Полный текст (1 556 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
فأنالني ما أرتجي ... وأجار ممّا أتّقي
فلأغفرنّ له الكبير ... من الذّنوب السّبق
حتّى جنايته بما ... فعل المشيب بمفرقي
وقال آخر:
ربّما أحسن الزما ... ن وإن كان قد أسا
وقال وهو الصدق:
وآخر إحسان الليالي إساءة ... على أنّها قد تتبع العسر باليسر
أصحاب الرّجاء والخوف
قال شاعر:
في كلّ شيء أرتجي مخافة ... في كلّ شيء أشتهيه آفه
فضل العافية وسلامة الدين
قال النبي ﷺ : من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا. وقيل: أراني غنيّا ما كنت سويّا. وقيل: من أوتي العافية فظنّ أن أحدا أوتي أكثر منه فقد قلّل كثيرا وكثرّ قليلا.
وقيل: صلاح الآخرة بخلّة واحدة وهي التقوى وصلاح الدنيا بثلاث: العافية والغنى والعمر.
وقيل: العافية الملك الخفيّ الهنيء. وقيل: الدنيا بحذافيرها الأمن والعافية.
لا تأس من دنيا على فائت ... وعندك الإسلام والعافيه
إن فات شيء كنت تسعى له ... ففيهما من خلف كافيه
معرفة فضل السلامة عند فوتها
قيل: لا يعرف طعم النعمة إلا من نالته يد العلّة والبلاء:
فبضدها تتميّز الأشياء
وقيل: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الغنى والعافية. وقال أبو تمّام:
وليس يعرف طيب الوصل صاحبه ... حتى يصاب بنأي أو بهجران
وقلب المتنبّي هذا المعنى فقال:
ولولا أيادي الوصل في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب «١»
وقال حكيم: كم من نعمة عرفت ببليّة نزلت ونعمة جهلت بسلامة لبثت.
стр. 1192
الحدّ العشرون في الديانات والعبادات
(١) الدّلالة على وحدانية الله تعالى
من قول الأوائل
قال أفلاطون لتلميذه أرسطو: ما الدليل على وحدانية الله تعالى؟ فقال: ليس شيء من خلقه بأدلّ عليه من شيء.
وقال لبيد:
فوا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه واحد
ولله في كلّ تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
وسئل سقراط عن دلالة الصانع، فقال: دلّ الجسم على صانعه فجمع بهذه اللفظة دلالة حدوث العالم، فإن صانعه حكيم. ونظر أعرابي إلى الناس في يوم الجمعة فقال:
صورة واحدة وخلق مختلف، ما هذا إلا صنع رب العالمين.
نفي الكيفية عن الله
قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«١» . وسئل جعفر بن محمد عن كيفية الله تعالى، فقال: نور لا ظلمة فيه وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيها. وسأل رجل أمير المؤمنين: أين الله تعالى؟ فقال: هذا سؤال عن المكان، وكان الله ولا مكان وقال عثمان لأعرابي: أين ربك؟ قال: بالمرصاد.
وقال العتبي: من جعل الله في مكان فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه ومن عدّه فقد ثنّاه، تعالى الله عن ذلك.
حقيقة الإيمان
سئل الجنيد عن الإيمان فقال: ما أوجب الأمان. وأتى رجل إلى الحسن فقال له:
стр. 1193
أمؤمن أنت؟ فقال له: إن كنت تريد قول الله تعالى: آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا
«١» فنعم به نتناكح وبه نتناسل وبه حقنا دماءنا، وإن كنت تريد قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
«٢» ، فما أدري أنا منهم أم لا؟
وسئل الفضيل عن الورع فقال: اجتناب المحارم. وقيل لأبي هريرة: صف لنا التقوى، فقال: إذا دخلت أرضا فيها شرك كيف تصنع؟ فقال: أتوقى وأتحرز، فقال: فاتّق من الدنيا هكذا، فهذه التقوى. أخذه ابن المعتز، فقال:
كن مثل ماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرّن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
وقيل: ليس الإيمان بالتحلّي ولا التمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، وأتى النبي ﷺ بجارية فقيل له: هل تجزي هذه عن العتق؟ فقال ﷺ : أين ربّك؟ فرفعت يدها إلى السماء فقال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
حقيقة التقوى
قيل: هي الامتناع من المحرّمات. وقيل: تغيّب المولى في قلوب أوليائه يحثّهم على الخير ويمنعهم من الشر. وقال الحارث: هي انتهاء الجوارح عما نهى الله تعالى عنه إلى ما أمر به. قال الله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ
«٣» . وقال عمر بن عبد العزيز: ليست التقوى قيام الليل ولا صيام النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكنّ التقوى ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق خيرا بعد ذلك فهو خير.
وسئل رسول الله ﷺ : من آلك؟ فقال: كلّ تقي ألا أن أولياء الله هم المتّقون.
حقيقة المحبة وعلاماتها وأحوالها
قال يحيى بن معاذ ﵀: حقيقة المحبّة لا يزيدها البرّ ولا ينقصها الجفاء وقال ﷺ : إذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه يأمره وينهاه. وقال إن الله تعالى يقول: ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ من أداء ما افترضت عليه وإنّ عبدي لا يزال يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته.
وقال جعفر إذا أحبّك الله سترك وإذا أحببته شهرك.
وقال: إذا أحبك أنامك وإذا أحببته أقامك، فهذا هو الفرق بين المريد والمراد.
стр. 1194
وقال بعضهم: سمعت امرأة تطوف بالبيت وتقول: بحبك لي إلا ما غفرت لي.
فقلت لها: أما يكفيك أن تقولي بحبي لك؟ قالت: أما سمعت قوله تعالى يحبهم ويحبونه، فقدم محبته لهم.
وسأل فقير الشبلي عن قول الله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
«١» فزعق وقال:
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ودّ يكون بشافع
حال التصوّف والمتصوّفة والمريد والمراد
قيل لأبي عبد الله الحضرمي وكان يعرف بالصامت لأنه صمت عشرين سنة وقد سئل عن المتصوّفة، فقال: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقيل: كيف صفتهم؟ قال: لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء. قيل: فأين محلهم؟
فقال: في مقعد صدق عند مليك مقتدر. قيل: زدنا. قال: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا.
وسئل بعضهم عن حدّ الصوفي فقال: الأكول الكسول الكثير الفضول، فحكى ذلك للإمام الشافعي، فقال: الأكول للحلال، الكسول عن المعاصي، الكثير الفضول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقيل: الصوفي من لبس الصوف على الصفا وذاق طعم الهوى والجفا وترك الدنيا والعفا. وسئل أبو سهل الصعلوكي عن التصوّف فقال: الإعراض عن الاعتراض. وللجنيد: التصوّف ترك التصرف. وقال: أبو عبد الله بن خفيف: هو لائح لاح فاصطلم واستباح، وقال المحاسبي: الرضا بسكون القلب تحت جريان الحكم.
وأقبل أبو العباس وشريح على الجنيد رحمه الله تعالى فقال: يا أبا العباس في كتاب الله تعالى آية تدل على مذهبكم. فبرك جنيد على رجليه، وقال: بلى قال الله: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ
الآية وقال أبو العباس بن عطاء في كتاب الله تعالى آية هي صفتهم يعرف معناها من تلاها وهي ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ
«٢» الآية.
وسئل أبو عبيد الله عن المراد والمريد فقال المريد الذي سأل ربه فقال اشرح لي صدري ويسرّ لي أمري، والمراد الذي قيل له ألم نشرح لك صدرك إلى آخرها. وقيل ما حقيقة الفقر؟ قال أن لا ترى مع الله في الدارين غيره.
حقيقة الذّكر
هي أن يكون القلب فارغا إلا منه. قال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
«٣» أي بذكر موسى من غير قصد منها إلى ذكره.
стр. 1195
مدح الله تعالى باللسان
قال الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ
«١» واذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
«٢» وقيل: أوجب الله الذكر في الصلاة في كثير من المواضع. وقيل: ما سمع ﷺ أحدا ذكر الله إلا جاذبه الحمد. وقال معاذ: لا يتحسر أهل الجنة على شيء كتحسرهم على وقت مرّ عليهم ولم يذكروا الله تعالى فيه.
ذمّ ذكر الله تعالى باللّسان وتذكرّه عن النسيان
قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
«٣» . وقال تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
«٤» قيل: السكران المذموم ههنا من تتعرّى أجزاء صلاته عن الحضور.
التحذير من الكلام فيما يؤثم
سمع حكيم رجلا يفحش فقال: يا هذا إنك تملي على حافظيك كتابا إلى ربك. وقال:
عمر ﵁: من علم أن الكلام عمل أمسك. وقال الجنيد: الرحمة تنزل على العارف في ثلاثة مواضع: عند الأكل، فإنه لا يأكل إلا عن جوع وعند الكلام، فإنه لا يتكلم إلا عن ضرورة. وعند السماع فإنه لا يسمع إلا من الله. ورأى إبراهيم بن أدهم رجلا يحدث بما لا يعنيه فوقف عليه، وقال: أكلاما ترجو منه الثواب، قال: لا، قال: أفتأمن عليه العقاب، قال:
لا، قال: فعليك بذكر الله ما تصنع بكلام لا ترجو منه ثوابا ولا تخاف عقابا.
ذمّ من خلا قلبه من حلاوة الوحدانية
قيل: أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء أما يستحي من يدّعي حبي وقلبه مملوء من غيري هذا علامة الخدام. قيل: وكان في بني إسرائيل حبر فقال في دعائه: يا ربّ كم أعصيك وأنت لا تعاقبني فأوحى الله تعالى إلى نبيّ ذلك الزمان: قل لعبدي كم أعاقبك ولا تدري، أسلبك حلاوة مناجاتي. وسئل الشبلي عن قول النبي: إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا ربكم العافية من هم؟ قال: هم أهل الغفلة عن الله. وقيل: من لم يرتدع بأمر الله وذكر الموت ثم تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
قلّة المبالاة بما يفوت من عرض الدنيا
قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ
«٥» الآية. وقيل: حق المؤمن أن لا يتحاشى ما به نجاة نفسه ألا ترى إلى السحرة لما آمنوا وهددهم فرعون، قالوا: اقض ما أنت قاض.
стр. 1196
الحثّ على اعتبار الله دون غيره
قيل للشعبي: أوصني فقال: قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. وقال أبو جعفر الجوهري: سمعت زنجيا يقول: هذا قلبي فتّشوه فإن وجدتم فيه غير واحد فانبشوه، وسئل عن قوله تعالى: وإبراهيم الذي وفّى قال: الذي رضي بإسقاط الوسائط فإنه لما جعل في المنجنيق، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما صار في الجوّ أتاه جبريل ﵇ فقال: ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا.
وكتب الجنيد إلى علي بن سهل: سل محمد بن يوسف ما الغالب عليك؟ فقال:
والله غالب على أمره. وقيل للشبلي: أنظر في الفقه لتفتي، فقال: خاطر يحرك سرّي أحب إليّ من سبعين قضية قضاها شريح.
الأنس بالله في الخلوة
قال عمرو بن عثمان: من كان في خلوته عينا الله على نفسه كفاه الله هم أمره في علانيته. وقال بنان الحمال: دخلت بادية فاستوحشت فهتف بي هاتف نقضت العهد أليس حبيبك معك. وقيل: من أنس بغير الله في الخلوة فهو أبدا في وحشة.
تعظيم الله تعالى
سمع الشبلي رجلا يكثر عند ذكر الله من قوله تعالى: ، فقال: أحب أن تجلّه عن هذا فإنه أجل من أن يجل. وقيل للجنيد: تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله، فقال أخاف أن يدركني الحقّ في قولي لا وهو شأن الجحود. وقال عبد الله بن سهل: إن الله يطلع على القلوب فأيّ قلب رأى فيه غيره سلّط عليه العدو.
مراعاة الله في الشّدة والرّخاء
دخل حميد الطويل على سليمان بن علي والي البصرة فقال له: عظني، فقال حميد:
لئن كنت حين عصيت ربك ظننت أنه يراك فقد اجترأت على الله ولئن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت. وقال عمرو بن عثمان: قال عيسى: يا رب من أشرف الناس قال من إذا خلا علم أني ثانيه فأجلّ قدري عن أن يشهدني معاصيه. وقال رجل للحسين بن علي: من أشرف الناس؟ قال: من اتعظ قبل أن يوعظ واستيقظ قبل أن يوقظ، فقال: أشهد أن هذا هو السعيد. وسارّ سليمان عمر بن عبد العزيز، فقال: هل يرانا من أحد فقال: نعم عين لا تحتاج إلى تحديق وترميق. ومرّ عمر ﵁ بمملوك يرعى غنما فقال: أتبيعني منها شاة؟ قال ليست لي، قال: فأين العلل؟ قال فأين الله؟ فاشتراه عمر وأعتقه، فقال المملوك:
اللهم قد رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر، أعوذ بك من قلب غائب عنك.
