← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وقال أبو القاسم العلاء في الصاحب: قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعد ما نام الملاعين لا يعجب الناس لما مات فانتشروا ... مضى سليمان فانحلّ الشياطين من مات بموته من لم يمت قال شاعر: ماتوا بموتك غير أنّ شخوصهم ... نصب الهموم مقيمة لم تقبر وقال امرؤ القيس: فلو أنّها نفس تموت بموته ... ولكنّها نفس تساقط أنفسا وقال هشام أخو ذي الرمّة: ولم يك قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما وقالت ليلى: قتلتم فتى لا يسقط الرعب رمحة ... إذا الخيل جالت في قنا متكسّر وقال الفرزدق: ألا هلك المكسّر فاستراحت ... حوافي الخيل والحيّ الحريد «١» لما أتى معاوية نعي عمرو بن العاص، أنشد: ماذا رزئنا به من حيّة ذكر ... نضناضة بالرزايا صلّ أصلال «٢» من هابته الحوادث فاشتفت بموته قال أبو الغمر: وسألت عنه فقيل مات لما به ... قلت النّدى لا شك مات لما به «٣» فكأنما ضنّ الزمان على الورى ... ببقائه أو هابه فبدا به وقال محمد بن وهب: كأنّ الموت صادف منك غنما ... أو استشفى بموتك من سقام «٤» من تبجّح به الموت وطاب القبر فلان تباشرت القبور بموته وأشرقت المقابر بحفرته. قال العقيلي: لئن أظلمت من بعدك الأرض وحشة ... لقد أشرقت أنسا إليك المقابر

стр. 1332

وقال الطائي: مضى طاهر الأخلاق لم تبق بقعة ... من الأرض إلا تشتهي أنها قبر وقال: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه ... فطيب تراب القبر دلّ على القبر المرثي بالعلم أنشد أبو نواس أبا عبيدة في مرثية خلف الأحمر قوله: أودى جماع العلم مذ أودى خلف ... فليذّم من العياليم الخسف «١» رواية لا يجتني من الصحف وفي أبيات كثيرة قال ما أحسنها وطوبى لمن يرثى بمثلها، فقال: مت راشدا وعلي أن أرثيك بخير منها، ولما مات سفيان بن عيينة. قال ابن مناذر: راحوا بسفيان على نفسه ... والعلم مكسوين أسفانا «٢» لا يبعدنك الله من هالك ... ورّثنا علما وأحزانا وقال آخر: يبكيك للمجد أقلام مهذبة ... والأمر والنهي والديوان والعمل وقال التنوخي: ثوى الفقه في قعر الثرى مذ ثوى به ... وغاصت بحار الشعر وانقطع النظم ولو أنّ هذا الموت خصم مفوّه ... لأفحمه من عزّ ألفاظه خصم المرثي بالزّهد والعبادة رأى رجل ميتا فقال: كان والله بالليل قوّاما وبالنهار صوّاما يجمع بين طرفي النهار والليل بالعبادة، كما قال الأفوه: لقد أبقى مكانك في لؤي ... وآل محمد خللا مبينا وليل قد دأبت له بآي ... من الفرقان بين الساجدينا فآنس شخصك الجدث المعفّى ... وأوحش قبرك المتهجّدينا «٣»

стр. 1333

قال عبد الصمد بن المعدل: لو كان يبكي كتاب الله من أحد ... لطول إلف بكتك الآي والسور المختصّ بمرثية الأبوين قيل: موت الأبوين سد بابين من أبواب الجنة. قال قتيبة بن مسلم لما ماتت أمه لأبي مجلز: لقد سدّ دوني باب من أبواب الجنة قال: نعم وباب من أبواب النار لأنك ما كنت تأمن أن تعقها. قال كشاجم: أبعد مصاب الأمّ آلف مضجعا ... وآوي إلى خفض من العيش أو ظلّ سترضع عيني قبرها من دموعها ... بما كلفته من رضاعي ومن حملي «١» رثيت لنصل يأخذ الموت جفنه ... وأعجب من فرع ينوح على أصل وبكت صبية أباها، فقالت: وا أبتاه تركتنا كالبهم ليس لنا رعاة، وا أبتاه تركتنا كالزرع ليس له مسقاة. الفجيعة بولد صغير قال أحمد بن أبي طاهر: بدر ليل بدر النق ... ص له قبل تمامه كان نورا من رياض ... فذوى قبل ابتسامه «٢» وقال أعرابي: يا غائبا ما يؤوب من سفره ... عاجله موته على صغره شربت كأسا أبوك شاربها ... لا بدّ منها ولو على كبره وقال المتنبي: فإن تك في قبر فإنّك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطّفل «٣» ومثلك لا يبكى على قدر سنّه ... ولكن على قدر المحيلة والأصل بنفسي وليد عاد من بطن أمه ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل وقد مدّت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الرّكاب من النّعل «٤»

стр. 1334

وريع له جيش العدوّ وما مشى ... وجاشت له الحرب الضّروس وما تغلي «١» وكتب: كاتب عاجله موته على صغره وعاقصه رداه قبل سفره، وقال التنوخي: كغصن ثنته الريح عند اعتداله ... رياح غواد بالرّدى وروائح التحسّر على الولد قال أبو الشّيب: بأبي وأمي من عبأت حنوطه ... بيدي وودّعني بماء شبابه كيف السلوّ وكيف أنسى ذكره ... وإذا دعيت فإنّما أدعى به وقال: لعمرك ما أبقى لنا الدهر باقيا ... نقرّ به عينا غداة نؤب كأنّي وترت الدهر بابن أفاده ... على حين كانت كبرة فمشيب «٢» وقال العتبيّ: دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحت ... لها دافن من نفسها ودفين المتوجّع لموت البنين وبقاء البنات قال أبو الغمر، وقد مات له خمس بنين وحصلت له خمس بنات: مضى خمسة وجهي بهم كان مشرقا ... بخمس بهنّ الوجه أسود سافع «٣» وقال العتبيّ: ألا يدرأ الدهر عنّا المنونا ... يبقي البنات ويفني البنينا وكنت أبا خمسة كالبدور ... وقد فقأوا أعين الحاسدينا فمروا على حادثات الزمان ... كمرّ الدراهم بالنّاقدينا مرثية عروس امرأة مات عنها زوجها ليلة العرس، فقالت: أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والترس أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس وقال: يا قرب مأتمها من العرس وقال صالح بن عبد القدوس: وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه

стр. 1335

وقال المتنبي: أتتهنّ المصيبة غافلات ... فدمع الحزن في دمع الدلال «١» من قتل محبوبه قال بعضهم وقد اتهم امرأته فقتلها: يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الرّدى بيديها رويت من دمها الثّرى ولطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها وذباب سيفي في مجال خناقه ... ومدامعي تجري على خدّيها «٢» وقال ديك الجن وكان اتهم امرأته فقتلها ثم تبين له بطلانه: تبكي وتقتل من تحبّ ... فقدك من عجب عجيب وقال: وآنسة عذب الثنايا وجدتها ... على خطّة فيها لذي اللبّ مألف فأصلتّ حرّ السيف في حرّ وجهها ... وقلبي عليها من جوى الوجد يرجف «٣» فخرّت كما خرّت مهاة أصابها ... أخو قنص ومستعجل متعسّف سيقتلني حزنا عليها تأسّفي ... وهيهات ما يجدي عليّ التأسّف مرثية عشيقة قال العبّاس: ريحانتي واختلست من يدي ... أبكي عليها آخر المستند «٤» كانت يدا كانت بها قوّتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي مرثية زوجة قال الفرزدق في مرثية امرأة حامل ماتت له: وجفن سلاح قد رزئت فلم أمت ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا وفي جفنه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أخطأنه لياليا وقال الموسوي: إن لم تكن نصلا فغمد نصول ... غالبت أحداث الزمان بغول أو لا تكن بأبي شبول ضيغم ... تدمى أظافره فأمّ شبول «٥»

