الصبوة إلى الشهوات.
وأوصى يزيد بن المهلب إبنه فقال ليكن جلساؤك ذوي الأسنان فالشباب شعبة من الجنون ومرّ الحسن بفتيان فقال: شوبوا مجلسكم بشيخ. وقيل: من عرف حقّ من فوقه، عرف حقّه من دونه.
تفضيل الشيب في الرأي على الشباب
في المثل: جري المذكيات غلاء جرى المذاكي حسرت عنه الحمر. وقيل: الشيخ في رأيه كالجذل المحكك، لا يهدّه خطب ولا يزعزعه صرف، والشاب كالغصن الناعم الذي يستحيل بأيسر ريح وأيسر آفة.
وقيل: الشيخ كالبازل المستقل بما يحمل والشاب كابن اللبون لا ينهض بما يحتمل.
وقال:
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس «١»
تفضيل الشبان فيه
قال ﷺ : وسّعوا للشبان في المجالس وأفهموهم الحديث. وكان عمر ﵁، إذا نزل به معضل دعا الفتيان واستشارهم وقال هم أجدّ قلوبا. وقيل: الشيخ كالزند
стр. 1134
الذي قد انثلم «١» ، ورأي الشبّان كالزند الصحيح الذي يورى بأيسر اقتداح.
مدح الشيب بالوقار والعفة
تأمل حكيم شيبة فقال: مرحبا بزهرة الحنكة وثمرة الهدى ومقدّمة العفة ولباس التقوى. وروي أن إبراهيم ﵇ لما بدا الشيب بعارضيه قال: يا ربّ ما هذا؟ قال:
وقار. قال: يا ربّ زدني وقارا.
وعيّر حكيم بالشيب فقال: الشيب نور يورثه تعاقب الليالي والأيام، وحلم يفيده مرّ الشهور والأعوام، ووقار تلبسه مدة العمر ومضي الدهر.
قال دعبل:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنّه ... سمة العفيف وحلية المتحرّج
ضيف ألمّ بمفرقي فقريته ... رفض الغواية واقتصاد المنهج
وقال أبو تمّام:
ولا يروعك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب «٢»
مناقضة من مدح الشيب بالوقار
قال أبو تمّام:
حلمتني زعمتم وأراني ... قبل هذا التحليم كنت حليما
دقّة في الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمّي اللديغ سليما
قال المتنبّي:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... منّي بحلمي الذي أطعت وتجريبي «٣»
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشّيب
قال عبدان:
إن شيئا نعى إلى حياتي ... لبغيض وإن أفاد الرشاد
قال الموسوي:
غالطوني عن المشيب وقالوا ... لا ترع إنّه جلاء الحسام
قلت بل مرّ بي على الرأس منه ... صارم الجدّ في يد الأيام
стр. 1135
(٦) في حسن الشباب وطيبه وقبح الشّيب وعيبه
قال عكرمة في قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
«١» إلى الهرم، وللأخطل:
لا تحمدنّ شعرا تغشا ... هـ البياض فليس يحمد
قد كنت أبيض في القلو ... ب زمان كنت تراه أسود
قال أبو تمّام:
غرّة بهمة ألا إنّما كن ... ت أغرّا أيام كنت بهيما «٢»
وقال:
إن قبح البياض في شعر الرأ ... س كقبح البياض في الأحداق «٣»
وقال المتنبي:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السّواد
وقال أبو تمّام:
لو رأى الله أنّ في الشيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وقال البحتري:
وددت بياض السيف يوم لقيتها ... كأنّ بياض الشيب كان بمفرقي
وقال المتنبي:
ضيف ألمّ برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللمم
وقال الموسوي:
ما كان أضوا ذلك الليل في ... سواد عطفيه ولم يقمر
التسمية بما يدل على الكبر ذمّ
لو قيل لعجوز منحنية يا عجوز ويا جدة لغضبت واستوحشت ولو قيل يا جارية لقالت
стр. 1136
لبيك وسعديك، وعلى ذلك يا شيخ ويا فتى. قال يزيد بن عتاب:
يا حرقة القلب بيا شيخ ويا ... برد الفؤاد حين يدعى يا فتى
وقال:
وإذا دعوتك عمّهن فإنّه ... نسب يزيدك عندهنّ خبالا «١»
وقد ظرف البحتري في قوله:
يتظرّفن للذليل المسمّى ... من تصاب دون العزيز المكنّى
وقال أبو حازم:
إذا ما دعوت الشيخ شيخا هجوته ... وحسبك مدحا للفتى قول يا فتى
إزورار النساء عن الشيب
قال بعض المشايخ: رأيت امرأة راقتني فقلت هل لك فيّ؟ فقالت: إن بي عيبا شيب رأسي فثنيت عناني. فصاحت أثبت وكشفت عن شعر كالحمم وقالت: إني أكره من الشيب ما كرهته. قال المتنبي:
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموقع شيبهنّ من الرّجال
وقال ابن الرومي:
أعر طرفك المرآة وانظر فإن نبا ... بعينك منه الشيب فالبيض أعذر «٢»
إذا شنأت عين الفتى شيب نفسه ... فعين سواه بالشناءة أجدر
وقال ابن المعتز:
لقد أبغضت نفسي في مشيبي ... فكيف يحبّني البيض الكعاب
قال الحكم الحضرمي:
قد كان يعجب بعضهنّ نزاعتي ... حتّى سمعن تنحنحي وسعالي
وقال الصاحب: قد سبق ابن المعتز كل من قال في رغبة النساء عن المشيب بقوله:
فظللت أطلب وصلها بتذلّل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
وقال:
الشيب أعظم ذنبا عند غايته ... من ابن ملجم عند الفاطمينا
стр. 1137
رغبة الشيب عن النساء
قال بعض الشيوخ: كنت أخاف أني إذا شبت تزهد فيّ النساء فلما شبت كنت أزهد منهنّ فيّ. قال شاعر:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... ونحن بأكناف الحطيم ذميم «١»
فلو أنني لما رمتني رميتها ... ولكنّ عهدي بالنضال قديم
معرفة فضل الشباب عند فقده
قال بعضهم: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما: الصحة والشباب. قال ابن الرومي:
لا تلح من يبكي شبيبته ... إلا إذا لم يبكها بدم «٢»
لسنا نراها حقّ رؤيتها ... إلا زمان الشيب والهرم
كالشمس لا تبدو فضيلتها ... حتّى تغشّى الأرض بالظّلم
ولربّ شيء لا يبينه ... وجدانه إلا مع العدم
وقال ابن الأعرابي: لا أعرف في مدح الشباب وذمّ الشيب أحسن من قول محمد بن حازم:
لا تكذبنّ فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل
قال محمود الوراق:
سقيا لأيام تولّت به ... أحسن ما كانت صروف الزّمن
ولى فما الدنيا بأقطارها ... لليوم والساعة منه ثمن
غمّ من ذهب شبابه قبل تمتعه به
قال منصور النمري:
ما كنت أوفي شبابي كنه عزّته ... حتّى مضى فإذا الدنيا له تبع
وسمع ذلك الرشيد فقال وما خير دنيا لا يخطر فيها برداء الشباب قال عمر بن أبي ربيعة:
إن الشباب الذي كنّا نزن به ... مضى ولم نقض من لذّاته أملا
стр. 1138
(٧) البكاء على فقد الشباب والتأسف له
نظر رجل إلى شيبة في رأسه فجمع نساءه وقال: أندبنني فد مات بعضي.