وقال السري السقطي: بتصحيح الضمائر تغتفر الكبائر. وقال النبي ﷺ : تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، أي تعرف إليه في الرخاء بالشكر وذكر الآلاء يعرفك في الشدة بالعصمة.
стр. 1197
الحثّ على مراعاة ما فيه رضا الله دون المخلوقين
قال النبي ﷺ : من طلب رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن طلب رضا الناس بسخط الله وكله إلى الناس. وقيل: من خاف الله تعال أجلّ ومن خاف الناس ذلّ، وقال سهل بن عبد الله: أعجز الناس من خشي ما لا يضره ولا ينفعه والله تعالى يقول: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي
«١» . وقيل: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء. قال الشبلي: ولذلك دليل، خاف يعقوب على يوسف الذئب فمحن بما محن ولو خاف الله تعالى لمنع كيد الأخوة. وقال محمد بن السماك: إن قدرت أن لا تكون لغير الله عبدا ما وجدت للعبودية بدا فافعل، وقيل: ما أوطأ راحة الواثق بالله وآنس المطيع لله.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: عليك بما يبقى لك عند الله فإنه لا يبقى لك ما عند الناس، فبلغ ذلك الزهري فقال: لقد وعظه بالتوراة والإنجيل والفرقان. وقال أمير المؤمنين: من حاول دفع أمر بمعصية كان ذلك أبعد لما رجا وأقرب لمجيء ما اتقى.
وقال بندار بن الحسين الصوفي: من أقبل على الدنيا أحرقته بنارها وصار رمادا لا ينتفع به، ومن أقبل على الآخرة أحرقته بنورها وصار سبيكة ذهب ينتفع بها، ومن أقبل على الله تعالى أحرقه التوحيد وصار جوهرة لا قيمة لها.
الحثّ على إصلاح الضّمير
قال سفيان بن عيينة: لو لم ينزل الله تعالى علينا إلا قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
«٢» . لكان قد أعذر. وقال ذو النون: إذا فسدت النية وقعت البلية. وقال أبو سعيد الجزار: دخلت المسجد الحرام فرأيت فقيرا عليه خرقتان فقلت في نفسي هذا وأمثاله كلّ على الناس فناداني: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
«٣» ، فاستغفرت الله تعالى في نفسي، فناداني: وهُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
«٤» ، وغاب عني.
وسئل ذو النون عن قوله تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
«٥» فقال: القرية قلب المؤمن والملك المعرفة فإذا سكنت المعرفة القلب طردت ما فيه غير ذكر الله. وقال أبو علي السنوي: بلغني يا رسول الله إنك قلت شيبتني هود فما الذي شيبك منها، قال: قوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
«٦» .
العفو عن حديث النفس
قال النبي ﷺ : عفى عن أمتي الخطأ والنسيان. وقال: إن العبد إذا هم بمعصية لم تكتب عليه وسئل سفيان عن الهم هل يؤخذ به العبد، قال: نعم، إذا كان عزما قال الله تعالى وهموا بما لم ينالوا.
стр. 1198
الحثّ على تقوى الله وطيب عيش فاعلها
قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
«١» الآية. وقال النبي ﷺ : من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سرّه أن يكون أقواهم فليتوكل على الله، ومن سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه. وقال: من أراد عزا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، وغنى بلا مال فليخرج من ذل معصية الله تعالى إلى عز طاعته. وقال جعفر بن محمد: اتق الله بعض التقوى وإن قل، واجعل بينك وبين الله سترا وإن رقّ.
وقال بزرجمهر: من قوي فليقو على طاعة الله ومن ضعف فليضعف عن معصية الله.
وقال ابن المقفع: ليحرص البلغاء أن يزيدوا على هذه الكلمة حرفا. وقال عبد الملك لبنيه في مرضه: أوصيكم بتقوى الله فإنها أزين حلة وأحصن كهف، فقال مسلمة: وأقرب إلى الصواب وأنفع في المآب، فقال عبد الملك: هاتان لا الأوليان.
الحثّ على الإشتغال بالله عن النّفس
قيل لداوود الطائي: لو سرحت لحييك، قال: إن الرجل إذا اشتغل بنفسه نسي الله وإذا اشتغل بالله نسي نفسه. وقيل لقي داود محمد بن واسع فقال: يا أخي مالي لا أراك؟ قال:
لأني انقطعت إليه، فقال: الشأن في أن يقبلك فغشي عليه. وقال الهيثم الهاشمي: ذكر في مجلس أبي عبد الله بن خفيف أن جنيدا قال: لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف الله منك، فقال: أبو عبد الله أراد جنيد أن يشغل الخلق عن الخلق بالله. وقال الجنيد: من ذكر الله نسي نفسه ومن ذكر نفسه ذكر الخلق ومن ذكر الخلق فقد هلك. وقال الشبلي:
يا منية المتمنّي ... شغلتني بك عنّي
عجبت منك ومنّي
ونحو ذلك قيل لأبي يزيد البسطامي أين أبو يزيد؟ فقال: أنا في طلب أبي يزيد منذ عشرين سنة. وقال رجل لأبي الربيع: أوصني، فقال: إن الله لا يشغله عنك شيء فإن استطعت أن لا يشغلك عنه شيء فافعل.
الحثّ على الاهتمام بأمر الآخرة دون الدّنيا
قال ابن عباس: ما انتفعت بشيء بعده ﷺ كانتفاعي بما كتب إلى أمير المؤمنين: أما بعد فإن المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك وأسفك على ما فاتك منها، وليكن همّك فيما بعد الموت والسلام.
وقيل: من كان بالآخرة اشتغاله حسنت في الدنيا حاله. وقال زيد بن علي بن
стр. 1199
الحسين رضي الله تعالى عنهم: أطلب ما يعنيك ودع ما لا يعنيك. ففي تركه درك ما يعنيك فإنما تقدم على ما قدمت ولا تقدم على ما أخرت، فآثر ما تلقاه غدا على ما لا تلقاه أبدا. وقيل: الدنيا والآخرة في قلب المؤمن ككفتي الميزان إذا رجحت هذه خفت هذه. وقال يحيى بن معاذ: الناس ثلاثة، رجل يشغله معاده عن معاشه وتلك درجة العابدين ورجل يشغله معاشه عن معاده وتلك درجة الهالكين ومشتغل بهما وهي درجة المخاطرين. وقيل لعبد الله بن إبراهيم من أسخى الناس، فقال: من بذل دنياه في صلاح دينه. وقال ﷺ : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. وقال رجل: من جعل همه في الله هما واحدا جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا وجعل الغنى في قلبه وأتته الدنيا راغمة ومن شتت عليه همه شتت الله عليه ضيعته وجعل الفقر بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له ثم لا يبالي في أي واد هلك.
الحثّ على مراعاة الدين والدّنيا ومدح فاعل ذلك
قال النبي ﷺ : ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا من ترك آخرته لدنياه، ولكن من أخذ منهما جميعا. وكان محمد بن علي يقول: اللهم أعنّي على الدنيا بالغنى وعلى الآخرة بالتقوى. وقال بعض العلماء: لست آمركم بترك الدنيا فترك الدنيا فضيلة وترك الذنب فريضة وأنت إلى إقامة الفرائض أحوج منك إلى اكتساب الفضائل. وقيل لعمر بن عبد العزيز: لم لا تنام، قال: إن نمت بالليل أضعت نفسي وإن نمت بالنهار أضعت الرعية. وقالت امرأة:
ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو منّي والخلاعة جانب
وقال ابن أبي حفصة لعمارة أنشدت المأمون قولي:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل
فلم يهتم لذلك، فقال عمارة: ما زدت على أن صيرته عجوزا معتكفة في محرابها، فمن لأمور المسلمين هلّا قلت كجرير:
فلا هو في الدنيا مضيّع نصيبه ... ولا غرض الدنيا عن الدين شاغله
احتمال المضرة في العاجل رجاء المسرّة في الآجل
قال ﷺ : لن تنالوا ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون. وقال ﵊: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، احتمل مضرّة يومك لمسرّة غدك، العاقل يحتمل الضر في دار الفناء إيقانا بالنفع في دار البقاء. ولما تاب عتبة الغلام كان لا يتهنأ بطعام ولا شراب، فقالت له أمه: أرفق بنفسك، فقال: الرفق أطلب لها.
стр. 1200
الحثّ على حفظ النفس من النّار
نظر أبو هريرة إلى رجل وضيء فقال: إني أرى لك قدمين لطيفتين فابتغ لهما موقفا صالحا يوم القيامة. وقال رجل لحكيم أوصني، فقال: إن استطعت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل، فقال: وهل يسيء المرء إلى من يحب، قال: نعم. نفسك إن عصيت الله.
وقيل: المغبون من رأى الدنيا بحذافيرها لبدنه ثمنا. وقيل: كل قتيل يودي إلا قتيل نفسه.
النّهي عن التهافت في العبادة
قال ﷺ : إن الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وقال ابن مسعود ﵁: استبق نفسك ولا تكرهها فإنّك إن أكرهت القلب على شيء عمي. وقال ﷺ : إن الله بعثني بالحنيفية السمحة ولم يبعثني بالرهبانية، فمن رغب عن سنتي فليس منّي. وقال المرعشي: من شغله الفرض عن الفضل فهو معذور، ومن شغله الفضل عن الفرض فمغرور.
التّوبة
قيل: التوبة النصوح ترك ما تنكره السنة في الظاهر والباطن. وقال أمير المؤمنين:
التوبة على أربعة دعائم، استغفار باللسان ونية بالقلب وترك بالجوارح وإضمار أن لا يعود وسئل السوسني عنها، فقال: الرجوع عن كل ما ذمه العلم إلى ما مدحه. وقيل: هي الإعتراف والندم والإقلاع. وقال ﵊: من تاب قبل موته بفواق ناقة حرم الله وجه على النار.
الحثّ على المبادرة إليها
قيل في قوله تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة، هو من مات على المعصية من غير توبة، وقال مجاهد: التوقف حسن إلا في التوبة. وقيل لرجل: أوص فقال: أحذركم سوف. قال شاعر:
والمرء مرتهن بسوف وليتني ... وهلاكه في سوفه واللّيت
وقال ﷺ : إياكم ولو، فإن لو من أقوال المنافقين. وقيل: من وجد في قلبه التخويف فلا يطلبن لنفسه التسويف. وقيل في قوله تعالى: لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
«١» أي يقول غدا أتوب وقال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب ولا نتوب حتى نموت. قال شاعر:
أسوّف توبتي خمسين عاما ... وظنّي أن مثلي لا يتوب
وقال:
متى يفلح من قدعا ... ش خمسين وما أفلح
стр. 1201
وقال عمر بن عبيد الله لرجل: عظني، فقال: قد قطعت عامة سفرك فإن استطعت أن لا تضلّ في آخره فافعل. وقال المؤلف وأنا أقول: قد ضللت عامة سفري فإن لم يهدني الله فويل لي. ختم الله لي بخير ولمن كتب، وقرأ. وقال مصعب بن الزبير: إدفع سطوة الله بسرعة النزوع وحسن الرجوع ويوشك أن المنايا تسبق الوصايا.
الحثّ على الاستغفار واختلاط سيّء الأفعال بالحسن
قال ﷺ : ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم خمسين مرة. وقال بعضهم: حق على المؤمن أن يقتدي بأبويه في قولهما: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
«١» الآية، وبما قال نوح ﵇:
وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين. وقوله تعالى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً
«٢» الآية.
وقال أمير المؤمنين: العجب لمن يقنط ومعه النجاة الإستغفار. وقيل: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الإستغفار. وقال عمر ﵁: لم أر أشد طلبا وأسرع دركا من حسنة حديثة لذنب قديم. وقيل لرجل ألا تأتي إلى الحسن لتسمع منه؟ فقال: أنا مشغول بذنب أستغفر منه وبنعمة أشكر عليها فمتى أتفرغ لإتيانه. وسئل بعض المجان كيف أنت في دينك؟ قال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالإستغفار. وقال بزرجمهر: أيها السلاطين لا بدّ لكم من المعاصي الكبار فافعلوا بإزائها طاعات عظيمة، أيها الأوساط يمكنكم الطاعات العظيمة كالمصالح التي لا يقدر عليها إلا السلطان فلا تركبوا المعاصي الكبيرة.