стр. 1336

مرثية ضال قال أعرابي يرثي أخا له ضلّ: فلو أنه إذا جاءه الدهر عاديا ... أتيح له موت وغيّبه قبر إذا لصبّرت النفس ثم احتسبته ... وفي الصّبر لي حسن المثوبة والأجر ولكن طوت عنّي المقادير علمه ... فما لي به لمّا تناءى شخصه خبر أموت فيسلى أم حياة فيرتجى ... أبرّ أتى من دون مثواه أم بحر وقال آخر: رمى بصدور العيس مخترق الصّبا ... فلم يدر خلق بعدها أين يمّنا وسنان بن حارثة استهوته الجن فزعمت العرب أنها استفلحته الجن طلبا لكرم نجله وقارظ عنزة ممّن فقد. وقيل: إنه خرج مع خزيمة بن مالك وكان خزيمة يهوى ابنته، فانتهيا إلى بئر فيها معسل، فأرسله خزيمة. فلما قال: أجذبني قال: لا أفعل أو تزوّجني ابنتك. فقال: أخرجني لأزوجك فأما على هذه الحالة فلا، فقال: لا أفعل وتركه. وبه ضرب المثل الشاعر بقوله: إذا ما القارظ العنزيّ آبا «١» وكان فيهم قارظ آخر فقده وفيه قيل: وحتّى يؤب القارظان كلاهما ... وينشر في القتلى كليب لوائل مرثية مصلوب قال الرقاشي: كنت من صنائع البرامكة فلما صلب جعفر أردت أن أبكي عليه إذا انتهيت إليه، فلم يمكنّي من حوله فمررت يوما والدنيا خالية فبكيت، وقلت: أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للنّاس للركن استلام «٢» فلما دخلت على الرشيد قال: إيه، أما والله لولا خوف واش، فانتفضت وقلت: ما أحسب إلا الجن تأتيك بالأخبار. ولأبي الحسن بن الأنباري في أبي طاهر بن بقية أبيات متناهية في هذا المعنى: علوّ في الحياة وفي الممات ... فحقّ أنت إحدى المعجزات كأنّ الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصّلات

стр. 1337

كأنّك قائم فيهم خطيبا ... وكلّهم قيام للصّلاة مددت يديك نحوهم اتقاء ... كمدّكها إليهم بالهبات ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضمّ علاك من بعد الممات أصاروا الجوّ قبرك واستعاضوا ... من الأكفان ثوب السّافيات «١» لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحرّاس وحفاظ ثقات وتمام ذلك مذكور في كتاب الأحداق مرثية المغني متعاطي اللهو والشرب قال دعبل في الموصلي: سيبكي البم من جزع عليه ... وتبكيه المثالث والمثاني «٢» وتثكله القيان وحافظوها ... وينعاه الزقاق إلى الدّنان وقال آخر: فليبكها الخمر إذ ماتت منائحها ... وليبكه الرخّ والفرزان والشاه «٣» وكان لخلّاد بن معزوه صديق، فلما مات خلاد جاء صديقه معزيّا فأقام على قبره برهة يكثر البكاء عليه، فعوتب على كثرة بكائه، فقال: كيف لا أتوجع على رجل ما أدخلنا مؤاجرا قط إلّا قال لي تقدّم أبدا فإن قوي لي وإلّا قوّاه وراضه. ومن مليح المراثي قال ابن الرومي في بستان المغنية: بستان أسقيت من مدامعنا ... لا من سواري الغيوث والمطر بل حقّ صهباك أن تكون من ال ... صهباء صهباء حمص أو هجر بل من رحيق الجنان يختم بالمس ... ك سلافاته بلا عكر «٤» بل من نجيع القلوب يمزج بالعط ... ف وصفو الوداد لا الكدر «٥» موت شرّير قيل: إذا مات الخيّر استراح من الدنيا، وإذا مات الشرير استراحت منه الدنيا، وقال الحسن بن أيوب: مات يحيى فمات شرّ كثير ... ولقد كان شرّه يستطير إن موت الأشرار فتح عظيم ... وغياث ونعمة وسرور

стр. 1338

ما شمتنا بموت يحيى ولكن ... سرّنا أنّ شرّه مقبور وقال الصاحب: نعوا إليّ ابن دهشوذان عن كثب ... قلت إن صحّ هذا مات إبليس ولما مات المكتفي وطولب الناس بالبقايا، قال أحمد بن واضح: مات الخليفة وانقضت أوطاره ... ممّا حوته يداه من دنياه قد كان حيّا وهو عنّا ميّت ... فالآن لما مات عاش أذاه وقال مالك بن طوق: فبعدا لا انقضاء له وسحقا ... فغير مصابه الحدث العظيم وقال الصاحب لما مات أبو الحسن الطبري الطبيب: قالوا أبو الحسن الطبيب قد انقضى ... فبكت عليه مدامع الإلحاد كلا بل الإلحاد مات بموته ... فكأنّما كانا على ميعاد وقال أبو سهل المجوسي: أريحوا النفوس فلا تكثروا ... حديث قرانكم المقتبل فقد دلّنا موت هذا الخسيس ... على أن تأثيره في السّفل الإستهانة بموت النساء قال النبي ﷺ : دفن البنات من المكرمات. وقيل: دفن الحرم من أعظم النعم. وقال الفرزدق: وأهون مفقود إذا الموت ناله ... على المرء من أصحابه من تقنّعا «١» أصحاب الصنائع الخسيسة قال البقطري الكاتب يرثي غلاما له يدعى مباركا: مبارك من ذا يسوس الدو ... اب في القيظ والليلة الشاتية ومن ذا يصبّ لنا في الجباب ... مياها إذا أصبحت خالية لقد كنت أخدم سوّاسنا ... وأسلمهم عندنا ناحية فوقاك ربّك نار السّموم ... ولا زلت في عيشة راضية قال جحظة في مرثية طبّاخ كان يسمّى صندل: لقد عظمت صائبات الرزايا ... وأودت بصندل كفّ المنايا

стр. 1339

فمن للبوادر قبل الطبيخ ... ومن للمبزر قبل القلايا «١» نبش القبور قال عمرو بن هانئ الطائي: بعثنا أبو غانم المروزيّ على نبش قبور بني أمية، فانتهيت إلى قبر هشام فاستخرجته صحيحا فما فقدت منه شيئا إلا أطراف أنفه. إلا أنه كان كريشة فأحرقناه، ثم استخرجنا سليمان من أرض دابق فلم نجد إلا صلبه وجمجمته، وكذلك كان عبد الملك، ووجدنا معاوية كخط أسود كأنه رماد، ولم يوجد في قبر يزيد بن معاوية إلا عظم واحد، وما وجد من عظامهم أحرقناه. ومن أنواع هذا الباب قال الجاحظ: ما سمع في صفة النوائح المستأجرات مثل قول الراجز: كأنّها نائحة تفجّع ... تبكي لميت وسواها المفجّع ونحوه: بكى الشجو ما دون اللهى من حلوقه ... ولم يك شجو ما وراء الحناجر وقال زياد الحارثي: رمسنا رجلا في زمن أبي بكر فبكى رجل، وقال: فبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير يبكي عليه غريب ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور فقال له بعضهم: أتعرف قائل هذا الشعر؟ قال: لا، فقال: هذا الميت والله قائله وذاك وارثه مسرور بماله، فأنت الغريب الباكي عليه نهاية الصبر أن لا تحدّث بمصيبتك أحدا ولا تذل نفسك عنده. الصبر على المصيبة يفلّ حدّ الشامت بها. وقال محمد بن هريمة: أقبلت من مصر فلما انتهينا إلى باعينانا قعد صاحبي ليبول، فقال له رجل شيخ: هذا قبر عجيف، كان المعتصم قتله ههنا وألقى عليه هذا الحائط، فقال الرجل: سبحان الله رأيتني بهذا المكان وقد دعا لي عجيف بالسوط فبلت من خوفه، وها أنا أبول على قبره. الناس بين فرح بمولود وترح بمفقود.

