← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقولي ثوى طود المكارم والعلى ... وعطّل ميزان من الحلم راجح «١» من أظهر جزعا عند موته لما أحضر حجر بن عدي ليقتل سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين، وأظهر جزعا. فقيل له أتجزع؟ فقال: كيف لا؟ وإني لأرى سيفا مشهورا وقبرا محفورا، ولست أدري إلى جنة يمضي بي أم إلى نار؟ وبكى الحسن بن علي عليهما الرضوان فقيل له: ما يبكيك؟ وقد ضمن لك رسول الله ﷺ الجنة. فقال: إني أسلك طريقا لم أسلكها وأقدم على سيد لم أره. وقيل لبشر بن الحارث: كرهت الموت فقال: القدوم على الله شديد. من أظهر النّدم عند موته ما فرّط منه قال عبد الملك عند موته: وددت أنّي كنت غسالا آكل كل يوم كسب يومي لا يفضل عنّي. فقيل ذلك لأبي حازم فقال: الحمد لله الذي جعلنا بحيث يتمنى الملوك حالنا عند الموت ولا نتمنى حالهم. ولما نزل الموت بهشام جعل ولده يبكون عليه فقال: جاد هشام عليكم بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما اكتسب. ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له. ولما أدنف المأمون أمر أن يفرش له فجعل يتمرّغ فيه ويقول: كلّ عيش وإن تطاول يوما ... صائر مرّة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل يومي هذا ... في قلال الجبال أرعى الوعولا «٢» وأغمي عليه ثم أفاق، وهو يقول: لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما اللهم لا بريء فأعتذر ولا قويّ فأنتصر، ثم أغمي عليه فلما أفاق، قال: إن تغفر اللهم تغفر جمّا ... وأي عبد لك ما ألمّا وتمثّل عضد الدولة عند موته بقول القاسم بن عبيد الله: قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدوا ولم أمهل على ظنة خلقا «٣» وأخليت دور الملك من كل نازل ... فشرّدتهم غربا وبدّدتهم شرقا فلمّا بلغت النجم عزّا ورفعة ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقّا رمى لي الرّدى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى «٤» فأذهب دنياي وديني سفاهة ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى «٥» ؟

стр. 1297

وأوصى الشبلي ﵀ أن يكتب على قبره: تركت الجنة وليس لها قيمة وتعلقت بالدنيا وليس لها بقاء، وضيعت العمر وليس له بدل، واتبعت النساء وليس لهن وفاء، وجفوت الربّ وليس منه عوض. ذمّ من امتنع من التّوبة عند موته إعتل أعرابي فقيل له: لو تبت، فقال: لست ممن يعطي على الذلّ إن عافاني الله تبت وإلا مت هكذا. وقيل للحجّاج: ألا تتوب؟ فقال: إن كنت مسيئا فليست هذه ساعة التوبة، وإن كنت محسنا فليست ساعة الفزع. ذمّ من أوصى بما ليس له من ماله قال النبي ﷺ : إن لك من مالك الثلث والثلث كثير. وقال: لا نذر في معصية الله ولا وصية في مال الغير. وقيل لميمون بن مهر: إنّ رقية أعتقت كل مولاة لها عند موتها فقال: إنهم يعصون في أموالهم مرتين، يبخلون بها وهي في أيديهم حتى إذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها. الحثّ على أن يكون الإنسان وصيّ نفسه . قيل: كن وصيّ نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك واعلم صدق الذي يقول: ولا يغررك من توصي إليه ... فقصر وصية المرء الضياع وفي الزهديات بعض ما أوصى به الصّالحون ذكر الحسن عن بعضهم لمّا حضرته المنية قيل له: أوص. فقال: أوصيكم على المحافظة بآخر سورة النحل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ «١» . وقيل لهرم بن حيّان: أوص. قال: مالي من مال فقد صدقتني في الحياة نفسي، ولكني أوصي بخواتيم سورة البقرة. وقيل لعمر بن عبد العزيز: أوص لبنيك. فقال: أوصي بهم الذي أنزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين. من أوصى بشرّ عند موته وذكر قساوة قلبه لما حضرت وكيعا الوفاة دعا بنيه فقال: يا بنيّ إن قوما سيأتونكم قد قرّحوا جباههم وعرّضوا لحاهم يدعون أن لهم عند أبيكم دينا فلا تقضوهم فإن أباكم قد حمل من الذنوب ما إن غفرها الله له لم تضره هذه وإلا فهي معها. ولما حضرت سعد بن زياد الوفاة جمع ولده وقال: يا بني أوصيكم بالناس شرا

стр. 1298

كلموهم نزرا وأطعنوهم شزرا ولا تقبلوا لهم عذرا، أقصروا الأعنّة واشحذوا الأسنّة وكلوا القريب يرهبكم البعيد. ولما حضرت الفرزدق الوفاة قال لقومه: أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جلّ عن العتاب «١» إلى من تفزعون إذا حثيتم ... بأيديكم عليّ من التراب «٢» فقالت مولاة له: إلى الله تعالى، فقال: أتتكلمين على غيري، وأنت تعيشين في مالي؟ أمحو اسمها وكتبها من الوصية. وقيل للحطيئة: أوص يا أبا مليكة، قال: نعم أخبروا الشمّاخ أنه أشعر العرب، فقيل أوص للمساكين، فقال: أوصيهم بالإلحاف في المسألة، قيل: أعتق عبدك فلانا، قال: هو عبد ما بقي على ظهر الأرض وعتيق إذا صار في بطنها، فقيل: أوص فإن لك بنات قال: مالي للذكور دون الإناث، فقالوا له: إن الله لم يقل كذا قال: أنا أقوله، قيل: فأوص للأيتام بشيء، قال: كلوا أموالهم وانكحوا أمهاتهم. ثم قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط، وويل للشعر من رواة السوء. وكان دريد بن الصمة قد عاش أربعمائة سنة فلما نزل به الموت قال لولده: أوصيكم بالناس شرا، طعنا لزا وضربا أزا، وإن أردتم المحاجزة فقبل المناجزة، أقصروا الأعنة وأطيلوا الأسنة وأرعوا الكلأ، ثم قال: اليوم هيي لدريد بيته ... يا ربّ بهت حسن حويته «٣» ومعصم ذي مرة لويته ... لو كان للدهر بلى أبليته أو كان قرني واحدا كفيته «٤» قال إسماعيل بن قيس: دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فقال: هل الدنيا إلا ما جربنا لوددت أني لا أقيم فيكم ثلاثا حتى ألقى الله، فقلنا: إلى رحمة الله. فقال: إلى ما شاء الله. إني لم آل فيكم إذ وليتكم فإن الله لو كره أمرا غيّره. قال ابن عيينة: هذا والله الاغترار، ألم تكن مقاتلته عليا وقتله حجرا وبيعته ليزيد مما يكره الله تعالى؟ من أحبّ الموت وذكر نفعه ومضرّته قال عبد الله بن مسعود: ما من نفس حيّة إلا والموت خير لها إن كان برا فإن الله تعالى يقول: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ «٥» ، وإن كان فاجرا فإن الله تعالى يقول: وَلا

стр. 1299

يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً «١» . ولما حضر بشرا الموت فرح، فقيل له: تستبشر بالموت، فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي على مخلوق أخافه. وقال بعضهم: لا يكره الموت إلا مريب. وسئل فيلسوف عن الموت: فقال هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء، وقال المتنبّي: نعير حلاوات النفوس قلوبنا ... فنختار بعض العيش وهو حمام وله: وما الدهر أهل أن تؤمّل عنده ... حياة وأن تشتاق فيه إلى النّسل «٢» وقال آخر: قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف وقال بعضهم: لا يكون الحكيم حكيما حتى يعلم أن الحياة تسترقّه والموت يعتقه. وقال الأخطل: والناس همّهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال «٣» وقال الجنيد: من كان حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه فتصعب عليه، ومن كان حياته بربّه فإنه ينتقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي الحياة على الحقيقة. من تمنّى الموت قيل: شر من الموت ما إذا نزل تمنيت الموت لنزوله. وقيل: خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة. قال المهلبيّ: ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه ألا رحم المهيمن روح حرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه وقال المتنبّي: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا وقال الموسوي: آها لنفس حبست في جلدي ... إن الأسير غرض بالقدّ «٤»

стр. 1300

واعتل الشبلي ثم برأ فقال له بعض أصحابه: كيف أنت؟ فقال: كلما قلت قد دنا حل قيدي ... قدموني وأوثقوا المسمارا الحياة لا تملّ قال بعض الحكماء: الحياة وإن طالت لا تمل وإنما يمل المرء تكاليف الحياة ولهذا فضّل قول زهير: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم على قول لبيد: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟ وقيل: إن الحياة لا تسأم وإنما تسأم تكاليفها، قال المتنبي: ولذيذ الحياة أنفس في النفس ... وأشهى من أن يملّ وأحلى وإذا الشيخ قال أف فما م ... لّ حياة وإنما الضّعف ملّا آلة العيش صحّة وشباب ... فإذا ولّيا عن المرء ولّى ودخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخا. فقال: يا شيخ أيسرك أن تموت؟ فقال: لا والله. قال: لم؟ وقد بلغت من السن ما أرى؟ قال: نفى الشباب وشره وبقي الشيب وخيره، فأنا إذا قعدت ذكرت الله وإذا قمت حمدت الله فأحب أن تدوم لي هاتان الحالتان. المستنكف أن يموت حتف أنفه قال الشنفرى: فلا تقبروني إنّ قبري محرّم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر «١» وقال بكر بن عبد العزيز: إن موت الفراش ذلّ وعار ... وهو تحت السيوف فضل شريف وإني لأستحسن قول أبي فراس بن حمدان: متى ما يدن من أجلي كتابي ... أمت بين الأسنّة والأعنّة «٢» وقال آخر: فيا ربّ لا تجعل حياتي دنيئة ... ولا ميتتي يا ربّ بين النوائح ولكن صريعا بين أرماح فتية ... طوال القنا من فوق أدهم قادح «٣»