قال الخزيمي:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فبعض الشيء من بعض قريب
وقال محمود الورّاق:
أليس عجيبا بأنّ الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجع ... وبين معنى معز إليه
ويسلبه الدهر شرخ الشباب ... وليس يعزّيه خلق عليه «١»
وقال:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناك حتّى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب
ذمّ الشباب بقلّة الوفاء واللبث والتسلّي عنه
قال شاعر:
ما في يدي من الصّبا ... إلا الندامة والأسف
كان الشباب كزائر ... ملّ الزيارة وانصرف
قال بعضهم:
لم أقل للشباب في دعة ... الله وفي حفظه غداة تولّى
زائر زارني أقام قليلا ... سوّد الصحف بالذّنوب وولّى
قال منصور الفقيه:
ما كان أقصر أيام الشباب وما ... أبقى حلاوة ذكراه التي يدع
وقال المتنبّي:
مشيب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقّيه وبانيه هادمه
تمني عوده والدعاء له
стр. 1139
قال أبو العتاهية:
ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
وقال النمري:
والله لو أعطى المنى ... لوددت أيّام الصّبا
ومعاتبات كنّ لي ... ومداعبات للدّمى
قال حميد:
فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب «١»
ليالي سمع الغانيات وطرفها ... إليّ وإذ ريحي لهنّ جنوب
وقال ديك الجن:
لله درّي في الشبيب ... ة من أخي لهو أريب «٢»
أيام يحملني الشبا ... ب على التهاون بالذّنوب
تولّي العيش بتولي الشباب
قال كثيّر:
وكان الصبا خدن الشباب فأصبحا ... وقد تركاني في مغانيهما وحدي»
وقال:
ولّى الشباب وولّى العيش والعمر ... وأقبل المدبران الشّيب والكبر
وقال رسبة بن الأبيض:
بان الشباب بكلّ ما ... تهوى النفوس وتطيب
طفئ السراج وكلّت الأض ... راس وانكسر القضيب «٤»
قال عليّ بن جبلة:
ولما انقضى عصر الشباب وعهده ... ذوى ورق الدنيا وأغصانها الهدل «٥»
كراهة ذهاب الشيب وكراهة نزوله
قال مسلم:
الشيب كره وكره أن يفارقني ... فأعجب لشيء على البغضاء مودود
يمضي الشباب ويأتي بعده خلف ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود
стр. 1140
قال البحتري:
تعيب الغانيات عليّ شيبي ... ومن لي أن أمتّع بالمعيب
وأنشد ابن دريد في وصفه:
ولي صاحب ما كنت أهوى لقاءه ... فلما التقينا كان أكرم صاحب
عزيز علينا أن يفارق بعدما ... تمنّيت دهرا أن يكون مجانبي
الشيب داء متمنى
قيل لأبي العيناء: كيف أنت؟ قال في الداء الذي يتمنّاه الناس يعني الهرم. وقيل لأعرابي وقد ضعف من الكبر لقد أذنب إليك الدهر، فقال: كثّر الله من ذنوبه عندي.
طول العمر يفضي إلى الهرم والمصائب
قيل: من أخطأ سهم المنية قيّده الهرم. ومن وطّن نفسه على طول العمر فليوطنها على كثرة المصائب. وقال ابن الحارث في وصيته لبنيه: من متّع بكبر بلي بعبر، ومن تأخّر يوما ملّه قومه.
وقال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
وقيل: كفى بالسلامة داء، وقال:
فكيف ترى طول السلامة يفعل
من أضعفه كبره وهرمه
سأل الحجاج شيخا فقال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت. قال: كيف نكاحك؟ قال: إذا بذل لي عجزت، وإذا منعت شرهت. قال: كيف نومك؟ قال: أنام في المجمع وأسهر في المضجع. قال: فكيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا قعدت تباعدت عنّي الأرض، وإذا قمت لزمتني. قال: كيف مشيك؟ قال: تعقلني الشعرة وتعثرني البعرة.
وقيل لشيخ ما صنع بك الدهر؟ قال: فقدت المطعم وكان المنعم، وأجمت النساء وكن الشفاء. فنومي سنات، وسمعي خفات، وعقلي تارات.
وقيل لآخر: فقال: أدرج من العشاش، وأخرأ في الفراش، وأنبو عن القماش، وأنفر من لاش.
وقيل لآخر: فقال: ضعضع قناتي، وأوهى شواتي، وجرّ أعلى عداتي. وسئل ابن الفرية عن وصف الكبر فقال: إقبال البخر وإدبار الزفر، وانقباض الذكر. وقيل: الشيخوخة غمامة تمرض الأمراض.
قال أبو الطمحان:
стр. 1141
حنتني حانيات الدهر حتّى ... كأنّي خاتل أدنو لصيد
قربت الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدا أنّي بقيد
وهذا من قول شيخ مرّ به غلام فقال: يا عمّاه قد قصر قيدك، فقال: تركت الذي قيّدني يقتل قيدك.
وقال ديك الجن:
نهنهت الخمسون من شدّتي ... وضيقت خطوي بعد اتساع «١»
وأتحفتني خورا ظاهرا ... وكنت قبل الشيب عين الشّجاع «٢»
تعترف النفس ببعض القوى ... فأمسك النفس ببعض الخداع
أذكر إنسان التي فوقها ... والموت قد يودي بمن في الرّضاع
وكان أبو محلم لما كبر ينشد:
إذا ما امرؤ أحصى ثمانين حجّة ... وعاش، تشكّى كلّ عضو ومفصل
وقد أحسن القائل:
قالوا أنينك طول اللّيل يسهرنا ... فما الذي تشتكي قلت الثّمانينا
المشيب مؤذن بالموت
قيل: المشيب تمهيد الحمام وتاريخه وعنوانه ورائده ونذيره. وقيل: الشيب مقوّض الخيام ومقيض الحمام. وقيل: هو أول مواعيد الفناء وقيل: هو واعظ نصيح ومنذر فصيح.
وقيل: هو لمحة من لمحات المنون ونوبة من نوب الدهر الخؤون. وقيل: في قوله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ
«٣» والنذير الشيب.
وقيل: إذا ضحك الشيب في القذال «٤» بكت الحياة للزوال.
ونظر حكيم إلى شيبه فقال أرى شيبة قد أينع ثمرها وحان قطافها.
وأظرف ما قيل في ذلك قول منصور:
من شاب قد مات وهو حيّ ... يمشي على الأرض وهو هالك
لو كان عمر الفتى حسابا ... لكان في شيبه فذالك
وقال:
الشيب والموت مقرونان في قرن
ونظر فضيل إلى رجل قد وخطه الشيب فقال: اتّق الله فإنّ الموت قد غرز أعلامه في
стр. 1142
لحيتك. ولأبي الفضل بن العميد من فصل قد طرزت الأيام عارضيك بتاريخ، يفصح عما كتمته وينشر للناس من أمرك ما طويته، وكأنك تقول هو مقدمة الهرم والمؤذن بالخرف والعائد إليّ ولا أريد تطيرا من ذكره.
