Полный текст (1 556 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وأجرى الماء تحته فوقع فمات ولذلك قال ما قال.
وقال مروان نجد في كتبنا أن عين ابن عين ابن عين يقتل ميم، ابن ميم ابن ميم وأظن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قاتلي، فأنا مروان بن محمد بن مروان قال:
يا أبا إسحاق اقلب ... نظم إسحاق وصحّف
واترك الحاء على حا ... ل فما للحال مصرف
المسمّى باسم أمّه وخاله
فمما عيّر به قول دعبل يهجو:
سألته عن أبيه ... فقال دينار خالي
فقلت دينار من هو ... فقال والي الجبال
قال أبو محمد اليزيدي:
قلت وأدغمت أبا خاملا ... أنا ابن أخت الحسن الحاجب
ونحو ذلك ما حكى أن أبا العيناء سأل ابن أخت أبي الوزير حاجة فلم يقضها له فقال: إنما ألوم نفسي في تأميلك وأنت مضاف إلى مضاف.
ولأبي سعيد الرستمي:
كفى حزنا فاسمع علي بن رستم ... لسبطك أن يدعى بسيط جنيد
وليس بحمد الله فيه مزلّة ... ولكن دعوا سعدا بلفظ سعيد
المنسوب إلى من يجالسه حتى صار كالعلم له
قال خالد الواسطي الطحان: ما كنت طحانا ولكن كنت أجلس إلى طحّان فسميت به. وكذلك خالد الحذاء تزوّج امرأة من الحذائين فنسب إليهم، وواصل الغزال إنما كان يجلس إلى غزال، وإسماعيل المكي كان يتّجر إلى مكّة، وهو من أهل البصرة وسمّي البتّي لبت «١» كان يعمله.
أنواع مختلفة
دق إنسان على بشّار فقال: من أنت؟ قال: أنا، فقال: انصرف يا أنا، قال أبو على النطاح كان المهدي يحب ابنه إبراهيم فقالت له شكلة أتراه يلي الخلافة؟ فقال: لا، ولا يليها من اسمه إبراهيم. إن إبراهيم الخليل أول من ألقى في النار وإبراهيم ابن النبي ﷺ لم يعش وبويع إبراهيم بن الوليد فلم يتم له الأمر، وأحكم إبراهيم الإمام أمر الملك فقتل وتمّ لغيره. وطلب الخلافة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن فما تمّت له على جلالته وكثرة جيشه، وقد بايع المتوكل لابنه إبراهيم المؤيّد فلم يتم له وقتل.
стр. 1157
الحدّ الثامن عشر في الملابس والطّيب
(١) الرّخصة في إجادة الملبس وعذر فاعله دينا ودنيا
قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
«١» وقال تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
«٢» وقال ﷺ : إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس.
وبعث ملك الروم إلى النبي ﷺ جبّة ديباج فلبسها ثم كساها عثمان واشترى ﷺ جبة بثمانين ناقة. وكان الحسن يلبس ثوبا بأربعمائة درهم وفرقد السنجي كان يلبس المسوح، فلقيه الحسن فقال: يا أبا سعيد ما ألين ثوبك، فقال الحسن: يا فريقد ليس لين ثيابي يباعدني من الله ولا خشونتها تقرّبك منه، إن الله جميل يحب الجمال.
وكان سعيد بن المسيّب يلبس الحلّة بألف درهم ويدخل المسجد ويقول: أجالس ربّي. ودخل الوليد بن يزيد على هشام وعليه عمامة وشي، فقال: بكم أخذتها؟ قال:
بألف درهم. قال: عمامة بألف درهم؟ قال: إني أخذتها لأشرف أعضائي، وأنت أخذت جارية بألف دينار لأخسّ أعضائك.
وقال ابن عباس: كل ما شئت وألبس ما شئت ما أخطأك اثنتان: إسراف ومخيلة. وقيل:
مروءتان ظاهرتان: الرياش والفصاحة. وقيل: المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة وأنشد:
إذا النّفر السود اليمانون حاولوا ... له نسج برديه أدقّوا وأوسعوا
الحثّ على تغطية سوء الحال بإجادة الثّياب
قال بعض الحكماء: كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مآلا فالكريم من كرمت عند الخصاصة «٣» خلّته، واللئيم من لؤمت عند الحاجة طعمته.
وكان بعض القرشيين إذا اتسع لبس أرثّ ثيابه وإذا افتقر لبس أحسنها ويقول: إذا اتسعت تزيّنت بالهبة، وإذا افتقرت تزينت بالهيئة.
стр. 1158
النهي عن الملابس المشهورة وما لا يليق بلابسه ومدح الاقتصاد
قال النبي ﷺ : من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب ذلّ يوم القيامة. وقال عمر ﵁: إياكم أن تلبسوا ألبسة مشهورة أو محقورة. وقال خالد: إلبسوا من الثياب ما تستحسنه الملوك والسوقة، فإن تغيرت بأحدكم حال لم يعلم به أحد. وقيل:
إلبس ما لا يزدريك به السفهاء ولا يعيبك به العلماء.
قال العلوي:
ليس لبس الطيالس ... من لباس الفوارس «١»
لا ولا حومة الوغا ... كصدور المجالس
نهي من يداخل السّلاطين عن الثّياب الفاخرة
قال دهقان «٢» لابنه: إياك إذا نلت منزلة من السلطان أن تلبس ما يديم نظره إليك، واعلم أن الوشي لا يلبسه إلا أحمق أو ملك، وعليك بالبياض اللين فكل أبيض عندهم ثوب. وحكي أن الشيخ الأمين عبّاد بن العباس كان له جبّات كثيرة كلها عنّابي على لون واحد، يخدم بها ركن الدولة الحسن بن بويه، فقال يوما لحاشيته: أنظروا إلى نظافته يلبس جبّة كذا كذا سنة لا يغيّرها ولا يبليها.
وقيل: أراد عمرو بن مسعدة يوما الركوب إلى السلطان في ثياب وشي، فقال له نوح بن إبراهيم: لا تفعل، فقال: لم لا أفعل وغلتي كل شهر كذا؟ فقال إبراهيم غلّتك مسموعة وجبتك ملحوظة.
من لبس المعاوز من الصالحين
قيل: كان أويس يلتقط الخرق من المزابل فيخيطها ويلبسها. وعمر ﵁ رؤي عليه قميص فيه اثنتا عشرة رقعة وهو يخطب. وقال أبو أويس الخولاني: قلب نقي في ثوب دنس أحب من قلب دنس في ثوب نقي. وكان لعمر ﵁ قميص قيمته أربعة دراهم، فقال: إني أخشى أن أسأل عن لينه يوم القيامة، فبكى سالم غلامه وقال له:
رأيتك قبل الخلافة لبست ثوبا بأربعين دينارا فاستحسنته. فقال: يا سالم إني كنت لم أنل شيئا إلا طلبت ما فوقه فلما نلت الخلافة علمت أن ليس فوقها إلا الجنّة فدعني أطلبها.
وقال رجاء بن حيوة قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة بإثني عشر درهما قميصه وخفّه وعمامته وسراويله وقلنسوته.
حمد لبس المعاوز
قيل: ألبس من الثياب ما يخدمك ولا يستخدمك وقال عمرو بن العاص: لا أملّ
стр. 1159
ثوبي ما ستر عورتي ولا دابّتي ما حملت رحلي. وكان خزيم الناعم لم يكن يلبس في الصيف إلا خلقا «١» ولا في الشتاء إلا جديدا.
عذر من لؤم لبسه وكرمت نفسه
دخل النجار العذري على معاوية فازدراه. فقال: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك إنما يكلمك من فيها فملأ سمعه حكمة ثم نهض ولم يسأله شيئا فقال ما رأيت أحقر أولا ولا أكبر آخرا منه وعاتب يحيى بن خالد العتبي في خلق ثيابه، فقال: أخزى الله من ترفعه هيئتاه ثيابه وجماله ولم يرفعه أكبراه همته ونفسه إنما الهيئة للأبناء والنساء وقال حبيب بن أبي ثابت. لأن أعزّ في خميصة أحب إليّ من أن أذلّ في مطرف. وقيل: لا يسود الرجل حتى لا يبالي في أي ثوبيه ظهر. قال أبو هفّان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها: لا تعجبي فطلوع الشمس في السّدف «٢»
وزادها عجبا أن رحت في سمل ... وما درت درّ أن الدرّ في الصّدف «٣»
وقال:
أعاذل أن يكون برداي رثا ... فلا يعدمك بينهما كريم
وقال النمر بن تولب:
فإن يك أثوابي تمزّقن عن بلى ... فإني كمثل السيف في خلق الغمد «٤»
ونظرت جارية لابن هبيرة وهو أمير العراق وعليه قميص مرقوع فضحكت، فأنشد:
هزئت أمامة أن رأتني مملقا ... ثكلتك أمّك أي ذاك يروع
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
وقيل: لا يسود الرجل حتى لا يدري أي ثوبيه لبس.
وقال البحتري:
وليس العلى درّاعة ورداءها ... ولا جبّة موشية وقميصها
وفي صبيح الوجه عليه خلق:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر
من عوتب في خلق ثيابه فاعتذر بالفقر
قال بعض الكبار لأبي الأسود عليه جبة خز خلقة طال صحبتها له: أما تمل لبسها؟
فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه فأمر له بمال ودخل محمد بن كعب على سليمان فقال:
стр. 1160
ما هذه الثياب الرثّة؟ فقال: أكره أن أقول الزهد فأطرى نفسي أو الفقر فأشكو ربي.