стр. 1301

وقال أبو عمرو الشيباني: رأيت بالبصرة جنازة عليها مطرف خزّ أخضر، فسألت عنها فقيل: جنازة الطرمّاح، فذكرت قوله: فيا ربّ إن حانت وفاتي فلا تكن ... على شرجع يعلى بخضر المطارف «١» فعلمت أنّ الله لم يستجب دعاءه وهذا من باب الشجاعة، وقد مرّ مثله. العذر لعصابة تسرع إليهم المنية قال أبو تمّام: عليك سلام الله وقفا فإنّني ... رأيت الكريم الحرّ ليس له عمر وقال السامي: فلا تجزعنّ من موته وهو ناشىء ... ولا ينكرنّ هذاك من جرّب الدهرا فكلّ طويل المجد يقصر عمره ... كذاك سباع الطير أقصرها عمرا تسلي النّاس عمّن مات قيل: إذا أردت أن تنظر الناس من بعدك فانظر إليهم بعد من مات قبلك. قال أبو العتاهية: سيعرض عن ذكري وتنسى مودّتي ... ويحدّث بعدي للخليل خليل وقال منصور الفقيه: كلّ مذكور من النّاس ... إذا ما فقدوه فهو في حكم حديث ... حفظوه فنسوه وقال آخر: هالوا عليه التّرب ثم انثنوا ... عنه وخلّوه وأعماله لم ينقض النّوح من داره ... عليه حتى اقتسموا ماله كلمات وجدت مكتوبة على قبور قرئ على قبر: نقلنا من دار خبرة إلى دار عبرة أليس فينا عبرة؟ حكى أبو الفرج الكوفي قال: حضرت مجلس الصاحب وعنده علوي شامي يحدثه بما شاهد من الأعاجيب. قال: رأيت قبرا بفلسطين مكتوبا عليه: قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون. وقرئ على قبر: أنا في القبر وحيد ... قد تبرّا الأهل منّي

стр. 1302

أسلموني بذنوبي ... خبت إن لم تعف عنّي وقرئ على آخر: سيعرض عن ذكري وتنسى مودّتي ... ويحدّث بعدي للخليل خليل إذا انقطعت عنّي من العيش مدّتي ... فإن غناء الباكيات قليل وعلى آخر: أيّها الأخ الذي قد ... غاب عنّي وجفاني سوف يأتيك من الل ... هـ رسول قد أتاني فيبوئك من الأر ... ض مكانا كمكاني وعلى آخر: عشت دهرا في نعيم ... وسرور واغتباط ثم صار القبر بيتي ... وثرى الأرض بساطي وعلى باب مدينة جبلة بالشأم: إلى أيّ المدائن صرت يوما ... رأيت قبورها قبل القصور أتاك الوعظ قبل الحظّ منها ... نعم، ونذيرها قبل البشير نفي الشماتة عن الموت والنهي عنها لما مات الحسن بن علي ﵉ دخل عبد الله بن عباس على معاوية فقال له معاوية: يا ابن عباس مات الحسن بن علي. قال: نعم وقد بلغني سجودك. أما والله ما سد جثمانه حفرتك ولا زاد انقضاء أجله في عمرك. قال: أحسبه ترك صبية صغارا ولم يترك عليهم كثير معاش. فقال: إن الذي وكلّهم إليه غيرك. وقال الفرزدق: فقل للشّامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشّامتون كما لقينا وقال عديّ بن زيد: أيها الشامت المعيّر بالده ... ر أأنت المبرّأ الموفور؟ أم لديك العهد الوثيق من الأ ... يام بل أنت جاهل مغرور وقال آخر: تمنّى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد وحكى المبرد عن بعضهم أنه شاهد رجلا على قبر وهو يكثر البكاء، فقلت: أعلى قريب أو على صديق؟ فقال: أخصّ منهما، قد كان لي عدو فخرج إلى الصيد فرأى ظبيا فتبعه فعثر بالسهم فخرّ هو والظبي ميتين فدفن فانتهيت إلى قبره شامتا به، فإذا عليه مكتوب: وما نحن إلا مثلهم غير أنّنا ... أقمنا قليلا بعدهم وترحّلوا

стр. 1303

فها أنا واقف أبكي على نفسي. ولما مات الفرزدق بكى عليه جرير ورثاه، فقيل له: أبعد تلك المعاداة؟ فقال: لم أر إثنين بلغا الغاية ومات أحدهما إلا ولحقه الآخر عن كثب، فكان كذلك. وقال النبي ﷺ : لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك. وممّا يتصل بذلك لما أتى عبد الله بن الزبير خبر قتل مصعب أخيه احتجب أياما، فخبّر بمجيء قوم للتعزية فقال: أكره وجوها تعزّي ألسنتها وتشمت قلوبها. نفي العار عن الموت قالت ليلى الأخيلية: لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياة المعاير ومثله: وهل بالموت يا للناس عار؟ آخر أمر المرء الموت قال شاعر: نل كلّ ما شئت وعش ناعما ... آخر هذا كلّه الموت الموت منهاة الرجال قال أبو بكر العنبري: كنت قاعدا في الجامع فمرّ بي معتوه فأقبل عليّ، وقال: فهبك ملكت هذا الناس طرّا ... ودان لك العباد فكان ماذا ألست تصير في لحد ويحوى ... تراثك عنك هذا ثمّ هذا وقال آخر: هبك قد نلت كلّ ما تحمل الأر ... ض فهل بعد ذاك إلّا المنيّة وقال آخر: لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلّكم يصير إلى ذهاب كلمات لهج بها من حضره الموت فذكر الشهادة لما حضرت ابن جلاء الوفاة قيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: اليوم كذا سنة في أي شيء نحن؟ وقال الكسائي: دخلت البادية فرأيت شابا قد أشرف على الموت، فدنوت منه وقلت قل: لا إله إلا الله فلم يجب فثنيّت وثلّثت فقال: كم تذكرني بالله وأنا محترق في الله. وقيل: لرجل كان مستهترا بالنبيذ، قلّ: لا إله إلا الله، فقال: يا ربّ سائلة تمشي وقد تعبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب «١»

стр. 1304

وقيل لبعض الشطرنجيين ذلك، فقال: شاه مات. الكفن لما حضرت زياد الوفاة، قال له ابنه: يا أبت قد هيأت لك ثوبين لكفنك، فقال: يا بني قد دنا من أبيك لباس هو خير من هذا، أو سلب هو شر منه. وأوصى عبد الوهاب الأفريقي أن يكفّن في عباءته وقال: إني ختمت فيها ثلاثة آلاف ختمة. الطّواعين الطواعين المشهورة في الإسلام خمسة منها: طاعون شبرويه في المدائن سنة ست من الهجرة، وطاعون عمواس في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وطاعون الجارف سنة تسع وستين في شوال هلك في ثلاثة أيام كل يوم سبعون ألفا، مات لأنس بن مالك فيه ثلاث وثلاثون ابنا، ولعبد الرحمن بن أبي بكر أربعون ابنا، ومنها طاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة، كان يحصى في المربدة كل يوم عشرة آلاف جنازة. وقال بعضهم: رأيت في المنام في أيام الطاعون أنه أخرج من داري اثنتا عشرة جنازة وكنا اثنتي عشرة نفسا فمات منّا أحد عشر، فما شككت في أني تمام العدة، فخرجت يوما وعدت إلى داري فإذا لصّ قد دخل الدار يسرق ما فيها، فطعن ومات من ساعته فأخرجنا جنازته. ومات أهل دار ولم يبق فيها أحد فدخلوا الدار بعد أربعة أشهر، فإذا صبي في الدار يحبو، فنظروا فإذا كلبة تأتيه وترضعه، وكانت الدار تصبح وفيها خمسون وتمسي وليس فيها أحد. وقال بعضهم: تزوجت بامرأة ودخلت بها في أهلها، فخرجت وهي في عشيرتنا، فعدت فوجدتهم قد ماتوا كلهم وكان لا يجزع أحد على أحد لخوف كل أحد على نفسه. وأول ما أحدث: كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت أيام الطاعون. من استصوب الهرب من الطاعون تقدّم خبر عمر مع المغيرة في أول الكتاب، وأراد هشام أن يهرب من الطاعون فقيل له: لا تخرج فالخلفاء لا يطعنون. ولم يسمع بخليفة مات مطعونا قط، فقال لهم: أتريدون أن تجربوا ذلك فيّ. النهي عن ذلك كتب بعض عمال عمر إليه: إن الطاعون قد نزل بنا فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في إتيان قرية خربة، فوقّع في كتابه: إذا أتيت القرية الخربة فسلها عن أهلها والسلام. وكتب شريح إلى صديق له هرب إلى النجف من الطاعون: إن المكان الذي أنت فيه يعين من لا يفوته طلب ولا يعجزه هرب، والمكان الذي خلفت لا يعجل إلى امرئ حمامه، وأنت وهم على بساط واحد وإن النجف من ذي قدرة لقريب.

