Полный текст (1 556 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
فلما قدم النبي ﷺ صبيحة رابع مهل ذي الحجة، أمرهم أن يحلوا، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله وقال أيضا: لولا أني سقت الهدى لفعلت مثل الذي أمرتكم ولكن لا أتحلل من حرام حتى يبلغ الهدي «١» محله.
النيابة في الحجّ
روي أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع إن يستمسك على راحلته، فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال: نعم، قالت: أفينفعه ذلك، قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ينفعه؟ قالت: نعم فقال ﷺ :
ودين الله أحق أن يقضى.
وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ سمع رجلا يلبي عن شبرمة فقال: ومن شبرمة؟
قال: أخ لي أو قريب لي، قال: وهل حججت عن نفسك؟ قال: لا قال: هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمتك.
كيفيّة حجّة النّبي ﷺ
اختلفت الصحابة في حجّ النبي ﷺ فمنهم من قال أفرد، ومنهم من قال قرن، ومنهم من قال تمتّع. والصحيح هو الأول عند الشافعي رضي الله تعالى عنه لما روى جابر أن النبي ﷺ مكث تسع سنين لم يحجج، ثم أذن في الناس بالحج، فخرج وأحرم ﷺ ينتظر القضاء، ولم ينو أحد بهما فلما دخلنا مكة وسعينا بين الصفا والمروة نزل عليه القضاء بأن من ساق الهدى فليقم على إحرامه، ومن لم يسق فليجعلها عمرة.
وروى أنس ﵁ أنه قرن، فقال نافع: دخلت على ابن عمر فأخبرته بما قال فقال: رحم الله أنسا، إن أنسا كان يتولج على النساء متكشفات الرؤوس لصغره في ذلك الوقت وأنا كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يصيبني لغامها أسمعه يلبّي بالحج، وقال ﷺ :
لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة.
الإهلال بالحجّ وتقبيل الحجر والوقوف بعرفة
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ما بر الحج قال: العج والثج، فالعج الإهلال والثج النحر، وقال ﷺ إن الله يحب الشعث الغبر والثجاج والعجاج. وكان عمرو بن معد يكرب يقول: الحمد لله لقد رأيتنا من قريب ونحن إذا حججنا نقول:
لبيك تعظيما إليك عمرا ... نغدو بها مضمرات شزرا «٢»
قد تركوا الأوثان خلوا صفرا
стр. 1262
ونحن نقول اليوم كما علمنا النبي ﷺ : لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وأتى عمر بن الخطاب ﵁ الحجر فقبله وقال: إني أعلم أنك حجر أسود لا تضرّ ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وقال عروة بن مضرس رأيت النبي ﷺ وهو يجمع فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلي طيء، لم أدع جبلا إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال ﷺ : من صلّى هذه الصلاة معنا وقد وقف قبل ذلك بعرفة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه «١» .
دخول البيت والخروج منه
لا يجوز لأحد دخول الحرم إلا محرما إلا الحطابين والرعاة، وحرّم على المشركين دخول الحرم. وقال البراء: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها فجاء رجلا فدخل من بابه فقيل له في ذلك فنزلت هذه الآية: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
«٢» .
السّعي والطواف
قال عروة: قلت لعائشة ﵂ أرأيت قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ
«٣» (الآية) ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما قالت: بئسما قلت، يا ابن أختي، لأنها لو كانت على ما أولتها عليه لكانت أن لا يطوف بهما ولكنما أنزلت هذه الآية إن هذا الحي من الأنصار كانوا قبل أن أسلموا يتحرجون أن يطوفوا بالصفا والمروة فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية، ولما قدم النبي ﷺ وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: قدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى فقعد لهم المشركون فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة فصار ذلك سنة.
ما يجب للمحرّم تجنّبه
قال الله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
«٤» ورأى النبي ﷺ أعرابيا متضمخا بالحلوق فقال ﷺ : إنزع الجبة واغسل الصفرة، وكان ﷺ يتطيب لإحرامه. وروي أن النبي ﷺ نهى النساء عن القفازين والنقاب ومس الورس والزعفران.
وقال ﷺ : لا ينكح المحرم ولا ينكح. وحرم الله تعالى الصيد على المحرم في حال الإحرام، وأوجب فيه كفارة فقال تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
«٥» .
стр. 1263
الرّمي والحلق
روى ابن عباس قال: قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني المطلب على جمرات العقبة، وجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
وقال ابن عمر: وقف رسول الله ﷺ بمنى في حجة الوداع للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله نحرت قبل أن أرمي، فقال: إرم ولا حرج. قال: فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال إفعل ولا حرج.
حرم مكة والمدينة
قال رسول الله ﷺ : من قطع شجرة من الحرم صوّب الله رأسه في جهنم. وقال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا ينفر صيده ولا يعضد شوكة ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلي خلاه ولا يحل فيه القتال لأحد من بعدي. ولم يحلل إلا ساعة من نهار.
وقال ﷺ : صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فيما سواه. وقال ﵊: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدكم هذا والمسجد الأقصى. وحرم ما بين لأبتي المدينة ونهى عن الصيد فيه.
وقال: من أخذ رجلا يصيد فيه فله سلبه وسلب سعد بن أبي وقاص. من رآه يصيد في حرم المدينة فكلموه فيه، فقال: لا أرد عليكم طعمة أطعمنيها الله، ولكن إن شئتم أعطيتكم ثمن سلبه.
زيارة قبره ﷺ
قال رسول الله ﷺ : من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة. وقال: من صلّى عليّ عند قبري سمعته ومن صلّى عليّ من البعد سمعته.
إباحة المبايعة وكراهتها للحجّاج
قال ابن عباس ﵄: كان ذو المجان وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
«١» . وقالوا: ما حج ولكن دج أي خرج للتجارة، وقيل فلان حاج أو داج.
وقال الفضيل ﵀: وضعت مكة للعبادة والتوبة والحج والعمرة والزهادة
стр. 1264
وأعمال الآخرة ولم توضع للتجارة، ولا يغرنّك أقوام اتخذوا فيها حوانيت ويقولون نحن مجاورون وقد أعياهم الكسب في بلادهم فصاروا فيها تجارا، كذبوا ما هم بمجاورين إنما المجاور من هو مقيم بها للعبادة وعمل الآخرة، فينفق من فضل الله ما آتاه لله ولا يكسب فيها ولا يشغل نفسه بالكسب فيها، ولأن ترجع إلى بلدك فتشتري به وتبيع وتحج في كل عشرين سنة أحب إليّ من أن تكون مقيما بمكة تحج وتعتمر كل سنة وتبيع وتشتري فيها.
دخول البادية بلا راحلة ولا زاد
قال علي بن الموفق، وكان من كبار الصوفية متحققا مجتهدا: حججت ستين سنة فكنت سنة في محملي، فرأيت رجالة، فأحببت أن أمشي معهم، فنزلت ومشيت وتقدمت الناس ثم عدلنا إلى الطريق فنمت فرأيت في المنام جواري لم أر كحسنهنّ، معهنّ طسوت من ذهب وأباريق، فأقبلن على أولئك المشاة يغسلن أرجلهن حتى بقيت فأرادت واحدة أن تغسل رجلي، فقالت لها أخرى: ليس ذا منهم، هذا له محمل. فقالت: بلى أحبّ أن يماشيهم فغسلت رجلي فذهب عنّي كل تعب.
وسئل الجلاء عن رجال يدخلون البادية بلا زاد فقال: هم رجال الحق. قيل: فإن هلك أحدهم قال: الدية على العاقلة.
وقال بنان الحمال: دخلت بادية تبوك فاستوحشت، فهتف بي هاتف نقضت العهد تستوحش. أليس الحبيب معك؟ وقيل لبعضهم: أتدخل البادية بلا زاد؟ فقال: إن معي زادي وهو التقوى، أليس الله يقول: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. وأما الفقهاء فقد كرهوا ذلك لقول الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.
يوم النحر
وقف رسول الله ﷺ بين الجمرتين بمنى في الحجة التي حج، وذلك يوم النحر، فقال: هذا يوم الحج الأكبر. وقال ﷺ : أفضل الأيام عند الله تعالى يوم النحر.
الأضحية
روي أن النبي ﷺ ضحّى بكبشين أملحين أقرنين، يهلل ويكبر ويسمّي، وقال: البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة. وقال أمير المؤمنين ﵁: أمرنا النبي ﷺ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء، فالمقابلة التي يقطع طرف أذنها والشرقاء التي تشق أذنها. والخرقاء التي تخرق أذنها ونهى النبي ﷺ عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة، فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة المقدودة من أصلها والبخقاء التي تبخق عينها والمشيعة التي لا تزال تتبع الغنم عجفا وضعفا والكسراء الكسيرة.
стр. 1265
من تعاطى الخسارة بعلّة الحجّ
قال أبو علي البصير:
أتينا بعدكم مك ... ة حجّاجا وعمّارا
فلما شارف الحير ... ة حادي إبل حارا
فقلت أحطط بها الرحلا ... ولم أحفل بمن سارا
وجدّدنا عهودا ... أخلقت منّا وآثارا
فصادفنا بها ديرا ... وبستانا وخمّارا
وظبيا عاقدا بين الن ... قا والخصر زنّارا
إذا جاذبته حارا ... وإن حاكمته جارا
كشفنا لك أخبارا ... ودامجناك أخبارا
وقال أبو نواس:
ألم ترني وموسى قد حججنا ... وكان الحجّ من خير التجارة
فآب الناس قد برّوا وحجّوا ... وأبنا موقرين من الخسارة
(١٢) وممّا جاء في الأدعية
الحثّ على الإستغفار
قال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
وقال تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
«١» وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
«٢» وقال ﷺ : أفصلوا بين حديثكم بالاستغفار، وقال:
الإستغفار ممحاة للذنوب. وقال: لكل داء دواء ودواء الذنوب الإستغفار. وقال مالك بن أنس: كنا عند جعفر بن محمد فدخل سفيان الثوري فقال له: حدثني رحمك الله فقال: يا أبا عبد الله قد أكثرت من الحديث وكثرة الحديث تخبل. أعلمك ثلاثا هن خير لك من مال كثير. يا سفيان إذا أنعم الله عليك نعمة فأكثر من الحمد لله فإن الله تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«٣» ، وإذا قلّت نفقتك فعليك بالإستغفار، فإنه يزيدك من المال والولد والنعمة. قال الله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ
«٤» وإذا اشتد بك كرب فعليك بلا حول ولا قوّة إلا بالله فإنها كنز من كنوز
стр. 1266
الجنة فجعل سفيان يقولها ويعدها في يده ثلاثا وأي ثلاث، فقال جعفر: قد والله عقلها وفهمها.
الحثّ على حفظ معنى الإستغفار ومراعاته دون التّفوّه به
قال أبو عبد الرحمن المقري: سمعني سوار الراهب وأنا أستغفر الله. فقال لي: يا فتى، سرعة اللسان بالإستغفار توبة الكذابين. وقالت رابعة: أستغفر الله من قلّة صدقي في قولي أستغفر الله وقيل من قدم الإستغفار على الندم كان مستدعيا.