وقال الإسكندر لرجل رث تكلم بفصاحة: ليكن حسن ثيابك كحسن كلامك، فقال:
أما الكلام فأنا قادر عليه وأما الثياب فأنت تقدر عليها. فخلع عليه.
العريان
قيل: فلان أعرى من المغزل، وقيل لأعرابي: ما تلبس؟ قال: الليل إذا عسعس «١» والصبح إذا تنفس. قال أبو هفان:
عريان أعرى من فصوص النّرد ... كالسّيف ماض ماله من غمد
وأنشد رجل يحيى بن خالد:
إنّي امرؤ في أعالي بيت مكرمة ... إذا تمزّق ثوبي أرتدي حسبي
فقال يحيى: ما أقل غناء هذا الرداء في الكانونين. وقال الأصمعي: قلت لأعرابي في يوم بارد ألا تصلي، فقال: البرد شديد ومالي كسوة، وأنشد:
فإن يكسني ربّي قميصا وجبّة ... أصلّ واعبده إلى آخر الدهر
وإن لا يكن إلا بقايا عباءة ... مخرّقة مالي على البرد من صبر
من يصون ثوبه ويهين نفسه
قال ابن أبي الصمت:
أرى حلالا تصان على رجال ... وأعراضا تزال ولا تصان
وقال:
فترى خسيس القوم يترك عرضه ... دنسا ويمسح نعله وشراكها
عذر من يتشوّه لبسه
كان ابن أبي داود، مضطرب الطيلسان لا يحسن لبسه، فقال له أبو العلاء المعري:
لئن كنت لا تحسن أن تلبس الطيلسان إنك لتحسن أن تلبس نعمك جماعة الإخوان. وقال آخر وقيل له لا تحسن أن تلبس الثياب، فقال: لكني أحسن أن ألبسها.
وعوتب آخر فقال: من عظمت مؤنته في نفسه قلّ تفقده لأمر غيره، وقيل: من كان شغله بنفسه فقد مكر به. وقيل ما استوت عمامة على رأس كريم قط.
إعطاء الخلع
قيل: من راح منك في الثياب تغدو منه في الثناء.
قال البحتري:
وراح في ثنائي ... ورحت في ثيابه
стр. 1161
وقيل: أحقّ الناس بحلتك أصدقهم في خلتك وقيل: ثوبك على أخيك باليا أحسن منه عليك جديدا وقال المهلب لأولاده: ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم.
من تزيّن به الثّياب ولا يتزيّن بها
كتب بعضهم: فلان تتزين به المطارف وتتشرف به المكارم.
قال بشّار:
زين الملابس حين يلبسها ... وإذا تسلّب زانه سلبه
وقال:
إنّ المليحة من تزيّن حليها ... لا من غدت بحليها تتزين
قال جميل:
إذا ابتزلت لم يزرها ترك زينة ... وفيها إذا ازدانت لدى نيقة حسب «١»
قال المتنبّي:
لبسن الوشي لا متجمّلات ... ولكن كي يصنّ به الجمالا
قال كشاجم:
قد تأمّلت في الغلالة منه ... جسد النّور في قميص الهواء
ذمّ من حسن لباسه ولؤم فعاله وخلقه
ذمّ أعرابي رجلا فقال: هو عبل البدن حسن الثياب عظيم الرواق صغير الأخلاق.
الدهر يرفعه ونفسه تضعه. ونظر أرسطاطاليس إلى رجل حسن اللباس سيء الكلام فقال له:
يا رجل تكلم على قدر لباسك أو ألبس على قدر كلامك. وقيل ثوب نظيف وجسم سخيف. قال شاعر:
إذا لبسوا دكن الخزوز وخضرها ... وراحوا فقد راحت عليك المشاجب «٢»
قال الفرزدق:
بكى الخزّ من عوف وأنكر جلده ... وعجّت عجيجا من جذام المطارف «٣»
وقال البسامي:
كأنّه لمّا بدا مقبلا ... في حلل يقصر عن لبسها
جارية رعناء قد قدّرت ... ثياب مولاها على نفسها
стр. 1162
قال الخوارزمي:
أبو سعد له ثوب نفيس ... ولكن تحت ذاك الثوب عزبه «١»
فإن جاوزت كسوته إليه ... فليس وراء عبادان قربه «٢»
وقال:
وما الثقفيّ إن جادت كساه ... وراعك شخصه إلّا خيال «٣»
وقال آخر:
استجيدوا الثياب إنّ حمار السّوء ... تخفى عيوبه بالجلال «٤»
وقال المتنبّي:
ولا يروق مضيما حسن بزّته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن «٥»
ذمّ ملابس التصوّف
قال ابن السماك الصوفي: إن كان لباسكم وفقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطّلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لها فقد نافقتم وهلكتم. وقال الحسن فيما أظن أن قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم وكبرهم في صدورهم حتى لصاحب المدرّعة بمدرعته أشد فرحا من صاحب المطرف بمطرفه.
حمد لبس الصّوف وذمّه
روي عن النبيّ ﷺ : من لبس الصوف وأكل خبز الشعير وركب الأتان فليس فيه شيء من الكبر. وقيل: من أحب أن يجد حلاوة الإيمان فليلبس الصوف. وقيل: لراهب لم تلبسون السواد؟ قال: لأنه أشبه بلباس المصيبة.
وقال ابن سيرين: كان عيسى ﵇ يلبس الصوف ونبيّنا يلبس الكتان وهو أحب إلينا أن نقتدي به.
لبس الحرير والكتّان
قال النبي ﷺ : إنما يلبس الحرير من لا خلاق له وروي أنه ﷺ خرج وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب فقال: هذان على ذكور أمّتي حرامان حلالان على أناثهم.
وقال بعض الأمراء لحاجبه: أدخل إليّ رجلا عاقلا فأدخل رجلا فقال: من أين عرفت عقله؟ قال: رأيته لبس الكتان في الصيف والقطن في الشتاء والعتيق في الحرّ والجديد في
стр. 1163
البرد. وقال أمير المؤمنين: لا يلبس الكتّان إلا غنيّ أو عني «١» .
ذمّ سحب الثّوب ومدحه
روي في الحديث: فضل الإزار في النار. وقال عمر بن عبد العزيز لمؤدّبه: كيف كانت طاعتي إليك؟ قال: أحسن طاعة. قال: فأطعني كما أطعتك خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك ومن ثيابك حتى تبدو قدماك.
وخلع الرشيد على يزيد بن مزيد وكان يجالسه رجل من اليمن، فقال المياني: أجرر فما عرق جبينك في نسجه فقال: عليكم نسجه وعلينا سحبه. ونظر سعيد بن سالم إلى أحمد إبنه وعليه ثوب طويل يجرّه فعاتبه، فقال: يا أبتي إني قصير وعادتي إذا لبست ثوبا مرة ومرتين أن أهبه وأكره أن أهبه لمن لا يصلح له فاحتملت قبح ذلك لما فيه من مصلحتهم.
الثوب الخلق
للحمدوني في ذلك أشعار كثيرة وله اختصاص يوصف ذلك، منها قوله في طيلسان كثر رفوه «٢» :
يا ابن حرب أطلت فقري برفوي ... طيلسانا قد كنت عنه غنيّا
فهو في الرفو آل فرعون في العر ... ض على النّار بكرة وعشيّا
وقال:
طال ترداده إلى الرّفو حتّى ... لو بعثناه وحده لتهدّى «٣»
وقوله:
عمرته الرّقاع فهو كمصر ... سكنته نزاع كلّ قبيله «٤»
ولآخر في جبة:
دبّ فيها البلى فدقّت ورقّت ... فهي تقرا إذا السماء انشقّت «٥»
قال البسّامي:
أرقع كمّيها وأرفو ذيولها ... فلا رفوها يجدي ولا رقعها يغني
إذا قمت فيها أو قعدت تنفّست ... تنفّس صبّ ما يقرّ من الحزن «٦»
التعمّم
قال ﷺ : اعتمّوا تزدادوا حلما. وقال عمر ﵁: العمائم تيجان العرب.
стр. 1164
وقولهم سيّد معمّم معصب فيه تأويلان أحدهما هو المتعصب بجرائر قومه والآخر بمعنى الشرف، ومنه قول دريد:
عاري الأشاجع معصوب بلمّته ... أمر الزعامة في عرنينه شمم «١»
وقال أبو أمامة: إذا طولت الكمة وكورت العمة ووسعت الأكمة فقد هلكت الأمة وكان السيد يتعمّم بعمامة صفراء ومنه الزبرقان لصفرة عمامته.
وذكرت العمامة لأبي الأسود فقال: هي جنّة في الحرب ومكنة في الحر ومدفأة في القرّ، ووقار في الندى، وزيادة في القامة وتعظيم للهامة. وبعث ﷺ أسامة بن زيد في بعض سراياه فعمّمه بيده، وسدل طرف عمامته.
قال شاعر:
إذا لبسوا عمائمهم طووها ... على كرم وإن سفروا أناروا
مدح التقنّع وذمّه
كان فرسان العرب يتقنعون إلا أبو تميم بن طريف لم يتقنّع قط، ولم يبال أن يعرف. وقيل: التقنّع بالليل ريبة وبالنهار مذلة. وكان التقنّع من شيم الأشراف يقصدون بذلك مباينة العامّة، ويقولون: عدم القناع يفضي إلى ملال وابتذال. فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل.
التاج
كانت ملوك العجم وكثير من ملوك العرب يتتوجون ويقولون للملك: المتوّج.
وقالت الخزرج للنبي ﷺ في عبد الله بن أبي بن سلول: لقد جئتنا حين نظما الخرز لتتويجه وكان السيف من قريش يتعصب في النادي ويفتخر.