стр. 1305

من عزم على الهرب فعرض له ما صرفه قد تقدّم خبر عبد الملك حين هرب من الطاعون في هذا الفصل، وأراد رجل من أهل البصرة أن يهرب من الطاعون، فركب حمارا له ومعه غلام يتبعه فسأله أن يرتجز، فقال: لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي منعة طيّار قد يصبح الله أمام الساري فقال صدقت، وحطّ رحله ومات فيمن مات. كثرة الوباء كثر الموت سنة بالبصرة فقيل للحسن: ألا ترى؟ فقال: ما أحسن ما صنع ربّنا، أقلع مذنب وأنفق ممسك ولم يغلط بأحد. وإذا قيل له: قل الموت يقول: ما يبقى أحد. (٢) وممّا جاء في الغموم والصبر والتّعازي والمراقي الأسباب الموجبة للحزن قال يعقوب الكندي: أسباب الحزن فقد محبوب أو فوت مطلوب، ولا يسلم منهما إنسان. لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد. وقال الحسن: الدنيا دار غموم فمن عوجل فجع بنفسه، ومن أجّل فجع بأحبابه. وقال بعض أصحاب المنطق: من أراد أن لا يصاب بمصيبة فقد أراد ما لا يكون، لأن المصائب بالكون والفساد في الطبع فينبغي أن يكون منا على بال. إن جمع الأشياء التي تصل إلينا كانت قبلنا لغيرنا فانتقلت إلينا بشريطة ما كان لمن قبلنا. النّهي عن اتخاذ ما يورث الجزع ومدح فاعل ذلك . قال ابن الرومي: ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا وقيل لسقراط: مالك لا تجزع؟ قال: لأني لا أقتني ما يحزنني فقده. من نهى عن الجزع وبيّن قلّة عنايته قال النبي ﷺ : من انقطع رجاؤه مما فات استراح بدنه. وقيل لرجل اشتد جزعه: لو آمنت بالمرتجع لم تجزع، ولو اقتصدت في التمتع لم تضرع، فالجزع لا يلم ما تشعث ولا يرم ما انتكث. الجزع منقصة الحياة، ومن أعان على نقصان حياته فقد عظمت خطيئته.

стр. 1306

وقيل: التأسف على الفائت تضييع وقت ثان إن كنت جازعا لما أفلت منك، فاجزع على ما لم يصل إليك. الحزم التسلي عما لا يغني الغم فيه والاحتيال لدفع ما يندفع بالحيلة. وقيل لحكيم: الخوف أشدّ أم الحزن؟ فقال: الحزن لأن الخوف صار مكروها لما فيه من الحزن، فكما أن السرور غاية كل محبوب فالحزن غاية كل مكروه. ذهاب الحزن بعد انقضاء المدة الحزن ينضو عن ابن آدم كما ينضو الصبغ عن الثوب ولو بقي لقتله. قال المتنبي: وللواجد المكروب من زفراته ... سكون عزاء أو سكون لغوب «١» حقيقة الصبر قيل: الصبر حبس النفس على المكروه وعما تدعوك إليه. وقيل: الصبر صبران، صبر على المكروه فيما يلزمك فعله وصبر عما يدعوك إليه الهوى. وسمع رجل آخر يقول: اللهم أرزقني صبرا، فقال له: ما أراك تسأل الله إلا الغم. الحثّ على دفع النّدب بالصّبر قال النبي ﷺ : الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب. أفضل العدّة الصبر على الشدة. وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: الصبر مطيّة لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو. إذا استهدف غرض الهم فارمه بنبال الصبر. وقيل: اجعل صبرك على النوائب كفاء شكرك على المواهب. الصبر عند النقم والشكر عند النعم. وقال عمر ﵁: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت. الصبر يناضل الحدثان والجزع من أعوان الزمان. وما في الشكوى إلا أن تحزن صديقك وتشمت عدوك. وقال أنو شروان: جميع مكاره الدنيا تنقسم إلى قسمين، ضرب فيه حيلة فالإضطراب دواؤه، وضرب لا حيلة فيه فالإصطبار شفاؤه، وقالت الفرس: كلمتان يقولهما العاقل عند نائبته، إحداهما هذه الحال خير ممّا هو شر منها، والأخرى لعل الله أن يجعل في هذا المكروه خيرا. وكلمتان يقولهما الجاهل: لعل ما أصابني يدعو إلى شر منه والأخرى لو كان بدل هذا كذا وكذا من المصيبة، قال شاعر: ولخير حظّك في المصيبة أن ... يلقاك عند نزولها الصبر الصبر يفضي إلى الفرح والظفر الصبر على مرارة العاجل يفضي إلى حلاوة الآجل. إنك لا تنال قليل ما تحب إلا بالصبر على كثير ما تكره. حيلة من لا حيلة له الصبر. قيل: لكل شيء ثمرة وثمرة الصبر

стр. 1307

الظفر. قال أنوشروان: الصبر كاسمه وعاقبته العسل. وقيل: الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت. وقيل: مكتوب على باب الجنة من صبر عبر. حثّ الجزوع على الصّبر وتحكيمه بين الجزع والصّبر قال أمير المؤمنين كرّم الله وجهه: إن صبرت فأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك المقدور وأنت مأزور. قال بعضهم: رآني راكب وأنا مكبّ على قبر أبكي، فقال: اصبر فالصبر خير معية، فلم أصغ إليه، فولّى وهو يقول: فإن تصبرا فالصبر خير معيّة ... وإن تجزعا فالأمر ما تريان وقال أبو راكد: فإن صبرت فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعت فعلق منفس ذهبا وقال النابغة: ألا أيّها الباكي لأحداث دهره ... تحمّل على ما يحدث الدهر فاصبر فإن أنت لم تصبر لما كان جائيا ... وأبصرت تنكيرا لذاك فأنكر الحثّ على تصوّر النوائب والاستعداد لها لتخفّ عند نزولها قيل: ما أمتع الدهر إلا ليمنع ولولا اغترار الجاهل بفوائده لخلت النفوس من الحسرة على نوائبه. قيل: لا تخل قلبك من عوارض الفكر وخواطر الذكر فيما تعروك به الأيام من ارتجاع ودائعها وحلول وقائعها. وقيل: من كان متوقعا لم يلف متوجعا. قال ابن الرومي: ألم تر رزء الدهر من قبل كونه ... كفاحا إذا فكرت في الخلوات فما لك كالمرمي في مأمن له ... بنبل أتته غير مرتقبات فإن قلت مكروه أتاني فجأة ... فما فرحت نفس مع الخطرات ولا عوفصت نفس لبلوى وقد رأت ... عظات من الأيام بعد عظات «١» إذا بغتت أشياء قد كان مثلها ... قديما فلا تعتدها بغتات «٢» الغمّ يمرض البدن سئل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الحزن والغضب فقال: أصلاهما واحد، وذلك وقوع الأمر على خلاف المحبة فأما فرعاهما فمختلفان فالمكروه ممن فوقك ينتج حزنا وممن دونك ينتج غضبا. قال المتنبي: وحزن كلّ أخي حزن أخو الغضب

стр. 1308

وقيل: الأحزان تسقم القلوب كما أن الأمراض تسقم الأبدان. وقيل: الغمّ يشيب القلب والهرم يشيب الرأس. النّهي عن الإفراط في البكاء وإظهار الجزع على الأموات روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن الميت ليعذّب ببكاء أهله. وأنكرت عائشة ذلك وقرأت: (ألا تزر وزرة وزر أخرى) «١» . وقيل: معناه يعذّب بأفعاله التي يندب بها من غاراته وقتاله. ودخلت أعرابية الحضر فسمعت بكاء من دار فقالت: ما هذا؟ أراهم من ربّهم يستغيثون ومن استرجاعه يتضجرون ومن جزيل ثوابه يتبرمون. وقال أبو سعيد البلخي: من أصابته مصيبة فأكثر الغم جعل الله عقوبته غما مثله. قال الله تعالى: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا «٢» الآية. وقال ﷺ : النائحة إذا لم تنب قبل أن تموت أقيمت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من كبريت. الرخصة في البكاء وإظهار الجزع ما لم يكن إفراطا دخل عبد الرحمن بن عوف ﵁ على النبي ﷺ يوم موت إبنه إبراهيم، فوجد عينيه تذرفان، فقال: يا رسول الله ألست تنهانا عنه؟ قال: أنا ذو رحمة ولا يرحم من لا يرحم. وإنما نهى عن النياحة، وأن يندب المرء بما ليس فيه. وسمع عمر ﵁ باكية في جنازة فزجرها فقال النبي ﷺ : دعها فإن العهد قريب والنفس مصابة. وقام الحسن البصري على قبر أخيه فبكى شديدا فقيل له في ذلك فقال: ما رأيت الله عاتب يعقوب على طول بكائه على يوسف ﵉. بل قال: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ «٣» . وقيل لأعرابي: أصبر فالصبر أجر، فقال: أعلى الله أتجلد؟ والله للجزع أحب إليّ، لأن الجزع استكانة والصبر قساوة. وقيل لفيلسوف: أخرج الحزن من قلبك فقال: لم يدخله بإذني فأخرجه بإذني. وأفرطت امرأة في الجزع على إبنها فعوتبت في ذلك فقالت: إذا وقع حكم الضروريات لم يقع عليها حكم المكتسبات، فأما جزعى فليس في الطاعة صرفه ولا في القدرة منعه ولي عذر للضرورة، فإن الله تعالى يقول: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ «٤» وقال خالد بن صفوان: صبرك في مصيبتك أحمد من جزعك، وجزعك في مصيبة أخيك أحمد من صبرك.