النّهي عن الإستغفار ما لم يصاحبه الفعل
سمع مطرف رجلا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه فأخذ بذراعيه وقال: لعلك لا تفعل ومن وعد فقد أوجب. وقال أبو عبد الرحمن سمعني راهب أقول أستغفر الله فقال يا فتى سرعة اللسان بالإستغفار توبة الكذابين ويدل على ما قاله ﷺ : المستغفر باللسان المصر على الذنب كالسمتهزئ بربه. وقيل: الإستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين، وقال الربيع بن خيثم:
لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا جديدا إذا لم يفعل، ولكن ليقل: اللهم تب عليّ واغفر لي، فقيل لم. فقال: انته عما ينهاك عنه فإنّه يغفر لك.
تحذير من دنا أجله وساء عمله
اجتمع فيلسوف الروم وحكيم الهند وبزرجمهر عند كسرى فتذاكروا في شر الأشياء. فقال الرومي: الهم يقترن به العدم وقال الهندي: سقم البدن ودوام الحزن. وقال بزرجمهر: دنو أجل وسوء عمل، فحكم له. ودعا بعض الصالحين، فقال: اللهم اجعل خير عملي ما ولي أجلي وقال آخر: أعوذ بالله من وقوع المنية ولما أبلغ الأمنية، وقال ابن أبي البغل:
أستغفر الله من عمر أضعت به ... حظّي من الذكر في قال وفي قيل
стр. 1202
أستغفر الله ربّ العرش من عمر ... أضعته في خسارات وتضليل
الحثّ على تجنّب فعل مذموم
قال حكيم: الأيام صحائف آجالكم فأودعوها أجمل أفعالكم. وقال علي بن الحسين ﵄ عجبت لمن يحتمي عن الطعام لمضرته ولا يحتمي عن الذنب لمعرته «١» فأخذ ذلك محمود الوراق حيث يقول:
عمرك قد أفنيته تحتمي ... فيه من البارد والحار
وكان أولى بك أن تحتمي ... من المعاصي خشية النّار
وقال بعضهم: حضرت مجلس الشبلي فقام إليه رجل من أصحابه، فقال له:
أوصني، فقال له: لقد أوصاك الشاعر بقوله:
قالوا توقّ ديار الحيّ إنّ لهم ... عينا عليك إذا ما نمت لم تنم
وقال يحيى بن معاذ: اجتناب السيئات أشد من اكتساب الحسنات.
النّهي عن تضييع الوقت
قال النبي ﷺ : إغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك. وقال سفيان:
تذكر الماضي ورجاء الباقي ذهبا ببركة ساعاتك. وقال عمر بن ذر: الأيام إذا فكرت فيها ثلاثة، يوم مضى لا ترجوه ويوم أنت فيه ينبغي أن تغنمه ويوم في يدك أمله، فلا تغتر بالأمل فتخل بالعمل فإنما اليوم وأمس كأخوين نزل بك أحدهما فأسأت نزله وقراه فرحل عنك وهو ذام لك، ثم نزل بك أخوه فقال: إن أسأت إليّ كما أسأت إلى أخي فما أخلقك أن تعدم شهادتنا.
وسمع الحسن رجلا يقول: اللهم اجعلنا منك على حذر، فقال: إنه فعل ذلك، أليس قد ستر عنك أجلك فلست من حياة ساعة على يقين.
عتب من يتوب ثم يعود
قال شاعر:
كم قلت لست بعائد في توبة ... ونذرت فيها ثم صرت تعود
قال مالك بن دينار: دخلت على جار لي وهو مريض فقلت له عاهد الله أن تتوب فلعله أن يشفيك فقال: هيهات قد عاهدته فسمعت هاتفا من جانب البيت قد عاهدناك مرارا فوجدناك كذوبا.
стр. 1203
حثّ الراجع عن التوبة إلى العودة
جاء حبيب بن الحارث إلى النبي ﷺ فقال: إني مقارف للذنوب فقال: تب فقال:
إني أتوب ثم أعود فقال: كلما أذنبت ذنبا فتب فعفو الله أكبر من ذنوبك. وقال ﷺ : إن الرجل ليذنب الذنب فيدخل به الجنة. فقيل: كيف يا رسول الله؟ قال: يكون نصب عينه خائفا منه حتى يدخل الجنة.
قلّة من لا ذنب له من المكلّفين
قال الله تعالى: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
«١» وذكر يونس ﵇ فقال: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً
«٢» الآية، وقصّ قصّة داوود ﵇ وقد عوتب محمد ﵊ بعبس وتولى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
ولَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ
«٣» الآية، وقال: في جميع الناس، ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة.
جواز إظهار الكفر تقيّة
قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
«٤» . وكان عمار أظهر الرضا بفعل الكفار مع إنطواء قلبه على الإخلاص. وقال ﷺ : إن عادوا فعد وأتى مسيلمة برجلين فقال لأحدهما: تعلم أني رسول الله. قال: بل محمد رسول الله فقتله. وقال للآخر فقال: أنت ومحمد رسول الله فخلّى سبيله فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أما الأوّل فمضى على عزمه ويقينه، وأما الآخر فأخذ برخصة الله فلا تبعة عليه، وكالمضاد له.
من راقب الناس في مذاهبه ... أصمّه ربّه وأعماه
رجاء رحمة الله وغفرانه ومدح ذلك
قال النبي ﷺ : ما أحبّ أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
«٥» وقال: إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء. وقال ابن عباس لابن عمر ﵄: أي آية أرجي؟ فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
«٦» الآية، فقال: إن هذه لمرجوة وأرجى منها قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
. «٧» . وقيل: أعظم من الذنب اليأس من الرحمة وأشد منه المماطلة بالتوبة. وقال أعرابي لابن عباس من يحاسب الخلق يوم القيامة؟ قال: يحاسبهم الله تعالى قال: نحونا ورب الكعبة فقال: كيف؟ قال إن الكريم إذا قدر غفر. ورؤي الشبلي
стр. 1204
في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فأنشد:
حاسبونا فدقّقوا ... ثم منّوا فأعتقوا
وسمع أعرابي ابن عباس يقرأ قول الله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
«١» . قال: والله ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها، فقال ابن عباس: خذوه من غير فقيه. ولقي يحيى عيسى ﵉ فعبس هذا وتبسم هذا، فقال: هذا لهذا مالك عابس كأنك قانط، وقال: هذا لهذا مالك ضاحك كأنك آمن، فأوحى الله تعالى إليهما: أن أحبكما إليّ أحسنكما ظنا بي. وقيل لرجل: كم تكون تاركا للتوبة؟ فقال:
رأيت الله تعالى وصف قوما فقال: وآخرون اعترفوا بذنوبهم إليّ عسى الله أن يتوب عليهم، وعسى من الله واجب. فقيل له: قد قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
«٢» الآية وقال عمر بن عبد العزيز لعمر بن علقمة: أخاف عليك النار، فقال: لكني لا أخافها قال لم، قال لأن الله تعالى يقول: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى
«٣» ، وأنا صدقت وأقبلت.
وقال أبو نواس:
يا كثير الذنب عف ... والله من ذنبك أكبر
وقال بعضهم: يا رب حجّتي حاجتي ووسيلتي فاقتي.
الحثّ على الجمع بين الرّجاء والخوف
قال الله تعالى في صفة المؤمنين: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
«٤» وقال أمير المؤمنين: خف الله خوفا ترى أنك لو أتيت بحسنات أهل الأرض لم تقبل منك، وأرجه رجاء ترى أنك لو أتيت بسيئات أهل الأرض غفرها لك. وقيل: أرج إذا خفت وخف إذا رجوت، وكن كالمرأة الحامل ليس رجاؤها أن تلد ولدا ذكرا بأكثر من خوفها أن تلد أنثى.
وقال بعض الصالحين: لو أنزل الله كتابا إني معذب رجلا واحدا لخفت أن أكون، أو أنه راحم رجلا واحدا رجوت أن أكونه ولو أنزل الله أنه معذبي ما ازددت إلا اجتهادا لئلا أعود على نفسي بلائمة. وقال رجل لابنه: خف الله خوفا لا يمنعك من الرجا، وأرجه رجاء لا يمنعك من الخوف، فالمؤمن له قلبان يرجوه أحدهما ويخافه الآخر، وقال:
أنا بين الرجاء والخوف منه ... واقف بين وعده والوعيد
وقال أبو نواس:
لا تحظر العفو أن كنت أمرءا حرجا ... فإن حظركه بالدّين إزراء
стр. 1205
ذمّ من يرجو الغفران من غير ترك ذنب
قال سعيد بن جبير: من الاغترار بالله المقام على الذنب ورجاء الغفران. وقال سليمان بن علي لعمرو بن عبيد: أخبرني عن هذا المال، فقال: إن أخذ من حله فوضع في حقه سلمت فقال: أنا أحسن ظنا بالله، قال: ما كان أحد أحسن ظنا بالله من رسول الله ﷺ فما أخذ درهما إلا من حلّه ولا وضعه إلا في حقه.
وقيل في قوله تعالى بل يريد كل امرئ منه أن يؤتى صحفا منشرة. قال: يراه من الله من غير عمل يقدمه. ولقي زاهد أخا له فقال: أتاك اليقين أنك وارد جهنم، قال: نعم، قال: فهل أتاك اليقين بالصدر؟ قال: لا، قال: فما الانتظار والتناعس. وقال الثوري: قطع أطماع العباد آيتان: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً
«١» وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
«٢» الآية، وقال محمود الوراق:
يا ناظرا يرنو بعيني راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العائد
ونسيت أن الله أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد
تكذيب من ادّعى حسن ظنّه بربّه وفعله مناف لذلك
قال الحسن: إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة. يقول: إني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن بربه لأحسن العمل ثم تلا وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
«٣» . وقال جعفر: رأيت ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد فقلت له: إن رحمة الله قريب قال نعم من المحسنين.
ذمّ متمنّ غير عامل
قيل: إذا أبغض الله عبدا أعطاه ثلاثا يحبب إليه الصالحين ويمنعه القبول منهم ويحبب إليه الأعمال ويمنعه الإخلاص فيها ويجري الحكمة على لسانه ويمنعه الصدق بها. وكتب أبو عمير إلى صديق له: أما بعد فإنك تتمنى على الله بسوء فعلك إنما تضرب في حديد بارد.
التّحذير من الاغترار بالله تعالى في تأخير العقوبة
قال الله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
«٤» وقال ابن السماك: إن الله أمهلهم حتى كأنما أهملهم ولقد ستر حتى كأنه غفر، وخطب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
стр. 1206
فقال: لا يغرّنكم الإملاء فإن الإملاء من الإستدراج، والله تعالى يقول: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
«١» . وكتب أيضا إلى عامل له لا تغتر بتأخير العقوبة من الله فإنّما يعجل خائف الفوت.
عتب طالب الرّخص
قال الأصمعي: من التمس الرخص من الإخوان عند المشورة ومن الأطباء عند المرض ومن الفقهاء عند الشبهة تاه وازداد سقما واحتمل وزرا. وقيل: إذا رأيت الزاهد يتروح إلى طلب الرخص فاعلم أنه قد بدا له في الزهد.
تفضيل المذنب الخائف على الورع المعجب
الورع الوقوف مع الشرع. وقال بعضهم: الورع ترك ما حاك في صدرك. وقال بعض الصالحين: ضحك العبد وهو مشفق من ذنبه خير من بكائه وهو مدل بربه.
وقال أبو سليمان الداراني: ما عمل داوود عملا خيرا من خطيئته ما زال خائفا منها حتى لحق بربه، وقال مطرف: لأن أبيت نائما وأصبح نادما خير من أن أبيت قائما وأصبح معجبا. وقال القاسم بن محمد الصوفي: إذا كان الرجل لجوجا معجبا برأيه مماريا فقد استكمل الخسارة.
وقال رجل ليحيى بن معاذ: متى أتهم قلبي؟ قال إذا فارقه الخوف. وقال الخلدي:
سألت الجنيد عن الظرف، فقال: أن تعمل لله ولا ترى أنك عملت.
وقال عاجلة في قوله تعالى: يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
«٢» يخاف أن لا يقبل منهم. وقال الحسين الحلاج: من نظر إلى العمل حجب عمن عمل له ومن نظر إلى من عمل له حجب عن رؤية العمل.