стр. 1340

الحدّ الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران (١) فما جاء في وصف الملوين «١» والسماء والنجوم قال الإسكندر لبعض الحكماء: أيّما أول الليل أو النهار؟ فقال: هما في دائرة واحدة والدائرة لا يعرف لها أول من آخر ولا أعلى من أسفل، وجعلت العرب الليل قبل النهار في التاريخ، ولذلك أرخوا بالليل دون النهار وغلبوا التأنيث على التذكير في هذا الموضع خصوصا. ولذلك قال ابن مقبل في هذا المعنى: فطافت ثلاثا بين يوم وليلة ولم يقل ثلاثة. وذكر أنه وجد مكتوب على حجر قبل الإسلام بألف عام في بعض غيران نجد: خدنان لم يريا معا في منزل ... وكلاهما يجري به المقدار «٢» لونان شتّى يكسوان خلوقه ... ما عاورته الريح والأقطار قال شاعر على سبيل اللغز: ما سبعة كلّهم إخوان ... ليس يموتون وهم شبّان لم يرهم في موضع إنسان يعني أيام الأسبوع. ومما يدخل في ذكر الأيام دخل الكميت على جعفر بن محمد ﵉ فدعاه إلى الغداء، فقال: إني صائم فقال: وأي يوم للصوم أحق من يوم قتل فيه الحسين وقبض فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم

стр. 1341

وكان المتوكل يتبرّك بيوم الأربعاء لأنه ولي فيه الخلافة وكان يكثر فيه ما يحبه، وقال: وعندي نعمى الأربعاء جليلة ... سأشكرها حتّى أغيب في لحدي يقال ثقيل وهو عندي مبارك ... بنفسي معيب عيبه زاده عندي السّماء قيل لأكمه: ما تشتهي؟ فقال: أن أرى وجه السماء. فقيل: وكيف اخترت ذلك؟ فقال: لقول الله تعالى: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ «١» وقوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ «٢» . فهل شيء أحسن مما يخبر الله أنّه زينه. ونظر أعرابي إلى السماء فقال: سبحان الذي أدّى حواشيك إلى غير علاقة ووكد أعاليك بلا تسنّم وأقل أسافلك بلا عمد. وسئل حكيم عن مساحة طول السماء فقال: مسيرة يوم للشمس. ماهية الشمس اختلفوا في ماهية الشمس فقال بعض الفلاسفة: هي فلك أجوف مملوء نارا له فم يجيش بهذا الوهج. وقيل: هي اجتماع أجزاء نارية يرفعها البخار الرطب. ثم اختلفوا في شكلها فقالوا: صفيحة عريضة، وقيل: كرة مدحرجة واختلفوا في مقدارها فقيل: مثل الأرض سواء. وقيل: هي أعظم منها وقيل: هي أصغر منها. نعت الشّمس قال بعضهم في وصفها: وسائرة لا ينقضي الدهر سيرها ... وليست على حيّ من النّاس تنزل لها صاحب لم تلقه الدهر مرة ... على أثرها يمشي يسير ويعمل وقال بعضهم: الشمس معرضة تمور كأنها ... ترس يقلّبه بحي رامح وقال التنوخي: والأرض من صبغ النّبات كأنّما ... أعلامها مثل القميص المعلم أو مثل جام من عقيق أو كطا ... س من زجاج بالمدامة مفعم «٣»

стр. 1342

الشمس قبل الطلوع قال أبو نواس: قد اغتدي والشّمس في حجابها ... مثل الكعاب الرود في نقابها «١» الشمس المستترة بالغيم وقال جندل الطوي: جاء الشتاء واجتال غيم أغبر ... وتطلّعت شمس عليها مغفر «٢» وقال ابن الرومي: شمس تسايرنا وقد بعثت ... ضوءا يلاحظنا بلا لهب وقال ابن طباطبا: متى أبصرت شمسا تحت غيم ... ترى المرآة في كفّ الحسود يقابلها فيلبسها غشاء ... بأنفاس تزايد في الصّعود وقال المهلبي: والشمس حيرى خلف غيم عارض ... وكأنّنا في ضوء ليل مقمر الشمس اللائحة من خلل الغمام قال ابن المعتز: تظلّ الشمس ترمقنا بلحظ ... مريض مدنف من خلف ستر تحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعنّين يحاول فتق بكر «٣» وقال ذو الرمة في وصف ذلك: أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلاو انعلّ سائره انعلالا أي ضعيفا ليس بشيء. وقال آخر: وشمس الله مسرجة الغلاف الشمس الجانحة للغروب قال أبو النجم: وصارت الشمس كعين الأحول

стр. 1343

وقال آخر: والشمس كالمرآة في كفّ الأشل «١» وقال ابن الرومي: كأنّ حنوّ الشمس ثم غروبها ... وقد جعلت في مجنح اللّيل تمرض تخاوص عين ملء أجفانها الكرى ... يرنق فيها النوم ثم تغمض «٢» وقال حميد: والشمس قد نفضت ورسا على الأفق «٣» وقال آخر: وودّعت الدنيا لتقضي نحبها الهلال لأوّل الشهر قال ابن المعتز في وصفه: أنظر إليه كزورق من فضّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وقال الناجم: البدر قد قابلنا طالعا ... كأنّه حزة بطيخ وقال كشاجم فيه: كشعيرة من فضّة ... قد ركّبت في خنجر وقال الرفّاء: ولاح لنا الهلال كشطر طوق ... على لبّات زرقاء اللباس «٤» وقال آخر: سنان لواه الطعن في رأس عامل وقال ابن طباطبا كالنّون إذا خطّت بماء الذهب البدر وقت طلوعه قيل لأعرابي: الشمس أحسن أم القمر؟ فقال: القمر أحسن والشمس أجهر. قيل: وكيف صار القمر أحسن؟ قال: لأن العيون عليه أجسر. وقال بعضهم: سافروا في هذه الليالي فإن أنس القمر يذهب وحشة السفر. وقال أعرابي: ما فقدت القمر إلا فقدت أخا أنيسا. وقال الموسوي: يا من بغرّته الهلال أما ترى ... بدر الهلا وقد بدا في المشرق

стр. 1344

كظريفة نظرت إلى عشّاقها ... فتنقّبت خجلا بكمّ أزرق «١» وخرج أعرابي في ليلة مظلمة فضلّ عن الطريق ثم طلع القمر فاهتدى، فرفع رأسه إلى القمر وقال: ماذا أقول لك إن قلت حسّنك الله فقد فعل، وإن قلت رفعك الله فقد فعل. وقال آخر يخاطب القمر: والله ما أبقيت لليل إلا اسمه. وزعم بعض العلماء أنّ السواد الذي في القمر هو صورة ما قابله من سواد الأرض لأن القمر كالمرآة يقبل الصورة المقابلة لانصقاله. الهلال الماحق قال ابن المعتز في آخر شهر رمضان: يا قمرا قد صار مثل الهلال ... من بعد ما صيّرني كالخلال فالحمد لله الذي لم أمت ... حتّى أرانيك بهذا المثال وله في وصفه: مثل القلامة قد قدّت من الظّفر «٢» الهلال في النهار قال ابن المعتز: إذا الهلال فارقته ليلته ... يبدو لمن يبصره وينعته كأنّه أسمر شابت لحيته القمر مع الشمس قال بعضهم: قد أصبح الجوّ مثل منتقد ... في كفّه درهم ودينار وقال ابن المعتز في وصفهما: فكأنّه وكأنّها ... قد حان من خمر وماء البدر المبتدئ من وراء الغيم قال بعضهم: البدر يأخذه غيم ويتركه ... كأنّه سافر عن خدّ ملطوم

стр. 1345

وقال الرفّاء: والبدر يظهر في السّحاب كأنّه ... عذراء تنظر من وراء سجاف «١» القمر اللامع في الماء قال شاعر: البدر يجنح للغروب كأنّما ... قد سلّ فوق الماء سيفا مذهّبا قال ابن المعتز: البدر يضحك وسط دجلة وجهه ... والماء يرقص حولنا ويصفّق فكأنّه فيها طراز مذهّب ... وكأنّها فيه رداء أزرق القمر المجتمع مع بعض النجوم قال ابن المعتز: وهلال شوال يلوح ضياؤه ... وبنات نعش وقف بإزائه «٢» كبناته من مخلص لما بدا ... وجه الوزير دعا بطول بقائه وقال ابن طباطبا: كأنّ الثريّا والهلال جلتهما ... لي الشمس إذا ودّعت كرها نهارها كأسماء إذا باتت عشاء وغادرت ... لدينا دلالا قرطها وسوارها وقال عبد الله بن الخازن: فأصبح بدرا والثريّا تميمة ... على جيده خوف العيون الحواسد الكسوف والخسوف قال الرقاشي: حكي أن الزنج كانت تعبد القمر والهند الشمس فألقى الله عليهما الكسوف والخسوف. وقيل لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ : كسفت الشمس فقال الناس: إن ذلك لموته. فقال النبي ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما كذا فافزعوا إلى الدعاء. بعضهم شبه القمر الذي بدا من الكسوف فقال: كأنه درهم بدر من سكة.