стр. 1309

نفع البكاء في دفع الأحزان قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: كنت إذا أصابتني مصيبة وأنا شاب لا أبكي وكان يؤذيني ذلك حتى سمعت أعرابيا ينشد: لعلّ انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل «١» فسألته: لمن الشعر؟ فقال لذي الرمة فكنت إذا أصبت بكيت فاسترحت. قال العبق: ويشفي منّي الوجد ما أتواجع وقال المتنبّي: وقلّ غناء عبرة تسكبانها ... على أنّها تشفي الحرارة في الصّدر قلّة نفع البكاء قال أبو تمّام: أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع أن تزداد طول وقوع وقال أراكة: أعينيّ إن كان البكا ردّها لكما ... على أحد قبلي فلا تتركا جهدا وقال الموسوي: وإن غبين القوم من ظاعن الردى ... إذا جاء في جيش الرزايا بأدمع «٢» وقال آخر: إن الدموع طليعة الأحزان من سلا عن الولد أو سليّ عنه بسلامته في نفسه قيل لعبد الله بن عبيد الله بن طاهر: وقد مات له ولد ثم أتاه الخبر قبل عوده من جنازته بأن مات له آخر فانتظر حتى جهز، فدفنه وانصرف مع أصحابه ودعا بالطعام، فقيل له في ذلك، فقال: إذا سلمت الجلة فالسخل «٣» هدر. ودخل أبو العتاهية على الفضل بن الربيع يعزيه بابنه فقال: الحمد لله الذي جعلنا نعزيك به ولا نعزيه بك.

стр. 1310

وقال الموسوي: فتسلّ عن سيف طبعت غراره ... وأعرت صفحته سنا ومضاء «١» فالابن للأب إن تعرّض حادث ... أولى الأنام بأن يكون فداء من تسلّى عنه أو سلّي بأنه فتنة وبلاء كتب رجل إلى آخر: أما بعد، فإن الولد ما عاش حزن لوالده وفتنة. وإذا قدمه فهو صلاة ورحمة. فلا تجزعنّ فيما أزال الله عنك من حزن ومن فتنة، ولا تزهد فيما أولاك من صلاة ورحمة. وعزّى رجل عبيد الله بن سليمان، فقال: لئن حرم الأجر ببرّك لقد كفى الإثم بعقوقك، ولئن فجعت بفقده لقد أمنت الفتنة به. من تسلّى بماله من الثواب دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك وكان قد أصابه الطاعون. فقال: دعني أمس قرحتك. وكان يقال: إذا كان لينا يرجى وإذا كان خشنا لا يرجى، فامتنع عبد الملك من أن يمسها فعلم عمر لم منعه، فقال: دعني أمسها فو الله لأن أقدمك فتكون في ميزاني أحب إليّ من أن أكون في ميزانك، فقال: والله لأن يكون ما تريد أحب إليّ من أن يكون ما أريد فلمسها، فقال: يا عبد الملك الحق من ربّك فلا تكونن من الممترين، فقال: ستجدني إن شاء الله من الصابرين. وقال ﷺ : من مات له ولد فصبر أو لم يصبر جزع أو لم يجزع احتسب أو لم يحتسب لم يكن له ثواب إلا الجنة. ولما مات ذر بن عمر بن ذر قام أبوه على قبره فقال: يا ذر شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك، فليت شعري ما الذي قلت وما الذي قيل لك اللهم إنك قد ألزمته طاعتك وطاعتي فإني قد وهبت له ما قصّر فيه من حقي، فهب لي ما قصر فيه من طاعتك، اللهم ما وعدتني من الأجر على مصيبتي به فقد وهبته له، فهب لي من فضلك. ثم قال عند انصرافه: ما علينا بعدك من غضاضة، وما بنا إلى إنسان مع الله حاجة، وقد مضينا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك. من رأى المفقود من ولده له دون الباقي قال زياد لرجل: أين منزلك قال: وسط البلد، قال كم لك من ولد؟ قال: تسعة. فقال بعض من حضر: أيها الأمير إنه يسكن المقابر وله ابن واحد، فقال: أجل، داري بين أهل الدنيا والآخرة ومات لي تسعة فهم لي وبقي واحد لا أدري أهو لي أم أنا له. وقيل لأعرابي: كم لك من الولد؟ قال: لي عند الله خمسة وعندي ثلاثة. وقال رجل للرشيد: بارك الله لك في الماضين وآجرك في الباقين فقال له: أعكس تصب، قال: لا لأن

стр. 1311

الله تعالى يقول ما عندكم ينفد وما عند الله باق. التسلية عن الأب ببقاء الابن عزّى رجل آخر بموت أبيه، فقال: من كنت من بقيته لموفور ومن كنت خلفه لمجبور ومن كنت وليّه لمنصور: قال المتنبّي: فإنّك ماء الورد إن ذهب الورد وقال علي بن الجهم: فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما سدى أبوك وما سعى «١» التّعزية بالبنات نعي إلى ابن عباس ﵄ بنت له وهو في سفر. فقال: عورة سترها الله ومؤنة كفاها الله وأجر ساقه الله. وماتت لعمر بن عبد العزيز بنت فأقبل الناس لتعزيته فأمر بحجبهم وقال: إنّا لا نعزّى في البنات ولا الأخوات. من فجع بمختص به فلم يحزن لتصورّه قبل وقوعه دخل رجل على حكيم وهو يأكل فقيل له: قد مات ابنك. فقال: قد علمت، ولم يقطع الأكل. فقيل له: ومن أين علمت ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٢» . وحضر الموبذ عند المأمون بمرو وهو يكالمه إذ وردت عليه خريطة من الحسن فيها أخبار العراق وموت ابن الموبذ، فقال المأمون: أحسن الله لك العوض وعليه الخلف، فأجابه بصالح الأدعية. فعجب المأمون وقال: أتدري ما أردت؟ قال: لا، قال: يقال إن ابنك مات. قال قد علمت ذلك. قال ومن أين علمت ذلك والخريطة الساعة وردت؟ قال: قد علمت ذلك يوم ولد. وهذا كما سئل أفلاطون فقيل له: ما علّة موت ابنك؟ قال وجوده. وقيل لعمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك، فقال: هذا أمر كنا نتوقعه قبل كونه فلما ورد لم ننكره. وقال شاعر: وهل جزع مجد عليّ فأجزع وقال الطّرماح: ولمّا رأى أنّ الأسى غير دافع ... عن المرء مقدورا من الأمر سلّما وقال: هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم ... حياة وكان الصبر أبقى وأكرما

стр. 1312

وقال المتنبّي: أردّد ويلي لو قضى الويل حاجة ... وأكثر لهفي لو شفى غلّة لهف «١» من مات له عدة بنين فصبر مات لأنس بن مالك ﵁ في طاعون الجارف ثلاثون ابنا، ولعبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أربعون ابنا، ولعبيد الله بن عمر ﵄ ثلاثون ابنا سنة أربع وستين، ومات لأعرابية ابن وأخ وزوج دفعة، فلم تبك، وقالت: أفردني ممّن أحبّ الدهر ... ثلاثة هم نجوم زهر فإن جزعت إنّ ذا لعذر ... وإن صبرت لا يخيّب الصّبر ونظر رجل بالبصرة إلى امرأة فقال: ما رأيت مثل هذه النضارة وما ذاك إلا من قلّة الحزن، فقالت: ما حزن كحزني: ذبح زوجي شاة ولي صبيان يلعبان فقال أحدهما للآخر: تعال أريك كيف ذبح أبي الشاة فذبحه ثم خاف فهرب إلى الجبل فرهقه ذئب فافترسه وخرج زوجي في طلبه، فاشتد عليه الحرّ فمات عطشا فقيل لها: كيف صبرت؟ فقالت: لو وجدت في الحزن دركا ما اخترت عليه. حثّ الإنسان أن يستعمل من التسلّي عاجلا ما يعود إليه آجلا عزّى رجل رجلا فقال: إن رأيت أن تقدم ما أخرته الفجوة فتربح نفسك وترضي ربك. وأصيب ابن المبارك بابن رجل، فدخل عليه مجوسي فقال: إن رأيت أن تفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام، فقال ابن المبارك: اكتبوا هذا. وعزّى أمير المؤمنين ﵁ أشعب فقال: إن صبرت جرى عليك المقدور وأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك وأنت موزور. طول العهد يقتضي التسلّي اعتكفت فاطمة بنت الحسين على قبر زوجها سنة، فلما أرادت الانصراف سمعت قائلا من جانب البقيع يقول: هل وجدوا ما سلبوا؟ فأجابه من الجانب الآخر: بل يئسوا فانقلبوا. وقيل لأم الهيثم: ما أسرع ما سلوت، فقالت: إني فقدت منه سيفا في مضائه ورمحا في استوائه وبدرا في بهائه، ولكن قلت: قدم العهد وأسلاني الزمن ... إن في اللّحد لمسلى والكفن وكما تبلى وجوه في الثّرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن وقال عمر لمتمم بن نويرة: ما بلغ من حزنك على أخيك؟ قال: بكيت عليه حتى ساعدت عيني العوراء الصحيحة. قال: ثم مه. قال: سلوت. وقيل: لم يخلق الله شيئا إلا كان صغيرا فكبر إلا المصيبة فإنه خلقها كبيرة فصغرت.