من مات أقرانه فقد آن أوانه
قال أبو عيينة:
واستحصد القرن الذي أنا منهم ... وكفى بذاك علامة لحصادي
وقال معاوية لجلسائه: ما تعدون الغريب فيكم؟ فقالوا: الذي لا أحد له فقال بل الغريب الذي مات نظراؤه الذين كان يأنس بهم قال أبو محمد التيمي:
إذا ذهب القرن الذي أنت منهم ... وخلفت في قرن فأنت غريب
قال ابن المعتز:
لأيّ غايات رجائي بعد ما ... رأيت أترابي وقد صاروا ترابا «١»
وقال أبو سعيد الرستمي:
جاوزت سنّي الأشدّ ومارس ... ت بنفسي من الخطوب الأشدّا
وتفانى الأقران دوني جميعا ... وتبقّيت في الكنانة فردا
وقال العلوي الكوفي:
أجالس معشر الأشكل فيهم ... وإشكالي قد اعتنقوا التجودا
المدة التي يخاف عندها الموت
قيل في قوله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
«٢» أنه الأربعون قال شاعر:
إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى ... وإن مدّ أسباب الحياة له العمر
وقال رجل لعبد الملك: كم لك من السنين؟ فقال: أنا في معترك المنايا ابن ثلاث وستين. وكتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم إني نظرت في سنّي فإذا أنا قد بلغت خمسين سنة وأنت تحومني في السن. وإن امرأ قد سار خمسين حجّة إلى منمهل لقمين أن يرده فأخذ ذلك أبو محمد التميمي فقال:
فإن أمرأ قد سار خمسين حجّة ... إلى منهل من ورده لقريب
فإن كانت الستون سنّك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
стр. 1143
قال ابن المعتز:
إحدى وخمسون لو مرّت على حجر ... لكان من حكمها أن يفلق الحجر
جماعة سني العمر
تقول العرب: الغلام إذا بلغ عشرا قد رمى، وفي عشرين قد لوى أي لونى يد غيره، وفي ثلاثين قد غوى، وأربعين قد استوى، وفي خمسين قد حرى أي صار حريا بأن يظهر فضله.
وقيل ابن عشر طفل وابن عشرين فحل، وابن ثلاثين كهل وابن أربعين معتدل، وابن خمسين مترحل.
وحكي عن بزرجمهر أنه قال: في عقد العشرة دليل على أن الصبي إذا بلغ عشر سنين فقد انعقد فإذا صار إلى عشرين فقد توسط الخير والشر توسط الإبهام للسبابة والوسطى، فإذا صار إلى الثلاثين فقد كمل واستوى وإذا بلغ الأربعين فقد بلغ الأشد وشدّ الأزر وإذا بلغ الخمسين فقد انكسر وقعد، وإذا بلغ الستين فقد انضم، فإذا بلغ السبعين فقد عاد في أخلاق الصبيان، وأشبه ابن الثلاثين الكامل الشهوة وابن العشرة الصبي فإذا بلغ الثمانين فقد تقوّس عقد ما فإذا بلغ التسعين فقد صار في ضيق عيش كضيق عقدها، وإذا بلغ المائة انتقل عن الدنيا انتقال عقدها إلى اليد الأخرى. وقيل لرجل: كم أنت؟ قال: ابن قبضة يعني ثلاثا وتسعين.
في المتبرّم بحياته لضعفه
قال زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وقال زهير بن حباب:
الموت خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيّة
من أن يرى الشيخ البجا ... ل وقد تهادى بالعشيّة «١»
وقال عبيد:
والمرء ما عاش في تكذّب ... طول الحياة له تعذّب
وقيل: أهون هالك شيخ يقاد به البعير وكان من عادتهم إذا تبرّموا بشيخ ربما أنهم تركوه إذا ارتحلوا ليموت أو يأكله الذئب أو يحملوه على بعير نفور يسقطه فيموت فيستريحوا منه وقيل: أهون هالك عجوز في سنة جدب.
стр. 1144
(٨) المعمّرون
عاش نوح ألف سنة وأربعمائة وخمسين سنة، بعث بعد مائتي سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، بقي بعد الطوفان مائتي سنة وخمسين سنة فلما أتى ملك الموت قال له كيف رأيت الدنيا؟ قال: كدار لها بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا.
وعاش لقمان خمسمائة وستين سنة عمر سبعة أنسر كل نسر ثمانون سنة ومنه قيل طال الأمد على لبد.
وعاش المستوغر بن زبيد ثلاثمائة وثلاثين سنة ولما بلغ ثلاثمائة قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت من بعد السنين مئينا
مائة جزتها بعدها مائتان لي ... ازددت من عدد الشهور سنينا «١»
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا ... يوم يمرّ وليلة تحدونا
وعاش معدي كرب الحميري مائتين وخمسين سنة. وعاش عامر بن الظرب ثلاثمائة سنة وكذلك أكثم بن صيفي، وكانا من حكماء العرب. وأدرك أكثم الإسلام واختلف في إسلامه. وعاش قسّ بن ساعدة الأيادي ستمائة سنة، وكان من عقلاء العرب وحكمائهم، وهو أول من أقرّ منهم بالبعث وأول من قال في الخطبة: أما بعد. وعاش دريد بن الصمة دهرا طويلا حتى سقط حاجباه على عينيه ولم يسلم وشهد حنينا.
وعاش عبيد الجرهمي مائة سنة وعشرين سنة وكان معاوية ﵁ حجّ من الشام فقال هل تعرفون أحدا بقي له علم بأيام العرب فنسأله، فقالوا: عبيد وهو على طريقك فدعاه فقال: ممن أنت؟ فانتسب إلى قبيلة، فقال: وهل بقي منهم أحد؟ قال:
نعم أنا قال وكم لك من السنين؟ فقال مائتان وعشرون سنة. فقال: من أين تعلم؟
فقال: أما قال الله تعالى وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصّلناه تفصيلا. فقال: أخبرني عمّا رأيت فقال تمت عليّ سنيهات بلاء وسنيهات رخاء ويوم في أثر يوم وليلة. في أثر ليلة. ومنهم لبيد بن ربيعة وخبره مشهور ومعاذ بن مسلم عاش مائة وخمسين سنة. صحب بني مروان وفيه يقول الشاعر:
قل لمعاذ إذا مررت به ... قد ضجّ من طول عمرك الأبد
стр. 1145
قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنّك الوتد «١»
تسأل غربانها إذا نعبت ... كيف يكون الصداع والرّمد
فصل من ذلك
قيل: فلان أعمر من القراد وذلك أنه يعيش سبعمائة سنة، وأعمر من الضبّ. قال الأصمعي إن الحسل «٢» يبلغ مائة سنة ثم يسقط.
قال:
فقلت لو عمرت عمر الحسل ... أو عمر نوح زمن الفحظل «٣»
والصخر مبتل كطين الوحل ... صرت رهين هرم أو قتل
وقيل: أعمر من حيّة لأنّها لا تموت حتف أنفها فيما. يقال: واعمر من نسر وللفرس زيود هشتا دكور تيرست رهمنه مزواماري نه مريد خركش يوزينه مرد معناه يعيش العير ثمانين سنة وثلاثمائة والحية لا تموت إلا قتلا.
(٩) الترغيب في الاختضاب والرغبة فيه
قال عمر ﵁: اختضبوا بالسواد فإنه أسكن للزوجة وأهيب للعدو وقيل لرجل إلام أخضب؟ فقال: ما قام أيرك. قال شاعر:
الشيب ضيفك فاقره بخضاب
وقال: إن الخضاب هو الشاب الثاني.