الحثّ على الأدعية وإنها متضمّنة للإجابة
قال النبي ﷺ : من أعطي أربعا أعطى أربعا. وهي في كتاب الله من أعطى الذكر ذكره الله لقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
«١» . ومن أعطي الدعاء أعطى الإجابة لقوله تعالى:
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
«٢» . ومن أعطى الشكر أعطي الزيادة لقوله تعالى: ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«٣» ومن أعطى الإستغفار أعطي المغفرة لقوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
«٤» . وقال ﷺ : حصنوا أموالكم بالزكاة وادفعوا البلاء بالدعاء.
الحثّ على فعل ما يقتضي إجابة الدعاء
قال بعضهم: لا تستبطئ الإجابة من دعائك وقد سددت طريقه بالذنوب. وقيل لمالك بن دينار: ادع الله لفلان المحبوس. فقال: مثل محبوسكم مثل شاة غدت إلى عجين فقير فأكلته فاتخمت، فصاحبها يقول: اللهم سلمها. وصاحب العجين يقول: اللهم أهلكها، ولا ينفع دعاء صاحبها مع دعاء المظلوم، فقولوا لصاحبكم يرد إلى كل ذي حق حقه، فإنه لا يحتاج إلى دعائي حينئذ قال طاوس: يكفي من الدعاء مع الورع ما يكفي العجين من الملح.
وقيل: ثلاثة لا يستجاب لهم دعوة رجل كانت له امرأة يدعو عليها، فيقول: ألم أجعل أمرها بيدك، ورجل جالس في بيته يقول اللهم ارزقني، فيقول: ألم آمرك بالطلب، ورجل له مال فأفسده ثم يقول إخلفه لي، فيقول: ألم آمرك بإصلاح المال.
ورأى أعرابي ظالما يدعو فقال: يا هذا إنما يستجاب لمظلوم أو لمؤمن ولست بأحدهما وإنّي أراك تخف لديك العيوب وتخفى عليك الغيوب.
مدح الإستغفار بالأصابع
قال النبي ﷺ : إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، وإذا استعذتموه فاستعيذوا بظاهرها. وقالت عائشة ﵂: استغفروا الله بأصابعكم التي كسبتم بها الذنوب.
стр. 1267
وفي بعض التفاسير فما استكانوا لربهم وما يتضرعون، قالوا: ما دعوه وما رفعوا أيديهم ولم يبسطوا راحتهم ولا حركوا أصابعهم.
ولما صاف قتيبة الترك وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع فقالوا: ها هو ذا في أقصى الميمنة جانحا على سية قوسه، يبصبص بأصابعه نحو السماء فقال قتيبة: تلك الأصابع الفاردة أحب إليّ من مائة ألف سيف شهير وسنان طرير.
ذمّ رفع اليدين واستعمال السبّحة
رأى شريح رجلا يدعو ربه رافعا يديه إلى السماء فقال له: غض بصرك وكف يديك فإنك لن تراه ولن تناله. ومرّ عمر بن عبد العزيز برجل يسبح بالحصى فإذا بلغ المائة عزل حصاة، فقال له: ألق الحصى وأخلص الدعاء.
شكر الله تعالى على نعمه
قال الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«١» وقال الحسن في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
«٢» قال: ينسى النعم ويذكر المصائب.
وقالت هند بنت المهلب: إذا رأيتم النعيم مستدرا فبادروه بالشكر قبل الزوال. إلهي قد أوليتني منائح تعيد باع الحمد قصيرا وترد لسان الشكر حسيرا، فأجرني ما عودتني وأنجز أفضل ما وعدتني، إلهي لك الحمد على النعم. ما اختلفت يمين وشمال ولك الشكر ما هبت جنوب وشمال.
وقال بعضهم اللهم إنك تعرف عجزي عن الشكر فاشكر نفسك عني.
الدعاء بإزالة الخوف والبلاء المخوف
حكي عن سيد بن داوود قال: رأيت عفان بن مسلم يمضي به ليمتحن فقلت له:
قف يا شيخ أعطك كلمات فإنك لن ترى إلّا خيرا، قل حسبي الله ونعم الوكيل فإن الله تعالى يقول: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
«٣» وقل: وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد فإنه يقول فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا
«٤» وقل: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. قال عفان فقلتها فما رأيت إلا خيرا.
ويروى أن رجلا أخافه عبد الملك فهرب منه فلقيه شيخ وسيم بأرض فلاة فقال ما قصتك؟ قال: خائف. قال: ومن أخافك؟ قال: عبد الملك، قال: فأين أنت عن السبع؟
فقال: لا أعرفها. فقال: قل سبحان الواحد الذي ليس غيره إله، سبحان الدائم الذي لا يعاد له شيء، سبحان الذي خلق ما يرى وما لا يرى سبحان الذي علم كل شيء بغير تعلم. قال: فقلتها
стр. 1268
فألقى الله تعالى في قلبي الأمن فأتيته، فلما مثلت بين يديه، قال لي: أف تعلمت السحر؟ قلت:
لا ولكن من قصتي. كيت وكيت. فكتبه عني وأمنني وأجرى لي رزقي.
من سأل الله أن يوفّقه للشّكر والصبر
قال أعرابي أبطأ عنه ابنه فخافه: اللهم إن كنت أنزلت به فأنزل معه صبرا، وإن كنت وهبت له عافية فأفرغ عليه شكرا اللهم إن كان عذابا فاصرفه وإن كان صلاحا فزد فيه، وهب لنا الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء.
التعوّذ من الفقر والإستدعاء للرزق
قال بعضهم في بعض مواقف الحج: اللهم لا تعينني بطلب ما لم تقدر لي، وما قدرته فاجعله ميسرا سهلا، وكافئ عني أبوي وكل ذي نعمة عليّ.
وقال سعيد بن المسيب: كنت جالسا عند القبر والمنبر فسمعت قائلا ولم أر شخصا اللهم إني أسألك بارا ورزقا دارا وعيشا قارا، اللهم لا تجعل بيننا وبينك في الرزق أحدا سواك، اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فيسره، وإن كان قليلا فثمّره وإن كان يسيرا فكثّره، أعوذ بالله من القنوع والخضوع والخنوع. اللهم اجعلني أفقر خلقك إليك وأغناهم بك، اللهم اجعل لي رزقا واسعا واجعلني به قانعا.
وقال قيس بن سعد: اللهم إرزقني مجدا وحمدا فلا حمدا إلا بفعال ولا مجدا إلا بمال، اللهم إنّي أعوذ بك من فقر مكب وضروع إلى غير محب.
من فزع إلى الله في أن يوفّقه لمصلحة في كسبه وإنفاقه
اللهم أحجبني عن السرف وقوّمني بالاقتصاد، وعلّمني حسن التقدير وأجر من أسباب الحلال رزقي، ووجه في أبواب البر نفقتي، واجعل ما خولتني من عطائك وصلة إلى قربك وذريعة إلى جنتك، اللهم هب لنا غنى لا يطغينا، وصحة لا تلهينا، وأعذنا من فقر ينسينا.
وكان جعفر يقول: اللهم أرزقني التفضل على من قترت عليه مما وسعته عليّ، اللهم أغنني عمن أغنيته عني وسهلني لمن أحوجته إليّ واجعلني لأنعمك من الشاكرين.
من استعاذ بالله يقيه من آفات ونوب حضرها
اللهم إنّا نعوذ بك من هيجان الحرص، وسورة الغضب، وغلبة الحسد، وضعف الصبر، وقلّة القناعة، وإلحاح الشهوة، ومخالفة الهدى، وسنة الغفلة، وتعاطي الكلفة، وإيثار الباطل على الحق، والإصرار على المأثم، واستكثار الطاعة، والإزراء على المقلّين وسوء الولاية لما تحت أيدينا، وترك الشكر لمن اصطنع العازفة «١» عندنا، وأن نعضد ظالما أو نخذل ملهوفا أو نروم ما ليس لنا بحق، أو نقول في العلم بغير علم، ونعوذ بك من سوء السيرة وإحصاء
стр. 1269
الصغيرة، ونعوذ بك من شماتة الأعداء ومن الفقر إلى غير الأكفاء، ومن عيشة في شدّة وميتة على غير عدة، ومن سوء المآب وحرمان الثواب وحلول العقاب.
ودعا أعرابي فقال: اللهم إنّي أعوذ بك من الفاجر وجدواه، والسفيه وعدواه، وذي الرحم ودعواه، ومن عمل لا ترضاه. اللهم أمتعنا بخيارنا وأعنّا على شرارنا واجعل المال في سمحائنا. ودعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من عضال الداء، وخيبة الرجاء، وشماتة الأعداء، وزوال النعمة، وفجاءة النقمة.
من سأل الله العافية
اللهم إني أعوذ بك مما يقلق قلب الصديق ويضحك سن العدو، اللهم أسترنا بستورك الحصينة وأعصمنا بحبالك المتينة وأدخلنا في كفالتك الأمينة، اللهم إني أسألك سترك الذي لا تخرقه الرماح ولا تزيله الرياح.
من دعا لنفسه وقومه بالعافية
قال رجل في عقب صلاته: اللهم عافني في نفسي فإنها أعزّ الأنفس عليّ، وفي أولادي فإنهم لحمي ودمي، وفي عشيرتي فإنهم عزي وناصري، وفي جماعة المسلمين فإنّ صلاحي لا يتم إلا بصلاحهم اللهم أستودعك ماأحاطت به شفقتي وعجزت عنه قوتي.
من سأل الله أن يقيه الشرّ من مر يديه
اللهم من أراد بي شرا فأحط السوء به كإحاطة القلائد بترائب الولائد، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السجيل على أصحاب الفيل. يا سابق الفوت ويا سامع الصوت، ومنشئ العظام بعد الموت، صلّ على محمد وآله واجعل لي من هذا الأمر مخرجا وفرجا. وقال أعرابي اللهم قني من عثرات الكرام.
من سأل الله تعالى أن يتوكّل له
أسأل الله الذي يعد أنفاسي أن لا يكلني إلى احتراسي. اللهم إني تخليت من حولي وحيلتي إلى حولك وحيلتك، اللهم اجعلني أفقر خلقك إليك وأغناهم بك. وكان مطرف يقول: اللهم إنك أمرتنا بأمرك ولا نقوى عليه إلا بكرمك، ونهيتنا عمّا نهيتنا عنه ولا ننتهي عنه إلا بعصمتك.
أدعية لأوقات معلومة
كان إبراهيم بن أدهم إذا أصبح يقول: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون. وقيل لرجل: إلحق دارك فقد احترقت، فقال: ما احترقت والله، فقيل: أتحلف على ذلك فقال: نعم إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قال حين يصبح إن ربي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو ربّ العرش
стр. 1270
العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، أعوذ بالله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. إن ربي على صراط مستقيم، لم ير يومئذ في نفسه ولا أهله ولا ماله شيئا يكرهه وقد قلتها اليوم.
فلما انتهوا إلى داره وجدوها قد احترق ما حولها ولم تحترق.
وكان رسول الله ﷺ إذا رأى هلال رمضان يقول: اللهم هذا شهر رمضان فسلمه لنا، وسلمنا له، وتسلمه منا في يسر وعافية، وأرزقنا صيامه وقيامه متقبلا بإيمان واحتساب، وكان إذا أتى بالباكورة قبلها ووضعها على عينيه ويقول: اللهم أريتنا أوله فأرنا آخره.
وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: علمني رسول الله ﷺ إذا لبست ثوبا جديدا أن أقول الحمد لله الذي كساني من الرياش ما أتجمّل به في الناس. اللهم اجعلها ثياب بركة أسعى بها لمرضاتك وأعمل فيها بطاعتك.