стр. 1313

التسلية بعد وقوع المحذور اشتكى ابن لعمر بن عبد العزيز فجزع عليه ثم مات، فرؤي متسليا. فقيل له في ذلك فقال: إنما كان جزعي رقة له ورحمة فلما وقع القضاء زال المحذور. وقالت امرأة مات واحدها فرؤيت حسنة الحال: أمّنني من المصائب بعد. قال البحتري: صعوبة الحزن تلقى في توقّده ... مستقبلا وانقضاء الرزء إن يقعا وقال آخر: فقد جرّ نفعا فقدنا لك إنّنا ... أمنّا على كلّ الرزايا من الجزع «١» وقال: وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر ومرض ابن لجعفر بن محمد فجزع ثم مات، فلم يجزع، فقيل له فقال: أما بعد وقوع الأمر فلم يبق إلا الرضا والتسليم. وقال بعضهم: نزلت بامرأة ذات أولاد وثروة، فلما أردت الإرتحال قالت: لا تخلني إذا وردت هذا الصقع. ثم أتيتها بعد أعوام فوجدتها قد افتقرت وثكلت أولادها وهي ضاحكة مسرورة، فسألتها فقالت: إني كنت ذات ثروة وجاه وكانت لي أحزان فعلمت أن ذلك لقلة الشكر، وأنا اليوم بهذه الحالة أضحك شكرا لله تعالى على ما أعطاني من الصبر. ومن أحسن ما قيل في ذلك. قول أوس بن حجر: أيّتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا وقيل: إذا استأثر الله تعالى بشيء فاله عنه: فلست أرجو ولست أخشى ... ما أحدثت بعده الدهور فليجهد الدهر في مساتي ... فما يرى بعد ما يضير وقال: ألا ليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا من تمنّى بعده زوال الدّنيا وموت الورى قالت أم جرير: فلا وضعت أنثى ولا أب واحد ... ولا ذرّ قرن الشمس بعد جرير «٢» قال محمد بن صالح: قل للردى لا تغادر بعده أحدا ... وللمنيّة من أحببت فاعتمدي

стр. 1314

وقال المتنبّي: لا قلّبت أيدي الفوارس بعده ... رمحا ولا حملت جوادا أربع الحثّ على التسلّي لقرب اللحوق بالميت والتمدّح بذلك دخل الطائي على جعفر بن سليمان وقد توفي له أخ، فاشتد جزعه عليه، فقال: أذكر مصيبتك في نفسك تنسك فقد غيرك. واذكر قول الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١» ، وخذ بقول الشاعر: وهوّن ما ألقى من الموت أنّما ... أصابك منه يا بنيّ مصيبي وكتب بعضهم: فيم الجزع ونحن على مدرجة المتوفى. وقال إبراهيم بن المهدي: وإنّي وإن قدمت قبلي لعالم ... بأني وإن أبطأت عنك قريب وقال يحيى بن زياد: وهوّن وجدي أنني سوف أغتدي ... على إثره يوما وإن نفس العمر الحثّ على التسلّي بمن أصابه كمصيبته والتمدح بذلك روي أنّ الإسكندر حكم له أنه لا يموت إلا بأرض سماؤه ذهب وأرضه حديد. فلما سقط من دابّته حمل على درع وظلل بترس من ذهب فلما أفاق ورأى ذلك فطن لما حكم له، وقال: قاتل الله المنجمّين، يقولون ولا يفسرون، فكتب إلى والدته أن أصنعي طعاما وإدعي له من لم تصبه مصيبة، فامتثلت فبقي الطعام ولم يأتها أحد، ففطنت أنه أرسل يعزيها، وقال: وما أنا بالمخصوص من بين من أرى ... ولكن أتتني نوبتي في النّوائب وتوفي ابن لمسلمة فاشتد جزعه حتى أمسك عن الطعام والشراب، فدخل في غمار الناس رجل رثّ الهيئة، فأنشده: وطيّب نفسي عن شراحيل أنني ... إذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه فقال: ويحك، أعد فأعاده فدعا بالطعام. قالت الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلّي النفس عنه بالتأسّي وقال حريث: ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي ونزل عروة بن الزبير بالوليد ومعه ابنه فضربته دابّة فأصبح ميتا. ووقعت الأكلة في

стр. 1315

رجله فقطعت بالمنشار ولم يمسكه أحد، فقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. ثم قدم قوم من عبس على الوليد وفيهم ضرير، فقال: نزلت ليلة في بطن واد ولا أعلم في الأرض عبسيا أكثر ما لامني، فطرقنا سيل ذهب بأهلي، ومالي غير بعير ومولود، فند البعير فتبعته، فسمعت صرخة الولد فرجعت، فإذا الذئب قد أكله، فرجعت للبعير وتعلقت بذنبه، فحطّم وجهي فأعماني فأصبحت لا أهل ولا مال ولا عين. فقال الوليد: خذوا بيده إلى عروة ليتسلّى به. وقال رجل لقوم عزاهم: ما منكم بدأت ولا إليكم انتهت، وعكس ابن الرومي فقال: ليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما به ما به وما بي ما بي وقال فيلسوف: لئن كنت تبكي لنزول الموت بمن أنت له محب، فلطالما نزل بمن كنت له مبغضا. وقال أفلاطون لرجل رآه مغموما: لو أحضرت قلبك ما فيه الناس من المصائب لقل همك. الحثّ على التسلّي بموت النبي ﵇ قال ﷺ : من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي. قال ديك الجن: تأمّل إذا الأحزان فيك تكاثفت ... أعاش رسول الله أم ضمّه القبر رئي على قبر: تعزّ فكم لك من أسوة ... تبرّد عنك غلل الحزن بموت النبي وقتل الوصيّ ... وذبح الحسين وسمّ الحسن التسلّي بأنه معزّى لا معزّى به قال بعضهم: لا زلنا نعزّيك ولا نعزّي بك، وقال أبو فراس: كن المعزّى لا المعزّى به ... إن كان لا بدّ من الواحد لا بد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في النّاس من خالد وقال المتنبّي: مهما يعزّ الفتى الأمير به ... فلا بإقدامه ولا الجود «١» ومن منانا بقاؤه أبدا ... حتى يعزّى بكلّ مولود «٢»

стр. 1316

التسلية عمّن مضى بمن بقي قال الحمدوني: حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض وقال البحتري: تعزّ بالصبر واستبدل أسى بأسى ... فالشمس طالعة إن غيّب القمر وقال المتنبّي: قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيك عدلا «١» فإذا قست ما أخذن بما غا ... درن سرّى عن الفؤاد وسلّى وقيل لرجل ماتت امرأته نفساء: عظم الله أجرك فيما أباد وبارك لك فيما أفاد. التعزية بمملوك دخل إبراهيم ابن العباس على الواثق وقد أصيب بخادم كان مشغوفا به، فقال: في بقاء السيد المالك عزاء عن المملوك الهالك. أدعية لذوي المصيبة جعل الله رزيته خاتمة الرزايا، وصب على أعدائه ديم المنايا. لا جرّعك الله مصيبة غيرها ولا أنالك قارعة سواها. لا نهشتك بعدها حيّة ولا لذعتك كيّة. جعل الله مصيبتك أدبا ولا جعلها غضبا. لقّاك الله الصبر ووقاك ما يحبط الأجر لا أنساك الله المصيبة بأعظم منها. وهب الله لك عمرا طويلا وأجرا جزيلا وصبرا جميلا. وقال رجل لابن عمر: عظّم الله أجرك فقال: بل جعل لي العافية، معناه أن تعظيم الأجر في تعظيم ما يؤجر عليه من المصيبة. ويقال: أخلف الله عليك لما منه عوض، وخلف الله عليك لما ليس منه عوض. وقال يحيى البرمكي: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودّة. تعازي الحمقاء مات ابن لعبد الملك فجاءه ابنه الوليد يعزّيه فقال: يا بنيّ مصيبتي فيك أقدح في بدني من المصيبة بأخيك، قال: أمّي أمرتني بذلك. واغتم الحجّاج بموت صديق له وعنده شاميّ أوفده إليه عبد الملك في مهمّة. فقال الحجاج: ليت إنسانا يعزّيني عنه بأبيات. فقال: أقول أيها الأمير قال: قل، فقال: كل خليل سوف يفارق خليله بموت أو بصلب أو يقع فوق البيت أو يقع البيت عليه، أو يسقط في بئر، أو يكون سبب لا نعرفه. فقال الحجّاج: حسبك، فمصيبتي بأمير المؤمنين حيث أرسل مثلك في مهمّة أنستني هذه.