وقال:
إن الخضاب لحيلة ... في ردّ أيّام الشّباب
قال رستم بن محمود:
ولما رأيت الشيب قد شان أهله ... تقنّعت وابتعت الشباب بدرهم «٤»
قال ابن المعتز وقد ناقض بذلك محمودا الوراق حيث قال:
يا خاضب الشيب الذي ... في كلّ ثالثة يعود
стр. 1146
إن النصول إذا بدا ... فكأنّه شيب جديد «١»
فقال:
وقالوا النصول مشيب جديد ... فقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود
الإعتذار لذلك
قال علي بن عيسى لإبراهيم بن إسماعيل يوما: الخضاب باطنه داء وظاهره غرور.
ثم لقيه وقد اختضب، فقال: أين كلامك؟ قال فكرت فإذا أمور الدنيا كلها مرمة وهذا من مرمتها. قال ابن الرومي:
فإن تسأليني ما الخضاب فإنّني ... لبست على فقد الشباب حدادي
من اختضب لمجيء الشيب في غير وقته
قال محمود الوراق:
إذا ما الشيب جار على الشباب ... فعالجه وغالط في الحساب
فقل لأمر لا مرحبا من نزيل ... وعذّبه بأنواع العذاب
بنتف أو بقصّ كلّ يوم ... وأحيانا بمكروه الخضاب
وإن هو لم يجر وأتى لوقت ... فقل في رحب دار واقتراب
الترغيب عن الخضاب والرغبة فيه
قيل لأفلاطون: لم اختضب فلان؟ فقال: كره أن يؤخذ بحنكة المشايخ.
قال ابن الرومي:
يا أيّها الرجل المسوّد وجهه ... كيما يعدّ به من الشّبان
أقصر فلو سوّدت كلّ حمامة ... بيضاء ما عدّت من الغربان
وقيل لأعرابي: لم لا تختضب لتصبوا إليك النساء؟ فقال أما نساؤنا فما يردن بنا بدلا، وأما غيرهن فلا نريد صبوتهن «٢» .
قال كشاجم:
يا خاضب الشيب والأيام تظهره ... هذا شباب لعمر الله مصبوغ
وقيل لأعرابية: فلان يختضب. فقالت: لا ينال الشباب بالخضاب كما لا ينال الغنى بالمنى ولما وفد عبد المطلب على سيف بن ذي يزن ورأى لحيته بيضاء بعث إليه بجارية ومعها خطر ليخضب لحيته فأنشأ عبد المطلب:
وقائلة تخضّب فالغواني ... نوافر عن مصادقة القتير
стр. 1147
فقلت لها المشيب نذير عمري ... ولست مسوّدا وجه النذير
وقال:
إذا ذهب الشباب فليس إلا ... غبار الشيب أو ذلّ الخضاب
مدح الصلع
قال الخليل: كان الشريف إذا لم يصلع نتفوا شعره تشبّها بذلك.
وأنشد العتبي:
قد حصّ رأسي فتيت المسك أخلطه ... بالعنبر الورد حتّى ما به شعر «١»
فقال لشتان ما بينه وبين أبي قيس بن الأسلت في قوله:
قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع
ذمّ الصلع
دخل الأبرش الكلبي على هشام بن عبد الملك وحجّام يحجمه فمسّ رأسه فقال: يا أبرش ما صلع لئيم قط فكشف رأس الحجام فإذا هو أصلع، فقال: أمن كرم صلع هذا؟
وقالت امرأة لزوجها وكان أصلع لست أغبط إلا شعرك حيث فارقك فاستراح منك.
قال شاعر:
خفافان مثل القذّتين وهامة ... يزل الذباب النقف عنها فيصرع «٢»
وقال:
إذا أبصرتهم صلعا وثطا ... فقبّح ذاك من صلع ومن هام
التأسف لذلك
قال بعضهم:
جزعت للشيب لما حلّ أوّله ... فجاءني حادث أنساني الجزعا
هبّ المشيب يداوي الخطر شائعه ... فكيف لي بدواء يذهب الصّلعا
قال أبو النجم:
قد ترك الدهر صفاتي صفصفا ... فصار رأسي جبهة إلى القفا
كأنما تلقّى به ضعفي عفا
الإعتذار عنه
قال بشر:
رأتني كأفحوص القطاة ذؤابتي ... وما مسّها من منعم يستشيبها «٣»
стр. 1148
قال ابن الرومي:
يعيّرني لبس العمامة سادرا ... ويزعم لبسيها بعيب مكتّم
فقولا له هبني كما أنا صلعة ... ألست حصين الخلف ماضي المقدّم
وأنّى تعيب الصلع والأير منهم ... وأنت بحبّ الأير عين المتيّم
نوادر للصلع
قيل لأصلع: إن الصلعة من نتن الدماغ. فقال: لو كان ذلك كذا لم يكن على حرامك طاقة شعر. وجلس أصلع بين يدي حجّام فحلق نصف رأسه وتماسكا في الأجرة، فقال الأصلع: حلق نصف رأسي فله نصف الأجرة فقال الحجّام حلقت له إبطين أربع أذرع كأنهما تنوران يشوى فيهما السالخ لنتنهما فحكم له بالأجرة تماما وقال أصلع لرجل رأى عليه جربا كثيرا أراك لابسا جوشنا «١» بلا بيضة.
(١٠) وممّا جاء في الأسماء والكنى والألقاب
الحثّ على تسمية الأبناء بأحسن الأسماء
قال النبي ﷺ : إياكم وهذه الأسماء القبيحة، فما من مولود يولد إلا ويحضره ملك وشيطان، فيقول الملك سمّوه بكذا اسما حسنا، ويقول الشيطان سمّوه بكذا اسما قبيحا.
وقال: كنية الرجل أحد شواهد عقله واسمه أحد شواهد عقل أبيه. وقيل: أشيعوا الكنى فإنها منبّهة. وقال ﷺ : من آتاه الله وجها حسنا وإسما حسنا وجعله في غير موضع شائن فهو من صفوة خلقه.
الميل إلى الأسماء الحسنة والتفاؤل بها
قال عمر بن الخطاب ﵁: أحبّكم إلينا أحسنكم أسماء، فإذا رأيناكم فأجملكم منظرا. فإذا اختبرناكم فأحسنكم مخبرا.
وخرج الرشيد يوما فرأى سعيد بن سلم فقال: من قال سعيد أسعدك الله؟ قال: ابن من قال ابن سلم سلمك الله قال: أبو من؟ قال: أبو عمر، وعمرك الله فقال بارك الله عليك وأكرمه.
المسمّى باسم حسن معناه موجود فيه
قال:
وقلّما أبصرت عيناك من رجل ... ألا ومعناه في اسم منه أو لقب
стр. 1149
قال ابن الرومي:
أنت أبو الفضل وأنت ابنه ... فالفضل لا يعدوك في كلّ حال
وسأل رجل صبيا صبيحا ما اسمك؟ فقال: وصف وجهي، فقال: ما أراك تسمّى إلا حسنا فقال: كذلك. وفي ذلك لأبي نواس:
إن اسم حسنى لوجهها صفه ... وما أرى ذا لغيرها اجتمعا
فهي إذا سمّيت فقد وصفت ... قد يجمع الاسم معينين معا
ونظر المأمون إلى غلام فقال له: ما اسمك؟ قال: لا أدري؟ فقال: لم أر مثل هذا.