وكان ﵊ يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له. اللهم هب لي من حقك، وأرض عني خلقك. قال البناني: بلغنا أنه يستجاب الدعاء عند المطر ثم تلا: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
«١» .
من سأل الله التوفيق لعبادته
قال سعيد بن المسيب: مرّ بي صلة بن أشيم فقلت: ادع لي. فقال: رغبّك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعوّل في الدين إلا عليه. اللهم إني أحب طاعتك وإن قصرت فيها، وأكره معصيتك وإن ركبتها، فتفضّل عليّ بالجنة وإن لم أستحقها، وخلصني من النار وإن استوجبتها. اللهم إني أسألك الإقبال عليك والإصفاء إليك، والفهم عنك، والبصيرة في أمرك، والنفاذ في طاعتك، والمراقبة على إرادتك، والمبارزة في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك، والتسليم والتفويض إليك.
المقرّ بذنبه السائل من الله تعالى الرحمة
اللهم إني رهين بذنوبي، أتعثّر في ذيولها وأستخفي تحت سدولها، فتفضل عليّ بعفو يبسط حافة رجائي ويقبض المخافة عن أرجائي. إلهي لست أنفك مقلبا أزمة الخطايا وأعنة السيئات، فوفقني لتوبتي وأمنن عليّ عند إنتهاء نوبتي.
стр. 1271
وقال أعرابي يا رب تظاهرت عليّ منك النعم، وتكاثفت مني عندك الذنوب، وأحمدك على النعم التي لا يحيط بها إلا علمك. ووضع أعرابي يده على باب الكعبة فقال: يا رب سائلك ببابك قد مضت أيامه، وبقيت آثامه، فأرض عنه وإلا ترض عنه فأعف عنه، فقد يعفو السيد عن العبد وهو عنه غير راض.
وقال عمرو بن العاص حين احتضر: يا رب إنك أمرتنا فلم نأتمر، وزجرتنا فلم ننزجر، وإنا لا نعتذر ولكن نستغفر. وقال ابن السماك عند وفاته: اللهم إنك تعلم أني كنت أعصيك، وأحب أن أكون ممن يطيعك، إلهي كم تتحبب إليّ بنعمتك وأنت غني عني، وكم أتبغض إليك بذنوبي وأنا إليك فقير سبحان من إذا توعد عفا، وإذا وعد وفى. وقالت امرأة: اللهم إني أقوم كسلى وأصلي عجزى فاغفر لي قبل عروي «١» ما جرى.
ووقف أعرابي على قبر النبي ﷺ فقال: قد قبلنا منك وحفظنا ما أديت عن ربك ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله توابا رحيما. فقد ظلمنا أنفسنا واستغفرنا فاستغفر لنا.
وكان شريح يقول: اللهم إني أسألك الجنة بلا عمل عملته، وأعوذ بك من النار بذنب ركبته، قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد وهو ساجد إن ظلمت نفسي فاغفر لي ثلاثا.
من سأل خير الدارين
طاف أعرابي بالبيت ثم صلّى ركعتين ونهض فقيل له: ما لك حاجة إلى الله؟ قال:
بلى وقد سألته. قيل وما قلت؟ قال: قلت اللهم إنك قد أحصيت ذنوبي فاغفرها وعلمت حاجتي فاقضها. وقال بعضهم: أستغفر الله والحمد لله فقيل له في ذلك فقال: ما رأيت أجمع من هاتين الكلمتين، أنا بين ذنب ونعمة أستغفر الله من الذنب وأحمده على النعمة.
من سأل الله الغفران بفعلة كانت منه
دعا رجل بالبصرة في مسجد فقال: اللهم إني وإن كنت عصيتك فبحبي فيك من أطاعك إلا رحمتني. فهتف به هاتف: يا هذا لقد عقدت عقدا لا ينحل أبدا. ولما حج عمر بن ذر اجتمع الناس إليه فقالوا له: ادع لنا بدعوة. فقال: اللهم أرحم قوما لم يزالوا منذ خلقتهم على مثل ما كانت عليه السحرة يوم رحمتهم وقانا الله هول المطلع وضيق المضجع وسوء المرتجع، اللهم لو سألتني حسناتي مع حاجتي إليها لوهبتها لك وأنا عبد فكيف لا تهب لي سيئاتي مع غناك عنها وأنت رب، اللهم أسألك المغفرة يوم كل نفس إليك فقيرة، فإن النعمة فيها كثيرة.
стр. 1272
الإستسقاء
اللهم أسقنا غيثا مريعا ريعا مجللا مجلجلا سحا سفوحا طبقا غدقا ودقا. فسمع أعرابي ذلك فقال: أخشى الطوفان ورب الكعبة دعني يا نوح آوي إلى جبل يعصمني من الماء.
وقال النبي ﷺ : اللهم إنك حبست عنا مطر السماء فذاب الشحم وذهب اللحم ورق العظم، فارحم أنين الآنة وحنين الحانة. اللهم إرحم تحيرها في مراتعها وحنينها في مرابضها.
وصعد عمر المنبر للإستسقاء فلم يزد على الإستغفار، فقيل له: إنك لم تستسق، فقال: قد استسقيت بمجاديح «١» السماء. ذهب إلى قوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
«٢» .
وخرج سليمان بن عبد الملك يستسقي فسمع أعرابيا يقول:
ربّ العباد مالنا ومالكا ... قد كنت تسقينا فما بدا لكا
أنزل علينا الغيث لا أبا لكا
فضحك سليمان، وقال أشهد أنه لا أبا له ولا صاحبة ولا ولد.
أنواع شتّى من ذلك
اللهم إني أعوذ بك من أن تحسن في العيون علانيتي وتقبح في الخفيات سريرتي.
اللهم كما أسأت وأحسنت إليّ فإن عدت فعد عليّ. وكان الحجاج إذا تلا قوله تعالى:
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
«٣» يقول: كان سليمان حسودا، وإذا تلا قوله تعالى: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
«٤» قال: أحب يوسف الإمارة يا من يغضب على من لا يسأله لا تحرم من قد سألك.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابية تدعو على ظالم لها: اللهم أشفني منه في الدنيا فإني في الآخرة عنه مشغولة، اللهم لا تنزلني منزل سوء فأكون امرأة سوء، اللهم أصلحني قبل الموت وأرحمني عند الموت واغفر لي بعد الموت. وقال أعرابي وقد صلّى: اللهم عفرت لك جبيني وبسطت إليك يميني فانظر ما تعطيني. وقال مالك بن دينار: اللهم سهّل لي المجاز ويسّر لي الجواز. ومن دعاء موسى بن جعفر ﵉: اللهم أفرغني لما شغلتني له ولا تشغلني بما تكفلت لي به يا رب العالمين.
стр. 1273
(١٣) وممّا جاء في فضائل أعيان الصحابة
قد كان من شرط هذا الكتاب أن لا نشتغل بذكر الرجال على الترتيب إذ كان القصد فيه إلى تنويع المعاني لكن لم يوجد بد من ذكر فضائل الصحابة إذ كانت الحاجة إليه تكثر.
أبو بكر الصديق ﵁
قيل: سمي عتيقا لجمال وجهه. وقيل لقول النبي ﷺ : أنت عتيق الله من النار.
وقيل: لأن أمه لم يكن يبقى لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت وقالت: اللهم اجعل هذا عتيقا من الموت وهبه لي. وقيل: كان لأبيه ثلاثة أولاد عتيق ومعتق وعتيق، ولد بعد عام الفيل بسنتين ودوين أربعة أشهر، ومات بعد النبي ﷺ بسنتين وأربعة أشهر وهو ابن ثلاث وستين سنة.
من فضائله
قيل: له أربعة فضائل لم يشاركه فيهن أحد كان ثاني إثنين في الغار، وثاني إثنين في المشورة، وثاني إثنين في العريش، وثاني اثنين في القبر. وصلّى النبي ﷺ خلفه.
قال الشعبي: سألت ابن عباس عن أول الناس إسلاما. فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت فيه:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول النّاس منهم صدّق الرسلا
وقال النبي ﷺ : ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كان له تردّد وكبوة، إلا أبا بكر.
وقال ما أحد أمن عليّ بصحبته وماله من أبي بكر، وسمّاه النبي ﷺ عتيقا حتى غلب على إسمه وإسم أبيه وكفى له شرفا، قوله : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
«١» فسماه صاحبا في كتابه.
ولما برز إبنه عبد الرحمن يوم أحد وقال: هل من مبارز، نهض إليه أبو بكر بسيفه، فقال له النبي ﷺ شم سيفك وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك.
عمر رضي الله تعالى عنه
سمي الفاروق لفرقه بين الحق والباطل طعن لسبع بقين من ذي الحجة، ومات غرة
стр. 1274
المحرم، وقيل: كان ابن ثلاث وستين سنة. وقيل: ابن ستين وقيل: خمس وخمسين.
وخلافته كانت عشر سنين وسبعة أشهر وخمس ليال وقيل ثمانية أشهر وأربعة أيام.
من فضائله
كان النبي ﷺ يقول: اللهم أيدّ الإسلام بعمر ابن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام فأصبح عمر فقرع الباب على النبي ﷺ فأسلم وخرج فصلّى في المسجد ظاهرا.
وقال ﵊: إن الشيطان يفرق من عمر. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيتني في الجنّة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرا، فبكى عمر وقال: بأبي وأمي يا رسول الله ﷺ أعليك أغار.
وقال ﵊: بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون وعليهم قمص «١» ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض على عمرو عليه قميص يجره قالوا: ما أوّلت يا رسول الله؟ قال: الدين.
وقال ﵊: إن من قبلكم كان فيهم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإنه عمر بن الخطاب.
وقال عبد الله بن مسعود: إذ ذكر الصالحون فحيهلا «٢» بعمر كان والله للإسلام حصنا حصينا يدخل فيه الناس ما دام حيا ولا يخرجون منه، فلما مات انثلم ذلك الحصن. وكان يبغض الملق والتقرب وضرب ناسا على أن قالوا: يا خير الناس وقدموا إسمه في الديوان، فغضب وقال: ضعوا عمر وآل عمر حيث وضعهم الله وكان عبد الملك يقول: إذا ذكر عمر كان ذكره أسفا للأمة وطعنا على الأئمة.
من فضائل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما
روي عن أمير المؤمنين أن النبي ﷺ نظر إلى أبي بكر وعمر فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنة. وقال ﵇: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. وروي أن النبي ﷺ لما أسس بناء المسجد، جاء بحجر فوضعه ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: هم أمراء الخلافة بعدي وقيل لعلي بن الحسين ﵄: ما منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ فقال منزلتهما منه اليوم وحثّ النبي ﷺ على الصدقة فجاء أبو بكر بماله كله، فقال له النبي ﷺ : ما أعددت لعيالك؟ فقال: الله ورسوله. وجاء عمر بنصف ماله، فقال: ما
стр. 1275
أعددت لعيالك؟ فقال نصف مالي، فقال النبي ﷺ : ما بين الرجلين ما بين الكلمتين.