وبنو أمية جلسوا على الأسرة ولم يتوّجوا. وكان الوليد الخليع بنى قبّة ليضعها فوق الكعبة، لتكون مجلسا له ونزهة، وانتظر بذلك مع وضع التاج على رأسه كيف احتمال الناس له.
الألوان
سئل بعض الأعراب عن ألوان الثياب فقال: الصفرة أشكل والحمرة أجمل والخضرة أنبل والسواد أهول والبياض أفضل.
وقال ابن عباس: لو كان البياض صبغا لتنوفس فيه. قال شاعر:
وتعرّضت لك في البياض كأنّه ... درّ تنظمه بغير فصول
قال العباس في سوداء، لبست قميصا موردا:
فحمة ألبست رداء من الجم ... ر ونارا تستنّ في حراق
стр. 1165
وكان الأوزاعي يكره لبس السواد ويقول يلبس في المأتم وبمثله يعاقب المحرم، ولم أره على محرم ولا جليت فيه عروس، ولا كفن فيه ميت. قال أفلاطون: الصبغ الشقائقي والروائح الزعفرانية تسكن الغضب، والصبغ الياقوتي والروائح الوردية والنرجسية تحرك السرور، فإذا قرنت اللون الأحمر باللون الأصفر حركت القوّة العشقية، وإذا قرنت الأصفر بالأسود تحركت الشوقية، وإذا مزجت الحمرة بالصفرة تحركت القوة الغريزية، وإذا مزجت التفاحيّة بالخمرية تحركت الطبائع كلّها.
الحثّ على صيانة الثّوب
قيل: لكل شيء راحة وراحة الثوب طيبه وراحة البيت كنسه. وقيل: إن الثوب يقول: صنّي «١» بالليل أصنك بالنهار.
ذمّ من وسخ ثوبه
قال بعضهم:
وسخ الثّوب والعمامة والبر ... ذون والوجه والقفا والغلام
وقال بعضهم:
دنس القميص غليظه ... من غير لحمته سداه
وشعاره من شعره ... فكأنّه في مسك شاه «٢»
ودخل دسته على بعض المياسير بخراسان يستميحه، وكان وسخ الثياب، فقال: لو غسلت قميصك، فقال:
أشرت بغسل كمّتنا علينا ... وقد أرعيتها أذنا سميعه
سأغسل كمّتي ويدي منكم ... وأنشر عنكم لوم الطبيعه
وذكر لأبي أيوب المتقشفة فقال: ما علمت أن القذر من الدين. ورأى أبو الفتح بن زنكلة صوفيا قذرا، فقال: ما علمت أن طريق الجنة على الكنيف «٣» .
النّعل
قال عمر ﵁: ائتزروا وارتدوا وانتعلوا وتمدّدوا أي إفعلوا فعل معد.
وقيل: استجيدوا النعال فإنها خلاخيل الرجال. وألغز بعضهم فيه:
ومخزومة الأذنين ما تشتكيهما ... ومطعونة في الصّدر ما فجّرت دما
ودخل ابن سكرة الحمام فسرقت نعله، فقال:
ولست بداخل حمّام موسى ... وإن كان المنى طيبا وبشرا
стр. 1166
تكاثفت اللصوص عليّ حتّى ... دخلت محمّدا وخرجت بشرا
أي كنت صاحب النعل فلما خرجت صرت بشرا الحافي. وقال هشام بن محمد:
مثل الذي يقعد ولا يخلع نعليه مثل الدابّة فلا يحلّ حملها.
قال شاعر:
يمسي ويغدو راجلا ... في خلق من الحذا
خفّك يمشي جانبا ... وأنت منه في حذا «١»
وفي المثل: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع
أنواع من الثياب
قيل: ثلاثة من لباس البخلاء الخزّ والقومسية والأدم، وقيل: الدواويج من لباس القبط، والدراريع لباس الروم، والأقبية لباس الفرس، والفوط لباس الهند، والأزر لباس العرب.
وقيل: كان لأبرويز عمامة طولها خمسون ذراعا إذا اتسخت طرحت في النار فتأكل وسخها، وكان له ثوب قرمز يتلوّن كل ساعة بلون، وسراويل جوهر وتكّة أنابيب زبرجد في اللين كالغصن.
الخاتم
كان خاتمه ﷺ حلقة فضّة وعليه فصّ عقيق وكان يتختّم به في يمينه وسبب اتخاذه أنه كتب إلى ملك الروم، فقيل له: إنه لا يقبل كتابا إلا مختوما، فاتّخذه حينئذ. وعنه ﷺ : لا يلبس الخاتم إلا أمير أو ذو مال. وأوّل من تختّم في يساره معاوية ﵁، وقيل:
قالوا تختم في اليمين وإنّما ... مارست ذاك تشبّها بالصّادق
وتقرّبا منّي لآل محمد ... وتباعدا مني لكلّ منافق
الماسحين فروجهم بخواتم ... اسم النبي بهنّ واسم الخالق
إتخاذ الحلي
نهى النبي ﷺ عن اتخاذ أواني الذهب والفضة وقال: من شرب في إناء من فضة فكأنما تجرجر في جوفه نار جهنم. واتخذ الهادي لجاما من فضّة فقال له المهدي: أما تعلم الناس أنّ لك فضة ارجع إلى حالك.
محبّة الطّيب والحثّ على تناوله
قال ﷺ : حبب إليّ من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرّة عيني في الصلاة. وقال ﷺ : حقّ على كل مسلّم الطّيب والغسل والسواك يوم الجمعة، وأن يلبس من أحسن ثياب أهله، وأن يمس الطيب إن وجد وإن لم يجد فالماء له طيب.
стр. 1167
وقال الشعبي: الرائحة الطيبة تزيد في العقل. وقيل: من طاب ريحه زاد عقله ومن نظف ثوبه قلّ همه.
نهي من عرض عليه طيب فردّه والحثّ على عرضه
قال النبي ﷺ : إذا أتى أحدكم بطيب فليمس منه وإذا أتى بحلواء فليمس منها. وروى أبو هريرة: لا تردّوا الطيب فإنه طيب الريح خفيف المحمل.
ما يستحبّ للرّجال والنّساء من الطّيب
كان ابن عمر يستجمر بالألوّة «١» غير مطراة وبكافورة معه. وقال ﷺ : طيب الرجال ريح لا لون له وطيب النساء لون لا ريح له، يعني طيب النساء إذا خرجن. وروي عن الحسن بن علي ﵄: تحفة الصائم أن يدهن لحيته ويجمّر ثيابه، وتحفة الصائمة أن تذرر وتمشط رأسها وتجمر ثيابها «٢» .
أنواع الطّيب
أوّل من سمى الغالية «٣» معاوية، وذلك أن عبد الله بن جعفر اتخذها وأهداها له فسأله عن كلفتها فأخبره، فقال: هي غالية. وقال مالك بن أسماء لأخته وقد شم منها ريحا طيبة عليمني هذا الطّيب، فقالت: ما أخذته إلا من شعرك:
أطيب الطّيب طيب أم أبان ... فأرمسك بعنبر مسحوق «٤»
فأدخل على الحجاج، فقال: ما الذي أسهرني فسمي الساهر به. وقال بعض النصارى:
دخنة مريم تبلغ رائحتها عنان السماء، فقال مخنث: فالندّ «٥» إذا يبلغ تحت العرش.
الإستقصاء في التبخّر
قيل: من الظرف والكرم الإستقصاء في التبخّر، ووضعت مجمرة تحت رجل فاستعجله الواضع، وقال ألا تضجر منها، فقال: إني أقعد على المستراح ساعات فلا أضجر، أفأضجر من ثلث ساعة أتبخّر فيها.
المستغني عن الطّيب بطيب رائحته
قال شاعر:
الطيّبون ثيابا كلّما عرقوا
وقال آخر:
يا باسطا كفّه نحوي يطيّبني ... كفّاك أطيب في نفسي من الطّيب
стр. 1168
وقال:
وما ضرّ من أمسيت جارة بيته ... وفي رحله أن لا يمسّ من الطّيب
البخور الطيّب
قال الخوارزمي:
بخور مثل أنفاس الحبيب ... وطيب قد أخلّ بكلّ طيب
يظلّ الذيل يستره ولكن ... تنمّ عليه أنفاس الجنوب «١»
إذا ما شمّ أنف حنّ قلب ... كأنّ الأنف جاسوس القلوب
وصف من رؤي متطيّبا
كان النبي ﷺ يعرف خروجه برائحة المسك، وكان يعجبه المسك.
قال الشاعر:
ويضوع مسكا ريح طيب ثيابه ... وكذاك ريح الماجد الوهّاب
وقال:
كأن تجارا تحمل المسك عرّسوا ... به ثمّ فضّوا ثم كل ختّام «٢»
قال أبو ذهيل:
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم «٣»
وكان الزهري يشم منه رائحة المسك حتى من علاقة سوطه. قال طرفة:
ثم راحوا يعبق المسك بهم ... يلحقون الأرض هداب الأزر «٤»
قال أبو نواس:
وكأنّ القوم بهتى ... بينهم مسك ذبيح «٥»
قال شاعر:
بأبي من بعضه من ... طيبه يعشق بعضا
حمل بخور إلى مجنون فحرق ثوبه فحلف لا يتبخر إلا عريانا.