وأنشد:
تسميت لا أدري لأنّك لا تدري ... بما فعل الحبّ المبرّح في صدري
المسمّى باسم حسن معناه معدوم فيه
ولي رجل يقال له البحر أبو الغمر بعض كور خراسان فمدحه شاعر فأعطاه درهمين فقال:
تركت لبحر در همين ولم يكن ... ليدفع عنّي فاقتي درهما بحر
وقلت لبحر خذهما واصرفهما ... سريعين في نقص المروءة والفخر
وقالت غمرة بنت النعمان بن بشير:
سميت روحا وأنت الفم قد زعموا ... لا روّح الله عن روح بن زنباع
ومرّ صاعد ببشّار فقال: من هذا؟ قيل: صاعد. فقال: الصاعد اسما السافل فعلا.
ودفع أبو الفياض بن بحر رقعة إلى أبي الفضل بن العميد فكتب عليها بحر بن محمد بن بحر فكتب تحتها محمد مسكين غرق بين بحرين. قال ابن الرومي:
سميت أحمد مظلوما ولست به ... كلا ولكن من الأسماء مقلوب
عرضت على كشاجم جارية حسناء فقال: ما اسمك؟ قالت: مظلومة فقال:
مملوكة تملك أربابها ... ما شانها ذاك ولا عابها
قد سمّيت بالضدّ مظلومة ... وهي التي تظلم أصحابها
من عيّر بقبيح اسمه
قال بعضهم في رجل اسمه فضل:
هو فضل وفضلة الشيء لغو ... ثم أردفت قلّة التصغير
وأراد عمر ﵁ أن يولّي رجلا فسأله عن اسمه فقال: ظالم بن سراق.
فقال: أنت تظلم وأبوك يسرق لا خير فيك ولم يولّه.
وقال معاوية ﵁ لجارية بن قدامة: من هوانك على أهلك سموك جارية
стр. 1150
فقالت: أنت كنت أهون على أهلك إذ سمّوك معاوية، وهي الأنثى من الكلاب.
ووقف رجل على ثلاثة نفر فسألهم عن أسمائهم، فقالوا: حافظ ومنيع ومحرز.
فقال: ما أظنكم من أسمائكم إلا كما قال أبو فراس:
إذا نسبوا لم يعرفوا غير ثعلب ... إلا أن أشرار السباع الثعالب
وقال العتابي لإبراهيم الموصلي عند المأمون وكان أغرى بينهما: ممّن وما اسمك؟
فقال: من الناس واسمي كل بصل. فقال: أما النسبة فمعروفة وأما الاسم فمنكر. فقال:
وما كلثوم من الأسماء، البصل على كل حال أطيب. وقيل لرجل: ما اسمك؟ قال:
شعيب، فقال: لا خير في اسم في أوله شه وفي آخر عيب. وهذا مثل قول الصاحب في قابوس نصف اسمه ضعف وآخره بوس، ونحوهما ما قال موسى بن عبد الملك في عيسى: أنّى يكون بليغا ونصف اسمه عي وما تأخر عنه ثلثا حروف مسيء.
وقيل في نفطويه:
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي نواحا عليه
ونحوه:
أبو رياش بغي والبغي مصرعه ... فشدّدوا العين ترموه بآبدته
عبد ذليل هجا للحين سيّده ... تصحيف كنيته في صدع والدته
أي أيور ناس.
وقال ابن أبي البغل: ولد لي سبط فما اسميه؟ فقيل له: لا تخرج من الاصطبل وسمه ما شئت.
ومن نوادر الصاحب أنه وقّع في قصة ابن حيلة: لا تترك استعمال أبيك وقال:
ابن عذاب إذا تغنّى ... فإنّني منه في عذاب
وقال ابن سوادة لعبدان: أبوك كان ثنويا ولذلك سماك عبدان، أي عبد النور وعبد الظلمة.
وقال الصاحب للبغلي: ما اسم أبيك؟ قال: موسى. قال: وابنك؟ قال موسى قال:
وهذه اللحية بين موسيين على خطر. وفيه:
حلقت لحية موسى باسمه ... وبهارون إذا ما قلبا «١»
من استحمق في اسمه
قال ابن أبي عتيق لرجل: ما اسمك؟ قال: وثّاب، قال وكلبك؟ قال: عمرو. فقال:
فلو كان من التوفيق ... قد أعطى أسبابا
стр. 1151
لسمّى نفسه عمرا ... وسمي الكلب وثّابا
وقال رجل لآخر: ما اسمك؟ قال: وردان قال وفرسك، فقال: عمران. وذهب رجل إلى باب، فقيل عبد من الأرض جميعا قبضته والسموات مطويات بيمينه، فقال: إن نصف المصحف بالباب وسئل رجل عن كنيته، فقال: أبو الحسن وأبو الغمر. فقيل: ألم تكف واحدة؟ فقال: لا إن ضاعت واحدة بقيت الأخرى.
المتأوّل قبيح اسمه على تأويل حسن
كان بنو أنف الناقة يستنكفون من هذا الاسم حتى قال فيهم الشاعر:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف النّاقة الذّنبا
فصاروا يتبجّحون به.
واستقبح قوم اسم العجلان فقال بعضهم: وما سمّي العجلان إلا لقوله:
خذ الوطب واحلب أيّها العبد واعجل «١»
المعتذر لشناعة اسمه أو كنيته
قيل لأعرابي اسمه نعامة: أي شيء هذا الاسم؟ قال: الاسم علامة ولو كان كرامة لتشارك الناس كلهم في اسم واحد. وقال برصوما لأبيه: ألم تجد اسما أحسن من هذا؟
فقال: لو علمت أنك تجالس الخلفاء باسمك لسميتك يزيد بن مزيد.
وطلب الحسن بن سهل مؤدّبا لولده فأتى بمعاوية بن القاسم وكان ضئيلا فقال: ما اسمك قال: كنيتي أبو القاسم ولضرورة تكنيت فاستظرفه.
وقيل لحرم المخنث لم تسميت بذلك؟ فقال: حتى أندب فيقال واحرماه. وأتى ضرار المتكلم بمجوسي ليكلمه فقال: أبو من أنت؟ فقال: نحن أجل من أنت ننسب إلى أبنائنا إنما ننسب إلى آبائنا. فورد على ضرار ما لم يكن في حسابه فأطرق ساعة ثم قال: أبناؤنا أفعالنا وآباؤنا أفعال غيرنا. وسئل بعض الأعراب لم سمعوا أبناءهم بالأسماء القبيحة وعبيدهم بالحسنة فقال: لأن أبناءهم لأعدائهم وعبيدهم لأنفسهم.
مدح الكنية واللقب وذمّهما
قيل: الكنية للإبانة واللقب للتبجيل فلا يكون لله تعالى كنية لأنه بان بصفاته. واللقب على أوجه: لقب على سبيل الهزؤ، وذلك منهى عنه وربّما يخصّ الرجل على التعيين، وربّما يعمّ الجنس كقولهم للأحدب: أبو الغصن، وللقصير أبو الرماح والثاني على سبيل التخفيف يستغنى به عن الاسم والنسب وهو كثير كأبي فلان والثالث للتعظيم كلقب الخلفاء والأمراء، والرابع لفعل يختص به كهاشم لهشمه الثريد، وعدوان لعدوه على أخيه وقتله إياه، ودارم لدرمانه تحت المال.