التّوقّي من الصّغائر
قال علي كرم الله تعالى وجهه: إياكم ومحقرات الذنوب فإن الصغير منها يدعو إلى الكبير. وقيل: من العود إلى العود ثقلت ظهور الحطابين ومن الهفوة إلى الهفوة كثرت ذنوب الخطائين. وقال بعض الأسديين:
ألا من لنفس بالذّنوب رهينة ... قليل على مسّ العذاب اصطبارها
كفى سقما بالمرء يا أم عاصم ... ركوب المعاصي عامدا واحتقارها
وسقط من يد بعض الصالحين دينار فوجده في الحال، فلم يأخذه، وقال لعله غير ديناري. وكان عمر أتي بالعشاء فأطفأ السراج، وقال: لا آكل على سراج العامة.
стр. 1207
المتبيّن فيه مخافة الله تعالى
قيل: ما رؤي النبي ﷺ ضاحكا بعد نزول قوله تعالى: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ
«١» . وقال رجل ليونس بن عبيد: صف لي الحسن. قال: إذا أقبل فكأنما أقبل من دفن حبيبه، وإذا جلس فكأنما أمر بضرب عنقه وإذا ذكرت النار فكأنما خلقت له.
ووصف ابن عباس أبا بكر ﵃ فقال: كان كالطائر الحذر له في كل وجه جسد، وكان يعمل لكل يوم بما فيه وكان محمد بن المنكدر لا يرى إلا كئيبا، فقيل له في ذلك، فقال: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
«٢» . وقال الفضيل من علامة الشقاء جمود العين وقساوة القلب وطول الأمل. وكان يقول: حقيق على من كان الموت موعده والقيامة مورده والوقوف والحساب مشهده أن يطول حزنه وبكاؤه. قال مالك بن دينار في التوراة إن الرجل إذا استكمل النفاق ملك عينيه.
المستكبر ذنب نفسه والمتذمّم لفعله
قال بعض الصالحين: كم لي من ذنب لو عرف به الصديق لمقتني ولو عرف به العدوّ لهتكني وقال مطرف: ما نزل بلاء فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فأستصغره. قيل لحكيم كيف أصبحت؟ قال: آكل رزق ربي مطيعا عدوه. وقيل لحسان بن سنان كيف أصبحت؟ قال:
أصبحت قريبا أجلي بعيدا أملي سيئا عملي. وقال أبو العتاهية:
يظنّ الناس بي خيرا وإني ... لشرّ الناس إن لم تعف عنّي
وقال أبو محمد الخازن:
بنعمة الله وفي داره ... عصيته جهلا وسوء اختيار
إن لم يغثني عفوه عاجلا ... فإنّني والله في النّار جار
الممتنع من تناول المشتهيات والمباحات
عاد مالك بن دينار جارا له فقال له: أتشتهي شيئا فقال: نفسي تنازعني منذ أربعين سنة رغيفا أبيض ولبنا في زجاج فأتاه بهما فجعل ينظر إليهما ويقول: دافعت شهوتي عمري حتى لم يبق إلا مثل ظمأ الحمار، ومات بشهوته.
الحثّ على عبادة الله تعالى لا طلبا لثوابه ولا مخافة من عقابه
قال النباجي: لو لم يكن لله ثواب يرجى ولا عقاب يخشى لكان أهلا أن لا يعصى ويذكر فلا ينسى بلا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب لكن لحبه وهو أعلى الدرجات، أما
стр. 1208
تسمع قول موسى ﵇: وعجلت إليك ربّ لترضى. وإن من عمل لحبه أشرف ممن عمل لخوفه.
وقال حكيم: إني لأستحي من ربي أن أعبده رجاء الجنة فأكون كالأجير أو خوف النار فأكون كعبد السوء إن خاف عمل وإن لم يخف لم يعمل، لكن يستخرج مني حب ربّي ما لا يستخرجه غيره.
قال أبو يزيد البسطامي: الظالم الذي يعبده على العادة والمقتصد للرغبة والرهبة والسابق للمحبة. وقال الشبلي: من عبده رجاء الجنة فهو عبدها أو خوف النار فهو عبدها، لأن من خاف شيئا أو رجاه فهو معبوده. وقال بعضهم: من عبده الله بعوض فهو لئيم.
وقال علي بن الموفق: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فاحرقني أو طمعا في جنتك فاحرمنيها، وإن كنت تعلم أني أعبدك حبا لك وشوقا إلى لقائك فأبحنه.
وقال بعض الصوفية: حقيقة المحبة أن لا يزيدها البر ولا ينقصها الجفاء. وقيل لرابعة مالك لا تسألين الله الجنة في دعائك فقالت: الجار ثم الدار.
وقال سهل بن عبد الله وتلا إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
«١» لو علموا عمن شغلوا ما اشتغلوا به. وقيل: في قوله ﷺ أكثر أهل الجنة البله قال: لأنهم في شغل فاكهون شغلهم النعيم عن المنعم ومن رضي بالجنة عن الله فهو أبله. وقال البوشنجي:
الدنيا سجن المؤمن والجنة سجن العارف.
فضيلة من كان في كلاءة الله تعالى وحفظه
قال ممشاد الدينوري: من كان مع الله فقد هلك وإنما نجا من كان الله معه. وقال رجل للشبلي: متى يقرب العبد من ربه، فزعق ثم أنشد:
من لم يكن للوصال أهلا ... فكلّ إحسانه ذنوب
وقيل: أجلّ ما ينزل من السماء التوفيق وأجلّ ما يصعد من الأرض الإخلاص.
في ذمّ عالم غير عامل
قال أبو الدرداء: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي قد علمت فما عملت فيما علمت. وقيل: ويل للذي لا يعلم مرة وويل للذي يعلم سبع مرات. وقال محمد بن واسع: إنّ قوما يشرفون على قوم يوم القيامة فيقولون قد نجونا بما أخذنا منك، فما لكم في العذاب فيقولون كنا نعلم ولا نعمل.
قلّة اليقين في الناس
قال الشعبي: لم يقسم الله بين الناس أقل من اليقين، وقال بعض أصحابنا: من الدلالة
стр. 1209
على قلة اليقين إنك تخيّر يوما عن خير الدنيا بالسّيئة طمعا في الربح طفيف ربح مع ما فيه من الخطر وتأبى أن تقرض الله درهما بثمانمائة مع زعمك وقولك إنّ مستقرضه مليّ وفيّ.
ترغيب الله تعالى عباده في جنّته
قال الحسن: إن الله دعا كل قوم إلى الجنة، فقال للعرب يشوّقهم ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا لما كان أحب لأشياء إليهم ذلك، وقال للفرس يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيه حرير لما كان أحب الأشياء إليهم ذلك. وقيل: إنما ذكر الله تعالى درجة الخائفين ولم يذكر درجة المحبين، لأن القلوب لا تحتمل ذلك، كما أمسك عن ثواب النبيين وأظهر ثواب المتقين، فقال في النبيين وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ...
«١» الآية وأظهر ثواب المتقين فقال وإن للمتقين لحسن مآب. ومثال ذلك إن الشيء إذا عظم ثوابه لم يذكر مفصلا كصوم رمضان والزكاة. وقال: فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين.
وقال: ولدينا مزيد. وقال النبي ﷺ : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وذكر الثواب في إماطة الأذى عن الطريق وعيادة المرضى ونحو ذلك.
فضيلة العبادة مع العلم
قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
«٢» وقال النبي ﷺ : فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد. وقال الحسن: أدركت قوما من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون من عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.
ذمّ الورع مع الجهل
روي عن أمير المؤمنين أنه قال: قصم ظهري رجلان، جاهل متنسك وعالم متهتك.
وروي عن الحسن: قسم ظهري عالم لا زهد معه وزاهد لا علم معه، هذا يدعو إلى جهله بزهده وهذا ينفر عن علمه بحرصه. وقال النبي ﷺ : يكون في آخر الزمان قراء فسقة وعباد جهلة، وركعة من عالم أفضل من سبعين ركعة من عابد لا علم معه وكان لأبي سعيد الخراز ابن فمات فرآه في المنام، فقال: يا ولدي أوصني، فقال: يا أبت لا تعامل الله على الحمق، فقيل لإبراهيم، فقال: نعم لأنه لم يلبس القميص ثلاثين سنة. وقيل لأنوشروان: أي الناس أولاهم بالسعادة؟ فقال: أقلهم ذنوبا، قيل: ومن أقلهم ذنوبا؟ قال: أكملهم عقلا.
ذمّ متحامق رقيع في ورعه
حلق صوفيّ لحيته وقال: إنها نبتت على المعصية. ولطّخ رقيع شاربه بالعذرة فقيل له في ذلك، فقال: أردت التواضع لله. وأذّن مؤذن فقال: أشهد أن أبا القاسم رسول الله، وقال النبي: عندنا أعظم من أن نسميه ولا نكنيه. ورأى ابن أبي ليلى رجلا قد أخذ رمانة
стр. 1210
من حمال وأعطاها مريضا، وقال: إن سيئة بسيئة وحسنة بعشرة فقد ربحت تسعة.
وكان رجل يحج عن حمزة بن عبد المطلب ويقول: قتل قبل فرض الحج. وآخر يضحي عن أبي بكر وعمر ويقول: أخطآ السنة في الأضحية. وكان أبو شعيب العلائي لا يصلي ولا يصوم ويقول من أنا حتى أصلي وأصوم، إنما يفعل ذلك الكبراء الذين أريد منهم التواضع.
وفضل اللخمي قبر إحدى عينيه، وقال: النظر بهما إسراف. وقال بعضهم: صحبني رجل في طريق يدعي أنه بلغ في التصوف منزلة الرضا، فجاءني يوما فقال إن فلانا دب عليّ البارحة فما قلت شيئا حتى فرغ وكرهت أن أخرج من منزلة الرضا فقلت هذا رضا مأبون أحمق.
وقال بعضهم: مررت برجل في يده سبحة أطول من باع وهو يقف في كل حبة مقدار عشر آيات فقلت له: ما تقول؟ قال: أقول أيري في حر أم المعتزلة سبع مرات، وأيري في إست القدرية عشر مرات، فقلت: لم زدت هؤلاء، قال: لأنهم خرجوا على أمير المؤمنين الحجاج بن مروان.
ذمّ مبالغ في نسكه إلى حدّ الرّقاعة
سأل الشعبي رجلا بم أفطر قال: أفطرت بزيتونة أو نصف زيتونة أو ربع زيتونة أو ما شاء الله من زيتونة ومر آخر بحمال معه شوك فشكت رجله، فقال للحمال: اجعلني في حل من هذه الشوكة فلا يمكنني إخراجها.
الحثّ على التّنظيف
قال الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
«١» وقال ﷺ : إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس. وقال ﷺ : إن الله جميل يحب الجمال. وقال عيسى ﵇: ألبسوا لباس الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية.
النّهي عن التماوت وفرط التّخشّع
روي أن عمر ﵁ رأى رجلا متماوتا في إظهار النسك فعلاه بالدرة وقال: لا تمت علينا ديننا. ومرّ رجل بعائشة ﵂ متماوتا فقالت: ماله؟ قالوا: متخشع.
قالت: هو أخشع من عمر، وكان إذا مشى أسرع وإذا قال أسمع وإذا ضرب أوجع.
من تورّع في الفسق
اجتمع جماعة على امرأة فقال أحدهم: خذي هذه الخمسة دراهم وقولي: قد فعل فقالت: أعوذ بالله أن أكذب جماعة بخمسة دراهم.
стр. 1211
فسق بعضهم بغلام وكان عليه خف فقال: له إنزع خفك، فقال أخاف أن ينتقض وضوئي. وقال بعضهم: أدخلت قحبة على جماعة فشارطوها كل فرد بدرهم وواحد يصلي ويقول سبحان الله ويشير إني أريد فردين بدرهم.
ذمّ الرياء
قال النبي ﷺ : إن أخوف ما أخاف على أمتي الرياء الظاهر والشهوة الخفية. وقال أمير المؤمنين: لا تفعل شيئا رياء ولا تتركه حياء. وقيل: أعظم الرياء حب المحمدة.
وقيل: إذا عمل الرجل العمل وكتمه وأحب إعلام الناس أنه كتمه فذلك أقبح الرياء.
وكان الشبلي إذا رأى من يدعي التصوّف يقول: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب.