стр. 1169
(٢) وممّا جاء في آلات الدار
قال الله تعالى في ذمّ قوم: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ
«١» والمحلات عند العرب الدلو والمقدحة والفأس والقربة والقدر، وذاك أن من كان معه ذلك حلّ حيث أراد:
لا يعدلن إتاويون تضرّبهم ... نكباء صرّ بأصحاب المحلات «٢»
وقيل: أشبه امرأ بعض بزه وكل سلعة لا تشبه صاحبها سرقة. وقيل: إستبن حزم الرجل بمتاع بيته. وأراد رجل أن يمدح رجلا عن خالد بن عبد الله، فقال: دخلت عليه فوجدته أثرى الناس دارا وآلة وأثاثا وفرشا، فقال خالد هذه حالة من لم تدع فيه شهوته للكرم والمعروف موضعا.
ودعا بعض الناس حكيما إلى داره وهي في غاية الفرش والرجل في غاية الجهل، فبزق الحكيم في وجهه فغضب الرجل، فقال الحكيم: طلبت موضعا في دارك أبزق فيه فلم أجد موضعا أقبح من نفسك فجعلتها موضعا لبزاقي، إذ كان من شرطه أن يقذف في أخس ما كان. قال شاعر في وسادة منقوشة:
ومكسورة حمرا كأن متونها ... نسور لدى جنب الخوان جموح
وقال:
ومكسورة باثنين وهي صحيحة ... حبيب إلى كلّ النفوس التزامها
وقيل: في الفراش الطبري فضيلتان برد صفحته ومجانسة لونه لون السماء فالنفس تسكن إليه من الجهتين.
الفرش المصوّرة
كان ﷺ إذا رأى صورة في ثوب قصّه ونهى عن التصاوير. وبعث كسرى إلى أبي سفيان بوسادة مصورة فجعلها على رأسه فاستحمقه، وقال قد بعثتها إليك لتقعد عليها، قال: قد علمت ولكن رأيت عليها صورة الملك فوضعتها على أكرم أعضائي، قال الببغاء في فأرة مصورة:
أنظر إلى صورة لو أنها علمت ... بمن تشبه لم تظهر لبانيها
стр. 1170
ترى الملوك وقوفا حول مالكها ... وعدّة الدولة المأمول يعليها
وقال الرّفاء:
صنعت فوقها التماثيل أيد ... عاجزات عن صنعة الخلّاق
ألبستها محاسن الخلق لما ... عجزت عن محاسن الأخلاق
حيوان بلا حياة فمنه ... حائد من منية وملاق «١»
وقال المتنبّي:
وأحسن من ماء الشبيبة كلّه ... حيا بارق في فازة أنا شائمه «٢»
عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغنّ حمائمه «٣»
ترى حيوان البر منسرحا بها ... يحارب ضدّ ضدّه ويسالمه
إذا ضربته الرّيح ماج كأنّه ... تجول مذاكيه وتذأى ضراغمه «٤»
وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة ... لأبيض لا تيجان إلّا عمائمه «٥»
وقال الببغاء في تمثال سبع في رمح:
وضيغم في ذابل يلوح ... مساور تسيل منه الروح «٦»
جسم ولكن ليس فيه روح
في صورة أفعى:
ومارق معتدل الكعوب ... يقلّ أفعى مدّة التركيب
تدب في الجو بلا دبيب
اللّبد
قال أبو طالب المأموني:
وواضعة خدّها بالصّعيد ... لأربابها فلها حرمه «٧»
منسجة من جلود النّعاج ... بغير سداء ولا لحمه
стр. 1171
تزف على الزفّ زفّ الرّئال ... وتربو على الخزّ في نعمه «١»
خركاة
قال أبو محمد الباوردي في خركاة عليها ثياب بيض وقد كشف بعضها:
رأيتك والبستان يحكي حسنه ... سماء وفيها حول حسنك مضرب
وقد كشفت للجوّ منه جوانب ... فنورك في آفاقه يتشعّب
كأنّك شمس من وراء غمامة ... يمزّقها عنه الشعاع المطنّب «٢»
الكرسيّ
قال أبو طالب المأموني:
ومعتقد يعجب الناظرينا ... ويعجز عن وصفه الواصفونا
كأنّ دعائمه إذ حنينا ... صوالجة في يد اللاعبينا «٣»
وقال:
ومستوقف بجلوس الحضور ... على أربع بالعرى موثقه
يمدّ على فرعه مفرشا ... ويظهر في خصره منطقه
فمن شاء صيّره مقعدا ... ومن شاء صيّره مرفقه
إذ ظل ينشر ما قد طواه ... أرى الحاضرين بما أوسقه «٤»
صليبي حديد إزاءين في ... عمود وتعلوهما مشرقه
الشّمعة
قال أبو طالب المأموني:
وطاعنة جلباب كلّ دجنة ... بماضي سنان في ذؤابة ذابل «٥»
تجود على أهل الندى بنفسها ... وما فوق بذل النفس جود لباذل
ويقرى عيون الناظرين ضياؤها ... وقد قيدت ألحاظهم بالأصائل «٦»
وقال السري:
أغصان تبر عرّيت من الورق ... آثارها بين مصابيح الأفق
стр. 1172
يغني الندامى ضوؤها عن الفلق ... شفاؤها إن مرضت ضرب العنق «١»
المنارة
وقال أبو طالب المأموني:
وقائمة بين الجلوس على سوى ... ثلاث فما تخطو بهنّ مكانا
على رأسها نجل لها لم تجنه ... حشاها ولا علته قط لبانا «٢»
يسدّد في أعلاه كلّ عشيّة ... لشقّ جلابيب الظّلام سنانا «٣»
قال ابن طباطبا في منارة وسخة:
ومنارة في زيّ صاحبها ... وسخا تراها رثّة قذره
سوداء منتنة فتحسبها ... ملطوخة بالكسب والعذره «٤»
وله:
يسيل على صدره المنارة بزرها ... كمثل لعاب حين سال به أنف
وقال الصّنوبري في سراج مظلم:
لنا سراج نوره ظلمة ... كأنّما يوقد من قلبي
الحبّ أضناني فما باله ... نضو ولا يشكو جوى الحبّ «٥»
الكوز
عاب عمرو بن عبيد قلّة الخزف فقال: ليست بصغيرة فيسقى بها ولا بكبيرة فيستقي منها، وهي ضيّقة الفم ويمنع ذلك من النظر إلى القذى فيها، وثخينة فلا يصل إليها الهواء، وثقيلة على اليد فاصلة عن الروي.
قال الخوارزمي في كوز فقاع:
وضيّقة الفم دحداحة ... عليها قميص ندى أخضر «٦»
تثور إذا كشفوا رأسها ... وإن قبّلوا فمها تهدر
الزّجاج
قال الله تعالى في شأنه: صرح ممرّد من قوارير وضربه مثلا لنوره فقال: مَثَلُ نُورِهِ
стр. 1173
كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ
«١» وسئل النظّام عن عيبه، فقال: يسرع إليه الكسر ويقصر عنه الجبر، فقال:
مثل الزجاجة صدعها لا يشعب
وقيل: الزجاج لا يألف الزهومات «٢» ولا يقبل القاذورات قابل للألوان المحمرة والأشكال المرموقة. وقيل: الزجاج أنقى في التراب من الذهب.
قال كشاجم:
وجسم هواء وإن لم يكن ... يرى للهواء بكفّ شبح
يردّ على الشخص تمثاله ... وإن تتخذه مرآة صلح
المدخنة
قال بعضهم:
فقوّارة من أديم الصّخور ... تخيّم في فلك الخيزران «٣»
تغذي قطاعا كعرف الحبيب ... وترقى وليس لها مسرجان «٤»
وتنبع عن مثل حبّ القلوب ... من الجمر ليس لها من دخان
وقال الصنوبري:
مجمرة طاف بها الغلمان ... كأنّها فيما حكى العيان
فوّارة وماؤها الدّخان ... في بركة حصباؤها نيران «٥»
المشط
قال كشاجم:
مشط من العود لم نعبه ولا ... مالت به خفّة ولا ثقل
يحبو اللّحى طيبها وزينتها ... فهو على المعنيين مشتمل «٦»
وقال آخر يذم مشطا منتشر الأسنان:
مشط إذا سرّحت يوما به ... قطع لحييك بأسنانه
المنقاش
«٧» قال أبو طالب المأموني:
لديّ ذو نابين أعضلين ... ينتزعان شعر الخدّين
стр. 1174
حتّى ترى الوجنة كاللّجين ... كخصومة قد طويت طاقين «١»
المرآة
قال امرؤ القيس:
وعين كمرآة الصّناع تديرها ... لمحجرها تحت النّصيف المنقّب «٢»
وقال الببغا:
كلّ فضل لكلّ نوع وجنس ... دون فضل المرآة من غير لبس
لطفت رقة وفاقت صفاء ... فهي كالماء في عيان ولمس
واستدارت بباهر النّور حتّى ... ظنّها الناظرون قطعة شمس
وهي أصفى أخ يكشف لي ... عنّي وأدنى خلّ يوفّر أنسي
وإذا ما نأى نديمي عنّي ... ظلّ طرفي بها ينادم نفسي
وفي ذمّها، قال بعض الشعراء:
مرآته سيان في لونها ... ولبنة من بعض حيطانه
المروحة
وذات وصف خصّ بالثناء ... من صفة الأرواح والأنداء
كأنّما صيغت من الهواء ... تطرفنا في الصّيف والشتاء
المذبة
قال كشاجم:
مذبّة تهدى إلى سيّد ... ما زال عن كل وليّ يذبّ «٣»
ناصية الأدهم من عدوها ... لم تك من عرف ولا من ذنب «٤»
وذاك فأل إن تأملته ... لما يرجى من نواصي الرّتب
الزّنبيل
قال أبو طالب المأموني:
وذي أذنين لا تعيان قولا ... وجوف للحوائج ذي احتمال
يكلّف شغل أهل البيت طرّا ... ويحمل فيه من قوت العيال
стр. 1175
مطيع في الحوائج غير عاص ... ولا شاك إليك من الكلال «١»
تسرّ عليه في الأسواق سرا ... فلا يبديه إلا في الرّحال
التّفسرة
وهي قارورة الطبيب التي تعرض عليه. قال المأموني:
ركية تشفّ ذات طول ... من الزجاج الفائق المغسول «٢»
تظهر ما في الجسم من فضول ... مفصحة للطبّ لا بقيل
عن كل داء غامض دخيل ... مرآة ما في جسد العليل
تبديه للعين على التفصيل ... مؤيّدا بواضح الدّليل
الأرجوحة
قال المأموني:
سفينة لا على ماء ملجلجة ... تجري براكبها في لجّة الرّيح «٣»
إذا انتهت بي إلى أقصى نهايتها ... عادت كجري أنّى سال مسفوح
طرّادة
طائرة تسري بلاد براح ... حول العقاب في سنا الصّباح «٤»
ناطقة بألسن الرّياح
أنواع
قال بعضهم يصف البطّ:
وبطّ لا يزال الما ... ء يسقاه ويسقيه
وقال شاعر:
ثلاثة ثمنية تدور ... الطشت والكاسات والبخور
رؤي على مقراض مكتوبا هذه الكلمة:
دبر مرارا ما هممت بقطعه ... فإذا استبان لك المقصّ فقصّه
стр. 1176
الحدّ التاسع عشر في ذمّ الدنيا ونوبها
(١) أسماء الدّنيا
يسمّى الدهر أبا العجب والدنيا أم دفر وأم شميل. قال شاعر:
ما الدّهر في فعله إلا أبو العجب
وقيل: الدهر اسم لزمان متصل، والزمان اسم لدهر منفصل، وقال بندار الصوفي:
الدنيا ما دنا من القلب وشغل عن الحق.