стр. 1152
المتفائل باسمه حسنا كان أو قبيحا
خرج عمر ﵁ فلقي رجلا من جهينة فقال: ما اسمك؟ قال: شهاب قال:
أبو من؟ قال: أبو جمرة. فقال: ممن أنت؟ قال: من بني حرقة، ثم من بني ضرام. قال أين مسكنك؟ قال: ذات لظى. قال: أدرك أهلك وما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا. فأتاهم وقد أحاطت بهم النار.
ولما حاصر قتيبة سمرقند أرسل إليه دهقانها «١» : لو حاصرتها الدهر الأطول لم تظفر بها فإنا نجد في كتبنا أنه لا يفتحها إلا بالآن فقال قتيبة الله أكبر أنا صاحبها لأن قتيبة تفسيره بالفارسية بالآن، فلما يئس من مكابرتها هيأ صناديق وجعل لها أبوابا تغلق من داخل وجعل فيها رجالا مستلئمين، وقال: أنا راحل عنكم ومعي أموال أريد أن أجعلها عندكم. فأمر دهقانها ففتح الباب وأدخلت الصناديق فخرجوا وقتلوا من فيها وفتحوها.
المتسمّي باسم لا يليق به
قال بكر بن النطاح:
وأعجب منك اليوم تسليم أمره ... عليك على طنز وأنك قابله
وقال عبدان:
هل رأيتم أو سمعتم ... بكياء أصفهان
وقال الصاحب:
الغضاري قال ادعى كياء ... لست أرضي بالشيخ والأستاذ
هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم ... بكياء من أهل نصر أباذ
الحثّ على تعرف أسماء الأصدقاء:
وقد تلتقي الأسماء في النّاس والكنى ... كثيرا ولكن لا تلاقي الخلائق
وقال:
وكم من سميّ ليس مثل سميه ... وإن كان يدعى باسمه فيجيب
وقال:
لشتان ما بين اليزيدين في النّدى ... يزيد سليم والأغرّ بن حاتم
وفي فصل لأبي الفضل بن العميد إلى محمد بن يحيى: وما أحسبنا نشترك إلا في الاسم وشتان بين محمد، ومحمد فلو كنا السماكّين لكنت الرامح وكنت الأعزل أو النسرين لكنت الطائر وأنا الواقع، أو السعدين لكنت سعد السعود وكنت سعد الذابح.
стр. 1153
الحثّ على تسمية الغير بأحسن الأسماء
قال الله تعالى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
«١» ، وقال ابن الخزاعي:
ولست بذي نيرب في الكرا ... م ومنّاع خير وسبابها
ولكن أطاوع ساداتها ... ولا أتعلّم ألقابها
وقيل ثلاثة تثبت لك الود عند أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسّع له في الملجس وتناديه بأحب الأسماء إليه.
وقال الطائي:
لا يضمر الغدر للصديق ولا ... يخطو اسم ذي ودّه إلى لقبه
وقال:
أكنّيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقّبه والسوءة اللقب
وجرى بين أبي بكر بن فريعة القاضي وبين بعض القواد كلام في مجلس أبي الحسين بن بويه وكان أبو بكر يقول مرّة: يا إبراهيم، ومرة يا أبا إسحاق، غضب القائد من ذلك وقال: لم لا تقول كياء؟ فقال إنما نكياءك إذا أنصفتنا، فإذا ظلمتنا سحقناك وبرهمناك.
الاعتذار لمن سمّي بغير اسمه المشهور به
صاح أعرابي بعبد الله بن جعفر فقال: يا أبا الفضل. فقال: ليس هذا كنيتي، فقال:
إن لم يكن كنيتك فإنه وصفك.
وكان يحيى بن أكثم يناظر رجلا في إبطال القياس وكان الرجل يكنيه بأبي زكريا.
فقال له: يحيى إنّها ليست بكنيتي فقال إن كل يحيى يكنى بأبي زكريا. فقال: يحيى العجب أنك تكنيني بالقياس، وتناظرني في إبطاله. ودخل رجل على أمير يدعى إسحاق فقال له: يا أبا يعقوب، فقال: أخطأت أنا أبو الحسين، فقال إنما أخطأ الأمير لأنّ كل إسحاق يكنى أبا يعقوب.
المشاهير بأسماء لا يعرف بها غيرهم
إذا قيل أمير المؤمنين مطلقا فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وابن عبّاس عبد الله، وابن عمر عبد الله. وكان لهما أولاد غيرهما. والحسن بالحسن البصري، والنابغة نابغة بني ذبيان. والأعشى أعشى بني قيس.
من سمّي من الكبار بأسماء وكنّى
النبي ﷺ سمي محمدا ومحمودا وأحمد ولهذا باب طويل:
стр. 1154
نوادر مختلفة في ذكر الأسماء
قيل لحائك أبو من؟ فقال أبو محمد ﵇ وقال علي ﵁: ما اجتمع قوم في مشورة فلم يدخلوا من اسمه محمد إلا لم يبارك لهم فيها.
وقال ابن أبي ليلى: أحب الأسماء إلى الله تعالى ما فيه الإقرار بالعبودية له تعالى.
ودقّ باب الجاحظ رجل فقال من؟ قال: أنا. قال: لا يعرف من اسمه أنا. ودق آخر فقيل من؟ قال: أنا. قال: ما أفلح ذو أنا.
ودخل مجوسي على وال فقال: ما اسمك؟ قال: يزدان بآذان. قال: اسمان وجزية واحدة لا يكون ذلك وألزمه جزيتين.
وقال رجل للفرزدق: من أنت؟ قال: فرزدق. قال: لا نعرف فرزدقا إلا عجينا فتيتا تأكله نساؤنا. فقال: الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم.
وقال أعرابي لرجل: ما اسمك؟ قال: عبد الله قال: ابن من؟ قال: ابن عبيد الله. قال:
أبو من؟ قال: أبو عبد الله الرحمن. فقال الأعرابي أشهد أنك تلوذ بالله لياذ لئيم جبان.
وجاءت عجوز إلى لحّام بالمدينة فدفعت له درهما وقالت ادفع لحما طيبا، واذكر اسمك لأدعو لك فدفع إليها أخبث لحم، وقال اسمي من يمد، فجعلت المرأة تأكل وتقول: لعن الله من يمد تلعن نفسها ولا تدري.
وكان بالبصرة شيخ يقال له أبو حفص اللوطي فدخل يعود جارا له فوجده كالمغمى عليه فقال له: أتعرفني؟ قال نعم أنت أبو حفص اللوطي فقال تجاوزت حد المعرفة لا رفع الله صرعتك.
من غضب على غيره لموافقة اسمه من لا يحبّه
من الشيعة قوم يبغضون ويقاتلون من كنّي بأبي بكر أو سمّي بعمر. وكانت قرية يقال لها يزداد وأهلها في الشيعة، مرّ بهم رجل فسألوه عن اسمه فقال: عمران فضربوه ضرب التلف، وقالوا في اسمه عمر وحرفان من اسم عثمان ألا يستحق القتل؟
المسمّى بفعل منه جدا أو هزلا
سمّي إبراهيم حنيفا لأنه حنف عن عبادة الأوثان، ومريم البتول لتبتلها أي انقطاعها إلى الله تعالى، وخطب وال باليمامة فقال: إن الله تعالى لا يقرّ على المعاصي فقد أهلك أمة في ناقة لا تساوي مائتي درهم فسمي مقوم الناقة.