وقال أبو نواس:
وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للنّاس «١»
وقال لقمان لابنه: اتق الله ولا تري الناس أنك تخشاه ليكرموك وكان الناس يراؤون بما يفعلون. فصاروا يراؤون بما لا يفعلون وقيل ما الدخان بادل على النار من ظاهر أمر الرجل على باطنه قال شاعر:
إن التخلّق يأبى دونه الخلق
وقيل:
له سمت أبي ذر ... على قلب أبي جهل «٢»
ذمّ متنسّك طمعا في عرض الدنيا
قال ﷺ : أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها. وقال الحسن بن علي ﵄: إن الناس عبيد المال والدين نعو على ألسنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم فإذا فحص للإبتلاء قل الديانون. ويقال: إن بلال بن أبي بردة وفد على عمر بن عبد العزيز فجعل بديم الصلاة، فقال عمر: ذلك للتصنع، فقال له العلاء: أنا آتيك بخبره فجاءه وهو يصلي، فقال له: مالي عندك إن بعثت أمير المؤمنين على توليك العراق، قال: عمالتي سنة وكان مبلغه عشرين ألف درهم، فقال: أكتب به خطك فكتب إليه، فجاء العلاء إلى عمر فأخبره، فقال: أراد أن يغرنا بالله.
ودخل على المنصور رجل بين عينيه كركبة البعير يريد القضاء، فقال: إن كنت أبررت الله بهذا فما ينبغي لنا أن نشغلك عنه، وإن كنت أردت خداعنا فما ينبغي أن ننخدع لك.
قال شاعر:
لا تصحبنّ صحابة ... حلقوا الشوارب للطمع
стр. 1212
يبكي وجلّ بكائه ... ما للفريسة لا تقع
ورأى المنصور رجلا واقفا ببابه وبين عينيه سجادة، فقال له: بين عينيك درهم مثل هذا وتقف ببابي فقال: إنه ضرب على غير سكة. وقال بعضهم في أصحاب السجادات:
أما ثقلت رؤوسهم أو خشنت الأرض. قال شاعر:
تصوّف فازدهى بالصّوف جهلا ... وبعض الناس يلبسه مجانه «١»
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانه
وقال:
عمّروا مواضع التصنّع منهم ... فكأنّ الصّلاح منهم خراب
وقال:
تسبيحه ريح فلا تسكنوا ... من شفة الشيخ إلى الريح
وقال عبدان في أبي القاسم بن بحر وقد عاد من الحج:
تعنيت أبا القاسم ف ... ي السعي إلى الحجّ
بما سوّغت من سحت ... زمان الجور والهرج «٢»
وما يصلح ما تن ... فق للثجّ وللعجّ «٣»
ودخل المرء من سحت ... كذا يخرج في الخرج
من يخادع الله في زكاته وصدقته
قال الجاحظ: كان ببغداد لوطي موسر فإذا كان وقت الزكاة يدعو الغلام ويقول له:
ألك أم أو أخت تستحق الزكاة فيدفعه له؟ ويقول: خذ هذا من زكاة مالي وأنعم لي بواحد.
وبعض أصحابنا يبيع زكاته من الفقير ويسترجعها منه بدرهم أو درهمين يخادعون الله وهو خادعهم.
ذمّ من حسن مقاله وقبح فعاله
قال النبي ﷺ : سيكون بعدي أقوام يعطون الحكمة على المنابر وقلوبهم أنتن من الجيفة. وقال سليمان بن عبد الملك لبلال بن أبي بردة: صف لي الحجّاج فقال: كان يتزين بزينة المومسة فإذا صعد المنبر تكلم بكلام القسيسين وينزل فيعمل بعمل الفراعنة، وقال شاعر:
إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا ... ولكنّ حسن القول خالفه الفعل
стр. 1213
وذمّوا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... أفاويق حتّى ما يدرّ لها رسل «١»
وقال:
قلوبهم أمرّ من دفل ... ولفظهم أحلى من العسل «٢»
المتبجّج بتقواه رقاعة
صلى رجل بحضرة الشعبي فأطال، فقال الشعبي: ما أحسن صلاته فلما سلّم الرجل، قال: وأنا مع هذا صائم. وقال ذو اليمينين لأبي بكر المروزي: مذ كم صرت إلى العراق؟ قال: مذ عشرين سنة وأنا أصوم مذ ثلاثين سنة.
تنسّك كلّ صنف من الناس
قال الجاحظ: لكل صنف من الناس نسك، فنسك الخصيّ غزو الروم، ونسك الخراساني الحج، ونسك المغنّي كثرة التسبيح والصلاة على النبي ﷺ وشرب النبيذ، ونسك الرافضيّ ترك النبيذ وزيارة المشهد، ونسك السواديّ ترك شرب المطبوخ، ونسك المتكلم رمي الناس بالجبر والتعطيل والزندقة، ونسك المخنث أن يصير دلّال النسوة.
وقيل: إذا نسك الشريف تواضع أو الوضيع تكبر.
رقاعة الجهّال في زمن العلماء بالبدعة
رفع إلى المأمون سبعمائة قصة في بشر المريسي تشهد بكفره فجمعهم يوما وقال لهم: ما الذي ظهر من كفره؟ قالوا: قوله ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فقال المأمون: قد شهد الله بهذا. فقال شيخ منهم هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وحاج موسى إبراهيم، فقال له: على من قرأت القرآن؟ قال على أبي وكان يقرأه بسبعة ألسن.
وسئل رجل كان يشهد على رجل بالكفر عند جعفر بن سليمان، فقال: إنه خارجي معتزلي ناصبي حرورويّ جبريّ رافضيّ يشتم علي بن الخطاب وعمر بن أبي قحافة وعثمان بن أبي طالب وأبا بكر بن عفان ويشتم الحجّاج الذي هدم الكوفة على أبي سفيان، فقال جعفر: ما أدراك على أي شيء أحسدك، أعلى علمك بالأنساب أم بالأديان أم بالمقالات.
وقال الصاحب: رأيت يوما جماعة مجتمعين على رجل يضربونه ويقولون يجب أن يقتل فسألتهم ما فعل، فقال كلّ: لا أدري. كان المنصور أمر أبا دلامة أن يلازم صلاة الجماعة ويترك البطالة، فقال:
ألم تعلمي أنّ الخليفة لزّني ... بمسجده والقصر مالي وللقصر «٣»
стр. 1214
يكلّفني من بعد ما شبت توبة ... يحطّ بها عنّي العظائم من وزري «١»
وما ضرّه والله يصلح أمره ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري
وقال:
وجفاني الأمير كي أتقرّا ... فتقرأت مكرها لجفائه «٢»
والذي أنطوي عليه المعاصي ... علم الله نيّتي من سمائه
التّجاسر على الذّنب إتّكالا على التوبة
حكي أن الأعشى لما مدح النبي ﷺ بقوله:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
قصده بها فلقيه بعض الكفار فقال: ما تصنع عنده وقد حرم عليك الزنا وشرب الخمر؟ فقال أما الزنا فقد ضعفت عنه لكبري ولكن عندي دنّان فسأشربهما ثم أقصده قبل استيفاء شربهما. وقال جميل:
تعالي نبع في العام يا بثن ديننا ... بدنيا فإنّا قابلا سنتوب
وقال:
تعالي نبع دينا بدنيا نصيبها ... ونستغفر الرحمن فالله غافر
وقال:
سقى الله أيام الوصال وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب «٣»
وقال:
نسرق هذا اليوم من دهرنا ... فربّما يعفى عن اللصّ
ذمّ خليع متمثّل بما اعتقد فيه الصّلاح
مرّ أبو حازم في بعض الليالي فسمع قائلا ينشد:
أسأت وقد أنبت فلا أعود «٤»
فقال: اللهم إن الرحمة بيدك وعبدك هذا قد اعترف بذنبه، وقرع عليه الباب وقال:
سل ما تريد فإنه كريم يعطيك، فقال:
فعد للوصل قد مسج الصدود «٥»
فقال أبو حازم: أنت من جند إبليس يا فاسق أتمزج الخبيث بالطيّب، أستغفر الله من دعائي. ومرّ سفيان برجل ينشد:
أتوب إلى الذي أمسى وأضحى ... وقلبي يرتجيه ويتّقيه
стр. 1215
تشاغل كلّ مخلوق بشيء ... وقلبي من محبّته وفيه
فدنا منه وأخذ يبكي معه، ثم قال:
عسى قلب الممكّن من فؤادي ... يدقّ لذلّ طاعة عاشقيه
فقال سفيان: اللهم لا تضلّنا بعد إذ هديتنا. ومرّ ناسك بدار فيها أبو نواس ينشد:
إن في توبتي لفسخا لجرمي ... فاعف عنّي فأنت للعفو أهل
فرفع يده وقال: اللهم تب عليه، فقال:
لا تؤاخذ بما يقول على الس ... رّ فتى ماله لدى الصحو عقل
فقال: اللهم أرشدنا.
خليع تأوّل كلام صالح على اعتقاده
سرق لرجل دراهم فقيل له: تكون في ميزانك غدا، فقال: مع الميزان سرقت.
وسرق لآخر خرج فقيل: لو قرأت عليه آية الكرسي لما سرق، فقال: كان فيه مصحف.
وسرق أعرابي نافجة مسك فقيل له: من غل شيئا يأتي به يوم القيامة، فقال إذا والله آتي بها خفيفة المحمل طيبة الريح.
عكس ذلك
روي أن رجلا سأل بلالا وقد أقبل من الحلبة من سبق، فقال: المقربون فقال السائل: سألتك عن الخيل فقال: أنا أجبتك بالخير. قيل لعمرو بن عبيد ما البلاغة؟ فقال ما بلغ بك الجنة وعدل بك عن النار. وقيل لأبي الدرداء وكان مريضا: ما تشتكي؟ قال:
ذنوبي فقيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة، فقيل أندعو لك طبيبا قال: الطبيب أمرضني.
وجاز الشبلي بمن يقول السعتر البري فتواجد، فقيل له ما يقول؟ قال يقول الساعة ترى بري. وأمّ أبو العلا عمرا يوما فلما قال استووا غشي عليه. وقال: قد وقع بقلبي هل استوى معي طرفة عين.
أنواع مختلفة
قيل ليحيى بن معاذ: ما بال أبناء الدنيا يحبون الزاهدين وهم يفرون منهم، قال: ذلك كالدباغ يستروح إلى العطار والعطار يفر من ريحه. وقال ابن أبي الورد:
إبليس يقول من ظن أنه نجا مني فبجهله وقع في حبائلي. ومرّ داوود الطائي برطب فقال لبائعه انسئني بدرهم لغد فأبى فتبعه رجل وعرض عليه المال، فوجده يقول: يا نفس تريدين الجنة وأنت لا تساوين درهما، وأبى قبول المال، وقال: إنما أردت أن أعرف نفسي قدرها.
وقال راهب: إزهد في الدنيا ودع أهلها. وكن مثل النحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن
стр. 1216
أطعمت أطعمت طيبا وإن وقعت على عودة لم تنكسر. وقالت امرأة العزيز: الحمد لله الذي جعل العبيد بطاعته ملوكا والملوك بمعصيته عبيدا.
وقيل: المحسن في معاده كالغائب يرد إلى أهله مسرورا والمسيء كالآبق يرد مأسورا.
وقيل في قوله ﷺ : نية المرء خير من عمله، أي خير يعد من عمله وليس من للتفصيل. وقال ابن عباس: كنا نحدث عن رسول الله ﷺ قبل أن يركب الناس الصعب والذلول فلما ركبوهما أقلنا.
وقال الزهري: حدثني فلان وفلان قبل تلاطخ الأحاديث. وقال الحسن: يا ابن آدم تحب الصالحين وتفر من أعمالهم وتبغض الفجار وأنت منهم. وعن بعضهم أنه قال: ما معي من الصلاح غير حبي لأهله. وقال ﷺ : المرء مع من أحب.
(٢) وممّا جاء في المذاهب المختلفة
اختلاف أقوال غير أهل الكتاب في العالم
قال أهل الدهر جميعا: العالم كله قديم الطينة والصنعة وأهل هذه المقالة مختلفون، فمنهم من قال إنه أربعة أشياء حر وبرد ويبس وبلة ومعها روح سائح في جميعها يديرها ويصورها ولا أول له ولا آخر، وقال آخر: الأشياء صنعت نفسها وصنعت بعضها بعضا.
وقالت السمنية: لم تزل الأشياء منتقلة كانتقال البيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة.
وقال بلعام بن باعوراء: العالم قديم وله مدبر خلافه في جميع معانيه. وقال بعض الملحدة العالم جوهرة قديمة وهي في ذاتها واحدة لا اختلاف فيها ولكنها تختلف على قد الالتقاء والمماسة وعلى الحركات فتصير رطوبة وحر أو برد أو يبسا. وقال أرسطو: الهيولى أصل طينة العالم قديمة ومعناها أصل الشيء كالفضة أصل الدراهم. وقال الصابئون: النور قديم لم يزل وهو خالق الظلمة.