стр. 1346

النجوم قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ «١» وقال تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ «٢» وقال تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وقال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ «٣» وقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً «٤» وقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ «٥» . معرفة النجوم قيل لأعرابي: أتعرف النجوم؟ قال: وهل يجهل أحد سقف بيته. وقيل لآخر فقال: لا أعرف إلا بنات نعش ولو تفرقن. وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: كفى بالمرء جهلا إن ركبا وقوفا على رأسه كل ليلة لا يسميهم، يعني النجوم. المجرّة قال شاعر: كخط لجين في الزبرجد ممتّد وقال آخر: غصن بأحداق النجوم وربق وقال التنوخي: وكأنّما شرك المجرّة بينها ... ماء تسرّى في نبات أخضر وقال ابن طباطبا: كأنّ التي حول المجرة أوردت ... لتكرع في ماء هناك صبيب خرافات للعرب في النجوم قالت العرب: إن الدبران «٦» خطب الثريا وأراد القمر أن يزوجه فأبت عليه وولّت عنه، وقالت للقمر: ما أصنع بهذا السبروت «٧» الذي لا مال له فجمع الدبران قلاصه «٨» يتمول بها، فهو يتبعها حيث توجهت يسوق قلاصه لصداقها.

стр. 1347

وأن الجدي قتل نعشا فبناته تدور به، وإن سهيلا خطب الجوزاء فركضته برجلها فطرحته حيث هو، وضربها هو بالسيف فقطع وسطها. وإن الشعرى اليمانية كانت مع الشعرى الشامية ففارقتها، وعبرت المجرة فسميت الشعرى العبور، فلما رأتها الشاميّة بكت حتى عمصت عيناها فسميت الشعرى العميصاء. وصف جمل من النجوم غير مسمّاة سميت الكواكب شواهد الليل قال النبي ﷺ : لا صلاة بعد العصر حتى يبدو الشاهد. وقيل في قول الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ إنها زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد. وقيل في قوله تعالى: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً «١» إنها النجوم السبعة. وشبه امرؤ القيس النجوم بقوله: مصابيح رهبان تشبّ لقفال «٢» وفي وصفها: دراهم قد نثرت ... على بساط أزرق وقال آخر: درّ على أرض من الفيروزج وقال ابن طباطبا: كأنّ اخضرار الجوّ صرح ممرّد ... وفيه لآلئ لم تشن بثقوب «٣» وقال التنوخي: كأنّ نجوم الليل في ظلماته ... ثغور بني حام بدت للثّات وقال البحتري: كأنّ النجوم المستسرات في الدجا ... شكال دلاص أو عيون جراد «٤» وقال يحيى بن علي بن المهلب: ترى الفلك الدوار زهرا نجومه ... كقبّة ياقوت بتبر مدثّرا «٥» وقال أبو بشر عبد الواحد بن علي بن أحمد بن سهل: كأنّ السماء روضة قد تفتّقت ... أكمتّها والبدر في الأرض درهم

стр. 1348

تحيّر النجوم في الجوّ قال العبّاس بن الأحنف: والنجم في كبد السماء كأنّه ... أعمى تحيّر ما لديه قائد وذكروا أن بشارا كان يتعجب منه، ويقول لم يرض أن جعله أعمى حتى جعله بغير قائد. الثريّا قال ابن الطثرية: إذا ما الثريّا في السّماء كأنّها ... جمان وهي من سلكه فتبدّدا وقال ابن المعتز: كأن الثريا هودج فوق ناقة ... يخبّ بها حاد إلى الغرب أبلج «١» وله: يتلو الثريّا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود ونحوه: كعنقود ملاحية حين نوّرا وفي وصفها: عنقود درّ في كرم فيروزج وفيه: ولاحت لساريها الثريّا كأنّها ... على جانب الغربيّ قرط مسلسل وقال آخر: هي كاس في شروق ... وهي قرط في غروب وقال الخبّاز البلدي: ونجم الثريّا في السماء كأنّه ... على نطع كيمخت ببادق عاج «٢» وقال محمد بن وهيب: أما ترون الثريا ... كأنها عقد ريا وقال كشاجم: كأن الثريا راحة تشبر الدجى ... لتنظر طال الليل أم قد تعرضا «٣»

стр. 1349

فأعجب بليل بين شرق ومغرب ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا الجوزاء قد شبهت بفأرة تسبح وقينة ترقص وفساطيط «١» تركب، قال الراجز: لابس درع قد تمطى من تعب وقال آخر: كراع ساق بين يديه ثورا ... بليدا قد أشال عصا طرود «٢» وقال ابن الزيات: كأنّ كواكب الجوزاء لمّا ... سمت وتعرّضت للمنكبين «٣» فتى حرب تقلّد قوس رام ... وقلّد خصره بقلادتين الشّعرى قال ذو الرّمّة: إذا أمست الشّعرى العبور كأنّها ... مهاة علت من رمل يبرين رابيا وقال آخر: ولاحت الشّعرى وجوزاؤها ... كمثل زجّ جرّه رامح «٤» وقال آخر: كأنّما شعراه درّتا صدف وقال آخر: كأنّما شعراه طرف باكية سهيل قيل في تشبيهه: قريع هجان عارض الشول حافز «٥» وشبّه مع النجوم براع وراء قطيع، وبرقيب، وبطرف أخزر، وبشبوب تأخر عن الصوار وقال آخر: ولاح سهيل من بعيد كأنّه ... شهاب ينحيه عن الرّيح قابس «٦»

стр. 1350

قال الأصمعي: وتقول العرب إذا طلع سهيل طاب الليل ورفع الكيل وللفصيل الويل، أي رفع كيل الحنطة وجاء كيل التمر، وخل لسان الفصيل أي منع من أمه. وقال الأعرابي إذا رأى سهيلا لطم عين فصيله ويقول: مالك عندي قطرة. المشتري قال ابن طباطبا: كأن اكتتام المشتري في سحابه ... وديعة سرّ في ضمير مذيع وقيل لابن دلين المنجم: ما الدليل على أن المشتري سعد؟ قال: حسنه. العقرب قال ابن المعتز: وصغت العقرب للمغارب ... بذنب كصولجان اللاعب الجدي قال ابن سلمة: الجدي كالفرس الحصان شددته ... بالسّرج إلا أنّه لا يصهل المريّخ وقال رجاء بن الوليد: وكأنّما المريخ مقلة ناعس ... حمراء نبّه من لذيذ نعاسه النسر وقال ابن المعتز: والنّسر قد بسط الجناح محوّما ... حتّى تراه كطالب لم يصطد وقال ابن هرمة: وتربّع النسران هذا باسط ... يهوى لسقطته وهذا كاسر والحوت يسبح في السّماء كسبحه ... في الماء وهو بكلّ سبح ماهر الفرقدان وقال ابن المعتز: ورنا إليّ الفرقدان كما رنت ... زرقاء تنظر من نقاب أسود وقال الموسوي في تشبيههما: كأنهما إلفان قال كلاهما ... لشخص أخيه قل فإني سامع