وقال الخليل: كان قوم يلقبون كلّ من مر بهم فأتاهم رجل، فقال: إني أريد أن أتصل بكم بشرط أن تلقبوني أدعوني رأسا برأس فلقبوه رأسا برأس. والشعراء منهم كثيّر كالمرقش لقوله:
رقّش في ظهر الأديم قلم
стр. 1155
وجران العود لقوله:
خذا حذرا يا جارتي فإنّني ... رأيت جران العود قد كان يصلح
والممزّق لقوله ولما أمزق.
ألقاب الخلفاء والولاة
أول من لقب من الخلفاء عبد الملك بن مروان لقب الموفق لأمر الله، ثم الوليد المنتقم لأمر الله.
وأول من قال يا أمير المؤمنين أول من قصد أبا بكر وهذا باب واسع. وقيل سمي طاهر ذا اليمينين لأن المأمون كتب إليه: إن أمير المؤمنين قد جعل يمينك يمينه ويسارك يساره فسمي ذا اليمينين.
وكان أصحاب السلطان في زمن التتابعة سبعة أقسام: التبابعة والعباهلة وهم الذين ليس فوقهم، والمقاول وقيل الأقيال والأقوال الواحد قيل وهم ستون رجلا من أهل بيت الملك يرشحون له ثم المثامنة ثمانون رجلا إذا مات التبع وضعوا رجلا من الأقيال تبعا، ووضعوا رجلا من الثمانين في الأقيال مكانه، ثم الصنائع وهم ثقات الملك يعدهم لنفسه ثم الوضائع وهم أصحاب المناظر والمسالح، والمقيمون في الثغور ثم العباد وهم خدم السلطان الذين يلزمون بابه ويختلفون في رسائله ثم الأخيار.
أسماء ملوك كلّ صقع وفرسانها
قد تقدم أسماء ملوك الأصقاع في السيادة فأما الفرسان فيقال المرازبة في فارس البطارقة في الروم البكاكرة في السند والهند والمقاول في اليمن والكبش في ترار وتبع في العرب.
من سماه أبوه باسم نفسه من الكبار
عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر الصديق، الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، مسلم بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، عبد الله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عبد الله بن عبد الله بن عمر سعيد بن سعيد بن العاص عتاب بن عتاب بن أسيد.
شبه ألغاز بأسماء
قال المنصور لأبي بكر بن عياش: يا أبا بكر أخبرني عن عين فقأت عينا. يريد رجلا أول اسمه عين قتل رجلا أول اسمه عين وأراد أن يعلم هل تحدث الناس بما كان منه إلى عبد الله بن علي. فقال: نعم يا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قتله عبد الرحمن بن ملجم، وعبد الله بن الزبير قتله عبد الملك بن مروان وعبد الملك قتله ابن عمه عمرو بن سعيد، وسقط البيت على عبد الله في عهد أمير المؤمنين عبد الله المنصور، فقال: ويلك وذلك مني. وكان عبد الله بن علي خرج على المنصور فوجه إليه أبا مسلم فهزمه ثم صار إلى المنصور بأمان فقيل إنّه بنى له بيتا جعل في أساسه الملح
стр. 1156
وأجرى الماء تحته فوقع فمات ولذلك قال ما قال.
وقال مروان نجد في كتبنا أن عين ابن عين ابن عين يقتل ميم، ابن ميم ابن ميم وأظن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قاتلي، فأنا مروان بن محمد بن مروان قال:
يا أبا إسحاق اقلب ... نظم إسحاق وصحّف
واترك الحاء على حا ... ل فما للحال مصرف
المسمّى باسم أمّه وخاله
فمما عيّر به قول دعبل يهجو:
سألته عن أبيه ... فقال دينار خالي
فقلت دينار من هو ... فقال والي الجبال
قال أبو محمد اليزيدي:
قلت وأدغمت أبا خاملا ... أنا ابن أخت الحسن الحاجب
ونحو ذلك ما حكى أن أبا العيناء سأل ابن أخت أبي الوزير حاجة فلم يقضها له فقال: إنما ألوم نفسي في تأميلك وأنت مضاف إلى مضاف.
ولأبي سعيد الرستمي:
كفى حزنا فاسمع علي بن رستم ... لسبطك أن يدعى بسيط جنيد
وليس بحمد الله فيه مزلّة ... ولكن دعوا سعدا بلفظ سعيد
المنسوب إلى من يجالسه حتى صار كالعلم له
قال خالد الواسطي الطحان: ما كنت طحانا ولكن كنت أجلس إلى طحّان فسميت به. وكذلك خالد الحذاء تزوّج امرأة من الحذائين فنسب إليهم، وواصل الغزال إنما كان يجلس إلى غزال، وإسماعيل المكي كان يتّجر إلى مكّة، وهو من أهل البصرة وسمّي البتّي لبت «١» كان يعمله.
أنواع مختلفة
دق إنسان على بشّار فقال: من أنت؟ قال: أنا، فقال: انصرف يا أنا، قال أبو على النطاح كان المهدي يحب ابنه إبراهيم فقالت له شكلة أتراه يلي الخلافة؟ فقال: لا، ولا يليها من اسمه إبراهيم. إن إبراهيم الخليل أول من ألقى في النار وإبراهيم ابن النبي ﷺ لم يعش وبويع إبراهيم بن الوليد فلم يتم له الأمر، وأحكم إبراهيم الإمام أمر الملك فقتل وتمّ لغيره. وطلب الخلافة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن فما تمّت له على جلالته وكثرة جيشه، وقد بايع المتوكل لابنه إبراهيم المؤيّد فلم يتم له وقتل.
стр. 1157
الحدّ الثامن عشر في الملابس والطّيب
(١) الرّخصة في إجادة الملبس وعذر فاعله دينا ودنيا
قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
«١» وقال تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
«٢» وقال ﷺ : إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس.
وبعث ملك الروم إلى النبي ﷺ جبّة ديباج فلبسها ثم كساها عثمان واشترى ﷺ جبة بثمانين ناقة. وكان الحسن يلبس ثوبا بأربعمائة درهم وفرقد السنجي كان يلبس المسوح، فلقيه الحسن فقال: يا أبا سعيد ما ألين ثوبك، فقال الحسن: يا فريقد ليس لين ثيابي يباعدني من الله ولا خشونتها تقرّبك منه، إن الله جميل يحب الجمال.
وكان سعيد بن المسيّب يلبس الحلّة بألف درهم ويدخل المسجد ويقول: أجالس ربّي. ودخل الوليد بن يزيد على هشام وعليه عمامة وشي، فقال: بكم أخذتها؟ قال:
بألف درهم. قال: عمامة بألف درهم؟ قال: إني أخذتها لأشرف أعضائي، وأنت أخذت جارية بألف دينار لأخسّ أعضائك.
وقال ابن عباس: كل ما شئت وألبس ما شئت ما أخطأك اثنتان: إسراف ومخيلة. وقيل:
مروءتان ظاهرتان: الرياش والفصاحة. وقيل: المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة وأنشد:
إذا النّفر السود اليمانون حاولوا ... له نسج برديه أدقّوا وأوسعوا
الحثّ على تغطية سوء الحال بإجادة الثّياب
قال بعض الحكماء: كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مآلا فالكريم من كرمت عند الخصاصة «٣» خلّته، واللئيم من لؤمت عند الحاجة طعمته.
وكان بعض القرشيين إذا اتسع لبس أرثّ ثيابه وإذا افتقر لبس أحسنها ويقول: إذا اتسعت تزيّنت بالهبة، وإذا افتقرت تزينت بالهيئة.