وقالوا: الشيطان كلمة الله لا خلقه وزعموا أن الظلمة تقب على النور امتزاجا فما كان من خبر فمن الله وعمله ومن شر فمن الشيطان. وقول المجوس مثله لكنهم تفردوا أنهم زعموا إن النور يخلق كل حسن والظلمة تخلف كل قبيح. وقالت الجرمية: أصل العالم النور فمسخ بعضه بعضا فاستحالت ظلمة. وقالت الثنوية بالنور والظلمة. وأن للنور خمسة أجناس، الضياء والنسيم والماء والنار والروح. والظلمة خمسة أشياء الدخان والحريق والظلمة والسموم والضباب، فخالط الدخان النسيم وخالط الحريق النار وخالط النور الظلمة وخالط الريح السموم وخالط الضباب الماء، فما كان محمودا منها فمن النور أو مذموما فمن الظلمة. وزعموا أن هذه
стр. 1217
الأجناس من الظلمة لما خالطت أجناس النور عمد النور فبنى فيها عشر سموات وثمان أرضين وعمد إلى أكابر الشياطين فشدهم في السموات وكبس العفاريت تحت الأرض ووكل ملكا بإدارة السموات ليشد ما فيها فيمنعها من الصعود إلى النور، ووكل ملكا بحمل السماوات وآخر بحمل الأرضين ووكل الجو بأسفل الأرض إلى أعلى السموات.
وقالت المجوس: الأشياء شيئان قديمان سميعان بصيران، وزعموا أن الله كان وحده ولا شيء معه فلما طالت وحدته فكر فتولد من فكرته أهرمن وهو إبليس، فلما مثل بين يديه أراد قتله فامتنع عليه وسالمه إلى غايته، وزعموا أن العالم جوهر والظلمة والنور فيه غريب مجتاز، وزعموا أن للثلاثين يوما كل يوم ملائكة إلا أهرمن فإن الله تعالى قالوا وكل ما يقرب من أهرمن من الأيام فهو أقرب منه في المنزلة.
وعظموا النار لكونها من جنس النور وزعمواأن العذاب في الجحيم البرد لأنه لما جاء زردشت إلى بلخ وادعى بها النبوة كان البرد فيها يعظم. وزعموا أن كل مؤذ من خلق أهرمن وكل نافع من خلق الله. وقالوا الفأرة من خلق الله والهرة من خلق الشيطان.
وزعموا أن سنورا لو بال في البحر يقتل عشر آلاف سمكة والسمك أحق أن يكون من خلق الشيطان لأنه يأكل بعضه بعضا ويأكل من غرق من الناس، وشرّع لهم نيك الأمهات والتوضؤ ببول البقر لما رآهم في غاية الغباوة.
وقالت السوفسطائية الأشياء على الحسبان نظنها ظنا ولا نعرف لها حقيقة استدلالا بأنا نرى الأشياء في المنام كما نراها في اليقظة، فلا ندري العالم قديم أم محدث. وأما البراهمة فاختلفوا فمنهم من قال بقدم العالم، فقال: المدبرات هي النجوم، ومن قال محدثة. غير أنهم نفوا النبوات.
وأما عبدة الأصنام من العرب فقد أثبتوا الصانع قديما والأشياء محدثة وزعموا أن ذلك يقربهم إلى الله، وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. والفلاسفة يثبتون أشياء كثيرة ثم يسمون واحدا منها ملك الأملاك ويجعلونه رأسا على ما يعبدون.
اختلاف أهل الكتب غير الإسلام
فمنهم اليهود فعامتهم جعلوه لحما ودما كمقالة مقاتل بن سليمان. وقال أبيض الرأس واللحية، والسامرية لا يشبه شيئا والأصبهانية عزير ابن الله، وعامة اليهود تقول ذلك لا على معنى يعقل. وقالوا ذلك من أجل أن بختنصّر لما هدم بيت المقدس وقتل قراء التوراة كان عزير صغيرا فلم يقتله، ثم مات عزير ببابل ورجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس، ولم يكن معهم أحد ليجدد لهم التوراة، فلما بعث الله عزيرا أتاهم، وقال: أنا عزير فكذبوه، وقالوا:
إن كنت إياه فأمل علينا التوراة ففعل، فقال بعضهم أبي حدثني أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في أصل كرم لنا فانطلقوا فاستخرجوها ونظروا فإذا هو لم يغادر منها شيئا، فقالوا:
ما قدر على هذا إلا وهو ابن الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
стр. 1218
النّصارى
النسطورية واليعقوبية والملكانية واللاهوتية والصقالبة. فالنسطورية منسوبون إلى نسطور الاسكندراني «١» ، يقول: عيسى كلمة الله وروحه حلت في بطن مريم بطبيعة لاهوتية. ويقولون أنه ليس بجسم، وفي عيسى روحان قديم ومحدث. والملكانية وصاحبهم توقياس قالوا ليس في عيسى نفس مخلوقة والله إسم لثلاثة معان أب وابن وجوهر ثالث وهو روح القدس. واليعقوبية إلى يعقوب يقولون عيسى كلمة الله وكلمة الله لا لحم ولا دم، ثم نزل في بطن مريم ﵍ فاتخذ من لحمها هيكلا فصارت الكلمة لحما ودما فذلك هو الابن اللاهوتي، وكان في مكان ثم صار في مكان وهم ينالون مذهبهم للفظة زعموها في الإنجيل. والصابئون هم قوم من النصارى الصقالبة يقرون بالخالق ويسمونه نعم، وكان له ولد فغرقت الدنيا ولم يبق إلا الله كأنهم يعنون نوحا.
المتبجّح بالتّعطيل
قال أبو نواس:
وأيسر ما أبثّك أنّ قلبي ... بتصديق القيامة غير صاف
وقال ديك الجن:
أأترك لذة الصهباء عمدا ... لما وعدوه من لبن وخمر «٢»
حياة ثم موت ثم بعث ... حديث خرافة يا أم عمرو
وغضب الفضل بن الربيع على أبي نواس، وقال أنت القائل:
يا أحمد المرتجى في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السماوات
فقال: نعم، فسأل جماعة الفقهاء عنه فكل قال بحل دمه، فقال أبو نواس إن كنتم قلتم ذلك من عقولكم فقبحا لها وتخمينا، فما أبعدكم من العقل هل للسماء من جبر أو كان بها كسر فاحتيج إلى أن تجبر. قال بعض الثنوية:
عجب لكسرى وإيوانه ... وغسل الوجوه ببول البقر
وقيصر لمّا ثوى عاكفا ... لما عملته أكفّ البشر
وعجب اليهود بربّ يسرّ ... بسفك الدماء وشمّ القذر
وعند النصارى طريق النجاة ... بشرب الخمور وترك الزّفر
وقوم يرومون بيت الحرام ... لرمي الجمار وحلق الشعر
стр. 1219
يعيبون إذا أبصروا ساجدا ... لشمس النهار وضوء القمر
ذمّ المتبجّح بالميل إلى الزّندقة والتّمجّس
قال شاعر:
ليس بزنديق ولكنّما ... أراد أن يوسم بالظّفر
وقال:
تزندق معلنا ليقول قوم ... إذا ذكروه زنديق ظريف
فقد بقي التّزندق فيه وسما ... وما قيل الظريف ولا اللطيف
وقال:
إذا ذكر أشرك في مجلس ... أضاءت وجوه بني برمك «١»
فإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك «٢»
وقال:
يصيح لكسرى حين يسمع ذكره ... بصمّاء عن ذكر النبيّ صدوف
ويعجبه أخبار كسرى ورهطه ... وما هو في أعلاجهم بشريف «٣»
وقال علي بن الحسين الكاتب في الكندي:
ما أرغب الكنديّ في الزّندقه ... تعسا ليعقوب فما أحمقه
لو علّق الكنديّ في حلقه ... قلفة ناء أبدا مخنقه
ما كان إلا مؤمنا مسلما ... لا غفر الله لمن زندقه
نوادر لمن أسلم عن كفر
قيل لمجوسي أسلم، وكان يتعاطى كل ما يتعاطاه في التمجس: ما أحسن ما عملت أسقطت عن نفسك الجزية؟ وأسلم نصراني فقالت أمه: سخنت عيناك، محمد لم يعرفك والمسيح تبرأ منك. ولمّا أسلم صاعد قصده أبو العيناء مرتين فوجده يصلّي، فقال: لكل جديد لذة. وأسلم رجل فقيل له صلّ اليوم فقال لا أبتدئ اليوم بالصلاة والقمر في المحاق.
نوادر من مال إلى الكفر
سئل زنديق عن الأضحى فقال: وباء كل سنة يقع في الأغنام والبقر. وختن رجل إبنه
стр. 1220
فقال: أوه قتلتني، فقال: إنما قتلك أبوك إبراهيم. ولما أسر عيينة بن حصن دخل المدينة فقال له رجل: يا منافق فقال يا بارد متى كنت مسلما حتى أكون منافقا.
(٣) نوادر في مناظرة النّصارى والمجوس واليهود
قال بعض المتكلمين لبعض النصارى: لم قلتم إن لله تعالى ولدا؟ فقال: لأن كل من لم يكن له ولد يكون عقيما وهو وصف نقص. قال: فهل للابن ابن؟ قال: لا، قال: فإذا يكون عقيما.
وجلس المأمون وبحضرته المتكلمون والجاثليق فأقبل الموبذ فقال: يا أمير المؤمنين أتحب أن أضحكك من الموبذ، فأقبل على الموبذ وقال: هذا يزعم أن باب الجنة في حرامه، فكما أكثر من جماعه كان أقرب إلى باب الجنة. فقال الموبذ: ما كنا نفعل ذلك حتى أخبرنا أن إلهكم خرج من ذلك، فأخجله، وضحك المأمون حتى فحص برجله.
وقيل: أول ما ظهر من كيس إياس بن معاوية أنه كان في المكتب فسمع عند المعلم نصارى يعيبون الإسلام، فقال: من العجب أنكم تقولون إنكم في الجنة تأكلون وتشربون ولا تتغوطون. فقال إياس: أفما علمتم أن الدنيا مرآة الآخرة قالوا: نعم. قال: أفكل ما يؤكل في الدنيا يخرج غائطا. قالوا: لا، قال: فأين يذهب؟ قالوا غذاء قال: فما يبعد أن يكون كل ما يؤكل في الجنة يكون غذاء، فقال المعلم: قاتلك الله منكرا.
وقال يهودي لمسلم: أنتم قريبو العهد بنبيكم وافتتنتم. فقال: أنتم ما جفت أقدامكم من البحر حتى قلتم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. وناظر المأمون ثنويا، فقال: أخبرني هل ندم مسيء على فعله قط؟ قال: نعم، قال: فالندم على الإساءة ما هو؟ قال: إحسان، لكني أقول إن الذي أحسن غير الذي أساء، قال: فهذا الذي ندم على فعله أو فعل غيره فأفحمه.
وغرق مجوسي في البحر فجعل يقول يا نار فارس يا نار أذربيجان، فقال قل يا رب النار فإنك لو وقعت موقعها لكنت أسوأ حالا منك.
وقال أبو الهذيل لمجوسي: ما تقول في النار؟ قال: بنية الله، قال: فالبقر، قال:
ملائكة الله تعالى، قال: فالماء، قال: نور الله، قال: فالجوع والعطش، قال: هما فقرا بهمن وفاقته، قال: فمن يحمل الأرض، قال: بهمن الملك، قال: بئسما عملتم، أخذتم الملائكة ذبحتموها ثم غسلتموها بنور الله ثم شويتموها ببنت الله ثم دفعتموها إلى فقر الشيطان وفاقته ثم سلحتموها على الملك.
المتبجّح بارتكاب المحظور المحتجّ له
قيل لأبي الطمحان: ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلة الدير نزلت على نصرانية فأكلت
стр. 1221
عندها طنشيلا بلحم خنزير وشربت من خمرها وزنيت بها وسرقت كساءها. وقيل لرجل من أين؟ فقال من دير ليلى، وزنت درهمين وأكلت رغيفين وشربت رطلين وعملت فردين ولم أبع نقدا بدين. ورؤي شيخ بعفج أتانا يوم الجمعة وكلما ضرطت صلّى على النبي ﷺ ، فقيل له: تنيك أتانا. فقال: عوّضني عنها أختك وأنا أترك الأتان، فقيل له في يوم الجمعة، فقال: تضمنها إلى يوم السبت. فقيل له: ولم تصلي على النبي ﷺ فقال لأير يضرط الأتان.