قلّة لبث الإنسان في الدنيا
قال النبي ﷺ : فيم أنا من الدنيا ومالي ولها وإنما مثلي ومثلها كراكب سار في يوم صائف، فرفعت له شجرة فقال تحتها ساعة من نهار ثم راح وتركها.
قال الموسوي:
وكأنّ طول العمر دوحة راكب ... قضى اللّغوب وجدّ في الإسراء «١»
وقال المسيح: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمّروها. وقال أمير المؤمنين: الدنيا دار ممر لا دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فأعتقها.
وقال أبو يعقوب:
لعمرك ما الدّنيا بدار إقامة ... ولكنّها دار انتقال لمن عقل
وقيل لنوح ﵇: كيف وجدت الدنيا؟ قال: كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
وكتب أبو زيد الطائي إلى صديق له: اجعل الدنيا كيوم صمته عن شهوتك، واجعل فطرك الموت.
قلّة متاع الدّنيا
стр. 1177
قال الله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
«١» وقال تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
«٢» وقال المنصور لما حضرته الوفاة: بعنا الآخرة بنومة. وقال شاعر:
إنّما الدنيا كرؤيا ساعة ... من رآها فرّحته وانقضت
وقال آخر:
أراها وإن كانت تحبّ فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشع
وقال أعرابي: ما كانت الدنيا على بني فلان إلا طيفا لما انتبهوا ولى عنهم.
وقال العلوي الكوفي:
مررت بدور بني مصعب ... بدور السرور ودور الفرح
فشبّهت سرعة أيامهم ... بسرعة قوس يسمّى قزح
تلوّن معترضا في السّماء ... فلمّا تمكّن منها نزح
الماضي من الحياة والحاضر والمستقبل
قال حكيم: أمسك ماض ويومك ممثّل وغدك مبهم. وقال الحسن: أمس أجل واليوم عمل وغدا أمل.
وقال أبو العتاهية:
أرى الأمس قد فاتني ردّه ... ولست على ثقة من غد
وقال أبو حازم: بيني وبين الملوك يوم واحد أما أمس فلا يجدون لذّته ولا أجد شدته، وأما غد فإني وإياهم منه على خطر، وما هو إلا اليوم فما عسى أن يكون.
التحذير من تضييع الأيام
قال عبد الله بن المبارك في قوله تعالى: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا
«٣» أي اعمل في الدنيا لآخرتك. وقيل: من لعب في عمره ضيّع أيام حرثه وإذا ضيع أيام حرثه ندم عند حصاده.
وقال الحسن: ما وعظني شيء مثل ما وعظني كلام الحجّاج في خطبته: إن امرأ ذهبت عنه ساعة من عمره في غير ما خلق له لحقيق أن تطول حسرته يوم القيامة. وقال حكيم: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما وقال رجل لداوود الطائي: ما ترى أن أتعلم الرمي؟ فقال: حسن ولكن إنما هي أيامك فافنها فيما شئت.
مرور الأوقات هادم للحياة
стр. 1178
قال حكيم: من كان الليل والنهار مطيّته سارا به وإن لم يسر.
وقيل:
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضا ... أخا سفر يسعى به وهو لا يدري «١»
وقيل: أنفاس المرء خطاه إلى أجله، وأمله خادعه عن عمله. لكلّ زمن فوت وفي كل طرفة موت. وقال:
ما ارتد طرف امرئ بلحظته ... إلا وشيء يموت من جسده
وقال أعرابي: كيف تفرح بعمر تقطعه بالساعات معرضا للآفات. قال أبو العتاهية:
تظلّ تفرح بالأيام تقطعها ... وكلّ يوم مضى يدني من الأجل
وقيل لأعرابي: أنظر إلى الهلال، فقال: ما أصنع به محل دين ومقرب حين. قال عبدة:
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي «٢»
وقال:
إلا أنّ الفتى رهن ... بذي لونين خذاع «٣»
ومنه قول ابن قميئة:
رمتني صروف الدهر من حيث لا ترى ... فكيف بمن يرمي وليس برام
فلو أنّني لما رمتني رميتها ... ولكنّها ترمي بغير سهام
وقال:
فوّق الدهر إلينا نبله ... عللا يقصدنا بعد نهل «٤»
فهو رامينا ولا نبصره ... مثل رام رام صيدا فختل «٥»
البقاء في الدّنيا سبب الفناء
قال بعضهم: انصرفت من مجلس حمّاد الراوية فقال أبي ما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن النبي ﷺ أنه قال: لو لم يكسب ابن آدم إلا الصحة والسلامة لكفى بهما داء. فقال أبي: قاتل الله حميدا حيث قال:
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما «٦»
وقال:
стр. 1179
ودعوت ربّي بالسلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السلامة داء
وقال:
لو لم يوكل بالفتى ... إلا السلامة والنّعم
فتداولاه لا وشكا ... أن يسلماه إلى الهرم
قال معدي كرب:
أراني كلّما أبليت يوما ... أتاني بعده يوم جديد
يعود شبابه في كلّ فجر ... ويأبى لي شبابي ما يعود
وقال الصّلتان:
إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
فرح الدّنيا مشوب بالترح ومعقب بالهموم
قيل: في كل جرعة شرطة ومع كل أكلة غصة. ونظر أنوشروان إلى ملكه فأعجبه، فقال: هذا ملك لولا أنه هالك ونعيم لولا أنه عديم، وغناء، لولا أنه عناء وسرور لولا أنه شرور، ويوم لو كان يوثق له بغد، قال المغيرة بن جيناء:
وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
وقال:
لا يغرّنّك عيش ساكن ... قد تولّى بالمنيات السّحر
وقال:
إنّ الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلّا أساءت إليه بعد إحسان
وقال بعضهم: ما من إنسان قيل له: طوباك إلا وقد هيأ له الدهر يوم سوء، قال المتنبّي:
ومن كان في السّراء في حال معجب ... فمحصوله منها على حال نادم
وقال ابن لنكك:
كلّ من حاز سرورا ... أو نعيما هو فيه
فالمنايا والرزايا ... عن قريب تقتضيه
وقال:
لم يشفع الدهر الخؤون لمهجة ... في العمر إلا عاد وهو خصيمها «١»
الدّنيا هموم وغموم
стр. 1180
قال رجل لأمير المؤمنين: صف لي الدنيا، قال: ما أصف في دار أولها عناء وآخرها فناء حلالها حساب وحرامها عذاب، من أمن فيها سقم ومن مرض فيها ندم ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن.
وقال بعض الصالحين: الدنيا دار غرست فيها الأحزان وذمّها الرحمن، وسلط عليها الشيطان يصل به الإنسان.
وسئل آخر عنها فقال: من نالها مات عنها ومن لم ينلها مات حسرة عليها.
وقال سفيان: الدنيا دار التواء لا الثواء من عرفها لم يفرح فيها برخاء، ولم يحزن بشقاء. وسمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها، فقال: دعوت عليه بالموت.