ولما استشار النبي ﷺ أبا بكر في أساري بدر قال: قومك فيهم الآباء والأبناء والاخوان فامنن عليهم أوفادهم يستنقذهم الله بك من النار وما أخذت منهم فهو قوة للإسلام فاستشار عمر، فقال: يا نبي الله هم أعداء كذبوك وحاربوك وأخرجوك، أضرب رقابهم. فقال النبي ﷺ : مثل أبي بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرضا والغفران وفي الأنبياء بإبراهيم طرحه قومه في النار فما زاد على أن قال أف لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون؟ وقال: فمن تبعني فإنه منّي ومن عصاني فإنك غفور رحيم. وكمثل عيسى إذ يقول: أن تعذبهم فإنهم عبادك وأن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.
ومثل عمر في الملائكة كجبريل ينزل بالسخط والنقمة وفي الأنبياء كنوح، حيث قال:
رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فجارا كفارا. ومثل موسى حيث قال ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
وقد أحسنا تأثيرهما في الولاية: أما أبو بكر ﵁ فإنه لما مات النبي ﷺ قال عمر: كيف مات النبي والله تعالى يقول ليظهره على الدين كله فقام أبو بكر فقال: أيها الناس إن الله تعالى قد نعى إليكم نبيكم وهو حي بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم فقال:
إنك ميت وإنهم ميتون فسكن الناس. وتلا: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
«١» ، ثم تلا: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ*
وكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
«٢» ثم قال: ليظهر الله دينه ويتم نوره.
وأمره في ارتداد العرب ومنعهم الزكاة معروف حيث خالف جماعة الصحابة، وقال:
لو منعوني عقالا لقاتلتهم وقال إن قبلت قولكم لا لأنقضن عرى الإسلام عروة عروة واجتهد في تجهيز جيش أسامة، وخالفه الصحابة. فقال: لو بقيت وحدي حتى تأكلني الكلاب ما أخرت جيشا. أمر النبي ﷺ بإنفاذه والوحي ينزل عليه. وأما عمر ﵁ فإنه فتح الفتوح ودوّن الدواوين وفرض العطية ومصّر الأمصار وجبى الفيء وبلغت خيله أفريقية وأوطأ خيله خراسان وكرمان وأزال ملك بني ساسان، ولما طعن قيل له: ألا تستخلف؟ فقال أن أترك، فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله وإن استخلف فقد استخلف خير مني يعني أبا بكر.
عثمان رضي الله تعالى عنه
كان يلقب ذا النورين، وكان ختن النبي ﷺ على ابنتيه. قتل يوم الأربعاء لعثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. وقيل: إنه
стр. 1276
كان أصبح. فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام. فقال: يا عثمان أفطر عندنا الليلة، فأصبح صائما. فقتل من يومه وأشرف عليهم. وقال: علام تقتلونني وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل زنا بعد إحصان فعليه الرجم، أو رجل ارتد بعد الإسلام فعليه القتل، أو قتل عمدا فعليه القود فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت أحدا ولا ارتددت منذ أسلمت.
وقال أبو موسى: دخل النبي ﷺ حائطا وأمرني بحفظ الحائط فجاء رجل يستأذن فقال ائذن له وبشره بالجنة فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا عمر، ثم استأذن آخر فسكت هنيهة ثم قال: إئذن له وبشره بالجنة بعد بلوى ستصيبه فإذا عثمان بن عفان. وصعد النبي ﷺ أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فضربه برجله، وقال: أسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان. واستأذن عثمان على النبي ﷺ وكان مكشوف الفخذ فغطاها وعنده أبو بكر وعمر فقيل له في ذلك فقال: كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟
ذكر فتوحاته
إفتتح أرمينية بحبب بن مسيلمة وأذربيجان بالمغيرة وأفريقية بعبد الله بن سمرة.
ذكر ما عتب عليه
قالوا: آوى طريد رسول الله ﷺ الحكم بن العاص، وأعطاه مائة ألف درهم ونفى أبا ذر إلى الربذة وعامر بن عبد القيس إلى الشأم، وتصدق رسول الله ﷺ بمهزور على المسلمين وهو موضع سوق المدينة، فنقضه عثمان وأقطعه الحارث بن الحكم أخا مروان.
وأقطع فدك مروان، وكل ذلك مما وصفه به عمر ﵄ حيث قال: هو كلف بأقاربه.
عليّ بن أبي طالب كرّم الله تعالى وجهه
قتل لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان يوم الجمعة سنة أربعين، وهو ابن ثلاث وستين. وقيل ابن ثلاث وخمسين، وخلافته أربع سنين وثمانية أشهر وتسعة عشر يوما.
ودفن بالكوفة وغيّب قبره.
وقال ﷺ : الخلافة ثلاثون عاما، ثم تكون ملكا. وكناه النبي ﷺ أبا تراب، وذلك أنه دخل على ابنته فاطمة فقال: أين ابن عمك؟ قالت: في فناء المسجد. فوجده مضطجعا في التراب فقال النبي ﷺ : قم أبا تراب وذلك من شدة ما أعجب به.
من فضائله
قال له النبي ﷺ : ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي قال: بلى. قال: فأنت كذلك. وقال: عليّ مني وأنا منه وهو وليّ كل مؤمن بعدي
стр. 1277
وأخذ بيده فقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأبغض من أبغضه وأنصر من نصره وأخذل من خذله، وقال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ثم دعا عليا وهو رمد فأعطاه اللواء وقال: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
وقال ﷺ : النظر إلى علي عبادة. أي إذا برز يكبّر الناس فيقولون: لا إله إلا الله، ما أجله ما أعلمه ما أشجعه ما أشرفه. وقال ﵇: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله أتبعثني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء، فقال: إنطلق فإن الله تعالى سيهدي قلبك ويثبت لسانك. قال: فما شككت في قضاء بين رجلين.
ولما أنزل الله وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
«١» قال النبي ﷺ لعليّ: سألت الله أن يجعلها أذنك فما سمع بعدها شيئا إلا حفظه. وعن أنس بن مالك قال: جاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فقعد بين يديه فقال: يا رسول الله قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وإني وإني قال وما ذاك؟ قال تزوّجني فاطمة فسكت عنه، فرجع أبو بكر إلى عمر فقال هلكت وأهلكت، قال وما ذاك؟ قال خطبت فاطمة إلى النبي ﷺ فأعرض عنّي، فقال: مكانك حتى آتي النبي ﷺ فأطلب مثل ما طلبت فأتى عمر النبي ﷺ فقعد بين يديه، وقال: يا رسول الله، قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وإني وإني، فقال وما ذاك؟ قال تزوجني فاطمة فأعرض عنه، فرجع عمر إلى أبي بكر فقال إنه ينتظر أمر الله فيها، إنطلق بنا إلى علي حتى نأمره أن يطلب مثل الذي طلبنا، قال علي فأتياني وأنا في سبيل فقالا: ابنة عمك تخطب فنبهاني لأمر فقمت أجرّ ردائي، طرف على عاتقي وطرف في الأرض حتى أتيت النبي ﷺ فقعدت بين يديه، فقلت:
يا رسول الله ﷺ قد علمت قدمي في الإسلام ومناصحتي وإني وإني، قال وما ذاك يا علي؟
قلت: تزوجني فاطمة قال وما عندك؟ قال: فرسي وبدني يعني درعه. فقال: أما فرسك فلا بد لك منه وأما درعك فبعها فبعتها بأربعمائة وثمانين فأتيت بها النبي ﷺ فوضعتها في حجره فقبض منها قبضة، فقال: يا بلال أبغنا بها طيبا وأمر أن يجهزوها، فجعل لها سرير مشرط بالشريط ووسادة من أدم حشوها ليف، وملأ البيت كثيبا يعني رملا، وقال: إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك. فجاءت مع أم أيمن: فقعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء النبي ﷺ فقال: ههنا أخي. فقالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك. فدخل النبي ﷺ فقال لفاطمة: ائتيني بماء فقامت إلى قعب في البيت فجعلت فيه ماء وأتته به، فمج فيه ثم قال:
قومي فنضح ثدييها وعلى رأسها ثم قال: اللهم أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، ثم قال ائتني بماء، فعلمت الذي يريده، فملأت القعب ماء وأتته به فأخذ منه بفيه ثم مجه ثم صب على رأسي وبين يدي وقال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم. ثم قال:
أدخل على أهلك بسم الله والبركة.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة. وعمر
стр. 1278
على بغل وأنا على فرس، فقرأ آية فيها ذكر علي بن أبي طالب فقال: أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر. فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن أقلته فقلت: أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين وأنت وصاحبك وثبتما وافترعتما الأمر منا دون الناس. فقال: إليكم يا بني عبد المطلب أما أنكم أصحاب عمر بن الخطاب فتأخرت وتقدم هنيهة، فقال سر لا سرت. وقال: أعد على كلامك فقلت: إنما ذكرت شيئا فرددت عليك جوابه ولو سكت سكتنا. فقال: إنا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة ولكن استصغرناه وخشينا أن لا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها. قال فأردت أن أقول: كان رسول الله ﷺ يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره، أفتستصغره أنت وصاحبك؟ فقال: لا جرم، فكيف ترى والله ما نقطع أمرا دونه ولا نعمل شيئا حتى نستأذنه.
وعن الحسين بن علي ﵄، إن عمر بن الخطاب قال: ثلاث لم أسأل عنهن رسول الله ﷺ فقال علي: وما هن؟ قال عمر: حب الرجل الرجل لم يجر بينهما خلطة ولا معرفة، فأنى ذلك والرؤيا، منها ما يصدق كأخذ باليد، ومنها ما يكون أضغاثا، فأنّى ذلك والرجل يتحدث بالحديث أحيانا، ويختلف أحيانا فأنى ذلك.
فقال علي ﵇: أما ما ذكرت من حب الرجل الرجل لم تجر بينهما ما خلطة ولا معرفة، فإن الله خلق الأرواح قبل الأجساد فتلتقي الأرواح على سبب بين السماء والأرض، فتتشام كما تتشام الخيل فما تعارف ثم ائتلف هنا.
وأما الرؤيا فإن العقل إذا عرج بنفسه وهو في النوم في المصعد، فهو كأخذ باليد وإذا هبط إلى جسده تلقته الشياطين بالأضغاث لكي تحزنه، وما أخبرت به فهو الذي لا يصدق. وأما الرجل يتحدث بالحديث ثم ينسى، فإن القلب تغشاه ظلمة كظلمة القمر فإذا تغشى القلب تخلى عنه ذكره.
وعن أنس قال: قال النبي ﷺ : إن خليلي ووزيري وخليفتي، وخير من أترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب. وقال رسول الله ﷺ لفاطمة: لقد زوجتكه سيدا في الدنيا سيدا في الآخرة، لا يبغضه إلا منافق.
وقال النبي ﷺ : لقد أوحى إليّ في علي ثلاث، أنه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين.
وعن البراء أن النبي ﷺ قال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال ﵊:
الحق مع علي وعلي مع الحق لن يزولا حتى يردا على الحوض. وعن جابر وابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: أنا وعلي من شجرة واحدة. وقال له علي: آخيت بين الناس يا رسول الله فمن أخي؟ قال: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
فضائل الحسن والحسين ﵄
قال النبي ﷺ : ألا أدلّكم على خير الناس عمّا وعمة؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
стр. 1279
قال: الحسن والحسين عمهما جعفر الطيّار وعمتهما أم هانئ بنت أبي طالب.