اختلاف الناس في القدر
قالت عامة المعتزلة: إن الله يقدر على فعل الظلم ولكن لا يفعل والدلالة على القدرة على ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
«١» ، وقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
«٢» وإنما يتمدح بذلك من قدر على ضده. وقال بعضهم: لا يوصف بأنه قادر على الظلم. وقال بعضهم: لا يقدر على ذلك وقال جهم بن صفوان: إن الله تعالى يفعل ما نعتقده ظلما لكنه عدل. وقالت المعتزلة: قدرتنا تصلح للضدين. وقال جهم: تصلح لأحدهما فالكافر لم تجعل له قدرة على الإيمان والمؤمن لم تجعل له قدرة على الكفر.
من ذهب مذهب أحد الفريقين من الشّعراء
قال بعض العلماء: قد ذهب الأعشى مذهب المعتزلة في قوله:
استأثر الله بالوفاء وبالعد ... ل وولّى الملامة الرّجلا
وقال صالح بن عبد القدوس:
ولا أقول إذا ما جئت فاحشة ... إنّي على الذنب محمول ومجبور
وقال:
لم تخل أفعالنا اللاتي نذلّ بها ... إحدى ثلاث خصال في معانيها
إما تفرّد مولانا بصنعتها ... فاللوم يسقط عنّا حين نأتيها
فكان يشركنا فاللوم يلحقه ... إن كان يلحقنا من لائم فيها
ولم يكن لإلهى في جنايتها ... صنع فما الصنع إلا ذنب جانيها
وقال الصاحب:
اصفع المجبر الذي ... بقضا السوء قد رضى
فإذا قال لم فعلت ... فقل هكذا قضى
الزامات في المناظرة لمن ذهب مذهب المعتزلة
قال أبو العتاهية لثمامة: ألا ترضى من خلق المعاصي ربا قال لا ولا عبدا. وحضر
стр. 1222
يوما عند الرشيد فحرك أبو العتاهية أصبعه، وقال لثمامة: من حرك هذا، قال ابن زانية، فقال أبو العتاهية أفتوني، فقال ثمامة: إن قلت إني حركتها فقد تركت المذهب وإن قلت حركها غيري فلم أشتمك وإنما شتمته.
إلزامات مخالفيهم
صحب مجوسي معتزليا فقال: ما بالك لا تسلم؟ فقال: حتى يشاء الله. قال: قد شاء الله ولكن الشيطان لا يدعك، فقال: أنا مع أقواهما.
النّهي عن الخوض في ذكر القدر
روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : آخر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة.
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن القدر: إن الله لا يطالب بما قضى وقدر وإنما يطالب بما نهى وأمر. وقال الأصمعي: سألت أعرابيا عن القدر فقال: ذاك علم اعتصمت فيه الظنون واختلف فيه المختلفون فالواجب علينا أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه.
وذكر القدر عند أعرابي، فقال: الناظر في القدر كالناظر في ضوء الشمس يعرف ضوءها ولا يقف على حدودها. وقيل: اختصمت بنو إسرائيل في القدر خمسمائة سنة ثم صاروا إلى عالم فسألوه عنه، فقال: القدر حرمان للعاقل وظفر للجاهل ولم يعرف القدماء القدلر
حماقات لعوام المجبرة
قال أبو المنذر وكان من أجلّة القرّاء المصريين: ما كان موسى إلّا قدريا حيث قال وما أنسانيه إلا الشيطان. وقال: هذا من عمل الشيطان. وقال: لا أملك إلا نفسي وأخي فلم يرض أن ادعى أن يملك نفسه حتى ادعى أنه يملك أخاه. ووجد عامي رجلا يفجر بجاريته في دهليزه فأراد رفعه إلى السلطان فقال: اتّق الله فهذا قضاء الله عليّ فقال قد عفوت عنك لمعرفتك بالسنة.
ومر جعفر بن حرب برجل يقول ما سرق مالي بعد الله إلا فلان فاطلبوه، فقيل له:
قد ظفرت بأحد اللصين فكر وراء الآخر. وانكسرت رجل رجل فقيل له أطلب مجبرا يجبرها، فقال: معاذ الله أيكسره الله وأجبره أنا، إنّي إذا عاديته. وكان عبادة مجبرا فناظره الزيادي عند المتوكل، فقال: أترضى بقضاء الله، قال: نعم، قال: إن دخلت دارك ورأيت رجلا مع إمرأتك أليس ذلك بقضاء الله قال ما عندي جواب. فإني إن قلت رضيت أكون ديوثا وإن قلت لم أرض أكون قدريا فسقط المتوكل ضحكا.
حكايات عن الأوائل
حكى بعض الأوائل أن عبد الله بن الحسن قال لابنه محمد: يا محمد إن لامك
стр. 1223
لائم في العزل فما يكون من جوابك قال: أقول أتلومني على ما أقدر على تركه أم على ما لا أقدر على تركه، فإن قال على ما لا تقدر على تركه قلت له: كيف أترك ما لا أقدر على تركه، وإن قال الأخرى، قلت له: صرت على قولي. قال: لله درك.
وقال موسى بن جعفر: ليس من العدل أن يشترك إثنان في فعل فيعذر القوي ويلام الضعيف، يعني ما يقوله الأشعرية ما من حركة ولا سكون إلا والله خالقه والعبد مكتسبه.
وقال بعضهم: لو كان الزنا مما قاضى الله لكان الرضا به خيرة لإجماع الناس على قولهم الخيرة فيما قضى الله. وقيل: إن الحسن لما بلغه قول الحجاج بعد قتله لسعيد بن جبير الله قتله، قال: لعن الله قوما باتوا وأقلامهم تجري بدماء المسلمين وأموالهم. يقولون إنما تجري بأقلام الله وكذبوا لأن أقلام الله تجري بالبر والتقوى وأقلامهم تجري بالإثم والعدوان فإن كذبوا زعموا أن الله قد أسر عندهم كتابا نهاهم عنه في العلانية، لقد اغتشوا ربهم واتهموه وقالوا عنه قولا عظيما.
وقال محمد بن سيرين لرجل كيف جارك النصراني؟ قال كما شاء الله، قال: قل كما علم الله إن الله لا يشأ المعاصي. وأتي عمر بسارق فقال له ما حملك؟ قال:
قضاء الله، فقطع يده وقال هذه للسرقة، وجلده وقال هذه لكذبك على الله. وسئل ابن خفيف: هل منع إبليس من السجود أو امتنع، فقال منع في لسان حكمه وامتنع في لسان ملكه.
وقيل ليحيى بن معاذ: إنّ الله ضمن أرزاقنا اضمنها حلالا أم حراما، فقال إن الله وعدنا شيئين فإن وفينا له وفى لنا. أوجب الطاعة على أن يجعل لنا الجنة وأوجب الصبر على أن يطعمنا الحلال فإن صبرنا أكلنا الحلال وإن لم نصبر وقعنا في الحرام.
الإيعاد والإستطاعة
قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: أتيأس لناس من عفو ربهم، والعرب تتمدح بإنجاز مواعيدها وتناسى وعيدها، وعلى ذلك قول الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وروي أن عمرا قال: إن الشاعر قد يذمّ بعض ما يمدح فأين أنت عن كتاب الله ما يبدل القول لدي وأن أبيت إلّا الشعر، فقل كما قال الأول:
إنّ أبا ثابت لمجتمع الرأ ... ي كريم الآباء والبيت
لا يثبت الوعد والوعيد ولا ... يثبت من ثاره على فوت
وقيل: ثلاثة ضمنهن الله على نفسه إن الله لا يضيع أجر المحسنين، إن الله لا يهدي كيد الخائنين، إن الله لا يصلح عمل المفسدين. ورأى محمد بن سويد بخاريا فقال
стр. 1224
البخاري: أتقول لا استطاعة قبل الفعل وما من عامي إلا ويعلم خلاف قولك، فقال: بل يعلم خلاف قولك فانظر، فدعا بحمال فقال: إن هذا يزعم أنك لا تستطيع حمل هذا الكور. فقال: أم الذي يقول هذا ألف فاعلة.
خلق القرآن
قال الذهبي: سألت جعفر بن محمد عن القرآن فقال: لا أقول خالق ولا مخلوق. واحتج بهذا أحمد بن حنبل ﵁ على المعتصم فقال ابن أبي داوود: أين حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ : ما خلق الله خلقا أعظم من آية الكرسيّ وكان الخليل يمنع أن يوصف الكلام بالمخلوق، فيقول: الكلام متى وصف بالخلق فالقصد به الكذب ولهذا يقال هذا كلام خلقه فلان أي تقوّله. وقال بعضهم:
أصفه بأنه محدث ولا أقول أنه مخلوق لقوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
«١» . وسمع مخنث رجلا يقرأ قراءة قبيحة فقال أظن هذا القرآن الذي يزعم ابن أبي داوود أنه مخلوق. قال أبو العالية:
لو كان رأيك منسوبا إلى رشد ... وكان عزمك عزما فيه توفيق
لكان في الفقه شغل لو قنعت به ... عن أن تقول كلام الله مخلوق
ماذا عليك وأصل الدين يجمعكم ... ما كان في الفرع لولا الجهل والموق «٢»
وكان بعض القصاص بأصبهان يتشدد في خلق القرآن، فسئل عن معاوية هل كان مخلوقا، فقال: نعوذ بالله من نهايات الجهالات.
رؤية الله تعالى وتقدّس
من نفى عنه الرؤية احتج بقوله تعالى: لَنْ تَرانِي
«٣» وذلك مذكور على طريق التمدح فلا يختص به وقت دون وقت ومخالفوه احتجوا بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
. «٤» وقالت عائشة ﵂: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفريّة على الله، ولكنه قد رأى جبريل مرتين في صورته وخلقه سادا ما بين الأفق.
وقال ابن عباس لقد رأى من آيات ربه الكبرى أنه رأى جبرئيل على رفرف قد سد أفق السماء وروي أن أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه سمع رجلا يقول والذي احتجب بسبع سماوات، فقال: إن الله لا يحجبه شيء عن شيء، فقال هل أكفر عن يميني قال لا لأنك حلفت بغير الله ومن حلف بغيره لا تلزمه.
стр. 1225
(٤) وممّا جاء في الأنبياء والمتنبئين
أدلّة نبوّة النبي من القرآن
إعجاز العرب عن الإتيان بمثل القرآن، حيث قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
«١» فلم يقدروا مع فصاحتهم وبلاغتهم على الإتيان بمثله وإخباره عن غيوب تحققت نحو: الم غُلِبَتِ الرُّومُ
«٢» فكان كما ذكر.
وقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
«٣» ، يعني فتح مكة فكان. وقال: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ ...
«٤» الآية، فكان كما قال وقال: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ ... الْعِلْمِ
«٥» الآية فوعدوه إلى وادي باهلة، فقال: والذي نفسي بيده إن باهلوا أضرم الله عليهم الوادي فامتنعوا. وقال: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
، «٦» ، كانوا: الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن عبد المطلب والعاص بن وائل والحارث بن الطلاطلة فنزل جبريل ﵇ وقال: إذا طافوا بالبيت فاسأل فيهم ما أحببت حتى أفعل، فمر به الأسود فرمى في وجهه بورقة خضراء. وقال اللهم أعم بصره وأثكله ولده ففعل، ومر بالأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى بطنه فشق فمات، ومر به الوليد بن المغيرة فاندمل جرح ببطنه فمات، ومرّ به العاص فأشار إلى أخمص رجله فدخل به شوك فمات، ومر به الحارث فأومأ إليه فتفقأ قيحا فمات.
معجزاته المشهورة من فعلاته وأخباره الدالّة على صدقه
لما أصاب مضر الجهد ونهكهم الأزل سألوه أن يسأل الله تعالى الغيث لهم فسأل فأتاهم ما هدم بيوتهم، حتى قال ﷺ حوالينا ولا علينا. فأمطر الله تعالى ما حولهم وأمسك عنهم.
وكتب ﵊ إلى كسرى وبدأ باسمه فمزق كتابه، فقال: اللهم مزق ملكه كل ممزق، فجذّ الله تعالى أصله، فكل ملك له بقية إلا ملكه. وكتب كسرى إلى فيروز الديلمي أن أحمل إليّ رأس هذا العبد الذي بدأ باسمه قبل اسمي ودعاني إلى غير ديني فأباه فيروز، فقال: إن ربي أمرني أن أحملك إليه، فقال ﷺ :
إن ربي أخبرني أنه قتل ربك البارحة فألبث، فإن جاءك ما دلّ على صدقي، وإلا فأنت
стр. 1226
على رأس أمرك، فأتاه الخبر أن شيرويه قتل أباه في الليلة التي ذكرها ﷺ فأسلم فيروز وحسن إسلامه، وهو الذي قتل مسيلمة وقال في زيد بن صوحان يسبقه عضو منه إلى الجنة فقطعت يده في يوم نهاوند.