من عاش لا بدّ له من مكروه. وقال شاعر:
في كل دار ترحة وبلية ... وهموم دارك إن شكرت أقلها «١»
وقيل للنظام وفي يده قدح دواء: ما حالك؟ فقال:
أصبحت في دار بليّات ... أدفع آفات بآفات
وقال أبو علي كاتب بكر:
أفّ من الدنيا وأسبابها ... فإنّها للحزن مخلوقه
همومها ما تنقضي ساعة ... عن ملك فيها ولا سوقه «٢»
وقال:
أمرّ الزمان لنا طعمه ... فما إن ترى ساعة عذبه
وقال:
مضى قبلنا قوم رجوا أن يقوّموا ... بلا تعب عيشا فلم يتقوّما
وقال المنصور:
كن موسرا إن شئت أو معسرا ... لا بدّ في الدنيا من الغمّ
وكلّما زادك من نعمة ... زاد الذي زادك في الهمّ
قلّة السرور وكثرة الغموم
روي عن الأمام الشافعي ﵁، قوله:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي ... وسرورها يأتيك كالأعياد «٣»
وقال:
стр. 1181
تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجيء في الفلتات
وقال ابن نباتة:
وما خير عيش نصفه سنة الكرى ... ونصف به نعتلّ أو نتوجّع «١»
مع الوقت يمضي بؤسه ونعيمه ... كأن لم يكن والوقت عمرك أجمع
سرعة المكاره وتباطؤ المحاب
وقال شاعر:
ألم تر أنّ سير الخير ريث ... وإن الشرّ راكبه يطير «٢»
وكان لسفيان جار مخنّث فمرض فعاده سفيان بأصحابه، فقال: كيف تجدك؟ فقال:
إن العلل والآفات تجيء في الدنيا باقات والعافية تجيء طاقات، فقال سفيان: ما خرجنا إلا بفائدة.
وقال الحارثيّ:
تقضّاك دهر ما سلفا ... وكدّر عيشك بعد الصّفا
فلا تنكرنّ فإنّ الزمان ... رهين بتشتيت ما ألفا
وقال أبو الوليد:
وليس الدهر مؤتمنا ... على تفريق ما جمعا
وقال:
إلا إنّما الدنيا مطيّة بلغة ... علا راكبوها فوق أعوج أحدبا «٣»
شموس متى أعطتك طوعا زمامها ... فكن للأذى من عسفها مترقّبا «٤»
التحذير من النّقصان عند التّمام
قيل: من بلغ غاية ما يحبّ فليتوقع غاية ما يكره. وقال الأصمعي: وجدت لبعض العرب بيتين كأنهما أخذا من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
«٥» وهما قول سعيد بن وهب:
أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف غبّ ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
стр. 1182
ومن دعاء بعضهم: صرف الله عنك آفات التّمام.
وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس: أكتب إليّ موعظة تردع وتقنع، فكتب إليه: إذا استوت بك السلامة فجدّد ذكر العطب وإذا اطمأنّ بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية أملك فاذكر الموت. وقال شاعر:
إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تمّ
عرض الدنيا عارية
قال ابن مسعود: عرض الدنيا عارية ومن فيها ضيف، والعارية مؤداة والضيف مرتحل.
والمال في الأقوام مستودع ... عارية والشرط فيها الأداء «١»
وقال:
وما المال والأهلون إلّا ودائع ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
وقال:
أبدا تستردّ ما تهب الدّني ... افيا ليت جودها كان بخلا
فكفى كون فرحة تورث اله ... مّ وخلّ يغادر الوجد خلا
وقال:
لم يظلم الدّهر ولكنّه ... أقرضني الإحسان ثم اقتضى
الدّنيا متقلّبة
من أمثالهم: الدنيا طرفة عين لا تثبت على حالة. دخل أعرابي عمّر مئة وعشرين سنة على معاوية فقال له: صف لي الدنيا. فقال: سنيات بلاء وسنيات رخاء يولد مولد ويهلك هالك، ولولا المولود باد الخلق ولولا الهالك ضاقت الأرض.
وقال شاعر:
هل الدهر إلا ضيقة وانكشافها ... وشيكا وإلا ترحة وانفراجها
وقال:
وحادثات أعاجيب خسا وذكا ... ما الدهر في فعله إلا أبو العجب «٢»
وقال:
الدهر من شأنه أن لا يدوم له ... ما يحتويه الفتى منه وما يمق «٣»
стр. 1183
وقال:
وما حالة إلّا ستطرف حالها ... إلى حالة أخرى وسوف تزول
وقال آخر:
ومن عادة الأيام أنّ صروفها ... إذا ساء منها جانب سرّ جانب
وقال:
إنما الدنيا هبات ... وعوار مستردّه «١»
شدّة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدّه
الدّنيا لا يدوم فيها فرح ولا ترح
قال شاعر:
وما اكتأبت نفس فدام اكتئابها ... ولا ابتهجت نفس فدام ابتهاجها
وقال آخر:
هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضي ... بما كان فيها من بلاء ومن خفض
فهونك لا تحفل إساءة عارض ... ولا فرحة تأتي فكلتاهما تمضي «٢»
ويروى عن أبي الفتح بن العميد لما قبض عليه، قال: الفلك أحد والدوار أجد من أن يبقي أحدا على أحد.
إعتبار الباقي بالماضي
قال الحجّاج: والله إن الذي بقي من عمري لأشبه بما مضى من التمرة بالتمرة ومن الماء بالماء.
الدهر آخره شبه بأوّله ... يوم بيوم وأيام بأيام
وقال حارثة بن بدر:
وما الدهر إلا مثل أمس الذي مضى ... ومثل الغد الجائي وكلّ سيذهب
وقال أعرابي: جعلنا الله ممّن يعتبر ممن يعبر الدنيا أي يعتبر بمن يقطعها.
وصف الدنيا بأنّها غرّارة
قال أمير المؤمنين: الدنيا تغرّ وتضرّ وتمرّ. وقيل الدنيا غرور حائل وزخرف زائل وظلّ آفل ومسند مائل. وقال يحيى: الدنيا جارية زانية وتتهم بمن يقرب منها:
يغرّ الفتى مرّ الليالي سليمة ... وهنّ به عما قليل عواثر «٣»
стр. 1184
وقال آخر:
وما زالت الأيام تستدرج الفتى ... وتملي له من حيث يدري ولا يدري
وقال آخر:
لقد غرّت الدنيا رجالا فأصبحوا ... بمنزلة ما بعدها متحوّل
وقال آخر:
يعللّنا هذا الزمان من الوعد ... ويخدع عمّا في يديه من النّقد
وقال آخر:
فذي الدار أخدع من مومس ... وأخون من كفّة الحابل «١»
وهذا مثل ما قيل: الدنيا قحبة، يوما عند عطار ويوما عند بيطار.
النهي عن الإغترار بأوقاتها
قيل: لا تغتر بصفاء الأوقات، فتحتها غوامض الآفات، وقيل: لا يغرّنك الإملاء فالإملاء من الإستدراج، والله تعالى يقول: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
«٢» .
وقيل: مثل الدنيا مثل الحية ليّن مسّها وفي جوفها السم الناقع، يهوي إليها الصبي الجاهل ويحذرها الحازم العاقل.
وقال شاعر:
إنّ دنياك حيّة تنفث السّ ... مّ وإن كانت المجسّة لانت «٣»
وقال أبو عمرو بن العلاء: كنت أدور في ضيعتي في شدّة الحر فسمعت هاتفا يقول:
وإن امرأ أدنياه أكبر همّه ... لمستمسك منها بحبل غرور
فنقشت ذلك على خاتمي.
وقال الشاعر:
يا واثقا بزمانه ... أخطر تصرفه ببالك
ووجد بخط نصر بن أحمد:
ولا تخدعنّك صروف الزمان ... فإن الزمان كثير الخدع «٤»
стр. 1185
تصوّر الدنيا يزيد الغموم
قال الشاعر:
ومن عرف الأيام لم ير خفضها ... نعيما ولم يعدد تصرّفها بلوى «١»
الدّنيا واعظة
قال أمير المؤمنين: أيها الذام الدنيا بم غرتك؟ بمصارع آبائك تحت الثرى، أم بمضاجع أمهاتك في البلى. كم مرّضت بيديك وغسلت بكفيك فلم يغن عنك. وقيل: ما ضمنت الدنيا لأحد المتاع بها، بل نادت فصرخت إنها ميراث الدول وصبابة الأزمنة وأوعية الفجائع ومفرقة الآلات.
وقال عبد الله بن عيينة:
إن الليالي والأيام لو بحثت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
وقال أبو تمّام:
عمري لقد نصح الزمان وأنه ... لمن العجائب ناصح لا يشفق
وقال أبو العتاهية:
نحن في دار تخبرنا ... ببلاء ناطق لسن
قال المسيح ﵇: الدنيا مزرعة إبليس وأهلها له حرّاث. وقيل: كل قتيل يقتص له يوم القيامة إلا قتيل الدنيا يقتص منه.
مدح الدنيا بأنّها يتوصّل بها إلى الآخرة
ذمّ رجل الدنيا بحضرة أمير المؤمنين فقال: أسكت فإن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار غناء لمن تزوّد منها ودار عافية لمن فهم عنها، مسجد أبينا آدم ومهبط وحيه، متجر أوليائه فاكتسبوا منها الرحمة وادّخروا منها الجنة.
وقيل: الدنيا دار تجارة والويل لمن تزوّد منها الخسارة.
الدّنيا محبوبة وإن كانت معيوبة
قال الشعبي: ما أعلم لنا وللدنيا كقول كثيّر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدنيا ولا مقليّة إن تقلّت «٢»
وقال المأمون: لو نطقت الدنيا لم تصف نفسها بأجود مما قال أبو نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق
стр. 1186
وقال:
يذمون دنيا لا يرجّون درّها ... ولم أر كالدنيا يذمّ ويحلب
وقال سابق البربري:
النفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة منها ترك ما فيها
وقال أبو العتاهية:
كلّنا يكثر المذمّة للد ... نيا وكلّ بحبّها مفتون
وقال الموسوي:
دنيا تضرّ ولا تسرّ وذا الورى ... كلّ يجاذبها وكلّ عائب
الدّنيا ضارّة لأهلها
قيل: الدنيا تضرّ محبيها ما كرمت على أحد نفسه إلا هانت عليه الدنيا. وقيل: أوحى الله إلى الدنيا إن اخدمي من جفاك واستخدمي من يهواك.