стр. 1351

بنات نعش قال ابن هرمة: وبنات نعش يشتددن كأنّها ... بقرات رمل خلفهنّ جآذر «١» وقال التنوخي: كأنّ بني نعش نساء حواسر ... قرائب قد شيّعن نعش قريب وقال ابن طباطبا في وصف ليلة مقمرة: وليلة مثل يوم شمسها قمر ... بدت بدوّ الضّحى ظلّاء قمراء يا حسنها ليلة عاد النهار بها ... أنسا وطيبا وإشراقا ولألاء وقال ابن المعتز: بيضاء قمراء أتاها صبحها ... وثيابها من ظلمة لم تدنس وقال آخر: كأنما فضة ذابت على البلد ظلمة الليل قال بعض الأعراب: خرجت في ليلة حندس «٢» قد ألقت على الأرض أكارعها «٣» فمحت صور الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالآذان. وقال آخر: سريت ليلة حين انحدرت أيدي النجوم وشالت أرجلها، فما زلت أصدع «٤» الليل حتى تصدع لي الفجر. وسأل هشام بن عبد الملك خالد بن صفوان فقال: كيف سيرك؟ فقال: قتل أرضا عالمها وقتلت أرض جاهلها بينا أنا أسير ذات ليلة إذ عصفت ريح شديدة اشتدت ظلماؤها وأطبق سناؤها وطبّق سحابها، ونطق ذبابها، فبقيت محرنجما كالأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر، لا أسمع لواطئ همسا ولا لنائح جرسا، تدلت عليّ غيومها وتوارت عنّي نجومها، فلا أهتدي بنجم طالع ولا بعلم لامع، أقطع محجة وأهبط لجّة في ديمومة قفر بعيدة القعر، فالريح تخطفني والشول تخبّطني، في ريح عاصف وبرق خاطف، قد أوحشني أكامها وقطعني سلامها. فبينا أنا كذلك وقد ضاقت عليّ معارجي وسدّت مخارجي، إذا بدا نجم لائح وبياض واضح وعرضت لي أكام محرملة «٥» ، فإذا أنا بمصانعكم هذه فقرّت العين وانكشف الرين وذهب الاين. فقال هشام: لله درك فما أحسن وصفك. قال شاعر: هو ليل كشباب ... لم يطر فيه مشيب

стр. 1352

وقال آخر: وجفن الليل مكتحل بقار ويقال: ليل في ثوب غراب. وقال أبو الشيص: وليل يغرق الركبا ... ن في أمواجه الحضر «١» وقال التنوخي: كان اسوداد الأفق باللّيل ثاكل ... تسربل للإحداد ثوبا مسوّدا كأنّ لنا منها بيوتا حصينة ... مسوجا أعاليها وساجا كسورها «٢» وقال ابن المعتز: يا رب ليل ضاع مني كوكبه ... مشتبه مشرقه ومغربه قد اكتسى برد الشباب غيهبه ... وقبض اللحظ فما يسيبه الفجر قال الطائي: سمعت أعرابيا يقول: خرجنا حين انتفض صبغ الليل. وقال آخر: حين بارق الصباح يعترض وصبغ الليل ينتفض حين أشعل ناره وأنار آثاره. وقال آخر: خرجنا حين انحدرت النجوم وشالت أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر. وقيل: تعرى رجاء عن فلقه ومثله افتر الصبح عن ثغره وحل معقود أزره. وقال ابن المعتز: وقد رفع الفجر الظلام كأنّه ... ظليم على بيض ترفع جانبه «٣» قال أبو نواس: لما تبدّى الليل من حجابه ... كطلعة الأشمط من جلبابه «٤» وقال ذو الرمة: وقد لاح للسّاري الذي كلّه السّرى ... على أخريات الليل فتق مشهر «٥» كلون الحصان الأنبط البطن قائما ... تمايل عنه الجلّ واللون أشقر «٦» وقال ابن المعتز: أما ترى الصبح تحت ليلته ... كموقد بان ينفخ الفحما وله وأحسن: قد أغتدى واللّيل في إهابه ... كالحبشيّ فرّ من أصحابه

стр. 1353

والصّبح قد كشرّ عن أنيابه ... كأنّما يضحك من ذهابه الفجر الطالع مع بعض النجوم قال ابن المعتز: وكأنّ الصبح لما ... لاح من تحت الثّريّا ملك أقبل في التّا ... ج يفدى ويحيّا وله: والصبح يتلو المشتري فكأنّه ... عريان يمشي في الدّجا بسراج قوس قزح قيل: سمى بذلك لتقزّحه أي تلونه. يقال: قزحت القدر أي بزرتها وجعلت فيها توابل. وقيل: إن قزح إسم شيطان وزعمت العرب أن الظاهر أيام الربيع هو قوسه، ولذلك قال النبي ﷺ لا تقولوا قوس قزح وقولوا قوس الله، قال شاعر: ولاح قوس الله من تلقائها ... في أفق الشمس بزوق من نظر «١» قد ظللت بحمرة وخضرة ... وصفرة كأنّها برد حبر «٢» وقال آخر: كأنّه قوس رام والبروق له ... رشق السهام وعين الشمس برجاس «٣» وقال ابن المعتز: لقد نسجت أيدي الجنوب مطارفا ... على الأفق دكنا والحواشي على الأرض كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبّغة والبعض أقصر من بعض «٤» (٢) وممّا جاء في الحر والبرد والرياح والسحاب والأمطار والمياه وما يتعلّق بذلك وصف الهواء بالحر وقلّة تحرّك الريح لقد حرّ الهواء فقيل هذا ... هوى لفظته في الجوّ القلوب

стр. 1354

كأن الأفق جاحم كمبرقين ... فما لم يحترق منه يذوب وسئل بعضهم: كيف كان الهواء البارحة؟ قال: مات ولم يكن له نفس. وقال: سدت الرياح فانسدت طرق الأرواح. قال مضرس: ويوم كأن الشعريين بكفّه ... يدا طابخ حثّ الوقود فألهبا وقال آخر: تراه كأنّ الشمس فيه مقيمة ... على البيد لم تعرف سوى البيد مذهبا وقال: وليل من الشعرى يذوب لعابه ... أفاعيه من رمضائه تتململ «١» وقال: وليل كتنّور الإماء سجرنه ... وألقين فيه الجزل حتى تضرّما «٢» وقال نهشل بن جرى: ويوم كأن المصطلين بحرّه ... وإن لم يكن جمر قعود على الجمر «٣» ويقال: اصطلى فلان بوديقة «٤» فشمله رقب جمر ومسه أو ثاجر «٥» . وفي وصف السموم قال شاعر: سموم يكاد الجلد منها إذا بدا ... لها الجلد من تحت الثياب يذوب وقال الصاحب: نحن والله من هوائك يا جر ... جان في خطّة وخطب شديد حرّها ينضح الجلود فإن هبّ ... ت شمال تكدّرت بركود كحبيب مهاجر كلّما ... همّ بوصل أحاله بصدود الهاجرة «٦» قال شاعر: وهاجرة يشوي هواء سمومها ... طبخت بها عيرانة فاشتويتها

стр. 1355

وقال شمردل: وهاجرة صادق حرّها ... تكاد الثياب بها تلهب كأنّ الحرابي من حرّها ... تروح بالنّار أو تصلب «١» وقال آخر: والشمس حيرا لها بالجوّ تدويم وقال آخر: إذا الشمس في الأيام طال ركودها وقال آخر: إذا الشمس مجتّ ريقها بالكلاكل «٢» صفة الحر وهاجرة بيضاء يعدي بياضها ... سوادا كأنّ الوجه منه محمّم وقال آخر: وانتعل الظلّ فصار جوربا وقال الأعشى: حتّى إذا انتعل المطيّ ظلالها وله: كالظلّ حين أحرزته السّاق تحرك الرياح قيل: خرج أعرابيان في غداة باردة، فقال أحدهما: أرى الشمال تنفس الصعداء، وقال الآخر: أراها تشعبّت على الجو. وقال بعضهم: جاءت الريح كأنها نسيم معشوق بعد هجير كأنه نفس مهجور. ريح شديدة قال المتلمّس: ومستنسج يستكشف الريح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالثّوب معصم وقال الفرزدق: وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب «٣» وقال المهلب: وريح يضلّ الروح عن مستقرّه ... وتستلب الركبان فوق الركائب فلو أنها ريح الفرزدق لم يكن ... لها ترة من جذبها بالعصائب