وقال عمر ﵁: فلأنزعنّ ثنيتي سهيل بن عمرو فلا يقوم عليك خطيبا قال:
فعسى يقوم مقاما محمودا فكان منه ما بلغنا حين هاج أهل مكة عند موته ﷺ وضلت ناقته، فقالت قريش: إن هذا يخبرنا عن السماء ولا يدري أين ناقته فصعد المنبر وخطب، فقال:
إني لا أعلم إلا ما علمني الله وقد أخبرني أنها في وادي كذا وتعلق زمامها بشجرة فوجدوها.
كذلك وأخبار الأمم بذلك كثيرة وكلمته الذراع المسمومة والذئب والبعير وأظلته غمامة وحنّ إليه عود المنبر وأطعم عشرا من ثريدة وسقى عالما ووضأهم بميضأة في جسم صاع وأمرّ يده على ضرع شاة حائل حتى عادت كالحامل، وما أرى أبا جهل حين أهوى بالصخرة نحو رأسه فهوى له فحل ليلقم رأسه فرمى الصخرة وعاد إلى أصحابه ممتقع اللون، فقال كان كذا وكذا.
ما دلّ على نبوّته من أخبار الفرس
قيل: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ إرتجس إيوان كسرى فسقطت منه اثنتا عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تكن خمدت قبل بألف عام، وغارت بحيرة ساوة، فجمع كسرى الأكابر وأخبرهم. فقال الموبذان: وأنا قد رأيت الليلة إبلا صغارا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادنا، فقال وما هو قال: حادث يكون من العرب.
فكتب إلى النعمان بن المنذر أن أبعث إليّ عالما فبعث إليه بعبد المسيح بن عمرو بن نفيلة الغسّاني فلما أخبره، قال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشأم فقال له: إذهب وائتني بخبره فذهب وقال له، أصم لم يسمع غطريف اليمن.
فلما رفع صوته رفع سطيح رأسه وقال عبد المسيح على جمل مشيح إلى سطيح وقد أوفى على الضريح بعثك ملك ساسان لارتجاج الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان، ثم قال: يا عبد المسيح إذا بعث صاحب الهراوة وكثرت التلاوة وفاض وادي سماوه وغاضت بحيرة ساوه وخمدت نار فارس فليست الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك على عدد الشرافات وكل ما هو آت آت فأثار عبد المسيح راحلته وهو- يقول:
شمّر فإنك ماضي الأمر شمير ... لا يفزعنّك تفريق وتغيير
الخير والشر مقرونان في قرن ... والخير متبع والشرّ محذور
стр. 1227
ما دلّ على نبوّته ممّا أنزل الله تعالى في الكتب الأول
قال الله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ
«١» واسمه مشفع ومعناه محمد.
كثرة آيات الأنبياء وقلتها
قال العلماء ﵃: إنما كثر أعلام موسى لأن عمله كان مع غباوة بني إسرائيل ونقصان أحلام القبط. قال الجاحظ: ومتى أردت ذلك فانظر إلى بقاياهم هل لهم حكمة أو مثل أو شعر. وانظر إلى أولادهم مع طول لبثهم معنا هل تغيرت بذلك أخلاقهم، ثم من غباوتهم ما حكى الله تعالى عنهم في قولهم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
وأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
وفَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
«٢» وآياتهم انقطعت بموتهم وعرفها من بعدهم وجعل من معجزات نبينا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأشرك الله تعالى فيه السلف وجعله باقيا على مرور الأزمان.
من ادّعى النبوّة برقاعة غير حذق
قيل للأحنف وكان ممن زف سجاح إلى مسيلمة: ما وجدته؟ قال: ما هو بنبي صادق ولا متنبئ حاذق، وفيها يقول:
أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء الله ذكرانا
ولما تنبأت سجاح أتبعها ناس كثير من بني تغلب ومسيلمة باليمامة، وكان أصحاب سجاح يكذبون مسيلمة وأصحاب مسيلمة يكذبون سجاح، فقالت سجاح: نذهب إليه فإن كان نبيا أطعناه فذهبت بقومها فأغلق باب حصنه وشارطها على الدخول وحدها فلما خلت به قالت: ما أنزل عليك؟ قال إنه يحل لي أن أنكح المتزوجات وتصبو إليّ المرأة الفضيلة تجدها فيّ وتدع زوجها، قالت: فهل من آية غيرها؟ قال: لم أؤمر بآية فأقلع عنها حتى تقبل أو ترد. قالت: فقد ركنت إلى ذلك، قال فاسمعي:
ألا قومي إلى النيك ... فقد هيء لك المضجع
فإن شئت علقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
ثم واقعها فخرجت إلى قومها فقالت: إني وجدت نبوّته صادقة وتزوجته فقالوا لها: إنا نكره رجوعنا بها بلا صداق، قال: قد حططت عنكم صلاة الفجر والعشار الأخيرة. وقيل لنبي ما دليلك؟ قال القرآن، أما قال الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
«٣» ، واسمي الفتح قالوا، فينبغي أن يشركك في النبوّة من اسمه اسمك. قال كم
стр. 1228
في الناس من محمد والله تعالى يقول: وما محمد إلا رسول.
ومن خرافات مسيلمة أنه كتب إلى رسول الله من مسيلمة إلى محمد أمّا بعد، فإن الأرض بيننا وبين قريش نصفان ولكن قريشا قوم يظلمون، فأجابه ﷺ من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
نوادر من تنبأ فقتل
تنبأ رجل في زمن ابن هبيرة فصلب فمرّ به خلف بن خليفة فقال: أما أنزل عليك قرآن؟ قال: نعم، إنّا أعطيناك الجماهر فصلّ لربك وجاهر إن عدوك هو الفاجر.
فقال ابن خليفة: إنا أعطيناك العمود فصلّ لربك على العود وأنا كفيلك أن لا تعود.
وادّعى رجل النبوة وادعى أنه نوح فصلب فمرّ به مجنون فقال: يا نوح لم تحصل من سفينتك إلا على دقل. وتنبأ آخر في زمن الرشيد فضربه بالسياط فأخذ يصيح، فقال له المأمون اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فاستطار الرشيد إعجابا بقوله وتنبأ رجل فأمر بضربه والطواف به، فجعل يقول:
أنا مالي والنبوّة ... ليس لي بالناس قوّه
تركوا بطني وظهري ... فيهما عشرون كوّه
متنبئ طالبه سلطان بمعجزته فتخلص
تنبأ رجل في زمن المأمون فقال أنا إبراهيم الخليل فأحضره وقال: إن إبراهيم ألقي في النار فصارت عليه بردا وسلاما، فهلمّ نلقيك في النار لنعرف معجزتك، فقال: هات غير هذا، قال: ائتني بمثل براهين موسى وعيسى ﵉، قال جئتني بالطامة الكبرى.
قالوا: مالك معجزة، قال: سألتهم وقلت إنكم توجهونني إلى قوم شياطين فأعطوني حجة وإلّا لم أذهب، فقال جبريل: أخذت في الشؤم الساعة أذهب أولا وانظر ما يقولون فضحك المأمون، وقال: هذا هاجت به السوداء فخلّوا عنه.
وتنبأ آخر في زمن الواثق فأدخل عليه وهو على بركة، فقال له: اضرب بعصاك هذا الماء حتى ينفلق، فقال حتى تقول أنا ربكم الأعلى. وقيل لآخر: ما معجزتك؟
قال ائتنوني بجارية أحبلها حتى يكلمكم جنينها فقالوا هذه الشاة إن أحبلتها فأنت نبي، فقال أنتم تريدون تيسا لا نبيا. وقيل لآخر: ما نبوتك؟ فقال: في حرام من يشك في نبوتي، فقال: عبادة أشهد بنبوّتك. وتنبأ آخر في زمن المعتصم وقال: أحيي الموتى ائتني بسيف أضرب به عنق ابن أبي داود ثم أحييه، فقال ابن أبي داود آمنت بك. وأتى المأمون بآخر فقال له: ما تقول؟ قال: قال لي ربي لا تكلم المأمون بشيء واذهب إلى الهند فضحك وأطلقه. وأتى المهدي بمتنبئ فقال له إلى من بعثت؟
فقال: أو تركتموني بعثت بالغداة فحبست بالعشي؟
стр. 1229
(٥) ومما جاء في مبدأ القرآن ونزوله
قال النبي ﷺ : بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا فرفعت رأسي فإذا بالملك الذي جاءني على كرسي بين السماء والأرض، فجئت خديجة فقلت: زمّلوني زمّلوني فأنزل الله تعالى:
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
«١» وعن جابر أن ذلك أول ما نزل.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى اعنه أوّل ما نزل من الوحي: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
«٢» ون وَالْقَلَمِ
«٣» . وقال الزهري: أوّل آية نزلت في القتال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
«٤» .
وقال علقمة: كل ما في القرآن من قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ
. فإنه نزل بالمدينة.
و (ظلموا الناس) فإنه نزل بمكة.
وقيل: نزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل في عشرين سنة، وذلك قوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ ...
«٥» (الآية) .
وقال البراء: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ
«٦» وقال ابن عبّاس: آخر آية نزلت: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
«٧» فمات ﷺ بعد نزولها بليال.
وقيل: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا والوالدين.
جمع المصاحف
كان رسول الله ﷺ إذا نزلت سورة قال: ضعوا هذه في الموضع الذي ذكر فيه كذا.
وروي أن عمر ﵁ كان قد جمع القرآن في مصحف، كان عند حفصة وهو الذي أرسل مروان فيه وهو والي المدينة إلى عبد الله بن عمر يوم ماتت حفصة فأمر بإحراقه مخافة الاختلاف.
وقال أبو بكر إن عمر لما رأى القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة قال: إني لأخشى أن يذهب قرآن كثير، وإني أرى أن يجمع القرآن. فقلت: كيف أفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: إنه لخير. فشرح الله صدري ففعلت.
стр. 1230
وقيل: أول من جمع القرآن بين لوحين أبو بكر ﵁. وقال زيد بن ثابت:
دعاني أبو بكر وقال: إنك رجل شاب وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فاجمع القرآن واكتبه ففعلت.
قيل: أحرق عثمان رضي الله تعالى عنه مصحف ابن مسعود، وإن ابن مسعود كان يقول لو ملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم كذلك، وأحرق مروان مصحف عمر ﵁. وقيل: القرآن ثلاثمائة ألف حرف وواحد وعشرون حرفا، وهو ستة آلاف وستمائة وتسع وتسعون آية.
ما ادّعى أنّه من القرآن ممّا ليس في المصحف وما ادّعى أنه منه وليس فيه
أثبت زيد بن ثابت سورتي القنوت في القرآن، وأثبت ابن مسعود في مصحفه لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.
وروي: أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله تعالى لأثبت في المصحف، فقد نزلت: الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالا من الله والله شديد العذاب.
وقالت عائشة: لقد نزلت آية الرجم ورضاع الكبير وكانتا في رقعة تحت سريري وشغلنا بشكاة رسول الله ﷺ فدخلت داجن فأكلته. وقال علقمة: أتيت الشأم فجاء رجل فقعد إلى جنبي فقيل لي: هو أبو الدرداء، فقال: ممن أنت؟ قلت: من الكوفة، قال: أولم يكن فيكم صاحب السواك والنعلين والمطهرة يعني ابن مسعود، قلت: نعم فقال: أتحفظ كيف كان يقرأ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى؟
قلت: نعم هكذا أقرأنيه رسول الله ﷺ وفوه إلى فيّ فما زال هؤلاء بي حتى كادوا يردونني عنهما.
وأثبت ابن مسعود بسم الله في سورة البراءة. وقالت عائشة: كانت الأحزاب تقرأ في زمن رسول الله ﷺ مائة آية، فلما جمعه عثمان لم يجد إلا ما هو الآن. وكان فيه آية الرجم وأسقط ابن مسعود من مصحفه أم القرآن والمعوذتين.
قراءة تخالف صورة حروفها ما في المصحف أو ترتيبها
قرئ بدل كالعهن كالصوف، وبدّل فهي كالحجارة فكانت كالحجارة. وذكر بعض العلماء أن ابن عباس كان يجوز أن يقرأ القرآن بمعناه، واستدل بما روي عنه أنه كان يعلم رجلا طعام الأثيم فلم يكن يحسن الأثيم فقال: قل الفاجر. وليس ذلك بشيء فيما ذكره جلّ العلماء، لأن ابن عبّاس أراد أن يعرفه الأثيم فعرفه بمعناه لما أعياه، وقرئ بدل والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فاقطعوا أيمانهما.
следующие страницы →