وقال ابن عباس كان النبي ﷺ حاملا الحسن فقال له رجل: يا غلام نعم المركب ركبت. وروي أنه قال ﷺ وقد امتطاه الحسن والحسين: نعم المطي مطيكما ونعم الراكبان أنتما، وأبوكما خير منكما.
وقال أبو هريرة: سجد رسول الله ﷺ خمس سجدات بلا ركوع فقيل له: قال: أتاني جبريل فقال: إن الله يحب عليا، فسجدت ورفعت رأسي، فقال: إن الله يحب فاطمة، فسجدت. ثم قال: إن الله يحب الحسن والحسين فسجدت فقال: إن الله يحب من أحبهم فسجدت.
وقال إبراهيم النخعي: لو كنت ممن أعان على الحسين ثم قيل لي أدخل الجنة، لأستحيت أن يراني رسول الله ﷺ فيها.
وقال أبو بكر: رأيت النبي ﷺ يخطب على المنبر ينظر إلى الحسن مرة وإلى الناس مرة وقال: إن إبني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين. وسأل بعض أهل العراق ابن عمر عن قتل الذباب فقال: يا أهل العراق تسألونني عن قتل الذباب وقد قتلتم ابن بنت رسول الله ﷺ .
وقد قال رسول الله ﷺ : هما ريحانتي من الدنيا. وقال عمر بن عبد العزيز يوما وقد قام من عنده علي بن الحسين: من أشرف الناس؟ فقالوا: أنتم فقال: كلا أشرف الناس هذا القائم من عندي آنفا من أحب الناس أن يكونوا منه ولم يحب أن يكون من أحد.
وذكر الحسن والحسين عليهما الرضوان عند المأمون فقال: بخ بخ ما تقولون في غلامين حسن خلقهما الجليل وناغاهما جبريل وولدا بين التنزيل والتبجيل، هل لذين من عديل جدهما الرسول وأمهما البتول وأبوهما المقبول.
وقال عمر بن الخطاب في طلب مصاهرته عليا: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي. وقال ﵊: فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني.
مناقب جماعة من الصّحابة رضوان الله عليهم أجمعين
سمّى النبي ﷺ طلحة يوم أحد طلحة الخير، وفي غزوة العسرة طلحة الفياض، ويوم خيبر طلحة الجود.
ودخل على النبي ﷺ فقال: يا طلحة أنت ممن قضى نحبه وقال الزبير حوارييّ وابن عمتي وطلحة حواريي.
وقال سعد: ما أسلم في اليوم الذي أسلمت فيه أحد، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام. وقال: نبلني رسول الله ﷺ يوم أحد، وقال: إرم فداك أبي وأمي. وقال ﵊: اللهم سدد رميه وأجب دعوته.
وقال عبد الرحمن: كان اسمي عبد عمرو فلما أسلمت سماني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 1280
عبد الرحمن. وقال النبي ﷺ : لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
وقال النبي ﷺ : اهتز العرش لموت سعد بن معاذ. وقال النبي ﷺ : أقواكم أبي وأفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأقضاكم علي. وقال: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر. وقال: يأتيكم خير ذي يمن وعليه مسحة ملك، فأتاهم جرير بن عبد الله العجلي وقال: رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك. وقال: رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره ابن أم عبد يعني عبد الله بن مسعود.
وقال ابن عباس: ضمّني النبي ﷺ إلى صدره وقال: اللهم علمه الحكمة وقال النبي ﷺ : نعم الرجل عبد الله بن عمر كان يصلي بالميل، ثم ما كان ينام من الليل إلا قليلا.
وقال ﵊: إن عبد الله بن عمر رجل صالح. وقال: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الأطعمة. وقال: بلال سابق الحبشة.
وكان عمر يقول: أبو بكر سيدنا أعتق بلالا. وكان ﵇ يقول: ما لكم وعمار إنما عمار جلدة ما بين عيني وكان بنو مخزوم يعذبونه وأمه وكان يمر بهما النبي ﷺ ويقول: صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. وقال: من أحب أن ينظر إلى رجل يحب الله ورسوله بكل قلبه فلينظر إلى سالم. وقال عمر في شكاته وعنده المهاجرون والأنصار: لو أدركت سالما ما تخالجني فيه شك. واجتمع بباب عمر الإجلاء من العرب فخرج أذنه وفيهم أبو سفيان وعيينة بن حصن، فخرج الأذن وقال:
أين بلال أين عمار أين صهيب أين سليمان أدخلوا فتمعرت وجوههم واستبان الجزع فيهم فقال سهيل بن عمر: ومالكم دعوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد لهم في الجنة أعظم.
وقال المهدي لعبد الله بن مصعب: ما تقول فيمن ينتقص أصحاب النبي ﷺ ؟ فقال:
أمرنا أن نقتل من ينتقص النبي بأيسر تنقص، وإن من أشد النقص أن يقال: كان راضيا بأصحاب سوء يصحبونه. وقال سفيان بن عيينة: من أبغض أبا طالب فهو كافر فقيل لمه.
قال: لأن النبي ﷺ كان يحبه ولذلك قال الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
«١» . ومن أبغض من يحبه رسول الله ﷺ فهو كافر.
نبذ من ذكر فضائل معاوية رضي الله تعالى عنه
قيل لأبي برد الأسلمي: لم اخترت صاحب الشأم على صاحب العراق؟ فقال: لأني رأيته أطوى لسره وأملك لعنان أمر جيشه وأفطن لما في نفس عدوه. وسئل عمر بن
стр. 1281
عبد العزيز عن يوم الجمل ويوم صفين، فقال: تلك دماء صان الله عنها يدي فلا أغمس فيها لساني. وقال بعضهم: علي بن أبي طالب آخرة لا دنيا معه ومعاوية دنيا لا آخرة معه.
ممّا طعن فيه
قيل لهشام بن الحكم: هل شهد معاوية يوم بدر؟ فقال: نعم، من ذلك الجانب.
وبلغ الحسن أن نافعا كان يقول: إن معاوية كان يسكته الحلم وينطقه العلم. فقال: كان يسكته الحصر وينطقه البطر. وقال الحسن: لقد فعل معاوية ثلاثا كلها موبقات، منازعة الأمر أهله وادعاؤه زيادا واستخلافه يزيد وقال معاوية: أعنت على علي بثلاث. كان رجلا يظهر سره وكنت كتوما، وكان في أخبث جند وشره وكنت في أطوع جند وأقله خلافا، وكنت أحب إلى قريش منه رضي الله عن الصحابة أجمعين.
نوادر للشيعة
قيل لبهلول وكان يتشيع: وزن أبو بكر وعمر بالأمة فرجحا فقال: لعله كان في الميزان عيب. وقيل له: أتأخذ درهمين وتشتم فاطمة؟ فقال: بل آخذ دانقا وأشتم معاوية.
وقال بعضهم: رأيت في بغداد مكفوفا يقول من أعطاني حبة سقاه الله من الحوض على يد معاوية، فتبعته حتى خلوت به فلطمته لطمة وقلت له عزلت أمير المؤمنين عن الحوض، فقال: بحبة أسقيهم من يد أمير المؤمنين لا والله.
وتخاصم رجلان إلى بعض الولاة وكان يتشيع وكان إسم أحد الخصمين علي وكنيته أبو عبد الرحمن واسم الآخر معاوية فلما عرف الوالي إسميهما، ضرب معاوية مائة سوط ففطن الخصم للقصة فقال للوالي إن رأيت أن تسأل خصمي عن كنيته، فسأله فقال كنيتي أبو عبد الرحمن، فغضب عليه وضربه مائة سوط، فقال له المسمى معاوية: ما أخذته مني بالاسم استرجعته منك بالكنية.
وبقزوين قرية أهلها متناهون في التشيع فمر بهم رجل فسألوه عن اسمه، فقال:
عمران، فاجتمعوا عليه يضربونه، فقال ليس اسمي عمر فتضربونني لماذا، قالوا: هو أشرّ من ذلك فإنه عمر وفيه حرفان من عثمان.
تغريضات للشيعة
كان شيطان الطاق يتشيّع، فأخذه بعض الخوارج. فقال له: إن لم تتبرأ من عثمان وعلي قتلتك. فقال: أنا من علي ومن عثمان بريء، وإنما أراد من علي أي من مواليه وبريء من عثمان فتخلص من الخارجي. ومر ابن المعدل بقوم، فسلّم عليهم، فلم يجيبوه، فقال: لعلكم تظنون ما يقال فيّ من الرفض أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، من نقّص واحدا منهم فهو كافر وامرأته طالق، فسر القوم ودعوا له، فقال: بعض من كان معه من شيعته: ويحك ما هذه اليمين؟ فقال: إني أردت بقولي من نقص واحدا منهم علي بن
стр. 1282
أبي طالب وحده. وقال أبو سهل الصعلوكي لأبي عبد الله الحصيري: كم تقول أمير المؤمنين وما كان له قط يوم أبيض، فقال: ولا اليوم الذي رجع فيه إلى الحق وبايع أبا بكر فقال: كان في ذلك اليوم مكرها. فقال أبو عبد الله: إشهدوا حتى لا يقول في المناظرة إنّ أمير المؤمنين كان راضيا بتولية أبي بكر.
نوادر للنّاصبة
كان بعض الشيعة يستدل بقول النبي ﷺ : عليّ مني كهارون من موسى، فقال: بعض النواصب ما تلك المنازل فإنّ هارون كان أخا موسى من أبيه وأمه وكان شريكه في النبوة ومات قبله وليس شيء من هذه المنازل لعلي، فلم يبق إلاأن يأخذ بلحيته وبرأسه، يعني قوله لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. وولد لرجل من النواصب ولد فسماه حسينا فقال بعض أصدقائه: والله لو عق عن ابنه بمعاوية ما كان إلا ناصبيا.
ذمّ الغلوّ والتّهافت في الصّحابة
قال يحيى بن زيد بن علي: نحن من أمتنا بين أربعة أصناف: ظالم لنا حقنا وبالغ بنا فوق قدرنا، ومعطينا ما يجب لنا، وحامل علينا ذنب غيرنا. وقال بعض عوام الناصبة:
معاوية ليس بمخلوق، فقيل: كيف؟ قال: لأنه كاتب الوحي والوحي ليس بمخلوق وكاتبه منه. وقيل: إن عبد الرحمن صاحب الأندلس أنهى إليه أن رجلا من العملة وقع في علي ﵁، فأمر بتأديبه، فقيل له: لم يزل الخلفاء من أسلافك يجوزون هذا، فقال: أنا لم أنكر من فعل معاوية شيئا كإنكاري لهذا. فإن في هذا تجسيرا للعامة على الوقوع في علي وعليّ إن قعد به أدبه لم يقعد به حسبه ومن الخطأ في السياسة ترخيص الملوك للعامة في الوقيعة فيهم.
وسئل رجل: هل الحسن أفضل أم الحسين؟ فقال: الحسن، لأن الله تعالى يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة ولم يقل حسينة. وسئل بعضهم: هل كان النبي حسنيا أم حسينيا فقال:
كان حسنيا وحسينيا رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
стр. 1283
الحدّ الحادي والعشرون في الموت وأحواله
(١) أسماء الموت ووصفه
يقال له: النبط والهمع والرمد وأم قشعم وشعوب والموتان والحمام والفود ومرت زؤام وذعاف وجحاف.