стр. 1317

ودخل حمصيّ على عروة بن الزبير لما قطعت رجله، فقال: أقطعت رجلك؟ قال: نعم حبذا أفأنت مغتم. قال: كما يكون مثلي قال: لا تغتم فإنك لو رأيت ثوابها لتمنّيت أن الله قطع رجلك ويديك وأعمى بصرك ودقّ صلبك. وعزّى بعض الحمقاء جارا له بامرأته فقال: أعظم الله أجرك، ورحم الظعينة فقد ماتت في يوم جيد يوم الثلاثاء، فقيل له: إن هذا اليوم جيد لإخراج الدم فقال: هو لإخراج الروح أجود. الرزيّة فقد الأماثل لا فقد الأموال قال شبيب بن البرصاء: لعمرك ما الرزيّة بالمطايا ... ولا الخيل الجياد ولا العبيد ولكنّ الرزيّة كلّ خرق ... من الفتيان متلاف مفيد «١» وقال آخر: لا أعد الإقتار عدما ولكنّ ... فقد من قد رزئته الإعدام «٢» وقال لبيد: إن الرزيّة لا رزيّة مثلها ... فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب الموت يعاجل الأفاضل ويؤخّر الأراذل هو الدهر لا يبقى عليه مقدم ... جواد ولا وغد من النّاس واضع بكلّ أراه فاجعا غير أنه ... إلى الحرّ والعلق النفيس مسارع وقال أبو تمّام: أن ينتجل حدثان الدهر أنفسكم ... ويسلم الناس بين الحوض والعطن «٣» فالماء ليس عجيبا أنّ أعذبه ... يفنى ويمتدّ عمر الآجن الأسن «٤» وقال آخر: يقود الزمان جياد الخيول ... ويبقي الرّذال على المدود «٥» وقال آخر: كريم لزاد يحبسه الوعاء

стр. 1318

وقال الحمدوني: إذا ما اتقيت على فرحة ... فكلّ بلاء بها مولع وقال آخر وسهم المنايا بالذّخائر مولع موت السني والصديق وبقاء الدنيء والعدوّ قال سعيد بن عبد الرحمن: إنّ الزمان ولا تفنى عجائبه ... أبقى لنا ذنبا واستأصل الراسا وقال البسّامي: حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصائب وقال الفقعسي: لعمرك إنّي بالخليل الذي له ... عليّ دلال واجب لمفجّع «١» وإنّي بالمولى الذي ليس نافعي ... ولا ضائري فقدانه لممتّع «٢» من عمّ به مصاب النّاس قال الرفّاء: تساوت قلوب الناس في الحزن إذ ثوت ... كأنّ قلوب الناس في حزنها قلب وقال سلم: كادت له مهج الأنام تسيل «٣» وقال آخر: يشاركني في فقده البدو والحضر وقال الموسوي: يموت قوم ولا يأسى لهم أحد ... وواحد موته همّ لأقوام من اغتمّ بموته الجمادات قال أبو تمّام: أظلمت الآفاق من بعده ... وعرّيت عن كلّ حسن وطيب وقال آخر: لقد حزنت لفقدهم الشّهور

стр. 1319

من ذكر طول حزنه على من رثاه قال سلم: وحزن كطول الدّهر باق إذا مضت ... أوائله عادت إلينا الأواخر وقال آخر: أأسرع الحزن في عقلي وفي جسدي وقال آخر: أصاب غليلي عبرتي فأسالها ... وعاد احتمامي ليلتي فأطالها «١» وقال أبو فراس: أوصيك بالحزن لا أوصيك بالجلد ... جلّ المصاب عن التعنيف والفند «٢» أبكي بدمع له من حسرتي مدد ... وأستريح إلى صبر بلا مدد «٣» وقال آخر: وظلّت بي الأرض الفضاء كأنّما ... تصعد بي أركانها وتجول وقال أبو فراس: يعزّون عنك وأين العزاء ... ولكنّها سنّة تستحبّ من زاد سوء حاله على حال الميت قال المتنبّي: بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي «٤» كأنّك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا عشت فاخترت الحمام على الثّكل «٥» وقال الموسوي: يفوز بالراحة الفقي ... د وللفاقد طول العناء الراغب عن الحياة لأجل من رثاه قالت بثينة: سواء علينا يا جميل بن معمر وقال آخر: طلّقت من بعده السرور ... وفرّغت فؤادي للهمّ والحزن

стр. 1320

فليتني متّ إذ فجعت به ... بل ليته لم يكن ولم أكن قال آخر: وما في حياة بعد موتك طائل من أصابه ما لو أصاب الجبال لهدّها قال هدب: أصبنا بما لو أنّ سلمى أصابها ... لسهّل من أركانها ما توعّرا وقال البحتري: ولو أنّ الجبال فقدن إلفا ... لأوشك جامد منها يذوب كثرة البكاء على الميّت قال أبو ذؤيب: فالعين بعدهم كأنّ حداقها ... سلّت بشوك فهي عور تدمع وقال جرير: أظنّ انهمال الدمع ليس بمنته ... عن العين حتى يضمحلّ سوادها وقال أبو الغمر: وحلّت وكاء الدمع في وجناته ... كما انفجرت عن مائهنّ المنابع «١» من يستقلّ لموته البكاء قال شاعر: لا أستطيع سوى الدمو ... ع وأستقل له الدموعا وفي كتاب يقل له البكاء ولو كان يدمع الحشا. قال بعضهم: إن المغيرة فوق نوح النّائح الإنكار على من لا يغمّه الموت قالت امرأة: أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزع على ابن طريف قال الشماخ: أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتزّ العضاه بأسوق «٢»

стр. 1321

وقال آخر: أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري ... مقيما وقد غالت يزيد غوائله «١» وقال عبد الصمد: ما للسّماء عليه ليس تنفطر ... وللكواكب لا تهوي فتنتثر من اعتذر وتذمّم لبقائه قال بعضهم: ومن عجب أن بتّ مستشعر الثّرى ... وبتّ بما زوّدتني متمتّعا وقال آخر: ولو أنني أنصفتك الودّ لم أقم وقال خليفة بن خلف: أعاتب نفسي إن تبسّمت خاليا ... وقد يضحك الموتور وهو حزين «٢» وقال الهذلي: تقول أراه بعد عروة ساليا ... فلا تحسبي أن تناسيت عهده المستقبح بموته الصّبر قال ديك الجن: إذا الصبر أهدى الأجر فالصّبر مأثم ... لديّ وترك الصّبر فيك هو الأجر وقال ابن الرومي: لا أسأل الله حسن مصطبر ... فإنّه عنك يوم مصطبر وحزن نفسي عليك من كرم ... وهو على من سواك من خور «٣» وقال آخر: الصبر والأجر فيك إثم وقال العتبي: الصبر يحمد في المصائب كلّها ... إلّا عليك فإنّه مذموم وقال أبو تمّام: وإن امرأ لم يمس فيك مفجّعا ... بمجهوده في رأيه لمفجّع

стр. 1322

وقال المتنبّي: أجد الحزن فيك حفظا وعقلا ... وأراه في الخلق وعرا وجهلا «١» شق الجيب نهى النبي ﷺ عن شقّ الجيوب. قال أبو سعيد البلخي: من أصيب بمصيبة فشقّ ثوبا وضرب صدرا فكأنما أخذ رمحا يريد أن يقاتل به ربّه. قال المتنبّي: علينا لك الإسعاد إن كان نافعا ... بشقّ قلوب لا بشقّ جيوب وقال أبو عطاء: عشية قام النائحات وشقّقت ... جيوب بأيدي مآتم وخدود «٢» وقال رجل من طيء: ولو لم يفارقني عطية لم أهن ... ولم أعط أعدائي الذي أمنع شجاع إذا لاقى ورام إذا رمى ... وها أنا ذا ما أظلم الليل مصرع «٣» وقال أبو الشّيص: يا أيّها الدهر أقصر عن تنقّصنا ... فلست منتهيا عن عشمنا أبدا «٤» أضحى سنان قناتي بعد حدّته ... مرّت به عثرات الدهر فانقصدا «٥» زيارة القبور وتجديد الحزن بها قال النبي ﷺ : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا. قال عبد الملك الحارثي: أتيناه زوّارا فأمجد ناقري ... من البثّ والداء الدخيل المخامر «٦» وأبنا بزرع قد نما في صدورها ... من الوجد يسقى بالدّموع البوادر «٧» وقال خلف بن خليفة: وبالدير أشجاني فكم من شبح له ... دوين المصلّى بالبقيع شجون ربى حولها أمثالها إن أتيتها ... ترينك أشجانا وهنّ سكون