وقال عمر بن عبد العزيز: الدنيا لا تضرّ إلا من أمنها ولا تنفع إلا من حذرها.
وقال عمر ﵁: ما كانت الدنيا هم امرئ إلا لزم قلبه خصال أربع، فقر لا يدرك غناه وهم لا ينقضي مداه وشغل لا ينفد أولاه وأمل لا يدرك منتهاه.
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابا كلّما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كلّ من هانت عليه
وقال المتنبّي:
وكلّ يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
وقال ابن نباتة:
تملّ مآرب الأيام منّا ... ونعشقها لقد عظم البلاء «١»
وقال أبو العيناء:
مذمومة بالهمّ مخطوبة ... سم زعاف درّ أخلافها «٢»
ولم تزل تقتل ألافها ... أفّ لمن تقتل ألّافها
تبكيت النّفس في الميل إلى الدّنيا مع المعرفة بها
قال شاعر:
ومن عجب الدنيا ركوني وصبوتي ... إليها على سنّي كأني وليدها
أجاري الليالي ليلة بعد ليلة ... مشيحا كأنّي تربها وطريدها «٣»
стр. 1187
وتنقصني في كلّ يوم وليلة ... ونفسي على نقصانها تستزيدها
وقال:
وإن امرأ يبتاع دنيا بدينه ... لمنقلب منها بصفقة خاسر
وقال الموسوي:
نرجو البقاء كأنّنا لم نختبر ... عادات هذا العالم المشهود
الدنيا غير مستغنى عنها
قال العتبيّ: كنت قاعدا في دهليزي عقب علّة فدخل مجنون يدعى بالغيث فقلت: أنا منه بين لطمة وشتمة فنظر إليّ ساعة، ثم أنشأ يقول:
نظرت إلى الدنيا بعين مريضة ... بفكرة مغرور وتأميل جاهل
فقلت هي الدار التي ليس مثلها ... ونافست فيها في عناء وباطل
وقال:
كفلت بنا الدّنيا ولا ... طفل يعيش بغير ظئر «١»
وذكر لأمير المؤمنين قوم يحبون الدنيا فقال: هم أبناؤها أفيلام الرجل على حب والديه؟
بنو الدّنيا غرض لأنواع البلاء
قيل للحسن: كيف أصبحت؟ فقال: كيف يصبح من هو غرض لثلاثة أسهم، سهم رزيّة وسهم بليّة وسهم منيّة.
وقال ابن المعتز:
أرى كلّ نفس للمنايا دريّة ... وللعيس يمسي كدحها ودؤبها «٢»
تناضلها الآفات من كلّ جانب ... فتخطئها يوما ويوما تصيبها
وقال الربيع لأبي العتاهية كيف أصبحت؟ فقال:
أصبحت والله في مضيق ... فهل سبيل إلى طريق
أفّ لدنيا تلاعبت بي ... تلاعب الموج بالغريق
وقيل: من أخطأه سهم المنيّة لم يخطئه سهم الرزيّة.
إنكار ذمّ الدهر
قال ﷺ : إذا قال الرجل لعن الله الدنيا قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربّه. وقال: لا
стр. 1188
تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أي الفاعل هو الله لا الدهر. قال الشيخ أبو القاسم الراغب:
ألمّ بهذا المعنى الخوارزمي، فقال:
وكم نكني وكم نهجو الليالي ... وليس بخصمنا إلا القضاء
وقال الناجم:
نعيب زماننا والعيب فينا ... ولو نطق الزمان بنا هجانا
وقال رجل للأصمعي: فسد الزمان، فقال:
إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس «١»
وقال أبو عبد الرحمن الأصم لأبي العتاهية: أي خلق الله أصغر عنده؟ قال: الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة، قال: أصغر منها محبّها.
لم يفسد الدهر لكنّ أهله فسدوا
وقال المتنبّي:
ألا لا أري الأحداث حمدا ولا ذمّا ... فما بطشها جهلا ولا كفّها حلما
الدّهر يتراذل
قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: معروف زماننا منكر زمان قد فات ومنكره معروف زمان لم يأت. وسمع زياد امرأة تقول: اللهم أعزل عنا زيادا، فقال لها: زيدي في دعائك وأبدي لنا خيرا منه فإن الأخير أبدا شر.
وقال بعض العلماء: آخر الناس شرارهم الذين تقوم عليهم القيامة.
حمد ماضي الزّمان وذمّ حاضره
كانت عائشة ﵂ تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب «٢»
وتقول: رحم الله لبيدا كيف لو عاش إلى زماننا. وكان ابن الزبير ينشده ويقول:
رحم الله عائشة كيف لو عاشت إلى زماننا. وقال بعضهم: كان الناس ورقا بلا شوك، فصاروا شوكا بلا ورق.
وقال شاعر:
لم أبك من زمن شكوت صروفه ... إلّا بكيت عليه حين يزول
وقال:
ننسى أيادي الزمان فينا وما ... نذكر من دهرنا سوى نوبه «٣»
стр. 1189
المسرّة من حيث تخشى المضرّة
قال الله تعالى: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
«١» وقيل:
خف المضار من خلل المسار، وأرج النفع من موضع المنع. فأكثر ما يأتي الآمن من محل الفزع. وقال حكيم: أعناق الأمور تتشابه، فرب محبوب في مكروه ومكروه في محبوب ومغبوط بنعمة هي داؤه ومرحوم من داء فيه شفاؤه.
وقيل: ربّ سلامة تكون للتلف سببا ومكروه يكون للنجاة مفتاحا.
وقد يأسف المرء من فوت ما ... لعلّ السلامة من فوته «٢»
وقال حكيم: لله مصالح في مكاره عباده. وقيل: العاقل لا يجزع لأول نكبة ولا يفرح بأول نعمة فربما أقلع المحبوب عما يضرّ وأسفر المكروه عما يسرّ.
كم مرة حفّت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره «٣»
وقال أبو عمرو بن العلاء خرجت هاربا من الحجّاج فسمعت أعرابيا ينشد:
ربّما تجزع النفوس من الأ ... مر لها فرجة كحلّ العقال
سبب البلاء سبب إتيان الرخاء. وقال ﷺ : اشتدي أزمة تنفرجي. وقيل: إذا اشتد الأمر هان.
من أشرف على الهلاك ففرّج الله تعالى عنه
أتى يزيد بخارجي فأراد قتله، فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
فقال: والله لأضربنّ عنقك أقتلوه. فدخل الهيثم بن الأسود فقال أمسكوه قليلا، فدنا منه فقال: يا أمير المؤمنين هب مجرم قوم لوافدهم، فقال: هو لك، فخرج الخارجي وهو يقول: تأبّى على الله فأبى إلا أن يكذبه وغالبه فأبى إلا أن يغلبه.
وأحضر رجل ليقتل في أيام نازوك فدعا بطعام فأخذ يأكل ويضحك، فقيل: تضحك وأنت مقتول؟ فقال: من الساعة إلى الساعة فرج فسمعت صيحة فقيل: مات نازوك، فخلوا الرجل.
وشدّ بعض العمال رجلا إلى أسطوانة يريد ضربه، فقال: حلّني من هذه إلى هذه فحله فما حله إلا وقد عزل وشدّ إلى الاسطوانة بعينها.
стр. 1190
مستضعف أعانه الله فقوّاه
قال الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
«١» وقال أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ
«٢» .
(٢) حثّ الممتحن على مصابرة الزمن إلى انقضاء زمن المحن
قال النبي ﷺ : للمحن أوقات ولها غايات، واجتهاد العبد في محنته قبل إزالة الله لها زيادة فيها. قال تعالى: إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ
«٣» . وقيل: الممتحن كالمختنق كلما ازداد اضطرابا إزداد اختناقا. وقيل: إذا أراد الله خلاص غريق عبر البحر على سارية. وقيل: حامل الدهر إلى أن يحمل وأقبل منه إلى أن يقبل.
من زال غمّه فنسى صنع الله تعالى
قال الله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
«٤» ، وقال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
«٥» الآية، وقال الله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
«٦» الآية، شكا يوسف ﵇ طول الحبس فأوحى الله تعالى إليه أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحب إليّ. وقيل: من سبح في النهر الذي فيه التمساح عرض نفسه للهلكة. وقيل: ما صاحب البلاء الذي طال بلاؤه بأحق بالدعاء من المعافى.
من ذكر إحسان الزمان إليه بعد إساءته
قال شاعر:
أيّها الدهر حبّذا أنت دهرا ... قف حميدا ولا تزول حميدا
كل يوم تزداد حسنا فما تب ... بعث يوما إلا حسبناه عيدا
وقال آخر:
رقّ الزمان لفاقتي ... ورثى لطول تحرّقي
стр. 1191
فأنالني ما أرتجي ... وأجار ممّا أتّقي
فلأغفرنّ له الكبير ... من الذّنوب السّبق
حتّى جنايته بما ... فعل المشيب بمفرقي
وقال آخر:
ربّما أحسن الزما ... ن وإن كان قد أسا
وقال وهو الصدق:
وآخر إحسان الليالي إساءة ... على أنّها قد تتبع العسر باليسر
أصحاب الرّجاء والخوف
قال شاعر:
في كلّ شيء أرتجي مخافة ... في كلّ شيء أشتهيه آفه
فضل العافية وسلامة الدين
قال النبي ﷺ : من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا. وقيل: أراني غنيّا ما كنت سويّا. وقيل: من أوتي العافية فظنّ أن أحدا أوتي أكثر منه فقد قلّل كثيرا وكثرّ قليلا.