ويقال: فقس وفطس وعضد ويتبل وعضد وطن ولعق أصبعه ورق بنفسه وجرض بريقه وآثر الله به وانحل تركيبه ومضى لما خلق له وأتاه ما كان يحذر ودعاه ما كان يخبر، شرب الدهر عليهم: وأكل وأفلت حريضا، وأفضه شعوب ووجبت نفسه ونضب ظله، وقرض رباطه، وصل به إلى أبي يحيى وسلّم لمائه.
وقيل لحكيم: ما الحياة وما الموت، فقال: الحياة ميتة أدّت إلى سعادة والموت حياة أوجبت على أهلها الحجة. وأجود اسم له ما قال النبي ﷺ أكثروا من ذكر هادم اللذات.
وقيل: الحتوف أربعة، سخطي بعقوبة الله وذلك ما ذكر الله: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
«١» ، وطبيعي وذلك بالهرم وانقطاع الأمل، وعرضي وهو ما يسمى الموت الفجأة، واكتسابي وهو ما يكون بالتعرض لحرب أو سباع ونحو ذلك.
تعظيم أمر الموت
قال النبي ﷺ : ما رأيت منظرا فظيعا إلا والموت أفظع منه. قال عبد الله بن معاوية:
والموت أعظم حالة ... مما يمرّ على الجبلّة «٢»
وقال رجل للحسن: إن عشت تر ما لم تره، فقال الحسن: إن مت تر ما لم تر، وكان كثيرا ما يقول الحسن: عند الموت يأتيك الخبر. وقال: إن الموت فضح الدنيا.
стр. 1284
الحثّ على تصوّر الموت
قال بعض الخلفاء لابن السماك: عظني وأوجز. فقال: اعلم أنك أول خليفة تموت وهذا كما سأل أزدشير بعض الحكماء عن دار بناها، وقال هل ترى فيها عيبا؟ فقال: نعم عيبا لا يمكنك إصلاحه، فقال وما هو؟ قال: لك منها خرجة لا عود بعدها أو دخلة لا خروج بعدها. وقال روح بن عبادة رأيت في منامي كأن قائلا يقول:
لا تكونوا كالأولى من قبلكم ... لم يخافوا بأسنا حتى نزل
وكتب أبو العتاهية على سقف بيته بتزويق:
أتطمع أن تخلد لا أبا لك ... أمنت قوى المنية أن تنالك
أما والله إنّ لها رسولا ... بها لو قد أتاك لما أقالك «١»
كأنّي بالتّراب عليك يحثى ... وبالباكين يقتسمون مالك
ولست مخلّفا في النّاس شيئا ... ولا متزوّدا إلا فعالك
وكان الحسن إذا خوف من الموت يقول للشيوخ: الزرع إذا بلغ لا بد أن يحصد.
ويقول للشبان: هل رأيتم زرعا لم يبلغ أدركته الآفة؟ وقيل أذكر حفرة سمكها قصير وساكنها أسير.
وقيل: من ضاق به أمر فليتذكر الموت فإنه يتسع عليه، ونحوه: من أحسن بأنه يموت فليس ينبغي أن يغتم لأمر صعب ينزل به.
وقيل لجعفر بن محمد ﵉: كيف صار الموت يأخذ على فنون شتى، فقال: أحب الله أن لا يؤمن على حال. شكا رجل إلى النبي ﷺ قساوة قلبه فقال: أكثر من ذكر هادم اللذات فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه عليه ولا في سعة إلا ضيقها عليه.
وقال معبد الجهني: نعم نصيحة القلب ذكر الموت يطرد فضول الأمل ويكف غرب المنى ويهوّن المصائب ويحول بين القلب وبين الطغيان. وقيل: ما دخل ذكر الموت بيتا إلا رضي أهله بما قسم الله لهم وجدوا في أمر آخرتهم. وقيل: أبلغ العظات النظر إلى محل الأموات ومصارع البنين والبنات.
التّخويف من الموت بما يشاهد
قال الحسن، وقد قعد عند رأس ميت: أن امرأ هذا آخره لأهل أن يزهد فيما قبله، وإن أمرأ هذا أوله لأهل أن يحذر ما بعده. وقف أعرابي على قبر هشام وخادم له يقول ما لقينا بعدك صنع بنا، فقال الأعرابي: ايها عليك أما أنه لو نشر لأخبر أنه لقي أشد مما لقيتم.
стр. 1285
ومر أمير المؤمنين بمقابر الكوفة فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع. أما الأزواج فقد نكحت، وأما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خير ما عندنا فما خير ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما أنهم لو تكلموا لقالوا وجدنا خير الزاد التقوى.
ونظر الحسن إلى صبية بين جنازة أبيها تقول: يا أبت مثل يومك لم أره. فضمها الحسن وقال: أي بنية وأبوك مثل هذا اليوم لم يره، فبكى الخلق.
حثّ الإنسان على الإستدلال على موته بمن مات من أقاربه
قال بعض الحكماء: ذهب أبوك وهو أصلك، وابنك وهو فرعك فما حال الباقي بعد ذهاب أصله وفرعه! وقال محمود في معناه:
وغادروك بلا أصل ولا طرف ... فما بقاؤك بعد الأصل والطرف
وقال أبو نواس:
ألا يا ابن الذين فنوا وماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى
قال أبو حازم: إن امرأ ما بينه وبين آدم أب إلا ميت لمعرق في الموت.
قال لبيد:
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتبه ... لعلّك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان باقيا ... ودون معد فلترعك العواذل «١»
وقال امرؤ القيس:
فبعض اللوم عاذلتي فإني ... سيكفيني التجارب وانتسابي
إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي «٢»
وقال أبو تمّام:
تأمّل رويدا هل تعدنّ سالما ... إلى آدم أو هل تعد ابن سالم
متى يرع هذا الموت عينا بصيرة ... تجد عادلا منه شبيها بظالم
وقال عمارة:
وما نحن إلا رفقة قد ترحلت ... لقصد وأخرى قد أنيخت ركابها
وقال البحتري:
وما أهل المنازل غير ركب ... مناياهم رواح وابتكار «٣»
стр. 1286
ولما أتى معاوية موت زياد توجع، وقال:
وأفردت سهما في الكنانة واحدا ... سيرمى به أو يكسر السهم كاسره
الإعتبار بمن مات من الكبار والسّلاطين
قيل: لمّا مات الإسكندر وقف عليه أرسطاطاليس فقال: طالما كان هذا الشخص واعظا بليغا وما وعظ بموعظة في حياته أبلغ من عظته في مماته. أخذ هذا المعنى أبو العتاهية، فقال:
وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وحمل إلى أمه في تابوت من ذهب، فقالت: جمعت الذهب حيا وجمعك الذهب ميتا.
قال الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم بغير إياد «١»
أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد «٢»
وقال المتنبّي:
أين الأكاسرة الجبابرة الألى ... كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كلّ من ضاق الفضاء بجيشه ... وحواه عند الموت لحد ضيّق
وقال آخر:
ألم تر صول في آل برمك ... وآل نهيك والألى سلفوا قبل
لقد غرسوا غرس النخيل تمكّنا ... فما حصدوا إلا كما يحصد البقل «٣»
ونظرت امرأة إلى جعفر بن يحيى مصلوبا فقالت: لئن كنت في الحياة غاية فلقد صرت في الممات آية.
قال شاعر:
ومن كان ذا باب شديد وحاجب ... فعمّا قليل يهجر الباب حاجبه
وقال آخر:
الموت يأتي كلّ ... محتجب ولا يستأذن
تناهى بعد من مات
قال أبو حية النمري:
فلا غائب من كان يرجى إيابه ... ولكنه من ضمّن اللحد غائب
стр. 1287
وقال آخر:
بلى كلّ من تحت التراب بعيد
وقال آخر:
ومن نصب المنون بعيد
قال النابغة:
حسب الخليلين نأي الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بالي
الغفلة عن الموت
قال النبي ﷺ : كان الحق على غيرنا وجب، وكان الموت على غيرنا كتب، وكان من نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنّا مخلدون بعدهم. وقال الحسن ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت، أخذه محمد بن وهب، فقال:
تراع لذكر الموت ساعة ذكره ... وتعترض الدنيا فتلهو وتلعب
يقين كان الشكّ غالب أمره ... عليه وعرفان إلى الجهل ينسب
وقال الحسن وهو في جنازة: يا قوم لو أن هذا الرجل أخذه سلطانكم لفزعتم.
قالوا: بلى. قال: قد أخذه ربكم فلم لا تفزعون.
وقيل: من لم يرتدع بالموت وبالقرآن، ثم تناطحت الجبال بين يديه، لم يرتدع.
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: ما هذا التغافل عما أمرتم به والتسرع إلى ما نهيتم عنه، إن كنتم على يقين فأنتم حمقى وإن كنتم على شك فأنتم هلكى. قال أبو العتاهية:
الموت لو صحّ اليقين به ... لم ينتفع بالموت ذاكره
وقال محمد بن بشير:
يا حسرتي في كلّ يوم مضى ... يذكرني الموت وأنساه
وقال الموسوي:
ونأمل من وعد المنى غير صادق ... ونأمن من وعد المنى غير كاذب
نراع إذا ما شيك أخمص بعضنا ... وأقدامنا من بين شوك العقارب
الأجل حائل بين الإنسان والأمل
قيل: لو ظهرت الآجال لافتضحت الآمال ووجد حجر بدمشق مكتوب عليه: يا ابن آدم لو رأيت ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك.
وقال أمير المؤمنين: إنكم في أجل محدود، وأمل ممدود، ونفس معدود، ولا بد للأجل أن يتناهى وللأمل أن يطوى وللنفس أن يحصى.
وقيل لحكيم: ما أبعد الأشياء من الناس؟ قال: الأمل، فقيل: وما أقرب الأشياء منهم؟ فقال: الأجل.
стр. 1288
من مات بعد الكبر
عاش نوح ﵇ ما عاش، وقيل له لما أشرف على الموت: كيف وجدت الدنيا؟ فقال: وجدتها دارا دخلتها من باب وخرجت من آخر.
وقال بعضهم:
وكلّ امرئ يوما وإن عاش حقبة ... له غاية تجري إليه ومنتهى
وقال محمود الوراق:
وما صاحب السبعين والعشر بعدها ... بأقرب ممّن حنّكته القوابل «١»
ولكنّ آمالا يؤمّلها الفتى ... وفيهنّ للراجين حقّ وباطل
وقال المتنبّي:
وأوفى حياة الغادرين لصاحب ... حياة امرئ خانته بعد مشيب
الموت لا يفوته أحد
قيل: من لم يمت عاجلا مات آجلا.
قال شاعر:
فمن لم يلاق الموت كاس منيّة ... فلا بدّ منه أن تصادفه غدا
وقال آخر:
كلّ حيّ مملّك ... سوف يفنى وما ملك
وقال آخر:
وكلّ جمع في الورى لتفرّق
وقال آخر:
من لم يمت غبطة يمت هرما «٢»
وقيل لابن المقفع: قد كنت نعيت إلينا. فقال: ما بعد كائن ولا قرب بائن.