стр. 1323

قالت أعرابية: لقد كنت أعدو إلى قصره ... فقد صرت أعدو إلى قبره وكنت أراني غنيّا به ... عن النّاس لو مدّ في عمره العقر على قبر الميت كانت عادة العرب أن تعقر على قبر ميتهم تعظيما له، وهذا سوى ما يجعلونه من البلية، وهي ناقة توقف على قبر ميتهم إلى أن تموت ويزعمون أن الميت يركبها يوم الحشر. قال زياد الأعجم: وإذا مررت بقبره فاعقر له ... وانضح جوانب قبره بدمائها ويقال إن زيادا دخل على المهلب فأنشده هذه القصيدة، فلما أتى على هذا البيت. قال له: هلا عقرت عليه يا أبا أمامة فرسك؟ فقال: إني كنت على مفرق ولو كنت على عتيق لفعلت. فاستحسن قوله، وقال لمن حضر مجلسه من ولده ومواليه: لينفذ كل واحد منكم إلى زياد فرسا من خيله فانصرف بعدّة أفراس. وقال عبيد الله بن إسحاق: فإن يك يا ابن المصطفى قبر سيّد ... تعقر خيل حوله ونجائب فقبرك أهل أن يعقر حوله ... رجال المعالي والنساء الكواعب «١» تذكّر الميت وتصوّر محاسنه قالت الخنساء: يذكّرني طلوع الشّمس صخرا ... وأذكره لكلّ مغيب شمس «٢» وقالت كلثوم: لم يخل من تمثاله بصري ... يوما ولا من لفظه أذني يا من تمثّل من محاسنه ... للعين مشبوح بلا بدن زيارة طيف الميت قال ديك الجن: جاءت تزور وسادي بعد ما دفنت ... فبتّ ألثم خدا زانه الجيد فقلت قرّة عيني قد نعيت لنا ... فكيف ذا وطريق القبر مسدود

стр. 1324

قالت هناك عظامي في ملحده ... ينهشن منها بنات الأرض والدود وهذه النّفس قد جاءتك زائرة ... هذي زيارة من في القبر ملحود فداء الميّت لو قبل عنه الفداء قال متمّم: فلو أخذت منّي المنيّة فدية ... فديتك منها بالسّوام وبالأهل وقال إبراهيم بن إسماعيل: أجاري لو نفس فدت نفس ميت ... فديتك مسرورا بأهلي وماليا وقال البحتري: بي لا بغيري تربة محفورة ... لك في ثراها رمّة وعظام من ذكر أنّه لو أمكنه دفع المنيّة لدفعها قال الحميح: فلو أني استطعت دفعت عنه ... ولكنّ باعه من لا يقيل وقال ابن الرومي: ولو كان هذا الموت قرنا أطيقه ... لما فاتني إحدى الليالي بثاره «١» وقال الفرزدق: فلو كانت الأحداث يدفعها امرؤ ... بعزّ لما نالت يداه عريني وقال الموسوي: أتته المنيّة مغتالة ... رويدا تخلل من سيره فلم تغن أجناده حوله ... ولا المسرعون إلى نصره من ذكر أنّه لو حضر لدفع قاتله قال سعيد بن علقمة: وغيّبت عن قتل الحباب وليتني ... شهدت حتاتا يوم ضرّج بالدم «٢» وفي الكفّ مني صارم ذو حفيظة ... متى ما يقدم في الضّريبة يقدم فتعلم أحيا مالك ولفيفها ... بأن لست عن قتل الحتات بمجرم وقال البحتري: فوا أسفي أن لا أكون شهدته ... فحاست شمالي دونه ويميني «٣»

стр. 1325

وإلا لقيت الموت أحمر دونه ... كما كان يلقى الدهر أغبر دوني «١» من مات حتف أنفه وكان يخشى عليه القتل قال لبيد يرثي أخاه وقد أصابته صاعقة فمات: أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد «٢» فجعني البرق والصواعق ... بالفارس يوم الكريهة لنجد وقال كعب بن زهير: لعمرك ما خشيت على أبيّ ... مصارع بين قوّ فالسّليّ «٣» ولكنّي خشيت على أبيّ ... جريرة رحمه في كلّ حيّ «٤» وقال المتنبّي: نفى وقع أطراف الرماح برمحه ... ولم يخش وقع النّجم والدّبران «٥» ولم يدر أن الموت فوق شواته ... معار جناح محسن الطّيران «٦» من اختطفته المنية لمّا أدرك المشتهى أو تناهى قال سلم الخاسر: لما استظلّ بتاج الملك واجتمعت ... له الأمور فمنقاد ومقسور حطّت عليه بمقدار منيّته ... كذاك تصنع بالنّاس المقادير «٧» وقيل: وقوع المنية في إدراك الأمنية، وذلك نحو قوله: إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقّ زوالا إذا قيل تمّ وله باب. من الموت مرديه مع كثرة توقّيه قال رجل من بني أسد: أبعدت من يومك الفرار فما ... جاوزت حتّى انتهى بك القدر لو كان ينجي من الردى حذر ... أنجاك ممّا أصابك الحذر

стр. 1326

وقال أبو تمّام: وقد كان لو ردّ غرب الحمام ... شديد توقّ طويل احتماء «١» التصامم عن النعي والتوّجّع له قال: وفي السمع عمّا خبّروا غدوة وقر «٢» وقال آخر: أعلّل نفسي بالمرجم غيبة ... وكاذبتها حتى أبان كذابها وقال اليربوعي: ولما نعى الناعي بزيد تغوّلت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر «٣» عساكر تغشى النفس حتّى كأني ... أخو سكرة دارت بهامته الخمر وقال الموسوي: أبدي التصامم عنه حين أسمعه ... عمدا وقد بلغ الناعون أسماعي من دعا على ناعيه ودافنيه قالت الخنساء: ألا ثكلت أم الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر؟ وقال أبو فراعة: لأمك الويل تترى أيّها الناعي ... أوجعت سوداء قلبي أيّ إيجاع «٤» قوم تفانوا واحدا بعد واحد قال رجل من خثعم: نهل الزمان وعلّ غير مصرّد ... من آل عتّاب وآل الأسود «٥» فاليوم أضحوا للمنون وسبقه ... من رائح عجل وآخر مقتد وقال ابن هرمة: أنهب للمنية يعتريهم ... رجالي أم هم درج السّيول «٦»

стр. 1327

من تصيبه كلّ يوم مصيبة قال شاعر: وتقرعني في كلّ يوم مصيبة ... فقد صرت ذا أنس بقرع المصائب «١» لعمرك ما تعفو كلوم مصيبة ... على صاحب إلّا فجعت بصاحب «٢» من قاسمته فأخذت النصيبين قال المتنبّي في سيف الدولة وقد ماتت أختاه فرثى الأولى: قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيه عدلا ثم ماتت الأخرى فقال: قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... وعاش درهما المفدّى بالذهب وعاد في طلب المتروك تاركه ... إنا لنغفل والأيام في الطلب ما كان أقصر وقتا كان بينهما ... كأنه الوقت بين الورد والقرب «٣» من اغتاله الموت وكان من خدّامه قال مسلم بن الوليد: ألم تعجب له أنّ المنايا ... فتكن به وهنّ له جنود وقال بكر بن النطاح: ألم تر للأيام كيف تتابعت ... به وبه كانت تذاد وتدفع من استوحش فناؤه بموته قال أبو حية النمري: فإن يمس وحشا داره فلربّما ... أقام به بعد الوفود وفود وقال أبو تمّام: فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة ... ووحشة من فيها لمصرع واحد الموصوف بأنه لو خلّد أحد لخلّد هو قالت الخنساء: لو كان للدهر مال كان متلدة ... لكان للدهر صخر مال فتيان

стр. 1328

قال أبو ذؤيب في قريب من هذا المعنى: لو كان مدحة حيّ أنشرت أحدا ... أحيا أباكن يا ليلى الأماديح «١» من بقيت نعمته بعد موته قال أبو الزبرقان: فمات وأبقى من تراث عطائه ... كما أبقت الأنواء للحيوان «٢» وقال أبو مطير: فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا «٣» وقال صرم: أما مضيت فكالربيع بمائه ... يعفو وتحسن بعده الآثار من خلّف العلى دون اللها قال مالك بن عمرو الحارثي: ولما حضرنا لاقتسام تراثه ... أصبنا عظيمات اللها والمآثر «٤» وقال عمارة بن عقيل: لم يكن موسرا من المال لكن ... موسرا من مكارم ومعالي من يحسن تأبينه ومدحه قال مطيع بن إياس: يا خير من يحسن البكاء به ال ... يوم ومن كان أمس للمدح وقال البحتري: مضى غير مذموم وأصبح ذكره ... حلى القوافي بين راث ومادح وقال آخر: قد مات قوم وهم في الناس أحياء وقال العطوي: وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنّه أصلاب قوم تقصّف «٥» وليس بريح المسك ريح حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلّف «٦»

стр. 1329

وقال آخر: إذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار «١» المرثيّ بالجود قال مروان بن أبي حفصة: وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا وقال السلامي: أما طلاب المعالي فاستهين به ... وأكرمت بعده الأوراق والذهب وقال آخر: أتاه الرّدى في زيّ عاف وإنما ... أبى جوده أن يرجع الموت خائبا «٢» من مات بموته الجود والكرم قال شاعر: سلوا عن المجد والمعروف أين هما ... فقيل إنهما ماتا مع الحكم وقال زياد الأعجم: إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبرا يمرّ على الطريق الراضع «٣» وقال آخر: ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا «٤» وقال آخر: ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النّعش من عفاف وجود وقال المتنبّي: يحسبه دافنه وحده ... ومجده في القبر من صحبه من تضمّن قبره عزّا ومنفعة قال أبو الشّيص: يا حفرة طولها خمس إذا ذرعت ... في خمسة قد دفنّا عزّنا فيها وقال ديك الجن: عجبت لحفرة حشيت بطود ... وقبر حشوه بلد رحيب