وقيل: صلاح الآخرة بخلّة واحدة وهي التقوى وصلاح الدنيا بثلاث: العافية والغنى والعمر.
وقيل: العافية الملك الخفيّ الهنيء. وقيل: الدنيا بحذافيرها الأمن والعافية.
لا تأس من دنيا على فائت ... وعندك الإسلام والعافيه
إن فات شيء كنت تسعى له ... ففيهما من خلف كافيه
معرفة فضل السلامة عند فوتها
قيل: لا يعرف طعم النعمة إلا من نالته يد العلّة والبلاء:
فبضدها تتميّز الأشياء
وقيل: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الغنى والعافية. وقال أبو تمّام:
وليس يعرف طيب الوصل صاحبه ... حتى يصاب بنأي أو بهجران
وقلب المتنبّي هذا المعنى فقال:
ولولا أيادي الوصل في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب «١»
وقال حكيم: كم من نعمة عرفت ببليّة نزلت ونعمة جهلت بسلامة لبثت.
стр. 1192
الحدّ العشرون في الديانات والعبادات
(١) الدّلالة على وحدانية الله تعالى
من قول الأوائل
قال أفلاطون لتلميذه أرسطو: ما الدليل على وحدانية الله تعالى؟ فقال: ليس شيء من خلقه بأدلّ عليه من شيء.
وقال لبيد:
فوا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه واحد
ولله في كلّ تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
وسئل سقراط عن دلالة الصانع، فقال: دلّ الجسم على صانعه فجمع بهذه اللفظة دلالة حدوث العالم، فإن صانعه حكيم. ونظر أعرابي إلى الناس في يوم الجمعة فقال:
صورة واحدة وخلق مختلف، ما هذا إلا صنع رب العالمين.
نفي الكيفية عن الله
قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«١» . وسئل جعفر بن محمد عن كيفية الله تعالى، فقال: نور لا ظلمة فيه وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيها. وسأل رجل أمير المؤمنين: أين الله تعالى؟ فقال: هذا سؤال عن المكان، وكان الله ولا مكان وقال عثمان لأعرابي: أين ربك؟ قال: بالمرصاد.
وقال العتبي: من جعل الله في مكان فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه ومن عدّه فقد ثنّاه، تعالى الله عن ذلك.
حقيقة الإيمان
سئل الجنيد عن الإيمان فقال: ما أوجب الأمان. وأتى رجل إلى الحسن فقال له:
стр. 1193
أمؤمن أنت؟ فقال له: إن كنت تريد قول الله تعالى: آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا
«١» فنعم به نتناكح وبه نتناسل وبه حقنا دماءنا، وإن كنت تريد قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
«٢» ، فما أدري أنا منهم أم لا؟
وسئل الفضيل عن الورع فقال: اجتناب المحارم. وقيل لأبي هريرة: صف لنا التقوى، فقال: إذا دخلت أرضا فيها شرك كيف تصنع؟ فقال: أتوقى وأتحرز، فقال: فاتّق من الدنيا هكذا، فهذه التقوى. أخذه ابن المعتز، فقال:
كن مثل ماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرّن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
وقيل: ليس الإيمان بالتحلّي ولا التمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، وأتى النبي ﷺ بجارية فقيل له: هل تجزي هذه عن العتق؟ فقال ﷺ : أين ربّك؟ فرفعت يدها إلى السماء فقال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
حقيقة التقوى
قيل: هي الامتناع من المحرّمات. وقيل: تغيّب المولى في قلوب أوليائه يحثّهم على الخير ويمنعهم من الشر. وقال الحارث: هي انتهاء الجوارح عما نهى الله تعالى عنه إلى ما أمر به. قال الله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ
«٣» . وقال عمر بن عبد العزيز: ليست التقوى قيام الليل ولا صيام النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكنّ التقوى ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق خيرا بعد ذلك فهو خير.
وسئل رسول الله ﷺ : من آلك؟ فقال: كلّ تقي ألا أن أولياء الله هم المتّقون.
حقيقة المحبة وعلاماتها وأحوالها
قال يحيى بن معاذ ﵀: حقيقة المحبّة لا يزيدها البرّ ولا ينقصها الجفاء وقال ﷺ : إذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه يأمره وينهاه. وقال إن الله تعالى يقول: ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ من أداء ما افترضت عليه وإنّ عبدي لا يزال يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته.
وقال جعفر إذا أحبّك الله سترك وإذا أحببته شهرك.
وقال: إذا أحبك أنامك وإذا أحببته أقامك، فهذا هو الفرق بين المريد والمراد.
стр. 1194
وقال بعضهم: سمعت امرأة تطوف بالبيت وتقول: بحبك لي إلا ما غفرت لي.
فقلت لها: أما يكفيك أن تقولي بحبي لك؟ قالت: أما سمعت قوله تعالى يحبهم ويحبونه، فقدم محبته لهم.
وسأل فقير الشبلي عن قول الله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
«١» فزعق وقال:
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ودّ يكون بشافع
حال التصوّف والمتصوّفة والمريد والمراد
قيل لأبي عبد الله الحضرمي وكان يعرف بالصامت لأنه صمت عشرين سنة وقد سئل عن المتصوّفة، فقال: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقيل: كيف صفتهم؟ قال: لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. قيل: فأين محلهم؟
فقال: في مقعد صدق عند مليك مقتدر. قيل: زدنا. قال: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا.
وسئل بعضهم عن حدّ الصوفي فقال: الأكول الكسول الكثير الفضول، فحكى ذلك للإمام الشافعي، فقال: الأكول للحلال، الكسول عن المعاصي، الكثير الفضول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقيل: الصوفي من لبس الصوف على الصفا وذاق طعم الهوى والجفا وترك الدنيا والعفا. وسئل أبو سهل الصعلوكي عن التصوّف فقال: الإعراض عن الاعتراض. وللجنيد: التصوّف ترك التصرف. وقال: أبو عبد الله بن خفيف: هو لائح لاح فاصطلم واستباح، وقال المحاسبي: الرضا بسكون القلب تحت جريان الحكم.
وأقبل أبو العباس وشريح على الجنيد رحمه الله تعالى فقال: يا أبا العباس في كتاب الله تعالى آية تدل على مذهبكم. فبرك جنيد على رجليه، وقال: بلى قال الله: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ
الآية وقال أبو العباس بن عطاء في كتاب الله تعالى آية هي صفتهم يعرف معناها من تلاها وهي ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ
«٢» الآية.
وسئل أبو عبيد الله عن المراد والمريد فقال المريد الذي سأل ربه فقال اشرح لي صدري ويسرّ لي أمري، والمراد الذي قيل له ألم نشرح لك صدرك إلى آخرها. وقيل ما حقيقة الفقر؟ قال أن لا ترى مع الله في الدارين غيره.
حقيقة الذّكر
هي أن يكون القلب فارغا إلا منه. قال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
«٣» أي بذكر موسى من غير قصد منها إلى ذكره.
стр. 1195
مدح الله تعالى باللسان
قال الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ
«١» واذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
«٢» وقيل: أوجب الله الذكر في الصلاة في كثير من المواضع. وقيل: ما سمع ﷺ أحدا ذكر الله إلا جاذبه الحمد. وقال معاذ: لا يتحسر أهل الجنة على شيء كتحسرهم على وقت مرّ عليهم ولم يذكروا الله تعالى فيه.
ذمّ ذكر الله تعالى باللّسان وتذكرّه عن النسيان
قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
«٣» . وقال تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
«٤» قيل: السكران المذموم ههنا من تتعرّى أجزاء صلاته عن الحضور.
التحذير من الكلام فيما يؤثم
سمع حكيم رجلا يفحش فقال: يا هذا إنك تملي على حافظيك كتابا إلى ربك. وقال:
عمر ﵁: من علم أن الكلام عمل أمسك. وقال الجنيد: الرحمة تنزل على العارف في ثلاثة مواضع: عند الأكل، فإنه لا يأكل إلا عن جوع وعند الكلام، فإنه لا يتكلم إلا عن ضرورة. وعند السماع فإنه لا يسمع إلا من الله. ورأى إبراهيم بن أدهم رجلا يحدث بما لا يعنيه فوقف عليه، وقال: أكلاما ترجو منه الثواب، قال: لا، قال: أفتأمن عليه العقاب، قال:
لا، قال: فعليك بذكر الله ما تصنع بكلام لا ترجو منه ثوابا ولا تخاف عقابا.
ذمّ من خلا قلبه من حلاوة الوحدانية
قيل: أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء أما يستحي من يدّعي حبي وقلبه مملوء من غيري هذا علامة الخدام. قيل: وكان في بني إسرائيل حبر فقال في دعائه: يا ربّ كم أعصيك وأنت لا تعاقبني فأوحى الله تعالى إلى نبيّ ذلك الزمان: قل لعبدي كم أعاقبك ولا تدري، أسلبك حلاوة مناجاتي. وسئل الشبلي عن قول النبي: إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا ربكم العافية من هم؟ قال: هم أهل الغفلة عن الله. وقيل: من لم يرتدع بأمر الله وذكر الموت ثم تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
قلّة المبالاة بما يفوت من عرض الدنيا
قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ
«٥» الآية. وقيل: حق المؤمن أن لا يتحاشى ما به نجاة نفسه ألا ترى إلى السحرة لما آمنوا وهددهم فرعون، قالوا: اقض ما أنت قاض.
следующие страницы →