стр. 1356

نصبت لها وجهي وأنصبت صاحبي ... إلى أن حللنا في محلّ الحبائب «١» وقال ابن أحمر: عشواء تلتهم الجبال وأج ... واز الفلاة وبطنها صفر «٢» وقال آخر: ريح لجوج سهوة المجاري ... ابن أبي ربيعة في الشّمال والجنوب «٣» ضرائر أوطنّ العراص كأنّما ... أجلن على ما غادر الحيّ منجلا «٤» وقال حميد: جرت به هوج الرياح ذبولها ... جرّ النساء فواضل الأذيال «٥» وقال ذو الرّمة: ثلاث مربّات إذا هجن هيجة ... قذفن الحصى قذف الأكفّ الرواجم «٦» وقيل: الرياح أربع: ريح تقسم السحاب، وريح تثيره فتجعله كسفا، وريح تؤلف بينه فتجعله ركاما، والشمال تفرقها وهي باردة، ولذلك قال: وأتت على الأدنى شمال مريّة ... شآمية تزوى الوجوه بليل «٧» وأتت على الأقصى صبا غير قرّة ... تذاءب منها مزرع ومسيل «٨» الريح المستطابة والمتمنّاة أنشد المجنون: أيا جبلي نعمان بالله خلّيا ... نسيم الصّبا تخلص إلى نسيمها أجد بردها أو تشف منّي حرارة ... على كبد لم يبق إلا رسومها فإن الصّبا ريح إذا ما تنفست ... على كبد حرّى تجلّت همومها «٩» وقال يزيد بن الطثرية: إذا ما الريح نحو الأثل هبّت ... وجدت الريح طيبة جنوبا «١٠»

стр. 1357

وقال آخر: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجدا على وجد وقالت أم المثلم: أتينا بريح المسك خالط عنبرا ... وريح الخزامى باكرتها جنوبها وقال الموسوي: وهبّت لأصحابي شمال لطيفة ... قريبة عهد بالحبيب بليل ترانا إذا أنفاسنا مزجت به ... نرنّح في أكوارنا ونميل كيفية البرد الشديد قيل لأعرابي: ما أشد البرد؟ قال: إذا أصبحت الأرض ندية والسماء نقية والريح شآمية. وقيل لآخر. فقال: إذا دمعت العينان وقطر المنخران ولجلج اللسان. وقيل لآخر فقال: إذا نديت الدقعاء «١» وصفت الخضراء وهبت الجربياء. وقيل لآخر: أي اليوم أبرد؟ فقال: الأحص الورد والأزب الهلوف. فالأحص الورد يوم تصفو شماله ويحمر أنفه، والأزب الهلوف يوم تهبّ فيه نكباء فتسوق الجهام «٢» . وسأل الرشيد بعض أصحابه عن شدّة البرد فقال: ريح جربياء «٣» في ظل عماء في غب سماء. وصف البرد كان أعرابي يرتعد في يوم شات. فقيل له: تحوّل إلى الشمس. فقال: الشمس تحتاج اليوم إلى قطيفة. وقيل لرجل: ما أثقل جبتك. فقال: البرد أثقل منها. قال وهب الهمداني: يوم من الزمهرير مقرور ... عليه ثوب الصّبا مزرور كأنّما حشو جواه آبن ... وأرضنا فرشها قوارير «٤» وشمسه حرّة مخدّرة ... ليس لها من ضيائها نور قال الشمسياطي في وصف شتاء: ألقى كلاكله ببرد قارض ... حتّى غدا من في جهنم يحسد أخذه من أعرابي، قال: فإن كنت ربّي مدخلي في جهنم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم

стр. 1358

وجد أعرابي البرد فقيل له: هذا لكون الشمس في العقرب، فقال: لعن الله العقرب فإنها مؤذية في الأرض كانت أم في السماء. قال شاعر: قد منع الماء من المسّ ... وأمكن الجوّ من الحسّ وقال أبو محمد المطراني: وشتاء يخنق الكلب فلا يعلو هريره ... كلّما رام هريرا زمّ فاه زمهريره «١» هو من قول الراعي: لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلفّ على خرطومه الذنبا قال الرشيد: ما أبلغ بيت في شدة البرد فأنشد هذا البيت بعضهم، فقال أبلغ منه: وليلة قرّ يصطلي القوس ربّها ... وأسهمه اللاتي بها يتنبّل فقال: حسبك ما بعد هذا شيء، وقال ابن سمعون: البرد بالريّ رافضي، يقول بالرجعة، أي متى ذهب رجع. وقيل لأعرابي: أما تجد البرد؟ قال: لا لأن العري اتصل على بدني فاعتاده كاعتياد وجوهكم. وقيل لآخر: ما أصبرك على البرد. قال: كيف لا يصبر عليه من طعامه الريح وسراجه الشمس وسقفه السماء. حمد البرد في الشتاء قال عروة بن الزبير: خير شتائكم ما اشتد برده، وخير صيفكم ما اشتد حرّه. وكانوا يستعيذون من الشتاء البارد. وقال الأصمعي: ما وقع طاعون قط في بلد إلا في شتاء سخن أو تعقبه مضرّة البرد. وقال سعيد بن عبد العزيز: البرد عدو للدين. وفي الخبر أن الملائكة لتفرح بذهاب الشتاء لما يدخل في فقراء أمتي. وكان ﷺ يتعوّذ من كلب الشتاء. من شكا الفقر والقر صودف أعرابي يتكفّف ويقول: جاء الشتاء ومسنا قرّ ... وأصابنا في عيشنا ضرّ ضرّ وفقر نحن بينهما ... هذا لعمر أبيكم الشرّ وقيل لشيخ: كيف أنت؟ قال: خلق في خلق.

стр. 1359

قال أبو الحسن الطوسي: هجم البدر والشتاء فما أم ... لك إلا رواية العربيّة ويقلّ الغناء عنّي فنون ال ... علم إن عصفت شمال عريّة وقيل لأعرابي: ما أعددت للبرد؟ قال: شدة الرعدة وتقرفص القعدة وذرب المعدة. وقيل: رماه الله بالحرّة تحت القرّة، أي العطش مع البرد. جملة من أوصاف السّحاب من نشئه وقطاره قال ملحد الجرمي: أرقت وطال اللّيل للبارق الرمض ... حثيث سرى مجتاب أرض إلى أرض «١» نساري من الإدلاج كدري مزنه ... نقضي بجذب الأرض ما لم نكن نقضي تحنّ بأغوار الفلاة قطاره ... كما حنّ نيب بعضهن إلى بعض «٢» كأن شماريخ العلى من صبيره ... شماريخ من لبنان بالطّول والعرض «٣» يباري الرياح الحضرميّات مزنه ... بمنهمر الأوداق ذي قزع رفض «٤» يغادر محض الماء وهو محضه ... على إثره إن كان للماء من محض يروي العروق الهامدات من البلا ... من العرفج النجديّ ذو باد والحمض وبات الحيّ الجون ينقض بالحيا ... كنهض المداني قيد بالموعث النقض «٥» وقال الحسين بن دعبل: أما ترى الغيث قد سالت مدامعه ... كأنه عاشق يسطو به الذكر جاءت موقرة الأطراف خاشعة ... تكاد تؤخذ بالأيدي فتقتصر راحت رياح الصّبا ينظمن عارضها ... حتى إذا نظمنه ظلّ ينتثر أضحت له الأرض سكرى والثرى طرب ... والأفق مبتسم والجدب مستتر السحاب المتدلية قال عبيد الأبرص: دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح «٦»

стр. 1360

وقال آخر: ويسحب ذيليه على عفر الترب وقال آخر: كأنه نعام تعلق بالأرجل السحابة البطيئة جاءت تهادى مشرفا ذراها ... تحنّ أولاها على أخراها وقال الأخطل: إذا زعزعته الريح جرّت ذيولها ... كما زحفت عود ثمال تحمل «١» وقال الحطيئة: تزجي الصّبا منقل السّحاب كما ... تزجي المطالي فصالها سيقا «٢» وقال آخر: سحاب يزحف زحف الكبير وكان معقر قد كفّ بصره فقال: يا بنية ما ترين؟ قالت: سحابة عقاقه كأنها حولاء، ناقة ذات هيدب دان وسير وان، فقال: يا بنية وائلي «٣» إلى قفلة «٤» ، فإنها لا تنبت إلا بمنجاة من السيل. السحاب المتحلبة المطر قال الحسين بن مطير: كثرت لكثرة ودقه أطباؤه ... فإذا تحلّب فاضت الأطباء «٥» وضروعه عدد النجوم وطلّه ... إخلافه عدد النجوم رواء «٦» ووصف أعرابي سحابا فقال: لقحته الجنوب ومرته الصّبا واستدرته الشمال وقالت أعرابية: نحبته الصبا ومرته الجنوب وانتجفته الشمال انتجافا «٧» . وقيل: أجود بيت في صفة السحاب قول الهذلي: تلحقه ريح الجنوب وتقبل الشما ... ل نتاجا والصّبا حالب يمري وقالت أعرابية: أحب السحابة الخرساء لأنها تخرس حتى تمتلئ ماء وتصب طبقا «٨» طبقا يكون حبا.