стр. 1330

وقال التنوخي: ولحد حوى شمسا وأرض تضمّنت ... سماء نجوم المجد فيها ثواقب من توجّع له المكارم قال أوس بن حجر: ليبك الضيف والمكارم وال ... فتيان طرّا وطامع طمعا وقال أشجع: أنعى فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود وقال الخوارزميّ: أعزّيكم أم أعزّي النّدى ... فما هو دونكم في الألم «١» وقال أبو تمّام: يعزّون عن ثاو تعزّى به العلى ... ويبكي عليه الجود والبأس والشّعر من فقد الآمال بموته قال أبو تمّام: توفيت الآمال بعد محمّد ... وأصبح مشغولا عن السّفر السفر وقال: وكانت الآمال مبسوطة ... حتى إذا مات طويناها وقال دعبل: مات الثلاثة لما مات مطلب ... مات الرجال ومات الرّعب والرّهب المرني بحفظ الجوار قال بعضهم: بمن يستجير الحرّ أقفر بيته ... إذا لم يجد في الأرض قرضا ولا فرضا ومن للأمور والمعضلات إذا عرت ... ومن يحسن الإبرام بعدك والنقضا «٢» وقال بعض بني أسد: كانوا على الأعداء نار محرقة ... ولقومهم حرما من الأحرام وقال آخر: يا طالبا وزرا من ريب حادثة ... أودى سعيد فلا كهف ولا وزر «٣»

стр. 1331

وقال أبو القاسم العلاء في الصاحب: قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعد ما نام الملاعين لا يعجب الناس لما مات فانتشروا ... مضى سليمان فانحلّ الشياطين من مات بموته من لم يمت قال شاعر: ماتوا بموتك غير أنّ شخوصهم ... نصب الهموم مقيمة لم تقبر وقال امرؤ القيس: فلو أنّها نفس تموت بموته ... ولكنّها نفس تساقط أنفسا وقال هشام أخو ذي الرمّة: ولم يك قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما وقالت ليلى: قتلتم فتى لا يسقط الرعب رمحة ... إذا الخيل جالت في قنا متكسّر وقال الفرزدق: ألا هلك المكسّر فاستراحت ... حوافي الخيل والحيّ الحريد «١» لما أتى معاوية نعي عمرو بن العاص، أنشد: ماذا رزئنا به من حيّة ذكر ... نضناضة بالرزايا صلّ أصلال «٢» من هابته الحوادث فاشتفت بموته قال أبو الغمر: وسألت عنه فقيل مات لما به ... قلت النّدى لا شك مات لما به «٣» فكأنما ضنّ الزمان على الورى ... ببقائه أو هابه فبدا به وقال محمد بن وهب: كأنّ الموت صادف منك غنما ... أو استشفى بموتك من سقام «٤» من تبجّح به الموت وطاب القبر فلان تباشرت القبور بموته وأشرقت المقابر بحفرته. قال العقيلي: لئن أظلمت من بعدك الأرض وحشة ... لقد أشرقت أنسا إليك المقابر

стр. 1332

وقال الطائي: مضى طاهر الأخلاق لم تبق بقعة ... من الأرض إلا تشتهي أنها قبر وقال: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه ... فطيب تراب القبر دلّ على القبر المرثي بالعلم أنشد أبو نواس أبا عبيدة في مرثية خلف الأحمر قوله: أودى جماع العلم مذ أودى خلف ... فليذّم من العياليم الخسف «١» رواية لا يجتني من الصحف وفي أبيات كثيرة قال ما أحسنها وطوبى لمن يرثى بمثلها، فقال: مت راشدا وعلي أن أرثيك بخير منها، ولما مات سفيان بن عيينة. قال ابن مناذر: راحوا بسفيان على نفسه ... والعلم مكسوين أسفانا «٢» لا يبعدنك الله من هالك ... ورّثنا علما وأحزانا وقال آخر: يبكيك للمجد أقلام مهذبة ... والأمر والنهي والديوان والعمل وقال التنوخي: ثوى الفقه في قعر الثرى مذ ثوى به ... وغاصت بحار الشعر وانقطع النظم ولو أنّ هذا الموت خصم مفوّه ... لأفحمه من عزّ ألفاظه خصم المرثي بالزّهد والعبادة رأى رجل ميتا فقال: كان والله بالليل قوّاما وبالنهار صوّاما يجمع بين طرفي النهار والليل بالعبادة، كما قال الأفوه: لقد أبقى مكانك في لؤي ... وآل محمد خللا مبينا وليل قد دأبت له بآي ... من الفرقان بين الساجدينا فآنس شخصك الجدث المعفّى ... وأوحش قبرك المتهجّدينا «٣»

стр. 1333

قال عبد الصمد بن المعدل: لو كان يبكي كتاب الله من أحد ... لطول إلف بكتك الآي والسور المختصّ بمرثية الأبوين قيل: موت الأبوين سد بابين من أبواب الجنة. قال قتيبة بن مسلم لما ماتت أمه لأبي مجلز: لقد سدّ دوني باب من أبواب الجنة قال: نعم وباب من أبواب النار لأنك ما كنت تأمن أن تعقها. قال كشاجم: أبعد مصاب الأمّ آلف مضجعا ... وآوي إلى خفض من العيش أو ظلّ سترضع عيني قبرها من دموعها ... بما كلفته من رضاعي ومن حملي «١» رثيت لنصل يأخذ الموت جفنه ... وأعجب من فرع ينوح على أصل وبكت صبية أباها، فقالت: وا أبتاه تركتنا كالبهم ليس لنا رعاة، وا أبتاه تركتنا كالزرع ليس له مسقاة. الفجيعة بولد صغير قال أحمد بن أبي طاهر: بدر ليل بدر النق ... ص له قبل تمامه كان نورا من رياض ... فذوى قبل ابتسامه «٢» وقال أعرابي: يا غائبا ما يؤوب من سفره ... عاجله موته على صغره شربت كأسا أبوك شاربها ... لا بدّ منها ولو على كبره وقال المتنبي: فإن تك في قبر فإنّك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطّفل «٣» ومثلك لا يبكى على قدر سنّه ... ولكن على قدر المحيلة والأصل بنفسي وليد عاد من بطن أمه ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل وقد مدّت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الرّكاب من النّعل «٤»

стр. 1334

وريع له جيش العدوّ وما مشى ... وجاشت له الحرب الضّروس وما تغلي «١» وكتب: كاتب عاجله موته على صغره وعاقصه رداه قبل سفره، وقال التنوخي: كغصن ثنته الريح عند اعتداله ... رياح غواد بالرّدى وروائح التحسّر على الولد قال أبو الشّيب: بأبي وأمي من عبأت حنوطه ... بيدي وودّعني بماء شبابه كيف السلوّ وكيف أنسى ذكره ... وإذا دعيت فإنّما أدعى به وقال: لعمرك ما أبقى لنا الدهر باقيا ... نقرّ به عينا غداة نؤب كأنّي وترت الدهر بابن أفاده ... على حين كانت كبرة فمشيب «٢» وقال العتبيّ: دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحت ... لها دافن من نفسها ودفين المتوجّع لموت البنين وبقاء البنات قال أبو الغمر، وقد مات له خمس بنين وحصلت له خمس بنات: مضى خمسة وجهي بهم كان مشرقا ... بخمس بهنّ الوجه أسود سافع «٣» وقال العتبيّ: ألا يدرأ الدهر عنّا المنونا ... يبقي البنات ويفني البنينا وكنت أبا خمسة كالبدور ... وقد فقأوا أعين الحاسدينا فمروا على حادثات الزمان ... كمرّ الدراهم بالنّاقدينا مرثية عروس امرأة مات عنها زوجها ليلة العرس، فقالت: أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والترس أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس وقال: يا قرب مأتمها من العرس وقال صالح بن عبد القدوس: وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه

стр. 1335

وقال المتنبي: أتتهنّ المصيبة غافلات ... فدمع الحزن في دمع الدلال «١» من قتل محبوبه قال بعضهم وقد اتهم امرأته فقتلها: يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الرّدى بيديها رويت من دمها الثّرى ولطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها وذباب سيفي في مجال خناقه ... ومدامعي تجري على خدّيها «٢» وقال ديك الجن وكان اتهم امرأته فقتلها ثم تبين له بطلانه: تبكي وتقتل من تحبّ ... فقدك من عجب عجيب وقال: وآنسة عذب الثنايا وجدتها ... على خطّة فيها لذي اللبّ مألف فأصلتّ حرّ السيف في حرّ وجهها ... وقلبي عليها من جوى الوجد يرجف «٣» فخرّت كما خرّت مهاة أصابها ... أخو قنص ومستعجل متعسّف سيقتلني حزنا عليها تأسّفي ... وهيهات ما يجدي عليّ التأسّف مرثية عشيقة قال العبّاس: ريحانتي واختلست من يدي ... أبكي عليها آخر المستند «٤» كانت يدا كانت بها قوّتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي مرثية زوجة قال الفرزدق في مرثية امرأة حامل ماتت له: وجفن سلاح قد رزئت فلم أمت ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا وفي جفنه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أخطأنه لياليا وقال الموسوي: إن لم تكن نصلا فغمد نصول ... غالبت أحداث الزمان بغول أو لا تكن بأبي شبول ضيغم ... تدمى أظافره فأمّ شبول «٥»
следующие страницы →