وقال ابن المعتز:
ألا إنما جسمي لروحي مطية ... ولا بد يوما أن يعرّى من الرحل «٣»
الموت لا يتخّلص منه بالطب
قيل للربيع بن خيثم في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا لقد كان فيهم أطباء فما أرى المداوي بقي ولا المداوى صلح:
ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرئ مثله فيما مضى
стр. 1289
هلك المداوي والمداوى والذي ... جلب الدواء وباعه ومن اشترى
وقال المتنبّي:
يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبّه
ودخل الفرزدق على مريض يعوده فسمعه يطلب طبيبا، فقال:
يا طالب الطبّ من داء تخوّفه ... إن الطبيب الذي أبلاك بالداء
هو الطبيب الذي يرجّى لعافية ... لا من يدوف لك الترياق بالماء «١»
وقال آخر:
وأعيا دواء الموت كلّ طبيب
وفي باب الطب بعض ذلك وأشباهه.
التحرّز لا يخلّص من الموت
قيل: إذا انقضت المدة فالحتف في العدة.
وقال شاعر:
كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك
وقال أبو ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع «٢»
وقال المخبل:
ولئن بنيت لي المشقّر في ... هضب يقصر دونه العصم
وقيل: إن عبد الملك هرب من الطاعون، فركب ليلا وأخرج غلاما معه وكان ينام على دابته فقال للغلام: حدثني، فقال: ومن أنا حتى أحدثك؟ فقال: على كل حال حدّث حديثا سمعته. فقال: بلغني أن ثعلبا يخدم أسدا ليحميه ويمنعه ممن يريده، فكان يحميه فرأى الثعلب عقابا فلجأ إلى الأسد فأقعده على ظهره فأنقض العقاب واختلسه، فصاح الثعلب: يا أبا الحارث أغثني واذكر عهدك لي، فقال: إنما أقدر على منعك من أهل الأرض وأما أهل السماء فلا سبيل لي إليهم. فقال عبد الملك: وعظتني وأحسنت.
انصرف فانصرف ورضي بالقضاء. ويروى لبعض الجن:
رأى الحصن منجاة من الموت فارتقى ... إليه فزارته المنيّة في الحصن
وقال آخر:
يوشك من فرّ من منيّته ... في بعض غرّاته يصادفها «٣»
стр. 1290
وقال آخر:
وإذا خشيت من الأمور مقدّرا ... وفررت منه فنحوه تتوجّه
وقال حجر العبسي:
فقل للملتقي عرض المنايا ... توقّ فليس ينفعك اتقاء
وقال ثعلبة العبدي:
أمن حذر آتي المتالف سادرا ... وأية أرض ليس فيها متالف «١»
وقال آخر:
لا تأمننّ وإن أصبحت في حرم ... إن المنايا بجنبي كلّ إنسان
وقال أبو ذؤيب:
يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت ... نشيبة والطراق يكذب قبولها «٢»
ولو أنني استودعته الشمس لارتقت ... إليه المنايا عينها ورسولها
وقال آخر:
كلّ يدور على البقاء مجاهدا ... وعلى العناء تديره الأيام «٣»
كلّ إنسان يفقد أو يفقد أقاربه
قال بعض الحكماء: من طال عمره رأى المصائب في إخوانه وجيرانه، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه.
قال شاعر:
كل امرئ ستئيم من ... هـ العرس أو منها يئيم «٤»
وقال الموسوي:
فمؤجّل يلقى الرّدى في أهله ... ومعجّل يلقى الرّدى في نفسه
وقال المتنبّي:
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب
تملّكها الآتي تملّك سالب ... وفارقها الماضي فراق سليب
стр. 1291
الموت لا يدفع بالأسلحة
قال علقمة:
بل كلّ قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريقهم بأثافي الشرّ مرجوم «١»
وقال المتنبيّ:
نعدّ المشرفيّة والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال «٢»
ونرتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي «٣»
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
وقال الموسوي:
تفوز بنا المنون وتستبدّ ... ويأخذنا الزمان فلا يردّ
رويدك بالفرار من المنايا ... فليس يفوتها الساري المجدّ «٤»
وكلّ فتى يحفّ بجانبيه ... خواطر بالقنا قنب وجرد «٥»
فما دفع المنايا عنه وفر ... ولا هزم النّوائب عنه جند
الحياة معرضّة لسهام المنايا
قال أبو العتاهية:
إنّ للموت لسهما قاصدا ... ليس يفدي أحدا منه أحدا
وقال الرفاء:
نحن أغراض خطوب إن رمت ... حيرت في دقّة الرمي ثعل «٦»
وإذا ما اختلفت أسهمها ... فأصابت بطل القرم بطل «٧»
صحيح مات
قيل لحكيم: مات فلان أصح ما كان، فقال: أو صحيح من الموت في عنقه. وقيل للحسن: مات فلان فجأة، فقال: لم يمت فجأة لمرض فجأة، ثم قال: اللهم أجرني من أن أكون مختلسا. وقيل لأعرابي: كيف مات أبوك؟ قال: مات سرا يعني فجأة. وقال شاعر:
وربما غوفص ذو غرّة ... أصحّ ما كان ولم يسلم «٨»
стр. 1292
وقيل لرجل: ما كان سبب موت فلان؟ قال: كونه. وقال سفيان: يا ابن آدم إن جوارحك سلاح الله عليك بأيها شاء قتلك.
ضعف بنية الإنسان وتركيبه
سئل جالينوس عن الإنسان فقال: سراج ضعيف وكيف يدوم ضوؤه بين أربع رياح.
يعني بالسراج روحه وبالرياح الأربع طبائعه قال شاعر:
وما المرء إلا كالشّهاب وضوئه ... يصير رمادا بعد إذ هو ساطع
وقال أفلاطون: إذا كانت الطينة فاسدة والبنية ضعيفة والطبائع متنافية والعمر يسيرا والمنية راصدة فالثقة باطلة. قال شاعر:
أنظر إلى هذا الأنام بعبرة ... لا يعجبنّك خلقه ورواؤه «١»
بيناه كالورق النضير تقضّبت ... أغصانه وتسلّبت شجراؤه «٢»
وقال الحسن: مسكين ابن آدم مكتوب الأجل والعلل، أسير الجوع والشبع.
إتيان المرء حتفه حيثما قدّر له
قيل لفيلسوف: مات فلان في غربة، فقال: ليس بين الموت في الوطن والغربة فضل. لأن الموت في جميع المواضع واحد والطريق إلى الآخرة من كل مكان سواء.
قال شاعر:
إذا ما امرؤ حانت عليه منيّة ... بأرض أتاها مكرها لا تطوّعا
وقال آخر:
إذا ما حمام المرء كان ببلدة ... دعته إليها حاجة أو تطرّب «٣»
جهل الإنسان بوقت موته وموضع مضجعه
قال الله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
«٤» . وقيل لجعفر بن محمد عليهما الرضوان: كيف يأتي الموت من وجوه شتى على أحوال شتى؟ فقال: إن الله أراد أن لا يؤمن في حال. وقيل: أمر لا تدري متى يغشاك ألا تستعد له قبل أن يفجأك.
وقال ديك الجن:
النّاس قد علموا أن لا بقاء لهم ... لو أنّهم عملوا مقدار ما علموا
стр. 1293
وقال آخر:
وإنّك لا تدري بأية بلدة ... تموت ولا عن أي شقّيك تصرع «١»
تسوية الموت بين الأفاضل والأراذل
قال مالك بن دينار: قدم علينا بشر بن مروان أخو الخليفة فطعن في قدمه فمات، فأخرجناه إلى القبر فلما صرنا إلى الجبان، إذا نحن بسودان يحملون صاحبا لهم إلى القبر فدفناه ودفنوا صاحبهم، فعدت قبل الأسبوع فلم أعرف قبر الأسود من قبره، وعلى هذا قول الشاعر:
ولقد مررت على القبور فما ... ميزّت بين العبد والمولى
وقال المتنبّي:
وصلت إليك يد سواء عندها ال ... بازي الأشيهب والغراب الأبقع «٢»
ويروى أن الإسكندر مرّ بمدينة قد ملكها غيره من الملوك فقال: انظروا هل بقي بها أحد من نسل ملوكها؟ فقالوا: رجل يسكن المقابر، فأحضره وسأله عن إقامته، فقال:
أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء. فقال: هل تتبعني فأحيي شرفك إن كان لك همة، فقال: همّتي عظيمة إن أنلتنيها، فقال: ما هي؟ قال: حياة لا موت معها، وشباب لا هرم معه، وغنى لا فقر معه، وسرور لا مكروه فيه. فقال ليس عندي هذا، فقال: دعني ألتمسه ممّن هو عنده، فقال: ما رأيت مثله حكيما.
وأمر بشر بن الوليد أن يكتب على قبره:
من مات فات وفي المقابر يستوي ... تحت التراب شريفه ووضيعه
وقال صالح بن عبد القدوس:
فيا منزلا سوّى البلى بين أهله ... فلم يستبن فيه الملوك من السّوقي «٣»
انقضاء ناس بعد ناس ورجوعهم إلى الموت
قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: إن لله في كل يوم ثلاث عساكر، عسكر ينزل من الأصلاب إلى الأرحام، وعسكر ينزل من الأرحام إلى الأرض، وعسكر ينتقل من الدنيا إلى الآخرة. وقال شاعر:
وما نحن إلا رفقة غير أنّنا ... أقمنا قليلا بعدهم ونروح
стр. 1294
ودخل العتبي المقابر، فأنشد:
سقيا ورعيا لإخوان لنا سلفوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد «١»
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد
وقال الغطمش:
أرى الأرض تبقى والأخلّاء تذهب
ونحوه:
إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها ... فقدت صديقا والبلاد كما هيا
وقيل لبهلول وقد أقبل من مقبرة: من أين؟ فقال: من عسكر الموتى. فقيل: ما قلت وما قالوا؟ فقال: سألتهم متى يرحلون؟ فقالوا: ننتظر قدومكم ثم نرتحل. ونحو هذا قول الحسن: يا عجبا بقوم أمروا بالزاد وأذنوا بالارتحال وأقام أولهم على آخرهم وآخرهم قعود يلعبون فليت شعري ما الذي ينتظرون؟
قال الموسوي:
تملي المقادير أعمارا وتنسخها ... ويضرب الدهر أياما بأيّام «٢»
مرجع الإنسان إلى ما خلق منه
قال الله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
«٣» .
وقال المتنبي:
إلى مثل ما كان الفتى يرجع الفتى ... يعود كما أبدي ويكري كما أرمى «٤»
قال الخبزارزي:
هو الموت مخلوق له الخلق أجمع ... فليس له عن أنفس النّاس مقلع «٥»
وقال المتنبّي:
نحن بنو الدنيا فما بالنا ... نعاف ما لا بدّ من شربه «٦»
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هنّ من كسبه
فهذه الأرواح من جوّه ... وهذه الأجساد من تربه
لو فكّر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه «٧»
стр. 1295
ومنها:
يموت راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبّه «١»
وربّما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه «٢»
فهذا الكلام هو الجوهر الذي لا قيمة له.
ذمّ من يخاف الموت ولا يستعدّ له
قال أمير المؤمنين ﵇ لرجل: كيف أنتم؟ قال: نرجو ونخاف قال: من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه. وقال أبو الدرداء: العجب لمن يكره الموت لإساءته ولا يكره الإساءة في حياته. ونظر الحسن إلى جنازة يزدحم الناس عليها، فقال: مالكم تزدحمون ها هي سارية في المسجد، أقعدوا تحتها واصنعوا ما كان يصنع حتى تكونوا مثله.