стр. 1158
النهي عن الملابس المشهورة وما لا يليق بلابسه ومدح الاقتصاد
قال النبي ﷺ : من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب ذلّ يوم القيامة. وقال عمر ﵁: إياكم أن تلبسوا ألبسة مشهورة أو محقورة. وقال خالد: إلبسوا من الثياب ما تستحسنه الملوك والسوقة، فإن تغيرت بأحدكم حال لم يعلم به أحد. وقيل:
إلبس ما لا يزدريك به السفهاء ولا يعيبك به العلماء.
قال العلوي:
ليس لبس الطيالس ... من لباس الفوارس «١»
لا ولا حومة الوغا ... كصدور المجالس
نهي من يداخل السّلاطين عن الثّياب الفاخرة
قال دهقان «٢» لابنه: إياك إذا نلت منزلة من السلطان أن تلبس ما يديم نظره إليك، واعلم أن الوشي لا يلبسه إلا أحمق أو ملك، وعليك بالبياض اللين فكل أبيض عندهم ثوب. وحكي أن الشيخ الأمين عبّاد بن العباس كان له جبّات كثيرة كلها عنّابي على لون واحد، يخدم بها ركن الدولة الحسن بن بويه، فقال يوما لحاشيته: أنظروا إلى نظافته يلبس جبّة كذا كذا سنة لا يغيّرها ولا يبليها.
وقيل: أراد عمرو بن مسعدة يوما الركوب إلى السلطان في ثياب وشي، فقال له نوح بن إبراهيم: لا تفعل، فقال: لم لا أفعل وغلتي كل شهر كذا؟ فقال إبراهيم غلّتك مسموعة وجبتك ملحوظة.
من لبس المعاوز من الصالحين
قيل: كان أويس يلتقط الخرق من المزابل فيخيطها ويلبسها. وعمر ﵁ رؤي عليه قميص فيه اثنتا عشرة رقعة وهو يخطب. وقال أبو أويس الخولاني: قلب نقي في ثوب دنس أحب من قلب دنس في ثوب نقي. وكان لعمر ﵁ قميص قيمته أربعة دراهم، فقال: إني أخشى أن أسأل عن لينه يوم القيامة، فبكى سالم غلامه وقال له:
رأيتك قبل الخلافة لبست ثوبا بأربعين دينارا فاستحسنته. فقال: يا سالم إني كنت لم أنل شيئا إلا طلبت ما فوقه فلما نلت الخلافة علمت أن ليس فوقها إلا الجنّة فدعني أطلبها.
وقال رجاء بن حيوة قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة بإثني عشر درهما قميصه وخفّه وعمامته وسراويله وقلنسوته.
حمد لبس المعاوز
قيل: ألبس من الثياب ما يخدمك ولا يستخدمك وقال عمرو بن العاص: لا أملّ
стр. 1159
ثوبي ما ستر عورتي ولا دابّتي ما حملت رحلي. وكان خزيم الناعم لم يكن يلبس في الصيف إلا خلقا «١» ولا في الشتاء إلا جديدا.
عذر من لؤم لبسه وكرمت نفسه
دخل النجار العذري على معاوية فازدراه. فقال: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك إنما يكلمك من فيها فملأ سمعه حكمة ثم نهض ولم يسأله شيئا فقال ما رأيت أحقر أولا ولا أكبر آخرا منه وعاتب يحيى بن خالد العتبي في خلق ثيابه، فقال: أخزى الله من ترفعه هيئتاه ثيابه وجماله ولم يرفعه أكبراه همته ونفسه إنما الهيئة للأبناء والنساء وقال حبيب بن أبي ثابت. لأن أعزّ في خميصة أحب إليّ من أن أذلّ في مطرف. وقيل: لا يسود الرجل حتى لا يبالي في أي ثوبيه ظهر. قال أبو هفّان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها: لا تعجبي فطلوع الشمس في السّدف «٢»
وزادها عجبا أن رحت في سمل ... وما درت درّ أن الدرّ في الصّدف «٣»
وقال:
أعاذل أن يكون برداي رثا ... فلا يعدمك بينهما كريم
وقال النمر بن تولب:
فإن يك أثوابي تمزّقن عن بلى ... فإني كمثل السيف في خلق الغمد «٤»
ونظرت جارية لابن هبيرة وهو أمير العراق وعليه قميص مرقوع فضحكت، فأنشد:
هزئت أمامة أن رأتني مملقا ... ثكلتك أمّك أي ذاك يروع
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
وقيل: لا يسود الرجل حتى لا يدري أي ثوبيه لبس.
وقال البحتري:
وليس العلى درّاعة ورداءها ... ولا جبّة موشية وقميصها
وفي صبيح الوجه عليه خلق:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر
من عوتب في خلق ثيابه فاعتذر بالفقر
قال بعض الكبار لأبي الأسود عليه جبة خز خلقة طال صحبتها له: أما تمل لبسها؟
فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه فأمر له بمال ودخل محمد بن كعب على سليمان فقال:
стр. 1160
ما هذه الثياب الرثّة؟ فقال: أكره أن أقول الزهد فأطرى نفسي أو الفقر فأشكو ربي.
وقال الإسكندر لرجل رث تكلم بفصاحة: ليكن حسن ثيابك كحسن كلامك، فقال:
أما الكلام فأنا قادر عليه وأما الثياب فأنت تقدر عليها. فخلع عليه.
العريان
قيل: فلان أعرى من المغزل، وقيل لأعرابي: ما تلبس؟ قال: الليل إذا عسعس «١» والصبح إذا تنفس. قال أبو هفان:
عريان أعرى من فصوص النّرد ... كالسّيف ماض ماله من غمد
وأنشد رجل يحيى بن خالد:
إنّي امرؤ في أعالي بيت مكرمة ... إذا تمزّق ثوبي أرتدي حسبي
فقال يحيى: ما أقل غناء هذا الرداء في الكانونين. وقال الأصمعي: قلت لأعرابي في يوم بارد ألا تصلي، فقال: البرد شديد ومالي كسوة، وأنشد:
فإن يكسني ربّي قميصا وجبّة ... أصلّ واعبده إلى آخر الدهر
وإن لا يكن إلا بقايا عباءة ... مخرّقة مالي على البرد من صبر
من يصون ثوبه ويهين نفسه
قال ابن أبي الصمت:
أرى حلالا تصان على رجال ... وأعراضا تزال ولا تصان
وقال:
فترى خسيس القوم يترك عرضه ... دنسا ويمسح نعله وشراكها
عذر من يتشوّه لبسه
كان ابن أبي داود، مضطرب الطيلسان لا يحسن لبسه، فقال له أبو العلاء المعري:
لئن كنت لا تحسن أن تلبس الطيلسان إنك لتحسن أن تلبس نعمك جماعة الإخوان. وقال آخر وقيل له لا تحسن أن تلبس الثياب، فقال: لكني أحسن أن ألبسها.
وعوتب آخر فقال: من عظمت مؤنته في نفسه قلّ تفقده لأمر غيره، وقيل: من كان شغله بنفسه فقد مكر به. وقيل ما استوت عمامة على رأس كريم قط.
إعطاء الخلع
قيل: من راح منك في الثياب تغدو منه في الثناء.
قال البحتري:
وراح في ثنائي ... ورحت في ثيابه
следующие страницы →