стр. 1361

بكاء السحاب قال عبيد الله بن طاهر: وجاد بالقطر حتّى خلت أنّ له ... إلفانآه فما ينفكّ يبكيه قال الطحاوي من شطر: فما ترقا لهنّ مدامع «١» وقال ابن ميّادة: إذا ما هبطن الأرض قد مات عوده ... بكين به حتّى يعيش هشيم ضحكة البرق وبكاؤه بالوذق قال الحسين بن مطر: متضاحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء فله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك إذا أبصرته وبكاء ضحك الأرض من بكاء السماء قال الأبيض: وللسماء بكاء ليس عن حزن ... وللرياض ابتسام ليس من عجب وقال آخر: والأرض تبسم عن بكاء سماء وقال آخر وقد زاد: فتضاحكت زهراتها بمسرّتها ... وبكت سحائبها بلا أحزان الراعدة البارقة معا قال شاعر: كأنّما الرعد بها ثاكلة ... نادبة تخلط نوحا بشجى فاقدة واحدها تذكّرت ... ما قد مضى من عيشها ومن مضى والبرق في حافاتها يفعل ما ... يفعله وجد الحزين في الحشا وقال الرياشي في قول يزيد بن المفزع: الريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في غمامه أي: الريح تبكي والبرق يضحك. كقولهم ويل الشجيّ من الخليّ.

стр. 1362

قال التنوخي: ببرق كأشجاني وقطر كأدمعي ... ورعد كعولي للنوى ونحيبي وقال وهب الهمداني: الرعد في اصطكاكه خطيب ... والبرق في خلاله لهيب وقال آخر: يحنّ كثكلى في نشيج بكائه ... ويضحك فيه كالولود تبسّما وقال بعض البلغاء في سحاب: زجرت الرعود أردافه وأضحكت البروق أعطافه وجلبت الجنوب أخلافه. وصف البرق برق كنبض العرق وخفق القلب وبطن شجاع يضطرب. ولمع المرائي في أكفّ الكواعب. وكسلاسل تبر. قال شاعر: غاب تسنّمه ضرام توّقد ... وكأسياف تسلّ وتغمد سطور كتبن بماء الذهب قال عدي بن الرقاع: وحتّى حسبت البرق نارين شبّتا ... بعلياء نجد ما يني موقداهما وله: نار تعاود فيه العود جدّته ... والنار تسفع عيدانا فتحترق وقال آخر: كثغر زنجيّة تفترّ ضاحكة ... تبدو مشافرها طورا وتنطبق وقال جرير: يقول الناظرون إلى سناه ... بذي بلقاء شمس على نهار وقال آخر: كأن بلق الخيل فيها تضرج وقال آخر: أبلق جال جلّه حين وثب وصف أعرابي سحابا، فقال: لما تراءى نشوه ... وتبدّى بدوه

стр. 1363

أضطرمت ناره ... والتطمت بخاره وقال آخر: آض لنا ماء وكان نارا «١» الرعد قال الله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ «٢» وسمع عبد الملك صوت الرعد ففزع. فقال عمر بن عبد العزيز: هذا حس رضا الله فكيف ترى حس غضبه. وقال آخر: بأجوازه أسد لهن برابر «٣» وقال آخر: قد سبّح الرعد به وكبّرا وقال أبو الغمر: كأنّ الرعود بأرجائه ... هدير مقاليت في بطن واد «٤» وقال التنوخي: يحدو بها الرعد فإن كلّت زجر ... كأنها والمزن دان مكفهر خوّف بالبرق فوافى يعتذر ... أو قارئ أمّ بقوم فجهر متعتعا من أنف ومن حصر وقيل في صوته كأنه عزيف الشيطان وحنين الثكلان، وكأنّه صوت الرحى. قال الشريف أبو الحسين علي بن الحسين الحسني: فمن رواعده حنّت صواهله ... ومن بوارقه انسلّت قواضبه «٥» السحابة المخضبة الممرعة قال امرؤ القيس: ديمة هطلاء فيها وطف ... طبّق الأرض تحرى وتدّر «٦» قال الخالدي: طبق الأرض بديع لم يلحقه فيه متقدم ولا متأخر، ومن تعاطى أخذه فضحته نفسه.

стр. 1364

قال أبو تمّام: سارية مسمجة القياد ... كم حملت لمقتّر من زاد «١» ومن دواسنة جماد وقال آخر: مقبلة والخصب في إقبالها قيل لامرأة: كيف المطر عندكم؟ قالت: غثنا ما شئنا. وقال يونس لابن أبي الدفين: كيف كانت سماؤكم؟ قال: ما تركت لنا هابطا إلا أناقته ولا واديا إلا فهقته ولا فارغا إلا ملأته. قال الحسين بن مطير: لو أن من لجج السواحل ماءه ... لم يبق في لجج السواحل ماء وخرج صعصعة بن صوحان إلى معاوية فيمن خرج إليه من وفد العراق بعد قتل علي كرم الله وجهه، فلقيه أعرابي، فأراد أن يختبر صعصعة في المنطق فقال: كيف تركت السماء خلفك؟ قال: تركته مدّ البصر وفوق مرتفعا بغير عمد فيها الواحد الصمد. قال: فكيف تركت الأرض؟ قال: عريضة أريضة حامله للثقل منبتة للبقل، أهلها منها على شغل. قال: فكيف تركت المطر؟ قال: أسال الأدوية وعلا الأخبية وافعم الحفر ووبل القطر. قال: بالله أنت أنسيّ أم جني؟ قال بل أنسي سوى من شيعة علي من أمة بني مهدي. وقال أعرابي: باكرنا وسميّ خلفه ولي فالأرض بساط أحكم نسجه وبدا وشيه. قال سيابة بن عاصم: أصابتني سحابة بحوران فوقع قطر صغار وقطر كبار وكان الصغار لحمة للكبار. غيم ممّسك قال شاعر: دخان حريق لا يضيء له جمر وقال آخر: وكأنّما كسيت جناح غراب وقال آخر: كسيت بأجنحة الفواخت «٢» قال ابن المعتز: لقد لبس الدّجن ثوب السما ... والأرض مطرفه الأدكنا «٣»

стр. 1365

وقال الرفّاء: غيوب تمسك أفق السما ... وبرق يكتبها بالذّهب «١» سحاب متدل قال عبيد بن الأبرص: دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالرّاح «٢» فمن بنجوته كمن بمحقله ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح «٣» غيم متفرع على السماء قال الوأواء الدمشقي: أما ترى الغيم ممتدا سرادقه ... على السّماء بتدريج وتعريج كأن ذاك وذا قطن يفرّقه ... تواتر الندف في زرق الدواويج «٤» من قول ابن الرومي وقد نظر إلى غيم منقطع عن السماء، فقال: كأنه قطن يندف على بطانة زرقاء. يوم متلون بالصحو والغيم قال ابن طباطبا: صحو وغيم وضياء وظلم ... مثل سرور شابه عارض غمّ وقال آخر: ألم تر هذا اليوم أفنى نهاره ... سحاب وإصحاء وشمس ووابل أشبهه إيّاك يا من صفاته ... صدود وإعراض ومنع ونائل وقال آخر: أما ترى اليوم ما أحلى شمائله ... صحو وغيم وإبراق وإرعاد كأنه أنت يا من لا نظير له ... وعد وخلف وتقريب وأبعاد وقال بعضهم: مطر الربيع كغضب العشّاق، أي لا يدوم. قيل: خلق الربيع كخلق الصبيان والملوك وتلونهم بالصحو والغيم.