وقال الحسن لشيخ في جنازة: أترى هذا الميت لو رجع إلى الدنيا كان يعمل صالحا.
قال: نعم، قال: إن لم يكن ذاك فكن أنت ذاك. وقال علي بن عبد العزيز:
إذا قلت لم يبلغ بي السّنّ مبلغا ... وعظت بطفل صار قبلي إلى التّرب
الحثّ على تعاطي ما يسهّل الموت
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أكره الموت. فقال: ألك مال؟ قال: نعم، قال:
قدّمه فإن قلب كل امرئ عند ماله. وقال رجل لأبي الدرداء: ما بالنا نكره الموت؟ قال:
لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب.
وقال أبو حازم: كل عمل تكره الموت لأجله فدعه كي لا تخاف منه متى أتاك.
من أمر ذويه بالبكاء عليه
قيل فيما روي عن النبي ﷺ : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، أنه إنما عنى إذا هو أمرّ به، نحو قول طرفة بن العبد:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله ... وشقّي عليّ الجيب يا أمّ معبد «٣»
وقول الفرزدق:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله ... فكلّ جميل قلت فيّ مصدّق
وقال ابن المعتز:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله ... ولا تذخري دمعا إذا قام نائح
стр. 1296
وقولي ثوى طود المكارم والعلى ... وعطّل ميزان من الحلم راجح «١»
من أظهر جزعا عند موته
لما أحضر حجر بن عدي ليقتل سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين، وأظهر جزعا.
فقيل له أتجزع؟ فقال: كيف لا؟ وإني لأرى سيفا مشهورا وقبرا محفورا، ولست أدري إلى جنة يمضي بي أم إلى نار؟ وبكى الحسن بن علي عليهما الرضوان فقيل له: ما يبكيك؟
وقد ضمن لك رسول الله ﷺ الجنة. فقال: إني أسلك طريقا لم أسلكها وأقدم على سيد لم أره. وقيل لبشر بن الحارث: كرهت الموت فقال: القدوم على الله شديد.
من أظهر النّدم عند موته ما فرّط منه
قال عبد الملك عند موته: وددت أنّي كنت غسالا آكل كل يوم كسب يومي لا يفضل عنّي. فقيل ذلك لأبي حازم فقال: الحمد لله الذي جعلنا بحيث يتمنى الملوك حالنا عند الموت ولا نتمنى حالهم.
ولما نزل الموت بهشام جعل ولده يبكون عليه فقال: جاد هشام عليكم بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما اكتسب. ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له. ولما أدنف المأمون أمر أن يفرش له فجعل يتمرّغ فيه ويقول:
كلّ عيش وإن تطاول يوما ... صائر مرّة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل يومي هذا ... في قلال الجبال أرعى الوعولا «٢»
وأغمي عليه ثم أفاق، وهو يقول:
لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما
اللهم لا بريء فأعتذر ولا قويّ فأنتصر، ثم أغمي عليه فلما أفاق، قال:
إن تغفر اللهم تغفر جمّا ... وأي عبد لك ما ألمّا
وتمثّل عضد الدولة عند موته بقول القاسم بن عبيد الله:
قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدوا ولم أمهل على ظنة خلقا «٣»
وأخليت دور الملك من كل نازل ... فشرّدتهم غربا وبدّدتهم شرقا
فلمّا بلغت النجم عزّا ورفعة ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقّا
رمى لي الرّدى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى «٤»
فأذهب دنياي وديني سفاهة ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى «٥» ؟
стр. 1297
وأوصى الشبلي ﵀ أن يكتب على قبره: تركت الجنة وليس لها قيمة وتعلقت بالدنيا وليس لها بقاء، وضيعت العمر وليس له بدل، واتبعت النساء وليس لهن وفاء، وجفوت الربّ وليس منه عوض.
ذمّ من امتنع من التّوبة عند موته
إعتل أعرابي فقيل له: لو تبت، فقال: لست ممن يعطي على الذلّ إن عافاني الله تبت وإلا مت هكذا. وقيل للحجّاج: ألا تتوب؟ فقال: إن كنت مسيئا فليست هذه ساعة التوبة، وإن كنت محسنا فليست ساعة الفزع.
ذمّ من أوصى بما ليس له من ماله
قال النبي ﷺ : إن لك من مالك الثلث والثلث كثير. وقال: لا نذر في معصية الله ولا وصية في مال الغير. وقيل لميمون بن مهر: إنّ رقية أعتقت كل مولاة لها عند موتها فقال: إنهم يعصون في أموالهم مرتين، يبخلون بها وهي في أيديهم حتى إذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها.
الحثّ على أن يكون الإنسان وصيّ نفسه
. قيل: كن وصيّ نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك واعلم صدق الذي يقول:
ولا يغررك من توصي إليه ... فقصر وصية المرء الضياع
وفي الزهديات بعض ما أوصى به الصّالحون
ذكر الحسن عن بعضهم لمّا حضرته المنية قيل له: أوص. فقال: أوصيكم على المحافظة بآخر سورة النحل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
«١» . وقيل لهرم بن حيّان: أوص. قال: مالي من مال فقد صدقتني في الحياة نفسي، ولكني أوصي بخواتيم سورة البقرة.
وقيل لعمر بن عبد العزيز: أوص لبنيك. فقال: أوصي بهم الذي أنزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.
من أوصى بشرّ عند موته وذكر قساوة قلبه
لما حضرت وكيعا الوفاة دعا بنيه فقال: يا بنيّ إن قوما سيأتونكم قد قرّحوا جباههم وعرّضوا لحاهم يدعون أن لهم عند أبيكم دينا فلا تقضوهم فإن أباكم قد حمل من الذنوب ما إن غفرها الله له لم تضره هذه وإلا فهي معها.
ولما حضرت سعد بن زياد الوفاة جمع ولده وقال: يا بني أوصيكم بالناس شرا
стр. 1298
كلموهم نزرا وأطعنوهم شزرا ولا تقبلوا لهم عذرا، أقصروا الأعنّة واشحذوا الأسنّة وكلوا القريب يرهبكم البعيد. ولما حضرت الفرزدق الوفاة قال لقومه:
أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جلّ عن العتاب «١»
إلى من تفزعون إذا حثيتم ... بأيديكم عليّ من التراب «٢»
فقالت مولاة له: إلى الله تعالى، فقال: أتتكلمين على غيري، وأنت تعيشين في مالي؟ أمحو اسمها وكتبها من الوصية.
وقيل للحطيئة: أوص يا أبا مليكة، قال: نعم أخبروا الشمّاخ أنه أشعر العرب، فقيل أوص للمساكين، فقال: أوصيهم بالإلحاف في المسألة، قيل: أعتق عبدك فلانا، قال: هو عبد ما بقي على ظهر الأرض وعتيق إذا صار في بطنها، فقيل: أوص فإن لك بنات قال:
مالي للذكور دون الإناث، فقالوا له: إن الله لم يقل كذا قال: أنا أقوله، قيل: فأوص للأيتام بشيء، قال: كلوا أموالهم وانكحوا أمهاتهم. ثم قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط، وويل للشعر من رواة السوء.
وكان دريد بن الصمة قد عاش أربعمائة سنة فلما نزل به الموت قال لولده: أوصيكم بالناس شرا، طعنا لزا وضربا أزا، وإن أردتم المحاجزة فقبل المناجزة، أقصروا الأعنة وأطيلوا الأسنة وأرعوا الكلأ، ثم قال:
اليوم هيي لدريد بيته ... يا ربّ بهت حسن حويته «٣»
ومعصم ذي مرة لويته ... لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحدا كفيته «٤»
قال إسماعيل بن قيس: دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فقال: هل الدنيا إلا ما جربنا لوددت أني لا أقيم فيكم ثلاثا حتى ألقى الله، فقلنا: إلى رحمة الله.
فقال: إلى ما شاء الله. إني لم آل فيكم إذ وليتكم فإن الله لو كره أمرا غيّره. قال ابن عيينة: هذا والله الاغترار، ألم تكن مقاتلته عليا وقتله حجرا وبيعته ليزيد مما يكره الله تعالى؟
من أحبّ الموت وذكر نفعه ومضرّته
قال عبد الله بن مسعود: ما من نفس حيّة إلا والموت خير لها إن كان برا فإن الله تعالى يقول: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
«٥» ، وإن كان فاجرا فإن الله تعالى يقول: وَلا
стр. 1299
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
«١» .
ولما حضر بشرا الموت فرح، فقيل له: تستبشر بالموت، فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي على مخلوق أخافه.
وقال بعضهم: لا يكره الموت إلا مريب.
وسئل فيلسوف عن الموت: فقال هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء، وقال المتنبّي:
نعير حلاوات النفوس قلوبنا ... فنختار بعض العيش وهو حمام
وله:
وما الدهر أهل أن تؤمّل عنده ... حياة وأن تشتاق فيه إلى النّسل «٢»
وقال آخر:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف
وقال بعضهم: لا يكون الحكيم حكيما حتى يعلم أن الحياة تسترقّه والموت يعتقه.
وقال الأخطل:
والناس همّهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال «٣»
وقال الجنيد: من كان حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه فتصعب عليه، ومن كان حياته بربّه فإنه ينتقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي الحياة على الحقيقة.
من تمنّى الموت
قيل: شر من الموت ما إذا نزل تمنيت الموت لنزوله. وقيل: خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة.
قال المهلبيّ:
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن روح حرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه
وقال المتنبّي:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وقال الموسوي:
آها لنفس حبست في جلدي ... إن الأسير غرض بالقدّ «٤»
стр. 1300
واعتل الشبلي ثم برأ فقال له بعض أصحابه: كيف أنت؟ فقال:
كلما قلت قد دنا حل قيدي ... قدموني وأوثقوا المسمارا
الحياة لا تملّ
قال بعض الحكماء: الحياة وإن طالت لا تمل وإنما يمل المرء تكاليف الحياة ولهذا فضّل قول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
على قول لبيد:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
وقيل: إن الحياة لا تسأم وإنما تسأم تكاليفها، قال المتنبي:
ولذيذ الحياة أنفس في النفس ... وأشهى من أن يملّ وأحلى
وإذا الشيخ قال أف فما م ... لّ حياة وإنما الضّعف ملّا
آلة العيش صحّة وشباب ... فإذا ولّيا عن المرء ولّى
ودخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخا. فقال: يا شيخ أيسرك أن تموت؟ فقال: لا والله. قال: لم؟ وقد بلغت من السن ما أرى؟ قال: نفى الشباب وشره وبقي الشيب وخيره، فأنا إذا قعدت ذكرت الله وإذا قمت حمدت الله فأحب أن تدوم لي هاتان الحالتان.
المستنكف أن يموت حتف أنفه
قال الشنفرى:
فلا تقبروني إنّ قبري محرّم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر «١»
وقال بكر بن عبد العزيز:
إن موت الفراش ذلّ وعار ... وهو تحت السيوف فضل شريف
وإني لأستحسن قول أبي فراس بن حمدان:
متى ما يدن من أجلي كتابي ... أمت بين الأسنّة والأعنّة «٢»
وقال آخر:
فيا ربّ لا تجعل حياتي دنيئة ... ولا ميتتي يا ربّ بين النوائح
ولكن صريعا بين أرماح فتية ... طوال القنا من فوق أدهم قادح «٣»
следующие страницы →