стр. 1366

الجهام «١» قال شاعر في جهام أراق ماءه: كأن الغيوم خيول طراد ... أعنّتها في أكف الرياح وقال السري الرفاء: كحلاء حالية بكت ... حتى انثنت مرهاء عاطل «٢» مطر مضرّ كلّ أمطر في القرآن فهو في العذاب. نحو: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ «٣» وكل موضع فيه مطر فهو للرحمة. قال أبو علي البصير: جرى الماء فيه من أسافله ... ومن أعاليه حتى ساخ منطلقا كأنني وعيالي في جوانبه ... طيور ماء على سكر قد التبقا وقال: من تكن هذه السماء عليه ... رحمة أو يكنّ بها مسرورا أيها الغيث كنت بؤسا وفقرا ... لي وللنّاس حنطة وشعيرا وقال فيه النبي ﷺ : اللهم حوالينا ولا علينا وكتب كاتب: فأتانا مطر مما سماه الله تعالى أذى، فحرب العمران وهدم البنيان فكم من قتيل تحت هدمه، وساهر تحت وكفه، وغريق في لجته، وصريع في هوته. وقال أعرابي: أصابنا مسافر يؤذي المسافر ولا يرضي الحاضر. الثلج كأن دقيق الثلج عند وقوعه ... على الأرض قطر أو دقيق يغربل وقال رجل: السماء تنخل الدقيق، فسمعه عبادة فقال: قل لأمك تمسك الخمير. قال شاعر: وكرسف يندف في الهواء ... منتثر لم يعد في استواء «٤» مثل نقي الفضة البيضاء وقال كشاجم في وصفه: شابت فسرت بذاك وابتهجت ... وكان شيبي بالشّيب مستكرها ويشبه الثلج بالحبيب، وبلجين يسبك، وبآل يلمع ودراهم تنتثر وبقرطاس ينشر: كأنّ ستائر الكافور مدّت ... بها والجوّ عريان سليب

стр. 1367

البرد قال الأخطل: نثرت على الحصباء كالحصباء ... بل ألقت على الرضراض كالرضراض «١» وقال علي بن جبلة: كأنّ قوالبه بالعرا ... ء تلقى على الجلمد الجلمدا وقال آخر: جاءت تهادى في برود من حبر ... تنثر دارا كان لو ذاب مطر تطير في الجوّ كنوّار الزهر ... أو شرر لو كان للماء شرر الصّقيع قال الفرزدق: وأصبح مبيض الصقيع كأنّه ... على سروات النبت قطن مندف «٢» وجاء بصراد كأنّ صقيعه ... خلال البيوت في المنازل كرسف «٣» اللثق «٤» قال شاعر: لقد صار وجه الأرض كلاء مزلة ... تمايل صاحبها تمايل شارب وقال الصاحب: وقد ركب في وحل عظيم فترشش باللثق ثوبه: لقد ركبت وكف الأرض كاتبة ... على ثيابي سطورا ليس تنكتم فالأرض محبرّة والزاج من لثق ... والطرس ثوبي ونهى الأشهب القلم إنقطاع المطر قيل لأعرابي: كيف خلفت ما وراءك؟ فقال: التراب يابس والأرض عابس. وقال شاعر: إن وجه البقاع ينتظر القط ... ر انتظار المحبّ رجع الرسول وقال العباس بن المأمون: متى تريك رياض الأرض أوجهها ... إن لم يكن لك لا طلّ ولا مطر ماهية الماء ووصفه قال الحجاج لغلامه: ائتني بأعز مفقود وأذلّ موجود. فلم يفهم ما عناه، فقال له ابن

стр. 1368

القرية: ائته بالماء. وقال ابن يزيد لشراعة: ما تقول في الماء؟ قال: هو الحياة ويشركني فيه الحمار، وقيل: ليس للماء قيمة لأنه لا يباع إذا وجد ولا يبتاع إذا فقد، وسمي الماء نفسا في قوله: أتجعل النفس التي تدير ... في مسك شاة ثم لا تسير ووصفه آخر فقال: هو مزاج الروح وصفاء النفس وقوى البدن، ومن فضيلته أن كل شراب وإن رقّ وصفا وعذب وحلا فليس يعوّض منه بل يطيب بممازجته ويعذب بمخالطته. قيل للنظام: ما لون الماء؟ قال: لون إنائه وإذا بعد قعره تصوّر أسود. وقيل: الماء من جنس الهواء وكل واحد منهما يستحيل إلى الآخر لما بينهما من المناسبة ولا لون لهما. وقيل: بعث ملك الروم إلى معاوية بقارورة فقال: اجعل فيها من كل طعام وشراب شيئا فلم يدر، فقال ابن عباس: اجعل فيها الماء، فإن الله تعالى يقول: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ «١» ، فلما أتى به ملك الروم، قال: هذا فعل رجل من بيت النبوة. وقال الله تعالى: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ «٢» فلم يذكره بأكثره مما في خليقته من السلامة من التغير الداخل عليه. وقال تعالى: هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ «٣» ، وهذا ملح أجاج. قال شاعر: مواقع الماء من ذي غلّة صادي «٤» وقال بعض البلغاء في وصفه: وما ظنكم بشراب إذا ملح وخبث أنبت العنبر وولد القار، والماء لا يغذو ولا يرى من اغتذى به، واستدلوا على ذلك بأن لك سيّال إذا طبخ انعقد إلا الماء. وعلى قياسه قالوا: لا ينعقد في الجوف إذا طبخته الكبد، وإذا لم ينعقد لم ينبت منه لحم ولا عظم. جريان ماء الأودية قال ابن طباطبا: يا حسن وادينا ومدّ الماء ... يختال في حلية دكناء «٥» فصبحه يفترّ عن مساء ... في صخر عال وفي ضوضاء يحكي رغاء النّاقة الكوماء ... ترى به مناطح الظّباء «٦» جماء قد شدت إلى قرناء «٧»

стр. 1369

وقال البحتري: كأن مداد دجلة حين جاءت ... بأجمعها هلال أو سوار وقال الولادي الأصبهاني: كأنّما زرنرود السؤر منعطفا ... نؤي حوالى خباء مدّه سيل «١» وقال الشريف: أما ترى زر نرود طالعه ... غيم فأدى مثاله فيه بين بياض ودكنة وتكاس ... ير من الموج في حواشيه كأنه الرمل من زرود إذا ... الحيّات يزحفن في نواحيه حسبته ماء على تكدّره ... أخلص ودّي له وصافيه ليس عجيبا منك التلوّن لي ... فهكذا كلّ من أؤاخيه وقال ابن مندويه: كان اتباع الموج موجا أمامه ... حثيثا تهادى فيلق إثر فيلق فليس بناج ذا ولا ذا بمدرك ... ولا ذاك مع هذا مدى الدهر يلتقي وقال آخر: كأنّما يفقده من يشهده وقال المتنبّي: جيشا وغى هازم ومنهزم «٢» وكتب عمرو بن العاص إلى عمر ﵁: البحر خلق عظيم يركبه خلق صغير كأنهم دود على عود. السّيل الذاهب بما يعنّ له قال امرؤ القيس: فأضحى يسحّ الماء في كلّ بقية ... يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل «٣» كأنّ السباع فيه غرقى عشيّة ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل «٤» قال ابن مندويه: كأنّ خرير الماء عند التطامه ... زفير سعير في إناء مخرّق «٥»

стр. 1370

وقال أشجع: وكأن صوت الماء في حافاته ... زجل القيان تطارح الأصواتا وقال آخر: جداول صخب الأمواج خراد وقال المتنبّي: وأمواه يصلّ بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني «١» وقال السري الكندي: ما بين ألحان الحما ... م وبين ألحان الجداول الماء الصافي قال العجّاج: فشنّ في الإبريق منه نزفا ... من رصف نازع سيلا رصفا «٢» وقال البحتري: كأنّما الفضّة البيضاء سائلة ... من السبائك تجري في مجاريها وقال الطرماح: كمتن اليماني سلّ وهو صقيل وقيل: لجين الماء على زمرد الحصباء وجدول مسجور كمهرق منشور ومنصل مشهور. قال شاعر: ماء كدرع مفرغ من فضّة وقال مسلم: ماء كعين الشمس لا يقبل القذى قيل: ماء كالصباح ومتن الصفاح. وقال شاعر: هو الجوّ من رقة غير أن ... مكان الطيور يطير السّمك وأنشد ابن الأعرابي: ومسيب خصر ثوى في ضلّة ... وإذا تحرّكه الرياح يزيف «٣» حلّت به بعد الهدوّ نطاقها ... بالجود دهماء النتاج رجوف «٤» وقال الأصمعي: أحسن ما قيل في الماء قول امرئ القيس: فلما استطابوا صبّ في الصحن نصفه ... وجادوا بماء غير طرق ولا كدر «٥»
следующие страницы →